← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 330

عمارة القبور في الإسلام - المبيضة - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (172 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هذا مع أن ما ذكرناه هو صريح الآية، لِمَا قدّمنا أن الدين عبارة عن مجموع الأحكام، ولكن أردنا زيادة الإيضاح. فأيُّ شيءٍ أُحْدِث بعد وفاته ﵌، فهو خارجٌ عن الدين، ضرورةَ أن الدينَ قد تمّ وكَمُل قبل حدوثه. فإن قيل: قد يكون زيادة كمال. قلنا: وهل يختار الله تعالى لرسوله غير الأكمل؟ مع أن كل متنازَعٍ فيه لا يخلو أن يكون مما شرعه الله أو [لا]. وعلى الثاني فالأمر واضح، وعلى الأول فلا يخلو أن يقال: هو (١) مما أعْلَم الله به رسوله، أو لا؟ والثاني باطلٌ؛ لأنّ كل ما شرعه الله فقد أعْلَم به رسولَه، مع أنه لا يُعْلَم الشرعُ إلا من قِبَلِه، وعلى الأول؛ فلا يخلو أن يكون أمره بتبليغه أو لا؟ إن قيل: لا. قلنا: فهل بلَّغه تبرُّعًا؟ إن قيل: لا. قلنا: فمن أين علمتموه؟ وإن قيل: بلَّغ. قلنا: أرونا ذلك نكن أول التابعين. [ص ٤] وعلى الأمر بالتبليغ، فهل بلَّغ؟ إن قيل: نعم. قلنا: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]. والآية الثانية تدل أنه ليس لأحدٍ أن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله،

стр. 37

والإذن إنما يُعْلَم بالكتاب والسنة، وأن مَن شَرَع ما لم يأذن به الله فقد ادّعى الشرك في الألوهية، والعياذ بالله. ومعنى الحديثين واضحٌ. * * * * وقال الله في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال جل ذكره: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وفي "الصحيحين" (١) عن سعد قال: قال رسول الله ﵌: "إنَّ أعظم المسلمين في المسلمين جُرْمًا مِن سأل عن شيءٍ لم يحرَّم على الناس، فحُرِّم من أجل مسألته". وأخرج الترمذي وابن ماجه عن سلمان قال: سئل رسول الله ﵌ عن السَّمْن والخبز والفِراء؟ قال [ص ٥]: "الحلال ما أحلَّه الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (٢).

стр. 38

فالآية الأولى صريحةٌ في أن جميع ما في الأرض [مخلوق] (١) لبني آدم. وإذا كان لهم، فهو مباح لهم. ففي الآية عموم الإباحة، فهي الأصل، وتحريم بعض ما في الأرض تخصيصٌ لهذا العموم، فلا يُصَار إليه إلا بدليل. ونحوها الآية الثانية. وكذا الحديث الأول، فإنه لو كان الأصل الحَظْر لكان الظاهر أن يقول: "عن شيءٍ قد أبيح" كما هو واضح. والحديث الثاني ظاهرٌ، والمراد بـ"كتاب الله" فيه حُكْمُه، أو القرآن، وما السنةُ إلا تفصيل لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ونحوها. [ص ٦] فتقرر أن أمور الدين توقيفية، أي أنه ليس لأحدٍ أن يتديَّن بشيءٍ إلا إذا ثبت بكتاب الله تعالى، أو سنة رسوله ﵌. وهذه كُلِّية لا تُنْقَض بالنسبة إلى المقاصد. فأما الوسائل فهي على نوعين: وسيلة لا يمكن أن يؤدَّى المقصدُ إلا بها، وهذه لا كلام فيها. ووسيلة يمكن أن يؤدّى المقصدُ بها، ويمكن أن يؤدّى بغيرها. فهذا النوع يُنْظر فيه إلى الوسيلة التي أُدّيَ بها المقصد في حياته

стр. 39

صلى الله عليه وآله وسلم، ونَزِنُها بباقي الوسائل، فإن ترجَّح لنا أن لها مزيَّة دينية لا توجد في غيرها، كان لها حكم المقصد، إلا أن يطرأ عليها ما يوهّنها حتى يُخْشى من الجمود عليها الإخلال بالمقصد الأصلي. فمن ذلك: المساجد، مقصد ديني، يمكن أن يؤدَّى ببناء غير مزخرف، وببناء مزخرف، فنظرنا إلى الطريق التي اختارها رسول الله ﵌، وهي عدم الزخرفة، هل لها مزية دينية؟ فكانت النتيجة إيجابًا، كما تدل عليه الأحاديث؛ فوجب أن نتمسّك بها، فهي السنة، وخلافها بدعة. لكن لو أن حكومةً ظالمة منعت أهل بلدٍ أن يبنوا مسجدًا إلا مزخرفًا، فقد يقال: إنه يجوز لهم ذلك للضرورة، وإلا فات المقصد من أصله. [ص ٧] ونعني بالزخرف: ما ليس حرامًا لذاته، فأما الحرام لذاته، كالصور فلا يجوز بحال. وإن ترجَّح لنا أن الوسيلة التي أُدِّي به المقصد في حياته ﵌ ليس لها مزية دينية على غيرها، وإنما اختيرت اتفاقًا، أو لكونها أرفق، أو لكونه لم يمكن ذلك الوقت غيرها، فالجمهور لا يرون لها مزيَّة على غيرها، وابن عمر يرى الاتباع أفضل. وإن لم يترجَّح أحد الجانبين، فمحلّ نظر. والظاهر أن له حكم الأول. هذا فيما إذا كان المأتيّ به في عهد رسول الله ﵌ وسيلة واحدة. فأما إذا تعددت، فإن ترجّح لنا أن لها جميعها مزايا دينية لا توجد في

стр. 40

سائر الوسائل الممكنة، فكالقسم الأول. وإن ترجح أنه ليس لشيء منها مزية فكالثاني، وإن لم يترجح شيءٌ فكالثالث. أما إذا ترجَّح أن بعضها لم يكن لها مزية، فهي وسائر الوسائل الممكنة، كالقسم الثاني، وتمتاز الأخرى عنها بالأفضلية فقط، وبقيت تفريعات تُعْلَم بالتأمل. ومن هذا الأخير مسألة جمع القرآن في مصحف [ص ٨] فالمقصد، وهو دوام سلامة القرآن من التغيير، يمكن أن يؤدّى بالحفظ استظهارًا، ويمكن أن يؤدَّى بجمعه بالكتابة. والذي كان مستعملًا في عهده ﵌ الحفظ، لكن مع جواز الجمع بالكتابة، بدليل أنه ﵌ كان يأمر بكتابة القرآن، وهذا الأمر أعمّ من أن يُكْتب متفرقًا أو مجتمعًا، وإنما جاء التفريق من قلة القراطيس، فكان يكتب في العُسُب، واللِّخاف، ونحوهما مما لا تسع القطعة منه إلا قليلًا. ومع ذلك فلم يبلغنا أنه ﵌ أمر أن لا يكتب في القطعة الواحدة إلا آية واحدة، أو نحو ذلك، ولا أنه نهى أن يُكْتَب من القرآن إلا ما يُكْتَب بين يديه عقب نزوله، فبقي الأمر على إطلاقه. ولا أنه نهى أن تُجْمع طائفةٌ من القِطَع المكتوب فيها القرآن في مكان واحد، وذلك معرّض للوقوع بلا ريب، فَتَرْك النهي عنه إذْن فيه (١). والإذن بجمع طائفة من القِطَع مؤذِنٌ بجواز جمع جميع القطع. وجواز جمعها في قطع متفرقة يدل على جواز جمعها متصلة.

