ما يعلم به أنك مستعير ومشبه، ويفتح طريق المجاز إلى الكلمة"، وراجع قراءته وتأمله؛ لأنه من النصوص النفيسة في فهم دقائق صنعة الشعر.
وواضحج أن المثبت في هذا المجاز، وهو تجوب فيه مجاز؛ لأن الجوب معناه القطع، قالوا: جاب الثوب والصخر أي قطعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ ١، أي قطعوه، وهو مستعار هنا لنفاذ البصر، واستطاعة الرؤية خلال الظلام، كما قالوا في المجاز: جاب الفلاة أي قطعها ونفذ فيها وتغلغل، والنوق تجوب أدرع الظلماء، والجابية التيتنفذ في اللاد وتتغلغل فيها، وجوائب الأطيار جمع لهذه الجائبة.
ومما وقع فيه التجوز في الإثبات، والمثبت قول الأبيرد اليربوعي يرثي أخاه بريدا: "من الطويل"
ولما نعى الناعي بريدا تغولت ... بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر
عساكر تغشى النفس حتى كأنني ... أخو سكرة دارت بهامته الخمر
فتى إن هو استغنى تخرق في الغنى ... وإن قل مال لم يضع متنه الفقر
والعرب يزعمون -كما قلنا- أن في الأرض غولا يغتال الناس، والغيلان في الصحراء تتخطفهم، فتضلهم عن المحجة وتذهب بعقولهم، وأراد الشاعر أنه لما سمع نعي أخيه طاشت نفسه، وكأن الأرض قد اغتالته، ودوران الأرض بالمفجوع معنى متداول في الشعر، قال طريف بن وهب في رثاء ولده: "من الطويل"
وظلت بي الأرض الفضاء كأنما ... تصعد من أركانها وتجول
والعساكر في قوله: عساكر تغشى النفس، مستعار للشدة التي أحاطت بروحه إحاطة تمكن واستيلاء، وقوله: تخرق في الغنى أي أسرف في العطاء
стр. 107
وهو مجازاتهم البليغة في الشجاعة والجود، وقوله: لم يضع متنه الفقر، هو شاهدنا، أراد لم يذله الفقر، وقد أسند وضع المتن إلى الفقر، والفقر سبب في الذل، وليس فاعلًا له وهو كقولهم: فلان وضعه الشح، ووضعه الجبن، أي كان سببا في وضعه وهوانه، وقد عبر الشاعر عن الذل بوضع المتن أي وطاءة الظهر وتطامن المناكب، وقد يقال: إن هذا من صور الاستعارة المكنية التي يشبه فيها الذليل المنقاد بالدابة الوطيئة الظهر المتطامنة المناكب، وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت دابة ذلولا.
وحين تراجع أساليب المجاز تلحظ أن كثيرًا منها يمكنك أن ترجع بالإسناد فيه إلى ما حقه أن يسند إليه أي إلى الحقيقة، فقوله: نام ليلي وتجلى همي يسهل أن تقول فيه: نمت في ليلي، وكذلك تقول في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ١، فما ربحوا في تجارتهم، وفي قوله: تجوب له الظلماء عين، يجوب الجمل الظلماء بعينه، وفي قوله: يحمي إذا اخترط السيوف نساءنا ضرب، نحمي نساءنا بضرب.. إلى آخر ما قدمنا من الصور.
ولا يخفى أننا قد ذهبنا بموضع المزية من التعبير، أو سورة الفرقان كما يسميها عبد القاهر، وكان صف هذا المجاز بأنه كنز من كنوز البلاغة، وأنه مادة الشاعر المفلق، والكاتب البيلغ في الإبداع والإحسان، وأنه يجيء به الكلام مطبوعًا مصنوعًا، ويقع به بعيد المرام قريب الأفهام، وأن من شأنه أن يفخم عليه المعنى، وتحدث فيه النباهة.
وهناك تراكيب جاءت على طريقة التجوز، ولم يألفها الاستعمال مسندة إلى ما هي له أي لم يجر إسنادها إلى فاعليها الحقيقيين في العرف الاستعمالي في الشعر، والأدب والكلام عامة؛ من ذلك قولهم: أقدمني بلدك حق لي
стр. 108
على إنسان، فإن الإقدام هنا مسند إلى الحق، والحق ليس فاعل الإقدام، وإنما هو داع إليه، فالإسناد إسناد مجازي والعلاقة السببية، ولكن الناس لم يستعملوا الإسناد الحقيقي في هذه الصيغة كما استعملوا الإسناد الحقيقي في مثل ربح الناس في تجارتهم، ومثله قول الشاعر: "من مجزوء الوافر"
وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
أراد أن هواك صيرني مثلا يضرب في هلاك المحبة، فأسند الفعل صيرني إلى هواك، والذي صيره ليس الهوى، وإنما الهوى سبب في هذه الصيرورة، ولم يعرف
في الاستعمال إسناد حقيقي لهذا التركيب.
ومثله قوله أبي نواس: "من مجزوء الوافر"
يزيد وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
أراد أن محاسن وجهه لا تتناهى، فكلما ازددت فيها تأملًا تكشفت لك من روائعه آيات من الحسن بعدها آيات، فأسند الزيادة إلى الوجه، الوجه ليس فاعلا زيادة الحسن للمتأمل، وإنما هو سبب هذه الزيادة، ولم يجر العرف باستعمال إسناد حقيقي لهذا التركيب، قال عبد القاهر: "واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير أن أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة مثل أن تقول في: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ، ربحوا في تجارتهم، وفي: يحمي نساءنا ضرب نحمي نساءنا بضرب، فإن ذلك لا يأتي في كل شيء، ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل -في قولك: أقدمني بلدك حق لي على إنسان فاعلا سوى- الحق، وكذلك لا تستطيع في قوله:
وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
وقوله:
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرًا
стр. 109
أن تزعم أن لصيرني فاعلا قد نقل عنه الفعل، فجعل للهوى كما فعل ذلك في: ربحت تجارتهم، ويحمي نساءنا- ولا تستطيع كذلك أن تقدر ليزيد في قولك: يزيدك وجهه، فاعلا غير الوجه".
ثم اعترض ابن الخطيب الرازي على هذا، وقال: إن كل فعل لا بد له من فاعل حقيقي، إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقيًّا، وأنكر هذا الكلام على عبد القاهر، وعبارة الرازي، قال -بعد ما نقل كلام عبد القاهر الذي ذكرناه-: "وفيه نظر، وذلك؛ لأن الفعل يستحيل وجوده إلا من الفاعل، فالفعل المسند إلى شيء إما إن يسند إلى ما هو مسند في ذاته إليه، فيكون الإسناد حقيقا، وإذا لم يسند إلى ذلك الشيء؛ فلا بد من شيء آخر يكون هو مستندا لذاته إليه، وإلا لزم حصول الفعل لا عن فاعل، وهو محال".
وقول ابن الخطيب: أن الفعل لا بد له من فاعل، كلام لا ينقضه من له عقل، ولكنه لا يرد على عبد القاهر؛ لأن عبد القاهر لم يتعرض لهذه القضية، وإنما يقول: إن هناك تراكيب جرت في لسانهم على أسلوب المجاز في الإسناد، ولم يعهدها لسناهم جارية على أسلوب الحقيقة، وهو لا يدعي أن هناك أفعالًا تصدر من غير فاعل، وكان ينتظر من ابن الخطيب -وهو من أعلام علماء المسلمين، وصاحب التفسير الكبير- أن يأتي بما ينقض كلام عبد القاهر من أساليب العرب، فيقول: إن العرب استعملوا في: أقدمني بلدك حق لي على إنسان قولهم كذا، ويأتي بهذا التركيب على أسلوب الحقيقة؛ لأن هذه هي القضية، وليست صدور الأفعال، من فاعلها موضع مناقشة، وعبارة عبد القاهر عبارة واعية؛ لأنها تقرر بوضوح أن هذه الأفعال في هذه التراكيب ليس لها فاعل حقيقي تستطيع أن تقول: إنها نقلت من الإسناد إليه إلى الفاعل المجازي، فلا يمكنك أن تثبت للفعل في أقدمني بلدك حق على إنسان فاعلًا سوى الحق، فنفيه وجود الفاعل الحقيقي لهذه الأفعال ليس نفيا مطلقا، يعني أن عبد القاهر لا يقول: إن هناك أفعالا ليس لها فاعلين، وإنما هو نفي لوجود الفاعل الحقيقي في هذه التراكيب في
стр. 110
الاستعمال، وإذا كان ابن الخطيب قد بنى اعتراضه على هذا الأصل الذي قدمنا، فإن أبا يعقوب أورد الاعتراض على الإمام عبد القاهر من جهة أخرى تتلخص في أن المجاز فرع الحقيقة، ولك فرع لا بد له من أصل، فوجب أن يكون لكل مجاز حقيقة، وعبارته: "ولا يختلجن في ذهنك بعد أن اتضح لك كون المجاز فرع أصل تحقق مجاز أيا كان بدون حقيقة يكون متعديا عنها لامتناع تحقق فرع من غير أصل، فلا يجوز في نحو: سرتني رؤيتك، ونحو: أقدمني بلد حق على فلان، ونحو:
وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
ونحو:
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
أن لا يكون لكل فعل من هذه الأفعال فاعل في التقدير إذا أنت أسندت الفعل إليه، وجدت الحكم واقعا في مكانه الأصلي عند العقل، ولكن حكم العقل فيها، فأيما ترى ارتضى بصحة استنادها فهو ذلك"، يعني أن العقل إذا ارتضى فاعلا لفعل، فهو فاعله فليس المعول عليه الاستعمال، وإنما قبول العقل، لأن يكون هذا الفعل مسندًا إلى هذا الفاعل.
ولا ينكر عبد القاهر أن أي مسند إليه يرتضى العقل صحة إسناد هذه الأفعال إليه يكون الإسناد معه حقيقيا، وإنما يقول: "إنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في هذه التراكيب فاعلًا سوى المذكور"، أي أنه لم يرد فاعل حقيقي لها في الاستعمال العرفي كما يقول البناني.
ولذلك نرى أن عبد القاهر لا ينكر من ناحية العقل هذه التقديرات التي ذهب إليها السكاكي في هذه الصور من مثل قوله: أقدمتني نفسي لأجل حق لي على فلان، وصيرني الله بسبب هواك، ويزيدك الله حسنًا في وجهه، لا ينكر صحة هذا الكلام، وإنما ينكر أن تكون هذه الاستعمالات متعارفة، وأنها مما جرى بها لسانهم، وقد أشار البناني إلى أن هذه التأويلات تكلف، وتطلب
стр. 111
لما لا يقصد في الاستعمال، ولا يتعلق به الغرض من التراكيب، ورحمهم الله جميعا.
