← Баляга

Баляга · id 3334

خصائص التراكيب دارسة تحليلية لمسائل علم المعاني

محمد محمد أبو موسى

Полный текст (350 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... وليست رسالتهم أن يغرسوا أفكار أخرى من علوم أخرى في هذا العلم أو ذاك، لأن ثمة مشابهة بين ما كتبه الآخرون، وما كتبه علماؤنا، وكأن رسالتنا نحن الأساتذة ليست هي صناعة المعرفة من داخل علومنا كما صنع علماؤنا الذين سبقونا؛ وإنما صارت رسالتنا هي قراءة مختصرات من كلام الآخرين، ومختصرات من كلام علمائنا، والبحث عن الأشباه، والنظائر ثم نرى هذه الأشباه النظائر مسوغا يسوغ لنا غرس ورزرع كلام الآخرين في علومنا، وبذلك تفتقد العلوم طابعها، وجوهرها، بهذا الغرس الغريب، ويصبح الذي في أيدينا علما آخر، لا هو عربي ولا هو أعجمي، وإنما خليط من هنا، ومن هناك، ليس، هذا عمل العلماء، وإنما عملهم أن تحيا علومهم في عقولهم، وأن يداخلوا أدق مسالك هذه العلوم، وأن يدركوا منها مواطن الثراء التي لا تزال مضمرة في مطاويها، وأن يثيروها، ويمدوها بخبرتم، وطلو تأملهم، وطل مراجعاتهم، ولا شك أن العلم تزكو به عقول العلماء، ولا شك أنه هو أيضا يزكو بعقول العلماء، ولا يكون هذا إلا بالانقطاع، والصدق، والتجرد، الرضا والغبطة بخدمة العلم، وفرق بين من يجد لذة وغبطة بخدمة العلم، ويجعله مطية يصل بها إلى ما يريد، الصنف الأول يزدري هذا التهجين، وهذا العجز، ويرى في قرارة نفسه أنه قادر على أن يقول بلسانه، وبفكرة، وخبرته، ويأنف ويزدري مسالك التهجين، والخلط، وإن سماه الناس أصالة، ومعاصرة، ويرى ذلك عجزا وذلا وخسة، وكان ﷺ يستعيذ بالله من العجز والذل. وعلم البلاغة الذي لم يكثر التهجين في علم كما كثير فليه؛ له خصوصية تجعله عند من له بصيرة ف يالعلم أبعد علومنا عن أن يغرس فيه كلام من خارج سياق العربية وعلومها وآدابها، هذه الخصوصية هي أنه من

стр. 2

رأسه إلى قدمه مقتبس من استقراء كلام العرب، وتتبع خواص تراكيبها، وأن كلام العرب "هو الجحهة التي منها يطلب"، كما قال علماؤه، ومعنى هذا أنه تحليل لطرائق العربية، وسننها في الإبانة عن المعاني، والعربية هي التي في لساني، ولسانك، هي عربيتنا نحن الذين يعيشون على الأرض، وليست عربية الذين ماتوا، لأن من مات لا يمتلك، وقد كانت ملكا لهم ثم صارت إرثا لنا نحن. قلت البلاغة علم تأسس كل شيء فيه على طرائق هذا اللسان، وتأمل كل سطر تقرؤه في أي كتاب من كتب البلاغة. التي كتبت في زمن الجاحظ، إلى يومنا هذا، لن تجد في أي سطر من سطورها خروجا عن شرح وتحليل سنن الكلام العربي، فالتنكير في لسان العرب يفيد كذا، والتعريف باسم الإشارة يفيد كذا، ومجيء الواو يفيد كذا، و"إن" تفيد كذا، والعل يفيد كذا، والاسم يفيد كذا، كل قاعدة وكل سطر في البلاغة شرح لطبيعة هذا اللسان، ومذاهبه، ومسالكه، وقدراته، وطاقاته في الإبانة. وما دمنا نحرص على لغتنا التي هي ذات نفوسنا، فلا يجوز لنا إلا الحرص على هذه العلوم التي تتناول طرائق هذه اللغة وتحوطها من الاختلال، والفساد، وإنما نتخلى عن هذه العلوم يوم نتخلى عن هذه اللغة، وهذا الذي لا أشك فيه هو الذي يجعلني شديد الحرص على نقاء هذه العلوو، والرفض القاطع لأقل صور الخلط والاقتباس من كلام الغرباء عنها وعن آدابها وطرائقها والذين لاي ضمرون لها ولأصحابها إلى كل زراية. وطول تصفحي لكلام علمائنا دلني على أنهم كانوا في اللغة يأخذون بشدائد عمر؛ مع أنهم في الفقه كانوا كثيرا ما يأخذون برخص ابن عباس رضوان الله عليهم جميعا، لأني لم أجد واحد من علمائنا أدخل فيها شيئا من ألأوشاب اللغات الأخرى، ولا أشك في أن أبا علي الفارس كان

стр. 3

عالما بنحو اللغة الفارسية، وأن عبد القاهر كان عالما ببلاغة اللغة الفارسية، وغيرهم كثير ممن كانوا علماء في علوم لغات أخرى كما ذكر ابن جني وغيره، ومع ذلك لم أجد في كلام أبي علي سطرا واحدًا من نحو الفارسية، ولم أجد في كلام عبد القاهر حرفا واحدا من بلاغة الفارسية، إلا بيت شعر ترجمه عن الفارسية، وجعله شاهدا في المعاني التخييلية، ولو أن كل جيل من علمائها الذين سبقونا تسامح وأضاف كل عالم منهم سطرا واحدا من لعوم الآخرين لكان الذي بين أيدينا الآن شيئا آخر هجينا فاسدا كالذي نكتبه. وإني لأرى هذا التشدد في أن لا يدخلوا على أصول العربية وأقيستها إلا ما هو من صميمها في كلام كثير اقرؤه لهم. ودونك واحدة اختصرها لك اختصارا؛ ولعلك ترجع إلبيها في مصدرها. اجتهد أبو الفتح ابن جني ورأي أن تقديم المفعول على الفاعل أصل ثان متفرع عن أصل أول ونو تقديم الفاعل على المعفول، وعليه يكون قولنا ضرب غلامه زيدا مقيسا لأن زيدا متأخر لفظا متقدم رتبة، لأن رتبته التقديم بناء على ما قدر، ثم قال إن هذا القياس الذي يصير فيه الفرع أصلا تقبله اللغة ولا تعافه ولا تتبشعه، واستشهد لذلك بكلام لسيبويه؛ لأن سيبويه قاس الجر في "هذا الضارب الرجل" على الجر في "هذا الحسن الوجه" وبذلك يكون الضارب الرجل وصير الفرع أصلا، لأن الفرع لما كثير وتمكن رجع الأصل الذي أعطاه حكما من أحكامه واستعاد منه هذا الحكم، وبذلك يصح لأبي الفتح أن يعتبر تقديم المفعول أصلا لأنه كثر وتمكن.

стр. 4

ثم قال أبو الفتح وهذا هو مقصدوي "فإن قلت إن هذا ليس مرفوعا إلى العرب ولا محكيا عنها أنها رأته مذهبها، وإنما هو شيء رآه سيبويه واعتقده قولا له ولسنا نقلد سيبويه ولا غيره، في هذه العلة ولا غيرها" انتهى كلام أبي الفتح "ص٢٩٨" الخصائص" والذي يعينني أن أبا الفتح رفض أن يدخل قياسا في العربية مستأنسا بسيبويه الذي ذكر أبو الفتح أنه يحتج بلغته، ورأى ضرورة أن يكون أي قياس أو فكر أو أصل علمي، يداخل اللغة مستأنسا باللغة نفسها، وطرائق أهلها، وليس بطرائق علمائها، وإن كانوا في طبقة سيبويه، أليس هذا أشد في التحرج والتصون من شدائد عمر؟ وبهذا التحرج وهذا التشدد بقيت العربية تحوطها هذه الأصول المؤسسة على على استقراء كلام العرب في ألسنتنا كما كانت في ألسنتهم؛ لو قرأت لي كلمة مكرفوعة وقياسها الجر لأنكرت على فعلي؟ ماذا يقول أبو الفتح لو بعث ورآنا ندخل فيها أصولا غريبة عنها وعن علمائها ولا ترطبها بها رابطة؟ وندير درسها على كلام من لم يعرف منها حرفًا؟ لا أشك في أن ضعف مستوى طلاب أقسام اللغة العربية راجع إلى أنها يدرسون اللغة بغير طرائقها وبغير أصولها المنتزعة من لحمها ودمها. كما كان الحال في تاريخها كله. قرأت منذ زمن كلاما يقول صاحبه إن البلاغة بلغت حد اليأس وتجمدت، وعقمت، وأصبحت كالجذع القديم، ويجب أن تموت، وأن يرثهنا علم الأسلوب، ولما قرأت هذا الكلام طرحته ولم ألفت إليه، لأنه في تقديري لم يكن أكثر من "بلونة" يلعب بها طفل يحب أن يلفت الناس إليه، لأننا لم ننشيء علم الأسلوب ولم نستخرجه من لغتنا، حتى يصح أن يكون بديلا لعلم من علومنا، وبديهة العقل تقول أن الذي يسد مسد علم

стр. 5

لابد أن يكون مستوعبا لمسائل هذا العلم، ومستخرجا من اللغة التي استخراج منها هذا العلم، ومؤديا الوظائف نفسها التي كان يؤديها هذا العلم، وأن نطمءن على قدرته على شرح طرائق العربية، وتحليل سننها في الإبانة عن معانيها قبل أن تئد هذه البلاغة التي قامت بهذه المهملة هذا الزمن الطويل، وإذا جاز لمن استخرجوا علم الأسلوب من لغاتهم وعلومهم، أن يقولوا هذا بناء على رؤيتهم، وأنهم حراص على لغاتهم، فلا يجوز لنا أن نقوله في بلاغتنا، وليس عندنا علم أسلوب، نعم يجوز لنا أن نقول هذا إذا قبلنا أن نكون ببغاوات تردد وتحكي ولا تعقل. قلت أنني قرأت هذه وطرحته ثم فوجئت بهذا الكلام الفارغ يتكرر في كتب يدرسها أبناؤنا في جامعتنا. والذي أعلمه ويعلمه كل من له عقل أن شأن الذي يحمل القلم ألا يكون متهورًا؛ وأنه يجب أن يكون حذرًا مترددا، وأن الأصل فيه أن يكون خبيرا بمفردات العلم الذي يتكلم فيه، وإذا رأى مفردة من هذه المفردات لا تيعن على فهم سر من أسراراللسان الذي هو منأهله عليه أيضا أن يتردد في الحكم على هذه المفردة بوجوب الإعدام، لاحتمال أن تكون لها فائدة غابت عنه، أما أن يحكم على علم كامل من ألفه إلى يائه، بالوأد فهذه ليس من شأن من يحمل القلم، لأن هذاالعلم كما قلت مستخرج من أوهامهم، وأو فسفاتهم، وإنما هو التقاط لوجود الدلالات، بعد وعي ومراجعة، لنصوص كثيرة وسياقات كثيرة وغير ذلك مما ساعد العلماء على وضع هذه القوانين واستخلاصها، والناظر في الكتب بعين باحث يرى سعة نظرهم ودقة ملاحظتهم، وطول مراجعتهم عند استنباط كل مسألة. ثم إن هذا العلم وإن كان يراه لا يصلح في دراسة ما هو مشغول به

