← Акыда

Акыда · id 332

يسر العقيدة الإسلامية - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (128 стр.). Показаны 106–128 · переход к 111.

стр. 106

وشرحه بعضهم: بأن المركب ذو أجزاء، وجزؤه ليس بمعدوم، وإلا عدم الكل، ولا واجبًا وإلا تعدد الواجب، فتعين أنه ممكن ... إلى آخر ما في حواشي [ص ٥٠] "شرح المواقف" (١). وهناك حجج أخرى يدق فيها الكلام، ويصعب المرام، ويكثر الخصام. قال الآخرون: أما الحجة الأولى فقد نقلتم إطباق المتكلمين وبعض قدماء الفلاسفة أن المكان تعيُّنه (٢) موهوم (٣)، وحقيقته أنه الفضاء أو الخلاء، وهو أمر عَدَمي، وأدلتهم بغاية القوة، ودعوى مخالفيهم الضرورة مردود، بل لو ادعى الضرورة في أن هذا الفضاء بعد فرض نزع ما يملؤه من هواء وغيره هو في نفسه عدم محض لكان أقرب إلى فِطَر الناس. وما احتجوا به على وجوده من أنه يشار إليه، قد أُجِيب عنه بأنه إشارة تبعية، كما في حواشي "شرح المواقف" (٤) وغيرها. ثم قد اتفقوا على أنه ليس خارج العالم أمر وجودي، مع أنه يمكن الإشارة، إما من هنا، فنقول: النقطة التي خارج العالم من هذه الجهة، والأخرى التي من هذه الجهة، وإما على فرض أن شخصًا على طرف العالم، فيشير هنا وهناك. وبقية الأدلة قد أجيب عنها، كما في حواشي "شرح المواقف" وغيره.

стр. 107

وقد قدمت فصلًا في ذلك (١). ومن أنصف علم أن الحجج المُثْبِتة أنه ﵎ في جهة أقوى بدرجات مما احتجَّ به على أن الفضاء شيء وجوديّ، هذا إن لم يسلم أن تلك قطعية. وإذا ثبت أو جاز أن يكون حقيقة الفضاء أمر عدمي (٢) سقطت حجتكم الأولى، وكذلك الثانية، فإنه إذا كان الفضاء أمرًا عدميًّا لم يتصور الحاجة إليه في الوجود إلا بمعنى الحاجة إلى أن لا يرتفع بالكلية، وارتفاعه بالكلية محال، وارتفاعه في الجملة واجبٌ، وذاك وجود الرب ، وجائزٌ وذاك وجود غيره تعالى، والجائز محتاج في وجوده إلى الواجب. فغاية ما تلزمونا به احتياج الرب سبحانه في وجوده إلى عدمٍ ما، يستحيل وجوده بدون إيجاد الرب سبحانه له، ولا حرج في هذا، بل ولا في بعض ما هو أشد منه، كأن يقال: إن الرب محتاج في ربوبيته إلى عدم وجود ربّ آخر يُنازعه. فإن قلتم: فيلزم أن يكون عدم وجود الجائزات متقدمًا على وجود الرب. قلنا: بل يكفي المعية، والربّ أزلي، وذاك العدم أزلي (٣).

стр. 108

وقد رأيت من يقول: هب أنّ الفضاء أمر وجودي، فقد قال بعض أكابر القائلين بوجوده: إنه لا يتصور ارتفاعه، فهو عنده واجب الوجود، فلماذا لا يلتزم مثبتو الجهة لله هذا القول على فرض أن الفضاء أمر وجودي؟ فقلت له: في هذا إثباتُ قديمٍ مع الله . فقال: وما الذي يبطله عقلًا؟ فذكرت له ما حضرني. فقال: وما الذي يبطله نقلًا؟ قلت: يقال لك: إنه قدح في ربوبية الله وشرك به. فقال: لا أفهم كونه قدحًا في ربوبيته، إنما القدح القول بأن العالم غنيٌّ عن تدبير الله ، فأما القول بأن هذا الفضاء قديم، وكل ما فيه من الممكنات فهو خلق الله وتدبيره، فلا أراه قدحًا في الربوبية. وأما الشرك فالذي [ص ٥١] أفهم أنه: إثبات رب مع الله ، أو معبود معه، أو يقول بنحو قول النصارى: إن الرب ثلاثة أقانيم، انفصل منها أقنوم، فكان منه عيسى، ثم انفصل الآخر، فنزل على عيسى. ومن يقول بقدم الفضاء لا يقول شيئًا من ذلك، فإنه يعرف أنه لا حياة للفضاء، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا علم، ولا غير ذلك من الصفات التي يدور عليها أمر الربوبية والألوهية، ولا يقول: إنه أقنوم في الرب . فذكرتُ له ما حضرني، ثم قلت: ويقال لك: هذا خرق للإجماع، فإن المسلمين أجمعوا على أن ما سوى الله حادث. فقال: هذا قول إجمالي، فلعلّ مِن المُجْمِعين من كان يرى أن الفضاء