وقد ألفت الكتب طرق هذا الموضوع، وكان لهذا الإغراء المنطقي الذي ساق فيه الرازي اعتراضه سلطان على النفوس المؤمنة، فانصرف كثير منهم عن رأي عبد القاهر من غير تمحيص له، وشايعوا الرازي والسكاكي، والرازي كما قلت: إمام عظيم القدر في الفكر الإسلامي، ولكنه لم يذكر في السياق البلاغي إلا بكتاب لخص فيه كتابي عبد القاهر، فكأنه محمول عليه، ولولاه لم يذكر في عداد القوم، وليس له في التلخيص جهد كبير، وانظر إلى ضرب من ضروب تعمقه في مثال: أقدمني بلدك حق لي على فلان، فقد ذهب إلى أنه ليس من المجاز، وبيان وجهه في ذلك هو أن الإقدام معناه فعل القادر للقدوم، والقادر على القدوم لا يحتاج في فعله إلا إلى الداعي الذي يدعوه، وقد وجد الداعي هنا، وهو الحق في البلد، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا مجاز في الكلام أصلًا، ثم استدرك بعد هذا وأراد أن يحرر كلامه، فقال: إلا أن يقال: الداعي هو العلم بذلك الحق لا نفس الحق، فيكون مجازًا من هذا الوجه، ومعنى هذا أنك لو قلت: أقدمني بلدك علمي بحق لي عند فلان لكان حقيقة؛ لأن الداعي إلى القدوم هو العلم بالحق وليس الحق، وهذا كلام مرفوض، وتعمق فاسد، وكأن السكاكي كان يقصد إلى بيان خطأ هذا الوجه حين لفت قارئ كتابه التفاتة تنبهه، وتحذره من أن يعتقد صحة هذا الكلام في قوله: "وإياك والظن بأقدمني بلدك حقل لي على فلان، ومحبتك جاءت بي إليك كونهما حقيقتين، فالفعلان فيهما مسندان كما ترى إلى مجرد الداعي، والفعل لا يقبل الداعي فاعلًا، وإنما يقبله محركا للفاعل، ويكاد يكون نصا في الرد على الرازي.
وقد أثار كلام الرازي في مثال: أقدمني بلدك، كثيرًا من الجدل والمحاورات، وإن كان السكاكي قد سارع إلى إبطاله، فإن ابن يعقوب المغربي، والعلامة السيد الشريف، ومولانا الشيخ الدسوقي كلهم أفاض في إمكان أن
стр. 112
يكون أقدمني بلدك حق على فلان من أساليب الحقيقة، ويذهبون في ذلك مذاهب عديدة، وقد ضاق سعد الدين بهذا الشغب في هذه الحالة، وأوصى العلماء باختيار المثال الذي لا مجال فيه للمناقشة حتى لا تستنفد الجهود في هذه السراديب، وهذه هي المماحكات اللفظية التي كنت أعنيها حين قلت: إن الجهل بها لا يضر، وإن التبحر فيها لا ينفع، قلت: هذا وأنا ناظر لكلام سعد الدين حتى لا تتفرق بهذا العلم السبل، فتتفرق بيه عن سبيله.
أشرت إلى أن التجوز في الإسناد يلقي على الجملة ظلا من التلوين يخيل أن الفاعل المجازي قد جرت فيه استعارة، وأن السكاكي ذهب إلى هذا، فأنكر المجاز العقلي، ورجع به إلى الاستعارة المكنية، وذلك رغبة منه في تقليل الأقسام، وملخص توجيهه أنه يشبه الفاعل المجازي بالفاعل الحقيقي، ثم يدعي أن المشبه صار هو المشبه به، ثم يطلق لفظ المشبه الادعائي أي الذي ادعى أنه المشبه به على المشبه به، كما هو مذهبه في الاستعارة المكنية، فيقول في قولنا: أنبت الربيع البقل: أن الربيع مشبه بالحي القادر، ثم ادعى أن الربيع قادر مختار، ثم أطلق لفظ المشبه الادعائي أي الربيع الذي ادعى أنه قادر مختار على المشبه به أي الحي القادر، وكذلك يقول في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ، أنه شبه التجارة بالمشترين، ثم ادعى أن التجارة مشبه به، ثم أطلق لفظ المشبه الادعائي على المشبه به، وهكذا تنصرف نظرته عن الإسناد، ولا يرى فيه تجوزًا، وإنما التجوز كان في الفاعل الحقيقي، والذي دفعه إلى ذلك -كما قال- الرغبة في تقليل الأقسام، ولهذه الرغبة أيضا أنكر الاستعارة التبعية.
والرغبة في تقليل الأقسام أمر يحرص عليه كل باحث بشرط ألا يدفعنا ذلك إلى تجاهل الخصوصيات الواضحة التي تتميز بها الطرق المختلفة في أداء المعاني، والأبر بالأساليب أن ننظر في كل صورة بما يلائمها، وكثير من صور المجاز العقلي يطفئها جريانها على طريقة الاستعارة بالكناية، ألا تراك لو قلت في قول الفرزدق، سقاها خروق في المسامع: أنه شبه الخروق بالساقي تكون قد فسرت الشعر على غير مراده، وأجريته على غير طريقته؛ لأن الفرزدق لم
стр. 113
يلحظ هذا، وإنما أراد أن يقول: إن ذكر قومه وصيتهم البعيد الذي ملأ الأسماع كان سببا قويا في أن أفسح الناس لهذه الإبل، ولم يتعرض لها أحد، فبالغ في هذه السببية حين صيرها فاعلة الفعل، فجعل الذكر الذكر هو الساقي، ويقال مثله في: يحمي نساءنا ضرب، فإنه أراد أن يبالغ في قوتهم، واقتدارهم وأن ضربهم الشديد الأرعل، والذي تطير له السواعد هو سبب في حماية نسائهم، وأنه هو السبب الذي ليس وراءه سبب آخر، فنسب الحماية إليه، ومثله قوله - تعالى-: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ، فقد أراد والله أعلم بمراده أن يؤكد سببية التجارة في الربح، فأسند الربح إلبها ثم نفى ذلك، ولعلك تقول: إن الآية واردة في سياق بيان ضلال الذين اشتروا الضلالة بالهدى، وأن هذه التجارة لا ربح فيها، فكيف نقول: إن التجوز في الإسناد مشير إلى قوة سببية هذه التجارة في ربح أصحابها؟
والوجه عندنا أن هذا يشير إلى معنى دقيق هو أنه ينبغي لصاحب العقل، والدين أن يدع هذه البيعة المذكورة في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ حتى ولو كانت سببا أكيدا للربح فما بالك بها، وهي لست رابحة، وهذا معنى دقيق، وله نظائر في كلام الله، والكلام الفصيح.
القصد الأهم في صور المجاز العقلي إلى الإسناد والتصرف فيه، وقد يتبع ذلك كما قلت تشبيه الفاعل المجازي بالفاعل الحقيقي، ولكن هذا يكون ظلا لهذا التجوز، وتابعا له ولم يقصد إليه في هذه الأساليب، نعم هناك صور تشتبه، ويرددها الدارسون بين المجاز العقلي، والاستعارة المكنية والتبعية، ولكننا لو حققنا النظر كما ينبغي وأوتينا حسا أقوى، وإدراكا أسمى لتميزت الصور وبرزت فروقها الخفية، وألوانها الدقيقة على أن التردد بين الفنون الثلاثة إنما يكون غالبا في الأمثلة المؤلفة التي يدور عليها الدرس، وللعلامة السيد الشريف كلام دقيق في هذا الموضوع ذكره في حاشيته على المطول، ومجال تحقيق هذا الموضوع هو علم البيان، وقد حققته في التصوير البياني.
стр. 114
وقد دفع الخطيب أفكار السكاكي لهذا الباب بردود قوية، وإن كانت نوقشت في الكتب المطولة.
قال الخطيب: وفيما ذهب إليه نظر؛ لأنه يستلزم أن يكون المراد بعيشة في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ١، صاحب العيشة لا العيشة، وبماء في قوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ ٢، فاعل الدفق لا الماء، وبيان ذلك في كلام الخطيب أن السكاكي -كما قلنا- يجعل الفاعل المجازي مشبها للفاعل الحقيقي، ثم يستعير اللفظ الدال على المشبه إلى المشبه به، أي أن العيشة مشبهة بصاحبها الذي هو الفاعل الحقيقي، ثم استعير لفظ العيشة إلى صاحبها إلى طريقة السكاكي في الاستعارة بالكناية، فمعنى العيشة هو صاحبها، وكأن الجملة تئول فهو في صاحب عيشة، وهذا فاسد.
ومثله يقال في: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ ؛ لأن فاعل دافق المجازي هو الماء، والسكاكي يشبه الفاعل المجازي الذي هو الماء بالفاعل الحقيقي الذي هو الشخص الدافق، ثم يستعير لفظ المشبه أي الماء إلى المشبه به، أي الشخص الدافق، ويئول الأسلوب إلى أنه خلق من صاحب ماء، وهذا فاسد؛ لأن المراد بيان القدرة في خلقه من الماء لا من صاحب الماء.
قال الخطيب: ولا تصح -أي ويلزم على قول السكاكي ألا تصح- الإضافة في نحو قولهم: نهاره صائم وليله قائم؛ لأن المراد بالنهار على هذا فلان نفسه، وإضافة الشيء إلى نفسه لا تصح، وهذا بين في ضوء ما شرحناه.
وحين نتأمل صور هذا المجاز نجد كل واحدة منها تثير في النفس خيالا طريفا، من حيث نرى فيه الأحداث، والأفعال مضافة إلى غير فاعليها المألوفة،
стр. 115
في الوجود، فالسيوف تحمي والخروق تسقي، والنهار يصوم واليل يقوم، وهذا يمتعنا بطرف من الخيال.
ثم إننا نجد وراء ذلك دلالة على توكيد العلاقات، والملابسات وإبرازها، كتوكيد السببية في مثل قولهم: جمعتهم الطاعة، وفرقتهم المعصية، فإن هذا الأسلوب أدل على بيان أهمية الطاعة، وسببيتها في بقاء القوم مجتمعين ناعمين، وأدل كذلك على بيان خطر المعصية، وسببيتها في تفريق جمعهم، وذهاب شملهم من قولنا: اجتمع شملهم سببب طاعتهم، وتفرق جمعهم بسب معصيتهم, ومثل ذلك تجده في قولهم: "أذل الحرص أعناق الرجال"، فإنه تأكيد لسببية الحرص في الإذلال من حيث كان الحرص هو الفاعل، وهذا أبين في ذم الحرص من قولك: أذل الله أعناق الرجال بسبب الحرص، وقولك: تخطفهم الطريق أدل على كثرة المتخطفين في الطريق الفزع، حتى ليخيل إلينا مع هذا التعبير أن المتخطفين يكمنون في موضع كل قدم، ولا تجد شيئا من هذا لو قلت: تخطفتهم السباع، أو المهلكات في الطريق.