стр. 6

فعليه أن يراجع حقول المعرفة الأخرى التي تعتمده، وتقوم عليه، كحقل التفسير الذي أكد علماؤه أنه لايجوز الخوضش في إلا باستصحاب علمي المعاني والبيان، وأن كل العلوم الأخرى لا تغني غناءه إذا غاب، وكحقل الفقه واستنباط الأحكام الشرعية من كلام الله وكلام رسوله. واعتماد الفقهاء على هذا العلم أمر لا يجوز الاستشهاد له، لأنه أعرف وأشهر، وكحقل أصول الدين الذي ترجع خلافات علمائه فيما اختلفوا فيه إلى هذه الأصول البلاغية، ودلالات الصيغ والتراكيب، وكل ذلك يجعل العالم والجاهل لا يقدم على على القول بضرورة موته وإعدامه، ولهذا قلت إنه أقرب إلى عبث العابثين منه إلى كلام أهل العلم، إلا إذا كان المراد إطفاء الأضواء في هذهالحقول كها، يعني طمس الطريق الواصل إلى التفسير ومعرفة التأويل، وطمس الطريق الواصل إلى استنباط الأحكام الفقهية، وأيضا وأد علوم القرآن المؤسسة كلها تقريبا على هذا العلم، ونحن محتاجون إلى أن نتخلى عن عقولنا لنقتنع بأن هذا تجديد وتطوير، وأن علم الأسلوب المنتزع من غير العربية يمكن أن يكون أداة المفسر، والفقيه، والأصولي، وعالم العقائد، وأننبسط سلطانه أيضا على علوم القرآن، والمدهش أن هذا الهزل الفارغ يجد من يقبلونه، ويكررونه، بدلا من أن يردوه أو يسكتوا عنه، وأنا لم أرده قبل ذلك لأنه لا يرضاه إلا من لا قيمة لرضاه، ثم اضطرت إلى أن أنبه بهذا الكلام الظاهر تبرئة للذمة أمام هذا الجيل الذي تدمره أقلام لا تدري مغبة ما تكتب. ولا يجوز أن أدع هذه المسألة من غير الإشارة إلى أمر يذهل ويضحك أيضا هو أن الذين يقولون إن البلاغة يجب أن تدفن في التراب، وتغرس شجرة علم الأسلوب في رفاتها، يطيلون ذيل الكلام في إكبار فكر

стр. 7

كيف يستقيم هذا في عقل الطالب الذي ذهب إلى الجامعة ليدرس علوم أمته وعلوم لغته؟ وأي تدمير يدمر هذه النفس الذاهبة لتتعلم حين يداخلها هذا التناقض العجيب، والازراء باللسان الذي هو لسانه، والإزراء بالميادين العريقة التي يفتح هذا العلم العريق أبوابها؟ أي شيء يبقى في هذه النفس من الإحساس بالانتماء إلى هذا العلوم التي هي جوهر وحقيقة هذه الأمة وحضارتها؟! إن القول بوأد البلاغة مع شناعته وبشاعته وجاهليته وغشمه أكرم من القول ببقائها لأنها تشبه في بعض أطرافها علما صاغه غرباء من لغة غريبة وآداب غريبة ثم هو العدو الألد. بقي كلامان كنت قرأتهما أيضا منذ زمن بعيد للمرحوم أمين الخولي ثم طرحتهما لأنهما يخالفان ما أعلم مخالفة ظاهرة ثم رأيتهما يطلان من جديد. الكلام الأول القول بأن البلاغة انحصرت في الجملة ولم تتناول النص الكامل. والذي أعلمه أن النص مجموعة منالجمل وتدقيق الدرس البلاغي في تحليل الجملت يضع في يدي مفتاح دراسة النص الكامل لأنني أنتقل بهذه الأداة المدققة في بناء الجملة من جملة إلى جملة إلى جملة، حتى أصل إلى نهاية النص، والذي يشرح لي قاعدة في النحو أو في البلاغة لا يتحا له أن يجعل شاهده النص الكامل، وإنما هو يشرح لي مثلا تركيب الجملة مع همزة الاستفهام فيدور بهذه الهمزة على مفردات الجملة، ويقول لي إن دخول الهمزة على الفعل، يفيد معنى لا يفيده إذا أدخلنا الهمزة على الفاعل، أو المفعول وهكذا؛ وحسبه أن يعلمني كيف أستخرج دلالة التركيب من الجملة. ثم القول بأن البلاغة وقفت عند هذا كلام يضيع كثيرا من المسائل

стр. 8

كما تكلموا في مناسبة المطالع للمقاصد والخواتيم سواء في القرآن أو في غير القرآن وهذا لا يتحقق إلا بدراسة النص كاملا. وكل هذا جعلني لا ألتفت إلى هذا الانتقاد الذي وجهه الشيخ أمين للدارسة البلاغية، ولا أعرف أحد ذكره قبله لا من القدماء ولا من المحدثين، ثم رأيت هذا الكلام يطل علينا مرة أخرى من كتب كان يجب أن تراجع قبل أن تردد. والذي أغرى الشيخ أمين بهذا هو أنه اعتمد في درسه للبلاغة على شروح التلخيص كما قال هو، وحقل الدراسة البلاغية ومادتها أوسع مما في كتب شروح التخليص بل أن علم المناسبة وهو علم يدل لفظه على أنه يعني بالكليات سواء في العلاقت داخل السورة أو في العلاقات بين السور هذا العلم ذكر علماؤه أنه لا يستطيع الخوض فيه إلا من كان له حظ وافر في علم المعاني. قلت هذا مع أنني أرفض هذه الطريقة التي تطالب أوئلنا بالوفاء بحاجاتنا وإلا كان ذلك مبررا للأخذ منالأخرين، والذي يجب أن يقال هو أن علماءنا وضعوا هذه اللبنة وعلينا نحن أن نضع لبنة فوق لبنتهم من خلال حاجاتنا وأن تكون هذه اللبنة صورة لنا. وأن نكون نحن اللبنة كما قال سيدنا صلوات الله وسلامه عليه "وأنا اللبنة" ولم يقل أحد له عقل إن على الأجيال السابقة أن تكتب لحاجات الأجيال اللاحقة؛ لأن الأجيال اللاحقة ليست هملا معطلا؛ ولم يخلقهم : "عالة" على غيرهم فإذا لم يجدوا شيئا يريدونه في كلام وأئلهم بحثوا عنه عند غيرهم، فإذا لم يجدوا شيئا يريديونه في كلام أوائلهم بحثوا عنه عند غيرهم، وكأن عقولهم هؤاء مغسولة. وإنما خلقهم سبحانه كما خلق غيرهم، وغرس فيهم العقول التي غرسها في غيرهم، لأنه سبحانه لم يظلم أحدا من خلقه ولم يخلق جيلا هملا لا يستطيع الكسب بعقله، وإنما جعلنا سبحانه خلفاءه في أرضه، والخليفة لا يكون هملا، هذا هو موقفي

стр. 9

أما هذه الطريقة الهابطة والتي تقوم على أساس أننا إذا لم نجد ما تحتاجه من فكر ومعرفة عند سلفنا نطلبه عند الآخرين فلا أراها إلا فلسفة الهمل، والعالة، وأهل العجز، وإنما سماها الهمل، والعجزة، والعالة، تنويرا وتحديثا، ومعاصرة. والقول الثاني هو القول بأن البلاغة لما شغلت بموضوع الإعجاز تخلت عن رسالتها، وهي البحث في بلاغة الببيان ,أو "جمالياته" كما يحب أصحابنا أن يقولوا. وذلك لأنه داخلها المنطق والفلسفة المسيطران على قضية الإعجاز، ومن المقرر عند الشيخ أمين الخولي ﵀ أن المنطق والفلسفة عدوان لدودان للبلاغة، وكنت أتابع ما يكتب بدقة لأني كنت أدد في كتابته شيئا افتقده عند كثير من الناس وهو سيطرة عقل قوى متمكن على كل ما يكتب، وإنك لترى هذا العقل آخذا بأزمة أفكاره باقتدار، وكان هذا ولا يزال يروقني سواء وافقت على النتائج التي سنتهي إليها أو خالفت، وأكره تلك العقول التي ترزح تحت وطأة ما تحفظه الذاكرة. وأحب العقل الذي ينتقي ويسيطر بعلم يتسع ووعي يدرك. والقول بأن البلاغة فسدت لما داخلت موضوع الإعجاز كان من أعجب ما قرأت، لأننا لو تصورنا وجود بلاغة بعيدة عن الإعجاز وهي عندنا بلاغة صالحة، ثم لما داخلت الإعجاز فسدت نكون قد تصورنا وهما محضا؛ لأن البلاغة لم تولد إلا تحت عنوان "دلائل الإعجاز" الذي كتبه عبد القاهر، وهو المؤسس لهذا العلم، لأن مابحث البلاغة التي نقصد إليها حين نتحدث عن البلاغة، لم توجد قبل كتاب دلائل الإعجاز، وإذا كانت قد أنشئت وولدت من رحم الإعجاز، فكيف يتصور القول بأنها لما شغلت بالإعجاز فسدت؟ هذا كلام لا يلتئم أبدا وهو محض وهم، ولم أعرض لبيان فساده فيما كتبت لظهور هذا الفساد وإنما أنا الآن مضطر لبيان

стр. 10

فساده، لأني وجدته يعاد من جديد، في مؤلفات كثيرة وفي بحثو علمية، وهو يستشري، ويتسع، مع الغفلة، وخلو الوفاض من العلم بأوليات العلم، وتربي عليه أجيال. ثم إن قضية الإعجاز لها جانب يعالجه علماء العقائد ويغلب عليه علم الكلام؛ ولا شأن للإعجاز البلاغي به، لأن الإعجاز البلاغي يخوض في الشعر وبلاغة البيان من ألفه إلى يائه؛ ولم يغفل علماؤنا التنبيه إلى ذلك، وإنما كانوا يقوولون أنهم يدروسن الإعجاز على طريقة أهل الأدب، وليس على طريقة المتكلمين، وتخلو كتبهم خلوا تاما من مسائل علم الكلام، كالذي تراه في كتابات عبد القاهر في كتابه الأساسي وهو دلائل الإعجاز، وفي رسالته الشافية، وكالذي تراه في رسالة الخطابي وكتاب الرماني، ومن لطائف كلام الشيخ عبد القاهر في هذا قوله في الرسيالة الشافثية، إنك؛ إذا خاطبت بموضوع الإعجاز من ليس له طبع في فهم كلام العرب "كنت كمن يلتمس الشم من أخشم" وكتب الإعجاز فيها أصول في نقد الشعر لا تجدها في كتب النقد الخالصة كالموازنة والوساطة وغيرها. ولم أقرأ القول بأن اشتغال البلاغة بالإعجاز أفسدها لأحد قبل المرحوم أمين الخولي وقرأت هذه بعده الكثير من الكتاب الذين لم يكلفوا أنفسهم مراجعة ما يقرؤون، وأطقع أن الشيخ أمين لم يقرأ من كتب الإعجاز إلا ما كتبه القاضي عبد الجبار في الجزء السادس عشر من كتابه الكبير المغني في أبواب التوحيد والعدل، وقد حققه الشيخ أمين ﵀ وأثابه، ولو قرأ الباقلاني وأو الخطابي أو الرماني لما قال هذا، وكتاب الخطابي مع صغر حجمه فيه من العلم والبلاغة العالية والفكر النقدي المضمر في طي سطوره الكثير والنافع، والباقلاني يقول إنه لا يدرك الإعجاز

