← Баляга

Баляга · id 3334

خصائص التراكيب دارسة تحليلية لمسائل علم المعاني

محمد محمد أبو موسى

Полный текст (350 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفصل الرابع: أحوال المسند ١- حذف المسند . ٢- ذكر المسند. ٣- تعريف المسند. ٤- تقديم المسند. - حذف المسند: وحذف المسند عند قيام القرينة يفيد ثلاث مزايا هامة هي التي ذكرناها في صدر الحيدث عن حذف المسند إليه، أعني وجازة العبارة وامتلاءها، ثم ترويقها وتصفيتها وصيانتها، ثم بناءها على إثارة الحس، والفكر حين تعول على النفس، والخيال في ملء جزء المعنى الذي لم يذكر لفظ دال عليه. وبعد هذه المزايا العامة للحذف يبدو وراء كل تعبير سر خاص به. ولا نستطيع أن نحدد أسرار الحذف في المسند كما نبهنا؛ لأن هذه الخصائص مظاهر لاختلاف المقامات والأحوال، ووظيفتها في الكلام هي جعله مطابقا المراد المتكلم وافيا بغرضه مبينا عن نفسه. ومقامات الكلام متفاوتة تفاوتا يفوق الحصر، والأغراض تعدد بتعدد ما يعتور النفس من أفكار وأحوال. قلت: هذا وأكرره ليتبين أن كل ما أذكره في هذه الدراسة ليس إلا أنماطا أوردتها على سبيل المثال لنهتدي بها في دراسة الأساليب، وتفهم أسرارها. خذ في المسند قول ضابئ بن الحارث البرجمي: "من الطويل" فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب وما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحا ولا عن ريثهن يخيب

стр. 247

ورب أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب وواضح من هذا النغم الرزين أن الشاعر يسيطر سيطرة مقتدرة على انفعالات جائشة قوية، يمكن أن تسمع ضجتها وراء تلك الرنة الرزينة. وشاهدنا قوله: فإني وقيار بها لغريب. فقد أراد أن يصف إحساسه بالغربة والوحشة، فذكر أن هذه الغربة الكئيبة قد أحسها بعيره كما أحسها هو، وأصل الكلام أن يقول: فإني لغريب بها وقيار غريب، ولكنه حذف المسند في الجملة الثانية؛ لأن ذكره في العبارة بعد دلالة القرينة عليه عبث يذهب بطلاوة الشعر؛ ولأن نفسه الضائقة بهذه الغربة تنزع إلى اللمح والإيجاز، وقيار اسم جمل الشاعر. وفي البيت صنعة أخرى شريفة؛ لأنه لم يقل بعد الحذف: فإني لغريب بها وقيار، وإنما قال: فإني وقيار بها لغريب، فقدم قيارًا على بقية الجملة، وأقحمه بين جزئيها، وذلك لقصد التسوية بينهما في التحسر على الاغتراب، ويفسر لنا العلامة سعد الدين هذا السر الرائع، فيقول: "إنه لو قيل: إني لغريب وقيار لجاز أن يتوهم أن له مزية على قيار في التأثر بالغربة؛ لأن ثبوت الحكم أولا أقوى، فقدمه لتأتي الإخبار عنهما دفعة بحسب الظاهر تنبيها على أن قيارا مع أنه ليس من ذوي العقول قد ساوى العقلاء في استحقاقه الإخبار عنه بالاغتراب قصدا إلى التحسر"، هذا تحليل العلامة سعد الدين، وهو واحد من أركان علم الكلام، وهو في البلاغة يتذوق ويحلل. وكان من خبر هذه الأبيات أن صاحبها ضابئ بن الحارث استعار كلبا من بني نهشل، وأطال مكثه عنده، وطلبوه فامتنع فلما عرضوا له، وأخذوه منه

стр. 248

هجاهم ورمى أمهم به، فحبسه عثمان بن عفان ﵁، وكان ضابئ شجاعا متهورا فيه طيش، هم بقتل عثمان لما حبسه، ولكنه لم يفعل وندم على أنه لم يفعل قال: "من الطويل" هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله ومع حبي الشديد لذي النورين ﵁، ومقتي الشديد لمن تطاولوا عليه، فإني أحب هذه الصنعة اللطيفة البارعة في هذا البيت، وهذا اللمح السريع، والتقسيم الممتاز في قوله: هممت ولم أفعل، وكدت وليتني. وأظن أن القارئ الجيد الذي يستشعر معنى الشعر لا بد له أن يقف قليلا بعد النطق بهممت ليدرك المدى الذي وصل إليه هم الشاعر، ثم يقف قليلا بعد: "ولم أفعل"، ليدرك مدى إحساسه بالندم الذي أفرغه في هذه الكلمة -لم أفعل- ثم ينطق وكدت نطقا منفردا غير موصول بما قبله، ولا بما بعده ليلمح ضراعة الأمل الذي يداعب خيال ضابئ، وهو يشارف الفعل ويدنو من الغاية، ثم عليه أن يقرأ بقية البيت في نفس واحد يطول طول ندم الشاعر على تولي تمنيه ... أرأيت أننا في الشعر نقف عند صنعته، وبراعته وتثقيفه، وإتقانه، مع أنه يعبر عن خاطر أسود نكرهه ونمقته، وهكذا كان علماؤنا ومنهم المفسرون والمحدثون، والفقهاء وهم جميعا أهل عبادة، وأصحاب أوراد. ويذكر البلاغيون قول امرئ القيس: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف مثالا لحذف المسند من الجملة الأولى لدلالة الثانية عليه، إذ أصل الكلام نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض، وليس للحذف هنا فضيلة، فوق فضيلة الاختصار. ومما لوحظ في بنائه خصوصية التقديم ليفيد معنى الاهتمام بالمقدر، ويؤكد

стр. 249

التسوية في معنى المسند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ١، الأصل: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وقدم رسوله على المسند المذكور ليفيد أهمية إرضاء رسول الله ﷺ ، خشية أن تنصرف النفوس إلى إرضاء الله تتوانى في شيء من أمر رسول الله ﷺ ، فنبه بهذا التقديم على أهمية إرضاء رسول الله، وأنه من الله بمكان. ومثله وعلى طريقته قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ٢، قدم ﴿الصَّابِئُونَ﴾ على خبر إن وهو مبتدأ، أي: الصبائون كذلك وذلك؛ لأن الصابئين أشد هذه الفرق، ويظن أنهم لا يستوون مع غيرهم، فأقحم للدالة على التساوي كما في الشواهد التي مضت. وقد ترى سر التأثر، ومرجع المزية في حذف المسند كامنا في تكاثر المعنى نظرالكثرة الوجوه التي تصلح لتقدير المحذوف، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ٣، فقوله: فأن لله خمسة مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير فحق، أو فواجب أو فثابت، قال الزمخشري: "كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه لا سبيل إلا الخلال به، والتفريط فيه من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم، وما أشبه ذلك كان أقوى للإيجاب من النص على واحد. وقد يشعر حذف المسند بتركه وازدرائه، والضن عليه بالذكر في مقابلة المسند إليه، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ٤، فإن ذلك الموصول مبتدأ، وخبره محذوف تقديره كما ليس كذلك، والقائم على كل نفس هو الله سبحانه أي متول أمر كل نفس حافظ

стр. 250

شأنها حفظ القائم يحرسه، ويصونه وهو تعبير جيد، ومثله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ ١، أي هي قائمة على أمر كتابها تحفظ شرائعه وحدوه، وكأنها في ذلك كالشخص القائم المنتصب اليقظ على الشيء يحرسه، ويصونه والمحذوف الذي هو كمن ليس كذلك هو المعبود بالباطل، وفي حذفه إشعار إهماله وازدرائه، والضن به على أن يذكر في مقابلة الحق ﷻ . ومثل هذا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ٢، أي: أهذا خير أم من جعل صدره ضيقا حرجًا، فحذف الثاني ليفيد الحذف إهماله، وانظر قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ، فإنها كلمة لا تجد لحسنها نهاية، وصاحبها لا يمشي على طريق منير فحسب، وإنما يمشي على نور، وهو نور يملأ القلب، ويتوهج في الضمير؛ لأنه نور من ربه، ولعل في الحذف هنا سرا آخر هو الرغبة في أن ينصرف الذهن إلى هذه الصورة ليمتلئ القلب بها، ولتبقى وحدها في التعبير لا تنازعها أخرى، ومثلها قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ٣، أي كمن ليس كذلك. ومن حذف المسند قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤، وأي: كمن ينعم في الجنة. والحذف هنا مشعر بتعظيم المحذوف، وأنه أكرم على الله من أن يذكر في مقابلة هذا الشقي، وفيه أيضًا القصد إلى أن يتجه الهم كله إلى المذكور الذي يتقي بوجهه سوء العذاب ليمتلئ القلب بصورته، وهو في النار فزع طائش لا يدري كيف يدرأ العذاب عن نفسه، فهو يتقي بوجهه، والوجه تسوءه النار، والذي فيه نبضة من نفس، وعقل يتقي وجهه من النار، ولا يتقي بوجهه النار.