وقد تنبه أصحاب اللغة إلى دلالة هذه الخصوصة، فاصطنعوها في التعبير عن نفوسهم، فرويت إلينا مع أقدم شعر عرفناه إلى الآن في هذا الأدب، ويرجع إلى ما قبل بعثة النبي ﷺ بثلاثة قرون ونصف، خلافا للمشهور من أقوال مؤرخي الأدب، فجذيمة الأبرش يقول في اعتذار ذكي لماح عن اغتيال حسان بن تبع لفتية من أصحابه كان قد غزا بهم جذيمة طسم، وجديس:
ثم أبنا غانمين مَعًا ... وأناس بعدنا ماتوا
نحن كنا في ممرهم ... إذ ممر القوم خوات
والخوت من قولهم: خاتت العقاب على الشيء، واختاتت أي تنقضت، والممر الخوات أي الطريق الذي يختطف السائرين فيه أي الذي تتخطف مهلكاته السائرين، فأسند جذيمة التخوت إلى الطريق؛ لبيان أنه طريق موبق، وكأن أرضه هي التي تنقص السائرين، فلا لوم على هؤلاء الفتية، ولا قدح في
стр. 116
شجاعتهم، وقد استطردت إلى ذلك كما قلت لأشير إلى قدرة هذه الخصوصية على الإثارة، واستجابتها إلى الخيال في هذا الزمن القديم، فقد ذكر المحققون أن جذيمة عاش بين ٤٨٠-٣٥٠ قبل هجرة النبي ﷺ .
وقد درس هذه الأبيات شيخ العربية العلامة: محمود محمد شاكر في كتابه "الفرقان" الذي سماه "أباطيل وأسمار".
ومن مزايا هذه الخصوصة، فوق التوسع في بناء العبارة، وملاحظة الملابسات على مقتضيات الخيال، أنك تجد الأسلوب معه أعذب لفظا، وأحسن موقعا وأملا بالفائدة، وانظر إلى قولنا: كرم زيد أصلا، وحسن وجها، وضاق صدرًا وتصبب عرقا، وما جرى على هذه الطريقة، تجدك قد وصفت زيدا بالكرم، ثم أشرت بكلمة أصل ووقوعها تمييزا إلى مرادك، وأنك تقصد كرم أصله، ولكن بعد ما أوقعت في النفس وصفه بالكرم، وهكذا بقية الأمثلة.
ويتضح الفرق بالعودة بالإسناد إلى أصله الحقيقي في هذه الأمثلة تقول: كرم أصل زيد وحسن وجهه، وتصبب عرقه وضاق صدره، فتجد فرقا في جوهر المعنى، وفي بناء صورته.
ويجب أن نذكر أننا لا نستطيع أن نفسر كل أسباب الحسن في العبارة؛ لأن ذلك لا يقدر عليه أحد، فالمزايا تتأبى على التعليل المستقصى، والشرح الكاشف، وهناك مكامن تكمن فيها أسباب الخلابة في العبارة، وتستتر في مطوايها آيات الحسن، ونؤخذ بها ولا نستطيع بيانها، وكأنها السحر المخبوء الذي يحسونه في البيان، وهذه آية من آيات الجمال في كل صورة، لا تستطيع أن تفسر كل ما يقع في نفسك حين تملأ عينيك، وقلبك بالنظر في وجه طفل واداع بريء، ولا تستطيع أن تشرح لنا مراجع الحسن، والخلابة التي تستهويك، وتسحرك في رشاقة ظبي غرير، وكل ذلك من باب واحد، وحين نتكلم في مراجع المزية إنما نصف ما يظهر لنا ونستطيع لمحة فيها، نحن ننبه فقط إلى ما تنبه إليه حسنا، والناس في ذلك متفاوتون، ويبقى بعد كل جهد أمور تدركها المعرفة، ولا تحيط بها الصفة، كما يقول أهل الذوق.
стр. 117
وقد نوه عبد القاهر ببلاغة هذا المجاز وحسن موقعه، وأهميته في اتساع فنون القول، كما أشرنا إلى أن بعض صوره قد تراها لكثرة استعمالها وتداولها، كأنها تفقد بعض بهائها، فلا ينبغي أن تكون سبيلًا إلى انتقاص أهميته، فإن الابتذال يعرض لكثير من الأساليب حين تذهب كثرة تداولها بمزيد من حسنها وخلابتها، قال في ذلك: "وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق، والكاتب البليغ في الإبداع، والإحسان والاتساع في طرق البيان، وأن يجيء الكلام مطبوعًا مصنوعًا، وأن يضعه بعيد المرام قريبا من الأفهام، ولا يغرنك أنك ترى الرجل يقول: أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان، وأشباه ذلك مما تجده لسعته، وشهرته يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها، فليس هو كذلك أبدًا، بل يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها، والنادرة تأنق لها".
ثم حاول في أسرار البلاغة أن يعلل لهذا الحسن الذي وصفه هنا في أسلوب مبهم، مليء بالعبارات الغنائية التي تطري هذه الخصوصية، فلو فتشت فيه عن سر خلابة فيها لأعياك أن تقع عليه، حاول في أسار البلاغة أن يعلل لهذا الحسن، فذكر أن الإسناد إلى الفاعل المجازي تأكيد لصدور الفعل عن الفاعل الحقيقي؛ لأنه إذا صح أن يكون الفعل من الفرع أي إذا صح أن يقع الفعل من الفاعل المجازي، وهو فرع فإن حدوثه من الأصل أكد.
فالمجاز العقلي إثبات بدليل، وهذا الإثبات هو أيضا سر بلاغة المجاز اللغوي، والكناية عنده.
وعبارته في ذلك: "والنكتة أن المجاز لم يكن مجازًا؛ لأنه إثبات الحكم لغير مستحقه، بل؛ لأنه أثبت لما لا يستحقه تشبيها وردا إلى ما يستحق، وأنه ينظر من هذا إلى ذلك، وإثبات ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحق يتضمن
стр. 118
الإثبات للأصل الذي هو المستحق، فلا يتصور الجمع بين شيئين في وصف، أو حكم من طريق التشبيه، والتأويل حتى يبدأ بالأصل في إثبات ذلك الوصف، والحكم له".
وكنت على أن أدع هذا الموضع اكتفاء بالذي كتبته لولا أمر يتصل بنشأته، وإن كان هذا مخالفًا لمنهجي في هذه الدراسة، لأني لم أشغل بنشأة هذه الفنون، فدراستي لها ليست دراسة تاريخية، وإنما هي دراسة تتناولها كما تصورت في آخر مراحلها، ودرس تاريخ المسائل من أجل الدروس في كل علم، ولكنه يقدم بعد اكتمال التصوير لهذه المسائل.
قلت: لم أكن لأشغل بأمر يتصل بنشأة هذا الموضوع، لولا أن القول الذي أرى رفضه في نشأته يتصل بالتراث الإسلامي في هذا الحقل كله، وقد أشرت في مدخل الدراسة إليه.
ذكر المرحوم طه حسين أن ابن سينا لما عرب كتاب الخطابة لأرسطو، وجعله في متناول الفكر العربي، هيأ بذلك أسباب التوفيق بين البيانين العربي، واليوناني اللذين عاشا متجاورين دون أن يتلاقيا ويتآلفا، وكان تلاقيهما على يد عبد القاهر الذي قرأ الفصل الخاص بالعبارة في كتاب ابن سينا، وفكر فيه كثيرا، وحاول أن يدرسه دراسة نقد وتمحيص، وكان من أثر هذا التأمل وهذه الدراسة أن صار عبد القاهر تلميذا لأرسطو، فإذا تكلم عبد القاهر عن الاستعارة، فهو يشرح ما ذكره أرسطو في الصورة، وإذا تكلم عبد القاهر في صور المجاز المرسل، فهو يشرح ما ذكره أرسطو في إطلاق اسم الجنس على النوع، واسم النوع على الجنس، وإذا تكلم في المجاز الحكمي، فإنما هو من ابتكارات عبد القاهر ما دام هذا المجاز ليس في كتاب أرسطو، ويصح أن نسميه المجاز الكلامي؛ لأنك إذا قلت مع عبد القاهر: أنبت الربيع البقل، فهو مجاز؛ لأن الربيع لا ينبت البقل، ولكن الذي ينبته هو الله تعالى، وينفق
стр. 119
عبد القاهر جهدًا غير قليل في الدفاع عن مجازه هذا، وفي تميزه عن المجاز المعروف، ولكن لا شك أن الأساس المعروف الذي يبنى عليه هذا التميز محل نظر، وكأن العلامة المرحوم يشير إلى عدم تقبله الفرق بين المجازين، وأن الأفضل أن يكون مجازًا واحدا هو مجاز أرسطو، وينتهي الأستاذ في محاضرته إلى أن أرسطو لم يكن المعلم الأول للمسلمين في الفلسفة وحدها، ولكنه إلى جانب ذلك معلمهم في علم البيان، وقد حمل المرحوم هذا الفكر إلى أحفاد أرسطو في مؤتمر المستشرقين، وملأهم به زهوا فوق زهو، وكانو آنذاك مغتصبين بلادنا، وينهبون خيراتها، والمصريون الأحرار يجاهدونهم بأرواحهم ودمائهم، وعميد الأدب ورائد التنوير يضرب بعلومهم علومنا، وبتاريخهم تاريخنا، وبآبائهم آباءنا، وعلى سنته هذه يمضي بقية الرواد، وأعلام النهضة ورجال التنوير، وأنا أقرأ هذا ومثله كثير، وأذكر مقالة قسيس أسباني كان يعيش في الأندلس، ورأى قومه من القوط، والنصارة قد فتنوا بالعرب المسلمين، وآدابهم وعاداتهم، فتكلموا العربية وقرأوا شعرها، ولبسوا ثياب العرب، فصاح فيهم هذا القسيس قائلا: إنكم إن فتنتم بثقافتهم، وعلومهم ولغتهم، وتراثهم فلن تخرجوهم من بلادكم، وكان هذا القسيس صادقًا في وطنيته مع ضلاله وكفره، ولهذا وغيره أرتاب في هذه الشخصيات، وفي حملة فكرهم من بعدهم، والذي أعرفه منهم معرفة قريبة يؤكد عندي هذا الارتياب، ولنترك هذا ونعود إلى القضية؛ وواضح جدا أن التراث العربي يتضمن بحوثا طيبة في المجازين اللغوي، والعقلي قبل عبد القاهر، ولا يخطئنا ذلك إذا نظرنا في كتاب "الكامل"، و"الخصائص"، و"البديع" و"الوساطة"، و"الموازنة"، وغيره ذلك، وكان جهد عبد القاهر بعد هؤلاء جهدًا طيبًا ومباركا، فقد بسط ما أجملوه، وحرر كثيرا من المسائل، وميز الفنون بعضها من بعض، وقد أنفق أكثر جهده في أسرار البلاغة ليؤكد الفروق بين المصطلحات؛ لأنه قد سبق بدراسة المسائل كلها.