стр. 41

ومع أن الصحابة كانوا يبتدرون الآية إذا نزلت فيحفظونها، فكان الأمر بالكتابة مستمرًّا، وهذا يدلّ صريحًا أن الحفظ لا يُغْني عن الكتابة، وأنهما لازمان معًا، وإذًا فكما جاز جمع القرآن حفظًا، فكذا كتابةً، لا يظهر فرقٌ في شيء من ذلك. [ص ٩] نعم، للحفظ مزايا لا تُنكر: منها: أن يكون القرآن نُصْب عيني المؤمن. ومنها: العدل بين القرآن في الصلاة. ومنها: تمكّن الإنسان من التلاوة كل وقت. إلى غير ذلك. ولكن للكتابة مزيَّة أيضًا، وهي كونها أبعد عن الاشتباه والالتباس والخطأ والنسيان، إلا أن شيوعها يَحْمِل على التهاون بالحفظ، لاتّكال كل أحدٍ على أن في بيته مصحفًا، ويحصل الجمع بين المصلحتين بوجود مصحف واحد في القرية مثلًا، وأن يُقْبِل الناسُ على الحفظ. وعلى هذا كان الحال في عهده ﵌، وفي خلافة الشيخين. أما في عهده ﵌ فكان في قِطَع متفرقة بأيدي الصحابة، وذلك أقرب إلى الإنصاف من جَمْع القطع في يدِ واحدٍ وحدَه، سواءً أبقيت كما هي، أم نُسِخت في مصحف واحد. أما جمعها ثم أخذها مناوبة، فمع كونه تكلُّفًا لا يخلو من المحذور المذكور، لاتّكال كلِّ أحدٍ على أن المصحف سيصل إليه ويبقى في نوبته مدة، فيتهاون في الحفظ والمدارسة، وهذا الذي قَدَرْنا عليه، ولا يضرُّنا

стр. 42

القدحُ فيه شيئًا، لما قدّمنا أن الجمع كان جائزًا في عهده ﵌، وإن لم يقع بالفعل، وربما تُصُوّرت موانعُ أُخر لا حاجة إلى الإطالة بها. فلما كان في عهد أبي بكر واستحرَّ القتلُ بالقُرَّاء في اليمامة خشي الشيخان من تزلزل الوسيلة العظمى وهي الحفظ، ففزعا إلى تأييد الوسيلة الأخرى، وهي [ص ١٠] الكتابة، فاقتصرا على جمعها في مصحف واحد يبقى ببيت الخليفة، فكان ثمرةُ عملهما ذلك الاحتياطَ من أن تضيع قطعة من تلك القطع، أو يطرأ عليها شيءٌ. وبقي الناس مقبلين على الحفظ مُسْتَغْنين به خلافةَ أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان، وكتب بعضهم مصحفًا لنفسه (١) كابن مسعود، وأُبَيّ بن كعب. ثم غزا صاحبُ سِرِّ رسول الله ﵌ حذيفة بن اليمان، فسمع بعضَ اختلاف في القراءات، منه ما نشأ عن اختلاف الأحرف، وكلٌّ صحيحٌ ولكنه أدى إلى النزاع، ومنه ما نشأ عن خطأ من الأعاجم الذين أسلموا ونحوهم، فأفزعه ذلك، فجاء فأشار على عثمان بتدارك القضية، فتداركها بنسخ عدة مصاحف، وإرسال كل مصحف إلى مِصْرٍ، وهو تقريبًا كما كان في عهد النبي ﵌ وصاحبيه، مصحفٌ بالمدينة، فصارت كل مدينة محتاجة إلى مصحف، وهذا هو فعل عثمان. وأما بعد ذلك فهُجِرَت الوسيلة العظمى وهي الحفظ، وفترت الهِمَم،

стр. 43

حتى لو لم توجد المصاحف بكثرة لهجروا القرآن رأسًا، فتعيَّن حينئذٍ تكثير المصاحف. والمقصود أن جمع القرآن في مصحف واحد مع كونه جائزًا في عهده ﵌، فلم يُقْدِم عليه الصحابة إلا عند الاضطرار إليه. وأحد هذين الأمرين كافٍ في الجواز، ولكنهم لم يكتفوا إلا بهما معًا، ﵃. وأما إجلاء يهود خيبر، فهو توصيته ﵌. [ص ١١] وصلاة التروايح سُنته، وإنما تركها خشيةَ أن تُفْرض، وزال هذا المانع بوفاته. وجَمْع كتب الحديث سنته بإذنه لعبد الله بن عَمْرو، وغير ذلك. واختراع النحو والصرف من القسم الأول والثاني معًا؛ لأن العربية يحتاجها الناس لدينهم ودنياهم، وكانت أولًا محفوظة متوارثة، فلما اختلطت العرب بالعجم ضَعُف الحفظ والتوارث، ففزع العلماء ﵏ إلى وسيلة أخرى تضمن سلامة اللغة. فهذا جُلُّ ما يتمسك به أنصار البدع، قد أوضحنا حقيقته، ولله الحمد. * * * * وأما قوله ﵌: "من سن سنةً حسنة ... " الحديث. فالمراد بالحُسْن، الحُسْن الشرعي؛ لأن النبي ﵌ إنما يتكلم بلسان الشرع، والحُسْن الشرعي إنما يُعْلَم من الكتاب والسنة. مع

стр. 44

أن القائلين بالتحسين والتقبيح العقلي يعترفون أن بعد ورود الشرع وبلوغ الدعوة لا حاكم إلا الشرع. قال في "إرشاد الفحول" (١) (ص ٧): "اعلم أنه لا خلاف في كون الحاكم: الشرعَ بعد البعثة وبلوغ الدعوة" اهـ. فهذا ما يتعلق بالأمور الدينية. [ص ١٢] وأما الدنيوية؛ فقد ثبت بالأدلة السابقة أنها موسَّعة، ليس لأحد أن يحظر شيئًا منها إلا إذا ثبت الحَظْر بكتاب الله ، وسنة رسوله ﵌. إذا علمت هذا، فألقِ نظرةً في أحوال القبور، أهي من الأمور الدينية، فتكون توقيفية، يجب أن يُقْتَصر فيها على ما ثبت بالشرع، أم دنيوية فتكون موسَّعة، إلا ما ثبت حظره بدليل شرعي؟ لا ريب بأنها من الأمور الدينية؛ ألا ترى إلى الأمر بأن تكون مستقبِلَة، وأن يوضع الميت فيها على يمينه مستقبلًا، وأن لا يوضع إلا مغسولًا مكفَّنًا، إلى غير ذلك. إذن، فأول ما يلزمنا أن نبحث عن الكيفية التي قررها الشارع للقبور، ثم نعضّ عليها بالنواجذ، ولا نعتدي إن الله لا يحب المعتدين (٢).

