← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 3328

أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي ت عبد الخالق

أبو بكر البيهقي

Полный текст (531 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: «أَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ- أَرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَقَالَ: «إنْ كَانَ خَوْفًا «١» أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ: صَلُّوا رِجَالًا وَرُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» . قَالَ: فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى مَا وَصَفْتُ. مِنْ أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي الْمَكْتُوبَةِ عَلَى فَرْضِهَا أَبَدًا، إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ إلَيْهَا، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمُسَايَفَةِ وَالْهَرَبِ وَمَا كَانَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ [إلَيْهَا] وَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ فِي هَذَا أَنْ لَا تُتْرَكَ [الصَّلَاةُ] فِي وَقْتِهَا كَيْفَ مَا أَمْكَنَتْ الْمُصَلِّي» . «فَصْلٌ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي إبْطَالِ الِاسْتِحْسَانِ وَاسْتَشْهَدَ فِيهِ بِآيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ» (أَنَا) أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ﵀ قَالَ: «حُكْمُ اللَّهِ، ثُمَّ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ- دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزَ لِمَنْ اسْتَأْهَلَ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا أَوْ مُفْتِيًا: أَنْ يَحْكُمَ وَلَا أَنْ يُفْتِيَ إلَّا مِنْ جِهَةِ خَبَرٍ لَازِمٍ- وَذَلِكَ: الْكِتَابُ، ثُمَّ السُّنَّةُ.- أَوْ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، أَوْ قِيَاسٌ عَلَى بَعْضِ هَذَا. وَلَا يَجُوزُ لَهُ: أَنْ يَحْكُمَ وَلَا يُفْتى بالاستحسان إِذْ «٢» لَمْ يَكُنْ الِاسْتِحْسَانُ وَاجِبًا، وَلَا فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي» . وَذَكَرَ- فِيمَا احْتَجَّ بِهِ- قَوْلُ اللَّهِ : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً: ٧٥- ٣٦) [قَالَ] «فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ (السُّدَى) الَّذِي لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى. وَمَنْ أَفْتَى أَو حكم بمالم يُؤْمَرْ بِهِ فَقَدْ اخْتَارَ» لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ فِي مَعَانِي السُّدَى- وَقَدْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَمْ يُتْرَكْ

стр. 37

سُدًى- وَرَأَى «١» أَنْ قَالَ أَقُولُ مَا شِئْتُ وَادَّعَى مَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِخِلَافِهِ. قَالَ اللَّهُ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) لِنَبِيِّهِ ﷺ : (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ: ٦- ١٠٦) وَقَالَ تَعَالَى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ: ٥- ٤٩) ثُمَّ جَاءَهُ قَوْمٌ، فَسَأَلُوهُ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهِمْ فَقَالَ «أُعْلِمُكُمْ غَدًا» . (يَعْنِي: أَسْأَلُ جِبْرِيلَ ﵇، ثُمَّ أُعْلِمُكُمْ) . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ: ١٨- ٢٣- ٢٤) . وَجَاءَتْهُ امْرَأَةُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، تَشْكُو إلَيْهِ أَوْسًا، فَلَمْ يُجِبْهَا حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها: ٥٨- ١) وَجَاءَهُ الْعَجْلَانِيُّ يَقْذِفُ «٢» امْرَأَتَهُ فَقَالَ: «لَمْ ينزل فيكما» وانتظر الْوَحْيَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: دعاهما، وَلَا عَن بَيْنَهُمَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ » وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ، فِي رَدِّ الْحُكْمِ بِمَا اسْتَحْسَنَهُ الْإِنْسَانُ، دُونَ الْقِيَاسِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ «٣» . «فَصْلٌ فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْهُ مِنْ التَّفْسِيرِ وَالْمَعَانِي فِي آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ» (أَنَا) أَبُو سَعِيدٍ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ: ٤٦- ٩) . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : أَنْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ. يَعْنِي: «وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» مَا تَقَدَّمَ

стр. 38

مِنْ ذَنْبِهِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَمَا تَأَخَّرَ أَنْ يَعْصِمَهُ فَلَا يُذْنِبُ، يَعْلَمُ [اللَّهُ] مَا يُفْعَلُ بِهِ مِنْ رِضَاهُ عَنْهُ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسَيِّدُ الْخَلَائِقِ» . وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدَانَ الْكَرْمَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي إِسْمَاعِيل الْعلوِي ببخارا «١» ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ ابْن حَسَّانَ الْمِصْرِيَّ، بِمَكَّةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُزَنِيّ يَقُولُ: سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ: ٤٨- ١- ٢) قَالَ: «مَعْنَاهُ- مَا تَقَدَّمَ-: مِنْ ذَنْبِ أَبِيكَ آدَمَ- وَهَبْتُهُ لَكَ وَمَا تَأَخَّرَ-: مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِكَ- أُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِكَ» . قَالَ الشَّيْخُ ﵀: وَهَذَا قَوْلٌ مُسْتَظْرَفٌ وَاَلَّذِي وَضَعَهُ الشَّافِعِيُّ- فِي تَصْنِيفِهِ- أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُتَكَلِّمَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَحْمَدَ السَّامَاقِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْن عَبْدِ الْحَكَمِ، يَقُولُ: «سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ: أَيُّ آيَةٍ أَرْجَى؟ قَالَ: «قَوْله تَعَالَى: (يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ: ٩٠- ١٥- ١٦) » . (أَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُتَكَلِّمُ، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبُسْتِيُّ، حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ حَرْبٍ الْبَغْدَادِيُّ: «أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ سُئِلَ بِمَكَّةَ فِي الطَّوَافِ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ: ٥- ١١٨) . قَالَ: «إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ وَتُؤَخِّرْ فِي آجَالِهِمْ: فَتَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ» .

стр. 39

(أَنَا) أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَحْمَدَ الْخَلَّاطِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: «سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ: ٢- ١٥٥) قَالَ: «الْخَوْفُ: خَوْفُ الْعَدُوِّ وَالْجُوعُ: جُوعُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَنَقْصٌ مِنْ الْأَمْوَالِ: الزَّكَوَاتُ وَالْأَنْفُسُ: الْأَمْرَاضُ، وَالثَّمَرَاتُ: الصَّدَقَاتُ، وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ عَلَى أَدَائِهَا» . (أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنِي، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِد الْحَافِظ الأسترآبادي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ مُحَمَّدَ بن عقيل الفاريابي، يَقُولُ: قَالَ الْمُزَنِيّ وَالرَّبِيعُ: «كُنَّا يَوْمًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، إذْ جَاءَ شَيْخٌ، فَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: سَلْ. قَالَ: أَيْشٍ الْحُجَّةُ فِي دِينِ اللَّهِ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كِتَابُ اللَّهِ قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالَ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالَ: اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ. قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ قُلْتَ اتِّفَاقَ الْأُمَّةِ، مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ فَتَدَبَّرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ سَاعَةً. فَقَالَ الشَّيْخُ: أَجَّلْتُكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَتَغَيَّرَ لَوْنُ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَلَمْ يَخْرُجْ أَيَّامًا. قَالَ: فَخَرَجَ مِنْ الْبَيْتِ [فِي] الْيَوْم الثَّالِث، فَلم يَكُنْ بِأَسْرَعَ أَنْ جَاءَ الشَّيْخُ فَسَلَّمَ فَجَلَسَ، فَقَالَ: حَاجَتِي؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ : نَعَمْ أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّهُ : (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً «١» : ٤- ١١٥) . لَا يُصْلِيهِ جَهَنَّمَ عَلَى

