← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 331

عمارة القبور في الإسلام - المسودة - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (112 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لكن ليس فيه أن النبي ﵌ اطلع على ذلك، ومجرَّد احتمال ذلك يرده، فلعله أحدثه بعضُ التابعين الذين لم يطلعوا على النهي. وعلى كل حال، فليس في فعلهم حجة. • [ص ٤٠] وأما الإجماع؛ ففي زمان الصحابة ثبت عن علي وفَضَالة ما يخالفه، وهناك آثار عن عمر وعثمان تخالف ذلك أيضًا. وفي زمن التابعين يبعد أن يروي الأئمة هذه الأحاديث بدون بيان ما يخالفها، ومع ذلك يخالفونها. وفي "كنز العمال" (١): عن عثمان: أنه كان يأمر بتسوية القبور. ابن جرير. وفي "شرح الموطأ" (٢) للباجي ما لفظه: "قال ابن حبيب: وروى جابر أن النبي ﵌ نهى أن تُرْفع القبور، أو يُبْنى عليها، وأمر بهدمها، وتسويتها بالأرض. وفَعَلَه ــ يعني الهدم والتسوية ــ عمر بن الخطاب. قال: وينبغي أن تسوى تسوية تسنيم ... إلخ. ومع هذا فمن الواضح أن الإجماع الحقيقي لا يمكن العلم به، وإنما غاية ما يمكن أن نجد قولًا لمن قبلنا لا نعلم له مخالفًا، فيكون هذا حجةً إذا لم نجد في الكتاب أو في السنة ما يخالفه، فأما إذا وُجد في الكتاب والسنة

стр. 37

ما يخالفه، فإنّ ذلك دليل على عدم الإجماع، وأن هناك مخالفًا لم يبلغنا قوله. وقد تقدم أن احتمال وجود مخالف لم يبلغنا قوله أقرب من احتمال كون النص على خلاف ظاهره. فضلًا عن كون الحديث الثابت إسناده كذبًا، فضلًا عن احتمال النسخ. وتقدم أن قولنا هذا هو قول أئمة الهدى، والله أعلم. وأما قوله: "إن للقبور أحكامًا ... " إلخ. فقد يقال: يكفي في التمييز وضع علامة، ككفّ من حصى مغاير لونه لحصى تلك البقعة، أو وضع حجر، هذا إن صحَّ العملُ بحديثي وضع الحصى ووضع الحجر المارَّين. وقد يقال: إنه لا بأس بالارتفاع اليسير الذي ينشأ من إعادة تراب الحفرة إليها، فإنه يزيد عن مثلها بسبب وضع الجثة، وما سترت به، وغير ذلك، فينشأ من إعادته كله (١) إليها ارتفاع يسيرٌ. ولكن هناك أحاديث تنافي هذا، فلْنَعْقد فصلًا للبحث فيها.

стр. 38

[ص ٤١] فصل في تسوية القبور حدَّث ثُمامة بن شُفَي قال: كنا مع فَضالة بن عُبيد بأرض الروم، فتوفي صاحبٌ لنا، فأمر فَضالةُ بقبره فسوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله ﵌ يأمر بتسويتها. رواه عن ثمامة عَمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري، وابن إسحاق. فأما عَمرو بن الحارث؛ فرواه عنه ابنُ وهب. وعن ابن وهب: أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السَّرْح، وهارون بن سعيد الأيلي، وسليمان بن داود (١). فعن ابن السرح: مسلم في "صحيحه" (٢)، وأبو داود في "سننه" (٣)، ومن طريقه رواه البيهقي في "سننه" (٤). وعن الأيلي: مسلم في "صحيحه" (٥) أيضًا، ومحمد بن إسماعيل الإسماعيلي عند البيهقي (٦).

стр. 39

وعن سليمان: النسائي في "سننه" (١). والروايات كلها مسلسلة بالتحديث والإخبار، والألفاظ متقاربة، وجميعها مشتركة في قوله: "فأمر فضالةُ بقبره فَسُوِّي ... " إلخ، كما تقدم. [ص ٤٢] وأما ابن إسحاق؛ فرواه عنه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن عُبيد بن أبي أمية الطنافسي، وأحمد بن خالد الوهبي (٢). فعن الأولين: الإمام أحمد في "مسنده" (٣) (جزء ٦/ص ١٨)، إلا أنه قال في رواية محمد بن عُبيد: "ثنا محمد (بن يحيى) بن إسحاق" وإنما هو محمد بن إسحاق، وفي هذه الرواية عنعن ابن إسحاق. وأما في رواية إبراهيم، فقال الإمام (٤): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني ثُمامة ... إلخ، فصرَّح ابنُ إسحاق بالتحديث. وعن الثالث: أبو زرعة الدمشقي، وهو عبد الرحمن بن عَمرو بن صفوان النصري، وعنه أبو العباس الأصم، وعن الأصم الحاكم وغيره، كما في "سنن البيهقي" (٥). وفي هذه الرواية عنعن ابن إسحاق.

стр. 40

ولفظ رواية محمد بن عبيد: " ... فأصيب ابنُ عمٍّ لنا، فصلى عليه فَضالة، وقام على حُفْرته حتى واراه، فلما سوَّينا على حفرته قال: أخِفُّوا عنه، فإن رسول الله ﵌ كان يأمرنا بتسوية القبور". وفي رواية إبراهيم: " ... فقال فضالة: خَفِّفوا، فإني سمعت رسول الله ﵌ يأمر بتسوية القبور". وفي رواية أحمد بن خالد عند البيهقي: " ... فتوفي ابنُ عمّ لنا يقال له: نافع بن عبد، قال: فقام فضالة في حفرته، فلما دفناه قال: خَفِّفوا عليه التراب، فإن رسول الله ﵌ كان يأمرنا بتسوية القبور". [ص ٤٤] وهذا الحديث صحيحٌ، نظيفٌ لا غبار عليه، ووجود ابن إسحاق في إحدى الطريقين لا يقدح، مع أنه إنما يُخْشى من التدليس والانفراد، كما مر، وفي هذا الحديث صرح بالتحديث، وتوبع. وأما قوله في رواية: "أخِفّوا عنه"، وفي أخرى: "خَفِّفوا"، وفي ثالثة: "خَفِّفوا عنه التراب"، فهذه ليست زيادة، وإنما هي في مقابل ما جاء في رواية عَمْرو: "فأمر فضالة بقبره، فسُوِّي"، فذكرها ثمامةُ لابن إسحاق مصرحًا فيها بلفظ فضالة الذي عبّر عنه في رواية عَمرو بقوله: "فأمر". وأما اختلاف الروايات في كلمة "خَفِّفوا" فمن الرواية بالمعنى. ومما يدل على أن ثمامة أوضح القصة لابن إسحاق، وجود اسم المتوفى في روايته، دون [ص ٤٥] رواية عَمْرو. وأيضًا فذِكْر ابن إسحاق لاسم المتوفى واسم أبيه "نافع بن عبد" يدل على جودة حفظه للقصة، وإتقانه لها.