стр. 45

[ص ١٣] الفصل الأول فيما ثبت في كيفية القبر المشروعة الذي يهمنا من كيفية القبر الكيفية الظاهرة؛ لأنها موضع النزاع، ولا نتعرض لغيرها إلا تبعًا. قال الله ﵎: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]. * حديث فَضَالة. "صحيح مسلم" (١): أبو الطاهر أحمد بن عَمْرو بن سَرْح، نا ابن وهب، أخبرني عَمْرو بن الحارث، ح وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، نا ابن وهب، حدثني عَمْرو بن الحارث ــ في رواية أبي الطاهر: ــ أنَّ أبا عليّ الهَمْداني حدَّثه، ــ وفي رواية هارون: أن ثمامة بن شُفَيّ حدّثه ــ قال: كنا مع فَضَالة بن عُبيد بأرض الروم، فتوفي صاحبٌ لنا، فأمر فضالة بقبره فسوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله ﵌ يأمر بتسويتها. اهـ. * بيانُ طرقه: حدث أبو علي ثُمامة بن شُفَي الهَمْداني قال: كنا مع فَضَالة بن عُبيد بأرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسُوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله ﵌ يأمر بتسويتها.

стр. 46

رواه عن ثمامة عَمْرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري، ومحمد بن إسحاق. أما عَمْرو؛ فعنه ابن وهب. وعن ابن وهبٍ أبو الطاهر أحمد بن عَمْرو بن السَّرْح، وهارون بن سعيد الأيلي، وسليمان بن داود (١). فعن ابنِ السرح مسلمٌ في "صحيحه" (٢)، وأبو داود في "سننه" (٣)، ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في "سننه" (٤). [ص ١٤] وعن هارونَ مسلمٌ في "صحيحه" (٥) أيضًا، ومحمد بن إسماعيل الإسماعيلي عند البيهقي (٦). وعن سليمانَ النسائيُّ في "سننه" (٧). والروايات كلها مسلسلة بمعنى التحديث، والألفاظ متقاربة، وجميعها مشتركة في قوله: "فأمر فَضالة بقبره فسُوِّي ... " إلخ.

стр. 47

وأما ابن إسحاق؛ فعنه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن عُبيد بن أبي أمية الطنافسي، وأحمد بن خالد الوهبي (١). فعن الأوَّلَيْنِ: الإمام أحمد في "مسنده" (٢) (جزء ٦/ص ١٨)؛ إلا أن في النسخة في رواية محمد بن عبيد: ثنا محمد (بن يحيى) (٣) بن إسحاق عن ثمامة. وأما في رواية إبراهيم فقال الإمام (٤): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني ثُمامة ... إلخ. وعن الثالث: أبو زُرْعة الدمشقي، وهو عبد الرحمن بن عَمْرو بن صفوان النصري، وعنه أبو العباس الأصم، وعن الأصم الحاكم وغيره، كما في "سنن البيهقي" (٥). وفي هذه الرواية عنعن ابن إسحاق. ولفظ رواية محمد بن عبيد: " ... فأصيب ابنُ عمٍّ لنا، فصلى عليه فَضَالة، وقام على حفرته حتى واراه، فلما سوَّينا على حفرته، قال: أخِفّوا عنه، فإن رسول الله ﵌ كان يأمرنا بتسوية القبور".

стр. 48

وفي رواية إبراهيم: "فقال فضالة: خَفِّفوا فإني سمعت رسول الله ﵌ يأمر بتسوية القبور". وفي رواية أحمد بن خالد عند البيهقي: " ... فتوفي ابنُ عمٍّ لنا يقال له: نافع بن عبد، قال: فقام فَضالة في حفرته، فلما دفناه قال: خَفِّفوا عليه التراب، [ص ١٩] فإن رسول الله ﵌ كان يأمرنا بتسوية القبور". هذا الحديث صحيحٌ، نظيفٌ لا غبار عليه، ووجود ابن إسحاق في إحدى الطريقين لا يقدح، مع أنه إنما يُخْشى منه التدليس، وقد صرح بالتحديث. نعم، قال الذهبي في "الميزان" (١) في آخر ترجمة ابن إسحاق: "ما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا". وقد انفرد بزيادة "أخِفّوا عنه" كما في رواية، أو "خَفِّفوا" كما في أخرى، أو "خَفِّفوا عليه التراب" كما في ثالثة، لكنها في الحقيقة ليست بزيادة، وإنما هي في مقابل ما في رواية عَمْرو: "فأمر فضالة بقبره فسُوِّي"، فهي تفسير لها، مع أن ههنا قرينة تدلّ على أن ثمامة أوضح القصة لابن إسحاق أتمّ من عَمْرو، وهي وجود اسم المتوفى في رواية ابن إسحاق، وذِكْر ابن إسحاق لاسم المتوفى واسم أبيه (نافع بن عبد) يدل على جودة حفظه للقصة. على أن الذهبي لم يقل: إن ما انفرد به فهو منكر، بل قال: "ففيه نكارة"، أي نكارة خفيفة، بدليل قوله عقبه: "فإن في حفظه شيئًا"، والنكارة اليسيرة،

стр. 49

وإن كانت تقتضي التوقف، فذلك إذا لم تقم قرينة على الحفظ، كما هنا. * في "كنز العمال" (١): "سووا القبور على وجه الأرض إذا دفنتم". طب عن فَضَالة بن عبيد. * [ص ٢٠] ابن حبان في "صحيحه" (٢): أخبرنا السجستاني ثنا أبو كامل الجحدري ثنا الفضل بن سليمان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﵌ أُلْحِد له، ونُصِب عليه اللبن نصبًا، ورُفع قبره من الأرض نحوًا من شبر". * القاسم بن محمد في "سنن أبي داود" (٣): عن القاسم بن محمد قال: "دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّاه! اكشفي لي عن قبر النبي ﵌ وصاحبيه ﵄، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصة الحمراء". وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤): وزاد: "فرأيت رسول الله ﵌ مقدّمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي رسول الله ﵌، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﵌". قال الحاكم: صحيح. وأقره الذهبي. * [ص ٢١] أبو جعفر بن شاهين في "كتاب الجنائز" له: بسنده عن جابر

стр. 50

قال: "سألتُ ثلاثةً كلهم له في قبر رسول الله ﵌ أبٌ: أبا جعفر محمد بن علي، وسألت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسألت سالم بن عبد الله: أَخْبِروني عن قبور آبائكم في بيت عائشة؟ فكلهم قالوا: إنها مُسَنَّمة". نقلته من "مِرْقاة المفاتيح" (١)، ولا أدري ما صحته! وقد مرَّ عن جابر صفةُ دفن رسول الله ﵌، ويبعد أن لا يحضر دفن الشيخين، فكيف يحتاج إلى السؤال، مع أن الصحابة كانوا يدخلون بيت عائشة، فيسلمون على النبي ﵌ وصاحبيه. * "فتح الباري" (٢): روى أبو بكر الآجُرِّي في "كتاب صفة قبر النبي ﵌" من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند عن غُنَيم بن بسطام المديني قال: "رأيت قبر النبي ﵌ في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا نحو أربع أصابع ... " إلخ. لا أدري ما صحته. * ابن الهمام في "شرح الهداية" (٣): روى ابن الحسن (٤) أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم قال: أخبرني من رأى قبر النبي