стр. 40

خِلَافِ [سَبِيلِ] الْمُؤْمِنِينَ، إلَّا وَهُوَ فَرْضٌ. قَالَ: فَقَالَ: صَدَقْتَ. وَقَامَ وَذَهَبَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيْهِ» . وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ أَبْسَطُ مِنْ هَذِهِ، نَقَلْتُهَا فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ. (أَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ ابْن الْحَارِثِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الضَّحَّاكِ (الْمَعْرُوفَ بِابْنِ بَحْرٍ) يَقُولُ: سَمِعْتُ إسْمَاعِيلَ بْنَ يَحْيَى الْمُزَنِيّ، يَقُولُ: «سَمِعْتُ ابْنَ هَرَمٍ الْقُرَشِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ : (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ: ٨٣- ١٥) . قَالَ: فَلَمَّا حَجَبَهُمْ فِي السَّخَطِ: كَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ فِي الرِّضَا» . (أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ الْقَاضِي. أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْن زِيَادٍ: قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَحْيَى السَّاجِيُّ (أَوْ فِيمَا أَجَازَ لِي مُشَافَهَةً) قَالَ: ثَنَا. الرَّبِيعُ، قَالَ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمَشِيئَةُ لَهُ دُونَ خَلْقِهِ وَالْمَشِيئَةُ: إرَادَةُ اللَّهِ. يَقُولُ اللَّهُ : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ: ٧٦- ٣٠ و٨١- ٢٩) . فَأَعْلَمَ خَلْقَهُ: أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ» . (أَنَا) ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنْظَلِيُّ، نَا أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَيْمُونِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ لَيْلَةً لِلْحُمَيْدِيِّ: «مَا يُحَجُّ عَلَيْهِمْ (يَعْنِي عَلَى أَهْلِ الْإِرْجَاءِ) بِآيَةٍ أَحَجُّ مِنْ قَوْلِهِ (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ: ٩٨- ٥) » . قَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَاضِي- فِيمَا أَخْبَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

стр. 41

مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ النَّضْرِ: أَنَا ابْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ : (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ. ٣٠- ٢٧) . قَالَ: مَعْنَاهُ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِبْرَةِ عِنْدَكُمْ، لَمَّا «١» كَانَ يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَخْرُجُ مُفَصَّلًا بِعَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ، وَسَمْعِهِ وَمَفَاصِلِهِ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الْعُرُوقِ. فَهَذَا- فِي الْعِبْرَةِ- أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَقُولَ لِشَيْءٍ قَدْ كَانَ: عُدْ إلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: فَهُوَ إنَّمَا هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِبْرَةِ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ أَنَّ شَيْئًا يَعْظُمُ عَلَى اللَّهِ » . (أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ. أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا: مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، فَحُرِّمَ من أجل مسئلته.» . قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَقَالَ اللَّهُ : (لَا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ- إلَى قَوْلِهِ - بِها كافِرِينَ «٢» : ٥- ١٠١- ١٠٢) قَالَ: كَانَتْ الْمَسَائِلُ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ- إذَا كَانَ الْوَحْيُ يَنْزِلُ- مَكْرُوهَةً لِمَا ذَكَرْنَا: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَغَيْرِهِ: مِمَّا فِي مَعْنَاهُ. وَمَعْنَى كَرَاهَةِ ذَلِك: ان يسئلوا عَمَّا لَمْ يُحَرَّمْ: فَإِنْ حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ حُرِّمَ أَبَدًا، إلَّا أَنْ يَنْسَخَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ فِي كِتَابِهِ، أَوْ يُنْسَخَ- عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ- سنة بِسنة» . [فِي معنى الْأمة] (أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَنْجَوَيْهِ، بِالدَّامِغَانِ، نَا الْفَضْلُ

стр. 42

ابْن الْفَضْلِ الْكِنْدِيُّ، ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ابْنَ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ) يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: قَوْله تَعَالَى: (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ: ٤٣- ٢٢) قَالَ: عَلَى دِينٍ. وقَوْله تَعَالَى: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ: ١٢- ٤٥) ، قَالَ: بَعْدَ زَمَانٍ. وقَوْله تَعَالَى: (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ: ١٦- ١٢٠) قَالَ: مُعَلِّمًا.» (أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ الْفَارِسِيُّ الْمُفَسِّرُ. أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ ابْن الْحَسَنِ الْبُسْتَانِيُّ بِشِيرَازَ، نَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ﵀ ، أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ: قَالَ عِكْرِمَةُ لَابْنِ عَبَّاسٍ: «إنَّ ابْنَ عُمَرَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ: ٢- ٢٨٤) فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهُ لَئِنْ أَخَذَنَا اللَّهُ بِهَا لَنَهْلِكَنَّ.» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا- حِينَ نَزَلَتْ- مَا وَجَدَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها الْآيَةُ «١» : ٢- ٢٨٦) مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. وَكَانَ حَدِيثُ النَّفْسِ مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ.

стр. 43

«فَصْلٌ فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْهُ مِنْ التَّفْسِيرِ وَالْمَعَانِي فِي الطَّهَارَاتِ وَالصَّلَوَاتِ» (أَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ﵀ قَالَ: «قَالَ الله جلّ ثناءه: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) إلَى قَوْلِهِ «١» : (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا: ٥- ٦) قَالَ: وَكَانَ «٢» بَيِّنًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِالْآيَةِ: أَنَّ غُسْلَهُمْ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمَاءِ [ثُمَّ] أَبَانَ اللَّهُ فِي [هَذِهِ] الْآيَةِ: أَنَّ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ. وَكَانَ مَعْقُولًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِالْآيَةِ: [أَنَّ الْمَاءَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ﵎ مِمَّا لَا صَنْعَةَ فِيهِ لِلْآدَمِيِّينَ «٣» ] . وَذَكَرَ الْمَاءَ عَامًّا فَكَانَ مَاءُ السَّمَاءِ، وَمَاءُ الْأَنْهَارِ، وَالْآبَارِ، وَالْقُلَّاتِ «٤» ، وَالْبِحَارِ. الْعَذْبُ مِنْ جَمِيعِهِ، وَالْأُجَاجُ سَوَاءٌ: فِي أَنَّهُ يُطَهِّرُ مَنْ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ بِهِ» . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) «لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْوَجْهَ الْمَفْرُوضَ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ: مَا ظَهَرَ دُونَ مَا بَطَنَ. وَقَالَ: وَكَانَ مَعْقُولًا: أَنَّ الْوَجْهَ: مَا دُونَ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ، إلَى الْأُذُنَيْنِ وَاللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ» وَفِي قَوْله تَعَالَى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) قَالَ: «فَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا [فِي] أَنَّ الْمَرَافِقَ فِيمَا «٥» يُغْسَلُ. كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى [أَنَّ] مَعْنَاهَا: فَاغْسِلُوا أَيْدِيكُمْ إلَى أَنْ تُغْسَلَ الْمَرَافِقُ.

стр. 44

وَفِي قَوْله تَعَالَى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) قَالَ: «وَكَانَ مَعْقُولًا فِي الْآيَةِ أَنَّ مَنْ مَسَحَ مِنْ رَأْسِهِ شَيْئًا فَقَدْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَلَمْ تَحْتَمِلْ الْآيَةُ إلَّا هَذَا- وَهُوَ أَظْهَرُ مَعَانِيهَا- أَوْ مَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ قَالَ: فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ مَسْحُ رَأْسِهِ كُلِّهِ. وَإِذَا دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ فَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ مَنْ مَسَحَ شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ» . وَفِي قَوْله تَعَالَى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: «نَحْنُ نَقْرَؤُهَا (وَأَرْجُلَكُمْ) عَلَى مَعْنَى: اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وأرجلكم وامسحوا برؤسكم قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْكَعْبَيْنِ- اللَّذَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْوُضُوءِ- الْكَعْبَانِ النَّاتِئَانِ- وَهُمَا مَجْمَعُ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ- وَأَنَّ عَلَيْهِمَا الْغُسْلَ. كَأَنَّهُ يَذْهَبُ فِيهِمَا إلَى اغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ حَتَّى تَغْسِلُوا الْكَعْبَيْنِ» . وَقَالَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ «وَالْكَعْبُ إنَّمَا سُمِّيَ كَعْبًا لِنُتُوئِهِ فِي مَوْضِعِهِ عَمَّا تَحْتَهُ وَمَا فَوْقَهُ. وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ الْمُجْتَمِعِ مِنْ السِّمَنِ، كَعْبٌ سَمِنَ «١» وَلِلْوَجْهِ فِيهِ نُتُوءٌ وَجْهٌ كَعَبَ والثدي إِذا تناهدا كَعَبَ.» . قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي رِوَايَتِنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «وَأَصْلُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَأْتِي بِالْغُسْلِ كَيْفَ شَاءَ وَلَوْ قَطَعَهُ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا: ٤- ٤٣) «٢» فَهَذَا مُغْتَسَلٌ وَإِنْ قَطَعَ الْغُسْلَ فَلَا أَحْسبهُ يجور- إذَا قَطَعَ الْوُضُوءَ- إلَّا مِثْلُ هَذَا» . قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ، وَبَدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ. فَأَشْبَهَ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ فِي الْوُضُوءِ شَيْئَانِ [أَنْ] يَبْدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ ثُمَّ رَسُولُهُ ﷺ بِهِ مِنْهُ، وَيَأْتِي عَلَى إكْمَالِ

