قالت تصدى له ليعرفنا ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها: قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تشتد في أثري
فقال له: أتراك لو وصفت بهذا حرة من أهلك ألم تكن قد قبحت، وأسأت وقلت: الهجر؟، وإنما وصفت الحرة بالحياء، والخجل، والامتناع.
وهذا اللون من الحذف كثير جدا، ويمكن في ضوء ما ذكرنا أن نعرف دلالته في مثل قول الأعشى "من البسيط"
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق ودعا أيها الرجل
غراء فرعاء مقصول عوارضها ... تشمي الهوينا كما يمشي الوجى الوجل
وقول النابغة: "من الكامل"
ولقد أصابت قلبه من حبها ... عن ظهر مرنان بسهم مصرد
بتكلم لو تستطيع حواره ... لدنت له أروى الهضاب الصخد
كمضيئة صدفية غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد
والمرنان كما يقول ابن السكيت: مفعال وهو قوس، قال الأصعمي: هذا مثل من الرنين يقول: رمتك عن ظهر قوس مرنان أي صافية الوتر، والمصرد المنفذ.
وقوله: لو نستطيع حواره، يقول فيه ابن الأعرابي كما يروي ابن السكيت حواره "بكسر الحاء"، وحواره "بفتحها" وحويره، كل هذا واحد، ومعناه رده يقال: هذا كلام ماله حوير، ولا حوار أي رد جواب، والأروى جمع أروية وهي الأنثى من الوعول، والصخد الحادة، ويقال: صخدته الشمس إذا اشتد وقعها، وصقرته وصهرته.
والمضيئة يعني الدرة أي: هي كالدرة، ويهج فرح، ويهل ويسجد أي يرفع صوته بالدعاء والتحميد.
стр. 142
وهذا من حر الشعر ونادره، ورادعه وتفقده واستق منه؛ لأنه من نبع الشعر الصافي.
وعبد القاهر كما أشرت لم يحدد لنا تحديدا دقيقا السر البلاغي للحذف في هذه السياقات، ولكنه بحسه المرهف كان يتذوق حلاوة الحذف فيها ويستطعمه، ولا يعدو حديثه وصف هذا الذي يجده في نفسه، وراء هذه الخصوصية، بل إنه ليشعرك أنه لا يستطيع أيضا وصف ما في نفسه بدقة، ويطلب منك محاولة أن تحس الذي أحسه؛ لأنك لا تدرك قيمة ما يجده بالوصف، وإنما تدركه إذا ذقته وهذا صواب، ثم يرشدك إلى طريقة تعينك على إدراك هذا الأثر، وذلك بأن تذهب بهذه الخصوصية، وتذكر المحذوف، ثم تحاول أن تتعرف على ما تجده في نفسه، والأسلوب على الحالة الثانية، وفي ضوء هذه الموازنة تستطيع أن تتعرف آثار الحذف، يقول في ذلك:
"فتأمل الآن هذه الأبيات كلها واستقرها واحدًا واحدًا، وانظر إلى موقعها في نفسك، وإلى ما تجده من اللطف، والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم فليت النفس عما تجد وألطفت النظر فيما تحس به، ثم تكلف أن ترد ما حذف الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك وتوقعه في سمعك، فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت، وأن رب حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد".
وتأمل قوله: ثم فليت النفس عما تجد، وألطفت النظر فيما تحس به، وأحكمه؛ لأنه هو الطريق الذي به تتعلم، وتكتسب ذوق الشعر وأكرر لك هنا ما قلته في أبيات النابغة، وأقول لك هذا من حر الكلام، ونادره وراجعه وتفقده؛ لأنه من نبع العلم الصافي، واعلم أن الكلمة النادرة في العلم كالكلمة النادرة في الشعر.
ويذهب عبد القاهر في تناسي المحذوف، وإسقاطه مذهبا أبعد من من حذفه في اللفظ؛ لأنه يطلب منك أن تحذفه من نفسك، فلا تخطره بوهمك؛ لأن هذا الخطور يفسد مذاق العبارة.
عليك إذن حين تريد أن تتعرف على جمال الصياغة في هذا الأسلوب أن
стр. 143
تنصرف بنفسك، ووهمك إلى ما نطق به الشاعر جاهدا نفسك في أن تبعد عنها ما وقر فيها من صناعة الإعراب التي توجب تقدير المبتدأ في مثله، يقول في ذلك:
"إنك ترى نصبة الكلام، وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ، وتباعده عن وهمك، وتجتهد ألا يدور في خلدك، ولا يعرض لخاطرك، وتراك كأنك تتوقاه توقي الشيء يكره مكانه، والثقيل يخشى هجومه".
كل هذا لا يعلمنا فيه الشيخ علم البلاغة، وإنما يعلمنا كيف نذوقها، وهذا أجل.
وعبد القاهر له مصنفات تجعله في الصدر من طبقات النحاة، إلا أن تفرده بما تفرد به في الدراسة البلاغية غلب على ذكره، فصار أعرف به، قلت: هذا لأنبه إلى أنه ﵀ كان يعي بدقة مناهج العلوم المشتغل بها، فهو إذا كان في سياق النحو قال في قوله: غلام رماه الله بالخير: التقدير هو غلام، وفي قوله: هيفاء مقبلة، التقدير هي هيفاء إلى آخر ما ذكرنا، وهذا التقدير ضرورة لا يخالف فيها عاقل، وقد فعل ذلك سيبويه فيما عرض له من مثله؛ لأن السياق سياق الصناعة الإعرابية، والبحث عن مكونات الجملة، وما يحذف منها، وما لا يحذف.
فلما كان السياق هنا سياق الإدراك لسر الحذف، رأيت عبد القاهر يقرر أنه لا مفر لك إذا أردت إدراك هذا السر أن تتحاشى هذا المحذوف ليس في الذكر فحسب، بل في الخطور النفسي؛ لأن هيئة العبارة وجمال الأسلوب يروم منك ذلك، وعميلة التذوق لا تتم إلا به، ولا يعترض بما يقتضيه الإعراب؛ لأن هذا سياق وذلك سياق آخر، البلاغة تحتم أن تحذف المبتدأ من نفسك، والنحو يقرر أن تقدره في لفظك حتى لو قلت: هو فتى قلت: ما الأصل أن يقال، وهذا مبحث شريف.
وقد يحذف المسند إليه للإشارة إلى أن الخبر لا يتوهم أن يكون لغيره،
стр. 144
وذلك كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ١، فإن قوله: عالم خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، ولكن لما كان الخبر لا يكون إلا له سبحانه جاء الكلام على الحذف، وفي هذا الحذف إشارة إلى الواحدانية والجلال.
ومثله قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ٢، أي هذا ساحر كذاب، والقائلون وهم قومه يقصدون بهذا الحذف أن قولهم: ساحر لا ينصرف عند الإطلاق إلا إلى موسى ﵇ زعما منهم أن هذه الصفة غالبة عليه، وفي الحذف أيضًا إشارة إلى استخفافهم، وقلة اعتدادهم.
وقد تأتي هذه الطريقة في الشعر، ويكون وراءها إشارات حسنة، انظر إلى قول ربيعة بن مقروم الضبي في مطلع قصيدته: "من الكامل"
شماء واضحة المعارض طفلة ... كالبدر من خلل السحاب المنجلي
وكأن الشاعر حين قال شماء، وذكر هذه الأوصاف أوهم من وراء ذلك أن هذها لأوصاف إذا ذكرت عند الإطلاق لا تنصرف إلا إليها، وكأن الناس يعرفون تفردها بها.
قالوا: وقد يحذف المسند إليه لضيق المقام، وتجد لهذا مذاقا حسنا في سياق الضجر، والشدة حين ينزع المتكلم إلى الإشارات اللماحة لفرط ما يجد.
ومن هذا، وهو مشهور قوله: "قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل".
والأصل: أنا عليل ولكنه حذف المسند إليه؛ لأن العليل يثقل عليه الكلام، فهو نازع إلى الإيجاز دائما.
وقد ترد الأمثال على حذف المسند إليه فيصير ذلك لازما؛ لأن الأمثال لا تتغير، من ذلك قولهم: قضية ولا أبا حسن لها، ي هي قضية، وقولهم:
стр. 145
شنشنة أعرفها من أخزم، والشنشنة الطبيعة والعادة، والأخزم ابن قائل المثل، وكان عاقا لأبيه، فلما مات تواثبت أبناؤه على جدهم فأدموه فقال: "من الرجز
إن بني ضرجوني بالدم ... شنشنة أعرفها من أخزم
أي عادة أعرفها من أبيهم، ويقولون: "صلعاء متئم"، والصلعاء الداهية والمتئم التي تلد توأما، ويقولون: "ذليل عاذ بقرملة"، والقرملة شجرة ضعيفة لا ورق لها، ومضارب هذه الأمثال واضحة من معانيها، وكلها مبني على حذف المسند إليه كما ترى، وذلك للاختصار والإيجاز، وهي فضيلة من فضائل الكلام جليلة ليست مبتذلة، ولا متاحة لكل متكلم.