стр. 51

صلى الله عليه وآله وسلم، وقبر أبي بكر وعمر ناشِزةً من الأرض، وعليها فِلْق من مَدَرٍ أبيض". نقلته من "المرقاة" (١)، ونحوه في "جامع المسانيد" (٢)، وفيه: أن حمادًا لم يسمّ شيخَه. * [ص ٢٢] ابن أبي شيبة (٣): حدثنا عيسى بن يونس عن سفيان التمَّار: "دخلتُ البيتَ الذي فيه قبر النبي ﵌ فرأيتُ قبره وقبر أبي بكر وعمر مُسَنَّمة". أيضًا: ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي حصين عن الشعبي: "رأيت قبور شهداء أحد جثىً مُسنَّمة". اهـ. نقلتهما من "الجوهر النقي" (٤). والأثر الأول: في "صحيح البخاري" (٥)، ولفظه: "أنه رأى قبر النبي ﵌ مُسنَّمًا". والثاني: رجاله رجال الصحيح، ولا تضر عنعنة سفيان ههنا؛ لأن الراوي عنه القطان، وهو لا يروي عنه إلا ما ثبت سماعه. انظر "فتح

стр. 52

المغيث" (١) (ص ٧٧). * الشافعي (٢): أخبرنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي ﵌ رشّ على قبر إبراهيم ابنه، ووضع عليه حصباء. والحصباء لا تثبت إلا على قبرٍ مسطَّح. أقول: إبراهيم بن محمد أجمع الأئمة على تضعيفه، إلا ابن الأصبهاني والشافعي، قال الشافعي: كان لأن يخرّ من السماء ــ أو قال: من بُعْد ــ أحبّ إليه من أن يكذب. وصرَّح جماعةٌ من الأئمة بأنه يكذب، وقال الإمام أحمد: يضع. وقال ابن عدي: قد نظرت أنا الكثير من حديثه، فلم أجد له حديثًا منكرًا، إلا عن شيوخ [ص ١٩] يُحْتَمَلون، وقد حدَّث عنه الثوري وابن جريج والكبار. وعلى كل حال، فالرجل ضعيف، ومع هذا فالحديث مرسل. وفي الاحتجاج بالمرسل خلافٌ، لا حاجة لذكره. * المطلب، أبو داود (٣): روى بسنده إلى المطلب بن أبي وداعة قال:

стр. 53

لما مات عثمان بن مظعون أُخرج بجنازته فدُفِن، فأمر النبي ﵌ رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حملها، فقام إليها رسول الله ﵌ وحسر عن ذراعيه. قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله ﵌: كأني أنظر إلى بياض ذراعي النبي ﵌ [ص ٢٢] حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: "أُعَلِّمُ بها قبرَ أخي، وأدفنُ إليه من مات من أهلي". اهـ. * في "الصحيحين" (١): عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قالت: ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبره، غير أنه خشي أن يكون مسجدًا". اهـ.

стр. 54

* آثار - الشافعي في "الأم" (١): لم أرَ قبور المهاجرين والأنصار مجصَّصة. - مالك: من مذهبه حُجّية عمل أهل المدينة، وقد قرر التسنيم، وترك التجصيص والبناء، وقضيته أن عمل أهل المدينة كان على التسنيم، وترك التجصيص والبناء (٢). - "الجوهر النقي" (٣): عن الطبري: هيئة القبور سنة متبعة، ولم يزل المسلمون يُسَنِّمون قبورهم. ثم قال: ثنا ابن بشار ثنا عبد الرحمن ثنا خالد ابن أبي عثمان قال: رأيت قبر ابن عمر مسنَّمًا. - محمد بن الحسن في "الآثار" (٤): عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم كان يقال: ارفعوا القبر حتى يُعْرَف أنه قبر فلان. - "النهاية" (٥) (جمهر): وفي حديث موسى بن طلحة أنه شهد دفن رجل، فقال: جمهروا قبره، أي اجمعوا عليه التراب جمعًا، ولا تطيّنوه، ولا تسوّوه.

стр. 55

[ص ٢٣] الأحكام المستنبطة من هذه الأدلة أما الآية؛ فيُستدل بها على أن المقصود من شَرْع دفن الميت هو مواراة جثته، فالقَدْر الذي يحصل به تمام المواراة هو الأصل الثابت المقرر، وما زاد عن ذلك فإنه مفتقرٌ إلى دليل؛ لما مرَّ في المقدمة (١): أن أحكام القبور شرعية، والشرع توقيف. وأما حديث فضالة؛ فمداره على كلمة "التسوية"، فنقول: المتبادر من التسوية في الحديث أن يكون وجه القبر مساويًا لوجه الأرض في البقعة المحيطة به. ولكن نوزع بأن هذا إنما هو معنى تسوية القبر بالأرض، والذي في الحديث تسوية القبر فحسب. وتسوية القبر عبارة عن جعله متساوي الأطراف، كما في قوله : ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤]. وهذا لا يقتضي التسوية بالأرض، بل أن يسوَّى القبر في ذاته، بأن لا يُترك فيه تسنيم أو زيادة في بعض أطرافه، بل يُجْعَل مسطَّحًا. وأجيب: بأن التسوية إذا أُطْلِقت على شيء ناشز على وجه الأرض كالبناء والربوة، فمعناها: تسويته بالأرض. ومنه قول الله ﵎: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤] قال الراغب (٢): أي سوَّى بلادَهم بالأرض.

стр. 56

ويدل عليه في هذا الحديث نفسه أن الصحابيَّ جعل الأمر بالتسوية أمرًا بالتخفيف من التراب، حيث قال: "أخِفُّوا عنه"، "خَفّفوا"، "خَفّفوا عليه التراب فإن رسول الله ﵌ كان يأمر بتسوية القبور". [ص ٢٦] وإنما يكون الأمر بالتسوية أمرًا بالتخفيف إذا أُرِيْد بها التسوية بالأرض، فأما تسوية القبر في ذاته، فإنها تُمْكِن مع كثرة التراب، كما تُمكن مع قلته. والصحابيُّ لم ينقل لفظ النبي ﵌ بنصِّه حتى يسوغ لنا أن نستقلّ بفهمه، وإن خالف فهم الصحابي، وإنما مؤدَّى كلامه أن النبي ﵌ كان يأمر بتسوية القبور، التسوية المقتضية لتخفيف التراب. أي أن بيان كون التسوية المأمور بها هي التي تقتضي تخفيف التراب مرفوعٌ تقوم به الحجة. وقد مر عن "كنز العمال" (١) حديث: "سووا القبور على وجه الأرض إذا دفنتم". فإن صحَّ فهو صريح في التسوية بالأرض، إذ لا يصح أن يقال: "سووا القبور" أمرٌ بتسويتها في ذاتها، و "على وجه الأرض" حالٌ؛ إذ لا معنى للحال، فالقبور على وجه الأرض على كل حال، فما بقي إلا أن يكون سووها بوجه الأرض. وقال الباجي في "شرح الموطأ" (٢): قال ابن حبيب: وروى جابر: أن النبي ﵌ نهى أن تُرْفع القبور أو يُبْنى عليها، وأمر