стр. 251

ولكن المذكور قد طاشت نفسه، وأفرغ لبه من هول ما يرى، فهو متخبط واله، ثم إن في ذكر الوجه هنا إشعارًا بإهانة هذه الوجوه، وذهاب أقدارها، فالوجه فيه معنى الشرف، والتقدم، ويقولون: هم وجوه يريدون بذلك السؤدد، والوجه فيه الجبين وهو متعلق المدح، ويقولون: وضاح الجبين، وكأن الثريا علقت بجبينه، وفيه العرنين والشمم، وهم يقولون: "شامخ أشم"، و"هم من العرانين والذرى"، ويريدون بذلك عظمة النفس، وعزة الضمير، وإذا كان المذكور يتقي العذاب بوجهه، فهو وجه مبتذل مهين، والمقام مقام تخويف، وترهيب، وصورة اتقاء النار بالوجه من أبلغ ما يؤثر في النفس حين تحسن تصورها، وتدبر القرآن معناه أن تجعل الصورة المضمنة في كل كلمة كأنها انخلعت من الكلمة، وصارت شاخصة بين عينيك، وهكذا كان يسمعه رسول الله ﷺ ، وأصحابه رضوان الله عليهم، وهذا معنى أنهم إذا مرت بهم آية عذاب كانوا كأنهم رأوا النار، وسمعوا شهيقها وإذا مرت بهم آية نعيم رأوا الجنة ووجدوا ريحها، وهذا ما يسعى إليه الدرس البلاغي ليس في القرآن فحسب، وإنما في كل كلام صقله قائله، وهذبه ونقحه، وراجعه. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ ١، أي: كمن لم يزين له سوء عمله، وهو شبيه بما تقدم، وقال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ ، ولم يقل: أفمن ضل ليذيع جعله وبلادة نفسه، فهو لا يميز بين الأشياء الواضح تباينها، بل إن يرى السوء حسنا، فقد فسد طبعه المميز بين الحسن والقبح، فلا عجب إذا استحب العمى على الهدى. وهذا ما تراه حولك حين تجد ناسا كأنهم نذروا أعمارهم للقبيح وعاشوا له. ومن أحسن مواقع الحذف ما ترى الجملة فيه بقيت على كلمة واحدة، وقد يكون ذلك في سياق قوي مجلجل، فيزداد حسن هذا الحذف، انظر إلى قوله

стр. 252

-تعالى- في حكاية فرعون مع السحرة الذين آمنوا برب موسى وهارون، قال فرعون لهم: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ ١، فأجابوه بعد ما سمعوا قعقعة هذا الوعيد بقولهم: لا ضير -وأرادوا لا ضير علينا في قتلك، وحذفوا ليبقى الجواب كلمة واحدة نافذة كالسهم يصمي نفاجة فرعون وحمقه، ويرد عليه إرعاده وإبراقه. ومثله قوله -تعالى- في وصف الاضطراب، والفزع وقت البعث وقيام الساعة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ ٢، أي: فلا فوت لهم أي لا يفوتون الله، ولا يسبقون يد القدر، فحذف المسند وبقيت كلمة واحدة، وسياق السرعة الفائقة والحركات المتلاحقة جعل حسن الحذف لا يتناهى، وقد بني هذا التعبير على التركيز الشديد، وكأن كل كلمة فيه جمع هائل في هذا الحشد الذي ضم أطراف البشرية كلها من لدن آدم ﵇ إلى آخر نفس تموت، وحذف الجواب يؤذن بمزيد من صور الهول التي لا تتناهى، ولا تنضبط ولا يصفها أبلغ بيان. وقلت لك: إني لم أجد هذه الصور المتزاحمة بالخلق في كلام من نزل فيهم القرآن. وقد يكون حذف المسند مظهرًا لأناقة العبارة، وقوة لمح المتكلم وحسن اقتداره، ومنه قول النبي ﷺ للمهاجرين، وقد شكروا عنده الأنصار: "أليس قد عرفتهم أن ذلك لهم"؟ قالوا: بلى. قال: "فإن ذلك"، ويريد فإنك ذلك مكافأة لهم، ومنه قول عمر بن عبد العزيز لرجل من قريش جاء يكلمه في حاجة له، فجعل يمت بقرابته فقال عمر: فإن ذلك، ثم ذكر الرجل حاجته

стр. 253

فقال عمر: لعل ذلك، والأصل فإن ذلك لك، أي: أن صلتك بنا وقرابتك لنا مسلمة لك لا نأباها ولا نماري فيها، وكذلك قوله: لعل ذلك أي لعل هذه الحاجة تسير لك وتقضي. وقد جرت الأساليب على إسقاط المسند في مواضع ذكرها النحاة، مثل القسم الصريح، وبعد لولا، والحال الممتنع كونها خبرًا، وبعد واو المصاحبة الصريحة، وبعد إذا الفجائية، والحذف في هذه الصور يرجع حسنه إلى امتلاء العبارة، وقوة دلالتها. انظر إلى قول عمر لما هم بأن يرجم حاملا حين زنت، فقال له على ﵁: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها، فكف عمر عن الفعل، وقال: لولا علي لهلك عمر، انظر إلى حسن العبارة، ووجازتها لما وقعت في سياق مليء، ولهذا لا نمضي مع القول بأن هذه دراسة نحوية، وليس فيها تصرف يدخلها في باب الدراسة البلاغية التي تعتمد على الاختيار بين الممكنات من الأساليب، وانتخاب أفضلها، وكيف يستساغ القول بأنه لا بلاغة فيما لا يجوز سواه؟ بل إني أظن أنا ما لا يجوز سواه هو الأولى بالدراسة، والنظر المتذوق؛ لأنه لم يتعين إلا لحسن فيه يغري بتفرده في الاستعمال، ولا أظنك تغغل عن رشاقة هذه الجمل التي سوقها النحاة في باب الخبر من مثل قولهم: لعمرك لأفعلن، وضربي زيدا قائما، وكل رجل وضيعته، نعم إنها جمل حلوة تلفت النفس بوجازتها، وإن كانت مقتطعة، أو خالية من السياق الذي يضفي على العبارات مزيدا من الحياة والقوة، وقد ألفنا أن نسمعها، ونحن نتعلم صنعة الإعراب، فلم نلتفت إلى ما بنيت عليه من صنعة بلاغية، وواضح أن قول عمر: لولا علي لهلك عمر، في سياق القصة التي ذكرنها يختلف اختلافًا بينا عن قول النحاة: لولا علي لهلك عمر، وهكذا مستقلا وحده، وكأنه يمعنى معلق في الهواء، الجمل التي يذكرها النحاة، والتي قدمناها جمل عذبه، وإن كان طريقها متعينا؛ لأن المتكلم لا يستطيع أن يقول: لعمرك يميني لأفعلن، ولا أن يقول: ضربي زيدا حاصل إذا كان

стр. 254

قائمًا، ولا أن يقول: كل رجل وشيعته مقترنان، هذا مخالف لمألوف زكاء العربية؛ لأن العربي لا ينطق بما دل عليه الدليل الظاهر، العربي لا يقول: لولا علي موجود لهلك عمر، ولو نزعت لسانه من بين فكيه؛ لأن هذا ليس من لغته وكذلك لا يقول: لعمرك يمينى لأفعلن ولا يقول: لو شئت أن أفعل هذا لفعلته؛ لأن هذا يناقض طبعه وطبع لغته التي هي طبعه لهذا كان الإيجاز في طبع بلاغة العربية، وداخل في أصل هذه التراكيب، وكأنها عجنت منه. انظر إلى: ضربي زيدا قائما تجده ينطوي على دقة عجيبة في التأليف لا يهتدي إليها إلا عارف بطبائع العلاقات في الجمل، فهو مثال يتكون من كلمات ثلاث تطوي وراءها كلمات أربع، إذ الأصل ضربي زيدا حاصل إذا كان زيد قائما، فالمحذوف أكثر من المذكور، وهذا المحذوف أشار إليه بتصرف قريب، ودقيق هو تنكير "قائما"؛ لأنه بذلك منع أن يكون وصفا لزيد، وبذلك يتعين أن يكون بقية جملة أخرى، وقوله: ضربي زيدا جزء جملة يتعين أن يكون له ما يتممه، فتحصل أن صدر هذا المثال اقتضى محذوفا يكون هذا المحذوف تماما له: وعجزه اقتضى محذوفا يكون هذا المحذوف ابتداء له، مع ضرورة أن يكون بين هذه المحذوفات ما يربط الجملتين رباطا صح معه هذا التلاؤم الذي تراه بين الجزئين المذكورين. أرأيت دقة الصنعة، ودقة رصف الكلام، وتشابكه وتعاونه. ومما ترى الحذف فيه يفيد العبارة قوة وامتلاء، ما ذكره سيبويه في الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها عمل الأفعال، وهي: إن، ولكن، وليت، ولعل، وكأن. فقد ذكر أن هذه الحروف يحسن السكوت عليها مع إضمار خبرها وعبارته: "باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف الخمسة لإضمارك ما يكون مستقرا لها، وموضعا لو أظهرته"، ثم مثل بقولهم: إن مالا وإن ولدا وإن عددا أي إن لنا أو لهم مالا، وإن لنا أولهم ولدا، وإن لنا أو لهم عددا، وذكر قول الأعشى: "من المنسرح"

стр. 255

إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر ما مضوا مهلا والأصل إن لنا محلا وإن لنا مرتحلا، قال الشنتمري في كتابه تحصيل عين الذهب: الشاهد فيه حذف خبر إن لعلم السامع، والمعنى إنا لنا محلا في الدنيا ومرتحلا عنها إلى الآخرة، وأراد بالسفر من رحل من الدنيا، فيقول في رحيل من رحل ومضى: مهل، أي لا يرجع، ويذكر سيبويه في هذا الباب قول الشاعر: ليست أيام الصبا رواجعا والأصل: ليت لنا أيام الصبا، أو ليت أيام الصبا أقبلت رواجعا، والمهم أن الخبر محذوف في الحالين، ويذكر قولهم: إن غيرها إبلا وشاء، أي: إن لنا غيرها، وانتصب إبل، وشاء على التمييز. وعبارة سيبويه في هذا البحث لا ترشد إلى أن الحذف هنا جائز فحسب، وإنما ترشد إلى أنه باب من أبواب الحسن، ولعله يقصد ما نزعمه سببا في بلاغة هذه الأساليب من وجازة الجمل، ونقائها ودلالتها على قوة نفس منشئها، وامتلاء حسه، وأظن أنه لا يخطئنا ما وراء قول القائل: إن مالا وإن ولدا وإن عددا من اعتداد واعتزاز، وقوة لا تكون على هذه الدرجة لو قال: إنا لنا مالا وإن لنا ولدا إلى آخره؛ لأن استرخاء العبارة حينئذ يوحي بفتور الشعور بالمعنى، وأظن أنه لا يخطئنا أيضا أن الأعشى يصف السرعة الخاطفة في الحلول والارتحال، وكأن هذه السرعة التي يحسها بزوال الدنيا انعكست على عبارته، فطوى فيها كثيرا من الكلمات؛ لأن سياق المعنى في اليبت طي وإضمار وابتلاع: حلول يخطفه الارتحال، وارتحال دائم إلى بطن الغيب، وسفر لا أوبة لهم. قال عبد القاهر، وهو يتحدث عن مزايا إن في الأسلوب: "ومنها أنها حين تقع في الجملة قد تغني عن الخبر في بعض الكلام"، ثم ذكر كلام سيبويه، ثم قال: "فقد أراك في هذا كله أن الخبر محذوف، وقد نرى حسن الكلام

