← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 331

عمارة القبور في الإسلام - المسودة - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (112 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

عِمَارة القُبُور في الإسلام (المُسوَّدة) تأليف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦) رحمه الله تعالى تحقيق علي بن محمد العمران

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أوضح لنا خاصّةَ سواء سبيله، وحفظ علينا كتابه وسنن رسوله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد. أما بعد، فإني اطلعتُ على بعض الرسائل التي ألِّفت في هذه الأيام في شأن البناء على القبور (١)، وسمعتُ بما جرى في هذه المسألة من النزاع، فأردت أن أنظر في هذه المسألة نظرَ طالبٍ للحق، متحرٍّ للصواب، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) [النساء: ٥٩]، وقوله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ولا ريب أن الردَّ إلى الله ورسوله بعد وفاته، إنما يحصل بالردِّ إلى الكتاب والسنة، وأن تحكيمه بعد وفاته، إنما هو بتحكيم الكتاب والسنة.

стр. 3

ولا ريب أن من الردِّ إلى الكتاب سؤالَ العلماء، كما أن من الردِّ إلى الرسول اعتبار أقوال خلفائه وورثته من أهل العلم، قال : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وفي حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "العلماء خلفاء الأنبياء" أخرجه البزار (١)، ورجاله موثقون، كما في "مجمع الزوائد" (٢). وله في "السنن" حديث فيه: "وإن العلماء ورثة الأنبياء ... " (٣) الحديث. ولا ريب أن الأئمة المجتهدين مِنْ أَوْلى مَن يدخل في ذلك.

стр. 4

[ص ٢] عَرْض هذه القضية على كتاب الله قال الله : ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]. وتقرير الاستدلال بالآية (١): أن قوله قبلها: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ... ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ... ﴾ إلخ، يدل أنهم ماتوا، فتنازع الحاضرون في شأنهم ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾، وهذا بناءٌ على قبر. ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قال المفسرون: وهم المؤمنون بدليل قوله: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ وهذا اتخاذ مسجد على قبر. فلما قصَّ الله هذا في كتابه، ولم يصحبه بما يدل على حظره، دل على جوازه. بل إذا لاحظنا أن القَصَص الوارد في القرآن لم يرد لمجرَّد حكاية وقائع تاريخية، وإنما هو للاعتبار والإرشاد والموعظة= تبين لنا دلالة الآية على الاستحباب، وأن الله أرشدنا بهذه الآية إلى ما ينبغي أن نعمله إذا مات فينا رجل صالح، أي: أننا على الأقل نبني على قبره بنيانًا، والأكمل أن نتخذ عليه مسجدًا. * * * *

стр. 5

تحليل الاستدلال أولًا: قوله: "يدل أنهم ماتوا". فيه شيءٌ، فإن الظاهر أن أحد الفتية الذي بعثوه إلى المدينة عاد إليهم ومعه القوم، فدخل [ص ٣] الكهف إلى أصحابه وأخبرهم، ولعل الله رفع الرعب الذي كان يعتري من اطلع عليهم، وذَكَره بقوله: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. وحالهم تحتمل إحدى صور: الأولى: أن يكون الفِتْية خرجوا إلى القوم، وجلسوا معهم ريثما تحققت الآية، ثم عادوا إلى كهفهم، وعاد الرعب كما كان، فانتظرهم القوم أيامًا، فلم يخرجوا، فعلموا أنهم عادوا لحالتهم، ولكنهم لا يعلمون أماتوا، أم ناموا كما كانوا؟ الثانية: أن يكون رُفِعَ الرعبُ أولًا حتى دخل إليهم القوم، وتقررت الآية= أمروا القومَ بالخروج عنهم، فخرجوا وعاد الرعب، وانتظر القوم أيامًا، فلما لم يخرج أحدٌ من الفِتْية، علموا أنهم إما ماتوا، وإما عادوا إلى النوم. الثالثة: أنهم عادوا إلى مضجعهم والقوم عندهم، فعاد الرعب، فخرج القوم فارِّين مرعوبين، ثم انتظروا بباب الكهف أيامًا حتى يئسوا. الرابعة والخامسة: أن يكونوا خرجوا إلى القوم، أو دخل القوم إليهم، وبعد تقرر الآية عادوا إلى مضجعهم فرآهم القوم كذلك، فحاولوا إيقاظهم، ثم انتظارهم حتى يئسوا.

стр. 6

[ص ٤] ويرجِّح إحدى الصور الثلاث الأولى على الرابعة والخامسة قوله ــ حكايةً عن القوم ــ: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١]. فإن هذا يدل أنهم لم يعلموا هل عاد الفتية لنومهم، أم ماتوا؟ ولو كانوا شاهدوهم بعد عودهم لمضجعهم لربما يترجَّح لهم أحد الأمرين. لا يقال: إن قوله: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ قد يكون المراد به: أعلمُ مَنْ هم؟ ومِمّن هم؟ وما شأنهم؟ لأن الحكمة من الإعثار عليهم، وهي إظهار آية على البعث، لا تتمّ إلا بأن يخبروا القوم بحالهم، وممن هم، وفي عهد من كانوا، فتأمل! ثانيًا: قوله: "وهذا بناءٌ على قبر". فيه نظرٌ من وجوه: الأول: أن الفتية لم يتقرر للقوم موتُهم حتى يصح أن يكون لهم قبر، إذ القبر لا يكون إلا للميت، والعبرة في الحكم بظن القوم لا بما في نفس الأمر. الثاني: لم يكن لهم قبر، وإنما كانوا في صحن الكهف. الثالث: أنه على فرض أن الواقع في عودهم إحدى الصور الثلاث المتقدمة، فالبناء إنما يكون على باب الكهف؛ لامتناع أن يدخل البناؤون إلى مرقد الفتية لمنع الرعب. والبناء على باب الكهف إنما هو بمثابة سدّ جانب انهدم من عرض القبر، إذا صح لنا أن نعتبر القوم مُرجِّحين أن الفتية ماتوا، وأن يُعتبر الكهف بمثابة القبر.

стр. 7

وعلى فرض أن الواقع هو إحدى الصورتين الأُخْريين، فيحتمل أن يكونوا أرادوا بالبناء البناء على باب الكهف، وهو الأظهر الأنسب بالحال [ص ٥] لاستغراب القوم هذه الحادثة واشتباههم في الفتية، أعادوا لنومهم، أم ماتوا؟ ويحتمل أن يكونوا أرادوا البناء على جثثهم في داخل الكهف، ومع بُعْدِ ذلك، فلم يكن هناك قبرٌ حتى يقال: إن البناء وقع عليه، وإنما البناء نفسه هو بمثابة القبر، واحتيج إليه لامتناع إخراج الفتية من الكهف، وحَفْر قبورٍ لهم كالعادة؛ لغرابة قصتهم، وعلاقتهم بالكهف، والشك في موتهم. وهنا احتمال آخر، وهو: أن يكون المراد بالبنيان في الآية ما يُنصب تذكارًا لتلك الآية، وأن المناسب أن يكون بمكانٍ عالٍ مكشوف، إما بأن يكون خارج الكهف بعيدًا عنه، بحيث يظهر للمارة وغيرهم، وإما أن يُجْعَل على رأس الجبل الذي فيه الكهف. وأن هذا أرجح من الأول؛ لأنه أنسب بالمقصود، وأظهر في معنى "على" كما سيأتي إيضاحه. والحق الذي لا ريب فيه أن المراد به: البناء لسد باب الكهف؛ لأن مواراة جثث الفتية أمرٌ ضروريٌّ لابد منه، وحمل البنيان في الآية على هذا الأمر الضروري أولى من حمله على شيءٍ آخر. وقد مر أن كون البنيان لسد باب الكهف أرجح من كونه حول الفتية في جوفه. وسيأتي في تقرير النزاع ما يزيد هذا بيانًا إن شاء الله. ثالثًا: قوله: "قال المفسرون: وهم المؤمنون ... " إلخ.