стр. 57

بهدمها، وأمر بتسويتها بالأرض ... إلخ. وسيأتي (١) في حديث علي ﵁: "ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته"، فجعل التسوية: إزالة الإشراف، والإشراف هو الارتفاع، أعم من أن يكون القبر متساويًا في نفسه، وأن يكون غير متساوٍ، فالتسوية التي هي إزالة الإشراف، هي التسوية بالأرض، كما هو واضح. [ص ٢٧] أقول: الحقُّ أن التسوية إذا أطلقت (٢) كان المراد تسوية الشيء في ذاته. وتسويةُ الشيء في ذاته، لها معنيان: [المعنى] الأول: جَعْل الشيء متساوي الأجزاء، وهذا على ثلاثة أوجه: ١ - (٣): أن يكون الشيء المراد تسويته واحدًا اختلفت أجزاؤه، كقطعة من الأرض فيها حُفر وجُثًى، فيؤمر بتسويتها، أي: إزالة تلك الجُثَى، وطمّ تلك الحفر، حتى تكون القطعة سواء. ٢ - أن يكون جماعة، ويُراد تسوية كل واحدة منها في نفسه، كقطع من الأرض في كل واحدة منها حُفر وجُثًى، فيؤمر بتسوية القِطَع، أي: تسوية كل واحدة منها في ذاتها، بمثل ما تقدم، مع قطع النظر عن مساواة كل قطعة لبقية القطع أو عدمه. ٣ - أن يكون جماعة، ويراد تسويتها، أي: جعلها متساوية. كأنْ يؤمر

стр. 58

الخبَّاز بتسوية الأرغفة، أي: جعلها كلها على قَدْر واحد، بحيث لا يبقى تفاوت بين رغيف ورغيف. [ص ٢٨] المعنى الثاني: جَعْل الشيء سويًّا، أي: قويمًا على ما اقتضته الحكمة، بلا إفراط ولا تفريط، ومنه قول الله : ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]. وقوله جل ذكره: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧]. قال الراغب (١): أي: جعل خِلْقتك على ما اقتضت الحكمة. ومنه قوله : ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]. أي ــ والله أعلم ــ: كامل الخلقة بالنظر إلى الهيئة المشتركة بين البشر التي اقتضت الحكمة جَعْلَهم عليها. وقال الراغب (٢): السويّ: ما يُصان عن الإفراط والتفريط. [ص ٢٩] إذا تقرر هذا، فالوجه الأول من المعنى الأول هو المراد في الآية: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤]، أي ــ والله أعلم ــ: جعلها متساوية الأجزاء، وهذا كناية عن الخراب البالغ، فإن البلاد العامرة تكون متفاوتة بارتفاع الأبنية على العَرَصات، وارتفاع بعض الأبنية على بعض، وإنما تتساوى إذا خَرِبت الخرابَ البالغ. ولا يأتي هذا الوجه في

стр. 59

حديث فَضَالة، ويمكن أن يأتي في حديث عليّ الذي سيأتي: "ولا قبرًا مُشْرفًا إلا سوَّيته". والتسوية على هذا الوجه لا تنافي التسنيم، فإن القبر إذا كان مُسنَّمًا تسنيمًا محكمًا بأن يكون سطحه أملس، بحيث لو بُسِطَ عليه ثوب للصق بجميع أجزائه، يقال له: مسوّى. ولو رأينا كرتين إحداهما ملساء السطح، والأخرى يوجد في سطحها هنات ناشزة، وحُفيرات منخفضة، فإننا نسمي الأولى مستوية، وإذا أمرنا بإصلاح الثانية، قيل: أمر بتسويتها. ولكنه على كل حال لا يصلح هذا الوجه للتسوية في حديث علي؛ [ص ٣٠] لأن فيه أن التسوية هي إزالة الإشراف، أي: الارتفاع، وتسوية القبر في ذاته على ما قررنا في هذا الوجه لا تنافي الإشراف. الوجه الثاني هو ممكن في حديث فَضالة، والتسوية عليه لا تنافي التسنيم؛ لما مرَّ في الوجه الأول. ولكن يردّ هذا الوجه قولُ فَضالة: "خَفّفوا" الدال على أن التسوية في حديثه هي المقتضية للتخفيف، والتسوية في الوجه الثاني لا تقتضي التخفيف، فإنه يمكن تسوية القبر مع كثرة التراب، كما يمكن مع قلته. ويردّه أيضًا عدم صلاحية هذا المعنى لأن تُفَسَّر به التسوية في حديث علي. والظاهر أن معنى التسوية في الحديثين واحد. الوجه الثالث هو ممكن في حديث فضالة، فيكون المعنى: اجعلوا القبور متساوية لا يزيد قبر على قبر ولا ينقص عنه.

стр. 60

ولما كان النبي ﵌ قد حضر دفن جماعة من أصحابه، وقرر كيفية قبورهم، لزم أن تكون تلك القبور هي الإمام، فيُجْعَل كل ما يطرأ من القبور على هيئتها. ويردُّ بأمرين: الأول: بما قدمناه أن هذا المعنى لا يأتي في حديث [ص ٣١] علي، والظاهر أن معنى التسوية في الحديثين واحد، وقد يُعْتَذر عن هذا بحمل التسوية في حديث عليّ على تسوية القبر المشرف بسائر القبور المعروفة المقررة هيئتها شرعًا. ويردّه ما (١) سبق: أن التسوية إذا أُطلقت كان الأصل أن المراد بها تسوية الشيء في ذاته، لا تسويته بغيره. الثاني: أن حديث وضع الحجر وغيره يدل على جواز تمييز القبر بعلامة يتعرَّف بها لقصدٍ شرعي. وهذا ينافي التسوية على الوجه الثالث، والتزام التخصيص لا حاجة إليه ما دام اللفظ محتملًا لمعنىً آخر لا يحتاج إلى تخصيص. على أن هذا الوجه يؤول إلى موافقة المعنى الثاني الذي هو المختار. المعنى الثاني هو المختار عندي، فالمراد بتسوية القبر جعله سويًّا قويمًا على ما اقتضته الحكمة من غير إفراط ولا تفريط، وذلك على الهيئة التي قررها الشارع للقبور. فالنبي ﵌ كان قد بيَّن لأصحابه الهيئة التي ينبغي

стр. 61

أن تكون القبور عليها، وبعد أن عَقَلوها وعلموا أنها هي الهيئة السوية القويمة، أمرهم بلزومها في ما يطرأ من القبور، وردّ ما خالفها إليها. وهذا هو معنى ما في "كنز العمال" ــ إن صح ــ: "سووا القبور على وجه الأرض ... " إلخ (١). [ص ٣٢] وإنما زاد قوله: "على وجه الأرض" تنبيهًا على ما هو الأهم؛ لأن الغالب أن المخالفة إنما تقع في ظاهر القبور بالتجصيص والإشراف والبناء وغيره، وهذه الأشياء منافية لكون القبر سويًّا بالنسبة لما على وجه الأرض منه، فأمر بتسويتها على وجه الأرض. وأما ما رواه ابن حبيب (٢)، وفيه: "وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض"؛ فلم يصحّ عندنا، فيلزمنا النظر فيه، على أن الباجيّ قال عقب ذكره: قال ابن حبيب: وينبغي أن يسوّى تسوية تسنيم. قال القاضي أبو الوليد ﵁: ومعنى ذلك عندي ــ والله أعلم ــ أن يسوَّى نفس القبر بالأرض، ويُرْفع رفع تسنيم دون أن يُرْفَع أصله". اهـ. أقول: يعني أن تبقى أطرافه مساويةً للأرض، ويرتفع وسطه مسنمًا، كما هي هيئة المسنم الذي يقتصر على إعادة تراب حفرته إليها، وجمعه عليها. وهذه الهيئة تلاقي الهيئة التي قررها الشارع للقبور، ولكن ليس معنى التسوية هنا، هو المعنى المختار في الحديثين، ولا ضير، فإن هذه الزيادة لم يُعْلَم صحتها كما تقدم، ويمكن أن يكون قوله: "بالأرض" من زيادة بعض