وقد تغلغلت مقالة الدكتور طه ﵀ في كثير من الدراسات؛ لأنه كان مسموع المقالة من جهة؛ ولأن المسألة تلتبس جدا على من لم يراجع بدقة
стр. 120
جهود سلف عبد القاهر؛ لأن البلاغة اليونانية قريبة جدًّا، وخاصة في هذه الفصول من البلاغة العربية.
وحسبنا في سياقنا هذا أن نشير إلى أن المجاز الحكمي لم يكن من ابتكارات عبد القاهر إلا عند من يعتقدون أنه لا يأخذ إلا من التراث اليوناني، أما الذين يصبرون على قراءة التراث الإسلامي، فإنهم يرون أن هذا المجاز كان موضع اهتمام جماعات العلماء، اهتم به النحاة والمتكلمون، والبلاغيون، واهتم به النحاة؛ لأن موضوعه الحكم الذي هو موضع الإثبات، والنفي في الجملة ومناط الفائدة فيها، واهتموا به أيضا؛ لأنه موضع العامل وسبيل الأعراب، واهتم به المتكلمون لاتصال صوره بموضوعين من مواضع الخلاف الهمة بينهم: إضافة إلى الأفعال غير الحسنة إلى الله تعالى مثل الختم، والغي والإضلال، وخلق أفعال العباد، وقد اجتهدت طوائف المتكلمين في مناقشة الآيات، والأحاديث التي تصادمت وجهتها في هاتين القضيتين، وكان بحثهم كثيرا ما ينصب على الإسناد وصرفه عن ظاهره، وذلك بين جدا، ولا بأس هنا من ذكر بعض البدايات في التراث الإسلامي التي لا يصح مع وجودها أن نقول: إن عبد القاهر ابتكر هذا الباب؛ لأنه ليس في البلاغة اليونانية.
قال سيبويه في قول الخنساء، وهو من أشهر شواهد هذا الباب عند عبد القاهر وغيره:
ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
فجعلها الإقبال والإدبار مجاز على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم، وليلك قائم، وهذا وارد في كلام عبد القاهر.
ويقول أبو زكريا الفراء في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ، وهي أيضا من الشواهد المهمة عند عبد القاهر "ربما قال القائل: كيف تربح التجارة، وإنما يربح الرجل التاجر؟ وذلك من كلام العرب: ربح بيعك، وخسر بيعك، فحسن القول بذلك؛ لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة فعلم معناه، ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم، ومثله في كتاب
стр. 121
الله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ ١، وإنما العزيمة للرجال، فلو قال قائل: قد خسر عبدك، لم يجز ذلك إن كانت تريد أن تجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع؛ لأنه قد يكون العبد تأجرا، فيربح أو يوضع، فلا يعلم معناه إذا ربح هو، من معناه إذا كان متجوزًا فيه، فلو قال قائل: قد ربحت دراهمك ودنانيرك، وخسر بزك، ورقيقك، كان جائزًا لدلالة بعضه على بعض".
ويقول ابن قتيبة في مخالفة اللفظ معناه:
ومنه أن يجيء المفعول به على لفظ الفاعل كقوله سحبانه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ٢، أي لا معصوم من أمره، وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي مدفوق، وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي مرضي بها، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ ٣، أي: مأمونا فيه، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ٤، أي: مبصر بها والعرب تقول: ليل نائم وسر كاتم.
ويقول الآمدي:
وقد جاء فاعل بمعنى مفعول، قالوا: عيشة راضية بمعنى مرضية ولمح باصر، وإنما هو يبصر فيه، وأشباه هذا كثيرة معروفة.
وهذه الإشارات التي ذكرها هؤلاء الأئمة وغيرها كثير، كانت مادة بحث هذا الباب عند عبد القاهر، وإن كان بسطها ووضعها في منهج دقيق، وميز هاذ المجاز، وجعله بابا مستقلا.
والله الموفق للصواب.
стр. 122
الفصل الثالث: أحوال المسند إليه
الحذف
...
الفصل الثالث: أحوال المسند إليه
١- حذفه.
٢- ذكره.
٣- تعريفه.
٤- تنكيره.
٥- تقديمه.
٦- وضع المظهر موضع المضمر وعكسه.
٧- الالتفات.
٨- أسلوب الحكم.
الحذف:
يرجع حسن العبارة في كثير من التراكيب إلى ما يعمد إليه المتكلم من حذف لا يغمض به المعنى، ولا يلتوي وراءه القصد، وإنما هو تصرف تصفى به العبارة، ويشتد به أسرها، ويقوى حبكها، ويتكاثر إيحاؤها، ويتملئ مبناها، وتصير أشبه بالكلام الجيد، وأقرب إلى كلام أهل الطبع، وهو من جهة أخرى دليل على قوة النفس، وقدرة البيان، وصحة الذكاء، وصدق الفطرة.
وفي طبع اللغة أن تسقط من الألفاظ ما يدل عليه غيره، وأما ما يرشد إليه سياق الكلام أو دلالة الحال، وأصل بلاغتها في هذه الوجازة التي تعتمد على ذكاء القارئ والسامع، وتعول على إثارة حسه، وبعث خياله وتنشيط نفسه، حتى يفهم بالقرينة ويدرك باللمحة، ويفطن إلى معاني الألفاظ التي طواها التعبير.
والمتذوق للأدب لا يجد متاع نفسه في السياق الواضح جدا، والمكشوف
стр. 123
إلى حد التعرية، والذي يسيء الظن بعقله وذكائه، وإنما يجد متعة نفسه حيث يتحرك حسه وينشط، ليستوضح ويتبين، ويكشف الأسرار والمعاني وراء الإيحاءات والرموز، وحين يدرك مراده، ويقع على طلبته من المعانى يكون ذلك أمكن في نفسه، وأملك لها من المعاني التي يجدها مبذولة في حاق اللفظ، وهذا هو ما نجده وراء قول عبد القاهر.
"إنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الأفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما يكون بيانا إذا لم تبن"، وتأمل هذا النص؛ لأنه من الكلام النادر الذي ذهب من يحسنونه.
ويدور القول في الحذف على ثلاثة محاور رئيسة:
الأول: القول في حذف جزء الجملة.
الثاني: القول في حذف الجملة.
الثالث: القول في حذف أكثر من جملة.
وقد درس البلاغيون حذف جزء الجملة في باب المسند إليه، والمسند ومتعلقات الفعل، كما درسوا حذف الجملة وأكثر منها في باب الإيجاز بالحذف، ولم يلتفتوا إلى حذف جزء الكلمة، وإن كان فيه من الإشارات ما يوجب على المشتغل بأسرار اللغة، وبلاغتها أن ينبه إليها، وخاصة أننا نجد في إشارات علمائنا السابقين ما يلمس الجان بالبلاغي في هذا النوع من الحذف، فهم يقولون مثلا في سبب الترخيم في قراءة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ١ -: قالوا: إنهم لشدة ما هم فيه عجزوا عن تمام الكلام، وهذه علة بلاغية؛ لأنها تشير إلى ما وراء هذا الحذف من ضيق الصدر، وغلبة
стр. 124
اليأس ومعاناة الهول معناة شغلتهم عن إتمام الكلمة، ومن هذه الإشارات ما حكاه قوم من أصحاب الكتب -كما قال ابن رشيق في قوله ﷺ : "كفى بالسيف شا": أراد شاهدًا فحذف، وقالوا في تعليل ذلك: أن رسول الله ﷺ لم يرد أن يصير هذا الخبر حكما شرعيا، فقطع الكلام وأمسك عن تمامه، وسواء صح الخبر عن رسول الله ﷺ ، أو لم يصح فالثابت لنا منه أن الدارسين أدركوا أن وراء حذف جزء الكلمة إشارة نصبت دليلا على شيء.
وقد أشار الأخفش إلى أن هذا الحذف قد ينتفع به في الدلالات المعنوية، لما سأله المؤرج السدوسي عن قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ١ أي عن حذف حرف العلة فيه من غير ناصب ولا جازم، قال الأخفش: "عادة العرب أنها إذا عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه، والليل لما كان لا يسري، وإنما يسري فيه نقص منه حرف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ٢، الأصل بغية فلما حول عن فاعل نقص منه حرف"، والحذف هنا دليل على شيء في المعنى أي في دلالة اللفظ على معناه، وواضح أن الذي ذكره الأخفش في هذا ليس قاعدة، وإنما هو تصرف قد يكون منهم في مثل هذا الذي ذكره، وكم من كلمات عدل بها القوم عن معناها، وبقيت في لسانهم كما كانت قبل أن يعدل بها، وصور المجاز كثيرة، وكلها عادل عن المعنى.
فإذا ارتدنا هذا الحقل معتمدين تلك الإشارات التي قد يرفضها البعض، وحاولنا التعرف على الأسرار المعنوية وراء بعض هذه الحذوف، فإنه لا يخطئنا التوفيق في كثير منها، ولنقرأ قول النجاشي على لسان الذئب: "من الطويل"
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
وقد زعم أنه أراد أن يصطحب الذئب في فلاة، وأن الذئب رفض هذه الصحبة، وقال: "لست بآتيه ولا أستطيعه"، ثم طلب منه ماء إن كان عنده
стр. 125
فضل منه، فقال: "ولاك اسقني"، وقد أراد الشاعر بهذا أن يؤكد أنه يجوب فلاة مهلكة ضالة، فالذئب هو ابن الصحراء، والخبير بطرقها يجهل فيها موضع الماء، وجاء قوله: "ولاك اسقني" على الحذف كما ترى؛ لأنه أراد ولكن اسقني، فحذف آخر الكلمة طلبا للخفة لمناسبة حال الذئب الظامئ المتهالك في هذه الصحراء الموحشة التي يجتازها الشاعر، كأن الذئب فيها قد تعثر لسانه، ويبس فخطف الكلمة، فأسقط منها ما أسقط.