стр. 256

وصحته مع حذفه وترك النطق به، ثم إنك إن عمدت إلى إن فأسقطتها، وجدت الذي كان حسن من حذف الخبر لا يحسن أو لا يسوغ، فلو قلت: مال وعدد ومرتحل، وغيرها إبلا وشاء لم يكن شيئا"، ثم ذكر سر هذا الحذف مع إن وفساده بدونها بقوله: "وذلك أن إن كانت السبب في أن حسن حذف الذي حذف من الخبر، وأنها حاضنته والمترجم عنه، والمتكفل بشأنه"، وافهم منه أن إن تفيد في لسان القوم توكيد النسبة، فهي لا تدخل إلا على جملة مكونة من مسند ومسند إليه، فإذا حذف المسند فهي دالة عليه؛ لأنه لا يتصور كلام منها ومن اسم واحد، أي لا يصح قوله: إن إبلا بدون تقدير، وهذا معنى أنها حاضنته ومتكفلة به، فإذا سقطت إن من الكلام وقلنا: إبل أو غنم، احتمل أن يكون مرادنا هو اللفظ المفرد إذ ليس هناك ما يوجب التقدير، وتأمل كلمة حاضنته، وإنها من الكلام الذي تجد فيه لألفاظ اللغة حيوات كحيوات البشر. وقد يجي الكلام على الحذف، ثم تراه يحتمل تقدير أن يكون المذكور هو المسند والمحذوف المسند إليه، والعكس. ومن هذه الصورة قوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ١، قالوا: قد يكون المحذوف مسندا إليه، والتقدير أمري صبر جميل، وقد يكون المحذوف مسندا، والتقدير فصبر جميل أجمل، وقد رجح الوجه الأول بمرجحات ذكرها سعد الدين في المطول منها أن حذف المسند إليه أكثر وقوعا في كلامهم من حذف المسند، فحمل الآية عليه أولى، ومنها: أن سوق الكلام للمدح بحصول الصبر ليعقوب ﵇، وحين يكون المحذوف هو المسند إليه، والتقدير أمري صبر جميل يكون هذا الكلام دالا على حصول الصبر له ﵇، أما تقدير أن يكون المحذوف مسندا

стр. 257

والأصل فصبر جميل أجمل، فليس فيه ما يدل دلالة مباشرة على حصول الصبر لسيدنا يعقوب ﵇. ومن هذه الصور قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ ١، يحتمل أن يكون المحذوف هو المسند إليه، والتقدير هذه سورة أنزلناها، ويحتمل أن يكون المحذوف مسندًا والتقدير: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها. وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ٢ يحتمل أن يكون التقدير طاعتكم طاعة معروفة؛ لأن الخطاب للمنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، أو أمركم والذي يطلب منكم طاعة معروفة كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم، وقلوبكم على خلافها، والمحذوف في كل هذا هو المسند إليه، وقد قوي ابن جني هذا التقدير بما أنشده لابن أبي ربيعة من قوله: "من الطويل" فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كانت قد كلفت ما لم أعود فقد جاء الأسلوب فيه على ذكر المحذوف، وهو فيه مبتدأ كما ترى. ويحتمل أن يكون المحذوف هو المسند، والتقدير طاعة معروفة أولى بكم، وهذا النوع من التراكيب يذكر له البلاغيون فضيلة زائدة على الصور التي يتحدى فيها نوع المحذوف، هذه الفضيلة هي تكثير الفائدة؛ لأن الكلام الذي يحتمل وجهين يكون أوفر معنى وأغزر دلالة، ووفرة التأويلات من فضائل الكلام الجيد. ومن أخصب وأدق ما نوقش في هذا الباب الذي يحتمل الحذف فيه وجهين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ ٣.

стр. 258

فإنه يجوز في الآية الكريمة أن يكون المحذوف هو المسند، والتقدير لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة، وتكون الجملة مكونة من مبتدأ هو آلهة، وصفة هي قوله ثلاثة، وخبر مقدم لنا أو في الوجود، ثم حذف الخبر، وحذفه مطرد في كل ما معناه التوحيد مثل: لا إله إلا الله، أي: لا إله موجود إلا الله، ثم حذف الموصوف وهو آلهة، وحذف الموصوف واقع في كلامهم، فصار ولا تقولوا ثلاثة ... ويحتمل أن يكون من حذف المسند إليه والتقدير، ولا تقولوا: الله والمسيح وأمه ثلاثة، أي لا تعبدوهم كما تعبدون الله، ولا تسووا بينهم في الصفة والرتبة، وذلك من قولهم: إذا أرادوا التسوية بين اثنين هما اثنان أي متساويان في الرتبة، وإذا أرادوا إلحاق واحد باثنين قالوا: هم ثلاثة.. وقد قيل: إن التقدير في الآية، ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة ... وهو قول فاسد، وفيه خطأ كبير. وبيان ذلك أنك إذا سلطت النفي على الجملة لا يتوجه النفي إلى أحد طرفيها، وإنما يتوجه إلى الحكم القائم بين الطرفين، وهذه قضية ثابتة، فإذا قلت: ليس زيد بمنطلق فأنت لم تنف زيدا، ولم توجب عدمه، وإنما تنفي إثبات معنى الانطلاق لزيد، وإذا قلت: ليس زيد النحوي عاقلا، فأنت لم تنف عن زيد كونه نحويا، وإنما نفيت عنه كونه عاقلا، وإذا قلت: ليس أمراؤنا ثلاثة، فأنت لم تنف أن لنا أمراء بل توجب ذلك، وتثبته وإنما تنفي أن تكون عدتهم ثلاثة، فإذا قلت: ليست آلهتنا ثلاثة، فأنت لم تنف وجود الآلهة بل توج بذلك وتقرره، وإنما تنفي أن تكون عدتهم ثلاثة، وهذا واضح، وفيه ما ترى. أما قولنا: ليس لنا آلهة ثلاثة أو ليس في الوجود آلهة ثلاثة، فإنه نفي، لأن تكون لنا آلهة أو في الوجود آلهة، ولذلك لا يصح في مثله أن نقوله: ليس لنا أمراء ثلاثة، وإنما هم أربعة أو هم اثنان، هذه إحالة، وهو بخلاف قولك:

стр. 259

ليس أمراؤنا ثلاثة، وإنما هم أربعة أو اثنان، وهذا كلام صحيح، فتأمل ذلك، فإنه ملخص من كلام شريف في دلائل الإعجاز. وإذا أحسنت التدبر، والقياس علمت بعد الذي ذكرناه وجه الفساد في قولهم في قراءة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ١، بحذف تنوين عزير: إنه جاء على حذف المسند، والتقدير عزير ابن الله معبودنا، وذلك من حيث أفادت العبارة إثبات المسند إليه -عزير ابن الله- وخروجه من حد النفي -كما يخرج زيد النحوي من حيز النفي في قولنا: ليس زيد النحوي عاقلا، وإنما يتسلط النفي في ذلك كله على النسبة والحكم، ومثله أنك تقول: ليس زيد بن علي حاضرًا، فتنفي حضوره فقط، ولا تنفي كونه ابن علي بل تعترف بذلك. وكذلك الحال في الآية؛ لأن قوله: ابن الله صفة لعزير، وحذف التنوين من عزير كما يحذف من زيد في قولك: زيد بن علي فالإنكار لا يتجه إلى الصفة في الآية، وإنما يتجه إلى الخبر، هذا ما قالوه وهو فاسد، وفيه ما ترى. والوجه في الآية أن يكون التنوين مرادًا، وإنما حذف لالتقاء الساكنين كقراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٢، بحذف التنوين من أحد، وقول أبي الأسود الدؤلي: "من المتقارب" فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا بحذف تنوين ذاكر، فأصل عزير ابن الله بدون تنوين هو عزير ابن الله بالتنوين، ثم حذف بدل الحركة التي يختلسها اللسان، والتي تشعر بها حين تسمع نفسك، وأنت تنطق عزير ابن الله بالتنوين تجد كسرة خاطفة على نون التنوين يختلسها اللسان اختلاسا؛ لينتقل إلى نطق الباء الساكنة من ابن، وهكذا في أكثر كلامهم يحركون التنوين هذه الحركة الخافتة جدا تفاديا لالتقاء الساكنين، وأحيانا يحذفون هذا التنوين كما أشرنا.