стр. 62

الرواة، رواه بالمعنى الذي فهمه (١). [ص ٣٣] حديث ابن حبان: فيه أن من الهيئة المشروعة رَفْع القبر نحو شبر، وهذا من فعل الصحابة ﵃، وخيارهم فيهم، وهم مجتمعون، فلا يصنعون بقبر النبي ﵌ إلا ما يعلمون أنه المشروع، ولم ينقل عن أحدٍ منهم خلاف، ولا بأيدينا دليل يخالف فعلهم، وعليه فهو حجة. والأصل عدم الخصوصية، فالذي صُنِعَ بقبره ﵌ هو المشروع في القبور مطلقًا، أعني مما ذكره ابن حبان. فأما الدفن في المُلك، وفي البناء، فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى (٢). ولا يظهر فرق فيما تضمَّنه الحديث بين أن يكون القبر في الملك، وأن يكون في غير الملك، فالظاهر أن ذلك الفعل هو المشروع مطلقًا، ويؤيده ما يأتي إن شاء الله تعالى. [ص ٣٤] الخلاصة: رفع القبر نحو شبرٍ مشروع (٣). حديث القاسم فيه قوله: "لا مشرفة، ولا لاطئة". المشرف: المرتفع. واللاطئ: اللاصق بالأرض. فمعناه: أنها ناشزة عن الأرض قليلًا. وقد عُلِم من حديث ابن حبان قدر الرفع ابتداءً، ويحتمل أن يكون تناقص، وعلى كل حال فهو مؤيِّد لحديث ابن حبان في هذا. وفيه قوله: "مبطوحة ... " الخ. ومدار الحديث فيه على هذه الكلمة.

стр. 63

فأقول: البطح يأتي على معانٍ: ١ - بسط الشيء وجعله مسطَّحًا مستويًا. قال الزمخشري في "الفائق" (١) مادة (رفف): " [ابن الزبير ﵁] (٢) لما أراد هدم الكعبة ... وكانت في المسجد جراثيم، فقال: يا أيها الناس أبْطِحوا. وروي: كان في المسجد حُفَر منكرة، وجراثيم وتَعادٍ، فأهاب بالناس إلى بطحه .... البطح: أن يُجْعَل ما ارتفع منه منخفضًا حتى يستوي ويذهب التفاوت ... ". اهـ. ٢ - جعله مرتفعًا ارتفاعًا يسيرًا، وهذا المعنى يؤخذ من الحديث "كانت كِمامُ أصحاب رسول الله [ص ٣٥] ﵌ بُطْحًا". قال في "النهاية" (٣): أي لازقة بالرأس غير ذاهبة في الهواء. الكِمَام: جمع كُمّة، وهي القُلُنسوة. اهـ. ٣ - إلقاء الإنسان على وجهه، ومنه قوله في حديث الزكاة: "بُطِحَ لها بِقاعٍ قَرْقَر" (٤). وقد يستعمل في غير الإنسان تشبيهًا به في ذلك. ٤ - جعل البَطْحاء ــ وهي الحَصْباء ــ على الشيء.

стр. 64

قال في "النهاية" (١): "وفي حديث عمر أنه أول من بَطَح المسجد، وقال: ابْطَحْه من الوادي المبارك، أي: ألقى فيه البطحاء". اهـ. فكون القبور مبطوحة بالمعنى الأول يقتضي التسطيح، وقد حاول ابنُ التُّرْكماني (٢) أن يدفع ذلك فلم يصنع شيئًا، وذلك أنه نقل عبارة "الفائق": "البطح: أن يجعل ... " إلخ، كما مر، ثم قال: "فعلى هذا قوله: "مبطوحة" معناه ليست بمشرفة، وقوله: "لا مشرفة ولا لاطئة" يدل على ذلك" اهـ. وقد كان له أن يقول: إن استواء الشيء وذهاب تفاوته لا يقتضي التسطيح، بل يصح أن يكون المسنَّم مستويًا لا تفاوت فيه، وذلك باعتبار ظاهر سطحه، بحيث لو بُسِطَ عليه ثوبٌ للصق بجميع [ص ٣٦] أجزاء سطحه، نظير ما قلناه في التسوية، فإن هذا التوجيه لا يخلو من قوة، وإن كان الحق أن "البطح" بالمعنى الأول ينافي "التسنيم"، وبينه وبين لفظ "التسوية" فرقٌ لا يخفى على المتأمل. وبالمعنى الثاني؛ يقتضي التسنيم فيما يظهر. وبالمعنى الثالث؛ يقتضي التسنيم قطعًا؛ لأن القبر المسنَّم يشبه هيئة الإنسان المبطوح، ولا سيما مع اعتبار ظاهر القبر ظهرًا له. وبالمعنى الرابع؛ يقتضي التسطيح على ما ذكره الشافعي في حديث جعفر بن محمد عن أبيه، كما مر (٣)، قال: "والحصباء لا تثبت إلا على قبرٍ مسطَّح".

стр. 65

ولا أدري ما وجهه، وإنما يمتنع ثباتُ الحصباء على الشيء المسنَّم إذا كان صلبًا، فأما إذا كان ترابًا غير منعقد، فإن الحصباء تثبت عليه كما لا يخفى. فالذي نفهمه أن البطح بالمعنى الرابع لا يقتضي تسطيحًا ولا تسنيمًا. وأما الترجيح بين هذه المعاني، فالراجح الأخير، [ص ٣٧] لقوله: "ببطحاء العَرْصة الحمراء"، وذلك أن البطحاء على المسيل المتسع الذي فيه صغار الحصى، وتُطلق على نفس الحصى، كما مر. قال الطِّيبي في "شرح المشكاة" (١): "والمراد به ههنا الحصى؛ لإضافته إلى العرصة" اهـ. أي: لأن العرصة هي كل موضع واسع لا بناء فيه. وإضافة المسيل الواسع إلى الموضع الواسع غير ظاهرة. أقول: والباء في قوله: "ببطحاء" تدل على أن المراد بالبطحاء الحصى، وبـ "مبطوحة" موضوع عليها الحصى، وذلك أن الباء على هذا المعنى للتعدية، وعلى غيره للظرفية، ومجيء الباء للظرفية قليلٌ، بخلاف مجيئها للتعدية، كما هو واضح. [ص ٣٨] ولرجحان هذا المعنى على بقية المعاني استغنينا عن الترجيح بين المعاني الباقية. ثم الظاهر أن الحال التي كانت عليها القبور حين رآها القاسم هي الحال التي وُضِعت عليها من أول مرة، إذ يبعُد أن يجترئ أحدٌ من الصحابة على تغييرها عما اتفقوا عليه فيها، ويؤيده أنها في بيت أم المؤمنين عائشة،