стр. 109

أمر عدمي، كما هو المنقول عن إطباق المتكلمين، ولعل منهم من لم يخطر بباله؛ لأننا إذا كنا في حجرة ثم سألنا بعض العقلاء الذين معنا: أي شيء موجود في هذه الحجرة؟ لذهب يعدد لنا الأجسام التي فيها، فإن دقَّق عدَّ فيها الهواء، فأما أن يعد الفضاء فلا، إلا أن يكون قد سمع قول من يقول: إن الفضاء أمر وجودي، فقلَّده. فذكرتُ له ما حضرني، ثم قلت: ويقال لك: هو مخالف للنصوص، كقول الله : ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ونحوها. فقال: أقول: إن هذا عام يخصه العقل، فإن العقل العادي إما أن لا يعد الفضاء شيئًا موجودًا، كما تقدم في المثال آنفًا، وإما أن يعلم أنه لا يتصور عدمه، وهذا التأويل أقرب بألف درجة من تأويلات من يقول: إن الله ليس في جهة، مع أني أدعي إجماع السلف على القول بالجهة، وأذكر من نصوص الكتاب والسنة في إثباتها أضعاف أضعاف ما يمكن أن تذكره في أنه خالق كل شيء، وأن كل ما سواه حادث. وهذا الإجماع والنصوص نص في محل النزاع ــ وهو ثبوت الجهة ــ فأما ذاك الإجماع وتلك النصوص فإنما يمكن تناولها للفضاء على وجه العموم. فقلت له: أتعتقد هذا؟ قال: لا، ولكني أراه أقرب إلى العقل والدين من القول بأن الله موجود لا في جهة، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه، وأنه خلق العالم لا في ذاته ولا خارجًا عنه.

стр. 110

قال: وكذلك يقال في جواب حجتهم الثانية. فيسألون على فرض صحة قولهم: إن الفضاء موجود محدَث: هل كان يمكن أن يحدثه الله ويُحْدِث فيه جسمًا في وقت واحد بدون تقدم أحدهما على الآخر؟ فإن لم يكابروا قالوا: نعم. وبذلك يعلم أنه لا يلزم التأخر، بل تجوز المعية. فإذا جاز أن يكون المكان قديمًا لم يمتنع أن يكون المتمكِّن قديمًا، ثم يقال [ص ٥٢] بالقدم فيما قام الدليلُ على قدمه، وبالحدوث فيما قام الدليل على حدوثه. فكان مما قلت له: وكيف يكون الرب محتاجًا في وجوده إلى غيره؟ ! فقال: هذه كلمة مشنعة بالإيهام، فإن الذي يتبادر من الحاجة في الوجود حاجة الحادث إلى محدثه، أو المعلول إلى علته، أو إلى جزئها، وليس ما هنا كذلك. قلت: فيقال لك: هو قريب من ذلك، وهو أنه احتياج الموجود إلى شرط وجوده. فقال: إذا لوحظ القدم في الجانبين وأن الرب حيٌّ قديرٌ مريدٌ عليمٌ حكيمٌ إلى غير ذلك من صفات العظمة والكبرياء، وأنَّ الفضاء خالٍ من ذلك كله هان الأمر. فإن بقيَتْ هناك شَناعة فيجاب عنها بنحو ما يجيبون عن قولهم: إن المحال لا يدخل تحت القدرة، كما يقول القائلون بحدوث المكان: إنه

стр. 111

شرط لوجود الأجسام، فلا يقدر الباري أن يعدمه مع بقاء الأجسام. وبالجملة فالقول بما يستلزم هذا القدر من الاحتياج خير بألف درجة بل بما لا يُحْصَى من القول بما يستلزم عدم وجود الرب. فذكرت له ما حضرني، وكان من آخر ما قلت له: إن كنت مصممًا على أنه لا يمكن الوجود إلا في جهة، فخيرٌ لك أن تعتمد على أن الفضاء أمر عدمي، وتقف عنده. قالوا: وأما حجتكم الثالثة فإننا لا نطلق على الرب أنه جسم، فإن عنيتم بالجسم ما له جهة، وهو قائم بذاته، فإننا نلتزم ذلك، ولا نقول: إنه جسم، ونقول: إن ذات الله ﵎ عظيمة. ولا نحدد قولكم: "مركب من أجزاء". نقول: المركب ما ركبه غيره، والرب قديم تعالى الله عن ذلك، والأجزاء مأخوذة من الجزء، وهو القسم، وذات الرب لا تتجزأ، وكذلك الأبعاض والأقسام والأعضاء، كل هذا يتضمن التفصيل والتفريق، إما بالفعل، وإما بالإمكان، والباري يتعالى عن ذلك. فإن قلتم: إننا نطلق المركب وذا الأجزاء على ما هو أعم مما ذكرتم، فالمقصود أن ذات ربكم بحيث يمكن لمن رآه أن يشير إلى شيء منها دون شيء، وما كان كذلك فهو في اصطلاحنا مركب ذو أجزاء. قلنا: يمكن أن [ص ٥٣] نلتزم ما ذكرتم في ذاته تعالى، ولا نقول: مركب، ولا ذو أجزاء، تعالى الله عن ذلك. فإن قلتم: فإن قولنا: المركب محتاج إلى جزئه، يجري فيما ذكر،