стр. 8

سيأتي إن شاء الله بيان الخلاف فيه، وأن الراجح أن قائلي ذلك هم أهل الشرك. رابعًا: قوله: "وهذا اتخاذ مسجد على قبر". وفيه ما مرّ؛ أن القوم لم يتحققوا موت الفتية حتى يصح أن يكون لهم قبر، ولو صح موتُهم فلم يكن لهم قبر، وإنما كانوا في صحن الكهف. ومع هذا، فإنه على الاحتمال الراجح أن الواقع هو إحدى الصور الثلاث، فواضحٌ أن بناء المسجد لا يكون داخل الكهف، وكذا على الاحتمال المرجوح أن الواقع هو إحدى الصورتين الأخريين؛ لأنه يمتنع أن يهموا ببناء مسجد محتوٍ على جثث الفتية بارزة، والكهوف وإن كانت أكبر من الغيران، فالغالب أن تكون صغيرة لا تسع بناءً كبيرًا، كبناء يشتمل على جثث تسعة أشخاص، مع بناء مسجد فوق ذلك البناء يتسع للمصلين (١). [ص ١٥] ثم اعلم أن "على" في الآية في الموضعين لا تصلح لمعناه الحقيقي، وهو كون المستعلي فوق المستعلى عليه، محمولًا عليه، وكذا أن يكون مُسامتًا له من فوق في الهواء، بحيث لو سقط سقط عليه، فما بقي إلا الاستعلاء المجازي بأحد الأوجه الآتية: إما بأن يكون المستعلي مجوفًا ينطبق على المستعلى عليه، كالجفنة على البيضة. وإما أن يكون مستديرًا عليه، كالسور على المدينة. وإما بأن يكون بمعنى: سدًّا لمنفذ. تقول: بنيت على الضبع جدارًا، إذا

стр. 9

سددتَ به بابَ وِجارِها. وإما بأن يكون مشرفًا عليه من قرب، كالدار على دجلة. وإما بأن يكون مشرفًا عليه من علو، كالقلعة على المدينة، إذا كانت على جبل مُطلٍّ على المدينة. والوجهان الأولان ممتنعان هنا؛ لما مرَّ أن الاحتمال الراجح هو أن الواقع إحدى الصور الثلاث الأولى من الصور الخمس المار بيانها، وبيان الترجيح بدليله. وعلى فرض أن الواقع إحدى الصورتين الأخيرتين، فيمتنع أن يُبْنى مسجد على جثث الفتية بارزة، والكهف يضيق عن بناء المسجد وحده، إذا تصورنا إمكان نحت قبورٍ في جوف الكهف، فضلًا عن بناء بنيان على الجثث، ثم بناء مسجد محيط به يتسع للمصلين. والوجه الثالث متعين بالنسبة للبناء لما مرَّ، وأما بالنسبة إلى المسجد فكل منه (١)، ومن الوجهين الأخيرين محتمل. وبما أن الأخير ألصق بلفظ "على" لظهور الاستعلاء فيه، مع إمكان أن يكون رأس الجبل الذي يكون البناء فيه فوق الكهف على خط مستقيم، فهو الراجح. ويمكن أن يرجَّح [ص ١٦] أيضًا بأن الظاهر من ذكر المسجد أنهم قصدوا أن يكون معدًّا للصلاة، والظاهر من المقام أنهم قصدوا مع ذلك أن يكون تذكارًا لتلك الآية البالغة.

стр. 10

وبناء المسجد إعدادًا للصلاة إنما يكون بحيث يكثر وجود المصلين، وليس محل الكهف كذلك؛ لأن الفتية اختاروه مخبأً لهم، ولا يختبئون إلا بمكان بعيد عن الناس. واحتمال أن يكون عَمَر ذلك المكان بعد نومهم يأباه قولهم لما بُعِثوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ الآية [الكهف: ١٩]، مع ما روي أنه ذهب إلى المدينة، القصة التي يذكرها المفسرون. ويأباه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١]. والإعثار إنما يستعمل في الشيء الخفي الذي لم يكن مترقبًا، والكهف ــ وإن كان ممنوعًا بالرعب ــ إذا كان بين العمارة يكون مترقبًا بسبب منعه بالرعب، هذا بخلاف رأس الجبل، فإنه لا مانع أن تكون عليه قرية مسكونة، محتاجة إلى مسجد. وقَصْد التذكار يقتضي أن يكون بحيث يشاهده الناس ويرونه، وباب الكهف كجوفه لا يصلح لذلك، وأما خارجه فإنه وإن أمكن أن يكون مشاهدًا، إلا أن رأس الجبل أظهر في ذلك. وعليه، فيكون المراد بناء المسجد على رأس الجبل عند القرية التي قدمنا احتمال وجودها، ويُكْتب فيه تاريخ العثور على الفتية وخبرهم، وما يتعلق بذلك. وحينئذٍ يكون مسجدًا وتذكارًا كما يقتضي الحال. [ص ١٧] ولكن هذا الترجيح معارضٌ باحتمال أن الغالبين إنما أرادوا بناء المسجد؛ ليكونوا يحضرون لزيارة قبور الفتية، والتبرك بها، والصلاة في

стр. 11

المسجد المنسوب إليها. وعلى هذا، فيجب أن يكونوا عزموا على بنائه بقرب الكهف، إن لم يكن في جوفه. وسيمرّ بك ما يؤيد هذا، إلا أنه على كل حال لا يحتمل أن يكون في جوف الكهف؛ لما قدمنا. خامسًا: قوله: "فلما قصَّ الله هذا في كتابه، ولم يصحبه ما يدل على حظره، دل على جوازه". فالجواب: يمنع أن يكون مثل هذا دليلًا على الجواز، سواءً أريد الجواز في تلك الواقعة فقط، أم في شرع تلك الأمة مطلقًا، أم في شرعنا بواسطة أننا متعبدون بشرع مَن قبلنا، أم في شرعنا مباشرة. فقد قص ما جرى من إخوة يوسف، ولم ينص في نفس القصة على حُرْمة كل ما هو حرام من تلك الأفعال، وإن ذكر الحكم في موضعٍ آخر من القرآن، فذلك لبيانه من حيث هو، لا ليكون تنبيهًا على ما في تلك القصة، وإلا لكان ناسخًا ومنسوخًا، ولا قائل به. وفي القصة أنهم باعوه، وقد بينت السنة منع بيع الحر، وإن كان ابنًا أو أخًا للبائع. وعلى فرض أن مثل هذا يكون دليلًا على الجواز، فالذي في الآية مجرد العزم، فلا يدل على جواز الفعل. وعلى فرض التسليم بأنها تدل على جواز الفعل، فذلك لو لم يصحبها التنبيه بالحظر، وقد صَحِبها.

