← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 330

عمارة القبور في الإسلام - المبيضة - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (172 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولا كانت توضع أستار على القبور، ولا تُنْصَب عليها الرايات، وغير ذلك. فالهيئة المشروعة عدم هذه الأشياء، فهذه الأشياء ونحوها بدعة ضلالة، يتناولها عموم النهي عن البدعة، وإلا فإنه يُؤخَذ منه النهي عنها بالقياس الجلي، سواءً أقلنا: إن العلة في النهي عن الرفع والتجصيص ونحوه هي كراهية معاملة القبر الذي هو بيت البِلَى بما ينافيه من الإحكام والتزيين. أم قلنا: إنها كراهية تمييز القبر بما قد يؤدي إلى تعظيمه. وقد ورد التعليل بالأولى عن المذاهب الأربعة. ففي "المنتهى" (١) من كتب الحنابلة متنًا وشرحًا: "وتسنيمٌ أفضل لحديث التمَّار، ولأن التسطيح أشبه ببناء أهل الدنيا". اهـ. وفي "الأم" (٢) للإمام الشافعي: "وأحبّ أن لا يُبْنَى ولا يُجَصَّص، فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء، وليس الموت موضع واحد منهما". اهـ. [ص ٤٨] وفي "الجوهرة المضية" (٣) من كتب الحنفية: "قوله: (ويكره الآجُرّ والخشب) لأنهما لإحكام البناء، وهو لا يليق بالميت؛ لأن القبر موضع البلى". اهـ. ثم حكى تقرير هذا التعليل عن السرخسي. وفي "شرح الموطأ" (٤) للباجي من المالكية: "فأما بنيانه ورفعه على

стр. 72

وجه المباهاة، فممنوع". اهـ. وورد التعليل بالعلة الثانية عن بعض أهل العلم مستدلًّا بتواتر الأحاديث بلعن من اتخذ القبور مساجد، واشتداد غضب الله عليه، وفي بعضها تفسير ذلك ببناء المسجد على القبر، وصحة الأحاديث بالنهي عن الصلاة في المقبرة، وعن الصلاة إلى القبر، مع ما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا ... ﴾ الآية [نوح: ٢٣]: أن هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ... إلخ. في "صحيح البخاري" (١). وفي بعض الأحاديث لَعْن من اتخذ على القبر سراجًا (٢). وصرَّح العلماء في أهل المذاهب أن النهي عن الصلاة إلى القبر خشية أن يؤدّي ذلك إلى تعظيمه، وسيأتي نقل شيءٍ من هذا عند الكلام في المساجد على القبور. فكل هذا يدلُّ أن خشيةَ أن يؤدي تمييز القبور إلى تعظيمها، أمرٌ يعتبره

стр. 73

الشرع، فتكون هذه هي العلة في منع الرفع ونحوه؛ لِمَا هو مشاهد أن القبر المميز على غيره برفعٍ وتجصيصٍ وبناءٍ وسترٍ ونحوه يُعَظِّمه الجُهّال دون غيره، والعلة المنصوصة أرجح من المستنبطة، مع أن القياس يصح على كلا (١) العلتين. النتيجة: ثبت النهي عن تسطيح القبر، ورفعه فوق شبر، والزيادة عليه من تراب غير حفرته، إلا لتسويته بالأرض إذا نقص، وإلا شيئًا من حصى، وحَجَرًا للعلَامة عند الحاجة. وعن تجصيصه والبناء عليه، سواء أكان على جوانبه القريبة أم أوسع، وسواءً أبُنِي بعد القبر أم قبله لأجله، أم قبله لسُكْنى ونحوها. وعن سَتْره بالثياب، ونصب الرايات عنده، والكتابة عليه، وكل ما صُنِع لأجله مما لم يثبت له دليلٌ شرعيٌّ. فكل هذه الأشياء ثبت النهي عنها: أولًا: بدخولها تحت عموم "كل بدعة ضلالة"، وغيره من الأدلة. ثانيًا: لمنافاتها لتسوية القبور المأمور بها، أو منافاة بعضها لها، وإلحاق الباقي بالقياس الجلي. والله أعلم.

стр. 74

[الأحاديث والآثار الواردة في مسألة البناء على القبر] [ص ٤٩] البخاري في "صحيحه" (١) تعليقًا: " لما مات الحسن بن الحسن بن علي، ضربت امرأته القبة على قبره سنةً، ثم رُفِعت، فسمعت صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا". أقول: علقه البخاري بصيغة الجزم، وقد قالوا: إن ما كان كذلك فهو محمولٌ على أنه صحَّ لديه في الجُمْلة، أي: إما على شرطه، وإما على شرط غيره على الأقل. وفي هذا إجمالٌ، فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم "غيره" من يتساهل في التصحيح. ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذّبه غيره، فلا بدّ من النظر في رجال السند، وقد راجعنا "فتح الباري" (٢)، فذكر فيه ما لفظه (جزء ٣/ ص ١٦١): "أي: الخيمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ: "الفُسْطاط" كما رُوّيناه في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي ــ رواية الأصبهانيين عنه ــ. وفي كتاب ابن أبي الدنيا، في "القبور" (٣)، من طريق المغيرة بن مِقْسَم قال: لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فُسطاطًا، فأقامت عليه سنة، فذكر نحوه". اهـ. [ص ٥٠] ولا ندري ما حال السندَين، إلا أن المغيرة بن مِقْسَم كان أعمى ومدلسًا.

стр. 75

وقد ذكر البخاري هذه القصة في باب ما يُكره من اتخاذ المساجد على القبور، قال في "الفتح" (١): "ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفُسطاط لا يخلو عن الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة، فتزداد الكراهة. وقال ابن المُنيِّر: إنما ضَربت الخيمةَ هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه، تعليلًا للنفس، وتخييلًا ... ومكابرةً للحسّ .... فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتِفَيْن بتقبيح ما صنعوا ... إلخ. أقول: تعقبه بعضهم بأن الظاهر أنها إنما ضَربت الخيمةَ للاجتماع لقراءة القرآن. وهذا مع كونه ممنوعًا أيضًا، مردودٌ بقول الهاتِفَيْن: هل وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا. فالقصة فيها زراية على زوجة الحسن، وهي كما في "الفتح": فاطمة بنت الحسين بن علي ﵃، بل وعلى أهل البيت الموجودين حينئذٍ كلهم. فالذي عندي أن هذه القصة لا تصح، فإن أهل البيت أعلم بالله وأكمل عقولًا، وأثبت قلوبًا، من أن يقع لهم مثل هذه القصة، [ص ٥١] وفي الحديث: "لعن زوَّارات القبور" (٢) أي: المكثرات لزيارتها، وضَرْب الخيمة على القبر، والإقامة فيها سَنةً أبلغ من إكثار الزيارة، وأهل البيت أولى من