стр. 112

فالذات محتاجة إلى الشيء المفروض الإشارة إليه منها، وذاك الشيء ليس هو إياها فهو غيرها، فالذات محتاجة إلى غيرها. قلنا: قولكم: "إلى غيرها .. " وهم، فإن المفهوم من قولكم: "غيرها" أنه ليس شيئًا منها، فإنك لو قلت: في يدي شيء غير هذا القلم، ثم فسرت ذلك بشيء من القلم لأنكر عليك. وفي "شرح المقاصد" (٢/ ٧٦) في تفسير المتغايرين: "وتفسيرهما (١) بالشيئين أو الموجودَين أو الاثنين فاسد ... قال صاحب "التبصرة": وكذلك تفسيرهما بالشيئين من حيث إن أحدهما ليس هو الآخر يصدق على الكل مع الجزء، كالعشرة مع الواحد، وزيد مع رأسه، مع أنه لم يقل أحد: يكون الجزء غير الكل إلا جعفر بن حارث من المعتزلة، وعُدّ ذلك من جهالاته؛ لأن العشرة اسم للمجموع، يتناول كلّ فرد مع أغياره، فلو كان الواحد غير العشرة لصار غير نفسه؛ لأنه من العشرة ولن تكون العشرة بدونه". وإذا كان هذا في الواحد من العشرة، فكيف برأس زيد مثلًا؟ ! فكيف بشيء من ذات الباري ﵎، والانقسام فيها مستحيل؟ ! فإن قلتم: دعوا قولنا: "غيرها"، ونقول: إن الذات من حيث هي ذات تامة محتاجة في تمامها إلى الشيء المفروض الإشارة إليه منها. قلنا: حاجة الذات إلى شيء منها هو في معنى حاجتها إلى نفسها، وليس في هذا ما ينافي وجوب الوجود.

стр. 113

بقي قول ذاك المتحذلق ــ ما معناه ــ: ذاك الشيء إما واجب الوجود، فيلزم تعدد الواجب، وإما ممكن، فأشياء الذات ممكنة، فهي ممكنة. وجوابه: أن ذات الرب يستحيل عليها الانقسام، فالذات واجبة، وما هو من الواجب فهو واجب. وهذا التعدد الموهوم ليس هو التعدد المنافي للتوحيد، فإن الذات واحدة، وذلك أن قولنا في الشيء المفروض الإشارة إليه: إنه واجب، إنما معناه أنه من ذات واجبة، فثبت له حكم الوجوب. وقد يمكن تقريب هذا بأن يقال: زيد مولود، ورأسه منه، فالرأس مولود، وهكذا قلبُه وكبده، فهل يلزم من هذا أن يكون زيد عدة مولودين؟ هذا، ونستغفر الله ونتوب إليه مما اضطررنا إليه في هذا الفصل مما لا يخلو عن جرأة على الله تعالى وتهجُّم على ما لا ينبغي، وقد كان يكفينا وإياكم أن نعرف أنه ﵎ موجود حيٌّ قديرٌ مريدٌ عليمٌ حكيمٌ بما تقدم من الأدلة، ثم نعرف النبوة، ثم نتبع كتاب الله وسنة رسوله، فإنه [ص ٥٤] لا أحد أعرف بالله من نفسه، ثم من رسله. قال الأولون: ما نراكم أنصفتم في اختيار قول من قال: إن المكان أمرٌ عدمي، ولا تدبر (١) المجوِّز أن المكان موجود واجب الوجود (٢) والربّ محتاج في وجوده إليه ما يَرِد عليه من اللوازم الشنيعة، ولا أنصفتم في قولكم: إن وجوب الشيء المفروض الإشارة إليه لا يستلزم تعدد الواجب.

стр. 114

ولكننا ندع هذا، ونتمم الجواب عن بقية الأوجه التي ذكرتم. أما الوجه الرابع (١) فقد اختلف أصحابنا على أقوال: الأول: أن العامي يكفيه التقليد بأن الله ليس في مكان. الثاني: أنه يكفيه أن يبقى خالي الذهن في هذه المسألة. الثالث: بل ولا يضره التردد فيها، مع نفي اللوازم الموجبة للكفر. الرابع: بل ولا يضره اعتقاد المكان، مع نفي اللوازم أيضًا. الخامس: بل ولا يضره أن يعتقد الجسمية على أنه جسم لا كالأجسام، بل قال بعض المحققين (٢): ينبغي إقرار العوامِّ على ذلك؛ لئلا يتشككوا في وجود الرب ، بل قيل: يحرم التعرض لهم، بل قيل: إن التعرض لهم كفر. وأما الوجه الخامس فإن أصحابنا يفرقون بين الخاصة والعامة، فيقولون: أما الخاصة فقد دعاهم الرسل إلى التدبر والنظر، وبينوا أن الله هو الحق وما سواه باطل، وأنه الأول والآخر، وأنه خالق كل شيء، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه لم يكن له كفؤًا أحد، وأنه القدوس، وهو المنزَّه عن كل نقص، إلى غير ذلك، وهذه إذا (٣) تدبرها الخاصة وأعطوها حقها لم يخْفَ عليهم الحق. وأما العامة فاختلفوا فيهم على الأقوال المتقدمة.