وانظر إلى قول لبيد:
"درس المنا بمتالع فأبانا" ... أراد درس المنازل
والنحاة والبلاغيون يذكرون هذا البيت في الحذف الشاذ والضرورة؛ لأنه ظلم الكلمة بحذف أكثر من حرف، ويمكن أن نقول: إن الحذف في كلمة المنازل التي يتحدث عن دروسها، وتغيير القدم لمعالمها مناسب؛ لأنها بقيت آثارًا، وكأن الحذف فيه إشارة إلى المضمون الذي يريد بيانه، وهو أن المنازل بقايا لا يستدل عليها إلا بالقرائن والشواهد، فالحذف في اللفظ وثيق الصلة بالمعنى.
لم لا تكون السليقة اللغوية هدت لبيدا إلى هذه المناسبة اللطيفة، وهو حجة في اللغة وفقه أسرارها.
فإذا نظرنا إلى قول علقمة بن عبدة: "من البسيط"
كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم
يريد بسبائب الكتاب، فربما لا نجد سرا وراء هذا الاقتطاع أكثر من أن الشاعر يعلم يقينا أن مراده ظاهر جدا؛ لأن ذكر سبائب الكتان في هذا السياق كثير، كلما ذكر الإبريق مشبها بالظبي رأيتهم يذكرون سبائب الكتان، فالحذف أكسب الكلمة خفة، ولم يلبس معناها.
والشاعر يعول على السياق كثيرًا بل إن اللغة في معظم دلالاتها إنما تعتمد على السياق، ألست ترى الشعراء يأتون بالجمل مثبتة، وهم يريدونها منفية ثقة منهم بفهم السامع، واعتمادًا على السياق، فامرؤ القيس يقول:
стр. 126
"فقلت: يمين الله أبرح قاعدا"، وهو يريد يمين الله لا أربح، ولكن لما كثر في كلامهم استعمال هذا الفعل مع النفي، واشتهر بذلك وصار لسان الحال ناطقا بمراده حذفه، وقثد يقال: إن الحذف مناسب للسياق؛ لأنه وارد في محاورته مع صاحبته، وهو يدب دبيبه الحذر الماجن، وهي تقول في ضعف عابث: سباك الله إنك فاضحي، فحسن الحذف واللمح، وخاصة أن حديث المجون لحن وإسرار.
وأبين من هذه كله قوله تعالى: في حكاية قول أخوة يوسف لأبيهم: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ ١، والأصل لا تفتأ تذكر يوسف حتى تفنى وتبلى، والحرض ما لا يعتد به، قال ابن أبي الإصبع: إنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها، فإن والله وبالله أكثر استعمالا وأعرف عن الكافة، من تالله لما كان الفعل الذي جاور القسم أغرب الصيغ التي في بابه، فإن كان وأخواتها أكثر استعمالًا من تفتأ وأعرف عند الكافة، ولذلك أتى بعدها بأغرب ألفاظ الهلاك، وهي لفظة الحرض.
وهذا السياق الذي تتزاحم فيه الكلمات الغريبة مشيعة جو الغرابة، والوحشة مناسب لمقصودهم الذي يريدون حمل أبيهم عليه، فهم يريدون أن ينسى يعقوب ﵇ ولده، وليس في الغرائب أغرب من هذا، وحذف حرف النفي، وهو خلاف الأصل يأتي متلائما مع هذا السياق الغريب، ويرمز في خفاء إلى حاجتهم، وهي نسيان يوسف، وإبعاده من قلب أبيهم الذي ضاق بهم، وتولى عنهم من أجل يوسف.
وإذا كان لك أن تعترض على ما ذكرناه من أنوع هذه الحذوف، فإني أخالك لا تعترض على ما نراه في حذف حرف النداء حين يقع موقعا تعظم فيه المزية، ويلطف فيه الإيماء.
стр. 127
خذ لذلك قوله تعالى: في حكاية قصة سيدنا يوسف ﵇ مع امرأة العزيز لما استبقا الباب، وسيدنا يوسف ﵇ يجتهد في الهرب من شيطانها، وألفيا زوجها لدى الباب، وكان ما كان من مشهد الحوار العجيب في نوعه، وانفعالاته بين يوسف والعزيز والمرأة، قال العزيز: لما أيقن بحجة سيدنا يوسف وصدق براءته، وأيقن بتهمة زوجته، قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ١، وأراد بقوله: يوسف أعرض عن هذا، اكتم هذا الأمر ولا تتحدث به صيانة لعرضنا وشرفنا في قومنا، ثم قال لامرأته: "استغفري لذنبك"، وكان رجلا حليما، وقيل: كان قليل الغيرة، والشاهد حذف حرف النداء، وله هنا رمز لطيف، وكأنه يهمس بهذا الخبر في أاذن يوسف محاذرًا أن يسمعه أحد، ثم فيه تقريب، وملاطفة ليوسف ﵇، وإيماء خفي بأن الخبر كله يجب أن يضمر في السرائر، وألا يجري به لسان، وكان المجتمع المصري في فجر التاريخ مجتمع سيادة وشرف وثراء وملك ونعمة، وقيم وأخلاق، وكل هذا تراه في هذه السورة التي هي كنز مصر القديم، ولاحظ أن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وكان بينه وبين نوح أسماء معدودة، ونوح هو آدم الثاني؛ لأنه لم يبق من ولد آدم بعد الطوفان إلا من كان من نصله، وهذا مرادنا بفجر التاريخ، ثم تأمل حال البلاد الآن، وكيف حال حالها في يد العصابات، وقطاع الطرق وعد إل حذف جزء الكلمة.
ومن لطيف ذلك قول الحارث الجرمي يخاطب زوجته، وكانت تحثه على أخذ ثأر أخيه من قومه، قال في أبيات حزينة جاشية: "من الكامل"
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
قوله: أميم أصله يا أميمة، فحذف حرف الندء كما حذف آخر الكلمة للترخيم،
стр. 128
وذلك؛ لأن الشاعر ممزق النفس موجوع القلب ضيق الصدر بهذه الجريمة البشعة التي صيرته إلى هذا الموقف المتناقض الضيق، فقومه قتلة أخيه، وحين يرميهم، فإنه يرمي نفسه، أقول: حذف ورخم، وكأنه يهمس في أذن صاحبته بأوجاعه الحزينة، وكأنه يسر لها بهذا الألم الكظيم.
وكثيرًا ما تجد نداء الصحابة واردًا على هذه الطريقة التي تشير إلى قربها من النفس، ومثولها في القلب، فتخاطب خطاب الأنيس المفاطن من غير حاجة إلى تنبيه ونداء.
هذا: وقد كانت على ألا أذكر هذا النوع من الحذف؛ لأنه لم يرد في كتب الأئمة كما ذكرته، ومع ثقتي بضرورة الاستجابة لهواتف النفس، وإن خالفت فإني لحذر جدا عند القول بالمخالفة، حتى عند هذه المسائل الهينة التي تشبه ما نحن فيه، والذي أغراني بمخالفة الحذر الواجب هو ثقتي بفهم القارئ، وخاصة أن مثل هذه الدراسة إنما نقدمها لقارئ له خبرة بالحقل، وله رأيه المستقل، أو هو بصدد أن يكون كذلك، فهو يقبل ما يرضاه ويرفض خلافه، وليس ثمة كلام يجب قبوله، والإذعان له إلا ما تجده بين دفتي المصحف، وما صح عن رسول الله ﷺ ، وما عداهما فهو اجتهادات بشر غير معصومين، وأخذ منه ما نأخذ، وندع ما ندع في حدود الفهم والجد، ولهذا خفت التبعة على الباحثين؛ لأنهم يقولون ما يعالجون في نفوسهم، وللقارئ أن يلقي به جملة في ساحة الإهمال، وهي جد فسيحة، ولولا هذا لأطبقت الأفواه على الألسنة حتى تيبس؛ لأنه ليس هناك ضمير حي يتحمل إشاعة الخطأ، وبث الضلالة في أرض الله إلا من أذن بحرب من الله، وإني به سبحانه لمن العائذين.
وبعد، فسوف أعرض في مقدمة حذف المسند إليه الأغراض التي ذكرها البلاغيون مشتركة في حذف المسند إليه، والمسند والتي نراها أساسية لنتفادى
стр. 129
بذلك تكرارها ما أمكننا ذلك؛ لأننا نجري البحث هنا على منهج المتأخرين، فنذكر أحوال المسند إليه، والمسند، إلى آخره، وبهذا يتوزع التعريف والتنكير، والتقديم على هذه الأبواب، وقد كتبت هذه الدراسة في مسوداتها على نظام آخر، فكان كل واحد من هذه الأحوال بحثا مستقلا، فالحذف يرد كله في موضوع واحد، وكذلك التعريف، إلى آخره، وعند المراجعة، وجدت أن ترتيب الأفكار، والمسائل اقتضاني أن أذكر ما يكون في حذف المسند إليه، ثم اتبعه بحذف المسند وهكذا، فظهر لي أن توزيع البحث على الأبواب المشهورة في كتب القوم لا يفوت به من الدراسة أمر له بال، ومن هنا لم أجد ما يدعو إلى المخالفة.
أشرت إلى أن الحذف يكون لتصفية العبارة، وترويق الأسلوب من ألفاظ يفاد معناها بدونها لدلالة القرائن عليها، وأن هذا الاختصار، وحذف فضول الألفاظ يجري مجرى الأساس الذي بنيت عليه الأساليب البليغة، ولذلك نجد البلاغيين يذكرون من أغراض الحذف في كل جزء من أجزاء الجملة، الاختصار ويتبعونه بقولهم: "والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر"، وهي عبارة دقيقة وصادرة عن تفكير صادق؛ لأنه ذكر الكلمة التي يدل عليها سياق الكلام فيه ثقل، وترهل في الأسلوب، وهي شبيهة بالبعث وليست عبثا؛ لأنها جزء من الكلام، وذكر جزء الكلام لا يكون عبثا، ولذلك جاء قولهم بناء على الظاهر أي لا في حقيقة الأمر؛ لأننا عند التحقيق لا نسميه عبثًا.
ومقصد آخر تراه وراء كل حذف، هو بعث الفكر وتنشيط الخيال، وإثارة الانتباه؛ ليقع السامع على مراد الكلام، ويستنبط معناه من القرائن والأحوال، وخير الكلام ما يدفعك إلى التفكير، يستفز حسك وملكاتك، وكلما كان أقدر على تنشيط هذه القدرات كان أدخل في القلب، وأمس بسرائر النفس المشغوفة دائما بالأشياء التي تومض ولا تتجلى، وتتقنع ولا تتبذل، وقد أومأنا إلى ذلك.
