← Акыда

Акыда · id 332

يسر العقيدة الإسلامية - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (128 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فإن كانت الأنثى مما يلد كالمرأة تربَّت البيضةُ في الرَّحِم إلى أن يكون خلقًا سويًّا من جنس الأبوين، وإن كانت مما يبيض أُحيطت البيضة بذلك الغشاء الصُّلب المعروف، وألقتها الأنثى في مكان تعدُّه لذلك، ثم تحضنها إلى أن يخرج الفرخ حيًّا سويًّا كأبويه، وتخليق الجنين مما لا شعور للأبوين به ولا بكيفيته، ولولا العادة لما علما بأنه يكون ولد إلا أن يكون إلهام فوق العادة. ثم يكون من الأولاد ذُكْران ومنها إناث، وليس للأبوين ولا لغيرهما خيرة في ذلك ولا شعور، ويكون لكل مولود يولد صورة تخالف صورة جميع الناس، ثم انظر في تفصيل الخِلْقة، ثم في تيسير الغذاء المناسب للطفل، ثم في طريق التغذية. ثم ارجع إلى الشجر، توضع النواةُ في الطين، فلا تلبث أن تنشقّ وتنبت منها شجرة مثل أصلها، وانظر كيف تغذيتها، وكيف ثمرتها، إلى غير ذلك. ثم انظر كيف تيسير ما يحتاج إليه الحيوان والنبات، فإن أشد ما يحتاج إليه هو الهواء والنور والحرارة المعتدلة، ثم الماء، ثم الغذاء، وتجد هذه الأشياء قد قُسِّمت في الوجود بحسب شدة الحاجة إليها، وقِسْ عليها غير ذلك. ثم تدبَّر أمرَ الشمس مع الأرض، وكيف تتغير حتى يتكون الفصول، ثم انظر في السحاب والمطر والرياح، ثم سل الحُكَماء الكبار أولي العقول الكبيرة: هل استطاعوا أو يستطيعون أن يصنعوا ذرّة لها من الأعضاء والقُوى والإدراك والحياة ما لهذه الذرة التي نطؤها بأقدامنا كل يوم؟ أو بُرّةً تُغْرَس فتنبت كما ينبت البر؟ أم أن يُخَلِّدوا إنسانًا أو يبقوه معمرًا مائتي سنة مثلًا، أم

стр. 72

أن يحيوا ميتًا؟ أم هل يعرفون ما هي الروح؟ ثم انظر في ارتباط الموجودات بعضها ببعض، كأنها أركان حكومة واحدة، أو أركان [ص ٣١] مصنع من المصانع، أو عائلة واحدة، أو أعضاء شخص واحد في التعاون والتباعد، أو آلات ساعة واحدة، فتجد تقدير الليل والنهار، والحر والبرد، والهواء والريح والمطر، والنور والظلمة، كلُّ ذلك على المقدار الصالح للحياة. وتفكَّر في تلقيح الشجر على ما يصفه علماء النبات، وأن كثيرًا منه يكون بواسطة النحل والفراش التي تقع على الزهرة المذكرة لتمتصَّ عَسلَها، فيَعْلَق برجلها وريشها شيء من طلع تلك الزهرة، ثم تقع على زهرة أخرى مؤنثة لتمتصَّ عسلها أيضًا، فيقع ذلك الطلع، فيتم لقاح الزهرة. وبالجملة، فمواضع العبرة في العالم كثيرة جدًّا. فتفكَّرْ وتدبَّرْ أيضطرُّك رؤية ملعقة من حديد إلى العلم بأن لها صانعًا، وهكذا إلى الساعة، أتَضْطَرُّكَ معرفَتُها إلى العلم بأن لها صانعًا عاقلًا، له قدرة وحكمة تناسب ذلك الإحكام وتلك الدقة، ثم لا يَضْطَرُّك ما رأيتَ من خَلْق الإنسان والحيوان والنبات، وسائر أجزاء العالم، وذلك الإحكام المدهش والنظام التام إلى العلم بأن للعالم خالقًا حيًّا عليمًا قديرًا مريدًا حكيمًا مدبرًا. أو لا يضطرُّك ما ترى من تدبير الأجَنَّة في بطون الأمهات، والنوى في باطن الأرض، وغير ذلك إلى أن تدبير الخالق مستمرّ لا يفتر؟ ! * * * *

стр. 73

مَبْلَغُ عِلْم المُلْحدين إن من الأدلة على وجود الرب ﵎ وأن الهداية بيده هو: النظرُ في حال الملحدين، فإنهم تبحَّروا في النظر في عجائب المخلوقات، فأدركوا فيها ما لم يدركه مَن قبلهم، ولكنهم نظروا فيها لذاتها، لا ليهتدوا بها إلى حق، بل قام بهم من بغض الدين واحتقاره والاستكبار عن آياته ما استحقوا به خذلان الرب تعالى، فكان مبلغ علمهم أنهم يخرصون أن هذا الفضاء قديم، وأن فيه مادة مبثوثة يسمونها: "الأثير"، فيها عدة قُوى من جَذْب ودَفْع وحركة وغير ذلك، وأن تلك المادة بما فيها من القوى يتركَّب منها بعد عصورٍ ذرات صغيرة، سماها بعض المصريين: "الجواهر الفردة"، وهذه الذرات يختلف تركيبها من المادة الأصلية، وباختلافه تختلف، فمنها ما يكون ذهبًا، ومنها ما يكون فضة، إلى غير ذلك من العناصر. قالوا: وإذا أذبنا الذهب مثلًا إلى أقصى درجات الإذابة، فإنما ينحلّ إلى هذه الذرات، وهكذا سائر الأجسام حتى المائعات والغازات، وهي العناصر الهوائية. قالوا: وهذه الذرات صلبة لا يمكن هدمها. قالوا: وإذا صار بعض المادة ذرات أحدثت لها قوى أخرى، ثم كأنها بمجموع القوى التي فيها تتجمع وتكون كوكبًا واحدًا، ثم يعرض لذلك الكوكب ما يكسره، فتتطاير الكِسَر هنا وهنا، فحدسوا أن أرضنا هذه متعلقة هي والسيارات التي حولها بالشمس، وأن الشمس هي الأم، ولا يدرون أتكونت ابتداءً، أم هي قطعة من كوكب أعلى منها؟

стр. 74

قالوا: ثم تكسَّرت الشمس فتطايرت منها السيارات التي الأرض واحدة منها، وأخذت هذه السيارات تدور حول أصلها التي هي الشمس. قالوا: ثم انكسرت من الأرض كسرة هي [ص ٣٢] القمر. قالوا: وأما الحيوان والنبات فإنا وجدنا لهما مادة خاصة، لا يتكون الحيوان والنبات إلا منها، فكأنها بالقوى الموجودة في المادة اتفق بالتبادل والتركب المستمرّ أن تكونت تلك المادة، وحصلت لها هذه القوّة الخاصة التي نسميها الحياة، وبحصول الحياة لها حصلت لها إرادة لها تأثير في تكوين جسمها وتركيبه، وفي توليد مثلها. قالوا: ثم لعلها أخذت تتوالد وتترقَّى صورها بفعل إرادتها حتى صارت إلى هذه الحال. وقوّى هذا الخَرْص عندهم بأنهم وجدوا الحيوان على درجاتٍ في الرُّقيّ، أدناه حيوانات حقيرة توجد في الماء، وأرقاه الإنسان، ووجدوا بعض الأنواع متقاربة كالخيل والحمير، ووجدوا الجنين يتشكَّل في بطن أمه على عدة أشكال، فتوهَّموا أنه يمر في تشكله على السلسلة التي ابتدأت من الحيوان الدنيء إلى أن وصلت إلى الشكل الذي عليه أبواه، وهم مع هذا متفقون أنه لا يوجد فيما يعلمونه حيٌّ إلا من حيّ، وأنهم لم يشاهدوا ولم يسمعوا بأن حيوانًا قد ترقَّى بإرادته من شكل إلى شكل آخر بخلاف العادة المعروفة في جنسه، وأنهم قد حفروا في مواضع كثيرة يقدرون في بعضها أنها اندفنت قبل مائة ألف سنة أو أكثر، ويجدون في بعضها جثث الناس، وبعض الحيوانات الموجودة الآن على ما هي عليه الآن، وأنه إن فُرِض صحة ذلك الترقّي فلا يكون القليل منه إلا في ملايين من السنين، وأنَّ عُمر الأرض على ما يَحْدِسونه لا يكفي لذلك، ولا لعُشْره، ولا لعُشْر عُشْره،