стр. 115

فالقائل إنه يكفيهم التقليد يقول: إن الشارع أمرهم بتقليد الخاصة، واكتفى منهم بذلك، وقس عليه. وقولكم: "بل الأمر بعكس ذلك" تشيرون به إلى ما جاء في الكتاب والسنة مما يوهم الجهة. والجواب: أنها محمولة على المجاز، وقد بيَّن أصحابنا ذلك في كتبهم، فأما الخاصة فإن ذلك لا يشتبه عليهم؛ لما لديهم من القرائن العقلية والنقلية، كما تقدم. وأما العامة فعلى ما تقدم، فلنبنِ (١) على القول الرابع أو الخامس، فيسقط اعتراضكم ألبتة. قال السعد التفتازاني في "شرح المقاصد" (٢): ["فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفي الحيِّز والجهة، فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مُشعرة في مواضع لا تُحصى بثبوت ذلك، من غير أن يقع في موضع منها تصريحٌ بنفي ذلك؟ ... أجيب: بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة، كان الأنسب في خطاباتهم، والأقرب إلى اصطلاحهم، والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرًا في التشبيه وكونِ الصانع في أشرف الجهات، مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمات الحدوث ... "]. قال الآخرون: أما القول بكفاية التقليد فقد فتشنا فوجدنا عامة المسلمين

стр. 116

يعتقدون أن الله فوق عرشه بذاته، إلا عددًا قليلًا جدًّا منهم، فإنهم يُظْهِرون القول بقولكم، فإذا فُتِّشوا وُجِدوا مع العامة، أو متشكِّكين، كما تقدم. [ص ٥٥] فعامة المسلمين إلا أقل قليل يكونون عند من يقول القول الأول كفارًا أو فساقًا، ويلزمهم عنده الخوض في المعقولات حتى يصدِّقوا بأن الله ليس في مكان، وتكليفهم الخوض في المعقولات باطلٌ إجماعًا. وأما القول الثاني فهو أشد بطلانًا، فإنَّ في فِطَر الناس اعتقادَ أن ربهم في جهة العلو، وقد أكد الشرع ذلك في نفوسهم بشرع رفع الأيدي وغيره. فأما من كان يفهم العربية في الجملة فشأنه أوضح، فليس في الخارج من هو خالي الذهن في هذه المسألة، بل الجمهور على اعتقاد جهة العلو، وقليل جدًّا أكثرهم مُتحيِّرون، وأقلهم مقلدون لكم تقليدًا غير جازم، ولم يبق إلا أفراد يجزمون بقولكم بألسنتهم، والله أعلم بقلوبهم. وأما القول الثالث فقد تقدم أن المترددين قليل جدًّا، وهم مع ترددهم في الجهة مترددون في اللوازم التي تعدونها كفرًا، ويمكننا أن نقول: إن ترددهم في الجهة قد يستلزم ترددهم في اعتقاد وجود الرب . وأما القول الرابع فقد حاول صاحبه السلامة، لكن اشتراطه نفي اللوازم إن كان يعد منها ما تعبرون عنه بقولكم: "جسم لا كالأجسام" فلم يصنع شيئًا. وأما القول الخامس فقد قارب صاحبه السلامة، وسيظهر حاله في الكلام على الوجه الخامس. [ص ٥٦] قالوا: أما جوابكم عن الوجه الخامس فإننا نستعرض ما ذكرتموه من الأدلة الشرعية هذه.

стр. 117

فقولكم: إن الرسل دعوا الناس إلى التدبر والنظر، فنسألكم: هل على الرسول أن يربي أصحابه على تفصيل ذلك، ثم على أصحابه أن يربوا تابعيهم على ذلك، ثم على تابعيهم في حق من بعدهم؟ فإن قلتم: لا، أبطلتم. وإن قلتم: نعم، قلنا: فهذه السنة [ص ٥٦] وأخبار السلف بين أظهركم، فانظروا هل تجدون في شيء منها نظرًا مثل نظركم، أو تعمقًا مثل تعمقكم، أو تجدون فيها التصريح بما تزعمون. وأما بيانهم أن الله هو الحق وما سواه باطل، وأنه الأول والآخر، وأنه خالق كل شيء، فهذا كله حق، ولكننا نسألكم: هل فسروه كما تفسرون؟ وهل نبهوا الناس على ما تزعمون من الدقائق التي تزعمون أنه لا تتم تلك الحقائق بدونها، بل لا تتحقق إلا بها؟ وأما بيانهم أن الربّ ليس كمثله شيء فحق، ولكننا نسألكم: هل وكَلَ الرسولُ إلى العرب أن تفهم تلك الجملة كما تفهم كلامها؟ فإن قلتم: نعم. [ص ٥٧] (١) قلنا: فماذا تفهم العرب بمقتضى لغتها من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؟ (٢). قالوا: اذكروا ما عندكم في ذلك.