ومن هذا الباب بنبا الفعل للمجهول وحذف الفاعل؛ لأن نائبه ليس هو المسند إليه في الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وهذه الآية الكريمة من الشواهد السائرة عند البلاغيين، وقد كثر كلامهم في بيان فصاحتها، وقالوا: إن واحدا ممن حاولوا معارضة القرآن لما قرأها مزق أوراقه، وقال ابن أبي الأصبع: إن لم ير -في جميع ما استقرى من الكلام المنثور، والشعر الموزون- كهذه الآية، وأنه استخرج منها أحد وعشرين ضربا من المحاسن، وهي ملحوظات لا تخلو من حسن، وحذف المسند إليه الحقيقي في قوله: وقيل: يا أرض يشير إلى قوة ظهوره، وأن ذلك الفعل الهائل أعني مخاطبته الأرض، وتوجيه الأمر المستعلى إليها لا يكون إلا من الذي خلقها، فسواها وكذلك السماء، وحذف الفاعل في قوله: وغيض الماء للإشارة إلى الإجابة السريعة، فما أن أمرت الأرض بأن تبلغ، والمساء بأن
стр. 146
تقلع إلا وقد غيض الماء، وكأن قوة هائلة مجهولة اختطفته، وابتلعته فهذه معها.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ١، قال الزمخشري في "كشافه" القديم كما يقول الزركشي: "هذا أدل على كبرياء المنزل وجلالة شأنه من القراءة الشاذة أنزل مبنيا للفاعل كما نقول: الملك أمر بكذا، ورسم بكذا، وخاصة إذا كان الفعل فعلا لا يقدر عليه إلا الله، كقوله: وقضى الأمر، قال: كأن طي ذكر الفاعل كالواجب لأمرين: أحدهما أنه إن تعين الفاعل، وعلم أن لفعل مما لا يتولاه إلا هو وحده كان ذكره فضلا ولغوا، والثاني: الإيذان بأنه غير مشارك، ولا مدافع عن الاستئثار به، والتفرد بإيجاده".
ومن ذلك قوله تعالى -في وصف سحرة فرعون لما رأوا آية موسى ﵇، واستيقنتها أنفسهم بعد ما سحروا أعين الناس، واسترهبوهم فبادروا بالانقياد، والسجود في سرعة فائقة، قال سبحانه: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ ٢ حذف المسند إليه في قوله: فغلبوا هنالك؛ لأن الغرض منصب على بيان أن السحرة غلبوا، وأن سحرهم أبطل وكانوا فيه مشاهير، وفيه إشارة إلى أن الغالب في الحقيقة ليس هو موسى ﵇، وإنما قوة أيدت موسى، وجعلت عصاه حية تسعى ألقاها، فإذا هي تلقف ما يأفكون، ولو أنه قال: فغلبهم موسى لكان نصا على غلبة موسى ﵇، وأن له في ذلك فعلا غلب به، وليس كذلك، فإن سيدنا موسى أوجس في نفسه خيفة لما رأى حبالهم، وعصيهم وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
وانظر إلى قوله في الآية الكريمة: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ ، فإن بالغ في الحسن
стр. 147
والإيجاز وقد وصف بدقة بالغة وقوع عصا موسى في ساحة الصراع بعدما ملأها باطل السحرة، وقوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ ، حذف فيه المسند إليه للإشارة إلى السرعة الفائقة في وقوع الحدث، وتصوير أن قوة مجهولة أستلبت عنادهم، وكفرهم فخروا في ساحة الحق ساجدين.
وقد ارتضى بعض البلاغيين أن يعتبر من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل فيما بنى فعله للمعلوم، وذلك كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ١، أي إذا بلغت الروح، والحذف هنا لظهور الفاعل ظهورًا لا لبس فيه، والآية في ذكر الموت، ولا يبلغ التراقي عند الموت إلا النفس والروح، وكأن في إسقاطها من العبارة إشارة إلى ما هي عليه من وشك المفارقة.
ومثله قول حاتم: "من الطويل"
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما، وضاق بها الصدر
أراد إذا حشرجت الروح، والحشرجة صوت يردده المريض في حلقه.
وهو مأخوذ من الحشر نظرا لضيق مكان النفس في هذه الحال، والحذف هنا أيضا لشدة ظهور المحذوف، وللإشارة السابقة؛ ولأن الشاعر يصف مقام ضيق وشدة، والحذف فيه أدل على قصر النفس، وأكثر وحيا بمعنى الحشرجة.
ومنه قوله تعالى -حكاية عن سيدنا سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ٢، وأراد حتى توارت الشمس بالحجاب، فحذفت الشمس لبيان المراد؛ ولأنها توارت فلاءم الحذف دلالة الكلام، وتأمل وتفقد أحببت حب الخير عن ذكر ربي، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ٣، في قراءة نصب بينكم، قالوا: المراد: لقد تقطع الأمر، فحذف الفاعل للإشارة إلى أنه أمر منقطع ساقط، والأمر المراد به العلاقة الموهومة بينهم، وبين شفعائهم الذين زعموا أنهم فيهم شركاء، وسياق الآية هكذا: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا
стр. 148
خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ١.
وقالو: ومما جاء على حذف الفاعل قوله تعالى في شأن سيدنا يوسف ﵇: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ٢.
والأصل ثم بدا لهم الأمر ولكنه حذف، وحذفه يشير إلى الاستخفاف به؛ لأنه أمر ساقط جائر، فقد بدا لهم بعد ما رأوا الآيات، فكيف يسجنونه؟
ومما جاء على حذف الفاعل لقوة الدلالة قولهم: أرسلت وهم يريدون جاء المطر، ولا يذكرون السماء، ولكنهم لا يقولون هذا إلا في حال سقوط المطر، ولذلك كانت الدلالة على المحذوف راجعه إلى قرينة الحال الواضحة، قال ابن الأثير في بيان حذف الفاعل:
"وقد نص عثمان بن جني رحمه الله تعالى على عدم الجواز في حذف الفاعل، وهذه الآية وهذا البيت الشعري، وهذه الكلمة -أراد قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ ٣، وقول حاتم: أماوي ما يغني الثراء عن الفتى، وقولهم: أرسلت- خلاف ما ذهب إليه إلا أن حذف الفاعل لا يجوز على الإطلاق بل يجوز فيما هذا سبيله، وذلك أنه لا يكون إلا فيما دل الكلام عليه ... وأما قول العرب: أرسلت وهم يريدون أرسلت السماء، فإن هذا يقولونه نظرا إلى الحال، وقد شاع فيما بينهم أن هذه كلمة تقال عند مجيء المطر، ولم ترد في شيء من أشعارهم، ولا في كلامهم المنثور، وإنما يقولها بعضهم لبعض إذا جاء المطر، فالفرق بينها وبين حشرجت، وبين بلغت التراقي ظاهر، وذلك أن حشرجت، وبلغت التراقي يفهم منها أن النفس التي حشرجت، وأنها هي التي بلغت التراقي، وأما أرسلت فلولا شاهد الحال، وإلا لم يجز أن تكون دالة على مجيء المطر، ولو قيل في معرض الاستقساء: إن خرجنا نسأل الله فلم نزل حتى أرسلت، لفهم من ذلك أن التي أرسلت هي السماء، ولا بد في الكلام من دليل على المحذوف، وإلا كان لغوا لا يلتفت إليه".
стр. 149
ذكر المسند إليه:
بعد ما ذكرنا بعض صور الحذف، وأسرارها المعنوية نذكر شيئا عما يقابله وهو الذكر، وأظن أنه لا يرد علينا سؤال يقول: إذا كانت البلاغة في الحذف والإيجاز كما قلتم، فكيف تكون البلاغة في الذكر الإطالة؟ لأن من المعلوم أن للحذف أغراضه التي لا يغني الذكر غناءه فيها، وأن للذكر أغراضه التي لا يغني الحذف غناءه فيها، وأن البلاغة مراعاة المقامات والأحوال، فالذكر في موطنه بليغ مطابق، والحذف في موطنه بليغ مطابق، وقد قالوا: إن يحيى بن خالد بن برمك أمر اثنين أن يكتبا كتابًا في معنى واحد، فأطال أحدهما واختصر الآخر، فقال للمختصر وقد نظر في كتابه: ما أرى موضع مزيد وقال للمطيل: ما أرى موضع نقصان، وقال الخليل: يختص الكتاب ليحفظ ويبسط ليفهم، وقيل لأبي العلاء، هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم كانت تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها.
على أنه لا تكون المنافاة بين الذكر، والإيجاز إلا عند النظرة السريعة الدانية، أما عند التحقيقي، فإن الذكر لا ينافي الإيجاز -وأعني ذكر ما يدل عليه المقام لو حذف؛ لأن وراء ذكر المسند إليه في هذه الحالة دافعا نفسيا، ومغزى يحرص المتكلم عليه، فالذكر يحقق قيمة معنوية في الأسلوب، وفوات هذه القيمة عيب في الكلام وإخلال بالمطابقة، وقد يكون الكلام مع الذكر مبنيا على غاية الإيجاز، فليس الذكر الذي نتكلم فيه هو ما يتمدد به الأسلوب حتى يفيض عن المعنى، فيصير التعبير فارغا في بعض جوانبه، وإنما هو الذكر الموجز البليغ، وإذا نظرت إلى قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ ١، رأيته كلاما في غاية التركيز مع أنه قد كرر الحق ومادة نزل، وكأنه بنى على التكرار، وكان كذلك؛ لأن وراء ذكر كلمة الحق في الجملة الثانية مغزى معنويا يفوت لو قلنا: وبه نزل، وسوف نبين ذلك في موضوعه إن شاء الله.