стр. 41

على أن انفراد ابن إسحاق ليس شديد النكارة، بدليل قول الذهبي (١): "وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا"، أراد نكارة يسيرةً، بدليل ما بعده. والنكارة اليسيرة وإن كانت توجب التوقُّف فإنها تنجبر بقيام بعض القرائن على الحفظ، ونحو ذلك، وقد بينا ذلك في هذا الحديث، والله أعلم.

стр. 42

[ص ٤٦] معنى التسوية المتبادر من التسوية أن يكون وجه القبر مساويًا لوجه الأرض في البقعة المحيطة به، ولكن نوزع فيه، أن هذا المعنى هو معنى تسوية القبر بالأرض، لا معنى تسوية القبر مطلقًا. فتسوية القبر عبارةٌ عن جعله متساوي الأطراف، كما في قوله : ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤]. وهذا لا يقتضي التسوية بالأرض، بل أن يُسوَّى القبرُ في ذاته، بأن لا يُترك فيه تسنيم، أو زيادة في بعض أطرافه، بل يُجعل مسطحًا، وهذا أعم من أن يكون مساويًا لوجه الأرض، أو يكون مرتفعًا. [ص ٤٧] وأجيب: بأن التسوية إذا أُطْلقت على شيءٍ كائنٍ على وجه الأرض، كالبناء والربوة، يُعنى بها تسويته بالأرض، ومنه قوله : ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤]. قال الراغب (١): أي: سوَّى بلادَهم بالأرض. ويدل عليه في هذا الحديث نفسه، أن الصحابي جعل الأمر بالتسوية أمرًا بالتخفيف من التراب، حيث قال: "أخِفّوا عنه ــ أو "خَفّفوا" أو "خَفّفوا عليه التراب" ــ فإن رسول الله ﵌ كان يأمرنا بتسوية القبور".

стр. 43

وإنما يكون الأمر بالتسوية أمرًا بالتخفيف، إذا أُرِيد بها التسوية بالأرض، فأما تسوية القبر في نفسه، فإنها تمكن مع كثرة التراب، كما تمكن مع قِلّته. والصحابيُّ لم ينقل لفظ النبي ﵌ بنصِّه [ص ٤٨] حتى يسوغ لنا أن نستقلَّ بفهمه، وإن خالف فهم الصحابي، وإنما مُؤدَّى كلامه أن النبي ﵌ كان يأمر بتسوية القبور التسويةَ المقتضية لتخفيف التراب، أي: أن بيان كون التسوية المأمور بها هي التي تقتضي تخفيف التراب مرفوعٌ تقوم به الحجة. وقد قال الباجي في "شرح الموطأ" (١): وقال ابن حبيب: "وتسويتها بالأرض". ويؤيد هذا ما سيأتي (٢) في حديث علي ﵁: "ولا قبرًا مُشْرفًا إلا سوَّيته". فجعل التسوية إزالة الإشراف، والإشراف هو الارتفاع، أعمّ من كون القبر متساويًا في نفسه، أو غير متساوٍ، فالتسوية التي هي إزالة الإشراف، هي التسوية بالأرض، كما هو واضح. [ص ٤٩] أقول: أما الآية؛ فلا يتعين فيها هذا المعنى، أعني التسوية بالأرض، بل يصح أن يكون المراد تسوية بلادهم في نفسها، أي: جعلها متساوية الأجزاء، وهذا كناية عن الخراب البالغ، فإن البلاد العامرة تكون

стр. 44

متفاوتة بارتفاع الأبنية على العرصات، وارتفاع بعض الأبنية على بعض، وإنما تتساوى إذا خَرِبت الخراب البالغ. والإنصاف أن التسوية إذا أُطلقت كان المراد بها تسوية الشيء في نفسه، ولا تُحْمل على التسوية بالأرض إلا بقرينة. وعليه، فالظاهر حمل التسوية في الحديث على التسوية بالأرض للقرينة، وهي قوله: "أخِفُّوا عنه"، أو "خَفِّفوا"، كما تقدم. [ص ٥٠] وكذا يقال في حديث علي ﵁: إن جَعْل التسوية منافية للإشراف قرينة تدل أن المراد التسوية بالأرض، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد مرَّ (١) عن "كنز العمال" (٢): "سوّوا القبور على وجه الأرض إذا دفنتم" (٣). فإن صحَّ فهو صريحٌ في التسوية بالأرض، إذ لا يصح أن يقال: إن قوله: "سووا القبور" أمرٌ بتسويتها في ذاتها، و"على وجه الأرض" حال، إذ لا معنى للحال، فالقبور على وجه الأرض على كلِّ حال. فيحتمل أن يكون المراد: تسوية القبور بالنظر إلى جميعها، أو تسوية كل قبر في حد ذاته. فعلى الأول يكون المراد بأن تُجْعَل متساوية، أي: بأن تكون كلها على

стр. 45

هيئة واحدة؛ لا يختلف قبر عن قبر. وهذا كما إذا أمرت الخبّاز بتسوية الأرغفة، يريد أن تكون كلها بقدر واحد على هيئةٍ واحدةٍ. وعلى الثاني يحتمل أن يكون المراد بتسوية القبر، تسوية أطرافه. وهذا لا يقتضي التسطيح كما قيل، فإن المسنَّم تسنيمًا محكمًا، بحيث إن ظاهر القبر يبقى أملس، بحيث لو بُسِط عليه ثوبٌ للصق به من جميع أجزائه، يقال له: مَسوًّى. ولو رأينا كرتين من حديد، إحداهما مُحْكَمة التكوير ملساء، والأخرى يوجد في سطحها مواضع ناشزة، وأخرى منخفضة، لقلنا: إن الأولى مستوية، والثانية غير مستوية. فإذا أُمِرْنا بإصلاح الثانية، صح أن يقال: أمرنا بتسويتها. ويحتمل أن يكون المراد جعله سويًّا (١).