стр. 118

قلنا: قال ابن بري: "الفرق بين المُمَاثلة والمُساواة: أن المساواة تكون بين المختلِفَين في الجنس والمتفِقَين؛ لأن التساوي هو التكافؤ في المقدار لا يزيد ولا ينقص، وأما المماثلة فلا تكون إلا في المتفِقَين، تقول: نحْوُه كنَحْوِه، وفقهُه كفقْهِه، ولونُه كلونه، وطعمُه كطعمه، فإذا قيل: هو مثله على الإطلاق، فمعناه أنه يسدّ مسدَّه، وإذا قيل: هو مثله في كذا، فهو مساوٍ له في جهةٍ دون جهة". "شرح القاموس" (١). وقال الراغب (٢): "هو أعمّ الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن النِّدّ يقال فيما يشارك في الجوهر فقط، والشِّبْه [يقال] فيما يشارك في الكيفية فقط، والمُسَاوي يقال فيما يشارك في الكمية فقط، والشَّكل يقال فيما يشارك في القَدْر والمساحة فقط، والمِثْل عامّ في جميع ذلك". ويأتي باقي كلامه. [ص ٥٨] وهنا مباحث: الأول: المماثلة بين الشيئين تأتي على ثلاثة أضرب: الأول: المماثلة في أمر خاص واحد أو أكثر مدلولٍ على خصوصه باللفظ أو بقرينة حالية. الضرب الثاني: المماثلة في أمر خاص واحد أو أكثر يخصِّصها العرف، كقولك: زيد مثل الأسد، فيدل العرف أن المقصود في الجرأة، وتقول: عندي مطرف مثل مطرفك، فيعلم بالعرف أن المقصود المماثلة في الصفات المحسوسة الحاضرة، وأنه لا ينافي ذلك أن يكون أحدهما ملكك والآخر

стр. 119

ملك غيرك، وأن أحدهما نُسِج قبل الآخر، أو اشتُرِيَ بثمن أكثر من الآخر، أو لُبِس أكثر مما لُبِس الآخر، أو أن هذا نَسَجه مسلم، وذاك نسجه كافر، إلى غير ذلك من الصفات. الضرب الثالث: المماثلة من كل وجه، وهذا إن أُخِذَ على إطلاقه مستحيل؛ لأن من جملة الوجوه أن يكون هذا في ذاك المكان الخاص، ولا يمكن أن يكون الآخر مثله في ذلك؛ لأن معنى المماثلة في ذلك أن يكون الثاني في ذلك المكان الخاص الذي للأول. ومنها: أن لهذا هذه العينية الخاصة، ولا يمكن أن يكون الآخر مثله في ذلك؛ لأن معنى المماثلة في هذا أن يكون للثاني نفس العينية التي للأول. وإن قيل: من كل وجه تمكن فيه المماثلة، اندفعت الاستحالة العقلية، ولكن قد يقال: بقيت الاستحالة العادية من جهة أن الأوصاف في الوجود كثيرة، والاختلاف فيها كثير، والموجود إنما هو التماثل في بعضها دون بعض، فأما التماثل بين شيئين فيها جميعًا فلا يكون عادة، والأقرب أنه ممكن، ولكنه قليل. المبحث الثاني: المماثلة في الوصف أو الأوصاف على أربعة أوجه: الأول: التماثل في صحة اتصاف كلا الشيئين بذلك الوصف أو الأوصاف، كأن يقال: البرغوث مثل الفيل في الجسمية، على معنى أنه كما أن الفيل متصف بأنه ذو جسم، فكذلك البرغوث متصف بأنه ذو جسم. وكذلك أن يقال: بكر مثل زيد في العالِمِية، تريد أن بكرًا ثابت له هذا الوصف ــ أي: أنه عالم ــ كما هو ثابت لزيد.