стр. 76

يُنَزَّه عن ذلك. هذا، مع عِلْمنا أن مثل هذا لا تقوم به حُجّة، بل القصة بنفسها في ذِكْر كلام الهاتِفَين تدل على قُبح ذلك الصنع، ولكن رأينا حقًّا علينا الذبّ عن أهل البيت ﵃. * * * * [ص ٥٢] البخاري في "صحيحه" (١) تعليقًا أيضًا، في باب الجريد على القبر: "وقال خارجة بن زيد: رأيتني ونحن شُبّان في زمن عثمان ﵁، وإن أشدنا وثبةً الذي يَثِبُ قبرَ عثمان بن مظعون حتى يجاوزه". قال في "الفتح" (٢): وقد وصله المصنف في "التاريخ الصغير" من طريق ابن إسحاق. أقول: قال في "التاريخ الصغير" (ص ٢٣) (٣) طبعة إله آباد: حدثنا عَمْرو بن محمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاري قال: سمعتُ خارجةَ بن زيد بن ثابت: رأيتني ونحن غلمان شبان زمن عثمان، وإن أشدّنا وثبةً الذي يَثِبُ قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه. اهـ. وقد مر قريبًا (٤) الكلام على ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، وأنه لا يغني ذلك عن النظر في سنده، وقد علم ههنا سنده، فأقول:

стр. 77

شيخ ابن إسحاق لم أر له ترجمة (١)، وابن إسحاق كما تقدم في حديث فَضالة أنه قال الذهبي: "ما انفرد به ففيه نكارة، فإنّ في حفظه شيئًا" (٢). ١ - [ص ٥٣] ولا نعلم أحدًا تابعه في هذا الأثر، ولا ثمَّة قرينة تدل على حفظه، ينجبر بها تفرُّده، ففي الأثر نكارة. ٢ - بل على القول بأنه يفهم منه رفع القبر فوق الشبر شذوذٌ، إذ المعروف المشهور أن القبور لم تكن تُرفع في ذلك العصر. ٣ - بل نفس قبر عثمان بن مظعون، ورد أن النبي ﵌ [وضع] حجرًا، وقال: "أُعَلِّم به قبر أخي" (٣)، وأسلفنا أن ذلك يدل أنه لم يرفع عن وجه الأرض. ٤ - ومع ذلك فيبعد جدًّا أن يخرج الشباب من أولاد الصحابة يتواثبون على قبر رجل من أفاضل السابقين، بحيث إنه لا يجاوز القبر إلا أشدهم وَثْبة، وغالبهم تقع وثبته على القبر، مع أن بجواره من قبور أبناء رسول الله ﵌ قبر إبراهيم، وغيره. نعم، قد كان بعض الصحابة والتابعين ــ ومنهم خارجة ــ لا يرون بأسًا بالجلوس على القبور، ولكن أين الجلوس من التوثُّب، وقد كان أبناء الصحابة ﵃ بغاية التمسّك بالآداب الشرعية، ولاسيما مثل خارجة بن زيد.

стр. 78

٥ - [ص ٥٤] وفي "تهذيب التهذيب" (١) في ترجمة خارجة: قال ابن نُمَير وعَمْرو بن علي: مات سنة (٩٩). وقال ابن المديني وغير واحد: مات سنة مائة. اهـ. فالأكثر كما ترى أنه مات سنة مائة. وقال ابن عساكر في "تاريخه" (٢): "الصحيح الذي عليه أكثر الروايات أنه توفي سنة مائة". اهـ. وذكر قبل ذلك ما لفظه: "وقال العجلي: خارجة مدني ... وقال: رأيتُ في المنام كأني بنيتُ سبعين درجة، فلما فرغت منها تهورت (٣)، وهذه السنة لي سبعون سنة قد أكملتها. فمات فيها" اهـ. أقول: وقد ذكر هذه القصة ابنُ سعد في "الطبقات" (٤) من روايته عن الواقدي بسنده، ونقلها عنه ابن خلِّكان (٥)، فإن صحَّ هذا كان مولده سنة (٣٠). فيكون سِنّه يوم قتل عثمان نحو خمس سنين؛ لأن عثمان قتل سابع ذي الحجة سنة (٣٥)، فكيف يكون من الشبّان زمن عثمان.

стр. 79

[ص ٥٥] حديث علي ﵁ (١) قال الإمام أحمد في "مسنده" (٢) (جزء ١/ ص ١٢٨ - ١٢٩): وكيع وعبد الرحمن عن سفيان عن حبيب عن أبي وائل عن أبي الهيَّاج قال: قال لي علي ــ وقال عبد الرحمن: إن عليًّا ﵁ قال لأبي الهيَّاج ــ: "أبعثُك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌: أن لا تدعَ قبرًا مُشرفًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا إلا طمستَه". أقول: الحديث رواه عن سفيان جماعة: منهم عبد الرحمن وخلَّاد بن يحيى والقطان ووكيع ومحمد بن يوسف ومحمد بن كثير. ووقع فيه خلاف سندًا ومتنًا. أما السند؛ فإن عبد الرحمن وخلَّادًا جعلا الحديث من رواية أبي وائل عن علي، وجعله الباقون من رواية أبي الهيَّاج عن علي. وأما المتن؛ فيأتي تفصيله. * رواية عبد الرحمن وخلاد: أما عبد الرحمن؛ فرواه عنه محمد بن بشار عند الترمذي (٣)، والإمام أحمد في "مسنده" كما تقدم، ومن طريق الإمام أحمد رواه الحاكم في "المستدرك" (٤).

стр. 80

وأما خلَّاد؛ فرواه عنه معاذ بن نجدة القرشي عند الحاكم في "المستدرك" أيضًا. ولفظ محمد بن بشار ... عن أبي وائل: أن عليًّا قال لأبي الهيَّاج: "أبعثك على ما بعثني عليه النبي ﵌ [ص ٥٦]: أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا إلا طمَسْتَه". وهكذا الباقون، إلا أنهم قالوا: "على ما بعثني عليه (رسول الله) ﵌". وفي "المستدرك" عن أبي (هيَّاج). وقد رواه عن عبد الرحمن أيضًا عُبيد الله (أظنه القواريري) عند أبي يعلى في "مسنده" (١)، ولكن فيه: "عن حبيب بن أبي ثابت أن عليًّا قال لأبي الهياج". هكذا لم يذكر "عن أبي وائل"، وأظنه من إسقاط النساخ؛ لأن النسخة خطية غير مصححة (٢)، وباقي الحديث كحديث الإمام أحمد. * رواية الآخرين: - القطان: رواه عنه أبو بكر بن خلاد الباهلي عند مسلم (٣)، ذكر مسلم