стр. 75

فعادوا يفرضون فرضًا آخر، وهو أن الحياة جاءت إلى الأرض من كوكب آخر. فيقال لهم: تلك المادة كيف وُجدت؟ وتلك القوى التي لها كيف حصلت؟ ثم تلك الحياة ما حقيقتها؟ وأنى جاءت؟ وما بال الحيوانات الدنيئة لا تزال موجودة بكثرة؟ فهل كان لبعضها تلك الإرادة الخارقة حتى رقَّتها إلى الإنسانية وبقي بعضها على تلك الحال؟ وإن كانت الحياة جاءت من كوكب آخر فهل جاءت بأبسط صورها ــ أي: الحيوانات الدنيئة ــ ثم ترقَّت في الأرض؟ لا يمكنُ هذا الفرض؛ فإنه يعود الإشكال. أم جاءت في صورة راقية، فإني وجدتُ في الأرض الحيوانات التي أدنى من ذلك النوع، أم جاءت بِعِدّة أنواع منها الدنيء ومنها الراقي؟ وكيف كان مجيئها؟ ثم أيّ حاجةٍ بالحيوانات الدنيئة إلى بقاء نسلها تلك الحاجة الشديدة التي تقتضي الإرادة الشديدة؟ ونحن نجد كثيرًا من أفراد أرقى الحيوان ــ وهو الإنسان ــ لا همَّ لهم في الولد ألبتة، وإنما يقارب الذكر الأنثى للشهوة، فإن كان لهما همٌّ في الولد فطلبًا للذة بمحبة الولد، فإن زاد عن ذلك فلكي يخدمهما الولد. ونجد الحيوانات الدنيئة ــ كما قالوه ــ يكون آخر عهد الأمّ بولدها حين تضعه، فإن عاشت لم تعد تعرفه، ونجد بعض الحيوانات التي هي أرقى من ذلك تربي الأم ولدها بالشفقة المغروزة [ص ٣٣] فيها، فإذا قوي طردته ولم تعد تعرفه، كالحمام وغيرها من الطير. ثم قد كان الظاهر أن تلك الإرادة تترقَّى بترقِّي الحيوان، فتكون أرقى ما تكون في الإنسان، أو على الأقل تبقى كما كانت، ونحن نجد الأمر بالعكس، فالإنسان لا يستطيع بإرادته أن يغير شيئًا من تركيب جسمه ولا نسله، فقد

стр. 76

يجتمع الذكر والأنثى وهما كارهان للولد، كما يكون بين الزانيين المُسْتخْفِيين الخائفَيْن من الفضيحة، وقد يشتهيان الولد ويحبان أن يكون ذكرًا فيكون أنثى، وقد يحبان أن يكون شكله كذا، وهيئته كذا، فيكون على خلاف ذلك. وما أدري ما يقولون في النبات، وهل يقولون: إن له إرادة بها ترقَّى؟ ثم ما عسى أن يقولوا في النظام البديع في الموجودات ــ على ما تقدّم بعضُه ــ هل إرادة بعض الحيوانات الدنيئة هي التي رَتَّبت العالم على هذا النظام؟ أوَلا يهديكم العقل إلى أنه لا بد من إرادة عُليا هي التي دبرته وتدبره، وأنها إرادة الخالق ولا بُدّ؟ ! وبالجملة، فالقوم أنفسهم يسلِّمون أن هذا الفَرْض الذي فرضوه إنما هو تَخَرُّص محض، وأنه يَرِدُ عليه من الإشكالات أضعاف أضعاف ما ذكرتُه، وأنّ هناك أشياء كثيرة في العالم لا تَنْحَلُّ بذلك الفرض. فإذا قلتَ لهم: فلماذا لا تُسَلِّمون بوجود الخالق المُدبِّر وتستريحون من هذا العناء، ثم إن وجدتم مُسبّبات عرفتم أسبابَها قلتم: هذا عن كذا، وهذا عن كذا، والخالق هو الذي جعلها كذلك، وما لم تعرفوا له سببًا قلتم: إرادة الخالق، وكفى؟ قالوا: لم يقم عندنا دليل حِسّي على وجود الخالق. فيقال لهم: ولا قام عندكم دليل حِسيٌّ على هذه التخرُّصات! فيقولون: نعم، ولكنها أقرب إلى ما عرفناه. فيقال لهم: بل هي بعيدة عنه، ثم هي لا تشفي ولا تكفي، والقول بوجود

стр. 77

الخالق أقرب إلى ما تعرفون، فإنَّ مما تعرفون أن في البدن روحًا تدبِّره، ولا تدرون ما هي، فقولوا: إن للعالم روحًا تدبره، وإن لم تدروا ما هو. لا أريد أنَّ علاقة الرب بالعالم كعلاقة الروح بالجسد، وإنما أريد التدبير فقط. وقد رجع أكثر القوم إلى الاعتقاد بوجود الأرواح لما ظهر لهم من تجارب في ذلك، انظر كتاب ... (١). وكذلك ارعوى كثيرٌ من عقلائهم، فاعترف بوجوب الرب، وسفَّه إخوانه المتشككين، ودَحَض شبهاتهم. * * * * فصل الباعث للمتشكِّكين على إصرارهم على دعوى الشك أمور: الأول ــ وهو عُمْدتهم ــ: أن فلسفتهم الحديثة كانت ردّ فعل لفلسفة اليونان وأتباعهم، كانت تلك تبالغ في التخيُّلات والتوهُّمات، فجاءت هذه تحصر العلم في المحسوسات، وقد انهدم هذا الأصل عند أساطينهم بما حدث فيهم من قضية الأرواح. الثاني: أن فيها ردّ فعل للنصرانية المبدلة التي أفرطت في الخرافات والخُزَعبلات. الثالث: أنهم وجدوا كتبهم الدينية فيها ما يُقْطَع بكذبه وبطلانه، ولا يحتمل تأويلًا.

стр. 78

الرابع: أن أوائلهم أرادوا تخليص قومهم من قيود ديانتهم، وعارضهم القسيسون والرُّهبان، فطال النزاع بينهم، فبالغ المتفلسفون [ص ٣٤] في الطعن في الديانة وتسفيه المتمسكين بها إلى أن صوروهم بأقبح صور الجهل والجمود والحُمْق واعتقاد الخرافات، وطال ذلك ورَسَخ في النفوس، فصار المتمسِّك بالدين محتقرًا فيما بينهم، والطاعن في الديانة محمودًا بحرية الفكر، وغير ذلك، فيرى أحدهم أنه إذا عاد فاعترف بوجود الرب عُدَّ مُنْحطًّا رجعيًّا كما يقولون، ويكفي خصمَه أن يسقطَ سُمعته بقوله: نحن في عصر العلم والتجديد، وفلان يرجع بنا إلى خرافات القرون الجاهلية. الخامس: أن القوم نشأوا على الإباحة والتهافت على الملاذّ الدنيوية، ومن شأن الدين أن يقيِّد صاحبه، أو ينغِّص عليه ملاذَّه بِتوقُّع العقوبة، فنفوسهم تنفر من ثبوت الدين، وتعاديه أشد العداوة. السادس: أنه كما أن سليم البصر لا يرى في الظُّلمة، بل يحتاج إلى النور، فكذلك البصيرة تحتاج في إدراك ما يتعلق بالغيب إلى نور خاص، وهذا النور الخاص إنما يكون في التعليمات النبوية، وهم أبعد الناس عنها. السابع: أنهم يَحدِسون أنه إذا كان هناك دين حق فهو الإسلام، ولكنهم ينفرون عن الإسلام لأمور (١): منها: العداوة المتوارثة فيهم للمسلمين. ومنها: عداوة دولهم للإسلام، فهي لا تفتأ تنفِّر عنه بالطرق المختلفة.