стр. 150
والبلاغيون يقولون: إن الأصل في العبارة كما يقتضي العقل، والإعراب أن يذكر فيها المسند إليه؛ لأنه الجزء الأهم الذي تنسب إليه الأحداث، والصفات في الجملة، ولا يحذف إلا إذا كان هناك داع من الدواعي التي ذكرنا صورا منها، فالأصل أن يذكر إذا لم يكن هناك مقتضى للعدول.
وكذلك يذكرون من أغراض الذكر، الاحتياط لضعف التعويل على القرينة أي أن هناك قرينة تدل على المسند إليه لو حذف، ولكن هذه القرينة ليست كاشفة مبنية، ويخشى المتكلم إن هو عول عليها أن يلتبس المراد على السامع، وهذا نجده كثيرًا في الكتب العلمية التي تشرح القضايا، وتعني بكشف جوانبها.
وقالوا: إنه يذكر للإشارة إلى غباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا ما تنص عليه الألفاظ؛ لأن في الحذف تعويلا على ذكاء السامع، وقدرته على الانتفاع بالسياق والقرائن.
والمهم في موضوع ذكر المسند إليه هو الرغبة في التقرير والإيضاح، فإن هناك بعض المعاني تكون أشد علقة بالنفس، فيحرص المتكلم على إبرازها وإشاعتها في جو كلامه، انظر إلى قول البحتري يخاطب صاحبته: "من الكامل".
أصفيك أقصى الود غير مقلل ... إن كان أقصى الود عندك ينفع
فأقصى الود كلمة يتصل معناها بأهم ما يجده الشاعر من الكلف، والولوع بصاحبته فكررها، وأشاعها وكان يمكنه الاكتفاء بضميرها.
وانظر إلى قول مالك بن الريب في قصيدته التي قالها حين استشعر دنو الأجل، وهو في خراسان قال: "من الطويل"
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه ... وليت الغضا ماشي الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا ... مزار ولكن الغضا ليس دانيا
стр. 151
والغضا شجر في ديار أهله، والشاعر في هذه الحالة القاسية التي يستشعر فيها دنو الأجل، ويستعر فيها الإحساس بالغربة، ويفيض فيها الحنين والتعلق بالأهل، تراه مرتبط النفس بالغضا أقوى ما يكون الارتباط، فيتشبث باللفظ فيذكره ويكرره، كما ترى وكأنه يمتص منه آخر رحيقه؛ وليس من الوفاء بالحس في هذه الحالة الاكتفاء بالضمير، وإن كانت الدلالة واضحة؛ لأن اللفظ يحمل معنى له في سريرة نفس الشاعر ما يظمئه إليه، فلا بد من تكراره، وتأمل أماشي في قوله: وليت الغضا ماشي الركاب لياليا- وكأنه كان يتمنى لو رحلت معه ديار قومه، وماشى الركب والأهل والأرض، والشجر والمدر، كل ذلك تتفجر روحه بالحنين إليه، وهو يجود بها.
ومن هذا الباب أن يذكر الشاعر اسم صاحبته ثم يكرره، وكان يمكنه الاستغناء بضميره، ولكنه يؤثر النص عليه؛ لأن في ذلك ما يثير أشواقه، ويلذ قلبه، انظر إلى قول قيس: "من الطويل"
ألا ليت لبنى لم تكن لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا
ذكر لبنى في الشطر الثاني، وكان يمكنه أن يكتفي بقوله: ولم تلقني ولم أدر ما هيا، ولكن الشاعر يحرص على ذكر الاسم؛ لأنه يحبه ويحب أن ينطق به، ومثله قول الآخر: "من الطويل"
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أماني من ليلى حسان كأنما ... سقتك بها ليلى على ظمأ بردا
وقد ذكر الشعراء السر البلاغي لهذا اللون من الذكر، وهو حبهم المتعلق بالملهوف بهذه الأسماء، فهم يجدون فيها ما يروي قلوبهم، ويحبون المكان القفر ليتغنوا فيه بأسماء من يحبون وهم في مأمن من اللوم، يقول ذو الرمة: "من الطويل"
أحب المكان القفر من أجل أنني ... به أتغنى باسمها غير معجم
стр. 152
ثم إنهم يتجاوزون حب الأسماء إلى حب ما شابه الأسماء، أو كان منها مدانيا، يقول قيس:
أحب من الأسماء ما وافق اسمها ... وأشبهه أو كان منه مدانيا
وقد فسر قيس، وذو الرمة السر البلاغي في تكرار أسماء الصواحب، وهو كثير في الشعر، وكأنه مذهب.
انظر إلى قوله النابغة: "من البسيط"
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤي وأحجار
أقوى وأقفر من نعم وغيره ... هوج الرياح بهابي الترب موار
وقد أكون ونعما لاهيين بها ... والدهر والعيش لم يهمم بأمرار
أيام تخبرني نعم وأخبرها ... ما أكتم الناس من حاجي وأسرار
تردد ذكر نعم كما ترى، وكأنه كان يرى نعما في كل زاوية من زوايا الطلل، ومع كل أثر من آثاره، فذكرها في كل بيت حتى يراها القارئ في قصيد الطلل، وكان النابغة في الشعر كأنه محدث.
ويدخل في هذا الباب ما يكون في الرثاء من تردد ذكر المرثي، انظر إلى قول الخنساء: "من البسيط"
وإن صخرا لكافينا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
تجد الشاعرة تذكر صخرا، وتردد اسمه وكان يمكنها، أو تكتفي في الشطر الثاني بقولها وإنه، وكذلك في البيت الثاني، إلا أن تعلق نفسها بأخيها يجعل تردد ذكر الاسم شيئا حبيبا إليها، ووسيلة من وسائل سلواها، وهو أيضا مظهر من مظاهر تعلقها بصخر وتشبثها به.
وأمثله ذلك في باب الثراء كثيرة جدًّا، وليس الذكر مقصورًا على اسم
стр. 153
المرثى، وإنما يكون ذلك في غيره مما للنفس به مزيد تعلق، والرثاء باب العاطفة المشبوبة، وهي تتخذ التكرار وسيلة من وسائل الهدهدة النفسية، وإفراغ التوتر الشديد، وهو من أهم الوسائل الناجعة في هذا الباب؛ لأنه يهيئ الشعر للشدو الحزين والدندنة الشاجية، انظر إلى قول متمم: "من الطويل"
وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك
ترى كلمة القبر تشيع بتكرارها جو الأسى والحنين البائس، ويجد الشاعر في تكرارها راحة تخلد إليها نفسه؛ لأنه دار مقامة لأخيه.
وهكذا كل شيء له فضل تعلق بالقلب تجد له فضل تعلق باللسان، ويدخل في هذا ذكر الكأس والخمر، وانظر إلى قول عمرو بن كلثوم: "من الوافر".
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
كان من الممكن أن يحذف المسند إليه في الشطر الثاني، ولكن لنفسه بالخمر ولوعا، وكيف وقد جعلها فاتحة غنائه في قصيدته المعلقة، وخالف بذلك سنة الشعراء من الوقوف على الأطلال، ونظنه ملهما لأبي نواس في ثورته على صفة الطلول، وجعله صفاته لابنة الكرم.
وقد يذكر المسند إليه؛ لأن المتكلم يحرص على أن يضيفل إليه الخبر "المسند" في صورة واضحة مؤكدة، انظر إلى قول بان الدمينة يخاطب صاحبته أميمة معارضا لها حين عاتبته بقولها: "من الطويل"
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم
فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قولب الوشاة كلوم
стр. 154
قال في جوابها:
وأنت التي قطعت قلبي حزازة ... وقرحت قرح القلب فهو كليم
وأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون الفطا بالجلهتين جثوم
وأنت التي أحفظت قومي فكلهم ... بعيد الرضا داني الصدود كظيم
فقد ذكر الشاعر ضمير صحابته في كل بيت؛ لأنه يحرص على أن يبرز ذاتها ليضيف إليها هذه الأخبار المهمة في صورة واضحة ومقررة، وفي ذلك ما يكشف معاناته، وما تكلفه من مشقة، وعنت من أجلها وهي تتهمه بأنه أخلفها ما وعد، وأشمت بها من كان فيه يلوم، فالمقام يقتضي مزيدًا من التقرير والتوضيح.
ومن هذا قول أميمة له، وكان فتى صبوحا أيدا: "من الطويل"
أيا حسن العينين أنت قتلتني ... ويا فارس الخيلين أنت شفائيا
كان يمكن أن تصوغ أسلوبها على طريقة أخرى تكتفي فيها بذكر الحديثين القتل، والشفاء من غير إعادة المسند إليه، ولكنها حرصت على تقرير نسبة كل حدث إليه في استقلال ووضوح، ثم إن الشاعرة لها ملحظ نفسي دقيق في توزيع المعنى في هذين الشطرين، ومناسبة كل لما نودي به، لم تقل يا فارس الخيلين أنت قتلتني، ويا حسن العينين أنت شفائيا؛ لأنه لم يقتلها بفروسيته كيف وهي ترى في شبابه، وفتوته ما يمؤلها حياة، وأملا كما أنه لم يشفها بعينيه، وكيف وهي ترى في عينيه ما يملؤها صبوة وتهالكا؟
وهذا البيت يختلف في المذاق عن سابقه، فهو تدله وتخنث، وسابقه معاتبة وشكوى.