стр. 81

رواية وكيع، وفيها: ... عن حبيب ... عن أبي وائل عن أبي الهياج قال: قال لي عليّ: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌ [ص ٥٦]: أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مُشْرفًا إلا سويته". ثم ذكر رواية القطان ... أخبرني حبيب بهذا الإسناد وقال: "ولا صورةً إلا طمستها". فدلّ هذا أن لفظ القطان: "ألا أبعثك ... أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها". - وكيع: رواه عنه جماعة، منهم يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، ومحمد بن سعيد الأصبهاني، والإمام أحمد. فعن الثلاثة الأولين: مسلم في "صحيحه"، وقد مر لفظه. وعن الثاني أيضًا: إسماعيل بن قتيبة، وعن الرابع: علي بن عبد العزيز، كلاهما عند الحاكم في "المستدرك"، ولم يصرِّح باللفظ، بل قال: بنحوه، أي: بنحو لفظ عبد الرحمن وخلّاد. وروى عن الثالث أيضًا: أبو يعلى في "مسنده"، ولفظه كلفظ الثلاثة عند مسلم، إلا أنه أسقط "ألا" وقال: "أن لا أدع"، وفي النسخة تحريف من النساخ. وأما الإمام أحمد ففي "مسنده" قرن وكيعًا بعبد الرحمن مرةً، وأفرده أخرى (١) أسقط "لا" فيهما، وقدَّم في الأولى ذكر القبر، وقد مرت الأولى.

стр. 82

- محمد بن يوسف: رواه عنه أحمد بن يوسف السلمي عند البيهقي في "السنن" (١)، ولفظه: " ... عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌: ألَّا تترك قبرًا مشرفًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا في بيت إلا طمسته". فأسقط "لا" وزاد "في بيت"، وقدَّم ذِكْر القبر، وقال: "تترك" بدل "تدع". - محمد بن كثير: رواه عنه أبو داود (٢) ولفظه: ... عن أبي الهياج الأسدي قال: بعثني عليٌّ قال: أبعثك على ... أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته". فزاد "بعثني عليٌّ"، وأسقط "ألا"، وقدَّم ذِكْر القبر، وجعل الفعل للمتكلم. [ص ٥٧] الحكم في الاختلاف: الأصل الثابت المقرَّر: أنه إذا وقع اختلاف مع الاشتراك في عدم الضعف يُفْزَع إلى الجمع، فإن أمكن الجمع فالكلُّ صحيحٌ، وإن لم يمكن التُجِئ إلى الترجيح، فإن أمكن، فالأرجح هو الصحيح، وإلا ثبت الاضطراب. فلنعتبر الاختلاف في هذا الحديث بهذا الأصل.

стр. 83

* الاختلاف في السند: يمكن الجمع بأحد وجهين: الأول: بالحكم لرواية القطان ومن معه، لاحتمال رواية عبد الرحمن وخلَّاد التدليس من بعض الرواة. الثاني: بتصحيح كلا (١) الروايتين. ويشبه أن يكون مسلم ﵀ مال إلى الوجه الأول، وإلا لَمَا عَدَل عن رواية عبد الرحمن مع ما فيها من الفوائد: كجلالة عبد الرحمن، وعلوّ طريقه، وتسلسلها بالأئمة، ويبعد أن يكون مال إلى الترجيح، أعني بالحكم على طريق عبد الرحمن بالخطأ، فإنه عالمٌ أنه لا يُصَار إلى الترجيح إلا إذا لم يمكن الجمع. وقد يُستأنس للتدليس باختيار القطان الرواية التي فيها "عن أبي الهياج"، والقطان يتحرَّز عن تدليس سفيان، بل وعن تدليس بعض شيوخ شيوخه، انظر "فتح المغيث" (٢) (ص ٧٧). وعندي أنه لا وجه للتدليس هنا؛ لأن أبا وائل لم يوصف بالتدليس، بل وُصِفَ بعدمه، وحبيبًا لو دلَّس هنا بإسقاط شيخ شيخه كما هو صورة البحث لكان تدليس التسوية، ولم يوصف به، وإنما وُصِفَ بمطلق التدليس، فيُحْمَل على أخفّ أنواعه، أعني التدليس عن شيوخه.

стр. 84

ولهذا تراهم يعمدون إلى السند الذي فيه من وُصِف بمطلق التدليس، ولكنه صرح بالتحديث عن شيخه، فيحكمون له بالصحة، وإن كان شيخه أو شيخ شيخه لم يصرِّح بالسماع، إلا أن يوصَفَ بالتسوية، فلابد من التصريح بالسماع منه إلى آخر السند. ووجهه أن تدليس التسوية أقبح وأشنع من مطلق التدليس، إذ لا يخلو عن الكذب، فالظاهر سلامة الثقة منه، وإن وُصِف بمطلق التدليس. انظر كتب الفن في تدليس التسوية. أما سفيان: فقد قيل: إنه كان يدلس التسوية، ولكن في "فتح المغيث" (١) (ص ٧٧) قال البخاري: لا يُعْرَف لسفيان الثوري عن حبيب ابن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كُهَيل، ولا عن منصور، ولا عن كثير من مشايخه تدليس، ما أقل تدليسه! اهـ. [ص ٥٨] وظاهر هذا يتناول تدليس التسوية، وإلا لقال البخاري: ولكنه كان يسوِّي فيما رواه عن حبيب، أو نحو ذلك. مع أن سفيان أثبت إن شاء الله من أن يسوّي فيما رواه عن شيخ قد تنزه عن التدليس عنه، فإن ذلك أشدّ غررًا من التسوية مع عدم التنزه عن التدليس؛ لأن العلم بتنزّهه عن التدليس عن شيخه، يَحْمِل على الظن بأنه لم يسوّ فيما رواه عنه. على أن ههنا مانعًا آخر من الحمل على التدليس، وهو سقوط "ألا" في رواية عبد الرحمن وخلاد أصلًا، وثبوتها في رواية الآخرين غالبًا، وهذا يدل أنهما روايتان من الأصل.