стр. 79

ومنها: أنهم ينظرون إلى أحوال المسلمين في هذا الزمان. ومنها: أنهم إنما ينظرون إلى العقيدة الإسلامية بصورتها المشوَّهة في كتب القسيسين الذي استعربوا ووصفوا الإسلام، فإن أمعنوا النظر نظروا في كتب المتفلسفين من المسلمين، فإن زادوا نظروا في بعض التراجم الناقصة للقرآن. الثامن: أنهم مع أخذهم في دنياهم بل وفي علمهم بالظن والاحتياط، يأبون ما هو أوضح من ذلك في الدين، وبذلك كانوا مستكبرين عن قبول الحق، وقد قال الله ﵎: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦]. (١). * * * * [ص ٣٥] فصل ومن الأدلة (٢) ما يُشاهَد من تعجيل العقوبة لكثير من أهل البغي والظلم والجور، وسوء المِيْتة لأكثرهم، وذهاب ما جمعوه من الأموال الكثيرة بعوارض لم تكن في حساب، إمَّا في حياتهم، وإمَّا بعد هلاكهم، وأهل الخير والعدل بخلاف ذلك.

стр. 80

ومنها: ما لا يخلو إنسان من الناس من وقوعه له، وهو أنه كثيرًا ما يقارب الخَطَر ولا يشعر، ويكاد يقع فيه، فيجد ما ينبهه فيسلم، أو يعرض عارض لم يكن في حساب فينجو، وقد جربنا هذا كثيرًا. ومنها: أن الإنسان الذي لا يخلو من خير يكثر أن تنزل به المصيبة التي كان يظن أنها إذا وقعت مات غمًّا، فيجد في نفسه عند وقوعها ما يهوِّنها عليه ويخفِّفها، بل لعله يرجو منها خيرًا، وعلى العكس من ذلك أهل الشر. ومن ذلك: ما يُشاهَد من حال الأغنياء الفَجَرة؛ تُسَدّ عنهم طرق الخير، فلا يكادون ينفقون فيها فلسًا، وتُيسَّر لهم طرق الشرّ فينفقون فيها الأموال الكثيرة لغير شهوة يُعتدّ بها أو لذّة تعقل. ومنها: ما جربه كلّ مؤمن من نفسه من إجابة الرب دعاءه، وإغاثته عند الكرب، وتخليصه من المهالك، وغير ذلك، ويشاركهم في ذلك أهل الأديان الباطلة؛ لأن عندهم اعتقادًا بوجود الرب، والتجاءً إليه، واستغاثةً به، فيمدهم سبحانه بجوده وكرمه في هذه الدنيا (١)، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ

стр. 81

الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] (١). ومنها: ما يحكيه بعض المتدينين عن أنفسهم: أن أحدَهم إذا فعل خيرًا وجد أثر ذلك في تيسير الخير له في دينه ودنياه، وإذا فعل سوءًا أحسَّ بأثر ذلك من تغيُّر حاله في دينه ودنياه. وكثيرًا ما تنال أحدهم العقوبة، فيعرف [أنها] بذنبِ كذا لمناسبتها له. كان ابن سيرين ــ أحد أئمة التابعين ــ يتَّجِر وهو مع ذلك محتاط في تجارته، فاتفق أن عَرَض له ما أوقعه في خسارة تجارته، وأدى الأمر إلى أن رفعه خصومُه إلى القاضي فحبسه، فقال: إني لأعرف الذنب الذي عوقبت به، فقيل له: وما هو؟ قال: قلت يومًا لرجل: يا مفلس (٢)!

стр. 82

يعني أنه عَيَّره بذلك، فعاقبه الله بأن أوقعه في مثل ما عيره به. وقال بعضهم: إني لأرى ذنبي في وجه خادمي ولسان امرأتي (١)، أو كما قال. يريد أنه إذا أذنب أنكر حال خادمه، فلا يجده كما كان من حُسْن الخدمة والطاعة، وأنكر حال زوجته فوجدها تطيل لسانها عليه على خلاف عادتها. ويحكي بعضُهم عن نفسِه أنه ربما أراد في نفسه مواقعة ذنب، فينكر حال الناس معه، ويجد منهم من يتكلم بكلام فيه ما يتعلق بذلك الذنب، حتى كأنه يعنيه، أو كأنه قد اطلع على ما في نفسه، وقد يتكرر ذلك من عدة أفراد، فيتوب في نفسه، فلا يلبث ذلك أن يزول. وأنه قد يعرض له باب خير، فيبخل من الإنفاق فيه، فلا يلبث أن يعرض له ما يضطره إلى إنفاق أضعاف ذلك. [ص ٣٦] ولو فتشت لوجدت أفرادًا من الناس لأحدهم وارد من المال يكفيه وأهله براحة، ثم يقع في اكتساب الحرام، فتجد الحلال مع الحرام لا يكفيه كما كان يكفيه الحلال، ولو دقَّقتَ لوجدت أنها تعرض له عوارض لا يشعر بها، مثل كثرة انكسار الآنية، وتخرُّق الثياب قبل وقتها، وغير ذلك من الأسباب التي تضطره إلى الإنفاق، وهو يرى أنه لم ينفق إلا فيما لا بدَّ منه (٢).

стр. 83

ومن الأدلة (١): أن أفرادًا نشأوا نشأة طاهرة، عرفهم الناس فيها بالصدق والأمانة، والخير والطهارة، والنُّصْح للناس، والعقل والحِلْم، والفهم والذكاء، وعدم الميل إلى سمعة ولا جاه ولا شهرة، ثم أخبروا أن الله جعلهم أنبياء، فاختبرهم الناس بعد أن ادَّعَوا، فوجدوهم على ما كانوا عليه من الأخلاق، وازدادوا فضلًا وخيرًا، ثم اختبرهم الناس في العمل على ما يأمرون به، فوجدوهم أشد الناس محافظة عليه سرًّا وجهرًا. فإذا صرفنا النظر عن النبوة فأخبار مَن هذه حاله من الصدق والأمانة والعقل والفطنة وغير ذلك من خصال الخير لا يمكن إهماله. وقد اتفق عُقلاء الإفرنج على وصف محمد ﵌ بالعقل الراسخ، والذكاء الخارق، والحكمة البالغة، والأخلاق الفاضلة (٢)، ثم اعترفوا أخيرًا بنزاهته عن الكذب، وحاولوا بتمحّل للجمع بين ذلك وبين ما يتشكَّكون فيه من وجود الرب وملائكته، فقالوا ما تراه مع جوابه في كتاب "الوحي المحمدي" (٣) للسيد محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى. ومن الأدلة: ما ظهر على أيدي أولئك الأفراد من الآيات الخارقة التي تدل على أن لهذا العالم ربًّا قادرًا حكيمًا يفعل ما يشاء. ومنها: ما جاؤوا به من الشرائع الحكيمة.

стр. 84

وقد اعترف عقلاء الإفرنج على قلة علمهم بالشريعة الإسلامية بأنها أكمل تشريع يمكن [ص ٣٧]، حتى قال (١): [جيبوب: إن الشريعة المحمدية تشمل الناس جميعًا في أحكامها، من أعظم مَلِك إلى أقل صعلوك، فهي شريعة حُبِكت بأحكم وأعلم منوال شرعي لا يوجد مثله قط في العالمين].