стр. 66

وهي من الراسخين في العلم والدين. ويؤيد مشروعية وضع الحصى مرسلُ محمد بن علي، وإن كان ضعيفًا كما مرّ (١)، لكن بشرط أن لا يزيد في رفع القبر؛ لأن قدر الرفع في حديث ابن حبان هو الحاصل من التراب والحصباء، فلا يُزاد عليه. الخلاصة: رفع القبر قليلًا، وإلقاء الحصى عليه مشروع. [ص ٣٩] جابر ــ برواية أبي حفص بن شاهين ــ: نصٌّ في أن قبر النبي ﵌ وصاحبيه كانت مسنَّمة، ولكننا لم نعلم صحته. غُنيم بن بسطام المديني: "رأيتُ قبر النبي ﵌ في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا نحو أربع أصابع" اهـ. فيه دليل على أن المشروع ترك تعاهد القبور بالزيادة عليها، وإن نقصت عن القدر المشروع أول مرة، وذلك أن القدر المشروع في الرفع والمصنوع بالفعل في قبره ﵌ هو نحو شبر، كما في حديث ابن حبان، فدل كونه بعد زمان بقدر أربع أصابع أنه لم يُتَعاهَد بزيادة مع تناقصه، إلا أننا لا نعلم ما صحة هذا الأثر. [ص ٤٠] إبراهيم النخعي: فيه أن من الهيئة المشروعة الارتفاع ووضع الحصباء ونحوها، إلا أنه لم يصح كما علمت. سفيان التمَّار: فيه أن من الهيئة المشروعة التسنيم، والظاهر أن تلك الحال هي التي وُضِعَت عليها القبور؛ لأنه لم يثبت أنها كانت مسطَّحة كما علمت، ولأن قبر النبي ﵌ وصاحبيه لا يجْسُر أحدٌ أن

стр. 67

يُقدِم على تغييرها عما اتفق عليه الصحابة، خصوصًا في تلك المدة، والصحابة ﵃ أحياء، وفي التابعين أئمة فضلاء. والتغيير الذي وقع في إمارة عمر بن عبد العزيز إنما هو بناء الجدار للاضطرار، ولم يثبت تغيير في هيئة القبر، ولا ضرورة تدعو إليه، ولو احتيج إلى إصلاح زالت به الهيئة الأولى، لما أُرْجِعَ إلا بنحوها. وحسبك بعمر بن عبد العزيز علمًا وورعًا ودينًا، وهو يومئذٍ حاضرٌ وهو الأمير، ولا بد أن يكون استشار من هنالك [ص ٤١] من العلماء، وعمل بمشورتهم (١). وقد مرّ أن عمل الصحابة الذي اتفقوا عليه ولا معارض له حجة. الخلاصة: التسنيم مشروع. حديث الشعبي: "رأيت قبور شهداء أُحد جُثًى مسنَّمة". قال في "اللسان": "في حديث عامر: رأيت قبور الشهداء جُثى: يعني: أتربة مجموعة، وفي الحديث الآخر: فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جثوةً من تراب" اهـ. ظاهره أنه رأى قبور شهداء أحد كلها كذلك، وهي كثيرة يبعد كلَّ البعد أن تُغيَّر كلُّها عما جُعِلَت عليه بحضرة النبي ﵌، وأن يتفق [ص ٤٢] الصحابة على تغييرها، أو التقرير عليه، فلو كان قبرًا واحدًا أو

стр. 68

اثنين أو ثلاثة، لجاز تغييرها، فأما نحو أربعين قبرًا فبعيدٌ جدًّا، فدلالة هذا الأثر قوية جدًّا. الخلاصة: جمع التراب على القبور بهيئة التسنيم مشروع. مرسل محمد بن علي: فيه أن وضع الحصى على القبر مشروع، وقد مر ثبوته بأثر القاسم، ومر الجواب عن قول الإمام (١): "والحصباء لا تثبت إلا مع قبر مُسَطَّح". وفيه: أن رشَّ القبر مشروع، وقد رويت فيه أدلة أخرى، وليس هو من محلِّ النزاع، فلم نستوفِ البحثَ فيه. حديث المطلب: فيه أن من المشروع إعلام القبر إذا احتيج إلى معرفته بعد ذلك؛ لقصدٍ شرعي، وقوله: "عند رأسه" محتمل أن تكون فوق القبر، وأن تكون بجانبه، والثاني هو المتعيِّن، للنهي عن الرفع والزيادة. ثم لا يخفى أن العلامة إنما يُحْتاج إليها إذا خُشي الاشتباه أو الانطماس، وفي الاحتمال الأول في قبر عثمان نظر؛ لأن النبي ﵌ حضر الدفن هو وأصحابه، فكيف يُخْشى أن يشتبه عليه قبرٌ مسنَّم نحو شبر حَضَره مع أصحابه، مع أنه ورد أن عثمان بن مظعون أول مدفون بتلك البقعة، وخُصَّت لدفن المسلمين، وكانت سنة النبي ﵌ أن يحضر دفن موتاهم جميعًا. وأما الثاني؛ فلا يخلو من بُعْد؛ لأن القبر إذا كان مسنَّمًا نحو شبر، لم ينطمس إلا بعد سنين.

стр. 69

لكن ههنا احتمال آخر، وهو أن يكون تراب الحفرة نقص عن تكوين ارتفاع يسير، وكره رسول الله ﵌ أن يزيد على القبر من غير حفرته، فاكتفى بوضع حجرٍ عن رأسه، وقد يكون ذلك الحجر من أحجارٍ أُخْرِجت من الحفرة، وكانت هي السبب في نقص تراب الحفرة. وعلى هذا فلا يكون في الواقع زيادة، بل هي من نفس الحفرة، ومع هذا فالظاهر أنه إذا احتيج للعلامة لم يضر أن تكون من غير الحفرة، ولكن شرطها الاحتياج [ص ٤٦] إليها لقصد شرعي، وأن لا توضع فوق القبر، بل بجانبه عند الرأس، وأن لا تزيد عن قدر الحاجة، لا في القدر، ولا في الهيئة، فإن اختلّ شرطٌ من هذه لم يكن في الحديث دلالة على الجواز، وفي غيره من الأدلة التي ذكرنا بعضها في هذه الرسالة ما يدل على المنع. والله أعلم. الآثار معناها واضحٌ، وهي مقررة لما ثبت بالأدلة المذكورة. * * * * فَذْلكة (١) ما يتعلق بظاهر القبور من الهيئة المشروعة: ١ - رد تراب الحفرة إليها وجمعه عليها بهيئة التسنيم حتى ترتفع نحو شبر باعتبار الوسط، ولا يُزَاد على ذلك إلا ما ثبت، كوضع شيء من الحصى لا يزيد في الارتفاع، ووضع حجر عند رأس القبر علامة بشرطه. ٢ - إبراز القبر.

стр. 70

الحمد لله الفصل الثاني [ص ٤٧] تتمّة هذه هي الهيئة المشروعة في نفس القبر باعتبار ظاهره، فكل ما زاد عنها فهو بدعة ضلالة، يتناوله عموم النهي عن البدعة، كالتسطيح، فإنه ينافي التسنيم، وكالرفع فوق شبر، فإنه ينافي الاقتصار على الرفع نحو شبر، وكالتجصيص، فإنه ينافي كون القبور جُثًى مُسنَّمة وغيره، مع منافاته لعدم الزيادة والبناء على جوانب القبر القريبة، بحيث يسمى البناء قبرًا، فإنه بمعنى الرفع فوق شبر، مع منافاته لعدم الزيادة، سواءً أكان بحجر أم آجُرّ، أم خشب كالتوابيت، أو بغير ذلك، فهذه الأشياء منهيٌّ عنها ما لم يُخَصَّص بعضُها بدليل. وقد بقي علينا بيان الهيئة المشروعة فيما يتصل بالقبر. فأقول: الهيئة المشروعة هي ما كان في عهده ﵌، وقد عُلِم أنه لم يكن يبني على القبور بناءً واسعًا (١)، ولا يُبْنى بناء لتُجْعَل القبور فيه، ولا تُجْعَل القبور في بناء معدٍّ للسُّكْنى. فأما قبره ﵌ فله سبب خاص، يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (٢).