стр. 85

ويؤيده أن الحاكم حكم بصحة رواية عبد الرحمن وخلاد على شرط الشيخين، كما يأتي، وأقره الذهبي. وأيضًا فالحمل على التدليس نوع من الترجيح، والجمع المحض أولى منه. وبمجموع ما ذكرنا ينتهض الوجه الثاني، وهو تصحيح الروايتين معًا، إن شاء الله. فأقول: قد حكم بصحتهما معًا الحاكم في "المستدرك"، فإنه ذكر رواية عبد الرحمن وخلاد، ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأظنه لخلاف فيه عن الثوري، فإنه قال مرة: عن أبي وائل عن أبي الهياج، وقد صح سماع أبي وائل عن علي ﵁". اهـ. ثم ذكر رواية وكيع، وتوجيهه: أن أبا وائل سمع الحديث مرةً من علي، ومرةً: من أبي الهيَّاج، فكان يحدث بهذا تارةً، وبهذا أخرى، وتَبِعه حبيب، فتبعه سفيان. وقد علمت أن رواية عبد الرحمن وخلّاد اطَّرَد فيها سقوطُ "ألا"، وسيأتي أن الأصل في رواية الآخرين ثبوتها، فيظهر من هذا: أن عليًّا ﵁ عرض على أبي الهياج البعث بقوله: "ألا أبعثك ... " إلخ ولم يعزم عليه، فخرج فلقي أبا وائل فأخبره، ثم اتفق اجتماعهما عند علي ﵁، فعزم على البعث، فقال لأبي الهياج: "أبعثك ... " إلخ. أما ما في "مسند أبي يعلى" عن عُبيد الله عن عبد الرحمن، وفيه: "عن حبيب بن أبي ثابت أن عليًّا .. " كما تقدم، فهو من خطأ النساخ جزمًا، فإن

стр. 86

الكاتب إذا كتب "أبي ثابت" ثم نظر في الكتاب الذي نسخ منه فرأى "أبي وائل" ظن أنه قد كتبها لاشتباه الكُنيتين [ص ٥٩] والنسخة الخطية غير مصحَّحة (١). * الاختلاف في المتن: أما رواية عبد الرحمن وخلاد فلم يقع فيها خلاف يُغيِّر المعنى، فلا كلام عليها، وقد ترجَّح أنها رواية مستقلة، فلا يضرّها الخلاف الواقع في الرواية الأخرى. وأما الخلاف في الرواية الأخرى؛ فمنه ما لا يغير المعنى، كالتقديم والتأخير، وإبدال "تمثال" بـ"صورة"، و"تدع" بـ"تترك" (٢)، وجَعْل الضمائر التي للمخاطب للمتكلم وغيره، فهذا من الرواية بالمعنى، وكانت شائعة بينهم، فلا تضر. ومنه ما لا يخلو عن تغيير للمعنى، وهو الاختلاف في ثبوت "ألا" مع زيادة ابن كثير (٣) "بعثني عليّ"، وزيادة ابن يوسف (٤) "في بيت". فإن الكلام مع ثبوت "ألا" عَرْض، ومع سقوطها جزمٌ، ولاسيما زيادة "بعثني عليّ"، وكذلك قول ابن يوسف "في بيت" قيدٌ، ينافي إطلاق بقية الروايات.

стр. 87

والجواب: بالجمع، بأنَّ الأصل في هذه الرواية ثبوت "ألا" ولكن كأنَّ سفيان ﵀ أسقَطَها مرةً بناءً على أن إسقاطها لا يغيِّر معنى المرفوع، مع أنَّ دلالة الكلام بعد إسقاطها على الجزم لا يضر، بعد صحة الجزم بالرواية الأخرى. وأثبتها مرة على الأصل، أو لأنه تنبَّه أن لإثباتها فائدة في الجمع بين الروايتين، فسمع منه أصحابه الإثبات والإسقاط، فروى بعضهم هذا، وبعضهم هذا، وروى وكيعٌ الأمرين. لكن نسبة إسقاط "ألا" إلى سفيان، يردُّه ما في "مسند أبي يعلى" قال: "حدثنا عبد الله نا يزيد بن هارون أنا المسعودي عن حبيب بن أبي ثابت (١) عن أبي الهياج قال: قال عليًّا (كذا) أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌: لا تدع قبرًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا إلا طمحته (كذا) ". [ص ٦٠] هكذا في النسخة ليس فيه: "عن أبي وائل" ويظهر أنه من إسقاط النساخ، كما مر (٢). وهذه النسخة لا يوثق بها، لكن إذا وُجِد في نسخة صحيحة وليس فيه "ألا"، فالظاهر أن الإسقاط جاء من حبيب، أسقط مرة، وأثبت أخرى، فسمع المسعودي الإسقاط، وسمع سفيان الأمرين، فحدَّث بهذا مرة، وهذا أخرى كما مر. فأما زيادة محمد بن كثير "بعثني علي" فمِن عِنْده، وذلك أنه سمع

стр. 88

الرواية بإسقاط "ألا" ففهم الجزم، فزاد هذه الكلمة ظانًّا أنها إيضاحٌ للمعنى لا تغيير له، مع أن محمد بن كثير غمزه ابنُ معين، وأظنه من جهة الضبط (١). وأما زيادة ابن يوسف "في بيت" فعلى الخلاف في زيادة الثقة قيدًا لما أطلقه غيره، انظر "فتح المغيث" (٢) (ص ٩٠). ومما يقوي طرحها، قول ابن عدي في محمد بن يوسف هذا: له إفرادات عن الثوري (٣). تنبيه: حديث أبي يعلى عن عبيد الله عن يزيد عن المسعودي صحيحٌ إن ثبت في نسخة صحيحة وصله عن أبي وائل، كما هو المظنون، بل وإن لم يثبت فقد عُلِم برواية سفيان أن أبا وائل هو الساقط، ولا أدري لعل حبيبًا أدرك أبا الهياج، فلينظر. فأما ما ثبت أن المسعودي اختلط وخلّط فلا يضر؛ لأن سماع يزيد عنه كان قبل ذلك، انظر "فتح المغيث" (٤) (ص ٤٩٣). تنبيه آخر: ذكر الحافظ ﵀ هذا الحديث في كتابه "إتحاف المهرة" (٥) فقال:

стр. 89

حصين بن حيان الأسدي أبو الهياج عن علي، حديث: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌: أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ... ثم ذكر رواية الحاكم الثانية، أعني التي فيها "عن أبي الهياج" إلى أن قال: "عن أبي وائل عنه به". ثم ذكر رواية الحاكم الأولى، أعني رواية خلاد وعبد الرحمن، ثم قال: وقال "صحيح على شرطهما"، وقال: أظنهما .... قلت: قد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده. ثم ذكر رواية أحمد عن يونس بن محمد، وسيأتي. [ص ٦١] ثم قال: وعن وكيع وعبد الرحمن عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن أبي الهياج به. اهـ . وفي عبارته ثلاثة مواضع موهمة لخلاف الواقع: [الأول]: قوله بعد ذكر أكثر لفظ الحديث، وسوقه رواية الحاكم الثانية: "عن أبي وائل عنه به". هذا يوهم أن الحاكم صَرَّح بلفظ الحديث، وأنه باللفظ الذي تقدم أكثره، وليس الأمر كذلك، فإنما قال الحاكم: "فذكر الحديث بنحوه" أي بنحو لفظ عبد الرحمن وخلَّاد المذكور في الرواية الأولى. وقد اختلفت ألفاظ الرواة عن وكيع، فلا يُدْرى اللفظ الذي ثبت عند الحاكم ولم يصرح به، أهو كلفظ مسلم الذي صَدَّر به الحافظ، وحكم بأنه هو، أم لا؟ . فإن قيل: إن أبا بكر بن أبي شيبة أحد الراويين عن وكيع عند الحاكم،