стр. 85

و [من] تدبَّر هذه الشريعة وجد حِكمةً بالغة وإتقانًا باهرًا، يستحيل في العادة أن تكون من وضع بشر واحد، بل ولا من وضع البشر كلهم. فصل إذا كنت قد أنعمت النظر فيما تقدم فقد علمت أن الأدلة المذكورة ــ قطعيها وظنيها ــ لم يثبت بها وجود مُجرَّد، ولا وجود ذات مجردة، بل وجود رب هو المدبر لهذا العالم، فعُلِمَ بذلك أنه حي قدير مريدٌ، عليم حكيم، كريم رحيم، إلى غير ذلك من الصفات. ولهذا ــ والله أعلم ــ يُكتفَى في الكتاب والسنة في ذِكْر الإيمان بالإيمان بالله، ولا يُفرَّق فيهما بين الإيمان به والإيمان بصفاته، وإن أُفرد الاحتجاجُ على بعضها كقوله (١) تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. فصل العقل إنما يستثبت بالأدلة المتقدمة وغيرها وجودَ الربّ، وأنه حيٌّ عليم قدير، إلى غير ذلك من صفاته، بطريق القياس على ما عرفه من وجود الناس ــ مثلًا ــ وحياتهم وعلمهم وقُدرتهم، ونحو ذلك. وهو بنفس تلك الأدلة يعلم أن الرب ليس من جنس هذه المحسوسات، وأن مشاركته لها في تلك الصفات تكاد لِعِظَم التفاوت تكون مشاركةً في الاسم فقط، وأن هذه المشاركة لا تقتضي المشاركة في غير ما ثبتت فيه.

стр. 86

فصل النظر على الوجه الذي شرحناه يبيِّن في نفس الناظر أن الربَّ الذي وصل به النظرُ إلى معرفته ليس هو ذاك الكوكب، ولا القمر، ولا الشمس. أولًا: لأن هذه الأشياء من جنس ما يراه ويحسّه، وهل الكوكب إلا جِسْم منير، مثله في السماء كثير، وجنسه في الأرض موجود، وهو الشعلة والمصباح؟ ثانيًا: لأن هذه الأشياء لا يظهر فيها أثر حياة ولا قدرة، ومجرد الإنارة والحرارة ليست من دلائل حياة ولا قدرة، فإنها موجودة في النار. ثالثًا: بل يظهر في الشمس وغيرها أنها جماد، وذلك ببقائها على وتيرة واحدة ونظام مستمر، يعلم به أن القادر الحكيم هو الذي وضعها عليه. رابعًا: ما يظهر عليها من علامات أنها مخلوقة لمصلحة الخلق، كما خُلِقت الأرض والهواء والماء والنبات. خامسًا: لاتفاق الأمم جميعًا على أن الشمس فما دونها ليست هي رب العالمين، فأما ما حُكِي عن عُبَّاد الكواكب فقد بيَّن المحقّقون ــ وأوضحتُ ذلك في رسالة "العبادة" (١) ــ أنهم إنما يرون في الكواكب نحو ما يرون في الأصنام، فإن القوم يعترفون برب العالمين، ثم يعبدون الملائكة ليشفعوا لهم إليه، ثم زعموا أن للملائكة تعلقًا بالكواكب، من جهة أن مع كل كوكب مَلَكًا يدبره. فعبدوا الكواكب على قصد عبادة الملائكة التي تدبرها. ثم لما رأوا أن الكواكب تغيب عنهم اتخذوا أوثانًا على أشكالٍ

стр. 87

تخيلوها للكواكب، وسموها بأسمائها؛ لتكون موجودة عندهم دائمًا، فيعبدوها متى أرادوا. وبهذا يُعْلَم تفسير قول الله عن إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٧٦ (١) - ٨١]. فإنما أراد بـ"الرب" المعبود، على طريقة قومه في تسمية الكواكب أربابًا، على معنى أنها تستحق العبادة؛ لعلاقتها بالملائكة كما تقدم. وقوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: أن هذا يغيب، فإذا غاب لم تمكن عبادته على الطريقة المعروفة عندهم، وكانوا هم يسلِّمون هذا، ولأجله اتخذ الأصنام كما مر. وهكذا في الباقي. وقوله: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: فإنه لا يغيب علمًا وقدرة.

стр. 88

وقوله: ﴿وَلَا تَخَافُونَ .... ﴾ مما يبين أن القوم كانوا يعترفون بوجود الله. وعلى ذلك أدلة أخرى قد ذكرتها في رسالة "العبادة" (١). وقد خَلَّط المفسرون في هذا، ولاسيما المتأخرين. والله المستعان. * * * *

стр. 89

الأصل الثاني (١): أنه أَحَدٌ صرَّح المتكلمون ــ كما بينته في رسالة "العبادة" (٢) ــ بأنه لم يخالف في هذا أحد من الناس، وإنما يقرب من الخلاف فيه فِرَق: الأولى: غلاة المجوس، زعموا أن الشيطان قديم، وأن له قدرة عظيمة، وأنها لا تزال المغالبة بين الله وبينه حتى يُغلَب الشيطان أخيرًا، ويلقيه الله في جهنم، هو ومن تَبِعه. والذي أوقعهم في هذا القول هو النظر بعقولهم، غير مستضيئين بنور الأنبياء، فرأوا أن الله لا يمكن أن يكون منه شرّ، ثم رأوا في العالم شرورًا، فقال بعضهم: الشرور من إبليس. فقال آخرون: يعود الإشكال في خَلْق الله تعالى لإبليس الشرير. وهكذا أخذوا يفرضون وينقضون، حتى قال بعضهم: لا مَخْلَص إلا بالقول بأن إبليس قديم، لم يخلقه الله . وهذا الفرض يكفي في بطلانه بقاء العالم على ما نشاهده من النظام، كما يشير إليه قوله : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فأما ما جهلوه من تفسير وقوع الشر، فإن أمكَن توجيهٌ يقبله العقل فذاك، وإلا وجبَ التوقفُ والعلمُ بأن لذلك [ص ٤٠] تأويلًا صحيحًا وإن لم نعلمه. الفرقة الثانية: غُلاة النصارى في قولهم: إن الله ربٌّ واحد حقيقة، وهو مع ذلك ثلاثة أقانيم: الأب والابن والروح القدس (٣).

стр. 90

ولهم في ذلك خَبْطٌ طويل، قد بين أهل العلم بطلانه، والنصارى أنفسهم يقولون: إن قولهم مما يبطله العقل. الفرقة الثالثة: أتباع أرسطو، يقولون: إن واجب الوجود واحد، وسائر الموجودات ممكنة، ثم يتخَرَّصون بأن موجودًا ممكنًا صدر عن الله تعالى بطريق الإيجاب، فهو لم يزل معه، كما يصدر الشعاع عن الشمس، ولم يزل معها. ثم سموا هذا: عقلًا أول (١)، وخَرَصوا أنه صدر عن هذا الثاني عقل ثانٍ، إلى عشرة عقول. ويزعمون أن كلًا من العقول رب لما دونه، وهم أنفسهم يعترفون بأن هذا تخرُّص، وبنوه على أصول واضحة البطلان، كقولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وقولهم: إن الصدور عن واجب الوجود إنما كان بالإيجاب، وقولهم: إن العالم قديم، وغير ذلك مما هو بكلام المُبَرْسَمِين (٢) أشبه منه بكلام العقلاء. وقد علمت أن الأدلة التي تقدم بيانها أوصلتك إلى العلم بأن للعالم ربًّا حيًّا عليمًا قديرًا حكيمًا، فإن فُرِض أن المدبِّر الذي تشاهد آثار تدبيره مربوب، فربُّه هو الرب، ولا بد أن يكون أكمل منه في الحياة والعلم والقدرة والحكمة.