стр. 46

تحقيق الحق في هذا البحث هذا ما يمكن أن يقوله المتشدِّد، ولكن الذي ينبغي التعويل عليه، وأن يدان الله تعالى به: أن أثر "خارجة" لا دلالة له على شيءٍ، لما مرّ. وأن مرسل الشافعي، لا مانع من صِحّته، ولكن محله إذا كان التراب الذي أعيد في الحفرة لم يكفِ لارتفاعها قليلًا عن وجه الأرض، أو كفى للارتفاع ولكن خُشي أن يلتبس القبرُ بغيره، وأُرِيد أن يُمَيَّز لقصدٍ صحيح جائز شرعًا. وكذا حديث وضع الحجر على القبر سواء بسواء. [ص ٥١] وحديث ابن أبي شيبة، لا مانع من صِحّته، ولكن التسنيم الواقع على القبور، هو الناشئ عن إعادة تراب الحفرة إليها فقط. وأما دعوى الإجماع؛ فإنها وإن كان فيها ما فيها، فهي غير معارضة لما قلناه؛ لأن الفقهاء نصوا على جواز رفع القبر قليلًا، ونصوا على حظر الزيادة عليه من غير تراب حفرته (١)، وهذا هو الذي نقوله: أنه يعاد إليه تراب حفرته. فإن حصل ارتفاع قليلٌ فذاك، وإلا جُعلت عليه علامة ليُعْرف أنه قبر، فإن حصل الارتفاع، وخشي الالتباس بغيره، وأُرِيد التمييز لمقصد شرعي صحيح، فلا بأس بوضع علامة عليه. وبهذا يحصل تمييز القبور الذي

стр. 47

يقتضيه ما لها من الأحكام. والرفع اليسير، أو وضع العلامة له مقتضٍ صحيحٌ، وهو تمييز القبر؛ ليجتنب الجلوس عليه، والصلاة إليه، وغير ذلك. فاندفع ما قيل: إنه زائدٌ على القدر الكافي للمواراة. ثم إن ذلك لا يضر بالمستحقين عند إرادة الحَفْر بعد البِلَى؛ لأنه أمرٌ خفيفٌ، وإن سُلِّم أنه لا يخلو عن ضرر، فإن ذلك يُغْتفر من باب دفع كبرى المفسدتين؛ لما مرّ , والله أعلم. [ص ٥٢] وأما حديث فَضالة بن عُبيد؛ فالحق أن التسوية فيه هي تصيير القبر سويًّا، أي معتدلًا، أي: على الهيئة المشروعة في القبور، بدون زيادة ولا نقصان، ومن هذا قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار: ٧] أي ــ والله أعلم ــ: جعلك بشرًا سويًّا كامل الخلقة، بالنظر إلى الهيئة المشتركة بين البشر. وكذا قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧]. قال الراغب (١): السَّوِيّ ما يُصَان عن الإفراط والتفريط. فنقول: إن النبي ﵌ كان قد بين لأصحابه الهيئة التي تنبغي أن تكون القبور عليها، وبعد أن عَقَلوها أمرهم بتسوية ما يطرأ من القبور، أي: جعلها سويَّة على الهيئة التي قد علمهم إياها.

стр. 48

وأما قول فَضالة: "أخِفّوا عنه"؛ فالظاهر أنه رأى التراب الذي حول الحفرة كثيرًا، بحيث إذا رُكِم فوق القبر ارتفع زيادةً على القدر المشروع، فأمرهم بالتخفيف، [ص ٥٣] بأن لا يجمعوا التراب كله، بل يقتصروا على ما يبلغه القدر المعروف للقبور. أو يكون قال لهم هذا بعد أن ركموا التراب، ورآه كثيرًا، بحيث صار القبر مرتفعًا زيادةً عن القدر المشروع. وأما ما نقلناه عن "كنز العمال" (١) ــ إن صح ــ فالتسوية هي: تسوية القبور في ذاتها. وقوله: "على وجه الأرض" احترازٌ من أن يُظن أن المراد بتسويتها في جوف الحفرة، والله أعلم. ومما هو صريحٌ في الرفع: ما ثبت في رفع قبر النبي ﵌، وقبري صاحبيه، كما سيأتي. وما تقدم من حديث ابن أبي شيبة، وغير ذلك. والله أعلم.

стр. 49

[ص ٥٤] القَدْر المشروع لرفع القبر لم أطلع على ما يُسْتَدل به في هذا بالنسبة إلى غير المِلك، إلا أن يقال: إن الظاهر أن يعين لذلك الأمر الذي تقتضيه طبيعة الحال، وهو إعادة تراب الحفرة إليها، بلا نقصان ولا زيادة. ويؤيد بأحاديث النهي عن الزيادة الآتية، فإن مفهومها جواز إعادة تراب الحفرة، سواءً أقل أم كثر. وربما يُعْترض هذا بقول فَضالة: "أخِفّوا عنه" على ما قدمنا. ويمكن أن يجاب: بأنه لعل البقعة التي حفر فيها القبر ترابية، بحيث يختلط التراب الخارج من الحفرة بالتراب الذي حواليها، فلا يتميز. وفيه شيءٌ. ولكن ورد الدليل على مقدار الرفع في الملك، وعمَّمه العلماء في الملك وغيره، [ص ٥٥] لعدم الفرق. ففي "صحيح ابن حبان" (١): أخبرنا السختياني ثنا أبو كامل الجَحْدري ثنا الفُضيل بن سليمان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﵌ أُلْحِدَ له، ونُصِب عليه اللبن نصبًا، ورُفِع قبره من الأرض نحوًا من شبر. فهذا عمل أكابر الصحابة ﵃، ولا نعلم لهم مخالفًا، والصحابة ذلك اليوم متوافرون بالمدينة، ولم يرد في الكتاب أو السنة ما يخالف ذلك، فكان حجة.

стр. 50

كيفية رفع القبر الصفة الطبيعية لإعادة التراب إلى الحفرة: أن ينشأ عن ذلك شيءٌ من الارتفاع مسنَّمًا، وهذا هو الأصل الذي لا ينبغي أن يتعدى إلا بدليل. استدل من يقول بالتسطيح بحديث التسوية المتقدم، بناءً على أن المراد جعل القبر متساويًا. وقد سبق رده، وبيان ما هو إن شاء الله الحق (١). [ص ٥٦] واستدلوا أيضًا بحديث أبي داود (٢) عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة، فقلت: يا أُمّاه، اكشفي لي عن قبر النبي ﵌ وصاحبيه. فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مُشْرِفة ولا لاطِئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصة الحمراء. وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٣)، وقال: صحيح. وأقره الذهبي. وفيه زيادة: "فرأيت رسول الله ﵌ مُقدَّمًا، وأبا بكر رأسُه بين كتفي رسول الله ﵌، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﵌ ". قالوا: والبطح هو عبارة عن جعل الشيء مستويًا. قال الزمخشري في "الفائق" (٤) في (رفف): " [ابن الزبير ﵁]