стр. 11

باب المقدمات مقدمة الطبعة الرابعة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الرابعة اللهم إرني الوجه الذي ترضى، وخذ بناصيتي فلا أصر فوجهي عنه، وأجعل آخر أيامي كفارة لأولها، واصرف عني لغو هذه الدنيا ولغوبها وارزقني الفهم، وأعني على نفسي، واجعل لي من نورك نورا في حياتي وعند مماتي، وفي قبري ويوم ألقاك، واللهم ارزقني استجابة الرجاء، ولا ترد لي عندك حاجة، وصلى يا رب على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد ... فكلام البلاغيين ظاهر الدلالة على أن دراسة هذه العلم لا تقوم إلى على ما يجده الدارس في نفسه عند قراءة الشعر والكلام المختار، فإن أستحسن الكلام وستعذبه وراقه وكثر عنده نظر ليتعرف على ما في الكلام من صنعه يرجع إليها ما وجده في نفسه، وإن استهجن الكلام واسترذله نظر في الكلام ليتعرف على الشيء الذي فيه والذي صار به مستهجنا مسترذلا، وهو حين ينظر ليتعرف على سباب الحسن أو الاستهجان يكون قد بدأ العمل البلاغي ويكون قد وضع قدمه على طريق علماء هذ العلم، وشغله حينئذ هو تفلقد اللغة والأحوال والصيغ والخصوصيات والمصور والرموز، وكل ما يتحصل ببنية الشعر واللغة والأدب، ثم إنه لا يقع على هذا الذي وجب به الفضل إلا بمعونة الذوق، وهذا يعني أن هناك مرحلة سابقة للنظر البلاغي يكون الدارس فيها قد هيأ نفسه وأشربها من بيان اللغة وجيد الكلام، وأحيا حسها بما أشربها وأيقظها وشحذها، ونبهها. وإنما يكون ذلك بتفقد الشعر والنظر في صوره ولغته، والوعي برموزه، وإشاراته، والتدقيق في امتلاك خواطره،

стр. 12

وهواجسه والتقاط سوانحه والحس بوقعه ورنينه وأضوائه، ولا يكون شيء من ذلك بالقراءة المتساهلة وإنما يكون ذلك بالصبر والتنظيم والانقطاع. واعلم أن المادة البلاغية التي هي متون هذا العلم مع فضلها ونفعها، وجلالها لن تفيدك شيئا ما لم تؤسس تناولك لها على هذا الأصل، ما لم تكن قد رضت نفسك على تذوق الشعر وتأمله والحفاوة به، وهذا هو الذي يجعل لعلوم العربية كلها عندك مذاقا غير مذاقها، وأنت تحفظ أصولها وفروعها وليس عندك هذا الرصيد من الفهم للشعر والمصاحبة له، وفرق كبير بين اللغة وعلوم اللغة، واللغة التي هي غايتنا: ما نطق به أصحاب اللسان، وعلوم اللغة هي: العلوم التي استنبطها العلماء مما نطق به أصحاب اللسان ومن كان بمعزل عن الذي نطق به أصحاب اللسان فلن يكون مصولا بعلوم هذها للغى، فإه حفظ متونها وشروحها كان قد حصل علما معلقا في الهواء لا يثبت على قاعدة من بيان أصحاب اللسان ولا يرجع في المدارسة والتدقيق إلى طرائق القوم ومذاهبهم. وهذا من أهم الأسباب التي جعلت طلاب العلم المبتدئين يشكون من صعوبة علوم العربية ومن جفافها وجمودها على حد ما نسمع منهم. ومن المستحيل أن يكون لطالب العلم بصيرة في أي باب من أبواب البلاغة وهو عاجز عن قراءة معلقة من المعلقات، وإنما تكون له هذه البصيرة إذا حفظ المعلقات، وعرف مذاهب شعرائها وما بينهم من تقارب أو تباعد وكيف بنى كل منهم معلقته، وكيف سلسل أبياتها، ومذا قال في النسيب، وما مذهبه في وصف الرحلة، وما الفرق بينه وبين نظرائه في وصف الحيوان والخروج إلى الغرض إلى آخر ما هو من أوليات الفهم للشعر. فضلا عن أن يغوص في الدقائق، ويلحظ علاقات الصور داخل المعلقة الواحدة، وعلاقات الصيغ "الأبينة"، وما غلب على الشاعر فيها من ضروب الرصف وعلاقة ذلك ببقية شعره.

стр. 13

والعم أن علماءنا لم يكونوا علماء في هذا الباب إلا بعد أن درسوا الشعر دراسة جعلته مع سعته وعمقه وتراحبه كأنه قد جمع لهم ووضع تحت أبصارهم، يرون أفكاره وصوره وهواجسه وخواطره حتى إنك لترى الواحد منهم يفطن في صورة من الصور إلى لمح لصورة أخرى عند شاعر آخر وينبه فينكر القارئ هذا اللمح في بادئ الأمر ثم لا يزال هذا العالم يكشف عن الوجوه والنظائر حتى يعرف القارئ ما أنكر ويقتنع بما استغرب. ثم إنك ترى أحدهم يقول إن هذه اللفظة بهذا المعنى لم ترد في الشعر الأول وإن أول من أجرها في هذا المجاز هو فلان، وأن هذا الاشتقاق في الشعر اشتقاق محدث كقول أبي العلاء في قول أبي تمام: ومقتبل صاف من الثغر أشنب والاقتبال من التقبيل معدوم في الشعر القديم، وكأن ألفاظ الشعر القديم كلها في أذن أبي العلاء مع أن الثغر وماءه كان من أكثر الصور ورودا في الشعر ويقول في قوله: حتى إذا مخض السنين لها مخض البخلية كانت زبدة الحقب هذه الاستعارة لم ستعمل قبل الطائي أراد مخض السنين وإنما يكون المخض للبن. ويقول التبريزي: الخرقاء التي لا تحسن العمل من النساء ولم يستعرها أحد للخمر قبل الطائي في قوله: خرقاء يلعب بالعقول حبابها وتأمل كلام عبد القاهر تجده يفتح الكلام في المسألة فيتوافى عليه سيل من الصور فيذكر الصورة وبعدها أخرى تقاربها من جهة وتباعدها من جهة ثم ينتقل إلى ثالثة ورابعة وخامسة حتى يبعد عن أصل الموضوع، ثم يقطع الكلام مع تدفقه ويقول: ولنعد الآن إلى الأصل.

стр. 14

وأبو يعقوب السكاكي الذي يقولون عنه إنه جمد على البلاغة يجعل نفقد الشعر والكلام المبين أساس تعريفه لعلم المعاني لأنه عنده تتبع خواص التراكيب وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، وخواص التراكيب هي أحوال مبانيها وما وراء هذه المباني من لطائف المعاني، وقد اعترض عليه العلماء لأن التتبع ليس علما ولا يدخل في حدود العلم، وكان السكاكي كثيرا ما يعول على متعارف أهل البيان يعني ما نطق به الشعراء ودبجه الكتاب وحاكته السنة الخطباء. ومحمود بن عمر الزمخشري لم يؤلف كتابا في البلاغة، وإنما ألف كتابا سماه أساس البلاغة، والأساس معناه الأصل والجوهر، والكتاب جمل قصار، وتخيرها مما نطق به أصحاب اللسان كأنها حبات الدر، نرى الكلمة فيها تتقلب على وجوه من المعاني في ضروب من الصيغ، وتراها في تقلبها ذات معان تختلف وتأتلف، وتتقارب وتتابعد، ولها في كل ذلك ألق يتميز، والوعي بهذه الشذرات البيانية، وهذه الجمل المتخيرة وتشربها وطول ملابستها هو أساس البلاغةن يعني إعداد النفس وإثرائها حتى إذا سمعت الكلام ميزته وعرفت منزلته من الفضل. ولعلمائنا مقاصد وأغراض في تسميات كتبهم، ولم يسم الزمخشري كتابه: أساس البلاغة إلا وهو يقصد معنى لفظ أساس، وأن البلاغة لا تبنى إلى على هذا الأساس، وأن هذه الشذرات البيانية المختارة كأنها متن بياني يجب على طالب العلم أن يرتاض به، وأن يرتاض فيه، وأن يصقل به لسانه وعقله ولغته، ونفسه، لأن البلاغة لا وجود لها في نفس ذات حسن غليظ، ولا وجود لها إلا حين يوجد القلب الحي والنفس اليقظي، وأن مراجعة هذا الأساس هو السبيل إلى وجود القلب الحي والنفس اليقظي. وعبد القاهر سمى كتابه: دلائل الإعجاز يعني هو دليل النبوة، وهذا الكتاب الذي هو من أصل الدين على حد ما تدل عليه تسميته بناه الشيخ على

стр. 15

الشعر، وفي الكتاب أدلة ظاهرة على أن الشيخ ﵀ لم يكتب كل الذي عنده في علم المعاني وإنما كان يفتح باب مسائل ثم يرجع عنها واعدا بوفائها ثم أعجله نداء ربه، والمهم أن كتابه ما دام دليل النبوة فهو من هذه الجهة في أصول الدين، ثم هو مؤسس على الشعر جاء في الكشف عن أسرار الشعر وأحواله ودقائقه ووسائل بيانه، وبهذا نرى كتب أصول الدين تؤسس على الشعر وبتني عليه وتتخذ منا لشعر معدنا لها، ولو قلت أن الشعر أسسا علومنا وأصل من أصول الدين لم تكن قد تجاوزت الحقيقة، وهذا الأمر هو الذي يجعل الزمخشري يجمع ما تراجزت به الأعراب على أقواه القلب وما تماتنت به قراضبة نجد وتهامة، والقراضبة هم اللصوص والفتاك وفصاحتهم أنقى، ويقول إن هذا الذي جمعه من أفواه فتاك العرب ولصوصها وأراجيز ورعاتها هو أساس البلاغة، وعلم الإعجاز الذي هو برهان النبوة وحجة الله القائمة على الخلق، وقد أصاب رحخه الله ورجى على ماجرى عليه علماء السلف رضوان الله عليهم الذين تسلسل إليهم العلم من علماء الصحابة رضوان الله عليهم، والذين أخذوه عن رسول الله ﷺ وانتقل إلينا سلسلا من سلسل حتى أتانا وأتانا به اليقين. فإذا كنت أقول إن علم الشعر هو أصل علومنا فلا يفزعنك ذلك ولا تستغربه واعلم أن علوم الأمة كلها من نحو وصرف وبلاغة وتفسير وحديث وعقائد وفقه وأصول فقه. كلها مرتكزة على هذا الشعر وقائمة على متونه، لأنه هو اللسان، وكان القرآن بين أيدي علمائنا وهم يستخرجون أصول العربية ولكنهم سلكوا سبيل الهدي لما استخرجوا هذه الأصول من الشعر لأن الغاية هي حفظ اللسان الذي ينزل به القرآن ولن يحفظ القرآن إلا بحفظ لغته، ولو وقف علماؤنا عند القرآن وتركوا الشعر لضاع منهم الكثير لأن كثيرا من صيغ العربية واشتقاقاتها لم قع في القرآن، فالشعر هو الدائرة الأوسع التي إذا حفظناها نكون قد أقمنا حول كتاب الله ثوابت من المعارف المؤسسة على أصول من المنهج الصحيح، تظل بين يدي الذاكر الحكيم تهيء لسماعه وفهمه، وتذوق بلاغته وأسرار بيانه.