стр. 260

والخلاصة أن جملة عزير ابن الله من غير تنوين جملة مكونة من مبتدأ، وخبر ولا حاجة فيها إلى الحذف ... وقد يبنى الكلام على حذف المسند إليه والمسند، ويكون التركيب حينئذ أكثر امتلاء، وأكثر إصابة حين يصدر عن طبع موات، وفطرة قوية غير متكلفة ومن ذلك قولهم: "أهلك والليل"، يريدون الحق أهلك، وبادر الليل أن يحول بينك وبينهم، وأظن أنه لا يخطئك أن تدرك الملاءمة الواضحة، والفرق بين إيجاز هذا التعبير، ومدلوله كأن المتكلم يحرص على أن يقذف إليه الخبر بسرعة حتى يبادر باللحاق بأهله أن يدركه الليل، ومن لطيف ذلك، ونادره قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا، إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١، وأراد بطغواها بطغيانها، ولكنهم يقبلون ألف فعلى واوا للفرق بين الاسم والصفة، وأشقاها هو قدار بن سالف أحيمر ثمود، وكان أشأم على قومه من ناقة البسوس، وأبشع جناية عليهم من براقش، وكم تعاني الأمم من مثله. والمهم هو قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ، أراد: ذروا ناقة الله واحذروا عقرها، وحسن الحذف هنا ليس له نهاية، وكان صالحهم صلوات الله وسلامه عليه مرجوا فيهم، رحيما بهم، يخاف أن يمسهم من ربهم عذاب، فصاح بهم محذرًا ملهوفا: ناقة الله وسقياها، ولو قال: ذروا ناقة الله وذكر الفعل، والفاعل أي المسند والمسند إليه لذهب بكل ما يدل عليه الحذف هنا من لهفة نفسه، وشدة حرصه على نجاة قومه، واندفاعه السريع نحو دفع الخطيئة الموبقة لهم، وقد تفسر جمال الحذف في أساليب التحذير، والإغراء بما يشبه هذا الذي ذكرناه.

стр. 261

ومن جيد ما يجيء على حذف المسند، والمسند إليه ما يقع في كلامهم من إقامة المصدر مقام الفعل كقوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ١، أي فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وفاعله، وأفاد هذا الحذف العبارة قوة، ونفاذًا ترى اللفظ فيه قد لاءم سياقه أحسن ملاءمة سرعة ومضاء، فالضرب المأمور به هو الضرب السريع الخاطف فور اللقاء. ومن هذا حذف القول وفاعله، وهو كثير في كتاب الله وله مواقع شريفة، من ذلك قوله تعالى في وصف هذا المشهد الهائل من مشاهد الحشر: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ ٢، والشاهد قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ ، وأصله: فيقال لهم لقد جئتمونا ومزية هذا الحذف في بناء الكلام بعده على أسلوب الالتفات، وهو أسلوب له خطره في التصوير، والتأثير كما أشرنا، ألا ترى أن المولى كأنه بعد ما عرضوا هذا العرض المستسلم في هذا السياق المفزع حيث التجلي الأعظم لقدرة ذي البطش، فالجبال الرواسي تسير في الجو هباء منثورًا، والأرض عارية ذهب كل من يسترها من إنسان وحيوان، ونبات أقول ترى المولى بعد ما عرضهم العرض المستسلم كأنه يتجه إليهم معنفا أشد تعنيف: لقد جئتمونا كما خلقناكم وكنتم تكذبون، وتقولون ذلك رجع بعيد، وتزعمون ألن نجعل لكم موعدًا، هذا المعنى الذي جاء على طريقة الالتفات التي هيأ لها الحذف هو فيصل القضاء في هذا الموقف؛ لأنه متعلق التصديق، والتكذيب في رسالات السماء. ومثله وعلى طريقته قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ٣، والكلام على الحذف كما قالوا في سابقه، أي فيقال لهم: أذهبتم، والعرض هنا غير العرض في الآية السابقة،

стр. 262

فالعرض هناك عرض في الحشر، والعرض هنا عرض على النار أي تعذيب بها وإحراق، والعبارة عن التعذيب بقوله: يعرض الذين كفروا على النار، فيها مزيد من السخرية فالقوم متاع للنار يقدم إليها، ويعرض عليها، فهم مددها وحطبها، والمهم أن الاتجاه إليهم ويعرض عليها، فهم مددها وحطبها، والمهم أن الاتجاه إليهم بالخطاب، وهم في هذا العرض الكارب، وتذكيرهم بما أوبقهم من حب العاجلة له في صرف النفس عن ملذات الدنيا الصارفة عن طيبات الآخرة أثر بالغ. ومن جديد ذلك قوله -تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ ١. وفي حذف القول وفاعله، والاتجاه بالخطاب إليه مباشرة -كما قالوا- مزيد عناية بأمر التوحيد، وكأنه قال: إياك وهذه، وقوله: وإن جاهداك، تعبير له مغزى جليل، أي لا تفعل ذلك أبدًا وإن حملاك، وبلغا منك الجهد في ذلك. ومما جاء فيه حذف الفعل، والفاعل في غير باب القول قوله ﷺ في حديث جابر: "ما تزوجت"؟ قال: ثيبا ... فقال: "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك"٢، يريد: فهلا تزوجت جارية فحذف الفعل، وفاعله لدلالة الكلام، ولهذا الحذف فضيلة الإيجاز الذي طبع عليه بيان النبوة، وسياقه لا يقتضي أكثر من أن يرمي الرسول ﷺ بهذه الكلمة الموجزة.

стр. 263

ذكر المسند: قال البلاغيون: إن المسند يذكر في الكلام لكون ذكره هوالأصل، وليس في الكلام ما يقتضي العدول عنه، وذلك كقولك ابتداء: زيد صالح فتذكر المسند؛ لأنه ليس في الكلام ما يدعو إلى حذفه، وملاحظة مقتضى المقام هنا هي المزية البلاغية. قالوا: ويذكر للاحتياط لضعف التعويل على القرينة، أي أن في الكلام قرينة تدل على المذحوف لو حذف، إلا أنه ليس لها من القوة، والإيضاح ما يلهم السامع المعنى، ويضعه من أول الأمر بين عينيه، وذلك كقولك لمن سأل: من أكرم العرب وأشجعهم في الجاهلية؟ تقول في جوابه: عنترة أشجع العرب وحاتم أجودهم، فتذكر أشجع وأجود خشية أن يلتبس على السامع إذا قلت: عنترة وحاتم من غير أن تعين صفة كل واحد منهم، فلا يدري أيهم الأشجع والأجود، وقد ذكر العلامة سعد الدين مثالًا لهذا الغرض، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ١، حيث ذكر المسند في قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ مع دلالة السؤال عليه احتياطا لضعف التعويل على القرينة. ورد هذا بالآية الأخرى التي قال فيها: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ﴾ ٢؛ لأن السؤال هنا مثل السؤال هناك، والمسئول هنا هو المسئول هناك، فكيف يضعف التعويل على القرينة في أحدهما دون الآخر، والأولى أن يكون ذكر المسند هنا لزيادة التقرير والإيضاح، وسوف نتحدث عن هذا الغرض إن شاء الله.

стр. 264

وقد يذكر للعريض بغباوة السامع كقوله تعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ١، وذلك في جواب قولهم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ٢، فلو قال: بل هذا، لكان المسند مفهوما لدلالة السؤال الصريح عليه إلا أنه ﵇ عدل عن الحذف؛ لأن في الحذف تعويلًا على ذكاء المخاطب وتنويها بفهمه، ألا ترى أن المولى إذا خاطب العرب، والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطا -هكذا قال أبو هلال- ومثله قولك: محمد نبينا، في جواب من قال: من نبيكم؟ فتذكر المسند ولو حذفته لدل عليه السؤال دلالة واضحة، ولكنك ذكرته تعريضا بالسامع، فإنه لو كان له فهم لم يسأل عن نبينا؛ لأنه أظهر من أن يتوهم خفاؤه، فيجاب بذكر أجزاء الجملة إعلاما بأن مثله لا يكفي معه إلا التنصيص لعدم فهمه بالقرائن الواضحة. وقد يذكر ليتعين بالذكر كونه فعلا، فيفيد التجديد والحدوث؛ لأن الفعل في أصل وضعه يدل على التجدد والحدوث، أو ليعين كونه أصما، فيفيد الثبوت والدوام، تقول: زيد منطلق وعمرو ينطلق، فلو حذفت المسند الثاني وقلت: زيد منطلق وعمرو لفهم انطلاق عمرو من الكلام الأول، ولكنك آثرت ذكر المنسد لتدل بصيغة الفعل على أنه يتجدد منه شيئا فشيئا، فهو ينطلق انطلاقا عقب انطلاق، وتقول: زيد ينطلق وعمرو منطلق، فتذكر المسند فيهما، ولو حذفت الثاني لفهم من الكلاما لسابق انطلاق عمرو فقط، ولم يفهم منه الاستمرار، فأردت أن تنص على استمرار انطلاق عمرو، فذكرت المسند. وسوف نزيد القول في ذلك بيانا في موضع آخر. وقد يذكر المسند لزيادة تقرير الكلام، وتثبيت معناه وتوضيحه حين يتعلق

стр. 265

الغرض بهذا، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ١، فإن المسند لو حذف لدل عليه السؤال، وقد جاء كذلك في آيات أخرى إلا أن المقصد من ذكره هنا زيادة تقرير خلق الله للسموات والأرض، ومثله قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٢، فقد ذكر المسند في قوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ ، وفي السؤال ما يدل عليه كما ترى، والمقصود من الذكر أن يتقرر أن الله أحياها، وفيه إشارة أخرى، هي أنه لا يسأل عن الإحياء بعد الموت -أعني عن إمكانه- سؤال مستبعد منكر إلا من في عقله غشاوة تحجبه عن الإدراك النافد والرؤية الصادقة، مثله لا يعول في خطابه على ذكاء -وهذه الإشارة نجدها أيضا في الآية السابق: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ -وفي الآية لمحة ثالثة نراها في قوله: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ ، وكان يمكن أن يقول: يحييها الله ولكن هذه الصلة تضمنت البرهان الصادق على جواب سؤالهم، وكأنه قال: يحيها الله بدليل أنه أنشأها أول مرة، وهذا أسلوب عجيب كما ترى، فقد قرر القضية بذكر المسند, وأقام برهانا بذكر الموصول، فأصاب في الإفحام وأدمج القضية، ودليلها في أنفذ عبارة وأبينها، وكأنه يجمع بين الإيجاز الديد، وذكر ما يمكن حذفه، وهكذا الأساليب العالية لا تتبين فيها موضع إطناب من وجه إلا، وترى إيجازا خفيا من وجه آخر. وقد ذكرنا أن قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ٣، أن الذكر فيه التعريض بغباوة من يخاطبهم، وهو كما نرى أسلوب يجيء على طريقة الآيتين السابقتين، ولا يصح أن يقال فيه: إنه للتقرير؛ لأن سيدنا إبراهيم ﵇ لم يكن غرضه أن يقررأن الذي حطم الأصنام هو كبيرهم.