стр. 12

أما التنبيه الموعود؛ فهو على أوجه: مصحوبٍ بالآية نفسها، وواقعٍ في محلٍّ آخر من القرآن، وواقعٍ في السنة. فأما الذي في الآية، فبيانه: أن الله قال: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ﴾، فدل على تنازعٍ كان بين القوم في أمر الفتية. ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوا﴾ فدل لوجود الفاء أن هذا بيانٌ وتفصيلٌ للتنازع المجمل قبل، كما تقول: اختلف الأئمة في كذا، فقال فلانٌ كذا، وقال فلانٌ كذا ... إلخ. ثم إن جُعِلت الواو للجميع بناءً على الظاهر، ففي الكلام حذفٌ لا يتحقق التنازع الذي صرح به في الآية، وقام الدليل على أن ما بعد الفاء بيانٌ له، إلا بتقديره، كأنهم (١) قال: فقالوا جميعًا: ابنوا عليهم بنيانًا ربهم أعلم بهم. ثم قال أحد الفريقين: لا تزيدوا شيئًا غير البنيان مِن مسجدٍ وغيره= ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا ... ﴾ إلخ. فاتفق القوم أجمعون على بناء بنيان لسَتْر جثث الفتية، وتنازعوا في بناء المسجد. وإذا جُعِلت الواو لأحد الفريقين أطلقت بلا تأويل، وصحَّ مجيء الضمير مع عدم تقدّم مرجع له؛ لتقدم ما يدل عليه، وهو التنازع الدال على افتراقهم، فكأنه قال: "ففريقٌ منهم قالوا ... " ففي الكلام إيهامٌ، أي: أن القائلين هم الجميع.

стр. 13

وإذا جعلتها لأحد الفريقين بتأويل، أي: أنها عائدةٌ صناعةً إلى القوم جميعًا، ولكن لا على أنهم قالوا ذلك كلهم حقيقةً، بل على إقامة القائلين مُقام الجميع، فكأن القوم كلهم قالوا ذلك. فأطلق على الفريق الأول الضمير الذي ظاهره أنه للجميع، لإقامة ذلك الفريق مقام الجميع، كأن الفريق الثاني لا وجود له. والثاني أرجح؛ لما تقدم أن الفاء تدل على أن ما بعدها تفصيلٌ للتنازع، فلزم أن يكون مدخولها مما وقع فيه التنازع، وهذا إنما يتم على الثاني. وأيضًا المجاز والإيهام على المعنى الذي قدمناه أبلغ من الحذف. وأيضًا يؤيده قوله: ﴿ابْنُوا﴾ بالخطاب، ولو كان القائلون هم الجميع، لكان الظاهر أن يقال: "نبني" أو نحوه. إذا تقرر هذا فأي الفريقين المؤمنون؟ فإن المفسرين اختلفوا في ذلك، كما سيأتي نقل كلامهم إن شاء الله (١). فذهب بعضُهم إلى أن الغالبين هم المؤمنون، بناءً على عزمهم على اتخاذ المسجد، وعلى أخبارٍ مأثورة عمَّن قبلنا. أما نحن فنقول: إن مجرَّد العزم على اتخاذ المسجد لا يكفي، بل ربما كان كفرًا كما ذكره الله في أهل مسجد الضرار، وربما فعله المتدينون جهلًا، وهو حرامٌ كبنائه في غير المِلك، أو في طريق عامة، أو نحو ذلك.

стр. 14

وأما الأخبار المأثورة؛ فإن صحَّ شيءٌ منها عن النبي ﵌ نظرنا فيه، وفي الأدلة المخالفة، وأخذنا بالأحسن كما أمرنا . وإن كانت عن غيره من أئمة أمته، نظرنا دليلهم، ورجحنا. وإن كانت عن أهل الكتاب، لم نعبأ بها، فقد أُمرنا أن لا نصدّقهم في شيءٍ، وخاصة في هذه القصة نفسها، قال الله : ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢] أي: الفتية ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: أهل الكتاب ﴿أَحَدًا﴾. أما ورود شيءٍ عن النبي ﵌ فلم يبلغنا، وأما عن بعض الأئمة، فنعم، ولكن لم نعلم لهم دليلًا إلا عزم الفريق الثاني على اتخاذ المسجد، وتقرر ما فيه، ومع ذلك ننظر في أدلة القول الآخر. فننظر أولًا في الآية. فنجد أولًا: إطلاق ضمير الجميع على الفريق الأول، أو إيهام ذلك، يدل أن له مزية استحق بها أن يُقام مُقام الجميع، وهذه المزية ليست الغلبة؛ لأن الله أثبتها للفريق الثاني، فلم يبق هناك ما يصلح لكونه مزية بهذه المثابة إلا العلم والدين. ونجد ثانيًا: أن الله حكى عن الفريق الأول قولهم: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾. وهذه كلمة جليلةٌ، تدل على علم قائلها ودينه. ونجد ثالثًا: تقديم الله للفريق الأول، والتقديم يُشْعِر بمزية للمقدم، وأقرب ما يتصور من المزايا: العلم والدين. ونجد رابعًا: قوله في الفريق الثاني: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى

стр. 15

أَمْرِهِمْ﴾ فأَشْعَر أن الحامل لهم على هذا العزم هو الغَلَبة، على ما قرره علماء البيان، في باب المسند إليه في مجيئه موصولًا؛ للإيماء إلى وجه بناء الخبر (١). وقرّره أهل الأصول (٢): أن إيقاع الحكم على المشتق يؤذن بِعِلِّية ما منه الاشتقاق، وهو في الموصول أوضح. والغالب أن الغلبة تكون سببًا للمعصية، والغالبُ في الأمم السابقة: أن الغلبةَ إنما تكون للضالين، والغالبُ في الأمم السابقة أيضًا: التكذيب بالآيات، والضلال فيها نوع من التكذيب بها. قال الله : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وقال ﵎: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. وعلى كل حال، فوصف هؤلاء بالغَلَبة، مع وصف مقابليهم بما تقدم، يُشْعر بأنهم ذوو جهل وغلو، واتخاذ المسجد لا ينافي الجهل والغلو، كما لا يخفى. وننظر ثانيًا في غير هذه الآية من القرآن؛ فنجد قوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. تدل أنه لا ينبغي بناء مسجد

стр. 16

على قبر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (١)، وهذا هو القسم الثاني من التنبيه. وننظر ثالثًا في السنة النبوية؛ فنجدها متواترة بذمّ الذين كانوا من الأمم السابقة يتخذون قبور أنبيائهم وصُلَحائهم مساجد ولَعْنهم، واشتداد غضب الله عليهم، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وقد جاء النصّ على النصارى بشيءٍ من الأحاديث، كما سيأتي إن شاء الله (٢)، ولاسيما وأكثر المفسرين على أن القوم الذين أعثروا على أهل الكهف كانوا نصارى، فتبين الصبح لذي عينين. ونقطع أن الفريق الأول هم أهل العلم والدين، وأنهم محمودون بما ذهبوا إليه من الأمر ببناء جدار على باب الكهف، يستر جثث أولئك الفتية. وأن الفريق الثاني بخلاف ذلك كله، في مخالفتهم للفريق الأول، وعزمهم على بناء مسجد على باب الكهف، يكون أحد جدرانه ساترًا للكهف، كما يدل عليه معنى الآية، على ما قدمناه من التفصيل. وهذا هو القسم الثالث من التنبيه. وعلى فرض عدم التنبيه، فهي واقعةُ عينٍ لا عمومَ لها , وعلى فرض قيام دليل على العموم، ففي حق تلك الأمة فقط، بناء على أننا غير متعبَّدين بشرع من قبلنا. وعلى تسليم أننا مُتعبَّدون بشرع من قبلنا، فذلك إذا لم يوجد في شرعنا ما يخالفه، وقد وُجِد كما مرَّ مفصَّلًا.