стр. 45

مَا أَمَرَ بِهِ «١» وَشَبَّهَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ: ٢- ١٥٨) . فَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّفَا، وَقَالَ «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: «وَذَكَرَ اللَّهُ الْيَدَيْنِ مَعًا وَالرِّجْلَيْنِ مَعًا، فَأُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيُمْنَى وَإِنْ بَدَأَ بِالْيُسْرَى فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَفِي قَوْلِ اللَّهِ : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: «فَكَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَكَانَتْ مُحْتَمِلَةً أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي خَاصٍّ. فَسَمِعْتُ بَعْضَ مَنْ أَرْضَى عِلْمَهُ بِالْقُرْآنِ، يَزْعُمُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِينَ مِنْ النَّوْمِ وَأَحْسَبُ مَا قَالَ كَمَا قَالَ. لِأَنَّ [فِي] السُّنَّةِ دَلِيلًا عَلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ مَنْ قَامَ مِنْ نَوْمِهِ «٢» . قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فَكَانَ الْوُضُوءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ- بِدَلَالَةِ السُّنَّةِ- عَلَى مَنْ لَمْ يُحْدِثْ غَائِطًا وَلَا بَوْلًا دُونَ مَنْ أَحْدَثَ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا. لِأَنَّهُمَا نَجَسَانِ يَمَاسَّانِ بَعْضَ الْبَدَنِ. يَعْنِي فَيَكُونُ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءُ «٣» فَيَسْتَنْجِي بِالْحِجَارَةِ أَوْ الْمَاءِ قَالَ وَلَوْ جَمَعَهُ رَجُلٌ ثُمَّ غَسَلَ بِالْمَاءِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ. وَيُقَالُ إنَّ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَارِ اسْتَنْجَوْا بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: (فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ: ٩- ١٠٨) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَمَعْقُولٌ- إذْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْغَائِطَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ أَنَّ الْغَائِطَ. التَّخَلِّي فَمَنْ تَخَلَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ» . ثُمَّ ذَكَرَ الْحُجَّةَ مِنْ غَيْرِ الْكِتَابِ، فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ بِالرِّيحِ، وَالْبَوْلِ، وَالْمَذْيِ، وَالْوَدْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ سَبِيلِ الْحَدَثِ «٤»

стр. 46

وَفِي قَوْله تَعَالَى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ: ٤- ٤٣ و٥- ٦) قَالَ الشَّافِعِيُّ: «ذَكَرَ اللَّهُ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ مَنْ «١» قَامَ مِنْ مَضْجَعِ النَّوْمِ.» وَذَكَرَ طَهَارَةَ الْجُنُبِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) . فَأَشْبَهَ: أَنْ يَكُونَ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ الْغَائِطِ، وَأَوْجَبَهُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا مَوْصُولَةً بِالْغَائِطِ بَعْدَ ذِكْرِ الْجَنَابَةِ فَأَشْبَهَتْ الْمُلَامَسَةُ أَنْ تَكُونَ اللَّمْسَ بِالْيَدِ وَالْقُبَلَ غَيْرَ الْجَنَابَةِ» . ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِآثَارٍ ذَكَرَهَا «٢» . قَالَ الرَّبِيعُ: اللَّمْسُ بِالْكَفِّ أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ. وَالْمُلَامَسَةُ: أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ فَلَا يَقْلِبُهُ وَقَالَ الشَّاعِرُ «٣» : فَأَلْمَسْتُ كَفِّي كَفَّهُ أَطْلُبُ الْغِنَى وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي فَلَا أَنَا، مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الْغِنَى [أَفَدْتُ] وَأَعْدَانِي فَبَدَّدْتُ «٤» مَا عِنْدِي هَكَذَا وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِي وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الشَّافِعِيُّ «٥» ، أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أَنَا: الْحُسَيْنُ بْنُ رَشِيقٍ الْمِصْرِيُّ إجَازَةً، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْن حَرِيرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ «٦» (أَنَا) أَبُو سَعِيدٍ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا: ٤- ٤٣) . فَأَوْجَبَ

стр. 47

(جَلَّ ثَنَاؤُهُ) الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَكَانَ مَعْرُوفًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الْجَنَابَةَ: الْجِمَاعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْجِمَاعِ مَاءٌ دَافِقٌ. وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي حَدِّ الزِّنَا، وَإِيجَابِ الْمَهْرِ، وَغَيْرِهِ وَكُلُّ مَنْ خُوطِبَ: بِأَنَّ فُلَانًا أَجْنَبَ مِنْ فُلَانَةَ عَقَلَ أَنَّهُ أَصَابَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَرِفًا» . يَعْنِي أَنَّهُ «١» لَمْ يُنْزِلْ. وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَكَانَ فَرْضُ اللَّهِ الْغُسْلَ مُطْلَقًا: لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ شَيْءٍ فَإِذَا جَاءَ الْمُغْتَسِلُ [بِالْغُسْلِ «٢» ] أَجْزَأَهُ- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- كَيْفَمَا جَاءَ بِهِ- وَكَذَلِكَ «٣» لَا وَقْتَ فِي الْمَاءِ فِي الْغُسْلِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِغُسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهِ» . (أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) . قَالَ الشَّافِعِيُّ: نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، انْحَلَّ عِقْدٌ لِعَائِشَةَ ﵂، فَأَقَامَ النَّاسُ عَلَى الْتِمَاسِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ عَدَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي وَغَيْرُهُمْ» . [ثُمَّ] رَوَى فِيهِ حَدِيثَ مَالِكٍ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ. (أَنَا) أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: «قَالَ اللَّهُ ﵎: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) قَالَ: وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ صَعِيدٍ لَمْ يُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ، فَهُوَ: صَعِيدٌ طَيِّبٌ يُتَيَمَّمُ بِهِ. وَلَا يَقَعُ اسْمُ صَعِيدٍ إلَّا عَلَى تُرَابٍ ذِي غُبَارٍ فَأَمَّا الْبَطْحَاءُ

стр. 48

الْغَلِيظَةُ وَالرَّقِيقَةُ وَالْكَثِيبُ الْغَلِيظُ- فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَعِيدٍ «١» » . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الْآيَةُ) وَقَالَ فِي سِيَاقِهَا (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ [أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ] فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ] «٢» فَدَلَّ حُكْمُ اللَّهِ عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ التَّيَمُّمَ فِي حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: السَّفَرُ وَالْإِعْوَازُ مِنْ الْمَاءِ. وَالْآخَرُ. الْمَرَضُ «٣» فِي حَضَرٍ كَانَ أَوْ سَفَرٍ. وَدَلَّ [ذَلِكَ] عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُسَافِرِ طَلَبَ الْمَاءِ، لِقَوْلِهِ: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وَكَانَ كُلُّ مَنْ خَرَجَ مُجْتَازًا مِنْ بَلَدٍ إلَى غَيْرِهِ، يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ قَصُرَ السَّفَرُ أَوْ طَالَ. وَلَمْ أَعْلَمْ مِنْ السُّنَّةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ لِبَعْضِ «٤» الْمُسَافِرِينَ أَنْ يَتَيَمَّمَ دُونَ بَعْضٍ فَكَانَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا يَتَيَمَّمُ» قَالَ: وَإِذَا كَانَ مَرِيضًا بَعْضَ الْمَرَضِ: تَيَمَّمَ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا، أَوْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ أَوْ غَيْرَ وَاجِدٍ لَهُ «٥» وَالْمَرَضُ اسْمٌ جَامِعٌ لَمَعَانٍ لِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ فَاَلَّذِي سَمِعْتُ: أَنَّ الْمَرَضَ- الَّذِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَيَمَّمَ فِيهِ-: الْجِرَاحُ، وَالْقُرْحُ دُونَ الْغَوْرِ كُلِّهِ مِثْلُ الْجِرَاحِ لِأَنَّهُ يُخَافُ فِي كُلِّهِ- إذَا مَا مَسَّهُ الْمَاءُ- أَنْ يَنْطِفَ، فَيَكُونَ مِنْ النَّطْفِ التَّلَفُ، وَالْمَرَضُ الْمَخُوفُ» .