стр. 51

لما أراد هدم الكعبة ... وكانت في المسجد جراثيم، فقال: يا أيها الناس ابطَحوا. وروي: كان في المسجد حُفَر منكرة، وجراثيم، وتعادٍ، فأهاب بالناس إلى بطحه ... إلخ. البطحُ: أن يجعل ما ارتفع منه منخفضًا حتى يستوي، ويذهب التفاوت ... " إلخ. ا? . [ص ٥٧] قالوا: ولا يمكن أن يقال: إن القبور مبطوحة، أي: مسوَّاة بالأرض؛ لقوله في الحديث: "ولا لاطئة"، فما بقي إلا أن تكون مُسَطَّحة، أي: مُسَوَّاة في نفسها. وتأوله صاحب "الجوهر النقي" (١): بأن المراد بـ "مبطوحة" غير مشرفة، أعم من أن تكون مسنَّمة، أو مسطحة، واستدل بكلام الزمخشري السابق، وهو كما ترى. وحَمَل غيرُه لفظ "مبطوحة" على أنها موضوعة عليها البطحاء، أي: الحصى، كما فُسِّر به حديث عمر أنه أمرهم أن يبطحوا المسجد، وهو ثابتٌ في مجاميع اللغة (٢). [ص ٥٨] ويحتمل معنى ثالثًا: وهو أن يكون شَبَّهها بهيئة الأشخاص المبطوحين، أي: المُلْقَين على وجوههم، فإن القبر المركوم عليه قليلٌ من التراب على هيئة التسنيم، يشبه هيئة الشخص المبطوح.

стр. 52

وعليه، فينبغي الترجيح بين هذه المعاني، فأقول: أما المعنى الأول؛ فيردُّه ما علَّقه البخاري في "صحيحه" (١) عن سفيان التمَّار: أنه رأى قبر النبي ﵌ مسنَّمًا. ووصله ابن أبي شيبة (٢) فقال: ثنا عيسى بن يونس عن سفيان التمَّار قال: دخلتُ البيت الذي فيه قبر النبي ﵌، [ص ٥٩] فرأيت قبره وقبر أبي بكر وعمر مُسَنَّمة. ويبعد كل البعد أن يُغَيَّر قبر النبي ﵌ وصاحبيه عما وُضِعَت عليه، والصحابةُ باقون، وعلماء التابعين شاهدون، والملوك والأمراء من أهل العلم. والإصلاح الذي وقع في زمن الوليد بن عبد الملك، وقع بحضور عمر بن عبد العزيز ــ وحَسْبُك به علمًا، ودينًا وورعًا ــ مع وجود غيره، وتغيير الجدار للضرورة، ولا ضرورة في تغيير الهيئة، وهذا بخلاف ما قلناه في قبر عثمان بن مظعون، فإنه لا مانع في أن يغيره ويرفعه شخصٌ واحدٌ. فأما قبر النبي ﵌ وصاحبيه , فيبعد أن يجترئ على تغييرها أحدٌ. وعلى تسليم احتمال التغيير، فإنما يُصَار إلى تجويزه إذا لم يوجد جمع بين الدليلين أيسر منه. ولا شُبْهة أن الجمع بحمل [ص ٦٠] "مبطوحة" على

стр. 53

المعنى الذي يوافق رواية التمَّار أولى وأقرب من حملها على المعنى الذي يخالفه. ولاسيما والكلمة بالنظر إلى المعنيين الأوَّلين محتملة لهما على السواء، فيكون حديث سفيان مرجِّحًا لأحدهما، وهو الذي لا يخالفه فسقط المعنى الأول، وبقي النظر بين الثاني والثالث. لا شك أن الثاني حقيقة، والثالث مجاز، والحقيقة مقدمة على المجاز، إلا أن هناك أدلَّة تقوي إرادة المجاز: أولها: أنه إذا ثبت أن القبور كانت مسنَّمة، فمن البعيد أن ينعت القاسم قدر ارتفاعها، ويدع نعت هيئتها، ويذهب إلى ذكر أن عليها حصى، فإن بيان الهيئة أهم من [ص ٦١] ذكر الحصى. ثانيها: في "شرح المشكاة" (١) لعلي قاري ما لفظه: "وأيضًا ظهر أن القاسم أراد أنها مسنمة، برواية أبي حفص بن شاهين في "كتاب الجنائز" بسنده عن جابر قال: سألت ثلاثة كلهم له في قبر رسول الله ﵌ أبٌ، سألت أبا جعفر محمد بن علي، وسألت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسألت سالم بن عبد الله: أخبروني عن قبور آبائكم في بيت عائشة؟ فكلهم قالوا: مسنمة". وهـ? هنا إشكال: وهو أن جابرًا هو راوي حديث: أن النبي ﵌ أُلْحِد له، ونُصِب عليه اللبن ... (٢) إلخ، كما سيأتي، فالظاهر أنه

стр. 54

حضر الدفن، والظاهر أنه حضر دفن الشيخين أيضًا، فكيف يحتاج إلى السؤال عن كيفية القبور؟ اللهم إلا أن يكون جوز تغييرها، وفيه بُعْد، كما أن تجويز أنه لم يحضر أبعد. وعلى كل حال، فحديث ابن شاهين لم يصحّح، ولعله لا يكون صحيحًا. ثالثها: أن وضع الحصى على القبر، على فَرْض تسليم جوازه، فإنما هو ــ والله أعلم ــ علامة للقبر، ولا حاجة للعلامة في قبور رسول الله ﵌ وصاحبيه. فالذي يظهر ــ والله أعلم ــ ترجيح المعنى الثالث. [ص ٦٢] ومن أدلة التسنيم: أثر الشعبي الذي رواه ابن أبي شيبة، كما تقدم (١)، وإن عنعنه سفيان. ومنها: أن العمل في عهد السلف كان جاريًا على ذلك. والظاهر في مثل هذا أن يكون موافقًا للسنة، ما دام لم يقم دليلٌ يدل على مخالفته. وقال صاحب "الجوهر النقي" (٢): "وحكى الطبري عن قوم أن السنة التسنيم، واستدل لهم بأن هيئة القبور سنة متبعة، ولم يزل المسلمون يسنِّمون قبورهم، ثم قال: ثنا ابن بشار ثنا عبد الرحمن ثنا خالد بن أبي عثمان قال: رأيت قبر ابن عمر مسنَّمًا.