стр. 17

فإن قيل: إن الدليل هنا على كونه شرعًا لِمَن قبلنا في الكتاب، والدليل المخالف له في السنة، فيكون نسخًا للكتاب بالسنة. أجيب: أن في جواز نسخ الكتاب بالسنة خلافًا، ولكن لا حاجة بنا لذكره، وبيان الراجح، فإن ما نحن فيه ليس من نسخ الكتاب بالسنة في شيء، وإنما هو من نَسْخ شرع من قبلنا بشرعنا، والمنسوخ في الحقيقة هو خطاب من الله لنبي تلك الأمة. فأما الآية التي في كتابنا، فأقصى ما يُدَّعى فيها: أنها في قوة خبر، بأن ذلك الفعل كان جائزًا في شرع تلك الأمة، وهذا ــ على فرض صحة الدعوى ــ خبرٌ صادق لا يتصور نسخه أصلًا، وهذا بيِّنٌ، فلا نطيل بزيادة إيضاحه، وذكر أمثلته. [ص ١٠] بقي أن يكون المراد بالجواز المدَّعى دلالة الآية عليه، الجواز في شرعنا مباشرة، وهذا لا وجه له. وعلى فرض أن له شِبْه دلالة، فأقصى ما يُدَّعَى فيها أنها دلالة ظاهرة. فيجاب: بأن السنة بينت عدم اعتبارها، ولا حاجة لزيادة الفروض والتسليمات، فالأمر أوضح من ذلك. سادسًا: قوله: "بل إذا لاحظنا أن القَصَص الوارد في القرآن لم يرد لمجرَّد حكاية وقائع تاريخية، وإنما هو للاعتبار ... " إلخ. قد يقال: إن قصة أصحاب الكهف نزلت ــ كما في أسباب النزول (١) ــ لما سألت قريشٌ النبيَّ ﵌ عنهم بإيعاز اليهود إليهم،

стр. 18

فكانت الحكمة في إنزالها أن تكون معجزةً له ﵌ بالإخبار عن حالهم، ولا يعلمه أحدٌ إلا أن بعض أهل الكتاب يعلم بعضَه، وهذه الحكمة كافية. ولما كانت المعجزة لا تتم إلا بحكاية القصة على وجهها، دخل فيها التآمر بالبناء، والعزم على اتخاذ المسجد، فلا يلزم أن يكون لهما حِكْمة خاصة. على أن الحق الحقيق هو أن نقول: إن لها حكمة خاصةً غير ما ذكرتموه، وهي [أن] في التآمر بالبناء تنبيه الأمة إلى سدِّ القبور، وأن لا تترك فيها فُرْجة، وأن أهل العلم والدين ممن قبلنا كانوا يكتفون بذلك، وينازعون من أراد غير ذلك، كبناء مسجد. وفي اتخاذ المسجد بيان مخالفة العامة لأولي العلم والدين، وضلالهم من حيث إنهم يَحْسبون أنهم يحسنون صنعًا، وتحذيرنا من مثل ذلك. وصحَّ تصديق الرسول ﵌ فيما كان يقوله لأصحابه: [ص ٧] "إن من كان قبلهم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصُلَحائهم مساجد" (١)، إلى غير ذلك من المناسبات. سابعًا: قوله: "فأرشدنا بهذه الآية إلى ما ينبغي أن نعمله إذا مات فينا رجل صالح، أي: أننا على الأقل نبني على قبره بنيانًا، والأكمل أن نتخذ عليه مسجدًا". الجواب: أن الحق عكس ذلك، كما علمتَ مما قدمناه، دلت عليه الآيةُ

стр. 19

نفسُها، وغيرها من القرآن والسنة المتواترة. ولو كان ما زعمتَه مراد الله ، لكان فَهِمَه رسول الله ﵌، وعَمِل به في حياته في حق أصحابه الذين توفوا في حياته، كعثمان بن مظعون، وسعد بن معاذ، وعمه حمزة، ومن معه من الشهداء، وأولاده ﵌. وعدم فعله ﵌ ذلك كافٍ في إبطال هذا الزعم، فكيف والواقع أنه ثبت عنه النهي عن البناء على القبور، والأمر بتسويتها مطلقًا، وتواتر عنه لعن من اتخذ القبور مساجد، وفي بعض الروايات الصحيحة التصريح بأن المراد باتخاذها مساجد بناء المساجد مشتملة عليها، وسيأتي بيان الأدلة التي تدل على أن مثل ذلك بناء المساجد عند القبور وإن لم تكن مشتملةً عليها، وكذا بناؤها لأجلها وإن كانت بعيدة عنها. وسيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله (١). ثم جاء مِن بعده أصحابه، فلزموا طريقته، وثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه بعث صاحب شرطته لتسوية كلّ قبرٍ مشرفٍ مطلقًا (٢)، واستمرَّ الحالُ على ذلك في القرون الأولى المشهود لها بالخير، حتى جاء بعض المتشيّعين بعد الألف، يزعم أن الآية تدل على خلاف ذلك كله، سبحانك هذا بهتان عظيم! ! وقال الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].

стр. 20

وتقرير الاستدلال بالآية: أن لفظ "المساجد" عام يتناول كل مسجد، والجملة مفيدة للاختصاص، كما في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ١]، بل الأمر هـ? هنا أظهر، والحصر هـ? هنا حصر إفراد، لقوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ أي: أن المساجد كلها لله وحده لا شريك له، خالصةً من كل شرك. فتبين أن من خواصِّ المسجد أن يكون خالصًا لله، فمن بنى بناءً، وزعم أنه قصد به أن يكون مسجدًا، فإن كانت نيته في بنائه خالصة لله وحده لا شريك له، كان البناء مسجدًا. وإن لم يكن كذلك، كأنْ قَصَد أن يكون على قبر فلان الصالح، [ص ١١] أو بالقرب منه، فهذا لم يُبْنَ خالصًا لله وحده لا شريك له، وبهذا فُقِدَت منه تلك الخاصَّة المعتبرة في المساجد. ومما يُؤيَّد به هذا الاستدلال حديث مسلم (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِل عملًا أشركَ فيه معيَ غيري، تركتُه وشِرْكَه". وفي رواية: "فأنا منه بريء، وهو للذي عَمِلَه" (٢). والذين يبنون المساجد على القبور لا يحملهم على بنائها إلّا وجود القبور، حتى لو لم يكن هناك قبورٌ لما بنوا. ويجاب عن هذا: بأن غاية ما فيه أن يكون وجود القبر سببًا حاملًا على بناء المسجد، وهذا كما يمرّ إنسان على قرية آهلةٍ، ليس لها مسجد، فيحمله ذلك على أن يبني فيها مسجدًا، وبأن قَصْد أن يكون المسجد على قبر فلان