стр. 49

وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ (رِوَايَةُ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْهُ) : «يَتَيَمَّمُ إنْ خَافَ [إنْ مَسَّهُ الْمَاءُ «١» ] التَّلَفَ، أَوْ شِدَّةَ الضَّنَى» . وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ: «فَخَافَ، إنْ أَصَابَهُ الْمَاءُ، أَنْ يَمُوتَ، أَوْ يَتَرَاقَى «٢» عَلَيْهِ إلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لِلْمَرِيضِ التَّيَمُّمَ. وَقِيلَ: ذَلِكَ الْمَرَضُ: الْجِرَاحُ وَالْجُدَرِيُّ. وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا: مِنْ الْمَرَضِ- عِنْدِي مِثْلَهُمَا وَلَيْسَ الْحُمَّى وَمَا أَشْبَهَهَا-: مِنْ الرَّمَدِ وَغَيْرِهِ.- عِنْدِي، مِثْلَ ذَلِكَ.» قَالَ الشَّافِعِيُّ- فِي رِوَايَتِنَا: «جَعَلَ اللَّهُ الْمَوَاقِيتَ لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَبْلَهَا وَإِنَّمَا أَمَرَ «٣» بِالْقِيَامِ إلَيْهَا إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا وَكَذَلِكَ أَمَرَ «٤» بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَيْهَا، وَالْإِعْوَازِ مِنْ الْمَاءِ. فَمَنْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا، وَطَلَبَ الْمَاءَ لَهَا-: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ.» أَخْبَرَنَا، أَبُو سَعِيدٍ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ : «وَإِنَّمَا قُلْتُ: لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ بِمَاءٍ قَدْ تَوَضَّأَ بِهِ غَيْرُهُ. لِأَنَّ «٥» اللَّهَ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) يَقُولُ (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ٥- ٦) فَكَانَ مَعْقُولًا. أَنَّ الْوَجْهَ لَا يَكُونُ مَغْسُولًا إِلَّا بِأَن يبتدأ لَهُ بِمَاءٍ «٦» فَيُغْسَلَ بِهِ، ثُمَّ عَلَيْهِ فِي الْيَدَيْنِ عِنْدِي- مِثْلُ مَا عَلَيْهِ فِي الْوَجْهِ [من] أَن يبتدىء لَهما مَاءً فَيَغْسِلَهُمَا بِهِ. «٧» فَلَوْ أَعَادَ عَلَيْهِمَا الْمَاءَ

стр. 50

الَّذِي غَسَلَ بِهِ الْوَجْهَ-: كَانَ كَأَنَّهُ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَوَجْهِهِ، وَلَا يَكُونُ مُسَوِّيًا بَينهمَا، حَتَّى يبتدىء لَهُمَا الْمَاءَ، كَمَا ابْتَدَأَ لِلْوَجْهِ. وَأَنَّ «١» رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَخَذَ لِكُلِّ عُضْوٍ مَاءً جَدِيدًا.» . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ : «قَالَ اللَّهُ : (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) «٢» إلَى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ: ٥- ٦) . فَاحْتَمَلَ أَمْرُ اللَّهِ ﵎ بِغُسْلِ الْقَدَمَيْنِ: أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ مُتَوَضِّئٍ وَاحْتَمَلَ: أَنْ يَكُونَ عَلَى بَعْضِ الْمُتَوَضِّئِينَ دُونَ بَعْضٍ. فَدَلَّ مَسْحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ-: أَنَّهَا «٣» عَلَى مَنْ لَا خُفَّيْنِ عَلَيْهِ [إذَا هُوَ «٤» ] لَبِسَهُمَا عَلَى كَمَالِ طَهَارَةٍ. كَمَا دَلَّ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَصَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ-: عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مِمَّنْ «٥» قَامَ إلَى الصَّلَاةِ، عَلَى بَعْضِ الْقَائِمِينَ دُونَ بَعْضٍ، لَا: «٦» أَنَّ الْمَسْحَ خِلَافٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَا الْوُضُوءَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ «٧» .» . زَادَ- فِي رِوَايَتِي، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ الرَّبِيعِ، عَنْهُ-: «إنَّمَا يُقَالُ: «الْغُسْلُ كَمَالٌ، وَالْمَسْحُ رُخْصَةُ كَمَالٍ وَأَيَّهمَا شَاءَ فَعَلَ «٨» » .

стр. 51

أَنَا، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ «١» ) الْآيَةُ، وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى [أَنَّ «٢» ] الْوُضُوءَ مِنْ الْحَدَثِ. وَقَالَ اللَّهُ : (لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى، حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ، وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) الْآيَةُ «٣» . فَكَانَ الْوُضُوءُ عَامًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ «٤» الْأَحْدَاثِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ الْجُنُبَ بِالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ، دَلِيلًا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) عَلَى: أَنْ لَا يَجِبَ غُسْلٌ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ إلَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى غُسْلٍ وَاجِبٍ: فَنُوجِبُهُ بِالسُّنَّةِ: بِطَاعَةِ اللَّهِ فِي الْأَخْذِ بِهَا «٥» . وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَلَمْ أَعْلَمْ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلَى أَنْ يَجِبَ غُسْلٌ غَيْرُ الْجَنَابَةِ الْوُجُوبَ الَّذِي لَا يجزىء غَيْرُهُ. وَقَدْ رُوِيَ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ شَيْءٌ فَذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى غَيْرِ مَا قُلْنَا وَلِسَانُ الْعَرَبِ وَاسِعٌ» .

стр. 52

ثُمَّ ذَكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ، وَذَكَرَ تَأْوِيلَهُ، وَذَكَرَ السُّنَّةَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِهِ فِي الِاخْتِيَارِ، وَ [فِي] النَّظَافَةِ، وَنَفَى «١» تَغَيُّرَ الرِّيحِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ «٢» ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ «٣» . وَفِيمَا أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (إجَازَةً) عَنْ الرَّبِيعِ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: (رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) : «قَالَ اللَّهُ ﵎: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ. قُلْ: هُوَ أَذىً، فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ) الْآيَةُ «٤» . فَأَبَانَ: أَنَّهَا حَائِضٌ غَيْرُ طَاهِرٍ، وَأَمَرَنَا: أَنْ لَا نَقْرَبَ حَائِضًا حَتَّى تَطْهُرَ، وَلَا إذَا طَهُرَتْ حَتَّى تَتَطَهَّرَ «٥» بِالْمَاءِ، وَتَكُونُ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ» . وَفِي قَوْلِهِ : (فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: «قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ يَعْنِي فِي «٦» مَوَاضِعِ الْحَيْضِ. وَكَانَتْ الْآيَةُ مُحْتَمِلَةً لِمَا قَالَ وَمُحْتَمِلَةً: أَنَّ اعْتِزَالَهُنَّ: اعْتِزَالُ جَمِيعِ أَبْدَانِهِنَّ، وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلَى اعْتِزَالِ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ مِنْهَا، وَإِبَاحَةِ مَا فَوْقَهَا» .