стр. 266

وهذا الغرض الذي هو التقرير، والإيضاح من أهم أغراض ذكر المسند، وأكثرها اتساعًا، وغيره من الأغراض التي ذكرناها ربما كان ضيق المجال، كالتنبيه على غباوة السامع الذي ينحصر غالبا في مقامات الخطاب حين يكون المتكلم موجها كلامه إلى سامع غبي في حقية أمره، أو في اعتبار المتكلم، وربما كان بعضها محدودة القيمة مثل كونه الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه، ومثل الاحتياط لضعف التعويل على القرينة. قلت: إن التقرير والإيضاح من أهم أغراض ذكر المسند وأشيعها، وذلك؛ لأن المعاني الأدبية لا يكفي فيها ما يكفي في الحالات الخطابية من مجرد الإفهام، وإنما هي محتاجة فوق ذلك إلى مزيد من التقرير، والتأكيد حتى تؤثر في النفس، وتداخل القلب، وتتعمق في الشعور، وذلك غاية الكلام البليغ، وإذا تأملنا كلام أرباب البيان وجدناه في حالات كثيرة، وقد دل بعضه على معاني بعض فقد قالوا: إنه لما أحيط بمروان قال خادمه: "من أغفل القليل حتى يكثر والصغير حتى يكبر، والخفي حتى يظهر أصابه مثل هذا". وهذا -كما يقول أبو هلال- كلام في غاية الحسن، وإن كان معنى الفعلين الآخيرين داخلا في الفعل الأول. وإذا تأملت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ١، وجدته كلاما في غاية الحسن، ووجدته أيضا يقرر بعضه بعضا ويدل بعضه على بعض، فالإحسان داخل في العدل، وإيتاء ذي القربى داخل في الإحسان، وكذلك الفحشاء داخل في المنكر، ولو قال: إنا لله يأمربالعدل لأفاد كل هذه المعاني لدخول الإحسان، وإيتاء ذي القربى في العدل، ولأفاد أيضا النهي عن الفحشاء والمنكر؛ لأن من يأمر بالعدل ينهى عن ضده، والفحشاء والمنكر يدخلان في هذا الضد، إلا أن الآية الكريمة نصت على كل معنى من هذه المعاني، فذكرت العدل والإحسان

стр. 267

وإيتاء ذي القربى والنهى عن الفحشاء، والمنكر وكان لهذا التنصيص زيادة في التقرير، والتثبيت وكان الكلام كما ترى. ولهذه القيمة البلاغية عمد القرآن في كثير من المواطن إلى أسلوب التكرار ليوثق المعاني في النفوس، فجاء المسند مكررًا في مواطن كثيرة جدًّا. من ذلك قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ١، يكرر هنا وعيد، ويؤكده ليبث الخوف في أرجاء النفس، ويملأها بالإشاف والحذر، فتنكف عن إصرارها على العناد والكفر. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ٢، كرر الوعد وأكده ليرسل في النفس أطياف، فتبدد أشباح اليأس. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٣، وتكرير هذه النغمة الواعظة يحمل من التخويف، والترهيب ما تنفطر له القلوب، وهو كما قالوا في غاية حسن الموقع. وحينما يتعمق مقطع من المعنى في حس الشاعر تراه يكرره، وتراه أحيانا يلح في تكراره ليقرره في النفوس كما تقرر في نفسه أولا؛ لأنه يستعذب هذا التكرار ويسعذب ما يبعثه من أنغام تمل طابع نفس، فهي شاجية إن كان في سياق الأسى، وهي طروبة إن كان في سياق يشبه الطرب ويتصل به، وبهذا تستطيع تفسير التكرار في قصيدة المهلهل -على أن ليس عدلا من كليب- فقد تكرر هذا المقطع في أكثر من عشرين بيتا؛ لأنه تعبير عن إحساسه بقدر كليب، وأنه ليس له نظير في القبائل، وهذا المقطع كما ترى محور أساسي في بناء معنى القصيدة، وجوها النفسي ثم هو بعيد الغور في ضمير المهلل، فهو

стр. 268

يلح عليه ليصوره كما يجده في أبعاده الشاعرة، فكانت كل نغمة ورنة في هذا التكرار كأنها تحمل صورًا، وأطيافًا من هذه الأبعاد الغائرة، والذي يعرف تاريخ كليب، وقدره في عشيرته، وبيئته يستطيع أن يتعمق هذا التكرار. قلت: إن التكرار كأنه دندنة تستعذبها النفس المليئة أو المستفزة، شاجية كانت أو طروبة، وهذا يفسره من بعض جوانبه قولهم: إن باب الرثاء أولى ما تكرر فيه الكلام لمكان الفجيعة، وشدة القرحة التي يجدها المتفجع، وقيل لبعضهم: متى تحتاج إلى الإكثار؟ فقال: إذا عظم الخطب. ومن شواهد هذا التكرار قول ابنة النعمان بن بشير الأنصاري الصحابي ترثي زوجها: "من الطويل" وحدثني أصحابه أن مالكا ... أقام ونادى صحبه برحيل وحدثني أصحابه أن مالكا ... ضروب بنصل السيف غير نكول وحدثني أصحابه أن مالكا ... صروم كماضي الشفرتين صقيل كررت قولها وحدثني أصحابه؛ لأنه ذو أثر عميق في هذا الموقف، وهي مشغولة به بل هي ملهوفة عليه، فهؤلاء الرفاق شهدوا تلك الساعة الفاجعة، وحدثوها بخبرها الموجع، فلم يمس قلبها فحسب، وإنما فطره وولج إلى سويدائه، فكان نشيدها الباكي. وكانت الخنساء تلح على مقاطع من المعنى كأنها جذور غارت في ضميرها، فتجد في هزها ما يخفف آلامها الكظيمة، خذ مثلًا طلب البكاء من عينيها تجده يشيع في ديوانها، وهو في حقيقته مظهر استسلامها لأساها، وعجزها عن فلسفة التصبر التي كانت من الممكن أن تكفكف بعض دموعها، تقول: "من المتقارب". أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟ ألا تبكيان الجواد الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا؟

стр. 269

وتقول: "من البسيط": وابكي أخاك ولا تنسي شمائله ... وابكى أخاك شجاعا غير خوار وابكي أخاك لأيتام وأرملة ... وابكي أخاك لحق الضيف والجار انظر في هذا السياق إلى كلمة أخاك، وتأمل ما فيها من الإحساس بفقد الكلأ والحماية، وتأمل ما تضمره هذه الإضافة من حنين يفجر كوامن الحزن. وواضح أن التكرار فضلا على أنه أشاع البكاء في الأبيات بتكرار مادته، فقد شاعد على نوع من الترجيع النغمي، والتوازن الموسيقى الواضح الذي أصبحت به الأبيات كأنها عويل نائحة. وإذا تركنا سياق الرثاء إلى غيره، وجدنا أمرأ القيس بعد ما يخاطب الطلل، ويحييه تحية الجاهلية، ثم يرجع عنها مستبعدا أن ينعم هذا الطلل، وقد طال عهده بفراق أحبابه، فهوحزين كثير الهموم يبيت بأوجال، يقول بعد ذلك ذاكرًا سلمى صاحبة الديار: "من الطويل" وتحسب سلمى لا تزال ترى طللا ... من الوحش أو بيضا بميثاء محلال وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامى أو على رأس أوعال تراه يكرر: "وتحسب سلمى"؛ لأن فيه معنى قد علاه وغلبه، وصيره أقرب إلى الحالم الواهم، فهو يحسب سلمى لا تزال هناك مع أن الفناء قد تجسد في ديارها. التكرار يشيع هذا المعنى، ويؤكد ذهول الشاعر واندماجه في ذكريات أيامه التي ابتلعها الماضي. ووجدنا أيضا شاعرة مثل ليلى الأخيلية تذكر الحجاج وتقول: إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها

стр. 270

سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها إذا سمع الحجاج رز كتيبة ... أعد لها قبل النزول قراها أعد لها مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها تراها تكرر أجزاء معينة: شفاها -سقاها- أعد لها. وهي كما ترى ذات دلالة مهمة في السياق، فقولها: شفاها يفيد أنه يستأصل أعداء بني أمية حتى تسلم الأرض التي نزل بها من داء القلوب، وإحن الصدور، وقولها: سقاها يشير إلى ما يعمله في الأعداء وينص عليه، وأنه يسقي قناته من دمائهم، وقولها: أعد لها يشير إلبى عظيم احتياطه بأخذ أهبة النزال، ومواجهة الأخطار، وهي معان كما ترى كأنها رءوس في سياقها، وإذا أردت أن تتبين ذلك بصورة أوضح، فانظر إلى غيرها في الأبيات تجد مثلا قوله: "إذا هبط الحجاج أرضا مريضة"، ليس له في مدح الحجاج، والتنويه بحزمه ما لقولها شفاها -وهذا واضح- وانظر إلى قولها: فرواها بشرب سجاله تراه كالتابع لقولها: سقاها -وانظر إلى قولها: إذا سمع الحجاج تجده بمنزلة قولها: إذا هبط الحجاج، فكلاهما يمهد لمعنى جليل هو ما يأتي في الجواب وهكذا.