стр. 55

قال الطبري: لا أحبّ أن يتعدَّى فيها أحد المعنيين من تسويتها بالأرض، [ص ٦٣] أو رفعها مسنَّمة قدر شبر، على ما عليه عمل المسلمين في ذلك. قال: وتسوية القبور ليست بتسطيح. ا? . ومما يدل على أن عمل أهل المدينة كان على التسنيم: أن مذهب مالك اختيار التسنيم (١)، وهو يرى عمل أهل المدينة حجة، فلو كان عمل أهل المدينة على التسطيح لما خالفهم. وأيضًا التسطيح يشبه بناء أهل الدنيا؛ لأن فيه نوعًا من الإحكام، بخلاف التسنيم، فإنه يحصل بطبيعة الحال عند رد تراب الحفرة إليها. [ص ٦٤ ب] وهذا الارتفاع نحوًا من شبر بالنسبة إلى وسط القبر؛ لأنه مسنم. والواقع أن إعادة تراب الحفرة إليها بعد الدفن ينشأ عنه تسنيم نحو الشبر غالبًا. فإذا كان الواقع كذلك فالأمر بيّن، وإن فُرِضَ أنه زاد فعندي أنه يجب التخفيف عملًا بظاهر حديث فَضالة على ما تقدم، واقتصارًا على القدر الثابت. وإن فُرِض أنه نقص، كأنْ كان في الحفرة حجرٌ كبيرٌ أُخْرِج منها، فلما أُعيد التراب بعد الدفن لم يكفِ، فعندي أنه إن كفى لمساواة الحفرة لوجه الأرض لم يزد عليه؛ لإطلاق النهي عن الزيادة كما يأتي، ولأن الرفع ليس ضروريًّا لأصل الدفن، وإنما فائدته التعليم على القبر، ويغني عنه وضع

стр. 56

حجر، كما روي من فعله ﵌ بقبر عثمان بن مظعون. أما إذا نقص عن مساواة الحفرة بالأرض، فالظاهر أنه يزاد عليها حتى يساوي وجه الأرض فقط؛ لأن تركها ناقصة، نقصٌ وإخلالٌ بأصل الدفن.

стр. 57

[ص ٦٥] البناء على القبر قد مَرَّ حكم البناء على القبور في غير المِلك، وهذا الفصل موجَّه إلى البناء عليها في الملك، مع أن الأدلة تتناول الجميع، كما ستراه إن شاء الله تعالى. قد علمت أن البناء على القبر أمرٌ زائدٌ على المواراة، وهو أيضًا زائدٌ على التعليم على القبر، بحيث يُعْرَف أنه قبرٌ، فالدليل على مدعي الجواز. أما من له حظٌّ من العلم من المجيزين، فإنه يعترف بالحُرْمة في القبور المسبَّلة، ويقتصر على الكراهة في الملك، وسيأتي الكلام مع هؤلاء عند الكلام على أدلة النهي إن شاء الله تعالى. وأما الغلاة المتطرِّفون من الجُهَّال، فإنهم يدَّعون أن البناء على بعض القبور مستحب، ومنهم من يعتقد وجوبه، وليس لهؤلاء في الحقيقة متمسَّك، [ص ٦٦] إلا أنهم يعتقدون أن الموتى يضرون وينفعون، وأن في البناء على قبورهم وغيره تقربًا إليهم، يُدْخل في نفوسهم السرور، ويحملهم على نفع الفاعل. هذا مَبْلَغ علمهم، وغاية فهمهم. فإذا آنسوا من أحدٍ إنكارًا عليهم قالوا: "وهَّابي"، وتواصوا بهجره، وتجنّب مجالسته، وسماع كلامه، وجاهروا بتضليله وتفسيقه، بل وتكفيره، ورموه بكل حجرٍ ومدرٍ، وإن أمكنهم أن يلحقوا به الضرب لم يتأخروا عنه. وإذا دُعوا إلى الإنصاف والنظر في الحجج والأدلة، ورأوا أن في الإعراض عن الإجابة ما يؤيد جانب خصومهم، [ص ٦٧] أخذوا يرددون

стр. 58

بعض الشبه التي لا تستحق أن تسمى شبهًا، فضلًا أن تسمى أدلة، لكنها على كل حال ربما تجذب أذهان بعض الجُهال، وسأذكر منها ما يسوغ أن يسمى شبهة؛ لمشابهته الشبهة، لا لمشابهته الدليل. فمنها: دعوى الإجماع (١). وأين الإجماع؟! وهذه كتب فقهاء المذاهب من أصغر مختصر، إلى أكبر مطوَّل متفقةٌ على النهي عن البناء، وتحريمه في المقابر المسبَّلة، ونص بعضُهم على حُرْمته حتى في الملك، ومن لم يقل بالحُرْمة في الملك أطلق الكراهة التحريمية، وسيأتي عقد فصل مستقل؛ لنقل كلام الفقهاء، إن شاء الله تعالى (٢). فأما كتب الحديث النبوي، فأظهر من شمس على عَلَم. على أن في الإجماع نزاعًا، وأي نزاع؟ [ص ٦٨] ومنها: القياس على قبر النبي ﵌. وهي شبهة ضعيفة، وسنعقد إن شاء الله تعالى للبحث فيه فصلًا خاصًّا، فانظره إن أردت (٣). ومنها: أثر خارجة، وقد مرَّ ما فيه (٤).

стр. 59

ومنها: ما علَّقه البخاري (١)، قال: "لما مات الحسن بن الحسن بن علي، ضربت امرأته القبة على قبره سنةً، ثم رُفِعت: فسمعوا صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه آخر: بل يئسوا، فانقلبوا". والجواب: أن البخاريَّ علقه تحت عنوان: باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور. والبخاري وإن ذكره بصيغة الجزم، فلم يلتزم في ذلك أن يكون صحيحًا. نعم، قالوا: إن ذلك إذا لم يكن صحيحًا عنده، فهو صحيحٌ عند غيره، وهذا لا يفيد؛ لأن شروط غيره مختلفة، حتى إن منهم من لا يشترط في الراوي غير الإسلام. فإن قيل: المراد غيره ممن يتحرى، كمسلم. قلنا: فإن في بعض ما يصحّحه مسلم ما ينتقد، ولولا ذلك لما أتعبنا أنفسنا بهذا البحث. ونحن لا ننكر أنه [ص ٦٩] ينبغي لنا حُسن الظن بالبخاري، أنه لا يعبر بصيغة الجزم إلا وقد اطلع على سندٍ قوي، لكن هذا في ظنه، فأما نحن، فالذي يلزمنا أن ننظر في السند، ونحكم بما ترجح لنا. وذكر الحافظ في "الفتح" (٢) أنه رُوي هذا الأثر في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي ــ رواية الأصبهانيين عنه ــ. قال: وفي كتاب ابن أبي الدنيا في "القبور" (٣) من طريق