стр. 16

واعلم أن الشعر كله في هذا الباب على قدم واحدة. والشرط الذي يجب أن يتوفر فيه أن يكون فيه نفح طاهر من جزالة اللسان ورصانة البيان، يستوي في ذلك شعر الجاهلية وغيره، وإن كان لشعر الجاهلية مزيد خصوص، وكان في مجتمع المسلمين ولا يزال رجال يصرفون الناس عن الشعر لأن الله كما قالوا ذمه في التنزيل، وحدث مثل ذلك في زمن ابن عباس رضوان الله عليهما، وكان يسأل في شيء من هذا فيروي البيت فيه اللفظ لا يكنو عنه ثم يحرم بالصلاة، وقد قوى هذا الاتجاه في زمن عبد القاهر، وكان يستشعر خطره على علوم العربية وعلوم العقيدة وأصول الدين، وناقش هذا بمنهج مستقيم وانتهى به التحليل العقلي إلى أن الصاد عن الشعر صاد عن كتاب الله وهو -أي الصاد- بمثابة من يمنع الناس من قراءة المصحف، وذلك لأن الغرض من التلاوة أن تظل حجة الله قائمة بهذا القرآن، وأن هذا الكلام المتلو ليس من كلام البشر، وأنه قاطع لأطماع البشر ولا يمكن أن تدرك هذا إلا إذا أحكمنا فهم كلام البشر وعرفنا أن له طبقا لا يتعداه، وأن هذا المتلو فوق كل طبق، وهذا وراءه باب متسع من الفهم للشعر وضروبه ومذابه وطبقاته، وهكذا حلل عبد القاهر هذا التيار الشاذ في زمانه وفي زماننا ودل على خطره، ولا يزال رجال يتحرشون بهذا الدين منجهة الشعر وقصة بحث مرجليونث اليهودي الذي ضمنه طه حسن كتابه فيا لشعر الجاهلي لا تزال حية، وقد هاج العلماء لما شكك طه حسين في الشعر الجاهلي نقلا عن مرجليوث لأنهم يدركون خطر هذا الاتجاه. ولله أمر هذا الشعر الذي تلتقي على رأسه مطارق اليهود مع متنطعي الإسلام، ولا يزال في شبابنا زرع نبت حول بعض الاتجاهات الإسلامية يفسق شعر فلان وفلان ويؤثم روايته ويقسم الشعر إلى بر وفاجر، وأقول لهم إن الشافعي ﵀ كان يحفظ شعر العربية، وقد روى عنه الأصمعي شعر هذيل وهو شعر كغيره، وكان الأصمعي الذي روى هذا الشعر عن

стр. 17

الإمام يخالف في بعض الروايات في أوصاف النساء كما في قصيدة أمية بن أ [ي عائذ التي يقول فيها: ليلى وما ليلى ولم أر مثله ... بين السماء والأرض ذات عقاص بيضاء صافية المدامع هولة ... للناظرين كدرة الغواص كالشمس جلباب الغمائم دونها ... فترى حواجبها خلال خصاص وروى الأصمعي بدل بيضاء صافية المدامع: صفراء صافية المدامع، ولعله آخذ هذه الرواية عن الإمام، وكان أعرف الناس بلغة قومه، وكانوا يذكرون المرأة التي يشوب بياضها صفرة وإنما يكون ذلك من الطيب والنعمة حتى تكون المرأة كأنها فضة قد مسها ذهب، وكان حسان -رضوان الله عليه- ينشد رسول الله ﷺ من شعر الأعشى، وما كفه صلوات الله وسلامه علبيه إلا عن قصيدة هجا بها علقمة بن علاثة، وكانت له يد عند رسول الله ﷺ وقد أخذت أمنا عائشة ﵂ الشعر عن أبيها وكان أعلم الناس بشعر العرب وكانت رضوان الله عليها تحفظ شعر لبيد. ولم أعرف واحدا من علمائنا تأثم برواية شعر إلا ما كان من هجاء شعراء قريش لرسول الله ﷺ وذلك إعظاما لمكانه صلوات الله وسلامه عليه، وقد علق الطاهر بن عاشور صاحب التفسير الجامع على ديوان بشار وحققه ودققه وشرحه أحسن شرح، والشيخ الطاهر من أفاضل العلماء. وإنما ساقنا إلى هذا ما تؤكده هو مؤكد في كلام علمائنا وهو أن دراسة الشعر وتفقده وتذوقه ومعرفة فنونه وطرائق الشعراء كل ذلك أصل وأساس في الدراسة البلاغية لا يقوم شيء منها إلا عليه، وتأمل مثل قول عبد القاهر: إنك لا تزال ترى شعرًا يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه ثم تسأ لعن سبب أن راقك إلى آخره تجد أن قدرتك على التذوق هي بداية الطريق في البلاغة فإذا لم توجد هذه القدرة فليس هناك طريق ولا بلاغة. وقد ذكرت أن أسماء مؤلفات علمائنا لها دلالات وذكرت من ذلك أساس

стр. 18

البلاغة ودلائل الإعجاز وأضم اليهما كتاب مفتاح العلوم للسكاكي والكتاب فيه علوم البلاغة الثلاثة وعلم التعريف وعلم الاستدلال. وكلمة مفتاح العلوم قد يراد بها أن هذه العلوم الثلاثة مفتاح العلوم الأخرى ولهذا دلالة أو أن يكون ما في الكتاب من هذه العلوم الثلاثة مفتاحا لها فقط وله أيضا دلالة. أما أن تكون هذه العلوم الثلاثة مفتاحا لبقية العلوم فهذا يعني أن إتقان اللغة إفرادا في علم التعريف وتركيبا في علم البلاغة مع صحة العقل وضبط الفكر "الاستدلال" هو أصل المعرفة كلها ومفتاح أبوابها فلا بد أن تكون لغتك حية حاضرة في عقلك ولسانك حتى تستطيع أن تتفهم محتوياتها الفكرية وودائع علمائها في الفنون المختلفة، وتستطيع أيضا أن تنقل بها ما تعلم يعني أن تعلم ثم تعلم وهذان عملان ومكابدتنا نحن المعلميبن دائرة بين هذين فلابد من بذل المجهود في تحصيل المعرفة ثم بذل المجهود في توصيل المعرفة، وغذا كان تحصيلها بابا شاقا فإن توصيلها باب أشق، ولا قيمة لعلم تكون رؤوسنا مخزنا له وإنما قيمته في أن تحيا به نفسك ثم تحي به نفوس من تعلم فتذيبه في أفئدتهم وتنطق به ألسنتهم ليعلموه كما تعلموه، وهكذا تجد العملية عملية ليست سهلة، ولا غنى لها عن لغة حية طيعة يتمتع بها المعلم وعقل منظم يقود حركته وينظم تعامله مع المعرفة ومع طلاب العلم ويستوي في ذلك من يعلم اللغة والتاريخ والرياضة والفيزياء ومن فقد اللسان المبين والعقل المستقيم فقد أغلق في وجهه باب العلم، وضلت من يده مفاتيحه كما يقول أبو يعقوب. ونرى ما حولنا من الأمم التي ملكت أمر رشدها وساسها خيارها، وأهل البصيرة منها يقوم الأمر عندهم على ذلك حتى إنه لا يجوز التسامح في خطأ نحوي في كتاب كتب في الكيمياء ولا يسمح لمعلم في أي فرع أن يسمع طلابه لغة ركيكة ولا يسمح لمتحدث يسمعه الناس سواء كان في السياسةن أو في غيرها أن يستخدم لفظه لا تقرها المجامع اللغوية، وقد بعث السكرتير الدائم

стр. 19

للأكاديمية الفرنسية رسالة توبيخ لرئيس الجمعية الوطنية الفرنسية بسبب تكرار الأخطاء اللغوية في أحاديث أعضاء البرلمان واستخدامهم ألفاظا لمتقر الأكاديمية دخولها في اللغة الفرنسية، ووصف سكرتير الأكاديمية في رسالته التي نشرتها صحيفة لوفيجارد هذه الظاهرة بأنها سرطان يهدد اللغة الفرنسية على مشارف القرن الواحد والعشرين. أقول هذا ما عليه الناس وما كانت علهي أمتنا في زمنها الأول، وقد ذكروا أن هند بنت أسماء بن خارجة لحنت وهي عند الحجاج فقال لها: أتلحنين وأنت شريفة في بيت قيس، اللحن واضطراب اللغة خسيسة تحط قدر الشريف. هذا شيء من دلدالة الوجه الأول في كلمة مفتاح العلوم. أما الوجه الثاني الذي يفيد أن ما في هذه العلوم الثلاثة هو مفاتحيها لا غير فهذا يعني أن ما لخصه السكاكي من كلام الأصحاب وأقام كتابه عليه لا يعدو أن يكون مفتاح باب العلم وليس هو العلم والأصحاب الذين لخص كلامهم هم عبد القاهر والزمخشري وابن الخطيب الرازي، وتراث هؤلاء الأعلام الثلاثة في البلاغة مفتاح لا غير أما العلم فهو كما قال تتبع خواص التراكيب، يعني العلم هناك في البيان المصقول والتراكيب الحية ذات الخصوصيات المستحسنة. وتتبع ذلك ومدراسته ومداخلته والذي في كتابه متن يفتح لك الطريق لتدخل به في ساحات هذا العلم وباحته وهذه الساحات والباحات هي الشعر ومختار الأدب فستخرج من تحت ألسنة الشعراء وأهل البيان دقائق، ما أودعوا، وكتاب المفتاح قواعد أي حرفة لا تكسبك المهارة فيها، وإنما الذي يكسبك المهارة هي الممارسة، والممارسة في هذه العلم تحليل الشعر والأدب لا غير. وأحسب أن الكساكي استلهم هذا من عبد القاهر رأس الأصحاب لأن عبد القاهر

стр. 20

فتح أبواب مسائل كثيرة ولم يستوف الكلام فيها، ويكتفي بأن يقول وقد نبهناك إلى الطريق يعني: أعطيناك المفتاح. واعلم وفقني الله وإياك أن للعلماء مع العلم شأنا يجب أن ننبه إليه وهو أن العالم حين يصبر على مسالة من مسائل العلم وتطول ملابسته لها يراها تتسع بمقدار صبره عليها وانقطاعه لها، وأن طول مدة المراجعة وشمول المدراسة وعمق التحقيق والتحرير لا يفضي إلى السيطرة على حدود المسألة كما هو الشأن عند المحصلين وإنما يفضي إلى ستعتها وتباعد أطرافها، وكلما أمعن في الإبحار تباعدت عنه الشطآن، وإنما مرجع هذا إلى خصوصية في العلم الشريف وهي رحابته وعمقه واتساعه، وأن أهله هم الغارقون في محيطاته، وكلما ازدادوا علما ازدادوا معرفة بأنهم لا يعلمون، لأن زيادة العلم تكشف آفاقا من المجهول هي أضعاف المعلوم الذي حصلوه، وأن العقول التي منحت القدرة على كشف الأستار وإزالة الحجب هي التي تفسح لها المجالات تلو المجالات وتتراءى لها الآفاق بعد الآفاق ومن وراء كل ذ لك غيب من ورائه غيب، وهذه هي طبيعة رحلة أهل العلم في مضاربه وآباده، وقد قال سقراط في آخر أيامه التي قضاها في استكشاف الحقيقة: إذا كنت علمت شيئا فهو أني لا أعلم، وقال علماؤنا من ظن أنه علم فقد جهل، ولا معنى لهذا إلا الذي قلته من أن طبية المعرفة أنها تقودك من معلوم تعلمه إلى مجهول لا تعلمه، وإذا لم يتنه بك المعتلوم إلى مجهول فاعلم أن هذا المعلوم خدعك وأوهمك أنك علمته وما علمته. وأضع بين يديك نصا لعبد القاهر ترى فيه ما أريد أن أقوله بصورة أوضح وقد ذكر هذا النص في صفحة ٢٦١ من "أسرار البلاغة"، وقد شغل هذه الصفحات بالبحث في الفرق بينا لتشبيه والتمثيل والاستعارة، وكأنه قد استطال ما كتب وهو عازم على أن يزيد الكتابة في هذا قال: "ولئك كان الذي نتكلف شرحه لال يزيد على مؤدي ثلاث أسماء، وهي التمثيل والتشبيه