стр. 90

هو أحد رواة لفظ مسلم، والظاهر الاتفاق. قلت: فما نصنع بالراوي الآخر وهو الأصبهاني، وعلى كلِّ حال فلا يخلو المقام من مسامحة. الموضع الثاني: أنه بعد ذِكْر عبارة الحاكم: "صحيح على شرطهما ... " إلخ. قال: "قلت: قد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده". وهذا صريحٌ في أنَّ قولَ الحاكم: "ولم يخرجاه" يعني الحديث من أصله، فاحتيج إلى تعقُّبه بأن مسلمًا قد أخرجه بسنده، وإنما قال الحافظ: "قد أخرجه مسلم عن أبي بكر ... " إلخ. مع أن مسلمًا أخرجه عنه، وعن غيره مقرونين؛ لأن الحاكم رواه من طريق أبي بكر أيضًا. وقوله: "بسنده" أي: بنفس السند الذي ذكره الحاكم، وبهذا يتم الحكم على الحاكم بالوهم. وقد علمت أن الحاكم إنما أورد تلك العبارة عقب الرواية الأولى، أعني رواية عبد الرحمن وخلَّاد، فقوله: "هذا الحديث" متوجِّه إليها، وكذا قوله: "ولم يخرجاه" كما هو ظاهر، وهو المُطَّرِد في اصطلاحه في "المستدرك"، يذكر الحديث ثم يتكلم عليه. وأصرح من هذا قوله في آخر العبارة: "وقد صحَّ سماع أبي وائل من علي". وبهذا يعلم أن حكم الحاكم صحيح، فإنَّ حديثَ عبد الرحمن وخلاد (١) لم يخرجه أحدٌ من الشيخين بسنده، بل ولا متنه. الموضع الثالث: قوله في ذكر رواية أحمد عن وكيع وعبد الرحمن ...

стр. 91

عن أبي الهياج به، وقد علمت لفظ الإمام أحمد حيث قال بعد "عن أبي الهياج": "وقال عبد الرحمن ... " إلخ، فدل أن العبارة [ص ٦٢] الأولى هي عبارة وكيع فقط، كما لا يخفى، وقد قابلنا حديث الإمام أحمد بنسخة خطية، ولم نكتف بالمطبوعة، مع أن رواية الحاكم من طريقه صريحة في ذلك. رجوع: قد اندفع ما زعمه بعضُ الجُهَّال (١): أن الحديث مضطرب سندًا ومتنًا، فإن شرط الاضطراب التقاوم، أي: أن لا يمكن الجمع ولا الترجيح، وقد أمكن الجمع ههنا كما أشار له الحاكم، وقررناه أحسن تقرير، والحمد لله. وهذا الجمع أولى وأقرب مما جمعوا به بين حديثي فاطمة بنت قيس مرفوعًا: ١ - "إن في المال لحقًّا سوى الزكاة" (٢). ٢ - "ليس في المال حق سوى الزكاة" (٣). فدفعوا الاضطراب بأن قالوا: يُجْمَع بأنها سمعت اللفظين، والحق الأول المستحب، والثاني الواجب.

стр. 92

والغريب أن ذلك الجاهل خَبَط في تقرير الاضطراب بما يُضْحَك منه. قال: "فتارة يذكر "عن أبي وائل أن عليًّا قال لأبي الهياج"، كما في رواية أحمد عن وكيع () (١)، ورواية أبي داود عن محمد بن كثير ()، ورواية الترمذي عن محمد بن بشار، وتارة يذكر "عن أبي الهياج أنه قال: قال لي علي"، كما في رواية أحمد عن عبد الرحمن ()، ورواية مسلم عن وكيع". ويعرف خبطه بما قدمناه. وزعم أن في سند الحديث أبا وائل القاصّ، وذلك أنه نظر باب الكنى في "الميزان" (٢)، فلم يجد أبا وائل إلا واحدًا هو القاصّ، ولم يدر أن أبا وائل الذي في سند الحديث ليس مِن بَراذين (٣) "الميزان"، وهو شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، أحد سادة التابعين، مخضرم، روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل وطائفة. ولم يتنبه ذلك الجاهل إلى أن القاصّ لم يرو عن علي، ولا روى عنه حبيب، ولا أخرج له مسلم. نعم، في الحديث عنعنة حبيب، وهو مدلس، وليس بأيدينا شيءٌ من المستخرجات لعلنا نجد في شيءٍ منها تصريحه بالتحديث، وليس في "إتحاف المهرة" شيءٌ عن أبي عوانة في هذا الحديث.

стр. 93

لكن ههنا عدة أمور ينجبر بها هذا الوهن: الأول والثاني: أن الحديث في الصحيح، وهو أصل في الهدم، فلا يقال: إنه متابعة لحديث فَضَالة، وممن رواه القطان، كما مر. وقال في "فتح المغيث" (١) (ص ٧٧) في الكلام على ما في "الصحيحين" من عنعنة المدلسين: "قال ابن الصلاح ــ وتبعه النووي وغيره ــ: محمولٌ على ثبوت السماع عندهم فيه من جهةٍ أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات، تحسينًا للظن بمصنفيهما. يعني: ولو لم نقف نحن على ذلك ... [ص ٦٣] وأشار ابن دقيق العيد إلى التوقف في ذلك ... وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في "القدح المعلى": أكثر العلماء أن المعنعنات التي في "الصحيحين" مُنَزَّلةٌ منزِلة السماع، يعني: إما لمجيئها من وجهٍ آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها، ولذا استثنى من هذا الخلاف ... وأبو إسحاق فقط بالنسبة لحديث القطان عن زهير عنه، ... والثوري بالنسبة لحديث القطان عنه"ا?. ١ - والذي عندي: أن صاحب الصحيح لا يصحّح عنعنة من عَرف أنه يدلس إلا بعد الوثوق بثبوت السماع، وإنما لم يثبت السند المصرَّح فيه؛ لأنه نازلٌ، أو نحو ذلك.