стр. 130
ولأبي يعقوب يوسف السكاكي عبارة تحوم حول هذا المعنى الدقيق، فقد ذكر في أغراض الحذف تخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ، أي أنك حين تذكر المسند إليه، أو المسند، تكون قد عولت في الدلالة على اللفظ المذكور، وحين تحذف أحدهما تكون قد عولت في الدلالة على العقل؛ لأنه ليس هناك لفظ يدل عليه، ودلالة العقل أقوى، وأمكن من دلالة اللفظ، وقال أبو يعقوب: تخييل العدول ولم يقل العدول؛ لأنك عند التحقيق لا تعدل في حالة الحذف عن دلالة اللفظ إلى دلالة العقل؛ لأن الدال هو اللفظ المحذوف.
وأخلص من هذا إلى أن كل صور الحذف وراءها مزايا ثلاث؛ الأولى: الاختصار، أو الإيجاز حتى لا يرد علينا اعتراض ابن السبكي؛ لأن الاختصار هو الحذف، فكيف يكون مزية له؟ والثانية: صيانة الجملة من الثقل، والترهل اللذين يحدثنا من ذكر ما تدل عليه القرينة، والثالثة: إثارة الفكر والحس بالتعويل على النفس في إدراك المعنى.
أما أحوال حذف المسند إليه، ومقاماته الداعية إلى ذلك، فمن الواضح أنه ليس من الممكن أبدًا أن تستقصى؛ لأن الدواعي كما أشرنا أحوال تنبعث في دواخل النفوس، ولا يمكن التعرض لحصرها، وإنما نتناول منها صورا تهدينا إلى طريقة النظر في هذا الباب.
وقد ذكر البلاغيون أنه من مألوف الأسلوب عن ذكر الديار أن يرد الكلام على حذف المسند إليه، وذلك في مثل قول امرئ القيس: "من الطويل"
لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يمان
ديار لهند والرباب وفرتني ... ليالينا بالنعف من بدلان
ليالي يدعوني الهوى فأجيبه ... وأعين من أهوى إلي روان
стр. 131
والعسيب اليماني هو سعف النخل الذي جرد عن خوصه، وإضافته إلى اليمن؛ لأن أهل اليمن كانوا يكتبون فيه عهودهم، وهند والرباب، وفرتني أسماء صواحباته، وقد ذكر فرتني هذه في شعر آخر، قال: "من الكامل"
دار لهند والرباب وفرتني ... ولميس قبل حوادث الأيام
والنعف ما انحدر من الجبل وارتفع عن الوادي، وبدلان بلد باليمن.
ذكر الشاعر أنه أبصر الطلل فأحزنه وشجاه، ثم شبهه بخط كتاب في سعف نخلة، ثم استأنف ذكر الطلل مرة ثانية استئنافًا قص فيه معنى جديدًا عرف فيه الطلل وذكر لهوه فيه، وهذا الاسئناف مبني كما ترى على حذف المسند إليه؛ لأن التقدير هي ديار أو تلك ديار.
ومثله وقوله أيضا: "من الطويل"
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهًرا في ثلاثة أحوال
ديار لسلمى عافيات بذي خال ... ألح عليها كل أسحم هطال
قوله: وهل يعمن استفهام بمعنى النفي، أي كيف ينعم وقد تفرق عنه ساكنوه، فهو في شجن الفقد والضياع، وبعد توالي هذه الاستفهامات ذات الأثر في قوة المعنى وشدة تأثره، قال: ديار لسلمى، فذكر معنى جديدًا عرف فيه الطلل، وأنه ديار سلمى، وحدد موضعه وما يعانيه من إلحاح المطر الهطال الذي يذهب بآثار الأحبة، وقد بنى الأسلوب في هذا المعنى على حذف المسند إليه.
وقد ذكر عبد القاهر في هذا ما ذكره سيبويه من قول الشاعر: "من البسيط"
اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل
стр. 132
ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل
ذكر في البيت الأول أن الطلل هاج الأهواء المكنونة، ثم استأنف كلامًا ذكر في الديار، فقال: ربع قواء ذهب السحاب بمعالمه لما أعصر فيه ماءه، الشاعر هنا يذكر الربع، ويذكر أحواله الشاجية، فقد صار في مواجهة الفناء.
وتأمل البيت الأول، وتفقد كلماته وصوره؛ لأنه من حر الكلام.
ثم ذكر عبد القاهر من كتاب سيبويه قول الآخر، وهو في الكتاب منسوب إلى عمر بن أبي ربيعة: "من البسيط"
هل تعرف اليوم رسم الدار والطلا ... كما عرفت بجفن الصيقل الخللا
دار لمروة إذ أهلي وأهلهم ... بالكانسية نرعى اللهو والغزلا
والصيقل السيف المصقول، والخلل بكسر الأول وفتح الثاني جمع خلة وهي بطانة يغشى بها متن السيف، قال الأعلم في شرح شواهد الكتاب: شبه رسوم الدار في اختلافها، وحسنها في عينيه بتوشية الخلل، وهي أغشية جفون السيوف.
وقد استأنف الشاعر في البيت الثاني كلاما جديا ذكر علقة نفسه بهذه الديار، فهي دار مروة صاحبته، وكأن أهله وأهلها هناك في الكانسية يتجاوران تجاورا هيأ لهما اللقاء، ومتعة الحياة والصبا، وقوله: "نرعى اللهو والغزلا"، من الكلام المختار، تأمل صنعة الشعر في قوله: نرعى اللهو والغزالا.
قال عبد القاهر: وكما يضمرون المتبدأ فيرفعون، فقد يضمرون بالفعل، فينصبون كبيت الكتاب أيضا: "من البسيط"
ديار مية إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
أنشده بنصب ديار كأنه قال: أذكر ديار.
ولم نجد في كلام عبد القاهر ما يحدد لنا السر البلاغي وراء هذا الخلاف،
стр. 133
وإنما يقرر أن تلك طريقة جارية عندهم، وعبارته تدل على لزوم الحذف في هذا السياق؛ لأنه يقول: وهذه طريقة مستمرة لهم إذا ذكروا الديار والمنازل.
وقد يقال: إن الديار والمنازل من المثيرات التي تهز النفس، فتتزاحم فيها الخواطر والأطياف، والأحلام التي بددتها الأيام في طغيان قاس عنيف، فالشاعر في هذه الموقف يكون ممتلئ النفس أعظم الامتلاء متوتر الحس أشد التوتر، وهذه حال تدعو إلى أن تكون الصياغة مركزة أشد التركيز ليكون الأسلوب أشبه بالنفس، وقد يقوي هذا أنك إذا راجعت النظر في الأبيات السابقة التي بنيت على الحذف تجدها تذكر معنى هو أمس بقلب الشاعر من سابقه؛ لأنه يخصص الديار ويحددها، فهي دار مرو أو دار سلمى أو ديار مية، وبهذا التحديد تلابسه أحسن الذكرى، وتطوف به أعذب الأطياف، وهذا موقف يعظم سلطانه على النفس الشاعرة.
وهذا التفسير الذي نفسر به هذه الخصوصية في سياق الأطلال هو ما نراه تفسيرا للخصوصية نفسها عند ذكر الرجال مدحا أو قدحا، فإنهم حين تحمي نفوسهم بذكر المناقب، أو المثالب يقطعون الكلام؛ ليستأنفوا مقطعا جديدا من مقاطع المعنى، ويبنون هذا المقطع الثاني على إسقاط المسند إليه، وكأن الحذف هنا تمييز، وفصل بين لونين من ألوان المعنى.
يقول عبد القاهر:
"من المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ القطع، والاستئناف يبدءون بذكر الرجل ويقدمون بعض أمره، ثم يدعون الكلام الأول ويستأنفون كلاما آخر، وإذا فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ، مثال ذلك قوله: "من الكامل"
وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعبا ونهدا
قوم إذا لبسوا الحديـ ... ـد تنمروا حلقا وقدا
يذكر الشاعر وهو عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وكان شاعرا فارسا سيدا
стр. 134
يذكر شجاعته، وأنه نازل كعبا وهي قبيلة من ولد الحارث من مذحج، ونهدا وهي قبيلة من قضاعة، ثم قطع الحديث، وقال قوم وأراد: هم قوم، والحلق المراد بها حلق الدروع، والقد اليلب وهو شبه درع يلبس في الحرب، والمراد بقوله: تنمروا أنهم تشبهوا بالنمور في أفعالهم في الحرب، أو أن الحلق والقد تختلف ألوانها اختلاف لون النمر، والمرزوقي يرى أن الأول أجود، والحذف جاء في مقطع جديد من مقاطع المعنى، فإنه ذكر في البيت الأول كعبا، ونهدا وهكذا من غير إشارة إلى ما هم عليه من العدة والقوة، ثم استأنف حديثا آخر أو جزءا جديدا من المعنى، فذكر عدتهم وبنى هذا الاستئناف على الحذف لقوة الدلالة عليه؛ ولأنه مناسب -كما أشرنا- إلى قوة الانفعال بهذا الجزء من المعنى، فإن الإحساس بالفروسية يعظم حين تكون الملاقاة مع عدو موفور العدة عظيم الاقتدار، وحين يقوى التأثير بالمعنى، ويعظم الإحساس به يكون السياق سياق إيجاز ولمح، ما دام ليس هناك ما يدعو إلى النص على شيء معين وإبرازه ...
وإذا نظرنا إلى السياق الأعم الذي جاء فيه هذا الشاهد كما رواه أبو تمام رأيناه هكذا:
ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا
إن الجمال معادن ... ومناقب أورثن مجدا
اعددت للحدثان سا ... بغة وعداء علندى
نهدا وذا شطب يقـ ... ـد البيض والأبدان قدا
وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعبا ونهدا
قوم إذا لبسوا الحديد ... تنمروا حلقا وقدا
كل امرئ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا
لما رأيت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدا
стр. 135
وبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى
نازلت كبشهم ولم ... أر من نزال الكبش بدا
وهكذا يمضي الشاعر مصورًا قيم الفروسية في تصورها العربي الدقيق،
وهذه الموسيقى الوثابة تصف هذه الروح المستفزة، وتتسع في بعض مراحلها إلى الفلسفة التي تبدو هادئة في تحليل الجمال.
وهذا السياق المتحفز، وهذه الأنغام السريعة، يقتضيان تركيز العبارة أشد التركيز؛ لأن ذكر ما يدل عليه السياق، والحال هذه عائق يعوق تدفق النغم، ويحبس اندفاع الروح.