стр. 21

والاستعارة فإن ذلك يستدعي جملا من القول يصعب استقصاؤها، وشعبا من الكلام لا يستبين لأول النظر ا، حاؤها" تأمل هذه الفروق تستدعي جملا يصعب استقصاؤها وشعبا لا ستتبين أنحاؤها، وهي في كلام المتأخرين لا تزيد عن صفحات. ما هو العلم الغائب في هذه الأبواب الثلاثة والتي يصعب الإحاطة بها؟ أي بحار هذه واي مسارح للنظر وأي آفاق للبحث التي تتباعد هذا التباعد. ثم قال وضرب مثلا: إذ قلونا شيء يحتوي على ثلاثة أحرف ولكنك إذا مددت يدا إلى القسمة وأخذت في بيان ما تحويه خهذه اللفظة احتجت إلى أن تقرأ أوراقا لا تحصى وتتجشم من المشقة والنظر والتفيكر ما ليس بالقليل اللنذر ثم قال: والجءز الذي لا يتجزأ يفوت العين ويدق عن البصر والكلام عليه يملأ أجلادا عظيمة الحجم، وهذا النص الأخير غريب ويشير إلى أن تاريخ العلوم العلمية في ديار الإسلام تاريخ غائب عنا لأن الجزء الذي يفوت العين لابد أن يكونوا قد أدركوه بالوسائل العلمية وإلا ما تكلموا عنه ثم يكتبون فيه ما يملأ أجلادا عظيمة الحجم، أي مادة علمية هذه؟ وماذا كانت تعالج؟، وماذا قالت عن الجزء الذي لا يتجزأ؟ ، وحسبنا هذا وإنما أردت أن أشير إلى سعة المعرفة عند القارئ الذي يفكر ومحدوديتها عند القارئ الذي يحصل. لا ريب أن كل عقل شغل بالمعرفة وطالت ممارسته لفرع من فروعه لابد أن يصير له فيها فهم يختلف، وأن تكون له في تناول مسائل العلم طريقة تتميز، وأن يكون له نظر في تحليل مسائل العلم يقارب نظراءه أو يباعدهم ويوافقهم وأيخالفهم، وإنك لترى جمهرة العلماء في العلم الواحد، ولكل مذاقه وطريقه ومسلكه مع أنهم يتواردون على حقائق من المعرفة أكثرها من الثوابت؟ لأن العقل الحي واضع ميسمه على ما يعالج، ونافحه من روحه وملبسه حسه وذوقه وبصيرته.

стр. 22

وترى هؤلاء أشبه بالشعراء وأهل البيان هم مختلفون في تصور وتصوير المعاني الشعرية والأدبية وإن تواردوا على معاني هي كالأمهات إلا أن لكل منهم طريقة ومذاقه وربما كان الاختلاف في تناول مسائل العلم أكثر سعة ورحابة، وإن الفرق بين كتاب وكتاب في علم واحد أوسع من الفرق بين قصيدة وقصيدة في غرض واحد. وأن تحليل الفكر البلاغي مختلف لامحالة من باحث إلى باحث مع الاتفاق في الجذور التي لا يتسامح فيها أهل العلم. وكل ذلك مشروط بالاجتهاد والصبر والانقطاع وإلا رأيت الكلام من الكلام لأن العمل يتميز بوسم صاحبه إذا رشح فيه جبينه كما كانوا يقولون وإذا صبر وصابر وبهذا لا يغر يقع الاختلاف الذي نقول، وهؤلاهم الذين نتكلم عنهم، وهذه الجمهرة من العلماء الذين لهم هذا الفهم وهذه الإصابة هي التي تراها في تاريخ العلوم تنقل علم السلف إلى الخلف نقلا يؤسس على تزكية هذا العلم وتجليته وتنويره، وتنميته وتثميره، نقلا لا يكون إلا بعد أن تودع فيه جهدها وصبرها ويقظتها وكدها ولمحها ونفحها فتصير معرفة السابقين بهذه الإضافات وهذه المراجعات أشبه بزمانها وأقرب إلى طبائع الجيل الذي يأخذ عن هذه الكوكبة الصادقةن وبهذا التقريب وهذه التحلية يصبح اللاحق مستطيعا النظر لا في كلام هؤلاء الذين يأخذ عنهم فحسب وإنما يصبح قادرا على النظر في كلام من أخذوا هم عنهم، يعني يتجاوز التلمذة على شيوخه إلى التلمذة على شيوخ شيوخه الذين كان لهم نفس الجهاد والعكوف والصبر على علم من سبقوهم وأودعوه من جهادهم ونفحاتهم ويقظتهم وإلهاماتهم ما أودعوه، وهكذا ينتقل الباحث من جيل إلى جيل وهو واجد في كل جيل عطاء، ومددا، وثراء فكر وتدقيق نظر حتى يصل إلى أصول المعرفة وجذورها عند الأولين الذين أسسوها وهم في تاريخ العلوم العربية والإسلامية جيل العلماء من صحابة رسول الله ﷺ الذين فقهوا عنه صلوات الله وسلامه عليه، وقد دلهم صلوات الله وسلامه عليه على هذا

стр. 23

النهج وهذا الطريق حين ضرب المثل بالغيث أصاب أرضا وكانوا رضوان الله عليهم التربة الطيبة التي أمسكت الماء وأنبتت الكلأ، وكانوا هم ورثة علم النبوة ثم روثوه لمن هو أشبه بهم، وهكذا ظلت هذه العلوم يتوارثها خيار الورثة من علماء الأمة رضوان الله عليهم، ولا معنى لهذا التوريث إلا أن يكون على الحد الذي وصفه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في حديث: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم" يعني بعد ما يصيب هذا الإرث أرضا طيبة تمسلك الماء الذي هو الأصل ثم تنبت الكلأ الذي هو اجتهادات أهل الفقه والبصيرة، والصبر والانقطاع فمن ورث ما نزل لا غير كان كالأرض التي تمسك الماء ولا تنبت الكلأ وهم الحفظة المحصلون الذين لم تسلك المعرفة في نفوسهم مسالك الحياة والحيوية فتهزها وتربوا فيها وتربوا بها وتنبت هذه المسالك الحية حولها صورا من الفكر وصورا من الخواطر حتى تكون كالجنة بربوة، وقد ضرب الله مثل الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين، هكذا ترى الفكرة أو الكلمة تتحول إلى معين يعطي عطاء ويغدق غدقا وإنما تكون كذلك بالحفاوة بها والصبر علهيا وطول معالجتها، ولهذا نقول إنه ليس في المعرفة شيء اسمه الجمود ولا شيء اسمه التوقف وليس في المعرفة ما يوصف بأنه نضج واحترق أو نضج ولم يحترق إلى آخره وإنما يكون شيء من ذلك في نفوسنا نحن حين لا نعطي المعرفة حقها من الحفاوة والعناية والانقطاع ولا نسكنها داخل نفوسنا هناك في جوهر النفس الحي الحساس، وحيث تحتضن الأفكار كما تحتضن بالذرة الملقاة في الأرض الطبية، وفإذا لم تنشق سدوف النفس وحجب الغفلة عن الفكرة البكر وماتت الفكرة هناك كانت كالبذرة الملقاة في القعيان، وإأنما تصاب الفنوس بالموات بسبب الإأهمال وترك الصدأ والغفلة يقتات من جوهرها ويفسد معدنها، ولم تعرف في تاريخ العلوم علماء انقطعوا وصدقوا وصبروا على تثقيف نفوسهم إلا وكان لهم في العلم عطاء. مضت الأجيال في تاريخ العلوم الإسلامية على نسق واحد لم يبتدل وهو

стр. 24

أن كل جيل في كل فرع كان يكتب علوم هذا الفرع كتابة على الحد الذي وصفناه ويقدماه للجيل الذي يقومون على توجيهه وتعليمه، وقد كانت حفاوة علمائنا بتلاميذهم حفاوة كريمة لأنهم يعلمون أن حياة المعرفة ليست في مدونات الكتب فحسب، وإنما تكون حياتها بتوصيلها إلى عقول أبناء الأمة، وليس هذا إحياء للعلم فقط وإنما هو إحياء للأجيال، لأن المعرفة تحيا بالإنسان ويحيا بها الإنسان وتتطور بالإنسان وتطور بها الإنسان، وبمقدار حظ الأجيال من الحيوية والسخاء يكون حفظ المعرفة من التقدم والازدهار. كل جيل من أجيال النحاة كتب النحو، وكل جيل من أجيال البلاغيين كتب البلاغة وأنت واجد عقل كل كالتب فيما كتب وطريقة تفكيره وطريقة تحليله، وهو بهذا الذي يودعه في أصول المعرفة يهيئها به ويقربها للجيل الذي يقوم عليه، ولا شك أنه أقدر على خطاب هذا الجيل، وأن صوته أقرب إلى أسماعهم وحواره أقرب إلى عقولهم وطيقة تأتيه إنما هي مشتقة من زمانه الذين هم جزء منه، ومعرفة الاهتمامات والشواغل الفكرية، والاتجاهات كل ذلك داخل في اعتباره وهو يخاطب الجيل الذي يعيش كل ذلك، وهذا هو تحديث العرفة في كل زمن وتجديد المعرفة في كل زمن، وهو أمر طبيعي حين يقوم اللعماء بواجبهم نحو الجيل الذي يمثل تلاميذهم هم بلا ريب يجددون العلوم وينقولنها إلى الزمن الأحدث، وهذا غير المعاصره والتحديث والتجديد الذي يتكلم عنه الناس في زماننا لأنه لا يعني إلى إقحام فكر الآخرين وتغليبه على فكرنا، هو يعني محو هذه العلوم كلها ووضع علوم الأخرين مكانها هو عيني تدمير حضارة الإسلام وعلوم الإسلام، وهو عمل سياسي استعماري وليس عمل فكري -وهو جريمة بشعة تحت اسم خداع. ونحن نتكلم عن تحديث العلوم وتجويدها ونقول إنه شيء يحدث تلقائيا في حركة فطرية تقوم عليها حركة الفكر وانتقال المعرفة من جيل إلى جيل، وهذا الانتقال الذي هو جزء من فطرة المعرفة وفطرة الإنسان لا يتم إلا إذا كانت روح العصر قد داخلته وروح التجديد قد داخلته وروح التحديث قد داخلته وذلك حين تعيش هذه المعرفة في صدور العلماء المنقطعين، وحين يعكفون