стр. 53

قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَكَانَ مُبَيَّنًا «١» فِي قَوْلِ اللَّهِ : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) : أَنَّهُنَّ حُيَّضٌ فِي غَيْرِ حَالِ الطَّهَارَةِ «٢» ، وَقَضَى اللَّهُ عَلَى الْجُنُبِ: أَنْ لَا يَقْرَبَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَغْتَسِلَ، فَكَانَ مُبَيِّنًا: أَنْ لَا مُدَّةَ لِطَهَارَةِ الْجُنُبِ إلَّا الْغُسْلَ «٣» ، وَلَا مُدَّةَ لِطَهَارَةِ الْحَائِضِ إلَّا ذَهَابَ الْحَيْضِ، ثُمَّ الْغُسْلَ: لِقَوْلِ اللَّهِ : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، وَذَلِكَ: انْقِضَاءُ «٤» الْحَيْضِ: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) ، يَعْنِي: بِالْغُسْلِ لِأَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْحَائِضِ: الْغُسْلُ «٥» وَدَلَّتْ عَلَى بَيَانِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ: مِنْ أَنْ لَا تُصَلِّيَ الْحَائِضُ.» ، فَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ عَائِشَةَ ﵂ -: «أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» :-: يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تُصَلِّيَ «٦» حَائِضًا لِأَنَّهَا غَيْرُ طَاهِرٍ مَا كَانَ الْحَيْضُ قَائِمًا. وَلِذَلِكَ «٧» قَالَ اللَّهُ : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) .» قَالَ الشَّافِعِيُّ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ، وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) الْآيَتَيْنِ «٨» . فَلَمَّا لَمْ يُرَخِّصْ اللَّهُ «٩» فِي أَنْ تُؤَخَّرَ الصَّلَاةُ

стр. 54

فِي الْخَوْفِ، وَأَرْخَصَ: أَنْ يُصَلِّيَهَا الْمُصَلِّي كَمَا أَمْكَنَتْهُ رِجَالًا وَرُكْبَانًا «١» وَقَالَ: (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً: ٤- ١٠٣) وَكَانَ مَنْ عَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الْبَالِغِينَ، عَاصِيًا بِتَرْكِهَا: إذَا جَاءَ وَقْتُهَا وَذِكْرُهَا، [وَكَانَ غَيْرَ نَاسٍ لَهَا] «٢» وَكَانَتْ الْحَائِضُ بَالِغَةً عَاقِلَةً، ذَاكِرَةً لِلصَّلَاةِ، مُطِيقَةً لَهَا وَكَانَ «٣» حُكْمُ اللَّهِ: أَنْ لَا يَقْرَبَهَا زَوْجُهَا حَائِضًا وَدَلَّ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلَى أَنَّهُ إذَا حَرَّمَ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا لِلْحَيْضِ، حَرَّمَ عَلَيْهَا أَنْ تُصَلِّيَ-: كَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ «٤» [عَلَى] أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ زَائِلٌ عَنْهَا فَإِذَا زَالَ عَنْهَا- وَهِيَ ذَاكِرَةٌ عَاقِلَةٌ مُطِيقَةٌ-: لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ. وَكَيْفَ تَقْضِي مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهَا: بِزَوَالِ فَرْضِهِ عَنْهَا؟! وَهَذَا مَا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا» . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ﵀ ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَمِمَّا نَقَلَ بَعْضُ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ-: مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ-: أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فَرْضًا فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ)

стр. 55

(إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا: ٧٣- ١- ٤) . ثُمَّ نَسَخَ هَذَا فِي السُّورَةِ مَعَهُ، فَقَالَ: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) «١» قَرَأَ إلَى: (وَآتُوا الزَّكاةَ) : ٧٣- ٢٠) . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ بَعْدَ أَمْرِهِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ: نِصْفَهُ إلَّا قَلِيلًا، أَوْ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ فَقَالَ: (أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) ، فَخَفَّفَ، فَقَالَ: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى، وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ: ٧٣- ٢٠) :- كَانَ «٢» بَيِّنًا فِي كِتَابِ اللَّهِ نَسْخُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَنِصْفِهِ، وَالنُّقْصَانُ مِنْ النِّصْفِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ-: بِقَوْلِهِ : (فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) . ثُمَّ احْتَمَلَ قَوْلُ اللَّهِ : (فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) ، مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فَرْضًا ثَابِتًا، لِأَنَّهُ أُزِيلَ «٣» بِهِ فَرْضٌ غَيْرُهُ. (وَالْآخَرُ) : أَنْ يَكُونَ فَرْضًا مَنْسُوخًا: أُزِيلَ بِغَيْرِهِ، كَمَا أُزِيلَ بِهِ غَيْرُهُ. وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) الْآيَةُ «٤»

стр. 56

وَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) : أَنْ يَتَهَجَّدَ بِغَيْرِ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِ: مِمَّا تَيَسَّرَ مِنْهُ: فَكَانَ الْوَاجِبُ طَلَبَ الِاسْتِدْلَالِ بِالسُّنَّةِ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَوَجَدْنَا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا وَاجِبَ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا الْخَمْسَ، فَصِرْنَا: إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْخَمْسُ، وَأَنَّ مَا سِوَاهَا: مِنْ وَاجِبٍ: مِنْ صَلَاةٍ، قَبْلَهَا- مَنْسُوخٌ بِهَا، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) فَإِنَّهَا «١» نَاسِخَةٌ لِقِيَامِ اللَّيْلِ، وَنِصْفِهِ، وَثُلُثِهِ، وَمَا تَيَسَّرَ. وَلَسْنَا نُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَ «٢» ، أَنْ يَتَهَجَّدَ بِمَا يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: مِنْ كِتَابِهِ، مُصَلِّيًا [بِهِ] «٣» ، وَكَيْفَمَا أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا» . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ «٤» . أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ لَنَا الشَّافِعِيُّ ﵀. فَذَكَرَ مَعْنَى هَذَا بِلَفْظٍ آخَرَ «٥» ثُمَّ قَالَ: «وَيُقَالُ: نُسِخَ مَا وَصَفَتْ الْمُزَّمِّلُ «٦» ، بِقَوْلِ اللَّهِ : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) ، وَدُلُوكُ الشَّمْسِ: زَوَالُهَا (إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) : الْعَتَمَةُ، (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) : الصُّبْحُ، (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ)

стр. 57

(نافِلَةً لَكَ: ١٧- ٧٨، ٧٩) ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ نَافِلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ وَأَنَّ الْفَرَائِضَ فِيمَا ذَكَرَ: مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُقَالُ: فِي قَوْلِ اللَّهِ : (فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) : الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) : الصُّبْحُ، (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا) : الْعَصْرُ، (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) : الظُّهْرُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَا أَشْبَهَ مَا قِيلَ مِنْ هَذَا، بِمَا «١» قِيلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» . وَبِهِ «٢» قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «أَحْكَمَ اللَّهُ لِكِتَابِهِ «٣» : أَنَّ مَا فَرَضَ-: مِنْ الصَّلَوَاتِ.- مَوْقُوتٌ وَالْمَوْقُوتُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) : الْوَقْتُ الَّذِي نُصَلِّي فِيهِ، وَعَدَدُهَا. فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً: ٤- ١٠٣) . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ [قَالَ] : قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ اللَّهُ ﵎: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى، حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ: ٤- ٤٣) . قَالَ: يُقَالُ: نَزَلَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ. وَأَيُّمَا «٤» كَانَ نُزُولُهَا: قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ

стр. 58

أَوْ بَعْدَ [هـ] فَمَنْ صَلَّى سَكْرَانَ: لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ لِنَهْيِ اللَّهِ إيَّاهُ عَنْ الصَّلَاةِ، حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقُولُ وَإِنَّ «١» مَعْقُولًا: أَنَّ الصَّلَاةَ: قَوْلٌ، وَعَمَلٌ، وَإِمْسَاكٌ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ. وَلَا يُؤَدِّي هَذَا كَمَا أَمَرَ بِهِ، إلَّا مَنْ عَقَلَهُ «٢» » . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: (وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً: ٥- ٥٨) وَقَالَ: (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ: ٦٢- ٩) فَذَكَرَ اللَّهُ الْأَذَانَ لِلصَّلَاةِ، وَذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَكَانَ بَيِّنًا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) : أَنَّهُ أَرَادَ الْمَكْتُوبَةَ بِالْآيَتَيْنِ «٣» مَعًا وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَذَانَ لِلْمَكْتُوبَاتِ [وَلَمْ يَحْفَظْ عَنْهُ أَحَدٌ عَلِمْتُهُ: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْأَذَانِ لِغَيْرِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ «٤» ] » . أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ [فِي قَوْلِهِ «٥» : (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ: ٩٤- ٤) قَالَ: «لَا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرْتَ [مَعِي «٦» ] : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ: «يَعْنِي

стр. 59

(وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: ذِكْرُهُ عِنْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْأَذَانِ وَيُحْتَمَلُ: ذِكْرُهُ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الْعَمَلِ بِالطَّاعَةِ، وَالْوُقُوفِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ» . فَضْلِ التَّعْجِيل بالصلوات وَاحْتج فى فضل التَّعْجِيلِ بِالصَّلَوَاتِ- بِقَوْلِ اللَّهِ : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ: ١٧- ٧٨) وَدُلُوكُهَا: مَيْلُهَا. «١» وَبِقَوْلِهِ: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) : ٢٠- ١٤) وَبِقَوْلِهِ: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ: ٢- ٢٣٨) وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الشَّيْءِ: تَعْجِيلُهُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ «٢» : «وَمَنْ قَدَّمَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، كَانَ أَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مِمَّنْ أَخَّرَهَا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا «٣» » . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ (وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ٢- ٢٣٨) -: «فَذَهَبْنَا: إلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ. [وَكَانَ أَقَلُّ مَا فِي الصُّبْحِ «٤» ] إنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ-: أَنْ تَكُونَ مِمَّا أُمِرْنَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ.» . وَذَكَرَ- فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيّ، وَحَرْمَلَةَ- حَدِيثَ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَمْلَتْ عَلَيْهِ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ» ، ثُمَّ قَالَتْ: «سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «٥» » قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى، لَيْسَتْ صَلَاةَ

стр. 60

الْعَصْرِ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَرُوِيَ «١» عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا الصُّبْحُ وَإِلَى هَذَا نَذْهَبُ. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: الظُّهْرُ وَعَنْ غَيْرِهِ: الْعَصْرُ» . وَرُوِيَ فِيهِ حَدِيثًا «٢» عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ الشَّيْخُ «٣» : «الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: فِيمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْهُمَا فِيمَا بَلَغَهُ «٤» وَرَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ «٥» ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَطَاوُوسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ «٦» » . «وَرَوَيْنَا عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ ، قَالَ: «كُنَّا نَرَى أَنَّهَا صَلَاةُ الْفَجْرِ، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: يَقُولُ: «شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ «٧» حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَأَجْوَافَهُمْ نَارًا» . وَرِوَايَتُهُ فِي ذَلِكَ- عَنْ النَّبِيِّ ﷺ صَحِيحَةٌ، عَنْ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيِّ، وَغَيْرِهِ عَنْهُ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَبِهِ قَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهُ

стр. 61

ابْن عَمْرٍو «١» ، وَ [هُوَ] «٢» فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَائِشَةَ ﵃» . وَقَرَأْتُ [فِي] كِتَاب حَرْمَلَةَ، عَنْ الشَّافِعِيِّ- فِي قَوْلِ اللَّهِ : (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً: ١٧- ١٨) ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَشْهُودًا غَيْرُهُ» وَالصَّلَوَاتُ مَشْهُودَاتٌ، فَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ «٣» مَشْهُودًا بِأَكْثَرَ مِمَّا تُشْهَدُ بِهِ الصَّلَوَاتُ، أَوْ أَفْضَلُ، أَوْ مَشْهُودًا بِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ» . يُرِيدُ «٤» صَلَاةَ الصُّبْحِ. أَنَا أَبُو سَعِيدٍ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: «فَرَضَ اللَّهُ ﵎ الصَّلَوَاتِ وَأَبَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَدَدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَوَقْتَهَا، وَمَا يُعْمَلُ فِيهِنَّ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. وَأَبَانَ اللَّهُ : أَنَّ «٥» مِنْهُنَّ نَافِلَةً وَفَرْضًا فَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) الْآيَةُ «٦» . ثُمَّ أَبَانَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 62

( ﷺ فَكَانَ بَيِّنًا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) - إذَا كَانَ مِنْ الصَّلَاةِ نَافِلَةٌ وَفَرْضٌ، وَكَانَ الْفَرْضُ مِنْهَا مُؤَقَّتًا- أَنْ لَا تَجْزِي عَنْهُ صَلَاةٌ، إلَّا بِأَنْ يَنْوِيَهَا مُصَلِّيًا «١» » . وَبِهَذَا «٢» الْإِسْنَادِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ اللَّهُ ﵎: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ «٣» ] : ١٦- ٩٨) . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ- حِينَ يَفْتَتِحُ [قَبْلَ أُمِّ «٤» ] الْقُرْآنِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَأَيُّ كَلَامٍ اسْتَعَاذَ بِهِ، أَجْزَأَهُ» . وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ- بِهَذَا الْإِسْنَاد: «ثمَّ يبتدىء، فَيَتَعَوَّذُ، وَيَقُولُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ أَوْ يَقُولُ: أَعُوذ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ [مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ «٥» ) أَوْ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ يَحْضُرُونِ. لِقَوْلِ اللَّهِ . (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ- فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ: «قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: (وَلَقَدْ)

стр. 63

(آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ: ١٥- ٨٧) . وَهِيَ: أُمُّ الْقُرْآنِ: أَوَّلُهَا: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) » . أَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ- فِي آخَرِينَ- قَالُوا: أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ ابْن يَعْقُوبَ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي [عَنْ «١» ] سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ [فِي قَوْلِهِ «٢» ] : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ، [قَالَ] : «هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ» . قَالَ أَبِي: «وَقَرَأَهَا عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الْآيَةُ السَّابِعَةُ. قَالَ سَعِيدٌ: وَقَرَأَهَا علىّ ابْن عَبَّاس، كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ، ثُمَّ قَالَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الْآيَةُ السَّابِعَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَخَرَهَا [اللَّهُ «٣» ] لَكُمْ، فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ- فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ عَنْهُ: «وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَفْعَلُهُ (يَعْنِي «٤» : يفْتَتح الْقِرَاءَة بِبسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.) ، وَيَقُولُ: انْتَزَعَ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ خَيْرَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ. وَكَانَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَعْرِفُ خَتْمَ السُّورَةِ، حَتَّى تَنْزِلَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .» .

стр. 64

أَنَا أَبُو سَعِيدٍ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ [قَالَ «١» ] «قَالَ اللَّهُ ﵎ لِنَبِيِّهِ ﷺ : (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ٧٣- ٤) ، فَأَقَلُّ التَّرْتِيلِ: تَرْكُ الْعَجَلَةِ فِي الْقُرْآنِ عَنْ الْإِبَانَةِ. وَكُلَّمَا «٢» زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْإِبَانَةِ فِي الْقُرْآنِ، كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ: مَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِيهِ تَمْطِيطًا» . قَرَأْتُ فِي كِتَابِ «الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ» - فِيمَا رَوَاهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيّ، عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ فَرْضَ الْقِبْلَةِ بِمَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي نَاحِيَةٍ يَسْتَقْبِلُ مِنْهَا الْبَيْتَ [الْحَرَامَ] ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، مُوَلِّيًا عَنْ الْبَيْت الْحَرَام سنة عَشَرَ شَهْرًا-: وَهُوَ يُحِبُّ: لَوْ قَضَى اللَّهُ إلَيْهِ بِاسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ. لِأَنَّ فِيهِ مَقَامُ أَبِيهِ إبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَهُوَ: الْمَثَابَةُ لِلنَّاسِ وَالْأَمْنُ، وَإِلَيْهِ الْحَجُّ وَهُوَ: الْمَأْمُورُ بِهِ: أَنْ يُطَهَّرَ لِلطَّائِفِينَ، وَالْعَاكِفِينَ، وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. مَعَ كَرَاهِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا وَافَقَ الْيَهُودَ فَقَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: «لَوَدِدْتُ أَنَّ رَبِّي صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ إلَى غَيْرِهَا» فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ: ٢- ١١٥) .- يَعْنِي (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ، فَثَمَّ الْوَجْهُ الَّذِي وَجَّهَكُمْ اللَّهُ إلَيْهِ «٣» فَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇ لِلنَّبِيِّ ﷺ «يَا مُحَمَّدُ أَنَا عَبْدٌ مَأْمُورٌ