وذكر عبد القاهر قول أبي البرج القاسم بن حنبل المري في زفر بين أبي هاشم بن مسعود بن سنان من قصيدته التي يقول فيها:
من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا
وذكر قوله: "من الوافر"، وهو من حر الكلام وخالصه:
هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء
قال بناة مكارم وأراد، هم بناة مكارم، والحذف كما ترى واقع في مقطع من مقاطع المعنى، يوضح ما ذكره في البيت الأول مجملا وهو شرفهم وتمكنهم، فذكر أنهم بناة مكارم هكذا بإطلاقها المستغرق مكارم الجود، والنجدة والشجاجة والقوة إلى آخر ما تحمله العبارة، ثم هي أساة كلهم فهم يملكون من الشدة، والحكمة ما يأسون به الجراح، وكأن الشاعر أراد أن يبرز تميز هذا الجزء من المعنى بقطعة عن سابقه، وحذف المسند إليه هو وسيلته في ذلك؛ لأنه لو ذكره لقال: هم فيكون رابطا واضحا وقويا بين البيتين، فيفوت غرض الشاعر، والكلام وإن كان على تقديره إلا أن إسقاطه من اللفظ يفيد هذا الغرض، ولذلك نرى عبد القاهر يحرص كما سنبين بأن هذا المحذوف يجب
стр. 136
ألا يخطر بالبال؛ لأن وردوه في النفس يذهب بالمغزى منه، وإن كان يقرر وجوب تقديره، وعجيب أن يكون شرف النفس عند آبائي، وآبائك بهذه المنزلة حتى إنهم ليعتقدون أن دماء الكرام تشفى من الدونية، وأن القطرة من دمائهم ينقذ بها من سقط في وهدة الخسة والنذالة، وذكر عبد القاهر أيضا قول أسيد بن عنقاء الفزاري في عميلة الفزاري لما رآه عميلة، وقد نكبه دهره، واختلت حاله، فقال له: "يا عم؛ ما أصارك على ما أرى؟ "، فقال أسيد: "بخل مثلك بماله وصوان وجهي عن أموال الناس"، فقال: أما والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك، فما كان السحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاة، وصهيل الخيل، ولجب الأموال، فقال: ما هذا: فقالوا: هذا عميلة ساق إليك أمواله؛ فلما خرج ابن عنقاء إليه قسم عميلة ماله شطرين، وساهم عمه عليه فقال أسيد: "من الطويل"
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
غلام رماه الله بالخير مقبلا ... له سيماء لا تشق على البصر
والسيماء ممدود السيم وأصله السوم قلبت الواو ياء، والسيم العلامة التي يعرف بها الخير والشر، وقال تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ ١، ومراد الشاعر أن علامات الخير وسيم الفضل بادية فيه لا تشق على البصر.
والشاهد قوله: "غلام" أراد هو غلام، ولكنه حذف المسند إليه لقوة الدلالة عليه، وجريا على عادتهم في مثله، وهو كما ترى حذف وقع في استئناف جزء من أجزاء المعنى ذكر فيه الشاعر خلائق مهمة في السياق، فطبائع الخير داخله في خلقة هذا الغلام؛ لأن الله قذفه بالخير، فصار في خلقه وخلقه، وناهيك عن هذا، ثم إن ملامح النجابة، والفضل لائحة في الوجه، وكأنها فاضت من داخله على خارجه، فلا تخطئ عين إدراك هذه السيم، واقرأ
стр. 137
الأبيات قبل البيت الذي وقع فيه الاستنئناف، فقد طواها عبد القاهر، وهي في سياقنا مهمة قال:
رآني على ما بي عملية فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم ... على حين لا بدو يرجى ولا حضر
فقلت له خيرا وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أوليت من ذم أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردى رداء سابغ الذيل واتزر
غلام رماه الله بالخير يافعا ... له سيما لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعرى وفي وجهه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
وقوله: وأوفاك ما أوليت من ذم أو شكر، أراد أن الحمد كفاء للخير كما أن الذم كفاء للشر، فالذي يشكرك على الخير قد وفاك، والذي يذمك على الشر قد جازاك، وهذه أبيات حسنة جدًّا.
وإذا راجعت النظر في هذه الأبيات بان لك فيها أنها قبل القطع الذي هو في بيت الشاهد تدور حول الحوار الذي كان بين الشاعر وبين عميلة، ثم وصفه قبل بيت الشاهد بأنه ماجد، والوصف فيه إحساس بصدق مجده، فقد تردى ثايبا من المجد سابغة الذيل واتزر، فهو في فيوض من المجد، وليس كامن يستعير ثيابا من المجد، ثم جاء الاستئناف، وفيه الذي قدمناه من الأوصاف المهمة في السياق، وراجع هذه الأبيات وتفقدها صورة صورة وكلمة كلمة، وكيف يكون الشموخ في النفس والشعر.
وذكر عبد القاهر قول الشاعر: "من الطويل"
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
стр. 138
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
وهذه الأبيات مما اختلف في نسبته اختلافا كبيرًا، فقالوا: هي لأبي الأسود الدؤلي يمدح عمرو بن سيعد بن العاص، وقالوا: هي لعبد الله بن الزبير يمدح عمرو بن أبان، وقالوا: غير ذلك، وهي من أبيات الحماسة، وعبد القاهر كثير الاستشهاد بأبياتها، كما كان كثير الاستشهاد بأبيات الكتاب، ثم إن كثيرًا من الشواهد في الكتاب مذكورة في الحماسة، والمهم أن الشاعر في البيت الثاني استأنف، وجاء بمقطع جديد من مقاطع المعنى، وبنى أسلوبه على الحذف، وإذا تأملت هذا المقطع وجدته قوي الدلالة في السياق، فقد وصفه بأنه غير محجوب الغنى عن صديقه، وهذا وصف بالسخاء، والبذل، والتراحم والمهادنة.
ثم وصفه أيضا بأنه لا يظهر الشكوى إذا زلت نعله أي تغير حاله، وهذا وصف بالحزامة، والجلادة وصدق الرجولة، وهذان الوصفان من أجل ما يوصف بهما الرجل، والمتأمل في الشعر والقيم الإنسانية التي يعتز بها يجد ذلك فيه واضحًا.
وكان عبد القاهر يختار شواهده بعد مراجعة، وكأنه يقصد إلى ما فيها من فضائل النفوس حتى ينتفع القارئ بها؛ لأن الهدف الأهم هو بناء النفس على مكارم الأخلاق.
والمرزوقي يفضل قوله: "رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... " على قول أسيد: "رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... " قال: "وذلك؛ لأن هذا قال: رأى خلتي من حيث يخفى مكانها"، فكأنه أدرك الحال من طريق الاستدلال، والاهتمام المبعوث من جودة التفطن، وإن كان صاحبه يتعفف عن السؤال ويتجمل، وابن عنقاء شاهد الحال عيانا، فاشتكى إلى ما له سرا وجهرا، وقال: هذا بإزاء الاشتكاء، فكانت قذى عينيه أي من حسن الاهتمام ما جعله كالداء الملازم له حتى تلافاه بالإصلاح، وإذا كان كذلك، فموضوع الزيادة في كلامه، وقصده ظاهر".
стр. 139
ومن هذا الباب قول متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك من قصيدته: "من الطويل".
أرقت ونام الأخلياء وهاجني ... مع الليل هم في الفؤاد وجيع
قال متمم:
إذا رقأت عيناي ذكرني به ... حمام تنادى في الغصون وقوع
دعون هديلا فاختزنت لمالك ... وفي الصدر من وجد عليه صدوع
كأن لم أجالسه ولم أمس ليلة ... أراه ولم يصبح ونحن جميع
فتى لم يعش يوما بذم ولم يزل ... حواليه مما يجتديه ربوع
وقوله: رقأت عيناني أي: ذهب دمعها، قالوا: أرقأت دمعه أي كففته، وأرقأت دمعه أي حقنته، وقوله: تنادى في الغصون، أين نادى بعضه بعضا، وفيه أن الجو امتلأ تناديا وحنينا، والوقوع بضم الأول والثاني وصف لقوله حمام، والطير إذا كانت على شجر، أو أرض فهن وقوع، والهديل الذي يذكر في سياق إهاجة الأحزان له قصة طريفة ترويها أسطورة أشار إليها بعض الشعراء، فقد ذكروا أنه فرخ كان على عهد نوح ﵇، فمات ضيعة وعطشا، فكل حمامة تبكيه، وقد أشار نصيب إلى هذه الخرافة البليغة في قوله: "من الطويل"
فقلت أتبكي ذات طوق تذكرت ... هديلا وقد أودى وما كان تبع
وقوله: وقد أودى وما كان تبع أي: هلك هذا الهديل قبل قوم تبع.
وقول متمم: دعون هديلا فيه إشارة إلى هذا القصة، وهي ذات مغزى نفسي كبير في سياق رثاثة، فالحمام يدعو هديلا مغيبا لا يجيب، وكذلك متمم.
والشاهد جاء في قوله: فتى لم يعش؛ لأنه أراد هو فتى، ولكنه حذف
стр. 140
على طريقتهم في حذف المسند إليه في مثله، وواضح أن القطع هنا عند منقطع مهم، فقد وصف خلائق مالك، وكان قبلا يتكلم عن لواعجه، وآلامه هو ثم انفتل يذكر فضائل أخيره التي أدامت حزنه، وصدعت قلبه، فمالك لم يعش يوما بذم أي لم يذم يوما، وهذا يعني كرم خلائقه وأصالتها؛ ثم وصف سماحة نفسه التي جعلت الوفود تلو الوفود لم تزل حواليه، والذي أبرز اهتمام الشاعر بهذا الجزء المهم من المعنى هو بناؤه على القطع كأنه شيء جديد ليس من جنس سابقه.
وذكر عبد القاهر من شواهد هذا الباب قول جميل: "من البسيط"
وهل بثنية يا للناس قاضيتي ... ديني وفاعلة خيرا فأجزيها
ترنوا بعيني مهاة أقصدت بهما ... قلبي عشية ترميني وأرميها
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... ريا العظام بلين العيش غاذيها
وإذا تأملت موضع الشاهد الذي هو البيت الأخيرة، وجدته يصف مفاتنها بعدما أشار إلى تدلهه بها، وكأنه يصف بواعث لواعجه، وهذا من الأهمية في السياق على ما ترى، ومثله قول جميل أيضا، وهو مما ذكره عبد القاهر: "من الكامل"
إني -عشية رحت وهي حزينة ... تشكو إلي صبابة- لصبور
وتقول بت عندي فديتك ليلة ... أشكو إليك فإن ذاك يسير
غراء مبسام كأن حديثها ... در تحدر نظمه منثور
محطوطة المتنين مضمرة الحشا ... ريا الروادف خلقها ممكور
وصاحبة جميل في هذه الأبيات تبثه شوقها، وتشكو إليه وجدها.