стр. 25

عليها يعالجونها وينظرون في جوابنها وظواهرها وبواطنه يجسونها بعقولهم ويثقبونها من هنا وهناك بفهومهم، ويوردون عليها الاحتمالات والاستدراكات والترجيحات ويحتجون لها ويحتجون عليها، وكل هذا ترويض لها حتى تبدي من أسرارها وتكشف من مكنوناتها وهم يفعلون كل ذلك وهم يحصلون ويدرسون ثم يفعلونه وأكثر منه، وهم في حلقات العلم وحولهم تلاميذهم ويجعلون الحوار حول مسائل العلم أصل التفهيم وأساس التعليم، ولا تجد معنى للتجديد والتحديث والمعاصرة في تاريخ كل علوم البشر إلا هذا الذي يتواتر على العلوم بتواتر العلماء والتلاميذ، وقد يكون من طلاب العلم من هو أرحب خيالا وأجنح شرودا فيقع من الفكرة على بارقة تلمح هنا أو هناك فيتنبه الشيخ إلى ما أثاره التلميذ ثم يعالجه بخبرته وحكمته وصبره وعلمه، إلى آخر ما تراه مما هو قائم في علومنا وعلوم غيرنا، وبه تحيا العلوم تتسع وتزدهر وتتجدد ولا تجد شيئا اسمه الجمود ولا التوقف وإنما هذه الحركة في مجملها ويعتورها ما يعتور الأزمان والأمم، والأحوال، وهي جزء من فطرة الحياة متأثرة بالواقع ومؤثرة فيه تراها تنشط حتى تبلغ ذروتها عند الكبار من العلماء. والذي لا يجوز أن نهمله أن كل كتاب كتبه صاحبه في فرع من فروع المعرفة هو كتاب مرسوم بوسم زمانه ومكانه وصاحبه، وهذا أمر لا يجوز في العقل خلافه، وتأمل نفسك وعقلك وفكرك وخواطرك تجد أنك مردود الزمن الذي أنت فيه، أنت مردود الحياة الفكرية في زمنك،؛ أنت كتاب من مكتبة هذا الزمن، ولوتصورنا أنه لم يوجد في مصر احتلال ولا كرومر ولا لطفي السيد هل كان سيوجد طه حسين بهذهالصورة التي عرفناها عنه ﵀، ولو كانت ممن درسوا تاريخ هذا الزمن لحكمت حكما قاطعا با، طه حسين حصيلة مواقف "وبلورة" اتجاهت ودعه ورحخه الله وأسال لو لم توجد حركة الإنجيل المضادة للقرآن في مصر والتي أفرزت أمثال سلامة موسى وغيره هل كان مصطفى صادق الرافعي يمكن أن يكون بالصورة التي عرفناها؟ لا شك أن السطور التي تكتب في الزمن إنمكا كتبت بمداد الزمن نفسه وأن

стр. 26

علومنا كتبت بمداتد كل عصر لأن علماءنا كانوا يعيشون الزمن بكل تيارته، ولم أعرف منهم من ولي الحياة ظهره ولا عاش مطأطئ الرأس يتقمم من هنا وهناك في خسة، وقد أهملنا دراسة الأطر الفكرية التي تحكم أزمانا معينة وتبطعها بطابعها حتى إنك لتجد المؤلفات في الفنون المخلفة في زمن معين ذات طابع يميزها. ولم أعرف علماء جيل طلبوا من تلاميذهم أن يتعلموا العلوم من تراث ن سبقوهم ,إنما قدموا لهم العلم وأغروهم به وفتحوا شهواتهم به وأطعموهم ثم ارتدوا وهم معهم برفق إلى تراث من سبقوهم وهكذا كما قدمت. وإذا كان كل جيل في حاجة ضرورية موماسة إلى هذا فإن جيلنا الذي نعلمه أشد الأجيال حاجة إلى ذلك لأنه يواجه ما لم يوجهه جيل سابق في التاريخ كله، ويواجه عوامل شرسة وطاغية ولها وسائل كثيرة تفصم بينه وبين علومه التي هي علوم أمته وتفصم بينه وبين تاريخه، وقد حدث أمر غريب هو أن بعض الأونظمة أكد لها نصحاؤها من اليهود والنصارى وملاحدة الإسلام أن العلوم العربية والإسلامية هي التي تربي الأجديال على التعصب والإرهاب، وأن تغييبها من المناهج ضروري لوجود السلام الاجتماعي، وصدق إخواننا هذا واجتهدوا في إبعاد هذه العلوم وتغييبها والتنفير منها، وغالبا ما يتولى أمر الثقافة والتعليم رجال لا صلة لهم بهذه العلوم ولا بحضارة الإسلام وتاريخه وربما كان منهم المادي والماركسي ومن نشأ وترعرع في أنظمة الجهاز الطليعي، وأفضل هؤلاء الرجال وأعقلهم الذي لا يغيب هذه العلوم دفعة واحدة حتى لا يتعرض لهجوم أهل البلاد ولا تجد من بين من يتولى رجلا يتحمس لها مع أن هذا هو الأصل، والقضية قضية كيان كما قلت، والمهم أن وسائل كثيرة وجهنمية تحول بين الجيل وبين هذه العلوم، وقد شاهدت في مسلسلة تلفيزيونية طالبا في مراحل التعليم المتوسطة يرفض أن يقرأ شعر أبي تمام والبحتري والمتنبي، ويسأله أبوه لماذا؟ فيقول: لأنهم منافقون يمدحون الرجل مرة ويهجونه مرة، فيقف الأب المثقف المستينر عاجزا أما وجاهة ما يقوله هذا

стр. 27

الطفل بفطرته. ولا يجد سبيلا إلى إقناعه، يعني كأن أدب هذه الأمة مخالف للفطرة الإنسانية، وكأنه صدر عن بشر ليسوا من زرع آدم. وقلت: لو أن هذا كتب في غير أمتنا وأوطاننا لحوكم المؤلف والممخرج بتهمة الخيانة الوطنية لأنه ليس هناك أمة تسمح بأن يخاطب جيلها في شأن تاريخها وأدبا بهذا الخطاب. والمهم أن هذا الجيل الذي هذا حاله يستوجب منها جهادًا أكبر وأنه من الخطأ الفاحد أن نطالبه حنن بأن يتعلم النحو والبلاغة بلغة العصور الخيالية، وأننا لما فعلنا ذلك أوشكنا أن نفقده وأوشك الاتجاه الذي وراءه ضلال النصارى وملاحدة الإسلام أن يظفر به. لابد أن نكتب المعرفة لأبنائنا كتابة نغيريهم بها ونفتح شهيتهم إليها، وليس المراد كتابة مختصرات في علومنا يبدأ بها الطلاب والتحصيل فحسب وإن كان هذا من المقاصد الأساسية وإنما بلابد أن نكتبها كتابة كاملة وافية نودع فيها كل ما عندنا، وكل اجتهاداتنا ورؤانا وخواطرنا كما كتب ابن هشام النحو وقد كتبته قبله أجيال من أفذاذ العلماء وكما كتب كل كيل علمه على الحد الذي وصفناه ثم إنه لا يكفي أن يكتبها واحد أو اثنان أو عشرة وإنما نكون في هذا كغيرنا من أمم الأرض كلها في التاريخ أن تكون علومها هي مادة البدرس والتعليم والتحليل في مدارسها وجامعاتها ومجامعها الفكرية والأدبية وأروقه البحث ومجالس العلماءن وكل ما يدور به الفكر ويدور عليه لا يشذ من هذا أحد، وهذا هو الذي عليه الرشد مقتضى العقل، وبهذه الوفرة من العلماء والدراسين وطلاب العلم وكتا بالأمم وقارئها، والمشتغلين بالفكر والأدب والثقافة فيها تبرز المعطيات المتنوعة والمختلفة والاتجاهات والحظوظ من الإصابة والتوفيق، ويجد الجيل بين يديه من التنوع والاختلافات ما يستقطب نشاطه ويشبع طموحه فتتفتح الأزاهير وتستقبل سحائبها وتخرج الأرض خبأها والأجيال رجالها وقادتها. حينئذ لا تجد باب من أبواب العلم يتوارى وينطوي على ودائعه ويدخل دائرة

стр. 28

الفصل الأول: الفصاحة والبلاغة: الفصاحة والبلاغة: لحظ بعض الدارسين من المتقدمين أن الفصاحة والبلاغة، وإن اختلفت دلالتهما اللغوية، فإنهما يلتقيان في الإبانة عن المعنى وإظهاره، فجعلوهما في الإصلاح شيئا واحدا، وقد جرى على ذلك كثير، منهم عبد القاهر. ولحظ آخرون أن اختلاف المدلول اللغوي يتبعه اختلاف في المدلول الاصطلاحي، ولما كانت البلاغة من البلوغ كان الأولى أن تكون وصفا للمعنى، وأن يراد بها إنهاء المعنى إلى القلب، ولما كانت الفصاحة من الظهور كان الأولى أن تكون وصفا للفظ، فجعلوا المراد بها تمام آلة البيان. وقد اختار المتأخرون هذا الرأي، والمسألة عندنا لا تحتاج إلى احتفال، ومناقشة كما فعل باحثها في دائرة المعارف؛ لأنه لا مشاحة في الاصطلاح، وخاصة إذا كان لا يترتب عليه أمر ذو بال. قالوا: الفصاحة تقع وصفا للكلمة، وللكلام وللمتكلم. أما فصاحة الكلمة، فهي أن تكون لينة سهلة النطق تتجاور أصواتها تجاورا لينا هادئا ملسا، وأن تكون مألوفة جرت على الألنسة، ورنت أصداؤها في محافل الشعر والأدب، وأن تكون واردة على قواعد تصريف الكلمات، وهذا معنى قولهم: "أما فصاحة المفرد فهي خلوصه من تنافر الحروف والغرابة، ومخالفة القياس الصرفي". فإذا تنافرت حروف لكلمة كان ذلك معيبا، ومخلًّا بفصاحتها، وذلك مثل كلمة الهعخع، وقد ذكروا أنه اسم شجر، ولم أجده في لسان العرب، ولا في

стр. 29

تاج العروس ولا في القاموس، وأظن أنه ليس اسم شجر؛ لأن أسماء الشجر تكون في الغالب كلمات دوارة، وهذه كلمة ثقيلة لا يستطاب دورانها على الألسنة، إلا أن يكون شجرا كريها مرا، لا يطاق طعمه، كأنه هذه الكلمة التي لا يطاق النطق بها، والتي تحكي صوت المتقيئ، ولم لا يكون لفظا مخترعا للثقل، وأنه لا معنى له؟ وهم يخترعون كلمات للمعاياة، قال ابن الشميل في كلمة عهخع نقلا عن أبي الدقيش: أنها معياة ولا أصل لها. وأبرز سبب يذكر لتنافر الحروف هو قرب مخارجها، أي أن تكون حروف الكلمة المتتابعة تخرج من مخارج قريبة جدا، وهذا -كما قالوا- يشبه مشي المقيد، أي أن أعضاء النطق بعد الفراغ من إخراج الصوت يضطرها الحروف الثاني إلى أن تعود إلى مخرج قريب جدا من الأول، وكان يسهل عليها أن تنتقل إلى مخرج أبعد، كأن تثب من الحق إلى اللسان مثلا، والمقيد ينقل قدمه ليضعها بعيد، ثم يثقله القيد فيضطر إلى أن يعود إلى موضع قريب جدا، والعرب يكرهون هذا، وقد بنيت لغتهم على الخفة، ولذلك تراهم يعمدون إلى إدغام الحرفين المتماثلين، والمتقاربين مثل شد وأصله شدد ومثل اضطر فإنها، وإن كتبت ضدا وطاء، فالنطق يجمعهما في صوت واحد مدغم، فإذا فصل بين الحرفين المتقاربين حرف زال الثقل، فالعرب لا يعرفون كلمة هخ بكسر الهاء وسكون الخاء، وهو حكاية صوت المتنخم أي الذي يدفع النخام من صدره، أو أنفه، وذلك لثقلها بقرب الهاء والخاء، فلما وقعت الياء بينهما، وفصل بين المخرجين تصرفت الكلمة وجرت على لسانهم، فقالوا: هيخ الإبل أي أناخها، والتهيخ إناخة الإبل، أو دعاء الفحل للضراب. وقد ذكر البلاغيون في مثال تنافر الحروف كلمة مستشزرات أي مرتفعات في قول امرئ القيس: "من الطويل". وفرع يغشى المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المداري في مثنى ومرسل