стр. 271

مجئ المسند فعلا أو اسما ... مجيء المسند فعلا أو اسما: لمعرفة هذه الأغراض يلزمنا أن نعرف الفرق الدقيق بين دلالة صيغة الفعل على معنى، ودلالة صيغة الاسم على نفس المعنى، أي بين أن تعبر عن الانطلاق بقولك: منطلق، وبين أن تعبر عنه بقولك: ينطلق وقد قالوا: إنك إذا قلت: منطلق فقد أفدت انطلاقًا ثابتًا، وإذا قلت: ينطلق فقد أفدت انطلاقا يتجدد، فصيغة الاسم تدل على الثبوت من غير إفادة التجدد، وصيغة الفعل تدل على الحدوث والتجدد، فقولك: زيد منطلق كقولك: زيد طويل من حيث دلالته على أنه طويل من غير أن يشعر بتجدد الطول وحدوثه، وقولك: زيد ينطلق كقولك: زيد يطول من حيث دلالته على حدوث الانطلاق وتجدده، وهذا إنما يصح إذا كان زيد غلامًا لم يستقر طوله. ويظهر هذا واضحا في قولك: هذا الشيء أبيض، وقولك: هذا الشيء يبيض، فقولك: أبيض يفيد أن صفة البياض ثابتة لا تحدث فيه، ولا تتجدد كاللبن مثلا، وقولك: يبيض يفيد أنه يتحول إلى البياض شيئا، فشيئا فبياضه يحدث ويتجدد. وإذا تقرر هذا ظهر أنه لا يصح وضع أحدهما موضع الآخر، فلكل منهما سياق يقتضيه، وصورة من المعنى لا يدل عليها غيره. انظر إلى قول النضر بن جؤبة: "من البسيط" لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق الشاعر يذكر قومه بالسخاء، وأنهم لا يبقون من المال بقية، فصرتهم لا تألف الدرهم، وقوله: وهو منطلق جاء بصيغة الاسم؛ لأنه يريد أن يثبت للدرهم صفة الانطلاق من غير إشعار بتجدد، وحدوث حتى يؤكد أنا الدرهم لا يتوقف توفقا ما عند الصرة ينقطع به انطلاقه ليتجدد بعد ذلك، وإنما هو منطلق انطلاقا ثابتا مستمرا، ولو قال: يمر عليها وهو ينطلق، لكان المعنى أن انطلاقه يتجدد، وهذا يعني أنهم يمسكونه زمانا ما كما قلنا. قال عبد القاهر معلقا على هذا البيت: "هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: لكن يمر عليها وهو ينطلق، لم يحسن". قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ ١، يفيد أن الكلب على هيئة وصفة ثابتة هي بسط الذراعين بالباب، كما تقول: هو طويل،

стр. 272

في أنك تثبت له صفة هو عليها من غير إشعار بشيء آخر ولا إشارة إليه، ولو قال: كلبهم يبسط ذراعيه لكان المعنى أن الكلب يحدث البسط، ويزاوله ويتجدد منه شيئا فشيئا، وليس هذا هو المراد، وإنما المراد أن الكلب باسط ذراعيه بالباب، وهو على هذه الصورة الثابتة الجامدة، فتظل الصورة الثابتة الجامدة، فتظل الصورة العامة لفتية الكهف يلفها سياج من المهابة والخشية: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ ٢. يقول الزمخشري: "فإن قلت: لم قيل: ويقبضن، ولم يقل: وقابضات؟ قلت: لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض كما يكون من السابح". وقول الأعشى: "من الطويل" لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق قال: في يفاع تحرق، أي تتحرق، واليفاع المشرف من الأرض، فالنار على مكان عال تتحرق، ولو قال: متحرقة، لأنكرته النفس كما قال عبد القاهر، وذلك؛ لأن قولنا في يفاع متحرقة يفيد أن النار متحرقة فقط، وليس هذا غرض الشاعر، وإنما غرضه أن النار تتحرق ويتجدد منها الإحراق، ويحدث شيئا فشيئا، وأن المحلق هناك يجدد ويعلي لهبها، واشتعالها لتكون ناره أهدى لسارب الليل، وأجلب لطالب المعروف، وفيه من الدلالة على تمكن طبيعة السخاء، والبذل ما ليس في غيره.

стр. 273

وقول طريف بن تميم: "من الكامل" أوكلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم يذكر الشاعربسالته وشهرته، وأنه كلما وردت قبيلة سوق عكاظ أرسلوا القيم على أمرهم يتوسم الوجوه؛ ليتعرف على طريف طلبا للثأر منه؛ لأن له في كل قوم نكاية، ولو وضع الاسم موضع الفعل، وقال: بعثوا إلي عريفهم متوسا، لذهب من المعنى شكله ورواؤه، وفسد الكلام، وذلك؛ لأنه أراد أن العريف يقع منه التوسم والتعرف، والتأمل شيئا فشيئا، فهو دائب المراجعة والتصفح، وتجديد النظر في وجوه القوم، وهذا يعني أنه معنى جدا بالبحث عن طريف، ولو قال:متوسما لكان المعنى أن العريف على صفة التوسم، والتأمل دون إشعار بحالة التجديد. وإذا عرفت هذه الخصوصية في دلالة الفعل ودلالة الاسم، تلك الخصوصية التي تشتد الحاجة إلى معرفتها في علم البلاغة كما يقول الجرجاني، فاعلم أن الفعل يفيد أيضا تفييد المسند بأحد الأزمنة الذي يدل الفعل عليها، فإذا كان ماضيا فإنه يقيد الحدث بالزمن الماضي، وإذا كان مضارعا قيده بحال، وهكذا، وذلك بخلاف الاسم، فإنه لا يدل على زمان. ولا يشتبه علينا أنه ليس بلازم من كون المسند فعلا أن يكون جملة، فقد يكون فعلا وهو مفرد مثل: ينطلق زيد، فالمسند هو الفعل فقط، وهو مفرد وقد يكون ملة مثل زيد ينطلق، فالمسند هنا ينطلق مع فاعله -وهذا ظاهر. والفرق بين كون المسند فعلا فقط مثل ينطلق زيد، وكونه جملة مثل زيد ينطلق أو زيد أبوه منطلق هو أن الجملة تفيد تقوي الحكم، وقد قالوا: إن كل ما خبره جملة يفيد التقوي. وإذا عرفت أن الغرض من مجيء المسند جملة هو إفادة التقوي، فإني محدثك عن الفرق بين مجيء الجملة فعلية أو اسمية.

стр. 274

والفرق الذي ذكرناه هناك بين الاسم والفعل قائم هنا، فإذا كان الفعل يفيد التجدد، والحدوث فكذلك الجملة الفعلية، وإذا كان الاسم يفيد الثبوت والدوام، فكذلك الجملة الاسمية. ويتضح ذلك في ضوء الشواهد: انظر إلى قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ١، جاءت الجملة الأولى فعلية -أدعوتموهم- والجملة الثانية اسمية -أنتم صامتون- لتفيد الأولى التجدد والحدوث، والثانية الدوام والاستمرار، فيكون المعنى سواء عليكم أن تحدثوا دعاءهم، أو أن تستمروا على صمتكم، والمراد بالدعاء طلب الهداية والنجاة، والموجه إليهم الدعاء هي الأصنام المعبودة من دون الله، وكان الوثنيون الذين يعبدون هذه الأصنام من عادتهم أنهم لا يدعون هذه الأصنام إذا نزلت بهم شدة، وإنما يدعون الله، فقيل: سواء عليكم أأحدثتم الدعاء على غير عادة، أم بقيتم مستمرين على عادة صمتكم، ولو قيل: سواء عليكم أدعوتموهم أم صمتم لأفاد أن صمتهم عن دعائهم لم يكن ثابتا، وإنما هو صمت حادث، وهذا بخلاف الواقع. ومثله قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ ٢، وعبروا بالجملة الفعلية في قولهم: أجئتنا، لتشير إلى التجدد وكأنهم يقولون: أحدث منك مجيء بالحق ولم تكن كذلك، وعبروا بالجملة الاسمية ثانيا في قولهم: أنت من اللاعبين، ليفيدوا الاستمرار والدوام يعني، أم أنت مستمر في لعبك الذي عهدناه فيك، ولو قالوا: أم لعبت، وجاء بالفعلية لأفاد أن اللعب حادث طارئ، وأنه كان قبل ذلك جادا غير هازل، وهذا غير مراد لهم.

стр. 275

ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ ١، عبروا في خطاب المؤمنين بقولهم: آمنا أي حدث بعد أن لم يكن، وفي خطاب إخوانهم إنا معكم أي مستمرون على مألوف كفرنا، وقد ذكرنا هذه الآية في أضرب الخبر، وأشرنا فيها إلى كلام الزمخشري، الذي فسر عدم التوكيد في الجملة الأولى بعدم وجود العزم، والإصرار وغير ذلك من المعاني النفسية التي تكون وراء التوكيد، فليس وراء كلامهم للمؤمنين حقيقةنفسية صادقة تدفع، وتحرك وتبعث، وقد وجدت هذه الحقيقة النفسية عند مخاطبة إخوانهم، وقولهم: إنا آمنا. واعلم أن قولنا: إن الفعل يفيد التجدد، والاسم يفيد الاستمرار أصل واضح، ولكن الدقة والصعوبة يكمنان في ملاحظة اقتضاء المقام لأحدهما، وقد اجتهدت -مستعينا في ذلك بكلام الأئمة- في بيان وجه الاقتضاء المقام لأحدهما، وقد اجتهدت -مستعينا في ذلك بكلام الأئمة- في بيان وجه الاقتضاء، فيما ذكرت، فلا يغريك القول بأن الفعل للتجدد، والاسم للثبوت فتطلقه هكذا فيما ترى من شواهد؛ لأنك إن فعلت فأنت لم تفعل شيئا يعتد به، وكان حالك كحال من يقول في كل تقديم: إنه قدم للاهتمام، وإنما المهم أن تتعرف على مجرى المعنى وسياقه، وكيف كان تجدد الحدث أو ثبوته يخصب المعنى، ويبسط حواشيه؟ وكيف يكون مهدرا لأجزاء من المعنى ينطفئ بها الكلام؟ وهكذا.