стр. 120

ولا يخفى أن المماثلة على هذا الوجه لا تستلزم المماثلة في قدر الوصف وصفاته، ولا في الصفات الأخرى للممثّل به، فلا يلزم أن يكون علم بكر مثل علم زيد في القدر وغيره من الصفات، ولا أن بكرًا مثل زيد في وصف آخر. الوجه الثاني: المماثلة في الوصف بالنظر إلى مقداره مماثلة عرفية على سبيل المبالغة، كأن يقال: فلان مثل النخلة، أي: في مقدار الطول، أو: مثل الفيل، أي: في مقدار الجسم، وهذه لا يلزم منها المقاربة في المقدار، فضلًا عن المساواة الحقيقية فيه، فضلًا عما عدا ذلك من صفات الطول والجسم، أو من صفات النخلة والفيل، وإنما حاصلها أن فلانًا طويل جدًّا، أو ضخم جدًّا. الوجه الثالث: مثل الذي قبله، إلا أنه على غير المبالغة، بل على غض النظر عن التفاوت اليسير عرفًا، كأن يقال: بكر مثل زيد في العلم، وأَعْرفُ رجلًا مثل زيد، أي: في الشكل والصورة، وهذه مماثلة عرفية، هي في التحقيق مقاربة فقط. [ص ٥٩] الوجه الرابع: تماثل الشيئين في الوصف أو في مقداره مماثلة حقيقية، كقوله ﵌: "الذهبُ بالذهبِ مِثْلًا بمثل" (١) أي: في الزِّنَة. فإن قيل: إن المماثلة الحقيقية قد يتعذَّر العلم بها، إذ قد يحتمل أن يكون في أحدهما زيادة مثقال ذرة ــ مثلًا ــ لا يظهر لها أثر في الميزان.

стр. 121

والجواب: أن هذا معفوٌّ عنه؛ إذ لا يمكن الاحتراز عنه، فالمراد المماثلة الحقيقية فيما يظهر للناس في وزنهم. المبحث الثالث: فيما بين هذه الأوجه من التلازم والتنافي: إطلاق المماثلة بالوجه الأول لا يستلزم صحة إطلاقها على بقية الأوجه. فقولنا: "البرغوث مثل الفيل في الجسمية" لا يستلزم أن يصح أنه مثله في مقدار الجسم، لا مبالغة، ولا مسامحة، ولا حقيقة. وإطلاقها بوجهٍ من الثلاثة الأخرى يستلزم صحة إطلاقها بالوجه الأول. وإطلاقها بالوجه الثاني ينافي إطلاقها بأحد الوجهين اللذين بعده؛ لأن مبناه على المبالغة، ولا بد فيها من تحقّق تفاوتٍ له قَدْر. وإطلاقها بالوجه الثالث ينافي إطلاقها بالوجه الذي بعده إذا تحقق التفاوت، وكذا بالوجه الذي قبله؛ لأن مبناه على المبالغة. وإطلاقها بالوجه الرابع لا ينافي إطلاقها بالثالث؛ إذ لا يشترط فيه تحقق التفاوت، ولا ينافي إطلاقه بالثاني؛ لأن مبناه على المبالغة. المبحث الرابع: في نفي المماثلة نفي المماثلة في وصفٍ لا يستلزم نفيها في غيره، ونفيها في وصفٍ بالنظر إلى مقداره لا يستلزم نفيها في مطلق الاتصاف به، ونفي المماثلة الحقيقية لا يستلزم نفي المماثلة العُرْفية. وقِس على ذلك. ونفيها في وصفين قد يُعنى به نفيها في كل منهما، وقد يُعنى به نفيها في

стр. 122

الجمع بينهما، وقد يُعنى به فيهما مجتمِعَين. فإذا قيل: ليس بكر مثل زيد في العلم والعمل، فقد يُعنى به ليس مثله في العلم ولا في العمل، وقد يُعْنَى به أنه ليس مثله في الجمع بينهما، فإن زيدًا عالم عامل، وليس لبكرٍ إلا أحدهما، وقد يُعنى به أنه ليس مثله فيهما مُجْتمِعَين، بل إما أن لا يكون مثله في هذا، أو لا يكون مثله في هذا كما تقول: لا مثل لزيد في العلم والعمل، تريد أنه يوجد من يماثله في (١) العلم، ولكن لا يماثله في العمل، ويوجد من يماثله في العمل، لكن لا يماثله في العلم. وإذا قيل: ليس له مثل في وصفٍ ما، كان المعنى أن كل وصف يتصف به فلا يماثله فيه غيره. [ص ٦٠] وفي بعض ما قاله نظر، وتعبيره بالمشاركة قد يوهم أنه يكفي في المماثلة مطلق المشاركة، وليس كذلك، كما يُعْلَم بتدبر كلامه، مع ما تقدم عن ابن بَرّي وهو أعرف باللغة. وفي "الأساس" (٢) للزمخشري: "مُثِلَ الشيءُ بالشيء: سُوِّي به وقُدِّر تقديرَه". ومثله في كلامهم كثير. وفي "روح المعاني" (٧/ ٥١٠) (٣): "نُسِبَ إلى الأشعري أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه. واعْتُرِض بأنه لا تعدّد حينئذٍ فلا تماثل، وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا: زيد مثل عَمرو في الفقه إذا كان