стр. 60

المغيرة بن مِقْسَم قال: "لما مات الحسن بن الحسن، ضربت امرأته على قبره فُسطاطًا، فأقامت عليه سنة ... " فذكر نحوه. ا? . قلت: المغيرة بن مِقْسَم كان أعمى ويدلس، فلا تثبت القصة بمجرَّد هذه الحكاية منه، ولا يُدْرَى ما حال السند إليه، كما أنا لا ندري ما حال سند المحاملي. وعندي أن هذه الرواية لا تصح أبدًا، فإن أهل بيت رسول الله ﵌ يبعُد جدًّا أن يقع مثل هذا منهم؛ إذ زوجة الحسن هي بنت عمه فاطمة بنت الحسين ﵃، ويوم مات الحسن كان بنو أخيها أحياء، وكذلك غيرهم من أهل البيت، فلو فرضنا أنه لم يبلغها نهي، لكان بعيدًا أن لا يكون بلغهم، وأقل ما يكون بلغهم لَعْن زوَّارات القبور. والتحقيق: أن اللعن منصبٌّ على اللواتي يكثرن الزيارة. ولا شك أن ضرب قبة على القبر لأجله، والمُكْث فيها سنة أشدّ من مطلق كثرة الزيارة، فحاشا السيدة فاطمة بنت الحسين أن تصنع ذلك، وحاشا أهل البيت أن يكون منهم مثل هذا، ولا يبعد أن يكون ناصبيّ خبيث وضع هذه القصة، وحاشا فاطمة بنت الحسين بن علي أن تفعل ذلك الفعل جزعًا من وفاة زوجها، أو طمعًا في حياته، كما تدلُّ عليه حكاية قول الهاتِفَين: "هل وجدوا ما طلبوا؟ بل يئسوا فانقلبوا". وأما قول بعضهم: لعلها ضربت الفُسطاط للاجتماع لقراءة القرآن ونحوه. فمع كون ذلك محظورًا أيضًا، فحكاية قول الهاتِفَين تردّه.

стр. 61

وفي "الفتح" (١): "وقال ابن المُنيِّر: إنما ضُربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه، تعليلًا للنفس، وتخييلًا باستصحاب المألوف من الأُنس، ومكابرة للحسّ، كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية، ومخاطبة المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا، وكأنهما من الملائكة، أو من مؤمني الجن" ا? . أما نحن فنقول: أهل البيت أعلم بالله ورسوله ودينه، وأعقل وأكمل وأثبت من أن يصدر منهم هذا. على أننا نعلم أنهم غير معصومين، وأن فعلهم الشيء لا يكون حجة على جوازه، وإنما رأينا من الواجب أن نذبّ عنهم هذه القصة، وإن كانت لا دلالة فيها على مسألة البناء ونحوه؛ لأن فعل غير المعصوم لا تقوم به الحجة، وحسبنا الله ونعم الوكيل (٢). [ص ٧٠] ومنها (٣): أن في البناء مصلحة لتظليل [لتضليل] (٤) الزوَّار الذين يشدون رحالهم إلى القبور، ويظلّون لها عاكفين. وجوابه: أن الزيارة الشرعية لا تُحْوِج إلى شيءٍ من ذلك، فالبناء إذًا إعانة على الزيارة البدعية، ومع هذا وغيره فالاستحسان في معارضة النص هباء منثور، وصاحبه مأزور لا مأجور.

стр. 62

ومنها: التمسُّك بعمومات خارجة عن محلّ النزاع، كالأمر بحب الصالحين واحترامهم. وجوابه: أن هذا الإطلاق مقيَّد بما أذن به الشرع، فلا يقول مسلم: إنه يستحب [ص ٧١] حبهم واحترامهم في معصية الله تعالى، والقدر المأذون فيه إنما يتميز عن غيره بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، فلا يكفي هذا العموم ما لم يثبت دليل الخصوص، مع أن حالة الميت غيبٌ لا يُدْرَى ما ينفعه مما لا ينفعه، وإنما يكون التمييز بإخبار الشرع، وقد دل الشرع أن فعل محبي الميت ما ينكره الشرع يضرُّ الميت لا ينفعه، فثبت في الأحاديث الصحيحة: "أن الميت يُعَذَّب ببكاء أهله" (١). ومنها: القياس على ما ثبت من احترام القبور، بالنهي عن الجلوس إليها ووطئها، والمشي بينها بالنعال، وغير ذلك. وهذا قياس باطل، والنصوص تصادمه، وفوق هذا: فإنّ أكثر القبور المشيَّدة قد أَرِمت جثثها، فسقطت حُرْمتها. هذا، [ص ٧٢] ولولا أن يطالع رسالتي هذه جاهل بحقيقة الدين، قد عَلِق بنفسه شيءٌ من هذه الشبه، لما ذكرتها، فمعذرة إلى القراء. وأما من كان عنده شيءٌ من الفقه، فإنه يسلِّم بحرمة البناء والرفع والتجصيص ونحوه في غير الملك، ولكنه يقتصر في الملك على الكراهية قائلًا: إن الأصل المقرر أن للإنسان أن يصنع في ملكه ما يشاء، ولكن لما كان البناء ونحوه خلاف السنة، وفيه إضاعة مال، وتشييد ما هو محلٌّ للبِلى،

стр. 63

كان مكروهًا، وعلى مدَّعي الحُرْمة البيان (١). وعليه، فلنشرع في ذكر أدلة النهي عن البناء ونحوه، ثم نبين دلالتها على الحُرْمة. قد تقدم حديث فَضالة في الأمر بتسوية القبور (٢)، وحققنا أن معناه: الأمر بأن تكون على الهيئة التي قررها لها الشارع، وأن الهيئة التي قررها لها الشارع هي ما تقتضيه الفطرة في ردِّ تراب الحفرة إليها، وجمعه على ظهر الحفرة، فيصير القبر بطبيعة الحال مسنَّمًا مرتفعًا عن الأرض نحو شبر [ص ٧٣] باعتبار وسطه، ولكنه إذا اتفق أن كان التراب الخارج من الحفرة، إذا جُمِع كلّه على ظهرها ينشأ عنه ارتفاع فوق الشبر، اقتضت التسوية تخفيفه. وسيأتي في فصل إزالة الإشراف عن القبور حديث علي ﵁،

стр. 64

في الأمر بتسوية القبور المشرفة (١)، ومعناه واضح أن المراد إزالة إشرافها، وإعادتها إلى الهيئة السويَّة التي قررها الشارع، وقد حققناها في حديث فضالة. وكلا الحديثين يدلُّ على النهي عن البناء على القبور، ونحوه. أما إذا كان البناء على حدود القبر القريبة، بحيث يكون طوله نحو ستة أذرع، وعرضه نحو أربعة، [ص ٧٤] فلأنه يُطْلَق عليه قبرٌ غير مسوًّى، ويطلق عليه: قبر مشرف، أي: مرتفع زيادة عن القدر المشروع، فيتناوله الأمر تناولًا أوّليًّا؛ لأنه إذا تناول ما جاوز الحد المشروع بزيادة قليل من التراب، فبزيادة أحجار وطين وحصى وغيره، من باب أولى. وأما دلالة الحديث على النهي عن التجصيص، فلأن القبر المجصص ليس على الهيئة التي قررها الشارع للقبور، فهو قبر غير مسوّى، فالأمر بتسوية القبر أمرٌ بعدم الجص، أو بإزالته. وأما إذا كان البناء بعيدًا عن القبر، محيطًا به، كالقبب الكبيرة، فبطريق القياس الجلي، سواء أكانت العلة هي كراهية إحكام موضع البلى أم تعظيم القبور. وهذا واضح، والله أعلم. [ص ٧٥] ولنا حديثٌ في النهي عن البناء ونحوه، رواه عن النبي ﵌ ثلاثة من الصحابة ﵃: جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وأم المؤمنين أم سلمة ﵃.