стр. 94

فإن قيل: قد يثبت عنده السماع من طريق فيها من لا يوافق على توثيقه. قلت: هذا خلاف الظاهر، بل الغالب على الظن أنه قد ثبت لديه من طريق متفق على تصحيحها، وإلا لأبرزها. نظير ما قالوه في سفيان بن عيينة: أنه لا يدلس إلا عن ثقة، مثل الثقة الذي صرح به، ولكن مع هذا كله لا يزال في النفس شيءٌ، خشية أن يكون خَفِي على صاحب الصحيح كون ذلك المعنعن يدلِّس، أو خَفِي عليه جرح في بعض رجال الطريق التي ثبت لديه فيها التصريح بالتحديث، أو نحو ذلك. إلا أنه على كل حال إذا كانت عنعنة المدلس في الصحيح يكون الظن بثبوت السماع أقوى مما لو كانت في غير الصحيح. [٦٤] ٢ - وأما ما نقلناه عن "الفتح" في شأن القطان، فهو لا يتناول هذا الحديث؛ لأنه إنما التزم عدم رواية ما عنعنه مدلس، ولم يثبت له سماعه في روايته عن زهير عن أبي إسحاق، والمدلِّس أبو إسحاق، وفيما رواه عن سفيان، والمدلِّس سفيان، وحديث الباب من روايته عن سفيان عن حبيب، والمدلس حبيب. لكن قد ثبت عن القطان التحرز عن أن يقع منه ما فيه رائحة من تدليس، وثبت بما هنا احتياطه أن لا يروي عن شيخه سفيان إلا ما صح سماع سفيان له، وأن لا يروي عن شيخه زهير عن أبي إسحاق إلا ما صح سماع أبي إسحاق له، فكان في هذا ما يدلّ على احتياط الرجل في الجملة، فيقوى ظن السماع فيما رواه عن سفيان عن حبيب.

стр. 95

٣ - قد صحَّح الحاكم رواية عبد الرحمن وخلاد، وأقر صحة الرواية الأخرى، وتبعه الذهبي، فلعله ثبت لديهما ما يدفع احتمال التدليس. ٤ - إن دلس حبيب فهو ثقة لا يدلس إلا عن ثقة متفق على توثيقه، أو ثقة عنده على الأقل. ٥ - الإمام أحمد في "مسنده" (١) (جزء ١/ص ١٤٥): يزيد أنبأنا أشْعَثُ بن سوَّار عن ابن أشْوَع عن حنش بن (٢) المعتمر، أن عليًّا ﵁ بعث صاحب شرطة فقال: "أبعثك لما بعثني رسول الله ﵌: لا تدع قبرًا إلا سوَّيته، ولا تمثالًا إلا وضعته". عبد الله في "زوائد المسند" (٣) (جزء ١/ ص ١٥٠): حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ثنا السَّكَن بن إبراهيم ثنا الأشعث .. فذكره بسنده، ونحو متنه. أبو يعلى في "مسنده" (٤) بمثل سنده ومتنه. [ص ٦٥] أبو يعلى في "مسنده" (٥) أيضًا: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله حدثنا علي بن مُسْهِر عن أشعث، فذكره بسنده، ونحو متنه. أقول: في أشعث كلام، حاصله أنه صدوق يخطئ.

стр. 96

وقال ابن عدي (١): لم أجد لأشعث متنًا منكرًا، إنما يغلط في الأحايين في الأسانيد، ويخالف. اهـ . "ميزان" (٢). وقد أخرج له مسلم في "صحيحه" متابعة. وأما ابن أشْوَع فثقة، من رجال "الصحيحين"، غمزه الجُوزَجاني بالتشيّع، والجُوزجاني متشدِّد على الكوفيين. قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٣) في ترجمة أبان بن تغلب الربعي: "الجُوزجاني لا عبرة بحَطِّه على الكوفيين". وحَنَش وثَّقه أبو داود، وقال أبو حاتم: "صالح، لا أراهم يحتجون به". ولينه غيرهما بما لا يسقطه عن الاعتبار. فأقلّ ما يقال في هذا السند: إنه صالح للاعتبار. ٦ - الإمام أحمد في "المسند" (٤) من طرق عن الحكم بن عُتَيبة عن أبي محمد الهُذَلي عن علي ﵁، ذكر قصة بعث رسول الله ﵌ له، ولفظه في بعض الروايات: "أن رسول الله ﵌ بعثَ رجلًا من الأنصار: أن يسوِّي كلَّ قبر، وأن يُلَطِّخ كلَّ صنم، فقال: يا رسول الله، إني أكره أن أدخل بيوت قومي، قال: فأرسلني .. ".

стр. 97

وفي أخرى (١) قال: كان رسول الله ﵌ في جنازة، فقال: "أيكم ينطلق إلى المدينة، فلا يدع بها وثنًا إلا كسره، ولا قبرًا إلا سوَّاه، ولا صورةً إلا لَطَّخَها ... " ثم قال رسول الله ﵌: "من عاد لصَنْعَة شيءٍ من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ﵌". أقول: أبو محمد الهذلي مجهول، لم يرو عنه إلا الحكم بن عُتَيبة، ولم يوثَّق ولم يجرّح، لكنه تابعي، روى عن علي ﵁، وروى عنه التابعي العَلَم الثبت الجليل: الحكم بن عُتيبة، فهو ثقة على مذهب ابن حبان، وصالحٌ للاعتبار عند الجمهور. فكلُّ واحدٍ من هذين السندين صالح أن يبلغ درجة الحسن لغيره، إذا اعتضد. انظر "فتح المغيث" (٢) (ص ٢٤). ٧ - قد روى هذا الحديث عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٣)، من طريق يونس بن خباب عن جرير بن أبي الهيَّاج (٤)، عن أبيه. وفيما مر كفاية. يونس شيعي، كان يطعن في عثمان، قال مرةً: قتل بنتي النبي ﵌، فقيل له: قتل الأولى، فلِمَ زوَّجه الثانية؟ فلم يدر ما يقول!

стр. 98

وبمجموع هذه الوجوه يندفع احتمال التدليس، وينتهض الحديث للحُجِّية، كما لا يخفى. والله تعالى أعلم. [ص ٦٧] الباجي في "شرح الموطأ" (١): قال ابن حبيب: وروى جابر: أن النبي ﵌ نهى أن تُرْفع القبور، أو يُبنى عليها، وأمر بهدمها، وتسويتها بالأرض. وفَعَله ــ يعني الهدم والتسوية ــ عمر بن الخطاب. اهـ . في "كنز العمال" (٢): عن عثمان: أنه كان يأمر بتسوية القبور". (ابن جرير). أقول: ذكرت هذين استئناسًا.