стр. 30

الغدائر: ذوائب الشعر، والمداري الأمشاط مفردها مدرى بكسر فسكون، والمثنى المفتول، والمرسل غير المفتول، يقول: إن خصل شعرها مرتفعات، وأن أمشاطها تغيب بين الشعر المفتول، والشعر المرسل. قال البلاغيون: إن كلمة مستشرزات كلمة غير فصيحة؛ لأنها تنفرت حروفها والتنافر هنا ليس راجعا إلى قرب المخرج، وإنما هو تنافر يحسه السمع، وتكرهه الأذن، والأذن عند البلاغيين قاض في النغم نافذ القضاء، ولذلك ترى بعضهم يضيف إلى الأصول التي ذكرناها في فصاحة الكلمة أن تكون خالية من كراهة السمع أي أن تحظى موسيقاها عند الأذن بالقبول، ومن هنا ردوا كلمة الجرشى بكسر الجيم، وتشديد الشين بمعنى النفس في بيت المتنبي يمدح سيف الدولة: "من المتقارب". مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الجرشى شريف النسب ويرى بعض الدارسين أن في صوت كلمة مستشزرات حكاية دقيقة لمعناها أي أن التفشي الذي تلحظه في صوت الشين، وانتشار الهواء وامتلاء الفم به حين النطق، يشبه إلى حد كبير انتشار الشعر، وتشعيثه، وذهابه إلى هناك وهناك، وعندنا أن بطء الكلمة، وثقلها على اللسان يذهب بهذه المزية فيها من حيث إنه يتعارض مع خفة معناها؛ لأنها تصف شعر جميلا خفيفا هفهافا يرتفع إلى العلا، وينبغي أن يلاحظ أن استعمال هذا المقياس يحتاج إلى وعي وذوق؛ لأن هناك كلمات ثقيلة على اللسان، ولكن ثقلها من أهم مظاهر فصاحتها من حيث إن هذا الثقل يصور معناها بحق، انظر كلمة اثاقلتم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ ١ تجد فيها قدرا من الثقل الفصيح؛ لأنه يصف تقاعسهم وتثاقلهم،

стр. 31

وخلودهم إلى الأرض، واستشعارهم مشقة الجهاد، وعزوف أرواحهم عنه، وقد دعوا إليه في عام العسرة، فكان منهم ما وصفت الآية، ولذلك جاء التهديد البالغ ليواجه تخاذل أرواحهم، فقال سبحانه: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ ١. وخذ قوله تعالى يحكي مقالة سيدنا نوح ﵇ لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ ٢، وتأمل كلمة أنلزمكموها، وما فيها من صعوبة في النطق تحكي صعوبة الإلزام بالإيات وهم لها كارهون، وانظر كلمة فعميت وما فيها من الإدغام، والتشديد وكيف تصفان معنى التعمية والإلباس. ولهذا لا أجد في كلمة أطلخم في بيت أبي تمام: قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا دهاريسا مخالفة للفصيح؛ لأن ثقلها وتداخل حروفها يحكيان الشدة، والاختلاط حين ينبهم الأمر، وتنبعث النوائب العشواء، واطلخم الأمر: اشتد وأظلم، والعشواء، داهية يعشى بها، والغبيس: الدواهي السود، والدهاريس: الدواهي. والكلمة الواصفة في بيتي امرئ القيس هي كلمة أثيث، ولو جهدت في طلب كلمة صف الشعر الكثيف المسترسل الذي يغشى متن الحسناء لما وجدت، وأوصف من كلمة أثيث، وصوت الثناء المؤذن بتخلل الهواء من بين طرف اللسان والثانيا العليا، وتكرر هذا الصوت يصف معناه بحق. أما الغرابة فهي أن تكون الكلمة وحشية أي لا يظهر معناها، فتحتاج في معرفتها إلى أن تنظر في كتب اللغة الواسعة، والذوق العربي لا يجب

стр. 32

الإغراب في الكلمات، ويكره التباصر بالغريب والتشادق به، ويجعلونه دليل قساوة الطبع، وتشيع في كلامهم هذه المعاني كما في قولهم: الاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص، وقولهم: البليغ من يجتني من الألفاظ نوارها، ويصف البحتري بلاغة ابن الزيات: "من الخفيف" ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد حزن مستعمل الكلام اختيارًا ... وتجنبن ظلمة التعقيد وركبن اللفظ القريب فأدركـ ... ـن غاية المراد البعيد انظر قوله: حزن مستعمل الكلام، وقوله: وركبن اللفظ القريب، ثم أن هذه البلاغة التي تصطنع الألفاظ المستعملة القريبة، تفضل شعر جرول ولبيد، وقد ناقش هذا الأصل بعض الدارسين ورفضواه، وذكروا أن الغرابة لا تخل بفصاحة الكلام، واستشهدوا بغريب الحديث وغريب القرآن، وليس هذا عندنا هو الوجه؛ لأن الغرابة التي ينبو عنها حسن البيان ليست هي التي تجدها في كلمة "ضيزى" في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ١، كما أنها ليست الغرابة التي تجدها في بيان النبي عليه الصلاة، والسلام حين يخاطب الأقوام البادين؛ لأن سيقاات حديثه الشريف، ومقاماته تقتدي مثل هذه الألفاظ التي لم تكن وحشية نافرة في مسامع المخاطبين، بل إنها كانت دوارة على ألسنتهم، وقد أكثر بشار من الغريب في القصيدة التي أحدثها في سلم ابن قتيبة، فلما سأله أبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر عن ذلك قال: بلغني أن سلما يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف، فهل أحب بشار أن يسقط فصاحته بين يدي سلم بن قتيبة؟ وهل يسقط البلاغيون غريب بشار؟ وقد رأيت أبا تمام مع قرب ألفاظه يورد الغريب في بعض قصائده لمقتضيات بلاغية كالذي فعله في قصيدته التي يمدح بها عياش ابن لهيعة الحضرمي ومنها:

стр. 33

قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... شعواء تالية غبسا دهاريسا وقد جاء فيها: أهيس أليس لجاء إلى همم ... تفرق الأسد في آذيها الليسا والأليس: الشجاع، والليس: جمع أليس، والأهيس: الشديد الوطء ومنها: مقابل في بني الأذواء منصبه ... عيصا فعيصا وقدموسا فقدموسا والمقابل بفتح الباء: الكريم الأجداد من جهة أبيه ومن جهة أمه، وكأنه قوبل بينهما، والعيص: الشجر الملتف، وقد نقل إلى النسب، والقدموس: القديم والأذواء جمع القوم الذين يقول لهم ذو جدن، وذور رعين، وذو يزن، وهم أشراف اليمن وملوكها. ومنها: رموك قنعاس دهر حين يحزبه ... أمر يشاركه آباء قنا عيسا والقنعاس: الجمل الشديد ثم نقل إلى الممدوح، ومنها: وقدموا منك إن هم خاطبوا ذربا ... ورادسوا حضرمي الصخر رديسا والذرابة الحدة، وقلما يقولون: رجل ذرب حتى يقولوا: ذرب اللسان، وأصل المرادسة الترامي بالصخر، يقال: ردست الصخرة بمثلها إذا رميتها، والمراديس صخرة تقذف في البئر ليعلم أفيها ماء لم لا؟ والحضارمة أهل غريب، وكتاب رسول الله ﷺ لأبي العلاء الحضرمي من كتب الغريب. وهذه القصيدة من جديد شعر أبي تمام، وهذه الأبيات التي جاء فيها الغريب من خيارها، وقد جاء منها: لله أفعال عياش وشيمته ... يزدنه كراما إن ساس أو سيسا

стр. 34

يحرسن بالبذل عرضا ما يزال ... من الآفات بالنفحات محروسا ومنها: فرع سما في العز متخذا ... أصلا ثوى في قرار المجد مغروسا الغرابة التي تخل بفصاحة الكلام هي ما تقدم مثاله من كلمة الطرموق بدل الطين، والاستمصال بدل الإسهال، والاطرغشاش والإبرغشاش بدل الشفاء، وهذه هي الغرابة المخلة بالفصاحة عند البلاغيين، وقد ذكروا أمثالها في قصة طريفة تروى عن علقمة النحوي قالو: إنه سقط عن حماره، فاجتمع عليه الناس فقال: ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة، افرنقعوا، وأظن أن علي بن عيسى -كان حسن التخلص جيد المداعبة- إنما اصطنع هذه الألفاظ ليشغل بها الذين أحاطوا به، وليصرفهم بهذه الدعابة. وكان البلاغيون أعقل من أن يضعوا أصلا، للفصاحة يخرجون به آيات من القرآن، وجملة صالحة من حديث رسول الله ﷺ ، وأكثر شعر طرفة ولبيد وامرئ القيس، والنابغة وزهير وشعراء الطبقات كلهم حين يصفون الناقة، والذي تعفق بالأرطى، والغضف وإقعاصها، وما شبه ذلك مما ترى فيه الشعر يوغل في البداوة، حين يلتقي بنوافرها، ويصف غرائبه، وأقول: البلاغيون كانوا أدق من أن يقعوا في مثل هذه الكبيرة، ولو تأمل المعترضون عبارتهم لأدركوا ذلك؛ لأنهم يقولون في تحديد الغرابة: أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها، فيحتاج في معرفته إلى أن ينقر عنه في كتب اللغة المبسوطة، فأشاروا إلى الموسوعات اللغوية الكبرى التي لا نظن أن القاموس، والأساس واحد منها، ثم إنهم قالوا: ينفر عنها أي: يجتهد في استخراجها من هذه المطولات؛ لأنها مدفونة في أضابيرها، هم يريدون الكلمات التي توشك أن يميتها الزمن، وأن يبتلعها التاريخ، والتي يمكن أن ينتفع بها الباحث في الأصول السامة لإيغالها في القدم، وشبهها بكلمات النقوش أكثر مما ينتفع بها الأدباء وأهل الفصيح، هم يقصدون زرجون، واسفنط وخندريس بدل الخمر، وهرماس وفدوكس بدل الأسد.

стр. 35

وما كانت أريد أن أنبه إلى هذا القول لولا أني رأيت كل من يطن له طن يفتح له باب الاعتراض على أصول العلوم التي قررها العلماء، تخيل هذا الطن علما، وكتبه في مؤلف، وقرأه طلاب العلم المساكين، وحسبوه من العلم الشريف. أما فصاحة الكلام فهي -كما قالوا- خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد اللفظي والمعنوي. ويراد بخلوصه من ضعف التأليف أن تكون جملة جارية علة طريقة العرب، وموافقة لقواعد النحو، فالفاعل مرفوع والمفعول منصوب وغير ذلك، فإذا اختلت هذه القواعد، أو بني الكلام على الوجوه المضعوفة لم يكن الكلام فصيحا. وأما تنافر الكلمات فإنه يراد به ألا تتكرر كلمات ذات جرس صوتي واحد، أو متقارب جدا، فإن ذلك يثقل على اللسان ولا تهش له الآذان، والعلم في ذلك قول الشاعر: "من الرجز". وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر فإن كلمات حرب وقبر وقرب ليست كلمات ثقيلة، وإنما ثقلها كان لما تجاورت وتنافرت. وأما التعقيد فإنه يراد به أن تكون الكلمات واقعة على صورة من التراكيب يغمض معها المعنى، ويلتوي فيها القصد، فلا يدرك إلا بعد جهد طويل، والعرب لا يحبون الالتواء، وينفرون من الغموض الملبس، وإن كانوا يميلون في الكلام إلى الدقة واللطافة، ويحبون نوعا من التمنع الشفاف أحيانا، ومن كلامهم: خير الكلام ما كان معناه في قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك. فالشاعر الذي أراد أن يقول: إن ممدوحه قد بلغ من الفضائل مبلغا لم يلحقه فيه أحد من الأحياء إلا حي واحد له صلة بهذا الممدوح، فهو ابن أخته وهو ملك أيضا، هذا المعنى يصوغه الفرزدق في بيت معقد صار عندهم مثلا