стр. 21

الصالح، أو بقربه قَصْد شرعي أيضًا، ومثل هذا لا يضر كما كان النبي ﵌ يصلي بالناس أداءً للفريضة، وليعلم الناس. ويردّ هذا بوضوح الفرق في كلا الوجهين، فالذي مرَّ على القرية الآهلة وليس لها مسجد، فحمله ذلك على بناء مسجد فيها، إنما استجاب لسبب شرعي، وهو أن الشرع إنما يدعو إلى بناء المساجد عند الحاجة إليها، فلو كان لقرية [ص ١٢] مسجد يكفي أهلها، لم يستحبّ بناء مسجد آخر فيها، بل يكره أو يحرم؛ لكونه يكون سببًا للتفريق، وضياعًا للمال الذي يستدعيه البناء في غير محله، وتحجُّرًا لتلك البقعة عن أن ينتفع بها المسلمون في غير فائدة. فالحاصل: أن هذا الرجل لما مرَّ على القرية المذكورة سمع نداء الشرع يقول له: إن الله يدعوك إلى بناء مسجد في هذه القرية، يُصلَّى له فيه، ويُذْكَر فيه اسمه. وأما باني المسجد على القبر، فلم يستجب لسبب شرعي؛ لأن الشرع لا يدعو إلى بناء المساجد على القبور، بل حرَّم ذلك، واشتدَّ غضب الله ولعنته على فاعله، نعم، إنما استجابَ لداعٍ شيطاني، يقول له: إن الشيطان يدعوك إلى بناء باسم مسجد على هذا القبر، ليكون ذلك معصيةً لله ورسوله، ويشتد غضب الله ولعنته على بانيه، ومن أعانه، أو رضي بفعله، أو لم ينهه بقدر طاقته، ويتطاير شرر ذلك إلى من صلى فيه، ويتشعَّب ذلك إلى شعب أخرى، هي ملحظ الشارع في النهي عن بناء المساجد على القبور. ومما يكشف عُوار هؤلاء: أن أحدهم يعرف عدة قرى آهِلَة، ليس فيها مساجد، فلا يستيجب داعي الشرع لبناء مسجد فيها، ثم يعمد إلى قبرٍ بقفرة،

стр. 22

أو بمدينة كثيرة المساجد، فيبني عليه. وأما صلاة النبي ﵌ أداءً للفريضة مع قَصْد تعليم الناس، فقصد التعليم قصدٌ شرعي شريف، وأين منه قصد الانغماس في غضب الله ولعنته؟ !

стр. 23

[ص ٢٤] الحمد لله تحديد محلّ النزاع مما لا نزاع فيه أن المقصود من دَفْن جثث الموتى، إنما هو مواراتها، قال الله في قصة ابني آدم: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ... ﴾ الآية [المائدة: ٣١]. وعليه، فالأصل أن يُقْتَصر على القدر الكافي للمواراة. وهل يجوز أن يتعدّى ذلك؟ لا خلاف أن القبر إذا كان بمقبرة مُسَبَّلة لم يجز أن يتعدّى به القدر الكافي، لأن التعدي تصرُّفٌ في غير حق، سواءً أكان التعدي بالإفراط في توسعة القبر، أم بالبناء عليه، أم بإحكام رَدْمه حتى يشقّ حَفرُه. أما الإفراط في التوسعة والبناء على القبر، فواضحٌ؛ لأنه لا حقَّ إلا في القدر الكافي. وأما إحكام الرَّدْم حتى يشقّ الحفر؛ فلأنه لا حقَّ للجثة في تلك البقعة، إلا ما دامت محتاجةً للمواراة، فإذا صارت ترابًا زال الحق [ص ٢٥] لزوال المقتضي، وإذا صارت عظامًا لم يكن الحق إلا في القدر الكافي لتلك العظام. إذا فهمتَ هذا، فلا شك أن لأولياء الموتى الحق في حفر القبور في أي موضعٍ كان من المقبرة المُسَبَّلة ما دام غير مشغول بحق آخر، فلهم الحق بالحفر في موضع القبر الذي يُظَن أن الجثة التي فيه قد أَرِمت، فإذا كان

стр. 24

محكمًا، فإن الحفر يشق عليه جدًّا، حتى ربما تركوا تلك البقعة لذلك. فظهر أن الشخص الذي أحكم البناء قد تصرَّف في غير حقه تصرفًا يضر غيره من المستحقين في وقت استحقاقهم، وهذا حرامٌ لا شكّ فيه. المقبرة المُسَبَّلة: أما المقبرة المُسَبَّلة؛ فهي بقعة غير مملوكة، خُصّصت للدفن، بحيث لا يجوز أن تُبنى فيها دار للسكنى، أو حمام، أو مصنع، أو نحو ذلك. فدخل ما عُلِم أنه كان مملوكًا، وأن المالك سبَّله للدفن، وما عُلِم أنه كان مَواتًا حتى يشرع في الدفن فيه، وكذا ما لم يُعلم حاله قبل تخصيصه للدفن؛ لأن الأصل عدم الملك، فالظاهر أنه كان مَواتًا حتى خُصِّص للدفن. أمّا ما عُلِم أنه كان ملك شخص، ولم يعلم أنَّه سبَّله، ففيه نظر. وليس من موضوعنا؛ لأنه إن لم يُحْكَم بالتسبيل حُكِم ببقاء المِلك، فيمنع الدفن، ويكون للورثة الاستيلاء على البقعة وحرثها، أو البناء فيها للسكنى، أو غير ذلك، بعد بِلى من دُفِن فيها سابقًا، إلى غير ذلك مما لا يهمنا. [ص ٢٧] الدفن في المَوات: الدفن في المَوات في حكم الدفن في المسبَّلة؛ لأن مجرد حفر القبر والدفن فيه ليس إحياءً مُملِّكًا، وإنما يفيد الأحقية ما دامت الجثة باقية. كل هذا مما يغنينا اتفاقُ العلماء عليه عن ذكر حُجَجِه، مع أن الآية التي صدَّرنا بها البحث دالة عليه، كما لا يخفى على العارف. وعلى كل قادر النهي عن الإفراط في التوسعة، والإحكام، والبناء في

стр. 25

المُسبَّلة، وإزالة ذلك، ولو قبل البلى، وقبل الاحتياج إلى تلك البقعة؛ لأن الفعل الحرام يجب إزالته في كل حال. فأما بعد البلى، فإن بقعة القبر نفسها تستعمل. [ص ٢٨ ب] تنبيه: ليس من البناء المحرَّم أن يموت ميت في غار، ويتعذَّر إخراجه منه، فيُسَدّ باب الغار، ومِنْ هذا ما حكاه الله في قصة أصحاب الكهف من قول القوم: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾، فإن الفتية لما رجعوا إلى الكهف بعد بروزهم إلى القوم الذي يقتضيه إظهار الآية، عادوا إلى مضجعهم، وعاد الرعب الذي ذكره بقوله: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]، وانتظرهم القوم خارج الكهف حتى يئسوا، كما يدل عليه قولهم: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾، أي: أماتوا، أم عادوا إلى نومهم. وليس المراد ﴿أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ مِمَّن هم؟ وكم لهم؟ لأن الآية التي أعثر الله عليهم لأجلها لا تتم إلا بأن يخبروا القوم بأنهم كانوا في عهد كذا، وجرى لهم كذا، وسيأتي بَسْط الكلام على هذا الآية في فصل "اتخاذ المساجد على القبور" إن شاء الله (١).