стр. 99

[حديث جابر] [ص ٦٨] الإمام أحمد "مسند" (١) (جزء ٣/ ص ٣٣٩): ثنا حجاج ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعت النبي ﵌ نهى أن يقعد الرجل على القبر، أو يجصَّص، أو يُبنى عليه". تابع الإمام أحمد عن الحجاج: ١ - يوسف بن سعيد عند النسائي (٢)، وعند أبي عوانة في "صحيحه"، وعند ابن حبان (٣)، كما في "إتحاف المهرة" (٤). ٢ - ومحمد بن إسحاق الصغاني عند البيهقي (٥). ٣ - وهارون بن عبد الله عند مسلم في "الصحيح" (٦). ٤ - وهلال بن العلاء عند أبي عوانة. وتابع حجَّاجًا عن ابن جُرَيج جماعة، منهم: ١ - عبد الرزاق، رواه عنه الإمام أحمد "مسند" (٧) (جزء ٣/ ص ٢٩٥)،

стр. 100

وعن الإمام رواه أبو داود في "سننه" (١). ٢ - ومحمد بن رافع عند مسلم في "الصحيح" (٢). ٣ - ... (٣) عند أبي عوانة. ومنهم أبو معاوية، روى عنه سعيد بن منصور في "المستدرك" (٤)، وإسحاق بن إبراهيم عند ابن حبان (٥). ومنهم محمد بن خازم روى عنه أسد عند الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٦). ومنهم محمد بن ربيعة، روى عنه عبد الرحمن بن الأسود أبو عَمْرو البصري، عند الترمذي في "سننه" (٧)، ومحمد بن إسكاب (كذا) عند أبي عوانة. ومنهم حفص بن غياث، روى عنه: ١ - أبو بكر بن أبي شيبة، عند مسلم في "الصحيح" (٨).

стр. 101

٢ - عثمان بن أبي شيبة، عند ابن حبان (١). ٣ - وسَلْم بن جُنادة بن مسلم القرشي، في "المستدرك" (٢). ٤ - ومسدَّد، في "شرح معاني الآثار" (٣). وفي صِيَغ الرواية وألفاظ الحديث بعض اختلاف عن حديث أحمد، لم نبين ذلك؛ لأنه لا يتعلق به بحث. [ص ٦٩] أبو داود في "سننه" (٤): حدثنا مُسدَّد وعثمان بن أبي شيبة قالا ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى، وعن أبي الزبير عن جابر، بهذا الحديث (أي المتقدم). قال أبو داود: وقال عثمان: "أو يزاد عليه"، وزاد سليمان بن موسى: "أو يكتب عليه"، ولم يذكر مسدد في حديثه: "أو يزاد عليه". قال أبو داود: وخفي عليّ من حديث مسدد حرف "وإن". أقول: رواه أبو عوانة عن أبي داود، ورواه البيهقي في "السنن" (٥) بسنده إلى أبي داود عن عثمان، فذكر رواية عثمان. وقد رواه النسائي (٦) عن هارون بن إسحاق عن حفص بسنده ومتنه، إلا

стр. 102

أنه لم يذكر القعود، وقدّم وأخَّر. [سيأتي في حديث جابر في بعض طرقه النهي عن الزيادة على القبر. ويُعْتَرض بأنها لم ترد إلا في رواية حفص بن غياث، وحفصٌ ساء حفظه بعد ما اسْتُقْضي، وصرحوا أنه لا يحتج من حديثه إلا بما كان في كتابه، وقد روى الحديث عن ابن جريج جماعةٌ كما سيأتي، وليست هذه الزيادة عن أحدٍ منهم غير حفص، بل حفص نفسه لم تثبت عنه هذه الزيادة في رواية مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن حفص. وقد قيل: إن صاحبي الصحيح إنما يخرجان لحفص ما ثبت أنه حدث به من كتابه. فزيادة النهي عن الزيادة شاذة، مع أنها لم ترد إلا فيما عنعنه ابنُ جُريج، وهو مدلِّس. لكن قد يقال: إن لها شاهدًا ضعيفًا ذكره البيهقي في "سننه" (١) عَقِب ذكره رواية حفص، قال: ورواه أبان بن أبي عياش عن الحسن وأبي نضرة عن جابر عن النبي ﵌ قال: "ولا يزاد على حفرته التراب". ثم قال: "وفي الحديث الأول كفاية، أبان ضعيف". اهـ. وفي "كنز العمال" (٢): عن جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه

стр. 103

وآله وسلم أن تُجَصّص القبور، وأن يُجْعَل عليها من غير حُفْرتها". ابن النجار. [ص ٢٤] وأما عنعنة ابن جريج؛ فإنها وإن كانت قادحةً في الصحة، فإنها لا تقتضي شدة الضعف؛ لأنها تحتمل الوصل وعدمه، فإن كان الأول؛ فالحديث صحيح، وإن كان الثاني؛ فالحديث على الأقل حسن عند ابن جريج؛ لأنه لا يدلس إلا عن ثقة عنده على الأقل، ولذلك جعلوا ما عنعنه المدلس مما يصلح أن يبلغ درجة الحسن لغيره إذا اعتضد، بل نصوا على أن من الضعيف الذي يبلغ درجة الحسن لغيره إذا اعتضد ما كان فيه انقطاعٌ بين ثقتين حافظين، فما عنعنه المدلِّس من باب أولى؛ لاحتماله الوصل. انظر "فتح المغيث" (١) (ص ٢٤). فأما ما ورد من مشروعية زيادة مخصوصة، كوضع شيءٍ من الحصى، وكوضع الحجر؛ فإنه يكون تخصيصًا لعموم النهي عن الزيادة، فلا يدلّ على عدم النهي مطلقًا] (٢). الإمام أحمد في "مسنده" (٣) (جزء ٣/ ص ٢٩٥): ثنا محمد بن بكر ثنا ابن جُرَيج قال: قال سليمان بن موسى قال: قال جابر: "سمعت رسول الله ﵌ ينهى أن يُقْعَد على القبر، وأن يُجَصَّص، وأن يُبْنى

стр. 104

عليه". وروى منه النهيَ عن الكتابة فقط ابنُ ماجه (١) عن عبد الله بن سعيد عن حفص بسنده. [ص ٧٠] "صحيح مسلم" (٢): وحدثنا يحيى بن يحيى أنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى عن تقصيص القبور". النسائي في "سننه" (٣): أخبرنا عمران بن موسى قال حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ عن تجصيص القبور". ابن ماجه (٤): حدثنا أزهر بن مروان ومحمد بن زياد قالا: ثنا عبد الوارث عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ عن تقصيص القبور". الإمام أحمد مسند (٥) (جزء ٣/ ص ٣٩٩): ثنا عفان ثنا المبارك حدثني نصر بن راشد سنة مائة عمن حدثه عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "نهانا رسول الله ﵌ أن تُجَصَّص القبور، أو تُبنى عليها". اهـ .