стр. 65

[ص ١٨] الأحاديث الواردة في النهي عن البناء على القبر وما في معناه ١ - في "صحيح مسلم" (١) عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵌ أن يُجَصَّص القبر، وأن يُبنى عليه، وأن يُقعد عليه". وفي رواية له (٢): "نهى عن تقصيص القبور". وأخرجه غير مسلم: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان (٣)، والحاكم في "المستدرك" (٤)، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي. وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى بعض الألفاظ المختلفة في الروايات. ٢ - أخرج ابن ماجه (٥) بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن النبي ﵌ نهى أن يُبْنى على القبر". وأخرجه أبو يعلى (٦) بسندٍ رجاله ثقات، كما في "مجمع الزوائد".

стр. 66

قال في "المجمع" (١): وعن أبي سعيد قال: "نهى نبي الله ﵌ أن يبنى على القبور، أو يُقْعَد عليها، أو يصلى عليها". قلت (الهيثمي): روى (٢) ابن ماجه: النهي عن البناء عليها فقط. ٣ - [ص ١٩] أخرج الإمام أحمد (٣) بسندٍ فيه ابن لهيعة عن أم سلمة قالت: "نهى رسول الله ﵌ أن يُبنى على القبور، أو تقصَّص". زاد في رواية مرسلة: "أو يجلس عليه" (٤). [١٩ ب] لمجيزي البناء ثلاث طرق في التفصّي من هذه الأحاديث: الأولى: الطعن في أسانيدها. الثانية: إنكار دلالتها على المقصود. الثالثة: المعارضة. [٢٠ أ] قالوا: أما الحديث الأول فهو من رواية أبي الزبير عن جابر (٥). * * * *

стр. 67

حديث جابر رواه عنه أبو الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس، وسليمان بن موسى الأموي الأشدق، وها نحن نذكر ما وقفنا عليه من الروايات. • [ص ٧٦] الإمام الهمام أحمد بن حنبل "مسند" (١) (جزء ٣/ص ٣٣٩): ثنا حجاج ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعت رسول الله ﵌ ينهى أن يَقْعد الرجلُ على القبر، أو يُقْصّص، أو يُبْنى عليه". الحديث مسلسل بالتصريح بالسماع، كما ترى. • النسائي في "سننه" (٢): أخبرنا يوسف بن سعيد حدثنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: "نهى رسول الله ﵌ عن تقصيص القبور، أو يُبنى عليها، أو يُجلس عليها". يوسف: قال عنه النسائي: ثقة حافظ. وقال ابن أبي حاتم: صدوق ثقة. (خلاصة وحواشيها). وحجاج: غير مدلس، فلا يضر عنعنته، وأما باقي السند، فمصرحٌ بالسماع كما ترى. • [ص ٧٧] البيهقي في "سننه" (٣): أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله

стр. 68

الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصّغاني ثنا حجاج يعني: ابن محمد، قال: قال ابن جُريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعت النبي ﵌ ينهى أن يقعد الرجل على القبر، أو يُقَصّص، أو يُبْنى عليه". "أبو عبد الله": هو الحاكم. "أبو العباس ... ثنا ... الصّغاني" صحح لهما الحاكم في "مستدركه"، وأقره الذهبي. "حجاج ... قال ابن جريج" حجاج غير مدلس، فقوله: "قال" محمولٌ على السماع، مع أنه ثبت عنه أنه لا يقول: "قال ابن جريج" إلا في السماع. قال النواوي في "تقريبه" (١)، [ص ٧٨] في النوع الرابع والعشرين ما لفظه ممزوجًا بشرحه للسيوطي: " (وأوضح العبارات: قال، أو ذكر، من غير لي أو لنا، وهو) مع ذلك (أيضًا محمولٌ على السماع إذا عُرِف اللقاء) وسلم من التدليس، (على ما تقدم في نوع المعضل) في الكلام على العنعنة (لاسيما إن عُرِف) من حاله (أنه لا يقول: قال، إلا فيما سمعه منه) كحجاج بن محمد الأعور، روى كتب ابن جريج عنه بلفظة: "قال ابن جريج"، فحملها الناس عنه، واحتجوا بها" ا? . مع أنه صحَّ عنه التصريح، كما مر في "مسند الإمام أحمد". • [ص ٧٩] مسلم في "صحيحه" (٢): وحدثني هارون بن عبد الله ثنا

стр. 69

حجاج بن محمد، ح، وحدثني محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق جميعًا عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعت النبي ﵌ يقول ... " بمثله. أي بمثل الحديث قبله، وسيأتي، ولفظه: قال: "نهى رسول الله ﵌ أن يُجَصَّص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه". هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع: ثقتان، لا مَطْعن فيهما. وعبد الرزاق: قيل: فيه شيءٌ من تشيُّعٍ كان فيه، ومن خللٍ في ضبطه بعد عماه. فأما التشيع؛ فكان خفيفًا، حتى صحَّ عنه تفضيل الشيخين على علي ﵃، وصح عنه أنه قال: "الرافضي كافر". ومع ذلك فليس هذا الحديث مما يتعلق بالتشيع. وأما ما طرأ على ضبطه بعد عماه، فلا يضر في هذا الحديث؛ لأن محمد بن رافع ليس ممن سمع منه بعد عماه. [ص ٨٠] ثم إن حجَّاجًا وعبد الرزاق غير مدلسين، فلا يضرّ قوله: "عن ابن جريج"، مع أنه قد صحَّ عن حجاج التصريح بالتحديث، كما مر في سند "المسند". وصحَّ عن عبد الرزاق أيضًا، كما في سند "المسند" الآتي عقب هذا. وقد أطلقوا أن ما في الصحيح من عنعنة المدلسين محمولٌ على السماع، كما سيأتي، وتأتي المناقشة فيه إن شاء الله. وبقية السند مصرح فيه بالسماع، كما ترى.