وعكس ذلك هو المشهور في هذا الباب، وكان كثير يرفض مثله من ابن أبي ربيعة، وقد سمعه مرة يقول: "من المنسرح"
стр. 141
قالت تصدى له ليعرفنا ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها: قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تشتد في أثري
فقال له: أتراك لو وصفت بهذا حرة من أهلك ألم تكن قد قبحت، وأسأت وقلت: الهجر؟، وإنما وصفت الحرة بالحياء، والخجل، والامتناع.
وهذا اللون من الحذف كثير جدا، ويمكن في ضوء ما ذكرنا أن نعرف دلالته في مثل قول الأعشى "من البسيط"
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق ودعا أيها الرجل
غراء فرعاء مقصول عوارضها ... تشمي الهوينا كما يمشي الوجى الوجل
وقول النابغة: "من الكامل"
ولقد أصابت قلبه من حبها ... عن ظهر مرنان بسهم مصرد
بتكلم لو تستطيع حواره ... لدنت له أروى الهضاب الصخد
كمضيئة صدفية غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد
والمرنان كما يقول ابن السكيت: مفعال وهو قوس، قال الأصعمي: هذا مثل من الرنين يقول: رمتك عن ظهر قوس مرنان أي صافية الوتر، والمصرد المنفذ.
وقوله: لو نستطيع حواره، يقول فيه ابن الأعرابي كما يروي ابن السكيت حواره "بكسر الحاء"، وحواره "بفتحها" وحويره، كل هذا واحد، ومعناه رده يقال: هذا كلام ماله حوير، ولا حوار أي رد جواب، والأروى جمع أروية وهي الأنثى من الوعول، والصخد الحادة، ويقال: صخدته الشمس إذا اشتد وقعها، وصقرته وصهرته.
والمضيئة يعني الدرة أي: هي كالدرة، ويهج فرح، ويهل ويسجد أي يرفع صوته بالدعاء والتحميد.
стр. 142
وهذا من حر الشعر ونادره، ورادعه وتفقده واستق منه؛ لأنه من نبع الشعر الصافي.
وعبد القاهر كما أشرت لم يحدد لنا تحديدا دقيقا السر البلاغي للحذف في هذه السياقات، ولكنه بحسه المرهف كان يتذوق حلاوة الحذف فيها ويستطعمه، ولا يعدو حديثه وصف هذا الذي يجده في نفسه، وراء هذه الخصوصية، بل إنه ليشعرك أنه لا يستطيع أيضا وصف ما في نفسه بدقة، ويطلب منك محاولة أن تحس الذي أحسه؛ لأنك لا تدرك قيمة ما يجده بالوصف، وإنما تدركه إذا ذقته وهذا صواب، ثم يرشدك إلى طريقة تعينك على إدراك هذا الأثر، وذلك بأن تذهب بهذه الخصوصية، وتذكر المحذوف، ثم تحاول أن تتعرف على ما تجده في نفسه، والأسلوب على الحالة الثانية، وفي ضوء هذه الموازنة تستطيع أن تتعرف آثار الحذف، يقول في ذلك:
"فتأمل الآن هذه الأبيات كلها واستقرها واحدًا واحدًا، وانظر إلى موقعها في نفسك، وإلى ما تجده من اللطف، والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم فليت النفس عما تجد وألطفت النظر فيما تحس به، ثم تكلف أن ترد ما حذف الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك وتوقعه في سمعك، فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت، وأن رب حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد".
وتأمل قوله: ثم فليت النفس عما تجد، وألطفت النظر فيما تحس به، وأحكمه؛ لأنه هو الطريق الذي به تتعلم، وتكتسب ذوق الشعر وأكرر لك هنا ما قلته في أبيات النابغة، وأقول لك هذا من حر الكلام، ونادره وراجعه وتفقده؛ لأنه من نبع العلم الصافي، واعلم أن الكلمة النادرة في العلم كالكلمة النادرة في الشعر.
ويذهب عبد القاهر في تناسي المحذوف، وإسقاطه مذهبا أبعد من من حذفه في اللفظ؛ لأنه يطلب منك أن تحذفه من نفسك، فلا تخطره بوهمك؛ لأن هذا الخطور يفسد مذاق العبارة.
عليك إذن حين تريد أن تتعرف على جمال الصياغة في هذا الأسلوب أن
стр. 143
تنصرف بنفسك، ووهمك إلى ما نطق به الشاعر جاهدا نفسك في أن تبعد عنها ما وقر فيها من صناعة الإعراب التي توجب تقدير المبتدأ في مثله، يقول في ذلك:
"إنك ترى نصبة الكلام، وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ، وتباعده عن وهمك، وتجتهد ألا يدور في خلدك، ولا يعرض لخاطرك، وتراك كأنك تتوقاه توقي الشيء يكره مكانه، والثقيل يخشى هجومه".
كل هذا لا يعلمنا فيه الشيخ علم البلاغة، وإنما يعلمنا كيف نذوقها، وهذا أجل.
وعبد القاهر له مصنفات تجعله في الصدر من طبقات النحاة، إلا أن تفرده بما تفرد به في الدراسة البلاغية غلب على ذكره، فصار أعرف به، قلت: هذا لأنبه إلى أنه ﵀ كان يعي بدقة مناهج العلوم المشتغل بها، فهو إذا كان في سياق النحو قال في قوله: غلام رماه الله بالخير: التقدير هو غلام، وفي قوله: هيفاء مقبلة، التقدير هي هيفاء إلى آخر ما ذكرنا، وهذا التقدير ضرورة لا يخالف فيها عاقل، وقد فعل ذلك سيبويه فيما عرض له من مثله؛ لأن السياق سياق الصناعة الإعرابية، والبحث عن مكونات الجملة، وما يحذف منها، وما لا يحذف.
فلما كان السياق هنا سياق الإدراك لسر الحذف، رأيت عبد القاهر يقرر أنه لا مفر لك إذا أردت إدراك هذا السر أن تتحاشى هذا المحذوف ليس في الذكر فحسب، بل في الخطور النفسي؛ لأن هيئة العبارة وجمال الأسلوب يروم منك ذلك، وعميلة التذوق لا تتم إلا به، ولا يعترض بما يقتضيه الإعراب؛ لأن هذا سياق وذلك سياق آخر، البلاغة تحتم أن تحذف المبتدأ من نفسك، والنحو يقرر أن تقدره في لفظك حتى لو قلت: هو فتى قلت: ما الأصل أن يقال، وهذا مبحث شريف.
وقد يحذف المسند إليه للإشارة إلى أن الخبر لا يتوهم أن يكون لغيره،
стр. 144
وذلك كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ١، فإن قوله: عالم خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، ولكن لما كان الخبر لا يكون إلا له سبحانه جاء الكلام على الحذف، وفي هذا الحذف إشارة إلى الواحدانية والجلال.
ومثله قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ٢، أي هذا ساحر كذاب، والقائلون وهم قومه يقصدون بهذا الحذف أن قولهم: ساحر لا ينصرف عند الإطلاق إلا إلى موسى ﵇ زعما منهم أن هذه الصفة غالبة عليه، وفي الحذف أيضًا إشارة إلى استخفافهم، وقلة اعتدادهم.
وقد تأتي هذه الطريقة في الشعر، ويكون وراءها إشارات حسنة، انظر إلى قول ربيعة بن مقروم الضبي في مطلع قصيدته: "من الكامل"
شماء واضحة المعارض طفلة ... كالبدر من خلل السحاب المنجلي
وكأن الشاعر حين قال شماء، وذكر هذه الأوصاف أوهم من وراء ذلك أن هذها لأوصاف إذا ذكرت عند الإطلاق لا تنصرف إلا إليها، وكأن الناس يعرفون تفردها بها.
قالوا: وقد يحذف المسند إليه لضيق المقام، وتجد لهذا مذاقا حسنا في سياق الضجر، والشدة حين ينزع المتكلم إلى الإشارات اللماحة لفرط ما يجد.
ومن هذا، وهو مشهور قوله: "قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل".
والأصل: أنا عليل ولكنه حذف المسند إليه؛ لأن العليل يثقل عليه الكلام، فهو نازع إلى الإيجاز دائما.
وقد ترد الأمثال على حذف المسند إليه فيصير ذلك لازما؛ لأن الأمثال لا تتغير، من ذلك قولهم: قضية ولا أبا حسن لها، ي هي قضية، وقولهم:
стр. 145
شنشنة أعرفها من أخزم، والشنشنة الطبيعة والعادة، والأخزم ابن قائل المثل، وكان عاقا لأبيه، فلما مات تواثبت أبناؤه على جدهم فأدموه فقال: "من الرجز
إن بني ضرجوني بالدم ... شنشنة أعرفها من أخزم
أي عادة أعرفها من أبيهم، ويقولون: "صلعاء متئم"، والصلعاء الداهية والمتئم التي تلد توأما، ويقولون: "ذليل عاذ بقرملة"، والقرملة شجرة ضعيفة لا ورق لها، ومضارب هذه الأمثال واضحة من معانيها، وكلها مبني على حذف المسند إليه كما ترى، وذلك للاختصار والإيجاز، وهي فضيلة من فضائل الكلام جليلة ليست مبتذلة، ولا متاحة لكل متكلم.
ومن هذا الباب بنبا الفعل للمجهول وحذف الفاعل؛ لأن نائبه ليس هو المسند إليه في الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وهذه الآية الكريمة من الشواهد السائرة عند البلاغيين، وقد كثر كلامهم في بيان فصاحتها، وقالوا: إن واحدا ممن حاولوا معارضة القرآن لما قرأها مزق أوراقه، وقال ابن أبي الأصبع: إن لم ير -في جميع ما استقرى من الكلام المنثور، والشعر الموزون- كهذه الآية، وأنه استخرج منها أحد وعشرين ضربا من المحاسن، وهي ملحوظات لا تخلو من حسن، وحذف المسند إليه الحقيقي في قوله: وقيل: يا أرض يشير إلى قوة ظهوره، وأن ذلك الفعل الهائل أعني مخاطبته الأرض، وتوجيه الأمر المستعلى إليها لا يكون إلا من الذي خلقها، فسواها وكذلك السماء، وحذف الفاعل في قوله: وغيض الماء للإشارة إلى الإجابة السريعة، فما أن أمرت الأرض بأن تبلغ، والمساء بأن