стр. 26

الوصية بالدفن في المِلك: قرر العلماء أن الشخص إذا أوصى أن يُدفن في ملكه، لم تنفَّذ وصيته، بل يدفن في مقبرة المسلمين، فإن أراد الورثة أن يدفنوه حيث أوصى كان دفنًا في ملك الدافن، وسيأتي حكمه. وإذا أوصى مع ذلك أن يُفْرَط في توسعة قبره، وإحكامه، والبناء عليه، وأراد الورثة الدفنَ المعتاد فقط، لم يلزمهم غيره، فإن فعلوا، فهو في ملكهم، وسيأتي حكمه. [ص ٢٨] الدفن في مِلك الدافن: السُّنَّة المطَّرِدة في عصره ﵌ الدفن في مقبرة المسلمين، أما دفنه ﵌ في بيت زوجِه فله سببٌ خاصٌّ، سيأتي إن شاء الله بيانه، وبيان سبب دفن صاحِبَيه معه في فصلٍ مفرد (١). ثم إن الدفن في ملك الدافن لا يقتضي التخليد، فله بيع البقعة التي فيها القبر، وتدخل بقعة القبر في البيع، كما أنه إذا مات وُرِثت عنه، وإذا وقفها مقبرةً أو غيرها، دخلت بقعة القبر في الوقف، ولكن لا يجوز استعمال بقعة القبر إلا بعد البِلى، فإذا كان البِلى، جاز استعمالها بزرع وبناء للسُّكْنى وغيره. [ص ٢٩] محلُّ النزاع: بقي رفع القبر في غير الملك، بدون إحكام ولا بناء، وإنما هو بزيادة حصى ورمل وتراب يُرْكَم عليه حتى يرتفع.

стр. 27

وبقي الرفع، والتوسعة، والإحكام، والبناء فيما إذا كان في ملك الفاعل، وهذا هو الذي يصلح أن يكون محلًا للنزاع. الرفع في غير المِلك لا شك أن الرفع زائدٌ على القدر الكافي للمواراة التي هي المقتضي للدفن، كما دلت عليه الآية، وفيه أيضًا ضرر على المستحقين إذا أرادوا حفر القبر بعد البِلى، وإن كان خفيفًا، فهذا يقتضي المنع، فالدليل على من يدعي الجواز. [ص ٣٠] بِيَد المجيزين متمسَّكات: منها: ما علقه البخاري في "صحيحه" (١) في باب: الجريد على القبر، قال: "وقال خارجة بن زيد: رأيتني ونحن شبَّان في زمن عثمان ﵁، وإن أشدنا وثبةً الذي يَثِبُ قبرَ عثمان بن مظعون حتى يجاوزه". وهذا وإن كان معلقًا إلا أن البخاري ذكره بصيغة الجزم، وذلك حكمٌ بصحته (٢)، كما هو مقررٌ في موضعه. ومنها: ما رواه الشافعي عن [إبراهيم بن محمد] (٣) عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي ﵌ حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعًا (٤).

стр. 28

وأنه رشَّ على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء (١). وهذا مرسلٌ صحيحٌ، وأكثر الأئمة يحتجون بالمرسل. والشاهد في وضع الحصباء، ولا شك أن وضعها على القبر يؤثّر في رفعه. [ص ٣١] ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢) قال: ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي حصين عن الشعبي: رأيتُ قبور شهداء أحد جُثًى مُسنَّمة. وهذا الحديث صحيح، ذكره في "الجوهر النقي" (٣).

стр. 29

ومنها: الإجماع من المسلمين على رفع القبور في المقابر المسبَّلة، واختلافهم في قدره وكيفيته لا يقدح في الإجماع، ما داموا مجتمعين على أصل الرفع. ومنها: أن للقبور أحكامًا؛ من النهي عن القعود عليها، والصلاة إليها، وغير ذلك، وهذا يقتضي رفعها؛ لتتميز عن الأرض، فتُعْرَف. [ص ٣٢] والجواب: • أما أثر خارجة؛ فقال في "فتح الباري" (١): "إن البخاري وصله في "تاريخه الصغير". وقد نظرنا "التاريخ الصغير"، فوجدناه قال (ص ٢٣) (٢) طبعة إله آباد: "حدثنا عَمرو بن محمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاري قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت: رأيتني ونحن غلمان شُبَّان زمن عثمان، وإن أشدّنا وَثْبة الذي يَثِبُ قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه" ا? . والكلام عليه من وجوه: أولًا: من حيث إسناده. فيه ابن إسحاق، وهو وإن كان الحق أنه صدوق، وصرَّح بالتحديث، فالتحقيق ما قاله الذهبي في "الميزان" (٣) في فَذْلَكة (٤) ترجمة ابن إسحاق

стр. 30

قال: "فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتجَّ به أئمة، فالله أعلم". وهذه القصة قد انفرد بها، ففيها نكارة. ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة، لم أطَّلع له على ترجمة (١). [ص ٣٣] ثانيًا: إذا سلم إسناده، فإن في "تهذيب التهذيب" (٢) في ترجمة خارجة: قال ابن نُمَير وعَمرو بن علي: مات سنة (٩٩)، وقال ابن المديني وغير واحد: مات سنة مائة. فظاهر هذا أن الأكثر على أن موته كان سنة مائة، والجمع أولى، بأنه مات أواخر سنة (٩٩). وفي "تاريخ ابن عساكر" (٣) أنه توفي وعمره سبعون سنة، وذكر لذلك قصة: أن خارجة قال: رأيتُ كأني بنيتُ سبعين درجة، فلما فرغت منها تهورت (٤)، وهذه السنة لي سبعون سنة قد أكملتها. قال: فمات فيها.