стр. 276

تعريف المسند: قالوا: إذا أردت أن تفيد مخاطبك انطلاق زيد، ولم يكن يعرف شيئًا عن هذا الانطلاق قل: زيد منطلق، فإذا كان يعرف أن انطلاقا وقع، ولكنه لم يعلم أن هذا الانطلاق كان من زيد، أو من عمرو وأردت أن تفيده أنه كان من زيد قلت له: زيد المنطلق فأنت في هذا تفيده أن الانطلاق الذي يعلم أنه وقع، ويحتم عنده أن يكون من زيد، أو من عمرو هو من زيد على القطع بخلاف الصورة الأولى التي يكون فيها المسند نكرة، فأنت فيها تفيده انطلاق زيد، ولم يكن يعلم شيئا عن الانطلاق، فهو في صورة التعريف كان يعلم أن انطلاقا وقع، ولكنه لا يعلم ممن وقع، وفي صورة التنكير كان لا يعلم أن انطلاقا وقع، وهذا هو أساس الفرق بين الصورتين. قال عبد القاهر: "والنكتة أنك تثبت في الأول الذي هو قولك: زيد منطلق، فعلا لم يعلمه السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو زيد المنطلق فعلا، قد علم السامع أنه كان، ولكنه لم يعلمه زيد، فأفدته ذلك". وإذا دققت النظر وأرحبته وجدت كثيرًا من معاني تعريف المسند، كأنها متفرعة عن هذا الأصل. والمهم أنك في صورة التنكير تستطيع أن تعطف فتقول: زيد منطلق وعمرو، ولا يجوز لك أن تقول: زيد المنطلق وعمرو، وذلك؛ لأنك في الأول لا تتحدث عن انطلاق معروف ومعين، فجاز أن تشرك عمرًا فيه، وفي الثاني تتحدث عن انطلاق معروف للمخاطب، ومعين فإذا أثبته لزيد لم يصح لك أن تثبته لعمرو، فإذا قلت: يمكن أن يكون هذا الانطلاق المخصوص المبين كان من زيد وعمرو، وأردت الإخبار بذلك، فالعبارة عنه أن تقول: زيد وعمرو المنطلقان بخلاف زيد المنطلق وعمرو؛ لأنك حينئذ تثبته أولا لزيد، ثم تجيء فتثبته لعمرو وهذا خطأ.

стр. 277

وقال عبد القاهر: "ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: هو القائل بيت كذا، كقولك: جرير هو القائل: "وليس لسيفي في العظام بقية". لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره، وقلت: جرير هوالقائل هذا البيت وفلان حاولت محالا؛ لأنه قول بعينه فلا يتصور أن يشرك جرير غيره". وقد يفيد تعريف المسند قصر المسند على المسند إليه لقصد المبالغة، وتقول: زيد الجواد، وعمرو الشجاع فتفيد قصر جنس الجود على زيد، وقصر جنس الشجاعة على عمرو، ولكنك لا تقصد القصر الحقيقي، وأن الجود لا يتصف به أحد إلا زيد على وجه الحقيقة التحقيقية، وأن الشجاعة لا يتصف بها أحد إلا عمرو، وإنما تقصد المبالغة في وصف زيد بالجود، وعمرو بالشجاعة، فتخيل بهذا قصر هذه الصفات على المذكورين قصدا للمبالغة، وأنك لم تعتد بهذه الصفات في غيرهم، وتقول: زيد الشاعر على معنى أنه بالغ في الشاعرية مبلغا صير غيره، كأنهم ليسوا شعراء، وتقول: زيد العالم لا تقصد أنه وحده العالم على الحقيقة، وإنما تقصد أنه بالغ في العلم مبلغ الكمال حتى صار غيره كأنه ليس بعالم، وهذا لا يجوز فيه العطف، فلا تقول: زيد الشاعر وعمرو، وإنما تقول: زيد الشاعر فإن أردت أن تشرك عمرا في هذه الصفة، وأنه بالغ فيها مبلغ زيد، فالعبارة عن ذلك أنك تقول: زيد وعمرو الشاعران على معنى أنك لا تعتد بشعر غيرهما كما قلنا، ومثله قول مزرد بن ضرار: "من الطويل" فقد علمت فتيان ذبيان أنني ... أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل اراد أنه لا فارس سواه؛ لأن غيره من الفرسان لا يعتد بهم، ولا يذكرون إذا ذكره. ومثله قول المتنبي: "من الطويل" ودع كل صوت دون صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى

стр. 278

أراد أنه لا شاعر يروي شعره سواه، وأن غيره من الشعراء ينهجون سبيله ويرددون صوته. وقول ابن الدمينة: "من الوافر" ونحن الوازعون الخيل تردي ... بفتيان الصباح المعلمينا والوازع: هو الذي يدير أمر الجيش، وردى الفرس يردي رديا رجم الأرض بحوافره، والمعلم: الرجل الذي جعل لنفسه علامة، ولا يكون ذلك إلا عنده فرط الشجاعة، فقد أراد أنه لا يزع الخيل القوية بفتيان معلمين إلا قومه، وذلك مبني على المبالغة كما ترى. وقد يفيد تعريف المسند قصر المسند على المسند إليه حقيقة، وذلك كقولك: زيد الشاعر، إذا لم يكن هناك في الحقيقة شاعر سواه، ومثله قول ابن الدمينة: ونحن التاركون على سليل ... مع الطير الخوامع يعترينا والخوامع الضباع يعني أنه لم يقتل سليلا، ويطعم بها الطير، والضباع سواهم. وإذا راجعنا كثيرًا من الشواهد التي ذكرناها نجدها تفيد هذا المعنى، راجع قول عمرو بن كلثوم، وابن الدمينة، والحادرة وغيرهم. هذا وإذا كان الخبر اسم موصول في مثل هذا السياق رأيته يفيد مع الاختصاص شيئا آخر تغمغم به الصلة، انظر إلى قول جميل بن معمر يخاطب بثينة: وأنت التي إن شئت كدرت عيشتي ... وإن شئت بعد الله أنعمت باليا وأنت التي ما من صديق ولا عدى ... يرى نضو ما أبقيت إلا رثى ليا واضح أن المعنى على قصر مدلول الصلة عليها، ثم فيه أن ذلك أي كونك

стр. 279

وحدك تكدرين عيشي أو تسعدينه وفق ما تشائين هذا أمر معروف، وقصة يعرفها الناس وهكذا. وهذه الدلالة الهامسة تكمن في طبيعة التعريف بالصلة كما أشرنا؛ لأنها لا بد أن تكون أمرًا معروفا كما يقول النحاة، وترى هذه الإيماضة الجاذبة حين تتأمل مواقعها في الكتاب العزيز اقرأ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ ١، تجد أن التعريف بالصلة فوق دلالته على الاختصاص يشير إلى أن أمر إنشاء السمع، والأبصار ذلك الأمر الذي تشغل به النفوس، أو ينبغي أن تشغل به مختص به سبحانه، ولو قال: هو أنشأ لكم السمع، والأبصار لخلا التعبير من هذه الإشارة. ومثله: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٣، أي أن قصة ذرئكم في الأرض وانتشاركم فيها على هذه الصورة، تلك القصة التي أثارت النفوس إلى التعرف على مصدرها مختصة بالله سبحانه، وكذلك قصة خلق الليل والنهار والشمس، والقمر تلك القصة اللافتة، والتي جذبت أنظاركم إلى محيط النظر فيها إنما فاعلها هو الله، ولو حذفت الموصول في ذلك، ونقلت الجملة من وضعها أي كونها صلة لها هذه الخصوصية إلى أن تكون خبرًا فحسب لذهب هذا المعنى. ومما هو واضح في إفادة الاختصاص قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ٤، أي أنت الأعلى لا هم، وانظر إلى دقة التعبير عن حال موسى ﵇، وكيف استطاعت كلمة أوجس أن تصور في دقة بارعة هواجس الخوف التي أنبثت فجأة في

стр. 280

نفس نبي الله موسى ﵇ لما رأى حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، ثم كيف جاء وعد الله له بالغلبة، والفوز المستعلي عليهم مؤكدا بما ترى من أداة التوكيد، وتكرار المسند إليه، وتعريف المسند باللام، وصياغته على طريقة أفعل المشيرة إلى التفوق، ثم كيف جاءت كلمة الأعلى من العلو حتى ينهض بهذه النفس التي استشعرت الوجل في موقف التحدي الجامع الذي كان يوم الزينة، وفيه محشر هائل من الناس، وهكذا استطاعت هذه الجملة: إنك أنت الأعلى، أن تبث السكينة والأمن في نفس موسى ﵇. وقد يفيد المعنى المقصور بقيد يخصصه، ويجعله في حكم نوع برأسه، وذلك كقولك: زيد الكريم حين يبخل الناس، وعمرو الشجاع حين يتأخر الأبطال، وخالد الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيرًا، أنت هنا لا تقصر مطلق الشجاعة على زيد، وإنما تقصر جنسا معينا من الشجاعة، وكذلك الجود والوفاء، ومنه قول الأعشى: "من المتقارب". هو الواهب المائة المصطفاة ... إما مخاضا وإما عشارًا يريد قصر جنس معين من الهبة على الممدوح، أي هو وحده الذي من عادته أن يهب المائة المصطفاة، وفرق بين أن تقول: هو وحده الذي من عادته أن يهب، وأن تقول: هو وحده الذي من عادته أن يهب المائة المصطفاة، فالأول يفيد مطلق الهبة، والثاني يفيد جنسا معينا من الهبة. ومثله قول الخنساء في رثاء صخر: "من مجزوء الكامل" الحامل الثقل المهم من الملمات الفوادح الجابر العظم الكسير من المهاصر والممانح الواهب المائة الهجان من الخناذيذ السوابح الغافر الذنب العظيم لذي القرابة والممالح