وهذا المغزى في هذه الخصوصية أعني ذكر المسند إليه لغرض تقرير الخبر، والفعل في صورة بينة واضحة تجده أوقع ما يكون في كتاب الله، اقرأ قوله -تعالى-:
стр. 155
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
تجد المسند إليه يتكرر مع كل حكم، وكأن من الممكن أن يرد الكلام على طريق الحذف، ولكنه قصد إلى تقرير هذه الأخبار، وإذاعتها عنهم فهم كفروا بربهم، وهم الأغلال في أعناقهم، وهم أصحاب النار، وكأن هذه الإعادة جعلت كل جملة كأنها مستقلة بنوع من العقوبة الصارمة، وهي ضروب من العذاب يستقل بعضها عن بعض، وفي ذلك نهاية الغضب والوعيد.
واقرأ الآيات قبلها وكيف أشرقت فيها آيات القدرة الباهرة، ثم يعمه هؤلاء ويقولون: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ، وذكر المسند إليه في مثل هذا السياق يكثر جدًّا في كتاب الله ما لم يكثر في غيره، ولو قلنا: إنه من أوضح خصائص أسلوب القرآن لم نعد الحقيقة، وأكثر ما تجده مع اسم الإشارة، وسوف نعرض بعض صوره هناك إن شاء الله.
وليس من الصعب علينا أن ندرك استجابة هذا الأسلوب، أعني ذكر ما تسند إليه الأحداث، والأحكام لكثير من خوالجنا في أحساسيسنا اليومية، فأنت تقول عاتبا على صاحبك ومعددا أخطاءه: أنت فعلت كذا وكذا، فإذا حميت نفسك، وزاد انفعالك بأفاعيله الغائظة لك قلت له: أنت الذي فعل كذا وأنت الذي فعل كذا وأنت الذي، إلى آخره، تحرص على إعادة ذكره مع كل فعل لتبرز إسناد تلك الأفعال إليه، ومثل هذا يكون أيضا في سياق تعديد مآثره، وفي كل سياق تحمي فيه نفسك، وتريد أن تقرر إسناد شيء إلى شيء، والشاعر في مقام المفاخرة حين تسيطر عليه مشاعر الاعتداد والاعتزاز، وتتزاحم في نفسه مآثر قومه لا يكتفي غالبا بذكرها على سبيل عطف الأخبار أو الصفات، وإنما يستأنف مع كل مكرمة جملة جديدة يذكر في صدرها قومه، فيكرر ذلك ولا يمله.
اقرأ قول عمرو بن كثلوم: "من الوافر"
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
стр. 156
بأنا العصامون إذا أطعنا ... وأنا الغارمون إذا عصينا
وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أتينا
وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا
وأنا التاركون لما سخطنا ... وأنا الآخذون لما هوينا
وأنا الطالبون إذا نقمنا ... وأنا الضاربون إذا ابتلينا
وأنا النازلون بكل ثغر ... ويخاف النالون به المنونا
واضح أن الشاعر يستطيع الاستغناء عن هذه الضمائر التي كررها مع كل بيت، ولكن إحساسه بهذه المكارم لا يكفيه أن يذكر هذه المناقب غير مستندة كل واحدة منها إلى قومه استنادًا مستقلًّا ليكون في ذلك تقرير وإبراز لها، وهكذا
أحسها الشاعر بل أحسها الناس كما يدعي، انظر إلى قوله: وقد علم القبائل
من معد، وكيف أشعرك بهاذ أن تلك المناقب المذكورة لا يدعيها لقومه، وإنما
هي مفاخر مقررة لقبيلته العظيمة تغلب قد علمتها القبائل من معد، أي هي ذائعة تتجاوب بها آفاق جزيرة العرب التي تنتشر في كل أرجائها قبائل معد، ثم إن في تكرار هذا الضمير وحده، وهذه الغنة القوية في النون المشددة ما يمكن الشاعر من أن يكون غناؤه كفاء لشعور الفخر الذي امتلأت به نفسه في هذا
الموقف الطاغي، وهو يخاطب عمرو بن هند ملك المناذرة.
وحين نتابع الضمائر وإبرازها في مثل تلك المعلقة لا نجد وراءها لونا واحدا من ألوان الشعور كهذا اللون الذي ذكرناه، وإنما قد نجد ألوانا متعددة، وهذا يجعل مهمتنا في دراستنا مهمة صعبة؛ لأننا لا نستطيع أن نضع قاعدة تحيط بأغراض ذكر المسند إليه.
انظر مثلا إلى قوله:
ألا لا يحسب الأعداء أنا ... تضعضعنا وأنا قد فنينا
ترانا بارزين وكل حي ... وقد اتخذوا مخافتنا قرينا
стр. 157
تجد قوله: وأنا قد فنينا، ذكر في المسند إليه، وكان يمكن الاستغناء عنه، ولكن الشاعر أراد أن يؤكد ذات قومه، ووجودهم القوي الفاعل في مواجهة وهم الأعداء، وأنهم قد أفنتهم، أو ضعضعتهم الحروب الطويلة، أقول: إن ذكر المسند إليه هنا تأكيد للذات، وإبراز لها في مواجهة ظن الفناء.
وفي سياق الهجاء تجد الشاعر يحرص على ذكر المهجو مع كل نقيصة يذكرها ليمرغه في هذه النقائص، ويذيع اقترانه بها، ولا يبرع في سياسة هذا الأسلوب إلا قلة من ذوي المواهب من الشعراء؛ لأن ذكر الأسماء وكثرة ترددها يثقل في الشعر، فإذا لم تتصرف الموهبة البصيرة بأسرار الصنعة كان ذلك سببا لسقوطه.
ومن هذا قول الحادرة الذبياني -يخاطب عامر بن صعصعة حين أرادوا غزو رهطه بني ثعلبة بن سعد: "من الطويل"
وذي كرم يدعوكم آل عامر ... لدى معرك سرباله يتصبب
رأت عامر وقع السيوف فأسلموا ... أخام ولم يعطف من الخيل مرهب
وسلم لما أن رأى الموت عامر ... له مركب فوق الأسنة أحدب
والسربال القميص والمرد به الدرع، والمركب الحدباء الصعبة والشديدة، ومرهب اسم رجل من بني عامر.
ذكر الشاعر عامر في البيت الثاني والثالث، وهو مذكور في البيت الأول فالسياق يدل عليه لو حذف ... كان يمكنه أن يقول: رأت وقع السيوف، وسلم لما أن رأى الموت له مركب حدباء، ولكنه أراد أن يستند إليها هذه الأفعال الدامغة إسنادا واضحا لا يكتفي فيه بالضمير، وإن كان يعود عليه؛ لأن التصريح يعمل في النفوس ما لا تعمله الضمائر، ففيه تشهير بهم لمثالبهم، فالإسناد وصف لهم بالفرق والضعف، وأنهم أسلموا أخاهم لما رأوا وقع السيوف، وهذا بالغ في الجبن والتخاذل، والفاء في قوله: فأسلموا لها
стр. 158
دلالة حية أي أنهم أسلموا فور رؤية وقع السيوف من غير مدافعة ونزال؛ لأنهم لا طاقة لهم بذلك، والإسناد الثاني يسمهم بما هو أشنع من الأول، ففي الأول أسلموا أخاهم، وفي الثاني استسلموا جميعًا، وهكذا يحرص الشاعر على إسناد هذه الأفعال ذات الشأن في غرضه إلى المسند إليه لا إلى ضمير يعود عليه.
ومثل هذا قول جرير في سدوس:
أخلاي الكرام سوى سدوس ... وحالي في سدوس من خليل
إذا أنزلت رحلك في سدوس ... فقد أنزلت منزلة الذليل
وقد علمت سدوس أن فيها ... منار اللؤم واضحة السبيل
فما أعطت سدوس من كثير ... ولا حامت سدوس عن قليل
فالشاعر يحرص هنا أيضا على ذكر المسند إليه، لأن ذلك ضروري في سياق الشعر، حيث يقصد إلى قرنه قرنا واضحا بهذه المثالب الكثيرة.
والبيت الثالث من المعاني القوية؛ لأنه يقرر بواسطة هذا التكرار أن القوم أنفسهم يعلمون أنهم منار اللؤم، فليس الناس هم الذين يدعون ذلك فضلا عن أن يكون جريرًا، وإنما القبيلة نفسها تعلم ذلك، وهذا بليغ في بابه.
والبيت الرابع وصف بغاية البخل؛ لأن الذي يمنع وعنده الكثير قد استحكمت فيه طبيعة البخل، ثم هو وصف بالغ بالهوان والضعف؛ لأنهم يعجزون عن حماية القليل الذي لا يطمع فيه إلا الضعيف الدون.