стр. 91

وهكذا هذا الثاني إن فُرِض أنه مربوبٌ أيضًا. إذن فالربُّ الحقيقي هو الذي ليس فوقه رب، فهو الله ، فإن فُرِض أن مِن دونه مدبرًا، فلا يخلو أن يكون عمله إنما هو تنفيذ ما أمره الله به، أو يتصرف بهواه وإرادته. إن كان الأول فهو عبد لا رب، وإن كان الثاني فلا يخلو أن يكون تدبيره بغير إذن الله أو بإذنه. الأولُ مُحالٌ كما تقدم في الكلام على إبليس (١)، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون أَذِنَ الله له لعلمه أنه لا يفعل إلا ما يحبه الله ويرضاه، أو أَذِنَ له مع علمه بأنه يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه. فالأول عبد لا رب، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون الله مراقبًا له، فإذا أراد أن يفعل ما لا يحبه الله منعه وحالَ بينه وبين الفعل، أو أن يكون مهملًا له، فالأول عبد لا رب، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون تصرفه المُخَلّى بينه وبينه واسعًا بما فيه تدبير الأمور [ص ٤١] العظيمة، كتسيير الشمس والقمر، وإرسال الرياح، وغير ذلك من الأمور العظيمة، أو يكون جزئيًّا لا يؤدي إلى فساد النظام المُشاهد. فالأول باطل لما مرَّ في الكلام على إبليس (٢)، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون الله أذن له لغير حكمة أو لحكمة. الأول باطل؛ إذ قد ثبت بالأدلة التي ثبت بها وجود الرب أنه

стр. 92

حكيم، وسيأتي زيادة إيضاح لذلك إن شاء الله تعالى، وأما الثاني فما تلك الحكمة؟ أحاجة الله إليه، أم خوفه منه؟ كلاهما باطل. أم محبته له؟ هذا أيضًا باطل؛ لأن المفروض أنه يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، فكيف يحبه ويمكِّنه من فعل ما لا يحبه ولا يرضاه، ومقتضى محبة الله أن يَحُول بين الذين يحبهم وبين فعل ما لا يحبه؟! أم تشريفه وتكريمه؟ هذا أيضًا باطل؛ فإن شرف المربوب وكرامته إنما هو في طاعة ربه، فتركه يفعل ما لا يرضي ربَّه ليس بتشريف، بل قد يكون إهانة له. أم الابتلاء والاختبار، كما في تمكين الله الإنس والجن؟ فيلزمه نزول درجته إلى درجة الإنس والجن، وسيأتي استقصاء البحث في الكلام على توحيد الألوهية، إن شاء الله تعالى (١). [ص ٤٣] فصل قد يقال: وحدانية الرب وإن اتفق الناس عليها ــ على ما مضى ــ فقد يُجَوِّز الوهمُ وجودَ ربين أو أكثر. ثم إمَّا أن يُقال: إن هذا العالم الذي نشاهده مختصٌّ بأحدهما وللآخر عالم آخر، وإما أن يقال: إنهما ربان لهذا العالم ولكنهما لكمال علمهما وحكمتهما لا يمكن أن يختلفا حتى يلزم من اختلافهما فساد السموات والأرض.

стр. 93

والجواب: أن الفلاسفة والمتكلمين قد ذكروا عدة براهين لإبطال هذا الفرض، ولكن الكلامَ فيها دقيق، ومبنيٌّ على أصولهم، فليراجعها من شاء في كتبهم. والذي يليق برسالتنا هذه أننا سنقيم الدليل على صحة النبوة، وعلى نبوة محمد ﵌، وبذلك تثبت نبوة نوح وإبراهيم، وموسى وعيسى، وغيرهم ممن صرح القرآن بنبوَّته. وإذا ثبت ذلك فمعنى نبوّتهم أنهم مرسلون من جانب الربوبية؛ ليكونوا سفراء يبلغوا الناس عن ذلك الجانب، وقد عُلِم أن هؤلاء الأنبياء بلَّغوا الناس أنه لا يوجد إلا ربٌّ واحد، فالآمر لهم بذلك المؤيد لهم بالمعجزات إن كان أحد الربين المفروضين فقد كذب، وأمر بالكذب، واهتضم حق صاحبه، ومثل هذا لا يجوز على الرب. فإن أبيت إلا افتراض جوازه، فلا بدَّ من التنازع بين الربين، وذلك باطل كما تقدم في الكلام على إبليس (١). وإن فُرِض أن الأنبياء مرسلون من الربين معًا فكيف يجوز على الرَّبين أن يأمراهم بالكذب والزور، ونَفْي وجود أحدهما، والإعراض عنه؟ ! وتصوُّر هذا كافٍ في العلم ببطلانه. فإن عاد الوهم فجَوَّز كذبَ الأنبياء، فمعنى ذلك تجويز أن لا يكونوا أنبياء، وسيأتي إثبات نبوتهم. وهذا بحمد الله ﵎ برهان قاطع، إنما يبقى فيه إثبات النبوة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 94

فصل قد علمت أن الأدلة على وجود رب العالمين تضمنت الدلالة على أنه حيٌّ قدير عليم حكيم، وأن ذلك على الوجه الذي دل عليه تدبير العالم من كمال الحياة وعِظَم القدرة وسَعَة العلم وتمام الحكمة. والإنسان إذا أيقن بهذا فقد حصل له الإيمان بالله على الوجه الكافي في هذا الباب، وتلك الأدلة كافية في تحصيل هذا اليقين، لكن أكثر الطلاب في هذا الزمان تعترضهم شبهات تكاد تشكِّكهم في ذلك، عامتها يرجع إلى: ما هو؟ وكيف هو؟ وأين؟ ومتى؟ [ص ٤٤] وكيف؟ ونحو ذلك، فأجدُ الحاجةَ داعية إلى النظر في ذلك، وفيه مسائل: [المسألة] الأولى: ما هو ؟ ارجع فتدبر الأصل الأول في أوائل الرسالة، ثم استحضر أنك قد عرفت أن الرب ليس من جنس ما تحسُّ به وتشاهده؛ فتعلم بذلك أنه لا سبيل إلى إدراك ما هو بحسٍّ ولا قياس. وإنما أدركنا أنه موجود حيّ قدير عليم حكيم؛ لأنَّ (١) لنا سبيلًا إلى ذلك من جهة القياس، وإن عَظُمَ الفرق. ثم ارجع إلى الأصل الثاني إلى الخامس، وانظر إلى ما قصه الله ﵎ من محاورة موسى ﵇ لفرعون، قد أوضحتُ في رسالة "العبادة" (٢) بالأدلة الشافية من الكتاب والسنة، والتاريخ والآثار التي

стр. 95

اكتُشِفَت في مصر، وكلام المحققين من أهل العلم: أن فرعون وقومه كانوا يعترفون بوجود رب العالمين، وإنما كان أوائلهم قالوا: إن ربّ العالمين بغاية العَظَمة، والبشر بغايةٍ من الضعف والحقارة، فليس لهم لذلك أن يرفعوا أنفسهم إلى التصدِّي لعبادة رب العالمين، فإن ذلك يُعَدّ سوء أدب وانتهاك حُرْمة، كما لو قام جماعة من كنَّاسي المراحيض فقالوا: نذهب لنسلم على السلطان. قالوا هذا مع أنَّ ما بين السلطان والكنَّاسين قريب؛ لأن الفرق الذي بينه وبينهم عارض، فأما بين ربّ العالمين وبين البشر فالفرق عظيم جدًّا. قالوا: وكما أن بين السلطان وبين كنَّاسي المراحيض وسائط، حقُّ كناسي المراحيض أن يرفعوا حوائجهم إلى أقرب الوسائط إليهم، ثم ذلك الواسطة يرفع (١) أمره إلى من فوقه، وهكذا حتى ينتهي إلى المَلِك. فبين البشر وبين رب العالمين واسطة هم الملائكة، فحقُّ البشر أن يعبدوا الملائكة، ويرفعوا حوائجهم إليهم، وأما عبادة رب العالمين فهي حق للملائكة، حتى جاء فرعون فزاد ــ كما يقال ــ في الطُّنْبور نَغْمة، كأنه بعد أن تملَّك جمع أكابر قومه، وقرَّرهم بتلك العقيدة، ثم قال لهم: كما أن البشر ليس لهم أن يعبدوا رب العالمين لانحطاط درجتهم، فكذلك ينبغي أن يُتَوقَّف في عبادتهم للملائكة؛ لأن (٢) درجة الملائكة وإن كانت مُنْحطّة عن درجة رب العالمين فهي بعيدة في العلو والعظمة عن درجة البشر. فكأنهم قالوا: وكيف نصنع؟ لا بدّ لنا من العبادة!