стр. 31

ونقل مثله ابن خلكان (١) عن "طبقات ابن سعد" (٢). فإذا نقصنا سني عمره من سني الهجرة لموته، بقي تسع وعشرون، فيكون مولده آخر سنة تسعٍ وعشرين. وعثمان قُتِل سابع ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فيكون سن خارجة يوم قُتِل عثمان ست سنين تقريبًا، فكيف يكون شابًّا في زمن عثمان؟ وقد راجعتُ "طبقات ابن سعد" ــ طبع أوربا ــ فرأيته روى هذه القصة عن الواقدي. ثالثًا: إذا سَلِم إسناده، ولم نعتبر هذه علةً قادحة فيه، فإنه ينبغي الجمع بأن يُتأوَّل [ص ٣٤] الأثر، بأنَّ قوله: "شبان" مجاز، أراد: أننا غِلْمان أقوياء أصحَّاء، كأننا شبان. ويؤيد هذا كلمة "غلمان" الثابتة في "التاريخ"، وإن حُذِفت في التعليق. ويؤيده أيضًا: أنهم لو كانوا أبناء تسع سنين أو نحوها، لما ذهبوا يتواثبون على قبر رجل من أفضل السابقين، ولاسيما وبجواره قبر ابن رسول الله ﵌، وهذا ممنوعٌ في الشرع اتفاقًا؛ لأن من رُوي عنه إباحة الجلوس على القبر، لا يبيح التوثُّب عليه. وقوله: "وإن أشدنا وثبة ... " إلخ، يدل أن أكثرهم كان يقصّر فيقع على القبر، والذي يجاوزه يقع على القبور المجاورة، وأبناء الصحابة ﵃ لم يكونوا يبلغون التمييز إلا وهم عارفون لآداب الدين، ملتزمون لها،

стр. 32

ولاسيّما مثل خارجة بن زيد. وعلى هذا، فلا دلالة في الأثر؛ لأن الغلام الذي عمره ست سنين ــ وإن كان قويًّا ــ يشق عليه أن يَثِبَ أكثر من ذراعين ونصف على وجه الأرض، وهذا هو عرض القبر عادة تقريبًا. ويشبه أن يكون قبر عثمان بن مظعون أعرض قليلًا من القبور المعتادة، ويكون خارجة أراد بذلك القول، الإخبار عن عرض القبر؛ ليخبرهم أن السنة توسعة القبر. [ص ٣٥] رابعًا: إذا سَلِمَ إسنادُ الأثر، وقُدِحَ في العلة، وحُمِل على ظاهر قوله: "شبان"، ولم نُبالِ بما يلزم عليه من أن الشُّبان من أبناء أفاضل الصحابة كانوا من التفريط في الآداب الشرعية بحيث يذهبون يتوثَّبون على قبر صحابي من أفاضل السابقين، وقبور من جاوره من أبناء رسول الله ﵌، إذا كان هذا كله، فليس في الأثر أنهم كانوا يَثِبون القبرَ عرضًا أو طولًا، فكلا الأمرين محتمل. وعليه، فيقال: لعلَّ قبر عثمان بن مظعون كان أطول قليلًا من القبور المعتادة، ويكون مراد خارجة الإخبار بذلك ليبين أن السنة توسعة القبور. فإذا فُرِض أن طول القبر نحو خمسة أذرع، فإن هذا القدر كافٍ لأن يشقَّ على الشاب أن يثبه على وجه الأرض. فإن قيل: إن البخاري فهم من هذا الأثر الرفع، ولذلك أورده في "باب الجريد على القبر" (١).

стр. 33

وقال الحافظ في "الفتح" (١): "وفيه جواز تعلية القبر، ورفعه عن وجه الأرض". فالجواب: أن لفظ الأثر موجودٌ محفوظٌ، ففَهْم البخاري والحافظ ليس بمجرَّده حجة، كما لا يخفى، على أنهما قد يريدان الرفع اليسير، نحو أربع أصابع إلى شبر، وهذا فيه بحثٌ، سيأتي إن شاء الله تعالى. [ص ٣٦] خامسًا: على فرض تسليم أن قبر عثمان بن مظعون كان مرفوعًا، فلا يُدْرَى مَن رَفَعه، إذ قد ثبت أن النبي ﵌ كان ينهى عن رفع القبور، والزيادة عليها من غير حُفْرتها. فكيف يصح أن يقال: إنه ﵌ فعل ذلك؟ ! بل ورد في نفس قبر عثمان بن مظعون ما ينافي الرفع، ولو قليلًا، وهو كونه ﵌ وضع عليه حَجَرًا، وقال: "أُعَلِّمُ بها قبرَ أخي، وأدفِنُ إليه من مات من أهلي" (٢). وهذا يدل أنه كان مساويًا للأرض، إذ لو كان مرتفعًا ولو قليلًا لما احتاج إلى العلامة؛ لأنه أول قبر وُضِع هناك، فمجرَّد ارتفاعه كافٍ في التعليم، فدل

стр. 34

أنه كان مساويًا للأرض، فخشي ﵌ أن يخفى موضعه بجفاف التراب، وهبوب الرياح والمطر، فعلَّمه بذلك الحجر. وعليه، فيُحْتَمل أن بعض متأخِّري الإسلام من أقارب عثمان بن مظعون رفع القبر في أواخر مدة عثمان ﵁، والصحابة ﵃ مشغولون بالفتنة، ثم سُوِّي بعد ذلك، كما يدلُّ عليه الأثر نفسه، إذ لو كان القبر باقيًا على حاله لما احتاج خارجة إلى هذا القول، بل كان يقول: ها هو القبر موجودٌ على حاله، وهكذا كان في زمن عثمان. [ص ٣٧] سادسًا: لنفرض أن القبر رُفِع، وأنه رفعه بعضُ الصحابة، فليس فعل الصحابي حجة، ولم يكن القبر ظاهرًا لجميع الناس حتى يُدَّعى الإجماع. سابعًا: لنفرض أنه كان ظاهرًا، فإن الصحابة ﵃ في مدة عثمان وبعده كانوا متفرقين في البلاد مشغولين بالفتن. ثامنًا: لنفرض أنهم كانوا مجتمعين، فقد صحَّ عن كثير منهم رواية النهي عن ذلك، وصحَّ عنهم العمل بموجبه، كما سيأتي بسطه إن شاء الله تعالى، وهذا كافٍ في نفي الإجماع. [ص ٣٨] تاسعًا: هب أنه لم يرد ما يكذِّب الإجماع، فإنَّ في حُجِّية الإجماع خلافًا مشهورًا. عاشرًا: على تسليم أنه حجة، فيشترط أن يُعْلَم، ولا سبيل إلى العلم به، كما هو مقرر في الأصول.

стр. 35

حادي عشر: على فرض تسليم أنه لا يُشْتَرط العلم به، بل يُكْتَفى بأنه لم يُنْقَل ما يخالفه، فإنما يكون حجة إذا لم يَرِد في كتاب الله ، أو سنة رسوله ﵌ ما يخالفه، وهذا هو الثابت عن عمر وعبدالله وغيرهما، وعن الإمام أحمد والشافعي، وغيرهما. وذلك أن احتمال وجود مخالف لقول من قبلنا لم يُنْقل قوله، أقوى من احتمال كون النص على خلاف ظاهره، فضلًا عن كون احتمال الحديث الثابت بالإسناد كذبًا، فضلًا عن احتمال النسخ. • [ص ٣٩] وأما مرسل محمد بن علي؛ فلا يخفى ما في حُجّية المرسل من النزاع، وأن التحقيق عدم حُجِّيته. وعلى فرض صحته؛ فيُحْمل على وضع كفٍّ أو كفين من الحصباء، لتكون علامة على القبر، أو غير ذلك مما لا يؤثر في رفعه الذي ثبت النهي عنه، جمعًا بين الأدلة. لكن يُشْكل على ذلك ثبوت النهي عن الزيادة، والكف من الحصباء زيادة، إلا أنه يمكن تخصيص عموم النهي عن الزيادة بهذا الحديث، هذا على فرض حُجِّيته. • وأما ما رواه ابن أبي شيبة؛ ففي سنده عنعنة سفيان، وهو يدلِّس. نعم، في "فتح المغيث" (١) (ص ٧٧) في الكلام على المعنعنات في "الصحيحين" قال: "أو لوقوعها من جهة بعض النقَّاد المحققين سماع المعنعن لها ... والثوري بالنسبة لحديث القطان عنه ... الخ".