стр. 123

يساويه فيه ويسدُّ مسدَّه، وإن اختلف في كثير من الأوصاف، وفي الحديث: "الحنطة بالحنطة مِثْلًا بمثل"، وأُريدَ به الاستواء في الكيل دون الوزن وعدد الحبات وأوصافها. ويمكن الجواب بأن مراده التساوي في الوجه الذي به التماثل". والذي يتحرر أن المماثلة بين الشيئين على ضربين: تامة وخاصة. فالتامة هي تساويهما في كل ما يمكن التساوي فيه مع التغاير، والخاصة هي التساوي في أمر خاص، كالفقه والكيل في المثالين السابقين. والخاصة تأتي في الكلام على وجهين: الأول: وهو الشائع الذائع كالمثالين السابقين. والثاني: كأن يقال: هذا الطفل مثل ذلك الإمام في أنه يعلم، يعني: أن كلًّا منهما يوصف بأنه يعلم مع صرف النظر عن مقدار العلم، ويقال: الذرة مثل الفيل في الجسمية، أي: أن كلًّا منهما له جسم، والبعوضة مثل جبريل في أن لكلٍّ منهما أجنحة. إذا تقرر هذا فلا نزاع بين العقلاء أنه ليس لله ﵎ مِثْل مماثلة تامة، ولا خاصة بالوجه الأول، وأما بالوجه الثاني فإن الله ﵎ موصوف بأنه موجود، قائم بذاته، حي قدير مريد، عالم (١) حكيم، سميع بصير، إلى غير ذلك، ويوصَف الإنسان وغيره بهذه الأوصاف أو بعضها. ويمكن أن يؤتَى بعبارة تفيد تمثيلًا خاصًّا بالوجه الثاني، ولكن لم يأت في الشرع إذنٌ بذلك، ولا استعمله العلماء فيما أعلم.

стр. 124

ومن الموانع عن ذلك أن العبارة قد توهم المماثلة التامة أو الخاصة بالوجه الأول، ويكون فيها سوء أدب، ألا ترى أن المصحف يُرَى، وأن القاذورات تُرى، ويمتنع أن تصاغ عبارة للتمثيل في ذلك، كأن يقال ــ وأستغفر الله ــ: كذا مثل المصحف في أن كلًّا منهما يُرى. لكن المنع من التعبير لا يقتضي صحة نفي تلك المماثلة الخاصة بالوجه الثاني؛ لأنها في نفسها ثابتة، وإنما مُنِع التعبير لما تقدم، فتدبر. وقد يقال: إن استعمال كلمة "مثل" في هذا الوجه الثاني توسّع، وإنما حق الكلمة أن تستعمل (١) فيما قبله، وقد يستشهد لهذا بأنك إذا قلت: ههنا أشياء كثيرة مثل الفيل من بعض الوجوه، ثم تركت سامعيك يتفكرون، ثم قلت لهم: منها الماء؛ لأن الفيل موجود قائم بذاته مرئي ينتفع به الناس، والماء مثله في كل أمر من هذه الأمور، إذًا لوجدتهم ينكرون أن يكون هذا هو المعنى الظاهر من سؤالك. [ص ٦١] إذا تقرر هذا فقول الله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] يمكن أن يقال في تفسيرها أقوال: الأول: أن المراد المُماثلة التامة، وهي أنه ليس شيء يساويه في جميع الأمور التي قد تُتَوهَّم المساواة فيها مع التغاير. وعلى هذا القول لا يكون في الآية إبطالٌ لوجود مماثلٍ مماثلةً خاصة، أي: من بعض الوجوه؛ لأن نفي المماثلة تامةً يصْدُق بانتفاء المماثلة في بعض الأمور؛ لأنها إذا انتفت المماثلة في بعض الأمور فقد انتفت المماثلة

стр. 125

التامة، وصح نفيها. قال الله ﵎: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨]. القول الثاني: أن المراد المماثلة في أمور مخصوصة. وأولى ما يقال في تعيين هذه الأمور: إنها هي المذكورة قبل. قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ٩ - ١١]. والذي يتلخص من ذلك ــ بدون تعسُّف ــ سبعة أوصاف: الأول: الولاية، أي: العناية بمن يتولاه، ويمكن أن يعبَّر عنها بالقدرة المطلقة على النفع والضُّر. الثاني: إحياء الموتى، أي: بمحض قدرته. الثالث: القدرة على كل شيء. الرابع: الحكم، أي: الاستحقاق المطلق للحكم بين الخلق. الخامس: فَطْر السموات والأرض. السادس: جَعْله من أنفس الناس والأنعام أزواجًا. السابع: ذَرْؤهم فيه، أي: تدبير النطفة حتى تكون حيًّا سويًّا. بدأ سبحانه فبين اختصاصه بكل وصف من هذه الأوصاف، ثم أكدَّ ذلك