стр. 96

فقال فرعون: ينبغي لعامة البشر أن ينظروا من كان منهم أعلى درجة وأعظم شأنًا، فيجعلونه واسطة بينهم وبين الملائكة، هو يعبد الملائكة والعامّة يعبدونه، فقالوا: ليس هذا إلا الملك، فقرروا أن كلَّ قومٍ لهم ملك ينبغي لهم أن يتخذوه إلهًا، فيعبدوه، وهو يعبد الملائكة. وبذلك حصل فرعون على منصب الألوهية عندهم، ولذلك قال فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١) [الزخرف: ٥١]، فقرر مَزِيَّته عليهم، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، فقرر ربوبيته لهم، يعني: الملك، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، فقرر ألوهيته لهم. ولم يتعرَّض في هذا كله لغيرهم من الناس، كأهل الهند والصين والروم وغيرهم؛ لأن الأمر الذي قرره مع قومه [ص ٤٥] أن المَلِك إنما يكون ربًّا وإلهًا لرعيته، وأما غيرهم فلهم ملوك غيره، فهم أرباب وآلهة كلٌّ لرعيته. وقال لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]؛ لأنّ موسى ﵇ عنده من رعيته. وقال له آلُه: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، فأثبتوا أن لفرعون آلهة، ومعنى الكلام: أن موسى لم يكتف بأن يَذَر عبادتك، بل ترك عبادة آلهتك، يعنون الملائكة، فلم يكتفِ بمساواتك، بل رفع نفسه إلى مساواة آلهتك.

стр. 97

قال الله ﵎ لموسى وهارون: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٦ - ١٩]. لفرعون في هذا الكلام غرضان: الأول: المنُّ على موسى بالتربية. والثاني ــ وهو الأهم ــ: القدح في رسالته، كأنه يقول: إنما أنت بشر من عامة البشر، وقد لزمك النقص بقتل النفس وكُفْر النعمة، والرسالة أمرٌ عظيم لا يصلح لها البشر، فكيف البشر القاتل للنفس الكافر للنعمة؟ ! وهذا كما حكاه الله تعالى عن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من قولهم للرسل: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقد تكرر ذلك في القرآن، اقرأ سورة الأنبياء (٣)، وسورة المؤمنين (٢٤)، وسورة الشعراء (١٥٤، و ١٨٦)، وسورة يس (١٥)، وسورة التغابن (٦). بل قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٥ - ٤٧]. وقد تَسْتغرب استبعادهم أن يكون البشر رسولًا مع قولهم: إنه حيًّا وميتًا يكون إلهًا، وقد كشفت عن وجه ذلك في رسالة "العبادة" (١).

стр. 98

ثم ذكر الله تبارك [وتعالى]: جوابَ موسى ﵇: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا (١) وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠ - ٢١]. هذا جوابٌ عن الأمر الثاني، يقول: إن [ص ٤٦] لزمني نقص بقتل النفس فإنما كان ذلك قبل الرسالة، وأما البشرية فإنها ليست مانعة من فضل الله، وقد تفضَّل عليَّ. ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]. هذا جوابٌ عن الأمر الأول، وعن كفر النعمة من الأمر الثاني، أي: أيُّ مَنٍّ لك على إنسان ربيته وعبَّدتَ قومَه تقتل أبناءهم وتستحيي نساءهم؟ ! فعَدَل فرعونُ إلى سؤال آخر يحاول به أن يُرِي قومه أن موسى ﵇ كاذبٌ في دعواه الرسالة: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]. يريد: أن الرسول مِنْ شأنه أن يكون قد حضر عند مُرْسِلِه وشاهدَه وعَرَفه، فقل لنا: ما هو؟ يحاول أن يقول موسى: لا أدري ما هو، أو: ليس لبشر أن يدري، أو نحو ذلك. فيقول: فلست برسول إذن. ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤]. هذا من النوع الذي يسميه البيانيون: الأسلوب الحكيم، وهو إجابة السائل بخلاف ما يترقب؛ لنُكْتة. كأنه يقول: ليس من شرط الرسول أن يعرف ذات مرسله، فقد يدعو الملك بعض الأمناء الذين لم يروه قط، فيكلمه من وراء حجاب، أو يبعث إليه ثقة من ثقاته، ويوجهه رسولًا، ولكن كأنك يا فرعون

стр. 99

لم تعرف معنى قولي: "رب العالمين"، أو كأنك وملأك تجحدون وجود رب العالمين، فأنا أجيبك بحسب هذا. فتجاهل فرعون: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥]. أسأله عن شيء فيجيبني بغيره! فأجابه موسى: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦]. في هذا تأكيد للجواب قبله، مع إشعارهم بسوء صنيعهم، وتعرّضهم لغضب ربهم، وكأن في قوله: ﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ تعريضًا بما أحدثه فرعون وتبعوه عليه كما تقدم. فأصر فرعون على تجاهله: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]. يُسأل عن الشيء فيجيب بغيره، ويصرّ على ذلك! فاستمرّ موسى ﵇ على توكيد جوابه السابق: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] وإلا فأنتم المجانين؛ إذ ينبغي لكم أن تعرفوا كلامي، وهو أني ادَّعيت الرسالة من ربكم الذي تعرفون وجوده، وتعترفون به، فحقكم أن تسألوني بينة على دعواي فحسب. فأراد فرعون حسم المحاورة ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. فتلطَّف موسى ﵇ بما منع حَسْم المحاورة، واضطرارهم إلى الجواب الذي كان ينبغي أن يأتوا به من أول مرة، وهو سؤاله البينة على دعواه، قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠].

стр. 100

فاضطر فرعون إلى إجابته؛ إذ لو لم يجبه لأنكر الناس عليه ــ ولو في نفوسهم ــ قائلين: ادعى وبذل البينة على دعواه، قال: ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ... ﴾ [الشعراء: ٣١]. الآيات. فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لا سبيل لك إلى معرفة ما هو رب العالمين، وأن الذي [ص ٤٧] ينبغي لك: أن تكفَّ نفسَك عن التعب فيما لا سبيل إليه مع ما فيه من الخَطَر، وأن تشكر الله على ما آتاك من الأدلة على القَدْر الذي عرفته، كما قال الله ﵎ لنبيه موسى ﵇: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]. المسألة الثانية: كيف (١)؟ قال الراغب (٢): "كيف: لفظ يُسأل به عما يصح أن يقال فيه: شبيه وغير شبيه، كالأبيض والأسود، والصحيح والسقيم؛ ولهذا لا يصح أن يقال في الله : كيف". فإن قيل: السؤال بكيف يرجع إلى الصفات، ولا يعقل موجود لا صفة له. قلت: السائل بكيف يطلب أن يُخْبَر بصفة يمكنه تصوُّرها وإدراكها، وصفاتُ الله التي يُفْهَم السؤال عنها من قول القائل: "كيف الله؟ " مما لا سبيل لنا إلى إدراكه بحس ولا قياس. فقول ذلك يقتضي أن السائل يعتقد أن المسؤول يدركها، وأن للسائل سبيلًا إلى إدراكها، والأمر بخلاف ذلك.