стр. 65

مِثْلُكَ، لَا أَمْلِكُ شَيْئًا فَسَلْ اللَّهَ» . فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ: أَنْ يُوَجِّهَهُ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَصَعِدَ جِبْرِيلُ ﵇ إلَى السَّمَاءِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُدِيمُ طَرَفَهُ إلَى السَّمَاءِ: رَجَاءَ أَنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِمَا سَأَلَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «١» إلَى قَوْلِهِ: (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي: ٢- ١٤٤- ١٥٠) .» . «فِي قَوْلِهِ: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ٢- ١٤٤) ، يُقَالُ: يَجِدُونَ- فِيمَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ-: أَنَّ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ-: مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ﵈:- يَخْرُجُ مِنْ الْحَرَمِ، وَتَعُودُ قِبْلَتُهُ وَصَلَاتُهُ مَخْرَجَهُ. يَعْنِي «٢» : الْحَرَمَ» . وَفِي قَوْله تَعَالَى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ)

стр. 66

(الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ: ٢- ١٥٠) قِيلَ فِي ذَلِكَ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) : لَا تَسْتَقْبِلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مِنْ الْمَدِينَةِ، إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْتَدْبِرُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَإِنْ جِئْتُمْ مِنْ جِهَةِ نَجْدٍ الْيَمَنِ- فَكُنْتُمْ تَسْتَقْبِلُونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ-: اسْتَقْبَلْتُمْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. لَا: أَنَّ إرَادَتَكُمْ «١» : بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَإِنْ اسْتَقْبَلْتُمُوهُ بِاسْتِقْبَالِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. [وَ] «٢» لَأَنْتُمْ كَذَلِكَ: تَسْتَقْبِلُونَ مَا دُونَهُ [وَ] » وَرَاءَهُ لَا إرَادَة أَنْ يَكُونَ قِبْلَةً، وَلَكِنَّهُ جِهَةَ قِبْلَةٍ.» . «وَقِيلَ: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) : فِي اسْتِقْبَالِ قِبْلَةِ غَيْرِكُمْ.» . «وَقِيلَ: فِي تَحْوِيلِكُمْ عَنْ قِبْلَتِكُمْ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْهَا، إلَى غَيْرِهَا. وَهَذَا أَشْبَهُ مَا قِيلَ فِيهَا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) -: لِقَوْلِ اللَّهِ : (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) «٤» إلَى قَوْله تَعَالَى: (مُسْتَقِيمٍ: ٢- ١٤٢) . فَأَعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ : أَنْ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِي التَّحْوِيلِ يَعْنِي: لَا يَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ بِشَيْءٍ، يُرِيدُ الْحُجَّةَ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ. لَا: أَنَّ لَهُمْ «٥» حُجَّةً لِأَنَّ عَلَيْهِمْ «٦» أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْ قِبْلَتِهِمْ، إلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا» .

стр. 67

«وَفِي قَوْله تَعَالَى: (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ: ٢- ١٤٣) لِقَوْلِهِ إلَّا لِنَعْلَمَ أَنْ قَدْ عَلِمَهُمْ «١» مَنْ يَتَّبِعْ الرَّسُولَ وَعِلْمُ اللَّهِ كَانَ- قَبْلَ اتِّبَاعِهِمْ وَبَعْدَهُ- سَوَاءً.» . «وَقَدْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: فَكَيْفَ بِمَا مَضَى مِنْ صَلَاتِنَا، وَمَنْ مَضَى مِنَّا؟. فَأَعْلَمَهُمْ اللَّهُ : أَنَّ صَلَاتَهُمْ إيمَانٌ «٢» فَقَالَ: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) الْآيَةُ «٣» » . «وَيُقَالُ: إنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ: الْبِرُّ فِي اسْتِقْبَالِ الْمَغْرِبِ، وَقَالَتْ النَّصَارَى: الْبِرُّ فِي اسْتِقْبَالِ الْمَشْرِقِ بِكُلِّ حَالٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ: ٢- ١٧٧) . يَعْنِي (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) : وَأَنْتُمْ مُشْرِكُونَ لِأَنَّ الْبِرَّ لَا يُكْتَبُ لِمُشْرِكٍ.» . «فَلَمَّا حَوَّلَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ-:

стр. 68

صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ صَلَاتِهِ، مِمَّا يَلِي الْبَابَ: مِنْ وَجْهِ الْكَعْبَةِ وَقَدْ صَلَّى مِنْ وَرَائِهَا وَالنَّاسُ مَعَهُ: مُطِيفِينَ بِالْكَعْبَةِ، مُسْتَقْبِلِيهَا كُلَّهَا، مُسْتَدْبِرِينَ مَا وَرَاءَهَا: مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.» «قَالَ: وَقَوْلُهُ : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: ٢- ١٤٤ وَ ١٥٠) ، فَشَطْرُهُ وَتِلْقَاؤُهُ وَجِهَتُهُ: وَاحِدٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.» . «١» وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِبَعْضِ مَا فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ «٢» . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ﵀ ، قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ: ٢- ١٥٠) . فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ مَا كَانُوا: أَنْ يُوَلُّوا وُجُوههم شطره. و «شَطْرَهُ» : جِهَتُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. إذَا قُلْتَ: «أَقْصِدُ شَطْرَ كَذَا» : مَعْرُوفٌ «٣» أَنَّكَ تَقُولُ: «أَقْصِدُ قَصْدَ «٤» عَيْنِ «٥» كَذَا» يَعْنِي «٦» : قَصْدَ «٧» نَفْسِ كَذَا. وَكَذَلِكَ: «تِلْقَاءَهُ وَجِهَتَهُ «٨» » ، أَيْ: أَسْتَقْبِلُ

стр. 69

تِلْقَاءَهُ وَجِهَتَهُ. وَكُلُّهَا «١» بِمَعْنًى وَاحِدٍ: وَإِنْ كَانَتْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ. قَالَ خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ: أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا رَسُولًا وَمَا تُغْنِي الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو وَقَالَ سَاعِدَة بن جؤيّة: أَقُولُ لِأُمِّ زِنْبَاعٍ: أَقِيمِي صُدُورَ الْعِيسِ، شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ وَقَالَ لَقِيطٌ الْإِيَادِيُّ «٢» : وَقَدْ أَظَلَّكُمْ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمْ هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ تَغْشَاكُمْ قِطَعًا وَقَالَ الشَّاعِر: إنَّ الْعَسِيبَ بِهَا دَاءٌ «٣» مُخَامِرُهَا فَشَطْرَهَا بَصَرُ الْعَيْنَيْنِ مَسْحُورُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ : يُرِيدُ: [تِلْقَاءَهَا] «٤» بَصَرُ الْعَيْنَيْنِ وَنَحْوَهَا-: تِلْقَاءَ «٥» جِهَتِهَا.» . وَهَذَا كُلُّهُ- مَعَ غَيْرِهِ مِنْ أَشْعَارِهِمْ- يُبَيِّنُ: أَنَّ شَطْرَ الشَّيْءِ: قَصْدُ عَيْنِ الشَّيْءِ: إذَا كَانَ مُعَايَنًا: فَبِالصَّوَابِ وَإِنْ «٦» كَانَ