стр. 71

ولا كانت توضع أستار على القبور، ولا تُنْصَب عليها الرايات، وغير ذلك. فالهيئة المشروعة عدم هذه الأشياء، فهذه الأشياء ونحوها بدعة ضلالة، يتناولها عموم النهي عن البدعة، وإلا فإنه يُؤخَذ منه النهي عنها بالقياس الجلي، سواءً أقلنا: إن العلة في النهي عن الرفع والتجصيص ونحوه هي كراهية معاملة القبر الذي هو بيت البِلَى بما ينافيه من الإحكام والتزيين. أم قلنا: إنها كراهية تمييز القبر بما قد يؤدي إلى تعظيمه. وقد ورد التعليل بالأولى عن المذاهب الأربعة. ففي "المنتهى" (١) من كتب الحنابلة متنًا وشرحًا: "وتسنيمٌ أفضل لحديث التمَّار، ولأن التسطيح أشبه ببناء أهل الدنيا". اهـ. وفي "الأم" (٢) للإمام الشافعي: "وأحبّ أن لا يُبْنَى ولا يُجَصَّص، فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء، وليس الموت موضع واحد منهما". اهـ. [ص ٤٨] وفي "الجوهرة المضية" (٣) من كتب الحنفية: "قوله: (ويكره الآجُرّ والخشب) لأنهما لإحكام البناء، وهو لا يليق بالميت؛ لأن القبر موضع البلى". اهـ. ثم حكى تقرير هذا التعليل عن السرخسي. وفي "شرح الموطأ" (٤) للباجي من المالكية: "فأما بنيانه ورفعه على

стр. 72

وجه المباهاة، فممنوع". اهـ. وورد التعليل بالعلة الثانية عن بعض أهل العلم مستدلًّا بتواتر الأحاديث بلعن من اتخذ القبور مساجد، واشتداد غضب الله عليه، وفي بعضها تفسير ذلك ببناء المسجد على القبر، وصحة الأحاديث بالنهي عن الصلاة في المقبرة، وعن الصلاة إلى القبر، مع ما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا ... ﴾ الآية [نوح: ٢٣]: أن هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ... إلخ. في "صحيح البخاري" (١). وفي بعض الأحاديث لَعْن من اتخذ على القبر سراجًا (٢). وصرَّح العلماء في أهل المذاهب أن النهي عن الصلاة إلى القبر خشية أن يؤدّي ذلك إلى تعظيمه، وسيأتي نقل شيءٍ من هذا عند الكلام في المساجد على القبور. فكل هذا يدلُّ أن خشيةَ أن يؤدي تمييز القبور إلى تعظيمها، أمرٌ يعتبره

стр. 73

الشرع، فتكون هذه هي العلة في منع الرفع ونحوه؛ لِمَا هو مشاهد أن القبر المميز على غيره برفعٍ وتجصيصٍ وبناءٍ وسترٍ ونحوه يُعَظِّمه الجُهّال دون غيره، والعلة المنصوصة أرجح من المستنبطة، مع أن القياس يصح على كلا (١) العلتين. النتيجة: ثبت النهي عن تسطيح القبر، ورفعه فوق شبر، والزيادة عليه من تراب غير حفرته، إلا لتسويته بالأرض إذا نقص، وإلا شيئًا من حصى، وحَجَرًا للعلَامة عند الحاجة. وعن تجصيصه والبناء عليه، سواء أكان على جوانبه القريبة أم أوسع، وسواءً أبُنِي بعد القبر أم قبله لأجله، أم قبله لسُكْنى ونحوها. وعن سَتْره بالثياب، ونصب الرايات عنده، والكتابة عليه، وكل ما صُنِع لأجله مما لم يثبت له دليلٌ شرعيٌّ. فكل هذه الأشياء ثبت النهي عنها: أولًا: بدخولها تحت عموم "كل بدعة ضلالة"، وغيره من الأدلة. ثانيًا: لمنافاتها لتسوية القبور المأمور بها، أو منافاة بعضها لها، وإلحاق الباقي بالقياس الجلي. والله أعلم.

стр. 74

[الأحاديث والآثار الواردة في مسألة البناء على القبر] [ص ٤٩] البخاري في "صحيحه" (١) تعليقًا: " لما مات الحسن بن الحسن بن علي، ضربت امرأته القبة على قبره سنةً، ثم رُفِعت، فسمعت صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا". أقول: علقه البخاري بصيغة الجزم، وقد قالوا: إن ما كان كذلك فهو محمولٌ على أنه صحَّ لديه في الجُمْلة، أي: إما على شرطه، وإما على شرط غيره على الأقل. وفي هذا إجمالٌ، فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم "غيره" من يتساهل في التصحيح. ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذّبه غيره، فلا بدّ من النظر في رجال السند، وقد راجعنا "فتح الباري" (٢)، فذكر فيه ما لفظه (جزء ٣/ ص ١٦١): "أي: الخيمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ: "الفُسْطاط" كما رُوّيناه في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي ــ رواية الأصبهانيين عنه ــ. وفي كتاب ابن أبي الدنيا، في "القبور" (٣)، من طريق المغيرة بن مِقْسَم قال: لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فُسطاطًا، فأقامت عليه سنة، فذكر نحوه". اهـ. [ص ٥٠] ولا ندري ما حال السندَين، إلا أن المغيرة بن مِقْسَم كان أعمى ومدلسًا.

стр. 75

وقد ذكر البخاري هذه القصة في باب ما يُكره من اتخاذ المساجد على القبور، قال في "الفتح" (١): "ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفُسطاط لا يخلو عن الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة، فتزداد الكراهة. وقال ابن المُنيِّر: إنما ضَربت الخيمةَ هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه، تعليلًا للنفس، وتخييلًا ... ومكابرةً للحسّ .... فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتِفَيْن بتقبيح ما صنعوا ... إلخ. أقول: تعقبه بعضهم بأن الظاهر أنها إنما ضَربت الخيمةَ للاجتماع لقراءة القرآن. وهذا مع كونه ممنوعًا أيضًا، مردودٌ بقول الهاتِفَيْن: هل وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا. فالقصة فيها زراية على زوجة الحسن، وهي كما في "الفتح": فاطمة بنت الحسين بن علي ﵃، بل وعلى أهل البيت الموجودين حينئذٍ كلهم. فالذي عندي أن هذه القصة لا تصح، فإن أهل البيت أعلم بالله وأكمل عقولًا، وأثبت قلوبًا، من أن يقع لهم مثل هذه القصة، [ص ٥١] وفي الحديث: "لعن زوَّارات القبور" (٢) أي: المكثرات لزيارتها، وضَرْب الخيمة على القبر، والإقامة فيها سَنةً أبلغ من إكثار الزيارة، وأهل البيت أولى من
следующие страницы →