стр. 101

فإن قيل: فقد أدركنا بعض الصفات، مثل أنه سبحانه قادر عليم حكيم، فما المانع من أن يقال لمنكر البعث مثلًا: أتؤمن بالله؟ فيقول: نعم. فيقال له: كيف هو؟ أقادر أم عاجز؟ قلت: هذا السؤال لا يليق بهذا الباب، وحسبك أن تقول: "أليس بقادر"! ونحو ذلك. والمقصود هنا إنما هو تنبيهك على أن منع الكيف لا يستلزم نفيه، وأن نفيه قد لا يستلزم نفي الصفة، فإن استلزم ذلك فهو ــ أعني نفي الكيف ــ باطل. فافهم. [ص ٤٨] المسألة الثالثة: أين ؟ لو أخبر إنسان بوجود موجود، فقيل له: أين هو؟ فقال: في بلد كذا، أو: في البحر، أو: في الهواء، أو: في السماء، أو: فوق السماء، أو: فوق كل شيء حيث لا يكون فوقه شيء يُحَسّ، لكان في مُتعارَفِ الناس قد أجاب عن السؤال، فقَصْرُ المكان على ما دون الأخير اصطلاح موجبٌ للمُغَالطة، فليتنبَّه له. ثم اعلم أن النُّظَّار بعد أن اتفقوا على أن الله ﵎ موجود قائم بذاته اختلفوا، فقال أكثرهم: ليس هو في مكان، فلا هو فوق ولا تحت، ولا خارج العالم ولا داخله. وقال آخرون: إنه لا يعقل موجود بهذه الصفة، بل ما كان كذلك (١) فهو

стр. 102

عدم مَحْض، حتى قال المَعَرِّي (١): قالوا: لنا خالقٌ قديمٌ ... قلنا: صدقتم كذا نقول (٢) [زعمتموه بلا مكانٍ ... ولا زمانٍ ألا فقولوا هذا كلامٌ له خَبيءٌ ... معناه: ليست لنا عقولُ] فأجاب الأولون: بأن هذا وهمٌ اقتضاه اعتماد الإنسان على حِسّه وقياسه عليه، ولم يحس بموجود ليس في مكان، فلذلك يأبى أن يكون موجود إلا في مكان. فقال الآخرون: ليس هذا بوهم، بل هو حقيقة بينة بنفسها، والقول بأنها وهم سَفْسَطة محضة (٣). فقال الأولون: إن الإنسان إذا ألِفَ النظرَ في المعقولات وتمكَّن فيها اتضح له أن ذلك وهم. قال الآخرون: يُردُّ على هذا بوجوه: الأول: أننا نجد مَن خاض في المعقولات وهو موافقٌ لنا. الثاني: أننا قد نظرنا في شيء من معقولكم، فوجدنا عامته شبهات ملفقة ومغالطات متعمقة، وقد اعترف بذلك جماعة من أكابركم، كما تقدم عن إمام الحرمين والرازي والغزالي (٤).

стр. 103

الثالث: أننا وجدنا أكثر ما عندكم تقليد كبرائكم، وقد اعترف بذلك الغزالي إذ قال (١): [بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نُصرة مذاهبهم بطريق الأدلة، فإنهم قبلوا المذهب والدليل جميعًا بحُسْن الظن في الصِّبا، فوقع عليه نشؤهم]. فلعل ما يعرض للمتعمِّق منكم من السكون إلى موجود ليس في مكان إنما هو أثر من آثار التقليد والشبهات، والمُحَال إذا كثر سماعه واعتياد التصديق به تقليدًا ربما تألفه النفس، فترى كأنها مصدقة به مطمئنة إليه. الرابع: أنكم توافقون أن معرفة الله واجبة على كل عاقل، ولو كانت المعرفة لا تحصل إلا بالتعمُّق في المعقولات لكان غالب الناس غير متمكنين منها. فإن قلتم: قد قال قوم بأنه يكفي العامة التقليد. قلنا لكم: قد اختلف عليهم الناس، فمَنْ يقلدون؟ على أننا قد فتَّشنا كثيرًا من المقلدين الذين يُظْهِرون القول بقولكم، فوجدناهم إنما يقولون ما لا يفهمون، أو ما لا يعتقدون، فإذا حوققوا تبين أنهم معنا في ذلك القول، غاية الأمر أنهم قد لا يجزمون جَزْمنا؛ لتوهمهم أن ذلك ربما يفقدهم أعز شيء عليهم وهو الدين.

стр. 104

الخامس: أن الأنبياء إنما بُعِثوا ليدعوا الناس إلى معرفة ربهم وطاعته، ولم نَعْلَمهم دعوا الناس إلى التصديق بأنه ليس في مكان، بل الأمر بعكس ذلك، كما يأتي. [ص ٤٩] قال الأولون: أما الوجه الأول فلسنا ندعي أن كل من خاض في المعقولات تبين له الأمر، وإنما ادعينا أن من شأنه (١) ذلك، وقد يتخلف في بعض الأفراد، هذا إن سُلِّم أن الأفراد الذين وافقوكم (٢) هم ممن تمكن في المعقولات. وأما الثاني فلسنا ننكر أن هناك شبهات ومغالطات، ولكننا نقول: إن النظر في المعقولات من شأنه أن يوصل إلى حل تلك الشبه، فغايتنا من النظر هو الوصول إلى الحقيقة وحل الشبه، فنذكرها لنحلها، ولا ندعي العصمة في كل شيء، فقد نخطئ، ولكن هذه المسألة مما اتضح لنا اتضاحًا لا يحتمل الخطأ. وما ذكرتم من حال إمام الحرمين والرازي والغزالي فلم تثبتوا أنهم رجعوا إلى قولكم في هذه المسألة، بل لعل المنقول خلاف ذلك. وهَبْهُم رجعوا إلى قولكم، فذلك لا يشكِّكنا فيما قام لدينا من الحجة، ولا يكون حجة لكم. وأما الثالث فلا ننكر أن منا من يقلد، ولكننا نعلم في كثير مما نقوله أننا لسنا مقلدين فيه، ومن جملته هذه المسألة.

стр. 105

وأما أنّ النفس قد تسكن إلى المحال لكثرة سماعه واعتياد التصديق به تقليدًا، فهذا لا ننكره، ولكننا نعلم أن تصديقنا بهذه المسألة ليس من هذا القبيل؛ لقيام الحجة عليه (١). فقاطعهم الآخرون قائلين: جوابكم عن هذه الثلاثة الأوجه مداره على دعوى قيام الحجة القطعية عندكم، فلخِّصوا لنا أوضح حُججكم في ذلك لننظر فيها، ثم ننظر في جوابكم عن الوجهين الأخيرين (٢). قال الأولون: الحجة الأولى: أنه قد ثبت بالبراهين القطعية أن الرب واجب الوجود، وأن المكان مخلوق مُحدَث، فقد كان سبحانه موجودًا قبل وجود المكان، فثبت أنه كان موجودًا لا في مكان. الحجة الثانية: ما لا يتصور وجوده إلا في مكان فهو محتاج في وجوده إلى وجود المكان، وما كان محتاجًا إلى غيره في وجوده، فوجوده متأخر عن وجود ذلك الغير. الحجة الثالثة: قد قامت الحجة على أن الرب قائم بذاته، فليس بعَرَض، فلو كان في مكان لكان جسمًا، والجسم إما حقير جدًّا، وهو الجزء المتناهي في الصغر الذي يسمى: الجوهر الفرد، وإما كبير، والجسم الكبير مركَّب من أجزاء، والمركَّب محتاج إلى جزئه، وهو غيره، والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب.