قلت: إن تكرار الأسماء مما يثقل في الشعر إلا أن يكون الشاعر صاحب موهبة عالمًا بأسرار الصناعة، ورياضة البيان وإلا سقط شعره، وأنبه ننا إلى أن الأمر في مقام الرثاء، والغزل يختلف عنه في غيرها وذلك؛ لأنها من مقامات العواطف المشبوبة، والأسى التي تتردد في سياقها أسماء غنية بالإيحاء والتأثير؛ لأنها إما أن تكون من أسماء الصواحب، فهي تلهب الشوق والحنين
стр. 159
أو من أسماء الديار والآثار، فهي تثير ذكريات اللهو والصبا، أو من أسماء الموتى فهي تثير عواطف الحزن والشجى، وفي هذا الفيض من الحس، والشعور تخف هذه الأسماء وتحاط بالجو الشعري، أو تصبح هي من دعائمه، أما الهجاء وغيره فإنه ليس في هذه الخصوصية، ومن هنا يكون ذكر المسند إليه، وكثرة تردده عملا ليس متيسرًا إلا لحاذق بصير كما قلنا.
ولا يفهم من هذا أن مقام الرثاء، والنسيب يستعان للتلفيق والتزوير، لا. إنهما من هذه الناحية أكثر حساسية من غيرهما؛ لأن أوتار الشجى والطرب لا تحركهما إلا الأنغام الصادقة، وكم من نسيب ثقيل مسترذل، وكم من تباك في الرثاء غث مستبرد.
ومن هذا الضرب في الغزل قول ابن الزيات:
أتعزف أم تقيم على التصابي ... فقد كثرت مناقلة العتاب
إذا ذكر السلو عن التصابي ... نفرت من اسمه نفر الصعاب
وكيف يلام مثلك في التصابي ... وأنت فتى المجانة والشباب
سأعزف إن عزفت عن التصابي ... إذا ما لاح شيب بالغراب
ألم ترني عدلت عن التصابي ... فأغرتني الملامة بالتصابي
وأنا مع ابن رشيق حين يقول في تعليقه عليها "فملأ الدنيا بالتصابي، على التصابي لعنة الله من أجله، فقد برد به الشعر"، وقد ثقل هذا الكلام وصار غاية في البرودة، والمكرر فيه ليس من الأسماء التي قلنا: إنها مما لا يهش لها قاموس الشعر، ومع ذلك كان على ما ترى.
وقد يذكر المسند إليه تفاديا من ذكر الضمير الذي يربط الجملة بالكلام السابق؛ لأن القصد إلى استقلالها لتصير كأنها مثل، وذلك كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ
стр. 160
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ تجد المسند إليه قد ذكر مع أنه يمكن إقامة الضمير مقامه للغرض الذي قلناه، وهذا الأسلوب يكثر في فواصل الآيات كما يكثر في الجمل المستأنفة سواء كان استئنافها استئنافا بلاغيا كقولك: أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ٢، أو كان استئنافا نحويا أي بواو الاستئناف مثل: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ٣، وهذه الجمل كما ترى من الممكن أن تقتطع من سياقها، وأن تستقل بإفادة معناها، ولذلك يشيع بعضها شيوع الأمثال، والذي أتاح ذلك هو ذكر المسند إليه، ولو كان المذكور هو الضمير لارتبط بالكلام السابق؛ لأن فيه مرجعه، وهذا الأسلوب يشيع في القرآن جدا كما يوجد في الشعر وغيره، وقد نبه إلى هذا المغزى المفسرون، وفي كتب التفسير من المباحث البلاغية ما لا يوجد في كتب البلاغيين.
قالوا: وقد يذكر المسند إليه رغبة في طول مقام الحديث حين يكون مع من تحب، أو كما قالوا: إرادة بسط الكلام حيث الإصغاء المطلوب، ومنه قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى ﵇ وقد سأله المولى، وهو بكل شيء علم: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ ٤؟ فأجاب: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ ٥، ولم يقل عصاي كما يكون في مثله؛ لأنه يريد بسط الحديث، وطول مقام المتكلم في حضرة ذي الجلال؛ لأنه تشريف ما بعده تشريف، ولهذا أخذ يتحدث عن عصاه، ويذكر مالا يقتضيه السؤال استرسالًا منه في سوق
стр. 161
الحديث فقال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ١.
وقد سأله سبحانه، وهو بكل شيء عليم؛ لأنه أراد لفته إلى العصا حتى يتبينها، ويعرف أنها ليست إلا عصا يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، فهي يابسة جامدة حالها كحال كل العصى، فإذا تلقى الأمر بإلقائها، وألقاها ورآها حية تسعى، كان ذلك أبين في بطلان قانونها، وإحالتها عن وصفها بخلق الحياة والحركة فيها، وهذه هي آية الألوهية ومعجزة النبوة، وينبغي أن نذكر بقولهم "البلاغة والإيجاز"، وبما في طبيعة هذه اللغة من ميل إلى التركيز في الصياغة، والتعبير لتؤكد مرة ثانية أنه إذا لم يكن هناك داع قوي يدعو إلى الذكر، فإنه يكون خطرا على الأسلوب، وبلاغته سواء في ذلك الشعر وغيره، فهو مسلك دقيق يوشك أن يكون غير سبيل البلاغة، ولهذا لم يسلم من عثراته إلا حصيف مهدي بفطرة قوية، وحس يقظ.
стр. 162
تعريف المسند إليه:
حين عرض البلاغيون لبيان الأسرار البلاغية، في طرق التعريف سلك كثير من المباحث النحوية طريقة إلى هذا الباب، ونحاول في هذه الدراسة أن نتجنب هذه المباحث مهتمين بما يتصل بالناحية البلاغية، التي يمكن أن يلحظها دارس الأساليب، وكنا على أن ندع من بين ذلك ما ذكره البلاغيون في التعريف بالإضمار لولا ما كان منهم من لفتة طيبة ذات أثر في تعميق فهمنا لبلاغة الكلام أحببنا أن ننبه إليها.
قال البلاغيون: الأصل في الضمير الخطاب أن يكون لمعين، تقول: إن زرتني أكرمتك، تريد مخاطبا معينا، وقد يراد بالخطاب العموم، فيكون موجها
стр. 163
إلى كل من يتأتي منه الخطاب، وهذا يفيد الأسلوب مزية من حيث يشعر هذا العموم بأن الأمر جدير بأن يكون ذائعا، وأنه لا يختص بمخاطب دون مخاطب، تقول في حال التشهير بالعيب واللؤم: فلان لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، لا تريد مخاطبا معينا بل تريد أن أكرمه أي كرم، أو أحسن إلهي أي محسن قابل ذلك بالإساءة، وهذا كما ترى أدخل في باب التشهير والعيب، ووصفه بلؤم النفس وفساد الطبع، قال الخطيب: "أي أن سوء معاملته غير مختصة بواحد دون واحد"، وقد تجد هذا الأسلوب واردا في سياق الثناء والتنويه، ومن أحسن ما جاء في ذلك ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"، فإن المراد بالأمر هنا ليس مخاطبا معينا، وإنما كل من يتأتي منه التبشير، وكأن النبي الكريم يشير إلى أن كل من يصح منه التبشير يجب أن يكون مبشرًا لهؤلاء المشائين إلى المساجد بالنور التام، وفي ذلك نهاية التكريم، وغاية الرضا.
وقد ذكر البلاغيون من شواهد هذه الخصوصية، أعني عموم الخطاب، قول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ١، المراد بالخطاب هنا كل من تأتي منه الرؤية، وذلك للإشارة إلى أن هذه الصورة المتناهية في الفظاعة تناهت أيضا في الظهور، فلا تختص بها رؤية راء بل كل من تتأتى منه الرؤية داخل في هذا الخطاب، وفيه إشارة أيضا إلى الرغبة في تعميق هذه الصورة الفظيعة المنكرة في وجدان كل راء لتكون زجرا بليغا للناس جميعا.. وعليك أن تجتهد في أن تقيم في نفسك هذا الموقف كما تصفه الآية.. المجرمون في كل جيل من أجيال البشرية مجتمعون جميعا، وقد وقفوا ناكسي رءوسهم خضوعا، وذلا في حضرة ذي الجبروت الذي عاشوا يتبجحون بإنكاره.
والمهم في أنواع التعريف، التعريف بالصلة؛ لأنه تكثر إشاراته.
стр. 164
والصلة كما يقرر النحاة يجب أن تكون معلومة للمخاطب؛ لأنها وسيلة تعريف فيلزم أن تكون معروفة كقولك: الذي كنا عندنا أمس رجل عالم، فإنه يلزم أن يكون المخاطب عالما بهذه الصلة، أو بقصتها كما قالوا، وتفيد الصلة معاني منها:
الإشارة إلى زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام كما في قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ ١، والغرض المسوق له الكلام هو تقرير نزاهة سيدنا يوسف ﵇، وذكر امرأة العزيز بهذه الصلة المشيرة إلى كونه في بيتها مما يقرر هذا الغرض، فقد راودته امرأة هو في بيتها، وهي متمكنة منه في كل أوقاته من ليل ونهار، وتلح وتراود ولكنه ﵇ استعصم، وهذه غاية النزاهة، عن الفحشاء، ولو قال: وراودته زليخا أو امرأة العزيز لم تجد شيئا من ذلك، ثم إن في ذكر الصلة هنا أيضا استهجان التصريح بالاسم المنسوب إليه هذا الفعل.