стр. 281

ترى المسند المقصور في ذلك كله مفيدا بقيد، فالمقصور في الأول حمل الثقل المهمأي الأمر الثقيل الذي يبعث الهمة وينهضها لمعالجته، والفوادح جمع فادحة، وهم يقولون: فدحت ظهره الأثقال أي آضته وأثقلته، والمقصود في الناس هو جبر العظم الكسير من الأحداث التي تميل الناس، وتجذبهم جذبا عنيفا، والهصر في كلامهم يفيد الجذب والإمالة، ومنه سمي الأسد هصورا؛ لأنه يميل فريسته بشدة، والممانح هي الناقة الحلوب، ومانحت العين ممانحة إذا سالت دموعها لم تنقطع، وقد أرادت النوائب التي تتوافد توافد لا ينقطع، والمقصود في البيت الثالث هو هبة المائة الهجان أي البيض الكرام، والخناذيذ من الخيل جيادها ومن الإبل فحولها، والمقصود في البيت الرابع هو مغفرة الذنب العظيم للقريب والمعاهد، والممالح مأخوذ من الملح، وكأن المعاهد قد صارت بينك وبينه حرمة المؤاكلة وذمامها، والعرب تعظم أمر الملح، ويقولون: فلان ملحه على ركبتيه إذا كان مضيعا لعهده، وملحه في يمينه إذا كان بضد ذلك. وقد يفيد تعريف المسند تقريره للمسند إليه، وبيان أن ثبوته له أمر مقرر لا يشك فيه أحد، وأنه ظاهر ظهورًا لا يخفى، وذلك كقول حسان: "من الطويل" وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد أراد أن يقرر صفة العبودية لوالده، ويثبتها له ثم يجعله ظاهر الأمر في العبودية ومعروفا بها، قال عبد القاهر: "ولو قال: ووالدك عبد لم يكن قد قد جعل حاله في العبودية حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة"، ومعلوم أن حسان لم يقصد قصر العبودية على والده حقيقة، ولا ادعاء وإنما أراد ظهور أمره في العبودية أي، ووالدك العبد الذي عرف الناس جميعا أنه عبد، وأما سنام المجد وذراه، فهو لبني هاشم بني بنت مخزوم أراد عبد الله بن عبد المطلب. ومثله قوله الخنساء: "من الوافر" إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا

стр. 282

فهي لم تقصد أن تقصر صفة الحسن على بكائه، كما قصد الأعشى قصر هبة المائة على الممدوح؛ لأن القصر لا معنى له، وإنما أرادت أن تقرر لبكائه، صفة الحسن، وأن تفيد أن حسنه حسن ظاهر لا ينكره أحد، ولا يشك فيه شاك. ومثله قول أبي الطيب: هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا فالتعريف في قوله: هو الجد أي هو المعروف المتعالم في هذا المعنى، أي في أنه يغب تدبير العقلاء والجد الحظ، وواضح أن هذا البيت ليس كقول حسان، ولا الخنساء من حيث إنه يفيد أن ثبوته للمسند إليه أمر ظاهر، وذلك؛ لأن المسند إليه هنا والمسند شيء واحد كما هو واضح، وإنما أفاد التنويه وأنه متعالم في معناه، ومثله قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ ١، فالتعريف جاء في الذكور ليفيد التنويه والتشهير، وكأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، هكذا قال الزمخشري. وقد يكون تعريف المسند للإشارة إلى بلوغ المسند إليه في الصفة مبلغ الكمال، أو أنه بلغ فيها حقيقتها المتصورة في الذهن، أي التي يتصورها الذهن في أنقى وأكمل، وأثم صورها كما تقول: هو الرجل أي الذي احتاز الصفات والشمائل، والخلال وكل ما تدل عليه الرجولة في صورة نقية متكاملة، وكأنه احتاز المثال الأفلاطوني لهذه الكلمة، وهكذا تقول: هو الصادق أو هو الصاحب، أو هو الأخ إلى آخر هذا مما تجد آثاره لا تزال عالقة في الفطرة، وتأمل ما تسمعه من كلام العامة الذين برئت فطرتهم من التنطس، والحذق والتدقيق، ويقول عبد القاهر في هذا الوجه: "إن للخبر فيه مسلكا دقيقا، ولمحة كالخلس يكون المتأمل عنده كما يقال: يعرف وينكر"، ويقول فيه أيضا: "وهذا فن

стр. 283

عجيب الشأن، وله مكان من الفخامة النبل، وهو من سرح البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه، والمعول فيه على مراجعة النفس، واستقصاء التأمل". وتأمل هذا الكلام واستق منه. ومثال هذا النوع قولك: هو البطل المحامي، على معنى أن تقول للمخاطب: هو تصورت البطل المحامي، وكيف يكون الإنسان حتى يبلغ في هذه الصفة مبلغها الأعلى؟ إذا تصورت هذا في نفسك، ومثلته لفكرك فعليك بفلان فهو الذي تجد فيه هذه الصفة كما تصورتها، ومثله هو الحامي لكل حقيقة، والمترجي لكل ملمة، والدافع كل كريهة، قال العلوي: "كأنك قلت: هل تعقل الحامي والمرتجي وتسمع بهما، فإن كنت تعقل ذلك وتعرفه حقيقة معرفته، فاعلم أنه فلان فإني خبرته وجربته، فوجدته على هذه الصفة، فأشدد يدك به، فإنه ضالتك التي تنشدها، وبغيتك التي تقصدها". نعم هو ضالة من يبحث في الخلال الكريمة عن مثلها العليا، وإن الله يحب مكارم الأخلاق. وقد ذكر عبد القاهر في هذا قول ابن الرومي: "من الطويل" هو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد وعلق عليه بقوله: "كأنه يقول للسامع: فكر في رجل لا يتميز عفاته، وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاءوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، فاعلم أنه ذلك الرجل". ومنه قول الفرزدق يهجو الحجاج: "من الطويل" فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد زمان هو العبد المقر بذلة ... يراوح أبناء القرى ويغادي وكان الحجاج معلم صبية كما قالوا: وكان يلقب بكليب، قال شاعر: يعنيه: "من المتقارب"

стр. 284

أينسى كليب زمان الهزال ... وتعليمه سورة الكوثر رغيف له فلكة ما ترى ... وآخر كالقمر الأزهر والعرب يقولون كما روى الجاحظ: لا ينبغي لعاقل أن يشاور أحدا من خمس: الغزال، والقطان، والمعلم، وراعي الضأن، والرجل الكثير المحادثة للنساء. والمهم هو قوله: العبد المقر بذلة، فإنه لم يرد أن يقصر العبودية عليه كما لم يرد أن يقول: إنه معلوم مشهور بها، وإنما أراد معنى أدق وأوقع، أراد أن يقول: إنه كان يكون الشخص الذي تتمثل فيه العبودية في صورتها التامة، وكأنك لو أردت أن ترى ذلك الإنسان الذي تتمثل، وتتشخص فيه الذلة لوجدت ذلك الإنسان في الحجاج لولا بنو مروان، وهذا كما ترى أبلغ من كونه مشهورًا بها.. والمعول عليه في إدراك هذا المعنى الدقيق هو كما يقول عبد القاهر: "مراجعة النفسي"، "واستقصاء التأمل"، وهاتان الكلمتان مفتاح باب الفهم في هذا العلم، ويذكر عبد القاهر أن كلمة الذي تفيد هذا المعنى في كثير من مواقعها، فقول الشاعر: "من الطويل" أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب تجد اسم الموصول فيها يعبر عن صفة عالية تتمثل في الأخ، كما تسمع العامة يقولون: هو الآخ وهو الصاحب. ومثله قول الآخر: أخوك الذي إن ربته قال: إنما ... أربت وإن عاتبته لان جانبه قال عبد القاهر: "فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يتعين في الوهم دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة، فأعلمته أنا لمستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه حتى كأنك قلت: أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يجبك".

стр. 285

تقديم المسند: يشير عبد القاهر إلى الفرق بين زيد المنطلق، والمنطق زيد أنهما، وإن اتفقا في إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد، إلا أنهما يختلفان في شيء دقيق هو أنك تقول: زيد المنطلق لم ن علم أن انطلاقا قد كان، ولكنه لم يعلم ممن كان؟ فلأنت تخبره أن الانطلاق الذي يعلم وجوده كان من زيد. أما قولك: المنطلق زيد فإن المعنى فيه على أنك رأيت إنسانا ينطلق، ولم تتبينه، ولم تعلم أزيد هو أم عمرو؟ فقال لك صاحبك المنطلق زيد: أي هذا الشخص الذي تراه من بعيد هو زيد، وقد قدم؛ لأنه هو المحدث عنه، والمقصود بالخبر، ولا يجوز هنا أن يعرب خبرا مقدما؛ لأنك لا تقصد الإخبار به، وإنما تقصد الإخبار عنه. قال البلاغيون: إنك تبتدئ بالأعرف، فالذي تراه منطلقا أعرف عندكم من زيد؛ لأنه شخص أمام عينيك تشير إليه، وهو منطلق وأنت تجهل أنه زيد. قال العلامة سعد الدين: "والضابط في هذا التقديم أنه إذا كان للشيء صفتان من صفات التعريف، وعرف السامع اتصافه بإحداهما دون الأخرى، فأيهما كان بحيث يعرف السامع اتصاف الذات به يجب أن تقدم اللفظ الدال عليه وتجعله مبتدأ، وأيهما كان بحيث يجهل اتصاف الذات به يجب أن تؤخر اللفظ الدال عليه وتجعله خبرًا، فإذا عرف السامع زيدا بعينه واسمه، ولم يعرف اتصافه بأنه أخوه، وأردت أن تعرفه ذلك قلت: زيد أخوك، وإذا عرف أخا له ولم يعرفه على التعيين: وأردت أن تعينه عنده قلت: خوك زيد ولا يصح زيد أخوك، وهذا يتضح من قولنا: رأيت أسودا غابها الرماح ولا يصح رماحها الغاب، ولهذا قيل في بيت السقط يخوض بحرا نقعه ماؤه، الأولى: ماؤه نقعه؛ لأن السامع يعرف أن له ماء، وإنما يطلب تعيينه". وهذا نص جيد جدا، وتأمل فيه مقدار شفافية موقع الكلمة، وكيف ينبعث في
следующие страницы →