стр. 36

لكن ليس فيه أن النبي ﵌ اطلع على ذلك، ومجرَّد احتمال ذلك يرده، فلعله أحدثه بعضُ التابعين الذين لم يطلعوا على النهي. وعلى كل حال، فليس في فعلهم حجة. • [ص ٤٠] وأما الإجماع؛ ففي زمان الصحابة ثبت عن علي وفَضَالة ما يخالفه، وهناك آثار عن عمر وعثمان تخالف ذلك أيضًا. وفي زمن التابعين يبعد أن يروي الأئمة هذه الأحاديث بدون بيان ما يخالفها، ومع ذلك يخالفونها. وفي "كنز العمال" (١): عن عثمان: أنه كان يأمر بتسوية القبور. ابن جرير. وفي "شرح الموطأ" (٢) للباجي ما لفظه: "قال ابن حبيب: وروى جابر أن النبي ﵌ نهى أن تُرْفع القبور، أو يُبْنى عليها، وأمر بهدمها، وتسويتها بالأرض. وفَعَلَه ــ يعني الهدم والتسوية ــ عمر بن الخطاب. قال: وينبغي أن تسوى تسوية تسنيم ... إلخ. ومع هذا فمن الواضح أن الإجماع الحقيقي لا يمكن العلم به، وإنما غاية ما يمكن أن نجد قولًا لمن قبلنا لا نعلم له مخالفًا، فيكون هذا حجةً إذا لم نجد في الكتاب أو في السنة ما يخالفه، فأما إذا وُجد في الكتاب والسنة

стр. 37

ما يخالفه، فإنّ ذلك دليل على عدم الإجماع، وأن هناك مخالفًا لم يبلغنا قوله. وقد تقدم أن احتمال وجود مخالف لم يبلغنا قوله أقرب من احتمال كون النص على خلاف ظاهره. فضلًا عن كون الحديث الثابت إسناده كذبًا، فضلًا عن احتمال النسخ. وتقدم أن قولنا هذا هو قول أئمة الهدى، والله أعلم. وأما قوله: "إن للقبور أحكامًا ... " إلخ. فقد يقال: يكفي في التمييز وضع علامة، ككفّ من حصى مغاير لونه لحصى تلك البقعة، أو وضع حجر، هذا إن صحَّ العملُ بحديثي وضع الحصى ووضع الحجر المارَّين. وقد يقال: إنه لا بأس بالارتفاع اليسير الذي ينشأ من إعادة تراب الحفرة إليها، فإنه يزيد عن مثلها بسبب وضع الجثة، وما سترت به، وغير ذلك، فينشأ من إعادته كله (١) إليها ارتفاع يسيرٌ. ولكن هناك أحاديث تنافي هذا، فلْنَعْقد فصلًا للبحث فيها.

стр. 38

[ص ٤١] فصل في تسوية القبور حدَّث ثُمامة بن شُفَي قال: كنا مع فَضالة بن عُبيد بأرض الروم، فتوفي صاحبٌ لنا، فأمر فَضالةُ بقبره فسوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله ﵌ يأمر بتسويتها. رواه عن ثمامة عَمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري، وابن إسحاق. فأما عَمرو بن الحارث؛ فرواه عنه ابنُ وهب. وعن ابن وهب: أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السَّرْح، وهارون بن سعيد الأيلي، وسليمان بن داود (١). فعن ابن السرح: مسلم في "صحيحه" (٢)، وأبو داود في "سننه" (٣)، ومن طريقه رواه البيهقي في "سننه" (٤). وعن الأيلي: مسلم في "صحيحه" (٥) أيضًا، ومحمد بن إسماعيل الإسماعيلي عند البيهقي (٦).

стр. 39

وعن سليمان: النسائي في "سننه" (١). والروايات كلها مسلسلة بالتحديث والإخبار، والألفاظ متقاربة، وجميعها مشتركة في قوله: "فأمر فضالةُ بقبره فَسُوِّي ... " إلخ، كما تقدم. [ص ٤٢] وأما ابن إسحاق؛ فرواه عنه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن عُبيد بن أبي أمية الطنافسي، وأحمد بن خالد الوهبي (٢). فعن الأولين: الإمام أحمد في "مسنده" (٣) (جزء ٦/ص ١٨)، إلا أنه قال في رواية محمد بن عُبيد: "ثنا محمد (بن يحيى) بن إسحاق" وإنما هو محمد بن إسحاق، وفي هذه الرواية عنعن ابن إسحاق. وأما في رواية إبراهيم، فقال الإمام (٤): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني ثُمامة ... إلخ، فصرَّح ابنُ إسحاق بالتحديث. وعن الثالث: أبو زرعة الدمشقي، وهو عبد الرحمن بن عَمرو بن صفوان النصري، وعنه أبو العباس الأصم، وعن الأصم الحاكم وغيره، كما في "سنن البيهقي" (٥). وفي هذه الرواية عنعن ابن إسحاق.

стр. 40

ولفظ رواية محمد بن عبيد: " ... فأصيب ابنُ عمٍّ لنا، فصلى عليه فَضالة، وقام على حُفْرته حتى واراه، فلما سوَّينا على حفرته قال: أخِفُّوا عنه، فإن رسول الله ﵌ كان يأمرنا بتسوية القبور". وفي رواية إبراهيم: " ... فقال فضالة: خَفِّفوا، فإني سمعت رسول الله ﵌ يأمر بتسوية القبور". وفي رواية أحمد بن خالد عند البيهقي: " ... فتوفي ابنُ عمّ لنا يقال له: نافع بن عبد، قال: فقام فضالة في حفرته، فلما دفناه قال: خَفِّفوا عليه التراب، فإن رسول الله ﵌ كان يأمرنا بتسوية القبور". [ص ٤٤] وهذا الحديث صحيحٌ، نظيفٌ لا غبار عليه، ووجود ابن إسحاق في إحدى الطريقين لا يقدح، مع أنه إنما يُخْشى من التدليس والانفراد، كما مر، وفي هذا الحديث صرح بالتحديث، وتوبع. وأما قوله في رواية: "أخِفّوا عنه"، وفي أخرى: "خَفِّفوا"، وفي ثالثة: "خَفِّفوا عنه التراب"، فهذه ليست زيادة، وإنما هي في مقابل ما جاء في رواية عَمْرو: "فأمر فضالة بقبره، فسُوِّي"، فذكرها ثمامةُ لابن إسحاق مصرحًا فيها بلفظ فضالة الذي عبّر عنه في رواية عَمرو بقوله: "فأمر". وأما اختلاف الروايات في كلمة "خَفِّفوا" فمن الرواية بالمعنى. ومما يدل على أن ثمامة أوضح القصة لابن إسحاق، وجود اسم المتوفى في روايته، دون [ص ٤٥] رواية عَمْرو. وأيضًا فذِكْر ابن إسحاق لاسم المتوفى واسم أبيه "نافع بن عبد" يدل على جودة حفظه للقصة، وإتقانه لها.
следующие страницы →