стр. 105

الباجي: قال ابن حبيب: وروى جابر: "أن النبي ﵌ نهى أن تُرْفَع القبور، أو يبنى عليها، وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض ... " إلخ كما تقدم (١). يظهر أنه ليس من طريق أبي الزبير ولا سليمان؛ لأن فيه زيادة ليست عندهما. والله أعلم. * * * *

стр. 106

[ص ٧١] حال أبي الزبير (١) قال الشافعي: "يحتاجُ إلى دِعامة". ومعنى ذلك أنَّ فيما انفرد به نكارة. وقال أبو زُرْعة وأبو حاتم: "لا يحتج به". وهذه الكلمة من المرتبة التي تلي أخفّ مراتب الجرح، وصاحبها صالح للمتابعة. وقال شعبة: رأيته يَزِنُ ويسترجح في الميزان. وأجاب عن هذه ابن حبان بأن ذلك لا يقتضي الترك. أقول: وغاية هذا المنافاة لكمال المروءة، وليس ذلك بجرح. وروى عنه سويد بن عبد العزيز أنه قال: لا يحسن يصلي. وسويد ضعيف. وقال: بينا أنا جالس عنده، إذا جاء رجل فسأله عن مسألة، فردَّ عليه، فافترى عليه، فقلت له: يا أبا الزبير، أتفتري على رجلٍ مسلم؟ قال: إنه أغضبني. قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويتُ عنك حديثًا أبدًا. أقول: الافتراء حقيقته مطلق الكذب، ولكن ظاهر السياق أنه سَبَّه، والافتراءُ إذا أُطْلِق في حكاية السبّ، فالظاهر أنه أُريد به القذف، والقذف كبيرة تُسقط العدالة. وجوابه:

стр. 107

١ - أن الافتراء ليس نصًّا في القذف، فقد يُراد به مطلق السبّ، ولاسيما إذا كان شنيع اللفظ، كالإعضاض. وعليه، فقد يكون السائل أساء الأدب، فأعضَّه أبو الزبير. وفي الحديث: "من تعزَّى بعزاء الجاهلية، فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه، ولا تكنوا" (١). ٢ - على تسليم أن شعبة أراد بها القذف، فلم يبين لفظ أبي الزبير. فيحتمل أنه قال كلمةً يراها شعبة قذفًا، وغيره لا يوافقه، ولهذا قال الفقهاء: إذا قال الشاهد [ص ٧٢]: أشهد أن فلانًا قذف فلانًا، لم يُقبل حتى يفسِّر. ولا يَرِد على هذا قول شعبة: فقلت له: أتفتري ... إلخ. وسكوت أبي الزبير عن نفي ذلك؛ لأن شعبة قد يكون إنما قال له: أتقول هذا لرجل مسلم. ثم روى بالمعنى في رأيه. أو يكون أبو الزبير ترك نفي ذلك؛ لأنه على كلِّ حال قد أخطأ، فرأى الأولى الاعتذار بأنها كلمة جرت على لسانه لشدة الغضب، وهذا عذرٌ صحيحٌ، كما سيأتي إن شاء الله. ٣ - على تسليم أنه قَذْف صريح، فقد يكون أبو الزبير مُطَّلعًا أن ذلك هو الواقع، وسكت عن ذكره لشعبة؛ لأنه على حال مما لا يليق، وإنما جرى على لسانه لشدة الغضب. ويُستأنس لهذه الوجوه بأنه لو كان القذف صريحًا، والمقذوف بريئًا، لذهب فشكاه إلى الوالي، والحدودُ يومئذٍ قائمة.

стр. 108

٤ - على كل حال، فقد أجاب أبو الزبير عن نفسه بقوله: "إنه أغضبني" أي: فلشدة الغضب جرت على لسانه ــ وهو لا يشعر ــ كلمة مما اعتاد الناس النطق به. وقد جاء في الحديث: "لا طلاق في إغلاق" (١)، وفُسِّر بشدة الغضب. وقال الله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وقال جل ذكره: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]. وفي حديث مسلم (٢) عن أنس مرفوعًا: "لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم ... ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدَّة الفرح". ٥ - قال الذهبي في "الميزان" (٣) في ترجمة ابن المديني: "ثم ما كلّ مَنْ فيه بدعة، أو له هَفْوة أو ذنوب يُقْدَح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شَرْط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ". اهـ.

стр. 109

وفي "إرشاد الفحول" (١) للشوكاني (ص ٤٩): [ص ٧٣] قال ابن القُشَيري: والذي صحَّ عن الشافعي أنه قال: في الناس من يَمْحَض الطاعةَ، فلا يمزجها بمعصية، و [لأن] (٢) في المسلمين من يَمْحَض المعصية ولا يمزجها بالطاعة، فلا سبيل إلى ردّ الكل، ولا إلى قبول الكل، فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة، قُبِلت شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة، ردَدْتهما" (٣) اهـ . وفيه من جملة كلام عن الرازي: "والضابط فيه: أن كل ما لا يؤمن مِن (٤) جراءته على الكذب، ترد الرواية، وما لا، فلا" اهـ . وفيه: قال الجويني: "الثقة هي المعتمد عليها في الخبر، فمتى حصلت الثقة بالخبر قُبِل" اهـ . أقول: وهذا هو المعقول، وعليه الأئمة الفحول، فإن الحكمة في اشتراط العدالة في الراوي هي كونها [مانعة له] عن الكذب، فيقوى الظن بصدقه. فإذا جرت منه هفوة لا تخدش قوَّة الظن بصدقه، لم تخدش قبول روايته. [ص ٧٤] والحاصل: أن تلك الكلمة التي جرت على لسان أبي الزبير بدون شعوره لشدة غضبه، لا ينبغي أن يُهْدَر به مئات الأحاديث عن رسول الله ﵌ مع التحقُّق بكمال صدقه، وحفظه،

стр. 110

وضبطه، وتَحَرِّيه، وإتقانه. ٦ - والظاهر من حاله، وما ثبت لدى جمهور الأئمة من عدالته، أنه تاب عنها في الوقت، وإن كانت إنما جرت على لسانه بدون شعور. ويلوح لي أن بعض أعدائه، بل أعداء الدين دسوا إليه ذلك السائل ليرصده، حتى إذا كان شعبة عنده جاء فأغضبه، ابتغاء أن يسبق لسانه بكلمة ينقمها عليه شعبة، وقد كان كذلك. ولكن حيلتهم لم تطفئ نورَ الله في صدر أبي الزبير، فاعتمده جمهور الأئمة الأعلام، واحتجوا به. [ص ٧٥] توثيق الأئمة له نقلًا عن كتب الفن: ابن المديني: ثقة ثبت. ابن عون: ليس أبو الزبير بدون عطاء بن أبي رباح. يعلى بن عطاء: كان أكمل الناس عقلًا وأحفظهم. عطاء: كنا نكون عند جابر فيحدثنا، فإذا خرجنا تذاكرنا، فكان أبو الزبير أحفظنا. ابن معين والنسائي وغيرهما: ثقة. ابن عدي: هو في نفسه ثقة، إلا أن يروي عنه بعض الضعفاء، فيكون الضعف من جهتهم. عثمان الدارمي: قلت ليحيى: فأبو الزبير؟ قال: ثقة. قلت: محمد ابن المنكدر أحب إليك، أو أبو الزبير؟ فقال: كلاهما ثقتان.
следующие страницы →