стр. 36

في اضطراب تركيب الكلمات، قال يمدح إبراهيم المخزومي، وهو خال هشام بن عبد الملك: "من الطويل". وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه وأصل العبارة: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، فتعسف في التركيب، والتوى في التعبير، وقدم وأخر، وأجهدنا في فهم هذا المعنى الذي لا يساوي شيئا، وأحسب أن الفرزدق وهو شاعر فحل يعرف طبائع اللغة، وعوائد التراكيب إنما فعل ذلك تهكما بالمدح والممدوح، وولاء الفرزدق للعلويين، وعداؤه لبني أمية والممدوح منهم يغير بهذا الظن، وقد جرت عادة الشعراء على تثقيف الشعر، وصقله في خطاب الملوك ومن في طبقتهم. وهذا الضرب يسميه البلاغيون التعقيد اللفظي، وهو يقابل التعقيد المعنوي الذي يراد هو ألا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني هو المعنى المراد، ومن الضروري أن تكون العلاقة بين الصورة، والمراد منها علاقة بينة مكشوفة، فإذا قلت: فلان كثير الرماد انتقل الذهن إلى معنى الكرم بسرعة، وكذلك إذا قلت: فلانة نئومة الضحى انتقل الذهن إلى معنى الرفاهية، وهكذا لم يتوقف الإدراك عند الدلالة المباشرة، ولكنه يثب منها إلى المراد، فإذا سمع من يألف اللغة قول ذي الرمة: "وساق الثريا في ملاءته الفجر" فهم منه انبساط ضوء الصبح، وإذا سمع قول الغنوي في ناقته: يقتات شحم سنامها الرحل، فهم منه كثرة الأسفار، وإذا سمع قول البحتري ليعقوب بن أحمد: تجرح أقوال الوشاة فريصتي، فهم منه أنه أوذي بقالة السوء، أو قوله: "من الطويل": ولما نبت بي الأرض عدت إليكم ... أمت بحبل الود وهو رمام لم يفهم من: نبت بي الأرض إلا معنى القلق والاضطراب، ولم يفهم من حبل الود الرمام إلا صداقة قديمة يعول عليها. وهكذا لم يقف عند الدلالة الصريحة القريبة، أو النصيبة كملاءة الفجر التي

стр. 37

يسوق فيها الثريا، أو الرحل الذي يقتات من شحم السنام، أو الأقوال التي تجرح لحمة الكتف، وإنما يقع خاطر بسرعة على المراد، وذلك؛ لأن المسافة بين المعنى النصي، والمعنى المجازي مسافة وضيئة يسلك العقل فيها سبيلا مسيرا، وقد يكون الأمر على خلاف ذلك، فيقع الشاعر في تعقيد، والتواء حين يستخدم صورة لمعنى غير واضحة الدلالة عليه، مثال ذلك أنهم استعملوا جمود العين للدلالة على بخلها بالدموع عند إرادة البكاء، فلما استعملها الشاعر في الدلالة على ذهاب الحزن، وقرار العين وسرور النفس كان ذلك تعقيدا؛ لأن الذهن لا ينتقل من جمود العين إلى معنى السرور، وإنما ينتقل من جمود العين إلى معنى الضيق، والامتلاء بالحزن وهذا هو سبب عيبهم لقول العباس بن الأحنف: "من الطويل": سأطلب عد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا أراد أن يقول: سأطلب فراقكم لأنعم بقربكم، وسأبكي عليكم لأنعم بلقائكم ولتقر عيني بهذا اللقاء، بجعل قوله: "لتجمدا" كناية عن قرار النفس باللقاء والسرور، وهذا لم تألفه طرائق التعبير؛ لأن الجمود -كما قلنا- معناه البخل عند الحاجة، قالوا: ناقة جماد أي لا لبن فيها، وسنة جماد أي لا خير فيها، وكذلك العين الجمود، قال ابن يسار: "من الطويل": ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود فالجمود إذن لا يشير إلى السرور، ولا يحمل إلى النفس شيئًا في معنى الغبطة باللقاء، ولهذا كان ظله في البيت ظلا وخيما، وطريقه إلى المعنى طريقا كدرًا. أما فصاحة المتكلم فهي: تلك الموهبة التي يستطيع بها المتكلم أن يعبر تعبيرا صادقا قويا عن أفكاره، وأغراضه ومشاعره، وهذه الموهبة تكتسب بكثرة المران والدرابة، والمعايشة للأساليب الممتازة، وحفظ كثير من الشعر والنثر حفظا واعيا يستوعب معانيه، ويستغرق في آماده، ويذهب في أوديته، وهذا الوعي، وهذا الاستغراق هو الوسيلة لتربية النفس التي تشعر شعورًا صحيحًا

стр. 38

وصادقًا، وتتتامل تأملا مستبطنا، وتتلقى الأشياء والتجارب، والأحداث تلقيا واعيا، فإذا وصفت ما تجد جاء وصفها قويا واضحا. أما البلاغة فإنها لا تأتي وصفا للمفرد، فلا يقال: كلمة بليغة إذا أريد بالكلمة لفظ مفرد، وإنما يقال: كلمة بلغية إذا أريد بالكلمة القصيدة أو الخطبة، ويصح أن نطلق الكلمة على القصيدة، فنقول: كلمة الحويدرة، أو كلمة زهير. وتقع البلاغة وصفا للكلام والمتكلم، فبلاغة الكلام أن يكون مطابقا لمقتضى الحال مع فصاحته، أي أن يكون التعبير فيه خصائص في الصياغة، وأوضاع في التراكيب، تدل هذه الخصائص وهذه الأوضاع على معان يكون بها الكلام وافيا، ومطابقا لما يتطلبه الموقف الداعي. فحين يكون المقام داعيا الى التنويه برجل تتحدث عنه، أي حين تنفعل نفسك بمآثره وأخلاقه تقول: هو الرجل، فتذكره معرفا بهذه الأداة التي تكسبه في سياق العناية به وصف الرجولة الصادقة والكاملة، وكأنك توهم أن الرجولة بكل أوصافها، تتحقق فيه ويشتهر بها، حينئذ نقول: إن التعريف جاء مطابقا لمقتضى الحال أي مقتضى المقام: لأن المقام يتطلب التنويه، والإشادة لما هتفت دواعي النفس بذلك، فوقع الكلام وفيه خصوصية تعين على إفادة هذا المعنى، ومثل ذلك أنك تجد الطريق، وقد ملأه الناس سائرين فيه، فيقع في نفسك أن هذا الطريق كأنه هو الذي يسير، فلا تقول: سار الناس في الطريق، وإنما تقول: سار بهم الطريق، والتعبير الثاني أكثر ملاءمة لحالة نفسك التي أحست، أو خيل إليها أن الطريق سير، لا أريد لك أن تكذب في التعبير، وأن تدعي أنك تحس هذا، وإنما أقول لك: إنك حين تحس أن الطريق يمور، ويتحرك يكون قولك: سار بهم الطريق، مطابقا لما يتطلبه حال النفس الداعي إلى الوصف الصادق، وإذا قلت: سار الناس في الطريق، لا تكون العبارة مستوفية لإحساسك بكثرة السير حتى كأن كل بقعة في الطريقة عليها إنسان يسير، والعبارة إذن ليست مطابقة لمقتضى الحال، وعكس هذا إذا كنت

стр. 39

لم تحس هذا الإحساس، وإنما رأيت ناسًا يسيرون، ولم يقع في نفسك شيء وراء ذلك يكون من الكذب في الوصف أن تقول: سار بهم الطريق؛ لأن الطريق لم يسر بهم، أو؛ لأن نفسك لم تحسب سير الطريق بهم، والتعبير الملائم أن تقول: سار الناس في الطريق، تصف وصفا تقريريا لا عاطفة فيه؛ لأن الذي رأيته ليس له بعد وراء هذا، والذي أريد أن أقرره أن المطابقة تعني أولا المطابقة لحال النفس والشعور، ولذلك يكون التهويل، والكذب على النفس مخالفا للمطابقة، وخارجا عن حد البلاغة، المطابقة إذن تعني الصدق، والوفاء بما في النفس، أو كما قال العلوي: "أن تصل عبارتك كنه ما في قلبك". والحال عند البلاغيين هو الأمر الذي يدعو المتكلم إلى أن يعتبر في كلامه خصوصية ما، أي هو ذلك الداعي الذي يهتف بالفطرة الصادقة إلى أن تجري صياغة العبارة على طريق دون آخر، فالخنساء لما استعر في ضميرها الحزن الكارب على موت صخر قالت: "من البسيط": فما عجول لدى بو تطيف به ... لها حنينان إعلان وإسرار أودى به الدهر يوما فهي مرزمة ... قد ساعدتها على التحنان أظآر ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار يوما بأوجع مني يوم فارقني ... صخر وللعيش إحلاء وإمرار السليقة البيانية ألهمت الخنساء هذه الخصوصيات في أداء تجربتها الحزينة، فأسكبت حزنها على هذه الصورة الماثلة في الناقة التي فقدت ولدها، ثم خدعت فصنع لها ولد من جلد، فأخذت تطوف حوله في حنين دافق يعلو ويهبط، وهناك نوقف يحاوبنها التحنان، فيشجيها ذلك الترجيع فتحمي وتندفع، إذا غفلت هذه الناقة قليلًا رعت، فإذا ما تذكرت حركها الحزن حركة طائفة، فتصير لفرط هذه الحركة كأنها الإقبال والإدبار. علم تقل الخنساء فهي مقبلة مدبرة؛ لأنها أرادت التوكيد وبيان فرط الحركة،

стр. 40

ودعاها المقام إلى هذه الصورة، كما دعاها إلى هذه الخصائص، فأخبرت عنها بالإقبال، والإدبار لتصف إحساسها بالناقة، وأنها صارت إقبالا وإدبارًا، وكذلك قالت: "إنما هي إقبال وإدبار"، ولم تقل: فما هي إلا إقبال وإدبار لتومئ إلى أن صيرورتها إقبالا، وإدبارا عندها أمر واضح لا إنكار فيه، وتنكير يوما في قولها: "أودى به الدهر يومًا"؛ لأنها أرادت يوما حزينا مليئا بالهم والغم، فهو نوع خاص من أنواع الأيام ينكره حسها. إذن الحال، أعني المعاناة التي عانتها الخنساء، هو الذي ألهمها هذه الخصائص التي صاغت فيها معاناتها لتكون تلك الصياغة وافية مطابقة. والحال، في الأمثلة السابقة، هو الذي دعاك إلى التعريف في الرجل، وأن تقول: هو الرجل بدل هو رجل، وهو الذي دعاك إلى أن تقول: سار بهم الطريق بدل ساروا في الطريق، أما مقتضى الحال، فهو الأمر العام الذي يقتضيه الحال كالتعريف، والتنكير أو التقديم أو التجوز في النسبة، أو الحذف أو التشبيه أو غير ذلك من الأحوال المختلفة التي يرد عليها التعبير.... ومطابقة هذا لمقتضى الحال هو ما ترد عليه العبارة كالتعريف الوارد في قولك: هو الرجل، والتنيكر في قولها: يوما، والتجوز في قولها هي إقبال أي هو واحد من آحاد التعريف جاء عليه الكلام، أو واحد من آحاد التنكير إلى آخره، وهذه فروق دقيقة. قال الخطيب: "ومقتضى الحال مختلف فإن مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التنكير يباين مقام التعريف، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذلك خطاب الذكي يباين خطاب الغبي، وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام". والكلام الذي تتوفر فيه الخصائص المشيرة إلى ألوان المعاني هو الكلام الجيد الممتاز، وترتفع منزلته وتنخفض تبعا لهذه الحالة، فكلما كان الكلام بخصائص تراكيبه أكثر شمولا، واستيعابا للفكر والشعور كان أعلى، وواضح
следующие страницы →