стр. 106

وشرحه بعضهم: بأن المركب ذو أجزاء، وجزؤه ليس بمعدوم، وإلا عدم الكل، ولا واجبًا وإلا تعدد الواجب، فتعين أنه ممكن ... إلى آخر ما في حواشي [ص ٥٠] "شرح المواقف" (١). وهناك حجج أخرى يدق فيها الكلام، ويصعب المرام، ويكثر الخصام. قال الآخرون: أما الحجة الأولى فقد نقلتم إطباق المتكلمين وبعض قدماء الفلاسفة أن المكان تعيُّنه (٢) موهوم (٣)، وحقيقته أنه الفضاء أو الخلاء، وهو أمر عَدَمي، وأدلتهم بغاية القوة، ودعوى مخالفيهم الضرورة مردود، بل لو ادعى الضرورة في أن هذا الفضاء بعد فرض نزع ما يملؤه من هواء وغيره هو في نفسه عدم محض لكان أقرب إلى فِطَر الناس. وما احتجوا به على وجوده من أنه يشار إليه، قد أُجِيب عنه بأنه إشارة تبعية، كما في حواشي "شرح المواقف" (٤) وغيرها. ثم قد اتفقوا على أنه ليس خارج العالم أمر وجودي، مع أنه يمكن الإشارة، إما من هنا، فنقول: النقطة التي خارج العالم من هذه الجهة، والأخرى التي من هذه الجهة، وإما على فرض أن شخصًا على طرف العالم، فيشير هنا وهناك. وبقية الأدلة قد أجيب عنها، كما في حواشي "شرح المواقف" وغيره.

стр. 107

وقد قدمت فصلًا في ذلك (١). ومن أنصف علم أن الحجج المُثْبِتة أنه ﵎ في جهة أقوى بدرجات مما احتجَّ به على أن الفضاء شيء وجوديّ، هذا إن لم يسلم أن تلك قطعية. وإذا ثبت أو جاز أن يكون حقيقة الفضاء أمر عدمي (٢) سقطت حجتكم الأولى، وكذلك الثانية، فإنه إذا كان الفضاء أمرًا عدميًّا لم يتصور الحاجة إليه في الوجود إلا بمعنى الحاجة إلى أن لا يرتفع بالكلية، وارتفاعه بالكلية محال، وارتفاعه في الجملة واجبٌ، وذاك وجود الرب ، وجائزٌ وذاك وجود غيره تعالى، والجائز محتاج في وجوده إلى الواجب. فغاية ما تلزمونا به احتياج الرب سبحانه في وجوده إلى عدمٍ ما، يستحيل وجوده بدون إيجاد الرب سبحانه له، ولا حرج في هذا، بل ولا في بعض ما هو أشد منه، كأن يقال: إن الرب محتاج في ربوبيته إلى عدم وجود ربّ آخر يُنازعه. فإن قلتم: فيلزم أن يكون عدم وجود الجائزات متقدمًا على وجود الرب. قلنا: بل يكفي المعية، والربّ أزلي، وذاك العدم أزلي (٣).

стр. 108

وقد رأيت من يقول: هب أنّ الفضاء أمر وجودي، فقد قال بعض أكابر القائلين بوجوده: إنه لا يتصور ارتفاعه، فهو عنده واجب الوجود، فلماذا لا يلتزم مثبتو الجهة لله هذا القول على فرض أن الفضاء أمر وجودي؟ فقلت له: في هذا إثباتُ قديمٍ مع الله . فقال: وما الذي يبطله عقلًا؟ فذكرت له ما حضرني. فقال: وما الذي يبطله نقلًا؟ قلت: يقال لك: إنه قدح في ربوبية الله وشرك به. فقال: لا أفهم كونه قدحًا في ربوبيته، إنما القدح القول بأن العالم غنيٌّ عن تدبير الله ، فأما القول بأن هذا الفضاء قديم، وكل ما فيه من الممكنات فهو خلق الله وتدبيره، فلا أراه قدحًا في الربوبية. وأما الشرك فالذي [ص ٥١] أفهم أنه: إثبات رب مع الله ، أو معبود معه، أو يقول بنحو قول النصارى: إن الرب ثلاثة أقانيم، انفصل منها أقنوم، فكان منه عيسى، ثم انفصل الآخر، فنزل على عيسى. ومن يقول بقدم الفضاء لا يقول شيئًا من ذلك، فإنه يعرف أنه لا حياة للفضاء، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا علم، ولا غير ذلك من الصفات التي يدور عليها أمر الربوبية والألوهية، ولا يقول: إنه أقنوم في الرب . فذكرتُ له ما حضرني، ثم قلت: ويقال لك: هذا خرق للإجماع، فإن المسلمين أجمعوا على أن ما سوى الله حادث. فقال: هذا قول إجمالي، فلعلّ مِن المُجْمِعين من كان يرى أن الفضاء

стр. 109

أمر عدمي، كما هو المنقول عن إطباق المتكلمين، ولعل منهم من لم يخطر بباله؛ لأننا إذا كنا في حجرة ثم سألنا بعض العقلاء الذين معنا: أي شيء موجود في هذه الحجرة؟ لذهب يعدد لنا الأجسام التي فيها، فإن دقَّق عدَّ فيها الهواء، فأما أن يعد الفضاء فلا، إلا أن يكون قد سمع قول من يقول: إن الفضاء أمر وجودي، فقلَّده. فذكرتُ له ما حضرني، ثم قلت: ويقال لك: هو مخالف للنصوص، كقول الله : ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ونحوها. فقال: أقول: إن هذا عام يخصه العقل، فإن العقل العادي إما أن لا يعد الفضاء شيئًا موجودًا، كما تقدم في المثال آنفًا، وإما أن يعلم أنه لا يتصور عدمه، وهذا التأويل أقرب بألف درجة من تأويلات من يقول: إن الله ليس في جهة، مع أني أدعي إجماع السلف على القول بالجهة، وأذكر من نصوص الكتاب والسنة في إثباتها أضعاف أضعاف ما يمكن أن تذكره في أنه خالق كل شيء، وأن كل ما سواه حادث. وهذا الإجماع والنصوص نص في محل النزاع ــ وهو ثبوت الجهة ــ فأما ذاك الإجماع وتلك النصوص فإنما يمكن تناولها للفضاء على وجه العموم. فقلت له: أتعتقد هذا؟ قال: لا، ولكني أراه أقرب إلى العقل والدين من القول بأن الله موجود لا في جهة، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه، وأنه خلق العالم لا في ذاته ولا خارجًا عنه.

стр. 110

قال: وكذلك يقال في جواب حجتهم الثانية. فيسألون على فرض صحة قولهم: إن الفضاء موجود محدَث: هل كان يمكن أن يحدثه الله ويُحْدِث فيه جسمًا في وقت واحد بدون تقدم أحدهما على الآخر؟ فإن لم يكابروا قالوا: نعم. وبذلك يعلم أنه لا يلزم التأخر، بل تجوز المعية. فإذا جاز أن يكون المكان قديمًا لم يمتنع أن يكون المتمكِّن قديمًا، ثم يقال [ص ٥٢] بالقدم فيما قام الدليلُ على قدمه، وبالحدوث فيما قام الدليل على حدوثه. فكان مما قلت له: وكيف يكون الرب محتاجًا في وجوده إلى غيره؟ ! فقال: هذه كلمة مشنعة بالإيهام، فإن الذي يتبادر من الحاجة في الوجود حاجة الحادث إلى محدثه، أو المعلول إلى علته، أو إلى جزئها، وليس ما هنا كذلك. قلت: فيقال لك: هو قريب من ذلك، وهو أنه احتياج الموجود إلى شرط وجوده. فقال: إذا لوحظ القدم في الجانبين وأن الرب حيٌّ قديرٌ مريدٌ عليمٌ حكيمٌ إلى غير ذلك من صفات العظمة والكبرياء، وأنَّ الفضاء خالٍ من ذلك كله هان الأمر. فإن بقيَتْ هناك شَناعة فيجاب عنها بنحو ما يجيبون عن قولهم: إن المحال لا يدخل تحت القدرة، كما يقول القائلون بحدوث المكان: إنه
следующие страницы →