стр. 70

• الإمام أحمد في "مسنده" (١) (جزء ٣/ص ٢٩٥): ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعتُ النبي ﵌ ينهى أن يُقْعَد على القبر، وأن يُقَصص، وأن يُبْنى عليه". جميع السند مصرح فيه بالسماع، كما ترى. • [ص ٨١] أبو داود في "سننه" (٢): حدثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج ... إلخ بالسند والمتن الذي قبله. • الحاكم في "المستدرك" (٣): حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العنزي ثنا محمد بن عبد الرحمن الشامي ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو معاوية عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ عن تجصيص القبور، والكتابة فيها، والبناء عليها، والجلوس عليها". أقره الذهبي على تصحيحه، وفيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير، وقد صحّ عن كل منهما التصريح بالسماع، ولكن في هذه الرواية زيادة "النهي عن الكتابة" (٤).

стр. 71

• [ص ٨٢] الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١): حدثنا ربيع المؤذِّن قال: ثنا أسد قال ثنا محمد بن خازم عن ابن جُريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها". • [ص ٨٣] الترمذي في "سننه" (٢): حدثنا عبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصري حدثنا محمد بن ربيعة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى النبي ﵌ أن تُجَصَّص القبور، وأن يُكتب عليها، وأن يُبنى عليها، وأن توطأ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجهٍ عن جابر. أقول: عبد الرحمن بن الأسود ... (٣). ومحمد بن ربيعة وثقه ابن معين وأبو داود والدارقطني، ذكره في "الخلاصة" (٤) ولم يوصف بتدليس، فلا تضر عنعنته.

стр. 72

وأما عنعنة ابن جريج وأبي الزبير فقد صحَّ عن كلٍّ منهما التصريح بالسماع كما تقدم، لكن في هذه الرواية زيادة النهي عن الكتاب والتعبير بالوطء مكان الجلوس. • [ص ٨٤] "صحيح مسلم" (١): حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ثنا حفص بن غِياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ أن يُجصَّص القبر، وأن يُقعَد عليه، وأن يُبنى عليه". أبو بكر إمام، وحفص ثقة، إلا أنه ساء حفظه بعدما اسْتُقْضي، فإذا حدث من كتابه فهو حجة، لكنهم قالوا: إن صاحب الصحيح لا يروي عن مثل هذا إلا ما علم أنه حدَّث به عن كتابه، وسيأتي البحث في هذا إن شاء الله (٢). وعنعنة ابن جريج وأبي الزبير محمولةٌ على السماع، لصحة التصريح عنهما بالتحديث كما مر، مع ما ذكروا من أن كلّ ما في الصحيح من العنعنة عن المدلسين محمولةٌ على السماع، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى (٣). • [ص ٨٥] الحاكم في "المستدرك" (٤): حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي ثنا سَلْم بن جُنادة بن سَلْم القرشي ثنا حفص بن غِياث النَّخَعي ثنا ابن جُريج عن

стр. 73

أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ أن يُبنى على القبر، أو يُجَصّص، أو يُقعد عليه، ونهى أن يُكتب عليه". صححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي. قال الحاكم: وقد خرجته بإسناده "غير الكتابة"، فإنها لفظة صحيحة غريبة. أقول: قد تقدم حال حفص، والعنعنة، لكن في هذه الرواية زيادة النهي عن الكتابة، ولا يقال: لعلها من رواية حفص بعد ما اسْتُقضي من حفظه، إذ قد تابعه في روايتها عن ابن جريج أبو معاوية عند الحاكم، ومحمد بن ربيعة عند الترمذي، ومحمد بن خازم (١) عند الطحاوي. • [ص ٨٧] (٢) الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣): حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا مسدد قال: ثنا حفص عن ابن جريج، فذكره بإسناده مثله. أقول: يعني مثل (٤) الحديث الذي قبله، وقد تقدم ولفظه: "نهى رسول الله ﵌ عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها". • [ص ٨٨] "صحيح مسلم" (٥): وحدثنا يحيى بن يحيى أنا إسماعيل بن

стр. 74

عُلَية عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نُهِي عن تقصيص القبور". فيه عنعنة أبي الزبير، قال الذهبي في "الميزان" (١): "وفي "صحيح مسلم" عدة أحاديث فيما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث، ففي القلب منها، فمن ذلك ... وحديث النهي عن تجصيص القبور، وغير ذلك" ا? . أقول: كذا في النسخة "عن تجصيص" بالجيم، وإنما هو "تقصيص" بالقاف، فإنه هكذا في "صحيح مسلم"، وإن رواه غيره بالجيم، كما سيأتي، والمعنى واحد، ولكن ربما يتوهم أن مراد الذهبي بحديث النهي عن تجصيص القبور الحديث الذي فيه النهي بهذا اللفظ، وهو الحديث المطول الذي مرّ، وليس كذلك؛ لأن الحديث المطوَّل قد صرَّح فيه بالسماع، كما تقدم. [ص ٨٩] والجواب عما قاله الذهبي: أنه يبعد جدًّا أن يدلس أبو الزبير حديث النهي عن التقصيص، أو التجصيص، وهو مسموعٌ له في ضمن الحديث الطويل، وأي حاجة تدعوه إلى التدليس؟ والذي يظهر لي: أنه عرض لأبي الزبير ما يخص تقصيص القبور فقط دون البناء والجلوس والوطء والكتابة والزيادة، كأن سئل عن تقصيص القبور، أو رأى قبرًا مقصصًا، أو ذكر له ذلك، فاحتاج أن يستدل على النهي عن تقصيص القبور، وأراد الاختصار، أو كان المقام ضيقًا، أو نحو ذلك. فاختصر الحديث اقتصارًا على موضع الحاجة.

стр. 75

[ص ٩٠] وسيأتي في رواية النسائي وابن ماجه التصريح بأن الناهي هو رسول الله ﵌، وهو واضحٌ وإن لم يصرح به؛ لأن جابرًا لم يكن يخبر بنهي عن رسول الله ﵌، مع سماعه النهي منه ﵌. وفوقَ ذلك، فقول الصحابي: "نُهينا عن كذا" بدون ذكر الناهي، مرفوعٌ على الصحيح. ثم قول الذهبي: "ففي القلب منها" يدل أنه لا يوافق الجمهور على أن كل ما في الصحيح من العنعنة عن المدلسين محمولٌ على السماع، وفيه بحث ليس هذا موضعه؛ لأن محل الخلاف إذا كان في الأحاديث الأصول لا المتابعات. قال في "فتح المغيث" (١) (ص ٧٧) طبع الهند: "ولكن هو ــ كما قال ابن الصلاح وتبعه النووي وغيره ــ محمولٌ على ثبوت السماع عنده فيه من طرق أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات ... " إلخ. [ص ٩١] (٢) وحديث مسلم المعنعن ليس من أحاديث الأصول، بل هو متابعة لحديثه المصرّح فيه بالسماع، وقد تقدم. • [ص ٩٢] النسائي في "سننه" (٣): أخبرنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ عن تجصيص القبور".
следующие страницы →