ومما هو بين في العدول إلى الصلة استهجانا لذكر ما دلت عليه الصلة قول حسان يخاطب أم المؤمنين ﵂، ويبرئ نفسه مما نسب إليه في حديث الإفك:
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتموا ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي
وقوله: "من الطويل"
فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل
وقوله: ليس بلائط، ليس بلازم ولا لاحق، والماحل: الذي يسعى بالنميمة، أراد حسان ألا يذكر اتهام عائشة في الإفك استهجانا لهذا القول واستبعادا له، فقال: الذي قد زعمتموا، كما قال في البيت الثاني: الذي قد قيل: ثم إن الصلة في التعبيرين مكنته من أن يشير في كل واحدة إشارة لطيفة ففي الأولى، قال: زعمتموا، فأشار إلى أنه زعم، وأنه ليس من
стр. 165
وادي الصدق واليقين، قال في الثانية -قيل- بالبناء لملجهول، فأشار إلى أنه قول ساقط غير منسوب إلى عاقل يستحق أن يذكر.
ومما يكون التعريف فيه بالصلة قصدا إلى معاني فيها ذات أهمية في سياق الكلام قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ١، فإن الذي يقدر على أن يتوفى الأنفس جديبر بأن يعبد.
ومنه قول كعب بن زهير ما جاء عائذا برسول الله ﷺ "من الكامل"
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيه مواعيظ وتفصيل
قال: هداك الذي أعطاك.... ولم يقل هداك الله أو هداك ربك؛ لأن في الصلة حديثا عن عطاء الله لمحمد ﷺ ، ففيه تكريم للنبي، وتنويه بمقامه عند الله وفي ذلك إقرار مؤكد بنبوة النبي ﷺ ، وإعلام بإسلام كعب ثم إن القرآن فيه مواعيظ وهداية، وكأنه يذكره بما يدعوه ﷺ إلى العفو عنه من آيات الله الداعية إلى الصفح، وقبول الإسلام ممن جاء عائذا.
كل ذلك كان من الصلة كما ترى، ومما يتصل بهذا قول أبي نواس في الخمر: "من الكامل"
لا تخدعن عن التي جعلت ... سقم الصحيح، وصحة السقم
لم يقل: لا تخدعن عن الخمر؛ لأن التعريف بالموصولية هنا مكنه من ذكر صفات يحرص على إبرازها في الخمر، وهي ما في أفاعيلها مما يشبه التناقض، فالصحيح حين يشربها تجري في مفاصله، فيصيبه فتور واسترخاء، فيصير كأنه سقيم، فإذا شربها السقيم صح بما تبعثه فيه من نشوة وصبوة، ولم يكن ليتاح للشاعر أن يذكر هذه الأفعال للخمر لو أنه سلك طريقا غير طريق الموصول.
стр. 166
ومثله قول قيس: "من الطويل"
خليلي لا والله لا أملك الذي ... قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري، وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
الذي قضاه الله في ليلى، وفيه هو حرامه منها مع ولوعه بحبها، ولكن الشاعر لم يقل: لا أملك تعلقي بليلى مع يأسي منها، وإنما قال ما ترى، فبين من خلال الصلة أن الأمر قضاء الله، وما دام كذلك فلا عليه إلا أن يستجيب لهذا القضاء، فيظل هائما بحبها يائسا منها، وواضح أننا نذكر الصلة هنا مع اختلاف مواقعها؛ لأن الذي يعنينا هو أن نبين دلالة هذه الخصوصية سواء كانت في المسند إليه أو غيره؛ لأنها لم ترد في باب المسند، ولا في المتعلقات.
قال البلاغيون: "وقد يكون التعريف بالصلة لتنبيه المخاطب على خطئه كقول الشاعر:"من الكامل"
إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
فقوله: الذين ترونهم إخوانكم، يشير إلى أنكم مخدوعون في هذا الحسبان حيث تظنون أنهم إخوانكم مع أن صدورهم تتوقد حقدا عليكم، ولو قال الشاعر: أن القوم الفلاني يشفي غليل صدورهم، لذهب هذا المعنى.
وقد يكون التعريف بالصلة مشيرا إلى وجه بناء الخبر، وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١، فقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يشير إلى أن الخبر من جنس النكال والعذاب، وهذا واضح، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٢، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
стр. 167
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ١، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
ومثله كثير جدا في كتاب الله حيث نجد المبتدأ يحمل من المعاني ما يهيئ النفس إلى الخبر حتى لتكاد تعرفه قبل النطق به، وهذا لعمرك فن من الكلام جزل دقيق لا يهتدي إليه إلا فطن محدث، ومنه في الشعر قول الفرزدق: "من الكامل"
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
والبيت من قصيدة يفتخر بها الفرزدق على جرير، وقوله: الذي سمك السماء يشير إلى الخبر من نوع الرفعة، والسمو وذلك واضح.
ويفهم من كلام السكاكي أن الصلة قد تكون مشيرة إلى وجه بناء الخبر كما قلنا، وقد تكون هذه الإشارة موحية بتحقيق الخبر حين تكون الصلة كالسبب له أو الدليل عليه.
وعبارته: "وربما جعل ذريعة إلى تحقيق الخبر"، ومثال ذلك قول عبدة بن الطبيب في مفضليته: "من البسيط"
هل حبل خولة بعد الهجر موصول ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول؟
قال:
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول
وكوفة الجند: مدينة بالكوفة، وغالت: أكلت، قوله التي ضربت ...
فيه بيان لهجرتها عن دياره، وأنها ضربت بيتها هناك بعيدا عنه، وهذا يومئ عند السكاكي إلى زوال المحبة، ويبين سببها، أو يقيم على ذلك
стр. 168
الدليل، وتعجبني هنا لفتة الخطيب، ويبدو أنه كان أرق نفسا، وأسلس طبعا من السكاكي، قال الخطيب: والمسند إليه في البيت ليس فيه إيماء إلى وجه بناء الخبر عليه، بل لا يبعد أن يكون فيه إيماء إلى بناء نقيضه عليه، وقد أدرك الخطيب في هذا معنى دقيقا في الغزل هو أن الحرمان من الصاحبة أزكى لجذوة الحب إن كات صادقة، وهذا ما عليه أهل الرأي في الحس والشعور، وقد عبر عنه الشعراء من ذوي الطبع الصادق، قال ابن الدمينة: "من الطويل"
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
ولا يزال الشعراء يعبرون عن هذا المعنى، قال الشاعر القروي الدقيق الحس في قصيدته الحانية: "من الكامل"
لمياء هات العود نبك صبانا ... راح الخريف بوردنا وندانا
لا، لا، أنا وحدي الذي ثكل الصبا ... حاشا لحسنك أن أقول كلانا
يقول فيها:
لكم التمست البرء من داء الهوى ... بالبعد عنك فزدته أزمانا
أتكلف السلوان منك تكلفا ... يدني العذاب ويبعد السلوانا
ويبدو أن عبدة لم يكن صادق الحب حتى يكون شاهدًا في هذا الباب، وقد قال هذا البيت بعد مضي الشباب، وفترة الصبوة، ولم يكن في نفسه الباعث القوي نحو التي ضربت بيتًا مهاجرة، وقد قال بعد البيت المذكور:
فعد عنها ولا تشغلك عن عمل ... إن الصبابة بعد الشيب تضليل
وقد تفيد الصلة معنى التفخيم والتهويل لما فيها من إبهام وغموض، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ١، فالصلة تفيد
стр. 169
أن الذي غشيهم أمر مبهم أمره في الهول والشدة، ومنه قوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ١، أي: تغشاها أمور عظيمة مبهم أمرها في الجلال والكثرة، قال الزمخشري: وقد علم بهذه العبارة أن يغاشها من الخلائق الدالة على عظمة الله، وجلاله أشياء لا يكتنهها النعت، ولا يحيط بها الوصف.
ومنه قول أبي نواس: "من الكامل"
ولقد نهزت مع الغواة، بدلوهم ... وأسمت سرح اللحظ حيث أساموا
وفعلت ما فعل امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام
فقوله: ما فعل امرؤ بشبابه، إشارة إلى أن ما بلغه في اللهو والعبث، والمجون وشيء بالغ في الكثرة، والتنوع مبهم أمره في ذلك.
ومثله قول كثير: "من الطويل"
تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح
فقوله: ما خلفت يشير إلى أنها خلفت ما لا تحيط به عبارة.
وقد أحس البلاغيون بجلال هذه الأساليب الملفعة بالظلال والضباب، والتي لا ينكشف لنا المراد منها انكشافا ضاحيا، ولا يحجب عنها حجبا قاتما، وإنما تتراءى لنا فيها المعاني هاربة في غيم شفيف، أحس البلاغيون بجلال هذه الأساليب التي لها في النفوس سحر وخلابة، ففسروها تفسيرًا نفسيا بديعا.
قال العلوي: "إن النفس إذا وقعت على كلام غير تام بالمقصود منه تشوقت إلى كماله، فلو وقعت على تمام المقصود منه لم يبق لها هناك تشوق أصلا؛ لأن تحصيل الحاصل محال، وإن لم تقف على شيء منه، فلا شوق لها هناك، فأما إذا عرفته من بعض الوجوه دون بعض، فإن القدر المعلوم يحدث شوقا إلى ما ليس بمعلوم".