стр. 70

مُغَيَّبًا: فَبِالِاجْتِهَادِ وَالتَّوَجُّهِ «١» إلَيْهِ. وَذَلِكَ: أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ.» «وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ: ٦- ٩٧) وَقَالَ تَعَالَى: (وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ: ١٦- ١٦) . فَخَلَقَ اللَّهُ لَهُمْ الْعَلَامَاتِ، وَنَصَبَ لَهُمْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَأمرهمْ: أَن أَنْ يَتَوَجَّهُوا إلَيْهِ. وَإِنَّمَا تَوَجُّهُهُمْ إلَيْهِ: بِالْعَلَامَاتِ الَّتِي خَلَقَ لَهُمْ، وَالْعُقُولِ الَّتِي رَكَّبَهَا فِيهِمْ: الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْعَلَامَاتِ. وَكُلُّ هَذَا: بَيَانٌ وَنِعْمَةٌ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ» . «٢» قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَوَجَّهَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ - إلَى الْقِبْلَةِ «٣» فِي الصَّلَاةِ- إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَكَانَتْ الْقِبْلَةُ الَّتِي لَا يَحِلُّ- قَبْلَ نَسْخِهَا- اسْتِقْبَالُ غَيْرِهَا. ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ قِبْلَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، [وَ] «٤» وَجَّهَهُ إلَى الْبَيْتِ. [فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَبَدًا لِمَكْتُوبَةٍ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ غَيْرَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ «٥» ] . وَكُلٌّ كَانَ حَقًّا فِي وَقْتِهِ» . وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ «٦» . (أَنَا) أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ

стр. 71

الْعَبْدُ مِنْ «١» اللَّهِ: إذَا كَانَ سَاجِدًا أَلَمْ تَرَ إلَى قَوْلِهِ: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ: ٩٦- ١٩) ؟» . يَعْنِي: افْعَلْ وَاقْرُبْ «٢» . قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَيُشْبِهُ مَا قَالَ مُجَاهِدٌ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) مَا قَالَ «٣» » . فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ عَنْهُ- فِي قَوْله تَعَالَى: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً: ١٧- ١٠٧) .-: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَاحْتَمَلَ السُّجُودَ: أَنْ يَخِرَّ: وَذَقَنُهُ- إذَا خَرَّ- تَلِيَ الْأَرْضَ ثُمَّ يَكُونُ سُجُودُ [هـ] عَلَى غَيْرِ الذَّقَنِ» . (أَنَا) أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فَرَضَ اللَّهُ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً: ٣٣- ٥٦) . فَلَمْ يَكُنْ فَرْضُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ، أَوْلَى مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَوَجَدْنَا الدَّلَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 72

( ﷺ ، [بِمَا وَصَفْتُ: مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ «١» ] فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» . فَذَكَرَ حَدِيثَيْنِ: ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ (الْمَعْرِفَةِ) . (وَأَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ ﵀ ، أَنَا أَبُو سَعِيدِ ابْن الْأَعْرَابِيِّ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ «٢» بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: «أَنَا مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ-: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ- وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ هُوَ: الَّذِي [كَانَ] «٣» أُرِيَ «٤» النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ.- أَخْبَرَهُ «٥» ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نصلّى عَلَيْك بانبىّ اللَّهِ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟. فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ. فَقَالَ «٦» رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُولُوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتُ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتُ عَلَى إبْرَاهِيمَ «٧» ، فِي الْعَالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.» .

стр. 73

وَرَوَاهُ الْمُزَنِيّ وَحَرْمَلَةُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَزَادَ فِيهِ: «وَالسَّلَامُ كَمَا [قَدْ] عَلِمْتُمْ «١» » . وَفِي هَذَا: إشَارَةٌ إلَى السَّلَامِ الَّذِي فِي التَّشَهُّدِ، عَلَى النَّبِيِّ «٢» ﷺ وَذَلِكَ: فِي الصَّلَاةِ. فَيُشْبِهُ «٣» : أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا ﵇ - أَيْضًا- فِي الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ - فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ-: «وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ- مِنْ هَذَا-: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَإِنَّمَا ذَهَبْتُ إلَيْهِ: لِأَنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ ذَكَرَ ابْتِدَاءَ صَلَاتِهِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً: ٣٣- ٥٦) وَذَكَرَ صَفْوَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ، فَأَعْلَمَ: أَنَّهُمْ أَنْبِيَاؤُهُ ثُمَّ ذَكَرَ صَفْوَتَهُ مِنْ آلِهِمْ «٤» فَذَكَرَ: أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ أَنْبِيَائِهِ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ: ٣- ٣٣) . وَكَانَ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُود-: أَنَّ ذِكْرَ الصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ.- يُشْبِهُ عِنْدَنَا لِمَعْنَى الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» «قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنِّي لَأُحِبُّ: أَنْ يَدْخُلَ- مَعَ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ -

стр. 74

أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ حَتَّى يَكُونَ قَدْ أَتَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «١» .» «قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ : وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ «٢» ) فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ: آلُ مُحَمَّدٍ: أَهْلُ دِينِ مُحَمَّدٍ «٣» . وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ، أَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنُوحٍ: (احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ: ١١- ٤٠) وَحَكَى [فَقَالَ] «٤» (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ قالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) الْآيَةُ «٥» . [فَأَخْرَجَهُ بِالشِّرْكِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ نُوحٍ] «٦» .» «قَالَ الشَّافِعِيُّ «٧» : وَاَلَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ فِي مَعْنَى [هَذِهِ «٨» ] الْآيَةِ: أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ : (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) يَعْنِي الَّذِينَ «٩» أَمَرْنَا [ك] «١٠» بِحَمْلِهِمْ مَعَكَ. (فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ) : وَمَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْتُ؟. (قِيلَ) : قَالَ اللَّهُ : (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ: ١١- ٤٠) فَأَعْلَمَهُ «١١» أَنَّهُ أَمَرَهُ: بِأَنْ يَحْمِلَ مِنْ أَهْلِهِ، مَنْ لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِ الْقَوْلُ: أَنَّهُ «١٢» أَهْلُ مَعْصِيَةٍ

стр. 75

ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ فَقَالَ: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.) .» «قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَالَ قَائِلٌ: آلُ مُحَمَّدٍ: أَزْوَاجُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ «١» ﷺ . فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ: إلَى أَنَّ الرَّجُلَ يُقَالُ لَهُ: أَلَكَ أَهْلٌ؟ «٢» فَيَقُولُ: لَا وَإِنَّمَا يَعْنِي: لَيْسَتْ لِي زَوْجَةٌ.» «قَالَ الشَّافِعِيُّ «٣» : وَهَذَا مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ اللِّسَانُ وَلَكِنَّهُ مَعْنَى كَلَامٍ لَا يُعْرَفُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبُ «٤» كَلَامٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ: أَنْ يُقَالَ لِلرَّجُلِ: تَزَوَّجْتَ؟ فَيَقُولُ: مَا تَأَهَّلْتُ «٥» فَيُعْرَفُ- بِأَوَّلِ الْكَلَامِ- أَنَّهُ أَرَادَ: تَزَوَّجْتَ أَوْ يَقُولُ الرَّجُلُ: أَجْنَبْتُ مِنْ أَهْلِي فَيُعْرَفُ: أَنَّ الْجَنَابَةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الزَّوْجَةِ. فَأَمَّا أَنْ يَبْدَأَ الرَّجُلُ- فَيَقُولُ: أَهْلِي بِبَلَدِ كَذَا، أَوْ أَنَا أَزُورُ أَهْلِي، وَأَنَا عَزِيزُ الْأَهْلِ، وَأَنَا كَرِيمُ الْأَهْلِ.-: فَإِنَّمَا يَذْهَبُ النَّاسُ فِي هَذَا: إلَى أَهْلِ الْبَيْتِ.» «وَذَهَبَ ذَاهِبُونَ: إلَى أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ : قَرَابَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ : الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا «٦» دُونَ غَيْرِهَا: مِنْ قَرَابَتِهِ «٧» .» «قَالَ الشَّافِعِيُّ «٨» ﵀ : وَإِذَا عُدَّ [مِنْ «٩» ] آلِ الرَّجُلِ: وَلَدُهُ
следующие страницы →