стр. 126

بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي: في شيء من ذلك. واختصاصه سبحانه بهذه وبأوصاف أخرى ذُكِرت قبلها وبعدها يستلزم اختصاصه بأوصافٍ أُخَر، وأنه لا مثل له فيها أيضًا. ومنها: استحقاق أن يعبد، وهو الألوهية، وهو المقصود من تلك الآيات، كما يُعْلَم من سياقها. وما لم تستلزم الاختصاصَ به من الأمور، وأنه لا مِثْل له فيه= لا يلزم عدم الاختصاص به، ولا وجود المِثل فيه، فيحتاج النظر فيه إلى دليل آخر. ودعوى اللزوم في شيء يحتاج إلى بيان أن العرب الذين هم أول من خُوطب وبلسانهم نزل الكتاب كانوا يعرفون وجه اللزوم، وسنوضح هذا في موضع آخر، إن شاء الله تعالى. وقد يقال: المعنى: ليس كمثله شيء في أمرٍ ما تُستَحَقّ به العبادة، فيعمّ ما تقدم وغيره، أو يقال: ليس كمثله شيء في صفةٍ من صفات الكمال، فيشمل ما تقدم وغيره. ومعروف في الكلام أنه إذا أتي بعبارة فيها نفي المماثلة مطلقًا، وكان المقام مقام المدح فُهِم [ص ٦٢] أن المراد المماثلة في الصفات التي يُمْدَح بها. وعلى هذا فقد عُرِف أن صفاته ﵎ كلها صفات كمال، فيرجع المعنى إلى أنه لا شيء يماثله في صفة من صفاته، وتكون المماثلة هي الخاصة على الوجه الأول (١).

стр. 127

(١) [فلا يخلو أن تكون دائرة تمكينه في أمور خاصة ليس منها التصرف في أحوال البشر بالنفع والضر، أو يكون بحيث تشمل ذلك. الأول لا شأن للبشر به، وأما الثاني فقد علمنا أن الله ﵎ لما مكَّن البشر من أن ينفع بعضهم بعضًا أو يضر جعل كلًّا منهم بحيث يرى غيره ويعرفه، وجعل لكل منهم سمعًا وبصرًا وعقلًا وقدرةً، وغير ذلك، فسهَّل لكل منهم السبيل إلى اجتلاب النفع من صاحبه ودفع ضره، وذلك المفروض أن الله تعالى مكنه في (٢) التصرف فيهم لو كان حقًّا لجعل الله تعالى للناس سبيلًا إلى العلم به واستجلاب النفع منه ودفع ضره. فإن قيل: فقد يصل إلى الإنسان نفع من صاحبه بدون سعي منه، ويصله ضرر منه لم يكن يمكنه اتقاؤه. قلت: ما كان كذلك فهو مما قضاه الرب حتمًا، فإن كان تصرف ذلك المفروض وجوده قاصرًا على مثل هذا فلا شأن للبشر به؛ لأن ما قضاه الله حتمًا، بحيث لا يتوقف على سعي من الإنسان ولا تقصير فهو واقع حتمًا، فلا شأن لهم بالطريق التي يصل منها. فإن قيل: دع هذا، بل نقول: إن الله جعل للناس وسيلةً إلى العلم بذلك المفروض وجوده، وهو أن كثيرًا من الأمم قالت بوجوده،

стр. 128

[وجعل لهم وسيلة إلى اجتلاب النفع منه ودفع الضر، وذلك بأن يعظِّموه ويتضرَّعوا إليه]. [*] قلت: الأمم التي قالت بوجوده ليس عندها أكثر من التخرُّص، فالعاقل إذا فكر وتدبر علم أنه إن فرض وجوده ثم أخذ يعظِّمه ويتضرع إليه كان بذلك قد سواه برب العزة في رجاء النفع الغيبي والتعظيم والتضرع لأجله، فهو في ذلك على خطر غضب الله عليه؛ إذ سوَّى به غيره، بل سوى به ما لم يثبت وجوده. وإن أعرض عنه واقتصر على تعظيم الله والتضرع إليه فإنه سبحانه لا يضيّعه؛ لعلمه أنه إنما حمله على ذلك الخوف من أن يقول على الله بلا علم، أو أن يسوِّي به غيره لمجرد تخرُّص. والعاقل يرى أن هذا الثاني هو المتعين، فإن فرض وجود ذلك المفروض فإن الله يغنيه عن نفعه ولا يمكِّنه من ضره. ووجه آخر: وهو أن الأمم المشار إليها تقول بوجود عدد كثير بالصفة المذكورة، وأن الإنسان إذا عظَّم بعضَهم وتضرَّع إليه غضب عليه غيرةً منهم وأراد به الضر، وأن الإنسان قد يتضرع إلى فردٍ منهم ويعظمه، ويتضرّع عدوّه إلى فرد آخر ويعظمه، فيريد صاحب عدوه به الضر، وأنه إن تضرع إلى اثنين وعظَّمهما غضب عليه الذي يرى نفسه أنه أعظمهما، قائلًا: كيف سوَّى بيني وبين من هو دوني؟! فيريد به الضر، وأولى من ذلك إذا قال: أنا أتضرَّع إليهم كلهم، وأعظّمهم كلهم].