стр. 170
ومما هو ظاهر في صور الكلام أن طريق التعريف بالموصولية أشيع هذه الطرق، سواء في ذك كلام الله سبحانه وكلام الناس، وذلك؛ لأنه مفرد متضمن جملة، ولذلك يتسع لكثير من أحوال المعارف، تقول مكان: جاءني
زيدج، جاءني الذي تحب لقاءه، أو تكره لقاءه، أو الذي يذكرنا بكذا، وأو يسمعنا كذا إلى آخر الصفات التي يمكن أن تدل على زيد وتعرف به، وذلك بخلاف الضمير، والعلمية والكنى، فإنها محددة جامدة في دلالة واحدة، وهذا
واضح.
стр. 171
اسم الإشارة:
أما تعريفه بالإشارة فقد قالوا: إنه يكون لتمييزه أكمل تمييز، أي أن اسم الإشارة بطبيعة دلالته يحدد المراد منه تحدديا ظاهرًا ويميزه تمييزا كاشفا، وهذا التحديد قد يكون مقصدًا مهما للمتكلم؛ لأنه حين يكون معنيا بالحكم على المسند إليه بخبر ما، فإن تمييز المسند إليه تمييزا واضحا يمنح الخبر مزيدا من القوة والتقرير، انظر إلى قول ابن الرومي في مدح أبي الصقر الشيباني، وهو من شواهد هذا المعنى: "من البسيط"
هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم
تجد الشاعر لما أراد وصف الممدوح بتفرده في المحاسن ذكره باسم الإشارة ليميزه، ويحدده ويقضي له بهذا الوصف بعد هذا التمييز الواضح.
وأبين من ذلك قوله تعالى في شأن الإفك: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ١، قال: هذا ولم يقل هو ليبرزه ويحدده، فيقع الحكم عليه بأنه إفك مبين بعد هذا التمييز والتجسيد، وفي ذلك قدر كبير من قوة الحكم، وصدق اليقين من أنه إفك مبين، ويتكرر هذا الأسلوب بلهجته اللائمة، ويأتي قوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ
стр. 172
سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ١، فتأتي الإشارة قي المرة الثانية لتجسد الحديث الدائر، ويتكرر الإخبار عنه بأنه بهتان عظيم، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ ، تجد اسم الإشارة فيه لا يغني غناءه أن يقول: ما يكون لنا أن نتكلم به؛ لأن في الإشارة معنى أنه لا ينبغي لنا أن نتكلم به، وإن أذاعه المرجفون، وأصبح حديثا ظاهر معلنا؛ لأن قوة إشاعته لا تغير أنه باطل بين.
وقد أحسن الفرزدق استعمال اسم الإشارة في هذا الغرض، أعني في تمييز المشار إليه، وتحديده ليصفه بما شاء من الصفات، وذلك فيما ترويه كتب الأدب من أن رجلا من أهل الشام سأل هشاما بن عبد الملك، عن علي بن الحسين من هو؟، وكان في هيئة ونضارة، فتجاهله هشام خشية أن يفتتن به أهل الشام، فقال الفرزدق: "من البسيط"
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
أين القبائل ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم
تكرر اسم الإشارة في هذه الأبيات كما ترى، والأبيات محتفظة بقوتها وتأثيرها، والتكرار أسلوب حذر كما قدمنا لا يسلم من عثراته إلا صادق الموهبة، واسم الإشارة، كما يقول علي بن عبد العزيز، ضعيف في صنعة
стр. 173
الشعر أي أنه ليس من الكلمات الشعرية لطبيعة دلالته المحددة، والتي لا تنقاد بسهولة للتلوين والتظليل، أقول: إن هذه الأبيات مع هذا، وذاك لها قوتها وتأثيرها، واسم الإشارة في كل موقع من مواقعه يميز المشار إليه أكمل تمييز لتضاف إليه هذه الأوصاف العظام، ويزيد الإشارة هنا قوة أن هشامًا يتجاهله، فكان الشاعر يعارض هذا التجاهل بهذا الفيض من الإشارات التي تؤكد ذيوع مناقبه، ومعالم مآثره، وتأمل قوله: يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم"، فإنه من القول النادر، وقد بلغ فيه الفرزدق غاية ما يبلغه شاعر بكلمة، فركن الخطيم يكاد يقبض على هذه اليد الكريمة شوقا إليه، وتقديرًا لعوارفها فكيف تنكر أو تجهل؟
وتمييز المسند إليه باسم الإشارة ليتقرر الحكم له، من الأساليب الشائعة في الكتاب العزيز، ونعتقد أن الاستشهاد على ذلك تكلف لقوة ظهوره، ولكني أذكر صورة واحدة لتهدي إلى غيرها، أقرأ قول تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ١.
تجد اسم الإشارة يميز في الأولى الذين ثقلت موازينهم ليتقرر الحكم عليهم بأنهم مفلحون، وفي الثانية يميز الذين خفت موازينهم ليتقرر الحكم عليهم بأنهم خسروا أنفسهم، وقد ذكرنا مثل هذا في ذكر المسند إليه، كما أن هذه الآية تصلح شاهدًا لذكر المسند إليه، وقد قلنا هناك: إن المسند إليه كان من الممكن أن يدل الكلام عليه لو حذف، ولكنه ذكر لزيادة التقرير والإيضاح، والذي نقوله في قيمة تعريفه باسم الإشارة لا يخرج عن هذا أي أن ذكره باسم الإشارة ليتقرر الحكم عليه لما في الإشارة من التمييز والوضوح، فالتقرير هناك كان سببه الذكر، والتقرير هنا سببه خصوصية في المذكور، فمثل هذا الأسلوب، ومنه أبيات الفرزدق يبحث فيه عن غرض ذكر المسند إليه،
стр. 174
وكذلك عن غرض تعريفه بالإشارة، ويبقى بعد ذلك بحث عن سر استعمال نوع معين من الإشارة، كالإشارة للقريب في أبيات الفرزدق، وقد يكون هذا السر هو الإشارة للبعيد في الآية الأولى، فواضح أنه السمو فلاحهم، وبعد منازلهم، والإشارة للبعيد في الآية الثانية تفيد بعدهم عن الرشد، ومنازل الفائزين، وهذا يجعلنا نقف قليلًا لنقول: إن معنى البعد والقرب الكامن في أسماء الإشارة معنى طيع خاضع لسياق الكلام ما دام الذي يصوغ الأسلوب من ذوي البصر في رياضة التراكيب، نجد البعد يعطي ألوانا متعددة، وكذلك القرب كما رأيت في الآية والشعر، وتجد مثله كثيرًا، فالفرزدق، حينما يخاطب جريرًا بقوله: "من الطويل"
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
نجد البعد في المسند إليه مشيرًا إلى بعد منزلتهم، من أن يتطاول مثل جرير، فيأتي بمثلهم، وقد رأيت دلالة البعد في الآيتين السابقتين، كما رأيت القرب في أبيات الفرزدق مشيرا إلى مخالطته القلوب، وترى القرب في قول الذهلول بن كعب العنبري أو غيره: وهو من شواهد هذا الباب: "من الطويل"
تقول ودقت نحرهنا بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
ففي الإشارة للقريب معنى الاستخفاف، ودنو المنزلة، وأنه لصيق بالتراب متقاعس يطحن بالرحى كما يفعل من لا بلاء له، ولهذا رد عليها الشاعر مشيرًا إلى منزلته في غير هذا الباب: قال:
فقلت لها لا تعجبي وتبيني ... بلائي إذا التفت علي الفوارس
فأشار إلى منزلته في الموقف الصعب.
وضح لنا إذن أن القرب، والبعد يلقيان ظلالًا مختلفة تحددها سياقات الكلام
стр. 175
ومسالك معانيه، وهذه وتلك حين يجريها بصير بمواقع الكلمة تراها تهز الكلمات هزا يبعث مضمرات دلالاتها، وإدراك ذلك في تحليل الأسلوب عمل دقيق لا يهتدي إليه من يهمل نفسه.
قلت: إن اسم الإشارة كما يدل لفظه يعني غاية الوضوح والتمييز، وقد يكون ذلك في الأشياء المحسوسة كما في الأمثلة السابقة.
وقد يعظم المعنى في نفس المتكلم حتى يخيل إليه أنه صار شيئًا محسا يشار إليه، فيدل عليه باسم الإشارة، وفي هذه المعاني تظهر قيمة أخرى لهذه الخصوصية، فتعطي عطاء جديدًا يثري المعنى، ويخصب التعبير، انظر إلى قول ابن الدمينة يخاطب صاحبته: "من الطويل"
أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك
أبيت كأني بين شقين من عصا ... حذار الردى أو خيفة من زيالك
تعاللت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك
يريد أن يعرف في البيت الأول منزلته عند صاحبته، والعرب تقول في الشيء إذا كان موضع العناية والاهتمام: هو في يمينه أو تلقاه بيمينه، أو أخذه بيمينه، وإذا كان بالضد من ذلك قالوا: صيره في شماله أي أنه لم يحفل به، ولم يجعله موضع العناية، ويصور الشاعر في البيت الثاني قلقه الحذر المشغوف خوفا من فراقها, وشاهدنا في البيت الثالث في قوله: قد ظفرت بذلك، فقد خيل باسم الإشارة أن قتله صار حقيقة مجسدة يشار إليها كما يشار إلى المحسوسات البينة، وفي البعد إشارة إلى أن قتله مما لم يتيسر لمن يبغيه، وأنه أمر بعيد ومع هذا فقد ظفرت به، ولو أن الشاعر قال: قد ظفرت به لما كان التعبير على هذا المستوى من الحسن والقوة؛ لأنه تفوته الإشارة إلى ادعاء ظهور قتله، وأنه مما لم يظفر به من يبتغيه.
قلت: إن إشارة البعد إلى معنى أن قتله لم يتيسر لمن يبتغيه، هو الذي جعل
стр. 176
لقوله: قد ظفرت بذلك معنى، وقد وقف عبد القاهر عند الاستئناف في هذه الجملة، والإشارة فيها وذكر أنه موضع الشاهد، والصنعة والمزية.
وهذا الاستعمال الذي يسجد المعنويات بواسطة هذه الخصوصية كثير جدًّا في الشعر والكلام الجيد، وسوف نشير إلى بعض صوره في القرآن، وهي أيضا كثيرًا جدًّا.
وخذ منها قوله تعالى على لسان المنكرين للبعث: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١.
أشاروا إلى البعث وهو أمر معنوي كما ترى بقولهم: لقد وعدنا نحن، وآباؤنها هذا من قبل، فأفادوا بذلك أن القول بالبعث مما هو شائع في أجيالنا شيوعا كأنه به محدد منظور، ومع ذلك فنحن نرفضه كما رفضه آباؤنا، فكأنهم يوهمون
بذلك أن رفضهم كان بعد بحثه والنظر فيه، وتأمل قولهم بعد ذلك: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ، تجد أنهم ميزوه وأبرزوه مرة ثانية في صورة محسوسة ليتقرر
الحكم عليه في زعمهم أنه أساطير الأولين، ثم إن هذا الحكم بأنه أساطير
الأولين كان كأنه نتيجة بحث ونظر.
وخذ قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٢.
والإشارة تفيد أن تقليب الليل، والنهار عبرة واضحة شاخصة، والبعد يفيد أنها مع وضوحها لا تهتدي بها، ولا تعرج إليها إلا النفوس المهيأة لوعي آيات الله في كونه، الإشارة إذن تضع آيات الله الكبرى في المنظور الحسي، ثم تستحث وعي الإنسان ليستشرفها، وهذا لا يخطئك في كثير من الآيات
стр. 177
الكريمة، وراجع ما ذكرناه في آية الإفك تجد الإشارة أبرزت الأمور المعنوية لقوة شيوعها في صورة محسوسة.
ومن أشهر الأغراض التي يذكرها البلاغيون لتعريف المسند إليه باسم الإشارة، هو أن تذكر أوصافًا عديدة للشيء، ثم تذكره باسم الإشارة جاعلا ما يترتب على تلك الأوصاف مسندا إلى هذا الاسم، واسم الإشارة هذا يفيد أن ما يرد بعده، فالمشار إليه جدير به، اقرأ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١؛ تجد أن الآية الكريمة ذكرت هؤلاء القوم، وعددت بعض أوصافهم التي تجعلهم أهلا للخير الوارد بعد اسم الإشارة، فهم ينقضون عهد الله، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، ومن هذه أوصافه جدير بأن يكون من الخاسرين.
ومثلها قوله تعالى في أوصاف المتقين: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢، وصفهم بالإيمان بالغيب، وهذه أعلى مراتب الإيمان، ثم وصفهم بأنهم يحفظون حق الله فيقيمون الصلاة، كما يحفظون حقوق الفقراء في أموالهم فيؤتون الزكاة، ثم وصفهم بأصالة الخير في معادنهم، فهم يؤمنون بما أنزل على الأنبياء، وهكذا رشحتهم هذه الأوصاف،
وجعلتهم أهلا للفلاح الواقع بعد اسم الإشارة.
ومن شواهد البلاغيين المشهورة في هذه المعنى قول حاتم الطائي:
ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما
стр. 178
إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما
يرى رمحه أو نبله ومجنه ... وذا شطب غضب الضريبة مخدما
وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هيجا وطرفا مسوما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما
فقد وصفت نفسه بأنه أخو هم، وأنه يصارع الأحداث الطاحنة، ويغالب الدهر العنيد القاهر، فلا الأحداث مع عتوها توقف مضيه الجسور، ولا الدهر يجبروته يوهن عزمه الحديد، ثم يذكر أنه فتى طلبات أي صاحب حاجات، وأهداف لا تنقضي عن الشبع، ولا تعبأ بالجوع إنما يكون الشبع مغنما، والجوع ترحة عند ذوي الهمم الدانية، الشاعر يسمو بحاجاته فوق مطالب العيش، ثم يصف نفسه في البيت الثالث بأنه لا يقصد المكرمة المتواضعة إذا لاحت في الأفق كبرى المكارم، وإنما يتيمم كبراهن، وتلك عزمة الروح السامية المستشعرة معنى التعالي والسيادة، وقوله: "تيمم كبراهن ثمت صمما"، أي حدد هدفه، ثم جمع عزمته في تصميم قاطع ساعيا نحو أم الفضائل، وفي البيتين الرابع والخامس يذكر سلاحه، فيعد الرمح والنبل والمجن، والسيف القاطع، والخطوط في متنه، وسرج فرسه المتمكن من ظهره، ثم يضيف إلى ذلك طرفه المسوم، ثم يقول: فذلك أن يهلك فحسنى ثناؤه ... أي صاحب هذه الصفات جدير بأن يكون ذا ذكر حسن إذا مات، وأن يكون منظورًا إليه بالثناء، والهمة إذا عاش.
قال الخطيب معقبا على الأبيات:
"فعد له كما ترى خصالا فاضلة من المضاء على الأحداث مقدما، والصبر على ألم الجوع والأنفة من عد الشبع مغنما، وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله: فذلك، فأفاد أنه جدير باتصافه بما ذكر بعده".
ومن المزايا البارزة لأسماء الإشارة أنها تعين المتكلم على التركيز، والإيجاز
стр. 179
وتفادي التكرار الذي يترهل به الأساليب، ويتثاقل به وثوبها إلى القلوب، فقد تجد الباحث يعرض المسألة بتفاصيلها، ثم يحتاج إلى إضافة قيد، أو ما يشبهه مما يعوزه إلى الإعادة، وحينئذ تسعفه أسماء الإشارة، فيسلك سبيلا غير سبيل التكرار، ولست في حاجة إلى أن أذكر لك شاهدًا على ذلك من الكتب، وانظر إلى اسم الإشارة في قولي على ذلك تجد الشاهد.
ثم إن هذه الطريقة تكثر في كتاب الله، وقد تجد اسم الإشارة في بعض الآيات يلخص، ويطوي صفحة كاملة من الأوامر، والنواهي بل أكثر من صفحة، اقرأ قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ١، واستمر في القراءة حتى آية رقم ٣٩، تجد فيها: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ٢، واسم الإشارة فيها يعود على المذكور، ويطوي هذه الأوامر، النواهي الواقعة بين الآتيتين وهي كثيرة جدًّا، ويهيئ الكلام لوصف تلك الآداب بأنها من الحكمة، في أسلوب موجز كما ترى، ولولا اسم الإشارة، وما تميز به من شمول الدلالة لما أتيح للأسلوب هذا الإيجاز، والتركيز.
وانظر إلى قوله تعالى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا، لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا، قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ ٣.
وصف ما أعده للكافرين وصفا بلغ الغاية في جمال الإشارة والوحي بالمراد، قال في جهنم: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾
стр. 180
فطوى وراء هذه الصورة الكثير من المعاني، ثم قال في الأخرى: إنهم يلقون فيها مكان ضيقا مقرنين، فعرض العذاب والمعذبين في أهوال ما ترى العين، ثم جاء قوله: قل أذلك خير فأحضر الصورة كلها مرة ثانية، وجسدها لتكون في مقابلة الصورة الثانية، صورة الخلد الذي وعده المتقون، اسم الإشارة هنا أعان على الإعادة في كلمة موجزة أبرزت هذه الأحوال، وكأنها أحضرتها من غيب المستقبل البعيد.
وأنبه مرة ثانية إلى أن اسم الإشارة قد يفيد أكثر من معنى في السياق الواحد، وقد يصلح ما قدمناه شاهدًا لأمر غير الذي سقناه فيه، خذ لذلك قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ، تجد اسم الإشارة حدد المسند إليه، وميزه ليوقع الحكم عليه بعد توضيحه وإبرازه، وفي ذلك قدر من قوة الحكم، والعناية به لما قلنا وتجد في البعد معنى الرفعة، وأنها آداب سامية تتألق في معارج الحكمة، وتجد الإشارة صورت المعني في صورة محسوسة.
وخذ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ١، تجد اسم الإشارة يتردد فيه ثلاث مرات، وهو في كل واحدة منها يفيد تمييز المسند إليه أكمل تمييز لمزيد العناية بالحكم الواقع بعده، ثم هو في كل واحدة منها يفيد أن المذكور لاتصافه بالأوصاف السابقة جدير بما يقع بعده، والإضراب في قوله: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ﴾ ، ناظر إلى ما بعده همزة الاستفهام في قوله: