ولذلك يمكن أن يقول بعد ذلك: وإنما جاءوك فرادى، ولو كان النفي في قوله: لم يأتك القوم مجتمعين، نفيا منصبا على المجيء لما صح أن يقول عقبه: وإنما جاءوك فرادى، والحال كذلك في كل، تقول: جاءني القوم كلهم، فيقول من يعارضك: لم يأتك القوم كلهم وإنما جاءك بعضهم، كما قال البحتري "من الطويل"
وما كل ما بلغتم صدق قائل ... وفي البعض إزراء علي وعاب
هو لا يريد أن ينفي الصدق عن كل خبر بلغهم، وإنما يريد أن ينفي أن تكون كلها صادقة، وهذا يعني أن بعضها صادق، ولذلك قال في الشطر الثاني: وفي البعض إزراء علي وعاب، فهو يسلم أن البعض ليس فيه إزراء عليه، ولو قال: كل ما بلغكم ليس صدقا لما صح أن يقول: وفي البعض وإنما كان يقول: وفي الكل، وكذلك لو قال: كل القوم لم يأتوك، لم يصح أن يقول بعدها: وإنما جاءك بعضهم؛ لأنه لما قدم كل على النفي أفاد عموم النفي، وأنه لم يأتك منهم أحد، فلا يصح أن يقول: وإنما أتاك بعضهم؛ لأن في ذلك تناقضًا.
وقد ذكر عبد القاهر كل هذا في قوله:
"واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك، ووجدت النفي قد احتذاه فيه وتبعه، وذلك أنك إذا قلت: جاءني القوم كلهم كان "كل" فائدة خبرك هذا، والذي يتوجه إليه إثباتك بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع في نفس المجيء أنه كان من القوم على الجملة، وإنما وقع في شموله الكل، وذلك الذي عناك أمره من كلامك".
وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرد إثبات المعنى للشيء إلا كان الغرض الخاص من الكلام، والذي يقصد إليه، ويزجي القول فيه، فإذا قلت: جاءني زيد راكبًا، وما جاءني زيد راكبًا كنت قد وضعت كلامك؛ لأنك تثبت مجيئه راكبا أو تنفي ذلك لا، لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقا هذا ما لا سبيل إلى الشك فيه".
стр. 212
والشواهد التي تقرر هذا الأصل عند عبد القاهر كثيرة منها قول الشاعر "من الطويل"
فكيف وكل ليس يعدو حمامه ... ولا لامرئ عما قضى الله مزحل
فقوله: وكل ليس يعدو حمامه، خرحجت فيه كل عن حيز النفي، فأفادت عموم النفي، أي أن كل واحد لا يعدو حمامه، ولو قال: وليس كل يعدو حمامه لأفاد أن بعض الناس يعدو حمامه.
وقول دعبل: "من الطويل"
فوالله ما أدري بأي سهامها ... رمتني وكل عندنا ليس بالمكدي
أبالجيد أم مجرى الوشاح وإنني ... لأنهم عينيها مع الفاحم الجعد
فقوله: "وكل عندنا ليس بالمكدى" يعني: أن كل محاسنها كالسهام التي تصمى وتصيب، ولو قال: وليس كل عندنا بالمكدى لأفاد أن بعض محاسنها لا تصل في فعلها فيه إلى الغاية، فبعضها كالسهام الصائبة، وبعضها كالسهام الطائشة.
وعكس هذين الشاهدين قول البحتري يمدح يعقوب بن أحمد في قصديته: "من الطويل"
على الحي سرنا عنهم وأقاموا ... سلام وهل يدني البعيد سلام
قال فيها:
واعلم ما كل الرجال مشيع ... وما كل أسياف الرجال حسام
والرجل المشيع هو الشجاع الصعب المتهور الذي كأنه يشيع قلبه، قال: ما كل الرجال مشيع، أي أن هناك رجالا فيهم أصالة الشجاعة والإقدام، وهناك من ليس كذلك، هناك الرجال الأحرار، وهناك العبيد الأندال....
стр. 213
وقوله: وما كل أسياف الرجال حسام، أفاد: أن بعض الأسياف تقطع وبعضها ليس كذلك، ولو قال البحتري: كل الرجال ليس مشيعا، ولك الأسياف ليست حساما، لأفاد نفي الشجاعة عن كل رجل، ونفي الجودة عن كل سيف.
هذا كله كما قلنا ملخص كلام عبد القاهر، وقد أيدته كما رأينا الاستعمالات البليغة، ولكن التعميم في القاعدة من غير احتياط يفتح غالبا بابا من أبواب الاعتراض لا تجد له مدافعًا، قال عبد القاهر وهو يحدد الفروق المعنوية بين مختلف هذه التراكيب: "إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في كل، والفعل منفي لاي صلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضا كان وبعضا لم يكن"، فوضع القاعدة وضاعا قاطعا من غير أن يحتاط لما عساه يكون قد جاء في الكلام البليغ على خلافه، فهيأ بذلك للعلامة سعد الدين أن يستدرك عليه بشواهد واضحة، قال سعد الدين معلقا على هذه القاعدة: وفيه نظر؛ لأنا نجده حيث لا يصلح أن يتعلق الفعل ببعض، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ١، و ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ٢، و ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ ٣، "فالحق أن هذا الحكم أكثري لا كلي"، فحرر القاعدة لما جعلها غالبة لا لازمة؛ لأن الآيات التي ذكرها -ومثلها في القرآن- تقدم فيها النفي على كل وهذا يعني - لو سلمت القاعدة- أن الله سبحانه لا يكره كل مختال، وإنما يكره البعض ومثله كل كفار وهو ما لا يكون.
ولا يفوتك هنا أن تتأمل أدب أهل العلم، لما وجد سعد الدين -وهو من سعة علم ونفوذ رأي- خرما في قاعدة عبد القاهر لم يزد على أن قال:
стр. 214
وفيه نظر، ثم ذكر الأدلة التي لا يتطرق إليها الاحتمال، وهذا ما يجب أن نتعلمه مع العلم؛ لأنه من أدب البحث، ويجب أن نأخذ به نفوسنا حتى يعصمها مما يدور حولنا من التقاذف عند الاختلاف، وخاصة عند طبقة "فتوات المقاهي" الذين حملوا أقلاما، وصاروا علماء يناقشون في هذه الزمن الغبي، ثم إنهم لم يكتفوا بأن يحشروا أنفسهم في زمرة أهل العلم، وإنما أصروا على أن يكونوا رواد تنوير، ولما كانوا هم وقادتنا الكبار من رحم واحدة ملكهم قادتنا وسائل التوجيه التي اغتصبوها من الشعوب مع ما اغتصبوه من شئونها، وسياستها وأموالها ومقدراتها، ويوم تعود للشعوب حقوقها في سياسة أمرها، وتوضع الأمور في نصابها سترى هؤلاء جميعًا يعودون إلى جهة واحدة لا تتجاوزوها مؤهلاتهم جميعا، وهي أوكار قطاع الطرق، وإن غدا لناظره قريب.
стр. 215
المظهر والمضمر:
لحظ البلاغيون أن دراسة وضع المظهر موضع المضمر وعكسه، ودراسة الالتفات تتصل بباب المسند إليه؛ لأنها من أحوله، فألحقوها بهن كما لحظوا أن أساليبها مما لا تجري على مقتضى المقررات المتعارفة، وإنما هي ضروب من المخالفة، فترجموا لها بخروج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر، وألحقوا به أسلوب الحكيم؛ لأنه ضرب من المخالفة.
وقد تابعناهم في ذلك لبنائه على ملاحظات دقيقة في ربط مباحث العلم، وتلاحقها في نظام يجمعها، ثم إننا نكره الاختلال في تنظيم مسائل العلم ما دام لها وجه، وليس هذا قيدا على الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد النافع هو في مسائل العلم؛ لأنها جوهر.
أما مخالفة مقتضى الظاهر في الإضمار والإظهار، فقد قالوا: الأصل ألا يذكر الضمير إلا وقد سبقه ما يعود عليه ليكون المقصود بالكلام واضحا، تقول: لقيت زيدا وأكرمته، فتذكر الضمير في أكرمته؛ لأنه سبقه ما يعود عليه، ولا تقول لقيته هكذا ابتداء؛ لأن ذلك ضرب من التعمية، والإلباس يناقض القصد من اللغة والبيان.
ومع وضوح هذا الأصل تجد صورًا من الأساليب بنيت على خلافه، فيذكر الضمير ليفسر بمتأخر عنه في بعض هذه الصور، أو يذكر منن غير مفسر اعتمادًا على فهم السامع، أو وضوح المعنى أو غير ذلك مما نشير إلى بعضها إن شاء الله.
ومن الصور التي يفسر فيها الضمير بمتأخر عنه ما يكون الضمير فيه ضمير الشأن والقصة، والأساليب التي تصاغ على هذا الطريقة حين تصيب مواقعها تجد لها مذاقا حسنا ووقعا جليلا؛ لأن الضمير حين يطرق النفس من غير أن
стр. 216
يكون له عائد يعود عليه يصيرها إلى حالة من الغموض، والإبهام لا قرار لها معها، فتستشرف إلى اكتشاف الحقيقة المتوارية وراء الغموض المثير، فإذا جاءت الجملة المفسرة تمكن معناها، ووقع في القلب موقع القبول، وتراهم لا يبنون الكلام على هذا الأسلوب إلا في المعاني المهمة التي يهيئون النفوس لتلقيها، وإذا رأيتهم يمثلون له بمثل قولنا: هو زيد قائم أو هي هند قائمة -وإن كانوا يقولون: إن المختار في ضمير القصة ألا يؤنث إلا إذا كان في العبارة مؤنثا لا؛ لأن هذا المؤنث هو مرجعه-؛ لأن مرجعه هو الجملة كلها -ولكن؛ لأن حس الكلمات كأنه ألف ضمير المؤنث مذكورًا فيما فيه تأنيث- إذا رأيتهم يمثلون له بمثل هذه الأمثلة، فاعلم أنها أمثلة نحوية لاتراعى فيها المعاني بقدر ما يراعى فيها بيان الصناعة وشرح القاعدة، وليس من الفصيح أن نقول: هو زيد قائم أو هي هند قائمة؛ لأن الخبر الواقع بعد ضمير الشأن لا بد، وأن يكون خبرًا ذا بال، نعم يصح ذلك إذا كان زيد، أو هند مما يكون خبر قيامه مهما؛ لأن الشأن فيه لا يقوم لمانع يعلمه المخاطب، وأدرت إخباره بزوال هذا، وأن زيدا صار يقوم.
ومن مواقعه الجليلة قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١، فقوله: هو ضمير الشأن ومفسره الجملة بعده، وواضح أن مضمونها معنى كبير هو محور الصراع في تاريخ البشرية، ولو قال سبحانه: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لما وجدت للكلام هذا الأثر، وهذا القوة التي تحسها النفس من هذه التهيئة المؤذنة بأن ما سيأتي بعدها كلام له خطر عظيم.
وخذ قوله تعالى بعد ما ذكر قصة المكذبين وإهلاكه القرى وهي ظالمة قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ٢، قوله: فإنها ضمير الشأن والقصة، وتفسيره قوله: لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى
стр. 217
القلوب التي في الصدور، وقد هيأ النفس لتلقي هذا المعنى الجليل الذي يفسر موقف العقول المنكرة من الأدلة البينة.
ومنه قول أبي خراش الهذلي في أبياته التي ذكر فيها عروة أخاه وخراش ابنه، وكانا قد أسر فقتل عروة ونجا خراش قال: "من الطويل"
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض
فوالله ما أنسى قتيلا رزيته ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
على أنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي
قال على أنها فذكر ضمير القصة، وهيأ به النفس لتلقي هذا المعنى الغريب الذي يشير إلى أن الآلام مهما كانت قاسية، فإنها لا تستعصي على الأيام التي تبتلعها وتطويها، ويشير أيضا إلى أن الإنسان مستهدف للأحداث، وأن تعاقبها يجعل المرء في شغل بالثانية عن الأولى، وكان هذا المعنى غريبا؛ لأنه استدرك به على قوله قبله: فوالله ما أنسى قتيلا، وقد ألم الأحوص بهذا المعنى في قوله: "من البسيط"
إن القديم وإن جلت رزيته ... ينضو فينسى ويبقى الحادث الأنف
قال المرزوقي: وأبلغ مما قاله قول الآخر: "من الطويل"
فلم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع
ومنه قول أبي تمام: "من الطويل"
على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
فالضمير في قوله: أنها ضمير القصة، والجملة المفسرة كما ترى ذات معنى جليل، فقد تكاثرت العجائب حتى ألفت، وفقدت ما به تكون عجيبة، فليس فيها عجائب.
ومن الصور التي يفسر فيها الضمير بمتأخر عنه قولهم: نعم رجلًا زيد إذا
стр. 218
اعتبر زيد خبر مبتدأ محذوف؛ لأن فاعل نعم يكون ضميرًا عائدا على مفعول مبهم كالمظهر في نعم الرجل، أي ليس له مدلول معين، وهذا الإبهام تفسيره الجملة المذكورة بعده -هو زيد- فإذا كان المخصوص مبتدأ مؤخرًا، ونعم خبرًا مقدمًا، فلا يدخل في هذا الباب؛ لأن الضمير الفاعل عائد حينئذ على المخصوص.
وقد يأتي الإضمار من غير ذكر مفسر، وذلك اعتمادًا على وضوح المراد وادعاء أنه معروف حاضر في القلب لا يخطر بالبال سواه، كما ترى في مطالع القصائد التي تذكر الصاحبة بضمير عائد عليها مثل قوله: زارت عليها للظلام رواق، وموقعه من الملاحظة والعذوبة على ما ترى، وقد يكون الإضمار خاليا من هذه الإشارة، وإنما اعتمد فيه على مجرد الوضوح فقط كما في قول أبي كبير الهذلي يذكر تأبط شرًا: "من الكامل"
مما حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهبل
أراد في قوله: ما حملن به، النساء، ولم يجر لهن ذكر لوضوح المراد، والمعنى -كما يقول المرزوقي- وهذا الفتى من الفتيان الذي حملت أمهاتهم بهم، وهن غير مستعدات للفراش، ولا واضعات ثياب الحفلة، فنشأ محمودا مرضيا لم يدع عليه بالهبل والثكل.
أما وضع المظهر موضع المضمر، فإنه يشير إلى معان قد يكون بعضها من خصوص دلالة الاسم الظاهر الذي أوثر وضعه موضع المضمر، فإذا كان اسم إشارة أفاد كمال العناية بتميزه؛ لأن الخبر عنه خبر غريب، وذلك كقول ابن الراوندي الزنديق:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا
ققوله: هذا يعني به مضمون البيت السابق، وهو عجز العاقل في تحصيل رزقه وفلاح الجاهل في تحصيله، اسم الإشارة يعود إلى هذا المضمون، وهو معنى غير محسوس، والمقام للإضمار كما يقول سعد الدين، ولكنه وضع
стр. 219
اسم الإشارة موضع الضمير لتمييز هذا المعنى، وتحديده تهيئة للإخبار عنه بهذا الخبر الغريب، وهو أنه حير الأوهام، وأحال العالم النحرير أي الذي ينحر المسائل، أو يقتلها علما أحاله جاحدًا زنديقا، وتبا له فقد كذب على العلماء، وماذا لو عاش في زماننا، ورأى أوطاننا يعيش فيها اللصوص، ويموت فيها الأنبياء.
وقد ذكرنا في ذكر المسند إليه، وتعريفه بالإشارة شواهد يصلح كثير منها لهذا الموضوع.
ومن ذلك والمذكور غير اسم الإشارة قول إبراهيم بن أدهم: "من الوافر"
إلهي عبدك العاصي أتاك ... مقرا بالذنوب وقد دعاك
فإن تغفر فأنت لذاك أهل ... وإن تطرد فمن يرحم سواك
قال عبدك، وهو يريد نفسه، وكان الظاهر أن يقول: أنا أتيتك، ولكن آثر قوله: عبدك؛ لأن في كلمة عبد معنى التذلل والخضوع، ثم في هذه الإضافة ما يرشح الرجاء؛ لأن فيه أنني عبدك الذي هو مضاف إليك، وكل هذا مما يحسن به سياق
الضراعة والدعاء.
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ١، قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ، وقد تقدم ذكرهم؛ لأن في هذه الصلة ما يشير إلى استحقاقهم العذاب
النازل عليهم، وفيه أيضا زيادة تقرير أنهم ظالمون، وهذا الأسلوب يرد في القرآن كثيرا، ووراءه إشارات مستحسنة، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ
стр. 220
يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ١.
قال ابن الأثير: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، ولم يقل: وقالوا، كالذي قبله للدلالة على صدور ذلك عن إنكار عظيم، وغضب شديد، وتعجب من كفرهم بليغ لا سيما، وقد انضاف إليه قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ ، وما فيه من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وما في ذلك من المبادهة كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المبين قبل أن يتدبروه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
وابن الأثير يستمد مما ذكره الزمخشري في هذه الآية الكريمة، فقد نبه فيها إلى لطائف، فلحظ مدلول كلمة الحق، وإن مقالتهم هذه الخاطئة قالوها للحق، وذلك تسجيل عليهم بالتجاوز البين، والبعد الواضح عن محجة الصواب، ثم كلمة لما وما فيها من المبادهة، أي أنهم فور مجيء الحق قالوا تلك المقالة، من غير نظر وتدبر.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٢.
قال: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ ، فذكرهم بضمير المخاطب ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وكان سياق الأسلوب أن يقول: ثم أنزل الله سكينته عليكم، ولكن لما كان في إنزال السكينة لطفا بهم، وتكريما لهم قال: رسوله والمؤمنين فذكرهم بأوصاف التكريم والتعظيم، وذكر أهليتهم لنزول السكينة، وفيه تعظيم لشأن الإيمان، وأن من حصله على وجه كان مع الرسول في الكرامة.
стр. 221
وقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ، كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ١.
قال: وقال الكافرون والأصل أن يقال: وقالوا: ولكنهم ذكروا بصفة الفكر ليتقرر أنه لا يقول في نبي الله هذه المقالة إلا جاحد لكل خير، كافر بكل حقيقة، وأن الكفر يقترن بالكذب والبهتان، ومجانبة الصدق والعدل، ولولا أنه أفسد طباعهم لما اجترءوا على من يعرفون فضله وصدقه.
وواضح من هذه الشواهد أن هذه الإشارة إنما أوحت بها دلالة المظهر؛ لأنها ذات خصوصية في السياق مثل الذين ظلموا، والكافرين، ورسوله -والمؤمنين، وهناك ضرب من وضع الظاهر موضع المضمر يراد به مع هذه الخصوصية تقرير المظهر، وتمكينه في القلوب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٢، قال ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ بعد ذكر لفظ الجلالة، وآثر المظهر على الضمير؛ لأن للفظ الجلالة بمدلوله الكريم وقعًا عظيمًا في القلوب، والمراد تمكين الألوهية، وإشاعة هيمنتها في الضمائر، وخذ المصحف واقرأ فيه من أي موضع تشاء تجد هذا الأسلوب، وكأنه أصل من أصول البلاغة القرآنية، تجد أسماء الله الحسنى، وخصوصًا هذا الاسم الأعظم يقع هذا الموقع في كثير من الجمل القرآنية لينساب نورها الغامر في القلوب، وتشيع مدلولاتها فتتمكن من النفوس زيادة تمكن، وتتقرر في السرائر أحسن قرار، وبذلك تتربى مهابة الحق وحده في الأمة التي يربيها القرآن، فلا يكن في صدرها خشية إلا لله وللحق.
وقد أدرك البلاغيون وحي الكلمة، وعملها بما يثيره لفظها من شئون في
стр. 222
النفس لا يستطيعها الضمير العائد عليها، فأشاروا إلى أن الكناية -يعنون بها الضمير- التعويض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف، فإذا كان الضمير يعطي إشارة ذهنية إلى العائد عليه هذه الإشارة تحضره في النفس إلا أن قدرا كبيرا منن التأثير يظل الاسم الظاهر محتفظا بها، ولا يستطيع الضمير حملها نيابة عنه؛ لأنها تتولد حين يقرع اللفظ السمع بجرسه، وارتباطاته المختلفة جدا الاختلاف، والتي اكتسبها في قصته الطويلة مع الكلمات، والأحداث والمواقف، خذ لذلك قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ ١، فإنه من الواضح أنه لو قيل: وبه نزل لكان الضمير عائدا على الحق، ومؤديا معناه من حيث الدلالة النحوية أو الدلالة المنطقية، ولكن يبقى لكلمة الحق من القدرة على إثارة قدر كبير من الخواطر لا ينهض الضمير بشيء منها.
وليس ذلك خاصا بكلمة الحق ودلالتها الإنسانية الخصبة، وإنما يجري في كثير من الكلمات التي لها في سياق الحديث مكان خاص، انظر إلى قول النابغة:
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما
نجده لم يقل: نفس عصام سودته، وإن كان الضمير عائدا على عصام من غير لبس؛ لأنه لأراد أن تقع السيادة من نفس عصام على عصام هكذا بلفظه.
قال عبد القاهر:
"لا يخفى على من له ذوق حسن هذا الإظهار، وأن له موقعا في النفس، وباعثًا للأريحية لا يكون إذا قيل: نفس عصام سودته شيء منه البتة".
والموقع في النفس وبعث الأريحية هو من الكلمة من حيث هي صوت لكل جرس فيها خاطر سكن النفس مع هذا الجرس وانبعث به، وإلا فأي فرق بين زيد، والضمير العائد على زيد؟
стр. 223
الالتفات:
لون من ألوان الصياغة يعين ذا الموهبة الصادقة على الإيحاء بكثير من اللطائف والأسرار، ويلفت النفس المتلقية الواعية إلى كثير من المزايا، وكلما أمعنت النظر في مواطنه من الكلام الرفيع بانت لك وجوه من الحسن تزيدك إحساسًا بقدرته.
وقد كلفت بهذا السلوب، وتابعت أقوال العلماء فيه، وهي كثيرة كثرة تدل على أهميته وعنايتهم به، ثم إن هذه الكثرة من الدراسة، والأقوال المختلفة حوله ربما كانت لونا من الصعوبة عند التصدي لدراسته، إلا أنني سوف أحاول استخلاص زبدة أقوالهم في بيان ضروبه، ومزاياه معرضا عما توارد عليه من آراء في نشأته، ونضوجه؛ لأنني هنا كما أشرت لست معنيا بالنشأة والتطور؛ لأن لهذا درسا ينبغي أن يكون جادا وحافلا، ونرجو أن نفرغ له يوما، وغياب تاريخ هذا العلم بصورة جادة يعد نقصا ظاهرًا في المكتبة البلاغية، وليس بين أيدي الناس منه كتاب يعتبر إلا كتاب الدكتور شوقي ضيف، وهو رجل معان؛ لأنه مع سعة ميدانه يصل به جده الدءوب إلى فوائد كثيرة أعان الله بها طلاب العلم، ونسأل الله له العافية، وأن يجعل جهاده في موازينه.
وابن الأثير يبين لنا علاقة التسمية بالموضع، فيقول بعد إشارة إلى أنه خلاصة علم البيان: "وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ لأنه ينتقل فيه من صيغة إلى صيغة، كانتقاله من خطاب حاضر إلى غائب، ويسمى أيضا شجاعة العربية، وإنما سمي بذلك؛ لأن الشجاعة هي الإقدام، وذلك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه،
стр. 224
وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات".
وتفسير الشجاعة هنا بإقدام اللغة العربية على طريق من التعبير لم تقدم عليه غيرها من اللغات فيه شيء من المجازفة؛ لأن هذه الخصوصية تصف حالة، أو شعورا إنسانيا عاما، والقول بأن المتكلمين بغير العربية لم يجدوا في نفوسهم هذه الحالة التي تدعو الإنسان إلى مخاطبة نفسه، أو تدعوه إلى أن يصرف القول عن مخاطبه، أو أن يقبل بالخطاب على من ليس في حضرته، قول بعيد، والذي نراه أن الشجاعة هنا إقدام على أنماط من التعبير مخالفة لما يقتضيه الأصل؛ لأنها تعبير بأسلوب الخطاب في سياق الغيبة، وذكر الغيبة في سياق الخطاب، وهكذا، والمعتمد عليه في ذلك سياق الكلام وشفافية الدلالة، وهذا إن تأملته ضرب من الشجاعة، واقتحام سبيل غير السبيل المألوف، وتفسيرنا هذا لشجاعة العربية هو ما يتلاءم مع ما ذكره ابن جني في باب سماه: "شجاعة العربية"، وأراد به الحذف والتقديم، والحمل على المعنى، وغير ذلك مما هو خلاف الأصل، ولا ضير في أن يقودنا هذا التفسير إلى أن نعد كثيرا من فنون التعبير من شجاعة العربية، والمهم في كلام ابن الأثير أنه يقول: إنك ترى الكلام بهذا الفن البلاغي يلتفت ههنا وههنا، وكأن الأسلوب حي يتحرك ويتلفت، ونشاط اللغة وحيوتها عند ابن الأثير باب واسع تراه يصف الكلمات أحيانا بأنها جيش له جلب، وأحيانا بأنها حسان رود لها دل إلى آخره.
هذا وقد اشتهر في تحديد الالتفات مذهبان:
مذهب الجمهور، ومذهب السكاكي.
أما الجمهور فيقولون في تحديده: إنه التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه بطريق آخر منها، والطرق الثلاثة هي: التكلم والخطاب، والغيبة.
стр. 225
وواضح من قولهم: بعد التعبير عنه بطريق آخر منها، أنه لا يكون في أول الكلام سواء وافق مقتضى الظاهر أو خالفه، فقول القائل، وهو يعني نفسه: ويحك ما فعلت وما صنعت ليس التفاتا عند الجمهور، وإن كان مقتضى الظاهر أن يقول: ويحي ما فعلت وما صنعت، ومثل هذا كثير في الشعر وخاصة في مطالع القصائد، وهذا يعد التفاتًا عند السكاكي؛ لأنه يعني به أن يعبر بطريق من هذه الطرق عما عبر عنه بغيره، أو كان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بغيره، وهذا القسم الأخير هو ما خالف فيه الجمهور، ويشمل ما ذكرناه من قول القائل: ويحك ما فعلت؛ لأنه عبر عن المتكلم بطريق المخاطب، وكان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بطريق التكلم، ولهذا قالوا: إن كل التفات عند السكاكي التفات عند الجمهور من غير عكس، وهذا واضح إن شاء الله.
والالتفات عند الجمهور يتضمن ست صور:
الأولى: الانتقال من التكلم إلى الخطاب
ومنه قوله تعالى في حكاية مقالة الرجل المؤمن الذي كان يدعو قومه من أهل أنطاكية قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١.
قال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ، فجاء بكلامه على طريقة التكلم، ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ، وكان السياق أن يقول: وإليه أرجع ولكنه جاء على طريقة الالتفات، وفيه شدة تحذير لهم، وتنبيه إلى أنهم صائرون إلى الله وراجعون إليه، ولا يتأتى هذا لو قال: وإليه أرجع، الالتفات فيه مواجهتهم بصيرورتهم إلى
من يكفرون به، وكأنه يقول لهم: كيف لا تتقون من يئول أمركم إليه وتسألون بين يديه؟
стр. 226
الثانية: من التكلم إلى الغيبة
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١، قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ ، فجاء بالكلام على طريقة التكلم، ثم انتقل إلى الغيبة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ ، ومقتضى الظاهر أن يقول: فصل لنا، وفيه إشارة إلى حثه إلى الصلاة؛ لأنها لربه الذي رعاه ورباه، فكأنه يقوي داعي الصلاة بذكر ربه.
ومثله قوله تعالى: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢، فقد جرى الأسلوب كما ترى على طريقة التكلم: ﴿إنا أنزلناه ... إنا كنا ... من عندنا ... ﴾ ثم انتقل إلى طريق الغيبة: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ، وكان مقتضى ظاهر السياق أن يقول: رحمة منها، ولكن هذا الانتقال هيأ خطاب رسول الله ﷺ ، وهو المنزل عليه الكتاب، ولو قال: رحمة منا، لما كان هناك سبيل إلى ذكره ﷺ ، ثم إنه لما قال: رحمة، ناسبها ذكر الرب؛ لأنه يشير إلى معنى التربية والرفق والعناية.
ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ ٣.
جرى الأسلوب كما ترى على طريقة التكلم: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ ، ثمانتقل إلى طريقة الغيبة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، وكان مقتضى ظاهر الأسلوب أن يقول: فآمنوا بالله وبي: والالتفات إلى الاسم الظاهر هيأ إلى
стр. 227
الأوصاف المذكورة بعده: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ ١، وهي أوصاف مهمة في السياق؛ لأنها تحدث على الإيمان به، وكأن الرسول ﷺ يدعوهم إلى تصديقه، لا لذاته ولكن لهذه الأوصاف، أي كونه رسولا أميا، وهذه الأوصاف تتضمن نوعا من البرهان على رسالته؛ لأن ما يخبرهم به من وحي السماء، وليس من معارفه المحصلة بالقراءة.
ومثله من الشعر وهو كثير، قول الحصين بن الحمام في مفضليته: "من الطويل"
وأنجين من أبقين منا بخطة ... من العذر لم يدنس وإن كان مؤلما
أبى لابن سلمى أنه غير خالد ... ملاقي المنايا أي صرف تيمما
فلست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا مبتغ من رهبة العيش سلما
والبيت الأول يصف خيلهم، وقد نجت من بقى منهم في معركتهم الظافرة يوم دارة موضوع -وكان لهم على بني سعد بن ذبيان- وقوله: بخطة من العذر أراد من بقي منهم، ولم يقتل في هذا الحرب، فقد أبلى بلاء يعذر فيه، فلا يلام على بقائه، فلم يدنس وإن كان مؤلما من جراحه.
قال: أبى لابن سلمى وهو يريد نفسه، وكان قد ذكرها بضمير جماعة المتكلمين في قوله: من أبقين منا، ولكنه نقل الحديث إلى الغيبة ليخيل بذلك أنه يحدثنا عن فارس همام، ويروي لنا قصة شجاعته العجيبة، ثم رجع إلى نفسه، واستمر الحديث عنها في البيت الثالث: فلست بمبتاع الحياة، وطريقة التكلم فيه هي التي تتسع لفيض شعوره، واعتزازه بفضائله، ولو تابعت متصرفات الضمير في القصيدة وكيف ينتقل، أو يلتفت كما يقول ابن الأثير، ونظرت في مقاطع المعاني التي يلتفت عندها، ودرست ذلك لوجدت بابا من أبواب فقه الصنعة لا يزال في مهجعه من الشعر صامتا لم ينطقه أحد بعد.
стр. 228
الثالثة: من الخطاب إلى التكلم
ومنه قول علقمة بن عبدة: "من الطويل"
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
يكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب
قوله: "طحا بك قلب"، ومعناه ذهب بك وأتلفك، وقوله: "شط وليها" أي: بعد قربها والشاهد فيه هو أن الكلام جرى في البيت الأول على طريق الخطاب في قوله: طحا بك، ثم انتقل إلى طريق التكلم في قوله: يكلفني وحسن هذا الانتقال هو أن التكليف بليلى، والحا لكما وصف مقطع مهم من مقاطع المعنى، ووقعه على نفسه وقوعا واضحا، ومباشرا مما يقوى به الكلام، قال المرصفي: وقد مدح -يعني علقمة- ملك غسان واستعطاه، وسأله مع طلب الجائزة أن يمن على أخيه شاس بن عبدة، وكان أسيرًا عند الملك، ولم يكتف بهذا بل طلب الجائزة لأخيه، وكل ذلك في قصيدته التي مطلعها: طحا بك قلب.
الصورة الرابعة: من الخطاب إلى الغيبة:
ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.
قال: ﴿كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ ، فجاءت على طريق الخطاب ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فنقل الأسلوب إلى الغيبة والمخاطبون هم الذين إذا نجاهم الله من هول البحر، والموج يغبون في الأرض بغير الحق، وكأن نقل الحديث
стр. 229
إلى الغيبة فيه معنى التشهير بهم، وكأنه يروي قصتهم لغيرهم؛ لأن هذه الطبائع العجيبة جديرة بأن تذاع وتروى، ثم فيه لطيفة أخرى هي أنهم كانوا في مقام الخطاب كائنين في الفلك: ﴿كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ ، فهم في مقام الشهود والوجود، ثم لما جرت بهم الريح ذهبوا بعيدا عن مقام الخطاب، فلاءم هذه الحال طريق الغيبة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ ١.
جرى الكلام على طريقة الخطاب في قوله: "أمتكم ... ربكم ... فاعبدون ... "، ثم انتقل إلى أسلوب الغيبة في قوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ، والأمة المذكورة هي أمة المسلمين، قال الزمخشري في سعر هذه الالتفات: "كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى آخرين، ويقبح عندها فعلهم وقوله لهم: إلا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله"، ومعنى تقطيع الأمر صيرورة الأمة أحزابا، وفرقا بمخالفتها لمنهج القرآن الذي يؤلف بينها ويجمع وحدتها، وفي هذا الالتفات إشارة أخرى هي أن الله سبحانه ينصرف عن هذه الأمة حين يتقطع أمرها بينها، وفيه أيضًا أنها تغيب عن مشهد الحياة حين تنحرف عن منهج القرآن، وانظر إلى الصورة الحية الكامنة في قوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ، وكيف يصير أمر الأمة وقوتها، وكيانها قطعا حين الاختلاف، ويخربون بأيديهم أمرها، وشأنها ويهدمون قوتها وريحها.
الصورة الخامسة: الانتقال من الغيبة إلى التكلم
ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ ٢، قال: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ ، فجرى على طريق الغيبة، ثم قال: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ ، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: فساقه، ولكنه انتقل إلى التكلم ليحدث إيقاظًا عند هذا المقطع المهم من مقاطع المعنى
стр. 230
لأن سوق السحاب إلى الأرض الميتة، فتحيا ضرب من قمسة الأرزاق، فناسب أن ينقل الإسناد إلى ضمير ذي الجلالة سبحانه، ولهذا أيضا لم يسند إلى الرياح على طريق المجاز كما في الجملة السابقة ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ ؛ لأن إثارة السحاب ليس في خطورة سوقها، واتجاهها نحو ما يشاء الله من عباده؛ الالتفات مهنا يشير إلى أن الله سبحانه يسوق السحاب بذاته العلية، ويقسمه رحمة ورزقا بيديه، ولا يدع ذلك لأحد من خلقه.
وقد جاء ذلك مفصلا في سورة الأعراف آية ٥٧: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ .
ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ١.
جاء الكلام على طريق الغيبة في قصة خلق السموات والأرض، وهي أخبار تروي من الغيب البعيد بيننا وبينها ملايين السنين هي عمر هذه الأرض، ثم انتقل إلى طريق التكلم في قوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ ، وكان الالتفات هنا ذا مغزى مهم؛ لأن السماء الدنيا وما فيها من كواكب من أظهر، وأوضح الآيات التي تشير إلى القدرة الخالقة التي يحث القرآن على النظر إليها كثيرًا، الالتفات إذن كأنه لفت إلى الموضع الذي تؤخذ منه العبرة، وتدنو به الحقيقة الدالة من القلوب المعتبرة.
ومنه قوله المخبل السعدي في مطلع مفضليته: "من الكامل"
стр. 231
ذكر الرباب وذكرها سقم ... فصبا وليس لمن صبا حلم
وإذا ألم خيالها طرفت ... عيني فماء شئونها سجم
كاللؤلؤ المسجور أغفل في ... سلك النظام فخانه النظم
قال: ذكر الرباب، وهو يريد نفسه بدليل قوله: طرفت عيني، وهذا التفات عند السكاكي، وطريقة الغيبة هنا توهمنا أنه يحكي قصة صب مدله ذهب الوجد بحلمه، فصار أمره في الناس حديثا يروى، والرباب صاحبة المخبل، وهو اسم شعري عرفناه في شعر النابغة الجعدي، وامرئ القيس وابن أبي ربيعة، والأخطل وجميل وبشار وغيرهم، وكان أبو العلاء يعجب بها المطلع، وذكر في رسالة الغفران أن جواري من كواكب الجنة قد لحن هذه الأبيات في مجلس من مجالس الفردوس جمع الأعشى، ولبيدا والنابغة الجعدي، فلا يمر حرف ولا حركة إلا ويوقع مسرة لو عدلت بمسرات أهل العاجلة منذ خلق الله آدم إلى أن طوى ذريته من الأرض لكانت الزائدة على ذلك زيادة اللج المتموج على دمعة الطفل، ولله أنت يا أبا العلاء ما أغزر حليك، وأوفر طرقك التي تسلكها إلى ما تريد، لقد أراد أن يحدثنا عن نغم هذه الأبيات، فساق هذه الصورة الرائعة، وتثبت ما أراده بهذا الخبر الذي لا ينسى.
وقوله: طرفت عيني، عدول عن طريق الغيبة في قوله: ذكر الرباب وصبا إلى طريق التكلم وفيه فضلا عن الإيقاظ، وتجديد نشاط السامع ملاءمة دقيقة هي أن هذا الحديث الذي هو غزارة دمعه، أو طرف عينه إنما هو حدث يحسه هو بنفسه، فحسن أن يعبر عنه بطريق التكلم الذي يدل على معاناته هو، وهذا أفضل من أن يجري مثل هذا الحدث عن شخص يخاطبه أو يخبر عنه.
الصورة السادسة: الانتقال من الغيبة إلى الخطاب
ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
стр. 232
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١، جرى الأسلوب على طريقة الغيبة كما ترى، ثم انتقل إلى الخطاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، وقالوا في سر ذلك: إن المعاني السابقة من حمد الله والثناء عليه، وذكر ربوبيته للعاملين ورحمته الغامرة، وملكه ليوم الدين تحث النفوس على الإقبال صوب الحق متجهة إليه بالخطاب معلنة وحدانيته بالعبادة والاستعانة، وهكذا يكون الالتفات هنا مشيرا إلى تصاعد الإحساس بالجلال حتى تخلص النفس في مراحل عروجها من شئونها الأرضية، فتشافه الحق وتعلن هناك غاية العبودية والاستسلام.
ويلحظ ابن الأثير في صياغة: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ٢، فرقا دقيقا بين أنعمت عليهم حيث أسند الإنعام صراحة إليه وبين: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ، حيث تحايل الداعي في أمر الغضب فلم يسنده إليه، ولم يقل غضبت عليهم ليوازن ما قبله.
ويفسر ابن الأثير هذا تفسيرا واعيا بأحوال النفس المتضرعة بهذه الآيات، فيقول: "لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء بالفلظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا وروى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا"، وهذا من التفقد الواعي لصيغ الكلام، وتحليل نظمه، وعلاقاته وروابطه، واستكثر منه.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ ٣.
والإد كما قال ابن خالويه: العجب أو هو العظيم المنكر.
جرى الأسلوب على طريق الغيبة فقال: ﴿وقالوا﴾ : ثم انتقل إلى طريق الخطاب في قوله: ﴿لقد جئتم﴾ ، والالتفات كما هي فائدته العامة لفت
стр. 233
وتنبيه، ويكون ذلك عند مقطع مهم من مقاطع المعنى، وهذا يعني هنا أن إنكار هذه الفرية أمر مهم، ومحتاج إلى أن تتهيأ القلوب لتسمع من الحق رده وإبطاله، ثم هو مجابهة لهم ببطالهم، ورمى به في وجوههم.
ومنه قول تأبط شرا في مطلع مفضليته: "من البسيط"
يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومر طيف على الأهوال طراق
يسري على الأين والحيات محتفيا ... نفسي فداؤك من سار على ساق
قالوا: العيد ما اعتادك من حزن وشوق، قوله: مالك أي ما أعظمك، والإيراق مصدر آرقه يورقه من الأرق، والأين نوع من الحيات أو الإعياء.
وشاهدنا قوله: نفسي فداؤك، فقد توجه الأسلوب إلى مخاطب، وكان يجري على طريقة الغائب كأنه يروي أوصافا جديرة بأن تحكي هي أوصاف هذا الفتى الجسور الذي يمر على الأهوال مر الطيف، والذي يسري على الإعياء والحيات محتفيا، وكأن هذه القدرات في هذا الفتى استجاشت الشاعر، وهو جد ولوع بها، على أن يقبل عليه يخاطبه ويفديه، وواضح أنه يريد نفسه في الحالين.
ومنه قوله أبي الأعور سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل: "من الخفيف"
تلك عرساي تنطقان على عمـ ... ـد لي اليوم قول زور وهتر
سألتاني الطلاق أن رأتا ما ... لي قليلا قد جئتماني بنكر
انظر كيف أحضرهما خيال الشاعر لما أحماه سوء الصنيع حيث تنكرت له صاحبتاه لما افتقر، وسألتاه الطلاق، انظر كيف أحضرهما ليقذف في وجهيهما بهذه الإدانة الساخطة "قد جئتماني بنكر".
وهذه هي صور الالتفات وشواهدها، وقد رأينا أن مزيته البلاغية تختلف من أسلوب إلى أسلوب، ولا يمكن أن نضبطه ونحدد مزاياه، والمهم في إدراكه هو حسن التأتي، وصدق النظر، والوعي بسياق الكلام ونوع المعنى، نعم هناك فائدة عامة لهذه الخصوصية تتحقق أينما وجدت، وقد أحسن الزمخشري
стр. 234
بيانها بقوله: "إن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن نظرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد كرر هذا المعنى كثيرا كما كرره البلاغيون بعده، وهي فائدة ذات قيمة كبيرة في الأسلوب؛ لأن إيقاط الحس وإثارة الملكات من أبرز العناصر التي تتوفر في الكلام المختار، وينبغي أن نذكر هذه المزية في كل صورة من صورة الالتفات كما قلنا، وكنا في الشواهد السابقة مهتمين بالدلالات الخاصة التي هي ولائد السياق، والتي تختلف تبعا لذلك، ولا يجوز لك أن تغفل هذا الأصل مع كل شاهد، فتقع في التقصير الذي وقعنا فيه.
وبعد، فإنه ينبغي قبل أن ندع هذا الموضوع أن ننبه إلى أمر مهم، هو أن القول بالانتقال في الأسلوب حين يكون بين أبيات ينبغي أن يؤخذ بمزيد من الحيطة، وخاصة إذا كانت هذه الأبيات من الشعر الجاهلي، أو شعر البوادي في صدر الإسلام، وعهد بني أمية وذلك؛ لأن ترتيب الأبيات -وهو أساس الاستشهاد- قد حدث فيه تغيير كثير، ولهذا وجبت مراجعة الأبيات، وتحقيق مواقع بعضها من بعضها، وإلا كان النظر ضربا من العبث، خذ مثلا لذلك قول ابن الدمينة، وهو من شعراء البادية: "من الطويل"
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجد على وجد
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جليدا وأبديت ما لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
تجد الشاعر يجري الكلام على طريقة المخاطب في قوله: "بكيت كما يبكي الوليد"، وقد أراد نفسه، وفي البيت الآخر يقول: "بكل تداوينا فلم يشف ما بنا"، واضح أن البيت يضعف لو قال: بكل تداويت وأجراه على أسلوب الخطاب؛ لأنه يصف ما يجده مع هذا الدواء الذي زعموا أنه يشفي من
стр. 235
الوجد فلو أجراه على طريق الخطاب لكان كأنه يقول لمخاطبته: إنك لم تشف من الوجد بعد تجربة الدواء، والوجد داء السرائر المضمرة لا يحس به علة، وشفاء إلا من يعاني لواعجه، طريق التكلم هنا يقوي صدق الخبر، ومن هنا كان الخطاب هو أسلوب البيت الأول: لأنه عتاب على بكاء، وأشجان أثاره هتاف الحمامة، وعتابك الباكي في مثل هذا مما هو شائع، ويلاحظ أنه قال: أإن هتفت ورقاء فأدخل همزة الإنكار على السبب الذي هو هتاف الورقاء، ولم يقل أبكيت لأن هتفت ورقاء؛ لأنه لا ينكر عليه البكاء، فله أن يبكي أحبابه وذلك لا ينكر، وإنما المنكر أن يسلم نفسه لما يحيط به من كل ما يعين على تذكر أيامه الخوالي؛ لأنه ما دام كذلك فلن يرقأ له دمع، وكأنه لا يطلب منه التجلد وعدم البكاء؛ لأنه يعلم أن ذلك مما لا سبيل إليه، وإنما يطلب منه قدرا من التماسك يحفظ به نفسه، فلا يندفع اندفاع الطفل في بكائه لهتفة حمامة أو لمعة برق، وهذا معنى جليل يذهب كله لو قال: أبكيت.
والمهم أنك حين تنظر نظرة دقيقة ينكشف لك ضرب من الملاءمة الدقيقة الجليلة بين المعنى والطريق المعبر عنه، وإياك أن يقع في وهمك أنني أقول: إن في قوله: بكل تداوينا، التفاتا، من الخطاب في قوله: بكيت؛ لأني سقت الأبيات شاهدا على غير ذلك، وسقته شاهدًا على ما يمكن أن يقع فيه الباحث من خطأ إذا أخذ برواية واحدة في الشعر في العصور التي أشرنا إليها.
فهذه الأبيات وردت بهذا الترتيب المذكور في حماسة أبي تمام، وفي دوان ابن الدمينة ذكر قوله: وقد زعموا أن المحب إذا دنا، وما بعده، قبل قوله: ألا يا صبا نجد بخسمة أبيات، وفي ذيل الأمالي قوله: ألا يا صبا نجد لابن الطثرية، وفي مطالع البدور نرى قوله: الا يا صبا نجد، وقوله: بكيت كما يبكي، وقوله: وقد زعموا، وقوله: وبكل تداوينا، منسوبا كل ذلك إلى ابن الطثرية، وفي مسالك الأبصار قوله: وقد زعموا وما بعده، منسوب لقيس بن الملوح وغير ذلك مما لا نستقصيه، وهذا هو الذي دفعني إلى القول بأن دراسة علاقات المعاني بين الأبيات، وصلات الخصائص البلاغية بعضها ببعض في الشعر لا بد أن يكون مسبوقا بجهد واع وكبير، وقد رأينا نموذجا لهذا العمل في دراسة للعلامة محمود شاكر لقصيدة، إن بالشعب الذي دون سلع، وهو في تقديرنا نموذج يحتذى في هذا الباب.
стр. 236
مخالفة مقتضى الظاهر في صيغ الأفعال:
ألحق بعض الدارسين التعبير عن الماضي بالمضارع، والتعبير عن المضارع بالماضي أو بالأمر، وما شابه هذا التصرف بباب الالتفات، ملاحظين أنه -كما يرجح العلوي- هو العدول من أسلوب في الكلام إلى أسلوب آخر مخالف للأول، قال: "وهذا أحسن من قولنا: هو العدول من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة؛ لأن الأول يعم سائر الالتفاتات كلها، والحد الثاني إنما هو مقصور على الغيبة والخطاب لا غير، ولا شك أن الالتفات قد يكون من الماضي إلى المضارع، وقد يكون على عكس ذلك، فلهذا كان الحد الأول هو أقوى دون غيره".
وقد قلنا: إن المشهور في حده مذهبان، وهذا الذي يقوله العلوي خلاف المشهور، وقد ذكره قبله ابن الأثير.
وترانا نتجاوز ما يمكن أن يكون من حوار في مثل هذا الموقف منصرفين إلى تحليل الصور، والبحث في أسرارها للتعرف على دقائق خطرات المعاني وراء أحوال الصياغة، معتقدين بأن عد هذه المخالفة في صيغ الأفعال من الالتفات، أو قصر الالتفات على ما هو المشهور مسألة اصطلاحية لا يترتب عليها كبير أثر.
وإنما الأثر كله في تفقد روابط الكلام، وأحواله وصيغه، واستخراج ما في ذلك كله من رقائق المعاني، ولطائف الإشارات.
ولننظر في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ
стр. 237
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ١، نجد أن مقتضى الظاهر أن يقول: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم، ولكنه عد لإلى الأمر كما ترى؛ لأن المعنى المعبر عنه الذي هو إقامة الصلاة معنى مهم، وقد أفادت هذه المخالفة أن الحديث بلغ مقطعًا من المعنى يجب على السامع أن يلتفت إليه، وهذه قاعدة عامة في كل مخالفة، ثم في توجيه الأمر إليهم بإقامة الصلاة دلالة على مزيد العناية بها، وكأن الرسول ﷺ ينفتل إلأيهم عند ذكر الصلاة آمرًا، ومؤكدًا إقامتها، ثم انظر إلى التعبير عن الصلاة بقوله: ﴿بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ تجد التعبير بإقامة الوجوه فيه معنى العزة، ورفع الرأس إلى السماء عند مساجد الله حيث تنحى الأصلاب لخالقها، وتسجد في ساحته مؤكدة بذلك أنها لا تنحني لمخلوق ما دامت عرفت الانحناء للخالق، ولا تطأطئ في ساحة طاغية ما دامت سجدت لله رب العالمين لا شريك له، ومن هنا كانت الصلاة، وكان التدين المستنير الواعي ثورة على الفساد في الأرض، ورفضا للطغيان وحربا لا تهادن الاستبداد.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٢.
قال الزمخشري: "فإن قلت: هلا قيل: أشهد الله وأشهدكم؟ قلت: خالف وقال: واشهدوا بصيغة الأمر وذلك؛ لأن في أمرهم أن يشهدوا ببراءته من دينهم ضربا من التحدي المغيظ.
قال الزمخشري: "فإن قلت: هلا قيل: أشهد الله وأشهدكم؟ قلت: لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك، إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد، وشد معاقده، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم، ودلالة على
стр. 238
قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة كما تقول لمن يبس الثرى بينه وبينك، أشهد على أني لا أحبك".
فالمخالفة كما يذكر الزمخشري تفيد الفرق بين نوعين من الشهادة: شهادة الله على براءته مما يشركون، وتلك شهادة صحيحة وشهادتهم، وتلك شهادة لافائدة منها إلا التهاون بهم، فلما وجد هذا الفرق المعنوي بين الشهادتين، وجب أن يوجد في الصياغة ضرب من المخالفة.
والفعل المضارع يدل على الحال أي على وقوع الحدث الآن، وهذه دلالته الأصيلة، ومن هنا كانت صيغته أقدر الصيغ على تصوير الأحداث؛ لأنها تحضر مشهد حدوثها، وكأن العين تراها وهي تقع، ولهذا الفعل مواقع جاذبة في كثير من الأساليب حين يقصد به إلى ذلك، وترى المتكلمين من ذوي الخبرة بأسرار الكلمات يعبرون به عن الأحداث الهامة التي يريدون إبرازها، وتقريرها في خيال السامع.
خذ لذلك قول الزبير بن العوام في غزوة بدر قال: "لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو على فرس وعليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي عنزة فأطعن بها في عينيه، فوقع ثم أطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة من عنقه".
الأفعال في هذه القصة كلها قد وقعت قبل زمن حكايتها، ولكن الحاكي ﵁ عبر عن بعض هذه الأحداث بصيغة المضارع التي تشير إلى أن الحدث يقع الآن، قال: فأطعن بها في عينيه وكان قياسه أن يقول: فطعنته كما قال: لقيت عبيدة، ولكن هذا الجزء من المعنى أعني طعنه هذا الفارس المستلئم الذي كان مدلا باقتدراه عمل جليل من الزبير ﵁، فحرص على إبرازه، واستحضار صورته شاملة يراها من يسمعه من خلال العبارة التي
стр. 239
استطاعت أن تنقل مشهد الحدث من واقعه الذي غبر إلى مقام الحضور، وكذلك قوله أطأ.
وهذا كثير جدا، ومما يبلغ فيه الغاية قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ ١، قال: يسبحن والسياق أن يقول: مسبحات؛ لأن التسبيح قد وقع في زمن داود ﵇، ولكن لما كان تسبيح الجبال من أعجب الأحداث، وأدلها على قدرة العزيز الرحيم عبر عنها بصيغة المضارع التي نقلت الحدث من الماضي السحيق، وأحضرته في مقام المشاهدة، وكأنه يقع الآن، وكأنك ترى هذا المشهد الجليل من مشاهد القدرة الباهرة.
قال الزمخشري: "فإن قلت: هل من فرق بين يسبحن ومسحبات؟ قلت: نعم وما اختير يسبحن على مسبحات إلا لذلك، وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، وكأن السامع حاضر تلك الحال يراها تسبح".
وهذا كما ترى من قدرات اللغة التي تستطيع كلمة منها بل صيغة كلمة أن تحضر مشهدا هائلا كذا، وكأن الكون والزمان، والأحداث كلها مضمرات في بظون الكلمات تفصح عنها حين تديرها يد الخبير بطبائعها، وأقرأ أول معلقة زهير، وكان من أقدر الشعراء على توظيف الوسائل اللغوية، واستغلال طاقاتها التعبيرية.
والفعل الماضي يعبر عن الحدث المستقبل، فينقله إلى الزمن الذي مضى، ووراء ذلك إشارات تختلف باختلاف السياق.
انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ٢.
стр. 240
قال: ﴿ففزع﴾ : والمراد فيفزع؛ لأن الحدث لم يقع بعد، ولكنه عبر عنه بالماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، فهو لا محالة واقع، وما دام الأمر كذلك، فلا فرق بين الماضي والمضارع، الماضي هنا يخيل أن الزمن قد طوى، وأنه قد فزع من السموات ومن في الأرض، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ١، والقياس يأتي ولكنه لما كان آتيا لا محالة اعتبر كأنه قد أتى، وأنه فعلا قد أحاط بالحياة.
وانظر إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٢، وقال: ﴿حَشَرْنَاهُمْ﴾ ، بصيغة الماضي كأن هذا الحشر الذي ينكره المعاندون قد وقع فعلا.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ٣، وتأمل صيغة الماضي في قوله: "فكبت"، والناس لا يزالون أحياء، وفيه كما ترى تهديد بالغ، ثم تأمل البناء للمجهول، وكيف دل على الحركة الخاطفة السريعة التي فجأتهم، فلم يدروا من أين أتت، ثم إن المجهول في هذا الموقف المخيف يثير خيالات كثيرة.
والقرآن الكريم يعرض كثيرا من مشاهد القيامة في صور الماضي، وكأنها أحدث قد وقعت، وذلك ليؤكد كينونتها، وأن زمن الدنيا في حساب الحق كأنه زمن قد انتهى ليواجه بهذا الأسلوب الحاسم دواعي الانصراف عن أمر القيامة.
ومن ذلك، قوله تعالى:
﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ
стр. 241
أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ، قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ١.
الأحداث والمشاهد في هذه الآيات الكريمة لم تقع بعد، ولكن صياغتها تنقلها إلى المحيط الذي وقع، فقد تجلى الحق وأشرقت الأرض بالحقيقة المطلقة، ولم يعد في زواية من زواياها موضع للجحود والإنكار، ووضع الكتاب رمز العدل والفصل، وجيء بالنبيين والشهداء، وتزاحم الموقف بالصور والأحداث، ومرت كلها في رهبة ومر موكب الذين كفروا، وهم يساقون إلى جهنم زمرا بعدما انتهى الحوار بينهم وبين خزنة جهنم، ودخلوا أبوابها، وأحكم عليهم الرتاج في مثوى المتكبرين.
التعبير بالماضي عن المستقبل في هذا السياق تجاوز الزمن وطواه، فدارت بنا الأحداث، ووقفنا مع الواقفين، ووفيت نفوسنا ما عملت، ولم أجد مثل هذا في كلام الجاهليين أعني لم أجد اللغة في بيانهم قد انتزعت مشهدا متزاحما كهذا المشهد انتزعته من الزمن المقبل، وأدارته بأفاعيلها إلى زمن مضى، وكأنها أحداث قد تقضت، وانقضت كما ترى في الآية الكريمة، وكانت الصور الزاخرة عندهم هي صور حيوانات الصحراء، وصراعاتها أما مثل هذا فلا وجود له في شيء من كلامهم، والمهم أنك لا ترى في تقرير الحقائق أبلغ من هذا التعبير، ثم إن هذه الحقائق كما ترى لها أهمية كبيرة في العقيدة، وهي موضع مجاذبة؛ لأنها معتقدات بغيب فهي صور غريبة على النفوس الأرضية التي لا تؤمن إلا بما يدنو من حسها، ورؤاها مما يدور في آفاقها المحدودة.
стр. 242
وانظر إلى قصة ثانية تحكي جانبا من جوانب هذا الموقف الحافل الذي تناولته آيات كثيرة كما أشرنا، وكل واحدة منها تبرز جانبًا من جوانبه.
يقول سبحانه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ، أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد﴾ ١.
ليس من شك في أن صيغة الماضي ألقت على الأحداث طابع الحكاية المروية، وكأن كل ذلك قد وقع، وأنت الآن تسمع تلك القصة التي تملأ قبلك إشفاقا وخشية، هذا الأسلوب لا يدعك تفكر في إمكان وقوع الأحداث كما يكون الحال لو جاء بصيغة المضارع، وإنما يدعك تفكر في الأحداث، والمواقف نفسها لتتأمل ما فيها من رهبة، أو رغبة فمسألة الوقوع، وعدمه ألغاها الفعل الماضي حين صيرها واقعا يروى، ونقلها من الممكن الذي سيكون، والآيات فيها كثير من الإشارات، والخصائص الواقعة أحسن موقع.
انظر كيف بدأت طريق القيامة من أوله أي حين يقارب خطو الإنسان عتبة الآخرة بمجيء سكرة الموت بالحق، وانظر إلى كلمة: وجاءت سكرة الموت، ولفظ الماضي الذي لا يدع الخاطر يحوم في أفق الانتظار، وإنما يلج به قلب الحقيقة التي شملته وأحاطت به، وانظر إلى اسم الإشارة الذي يتردد في هذا السياق ليبرز الحقائق التي كانت تحيد عنها النفوس، وتأمل كلمة: ﴿تحيد﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ، تجدها تبلغ الغاية في الدقة وتصوير حال النفس التي لا تستطيع أن تحدق في الحقائق القاسية، كلمة: ﴿تحيد﴾ تصف.
стр. 243
الهروب من مواجهة الحقائق، وكلمة ذلك تضع الحقيقة شاخصة في مواجهة النفس الهاربة ...
وهذا الأسلوب لا يهتدي إلى مواقعه الشريفة إلا من مهر في سياسة الأساليب، وقلما تعثر عليه في كلام القوم الذين نزل فيهم القرآن؛ لأني لم أجده بهذه الغزارة وهذه الإصابة، وهذا السخاء، وهذا الزخم.
قال ابن الأثير:
"واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة، والبلاغة الذي اطلع على أسرارها، وفتش عن دفائنها، ولا تجد ذلك في كل كلام، فإنه من أشكل ضروب علم البيان وأدقها فهما، وأغمضها طريقا".
стр. 244
أسلوب الحكيم:
عرفه البلاغيون بقولهم: "هو تلقي المخاطب بغير ما يترقب، بحمل كلامه إلى خلاف مراده تنبيها على أنه الأولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأولى بحاله، أو المهم له".
وهذا التعريف يبين لنا أن أسلوب الحكيم ضربان من ضروب التعبير.
الأول: حمل كلام المخاطب على معنى غير المعنى الذي يقصده، وفيه شيء من المفاجأة، وفيه أيضا شيء من الحكمة، والتنبيه اللطيف على أن الأولى بمثل المخاطب أن يكون هذا المعنى مراده لا ما ذكره، ومثاله ما قدمناه من قول الحجاج لابن القبعثري: لأحملنك على الأدهم، فقال له: مثل الأمير حيمل على الأدهم والأشهب، أراد الحجاج: لأحملنك على القيد أي لأعذبنك، فالأدهم في كلامه مراد به القيد، ثم إن ابن القبعثري وجه لفظ الأدهم إلى معنى آخر هو الفرس الأدهم أي الذي فيه سواد، وكأنه يقول للحجاج من طرف خفي: الأولى بمثلك وهو في هذا السلطان، وهذه الهيئة أن يهب الخيول الدهم لا أن يقيد ويعذب، فإن الانتقام خلق الضعفاء، أما العطاء فهو خلق ذوي السلطان، قالوا: قال له الحجاج: إنه الحديد أي أنا أقصد بالأدهم القيد الحديد، فقال له ابن القبعثري: لأن يكون حديدًا خير من أن يكون بليدا، أي: لأن يكون الفرس ذا حدة وقوة، ونشاط خير من أن يكون بليدا فاترًا.
وعبد القاهر يسمى هذا الأسلوب المغالطة، وهو جدير بهذه التسمية، وإن كانت مغالطة أدبية طريفة.
النوع الثاني: أي جواب السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره
стр. 245
تنبيها على أنه الأولى بحاله، فمثاله قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ١، سألوه عن الأهلة: وقالوا: ما بال الهلال يبدو في أول أيامه دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا؟ أي سألوه عن السبب الطبيعي والعلة العلمية لتغيير منازل القمر، فأجاب القرآن ببيان فائدة تغيير منازل القمر، فقال: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ؛ لأن مثل حالهم لا يعنيهم من تغيير منازل القمر إلا ما ينتفعون به، أما المعرفة العلمية، فإن القرآن الكريم لم يفسر مظاهر الكون تفسيرا علميا كاشفا، وإنما ترك هذه الجهود للبشر، ومعاناتهم العلمية بعد ما هداهم إلى التفكير، وأوجب عليهم النظر في ملكوت الله، ومثل هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٢، سألوا وقالوا: ماذا تنفق أي مال، وأي نوع من العطاء نعطي؟ فصرفهم عن هذا، وقال: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ، ويبين لهم الجهات التي ينفقون فيها أموالهم، وأشار بذلك إلى أنه ليس المهم في الإنفاق هو ما ينفق، وإنما المهم أن يصرف في جهات شعرية، وأن يقع موقعه من البر والنفع.
стр. 246
الفصل الرابع: أحوال المسند
١- حذف المسند .
٢- ذكر المسند.
٣- تعريف المسند.
٤- تقديم المسند.
- حذف المسند:
وحذف المسند عند قيام القرينة يفيد ثلاث مزايا هامة هي التي ذكرناها في صدر الحيدث عن حذف المسند إليه، أعني وجازة العبارة وامتلاءها، ثم ترويقها وتصفيتها وصيانتها، ثم بناءها على إثارة الحس، والفكر حين تعول على النفس، والخيال في ملء جزء المعنى الذي لم يذكر لفظ دال عليه.
وبعد هذه المزايا العامة للحذف يبدو وراء كل تعبير سر خاص به.
ولا نستطيع أن نحدد أسرار الحذف في المسند كما نبهنا؛ لأن هذه الخصائص مظاهر لاختلاف المقامات والأحوال، ووظيفتها في الكلام هي جعله مطابقا المراد المتكلم وافيا بغرضه مبينا عن نفسه.
ومقامات الكلام متفاوتة تفاوتا يفوق الحصر، والأغراض تعدد بتعدد ما يعتور النفس من أفكار وأحوال.
قلت: هذا وأكرره ليتبين أن كل ما أذكره في هذه الدراسة ليس إلا أنماطا أوردتها على سبيل المثال لنهتدي بها في دراسة الأساليب، وتفهم أسرارها.
خذ في المسند قول ضابئ بن الحارث البرجمي: "من الطويل"
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
وما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحا ولا عن ريثهن يخيب
стр. 247
ورب أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب
وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب
وواضح من هذا النغم الرزين أن الشاعر يسيطر سيطرة مقتدرة على انفعالات جائشة قوية، يمكن أن تسمع ضجتها وراء تلك الرنة الرزينة.
وشاهدنا قوله: فإني وقيار بها لغريب.
فقد أراد أن يصف إحساسه بالغربة والوحشة، فذكر أن هذه الغربة الكئيبة قد أحسها بعيره كما أحسها هو، وأصل الكلام أن يقول: فإني لغريب بها وقيار غريب، ولكنه حذف المسند في الجملة الثانية؛ لأن ذكره في العبارة بعد دلالة القرينة عليه عبث يذهب بطلاوة الشعر؛ ولأن نفسه الضائقة بهذه الغربة تنزع إلى اللمح والإيجاز، وقيار اسم جمل الشاعر.
وفي البيت صنعة أخرى شريفة؛ لأنه لم يقل بعد الحذف: فإني لغريب بها وقيار، وإنما قال: فإني وقيار بها لغريب، فقدم قيارًا على بقية الجملة، وأقحمه بين جزئيها، وذلك لقصد التسوية بينهما في التحسر على الاغتراب، ويفسر لنا العلامة سعد الدين هذا السر الرائع، فيقول: "إنه لو قيل: إني لغريب وقيار لجاز أن يتوهم أن له مزية على قيار في التأثر بالغربة؛ لأن ثبوت الحكم أولا أقوى، فقدمه لتأتي الإخبار عنهما دفعة بحسب الظاهر تنبيها على أن قيارا مع أنه ليس من ذوي العقول قد ساوى العقلاء في استحقاقه الإخبار عنه بالاغتراب قصدا إلى التحسر"، هذا تحليل العلامة سعد الدين، وهو واحد من أركان علم الكلام، وهو في البلاغة يتذوق ويحلل.
وكان من خبر هذه الأبيات أن صاحبها ضابئ بن الحارث استعار كلبا من بني نهشل، وأطال مكثه عنده، وطلبوه فامتنع فلما عرضوا له، وأخذوه منه
стр. 248
هجاهم ورمى أمهم به، فحبسه عثمان بن عفان ﵁، وكان ضابئ شجاعا متهورا فيه طيش، هم بقتل عثمان لما حبسه، ولكنه لم يفعل وندم على أنه لم يفعل قال: "من الطويل"
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
ومع حبي الشديد لذي النورين ﵁، ومقتي الشديد لمن تطاولوا عليه، فإني أحب هذه الصنعة اللطيفة البارعة في هذا البيت، وهذا اللمح السريع، والتقسيم الممتاز في قوله: هممت ولم أفعل، وكدت وليتني.
وأظن أن القارئ الجيد الذي يستشعر معنى الشعر لا بد له أن يقف قليلا بعد النطق بهممت ليدرك المدى الذي وصل إليه هم الشاعر، ثم يقف قليلا بعد: "ولم أفعل"، ليدرك مدى إحساسه بالندم الذي أفرغه في هذه الكلمة -لم أفعل- ثم ينطق وكدت نطقا منفردا غير موصول بما قبله، ولا بما بعده ليلمح ضراعة الأمل الذي يداعب خيال ضابئ، وهو يشارف الفعل ويدنو من الغاية، ثم عليه أن يقرأ بقية البيت في نفس واحد يطول طول ندم الشاعر على تولي تمنيه ... أرأيت أننا في الشعر نقف عند صنعته، وبراعته وتثقيفه، وإتقانه، مع أنه يعبر عن خاطر أسود نكرهه ونمقته، وهكذا كان علماؤنا ومنهم المفسرون والمحدثون، والفقهاء وهم جميعا أهل عبادة، وأصحاب أوراد.
ويذكر البلاغيون قول امرئ القيس:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
مثالا لحذف المسند من الجملة الأولى لدلالة الثانية عليه، إذ أصل الكلام نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض، وليس للحذف هنا فضيلة، فوق فضيلة الاختصار.
ومما لوحظ في بنائه خصوصية التقديم ليفيد معنى الاهتمام بالمقدر، ويؤكد
стр. 249
التسوية في معنى المسند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ١، الأصل: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وقدم رسوله على المسند المذكور ليفيد أهمية إرضاء رسول الله ﷺ ، خشية أن تنصرف النفوس إلى إرضاء الله تتوانى في شيء من أمر رسول الله ﷺ ، فنبه بهذا التقديم على أهمية إرضاء رسول الله، وأنه من الله بمكان.
ومثله وعلى طريقته قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ٢، قدم ﴿الصَّابِئُونَ﴾ على خبر إن وهو مبتدأ، أي: الصبائون كذلك وذلك؛ لأن الصابئين أشد هذه الفرق، ويظن أنهم لا يستوون مع غيرهم، فأقحم للدالة على التساوي كما في الشواهد التي مضت.
وقد ترى سر التأثر، ومرجع المزية في حذف المسند كامنا في تكاثر المعنى نظرالكثرة الوجوه التي تصلح لتقدير المحذوف، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ٣، فقوله: فأن لله خمسة مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير فحق، أو فواجب أو فثابت، قال الزمخشري: "كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه لا سبيل إلا الخلال به، والتفريط فيه من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم، وما أشبه ذلك كان أقوى للإيجاب من النص على واحد.
وقد يشعر حذف المسند بتركه وازدرائه، والضن عليه بالذكر في مقابلة المسند إليه، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ٤، فإن ذلك الموصول مبتدأ، وخبره محذوف تقديره كما ليس كذلك، والقائم على كل نفس هو الله سبحانه أي متول أمر كل نفس حافظ
стр. 250
شأنها حفظ القائم يحرسه، ويصونه وهو تعبير جيد، ومثله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ ١، أي هي قائمة على أمر كتابها تحفظ شرائعه وحدوه، وكأنها في ذلك كالشخص القائم المنتصب اليقظ على الشيء يحرسه، ويصونه والمحذوف الذي هو كمن ليس كذلك هو المعبود بالباطل، وفي حذفه إشعار إهماله وازدرائه، والضن به على أن يذكر في مقابلة الحق ﷻ .
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ٢، أي: أهذا خير أم من جعل صدره ضيقا حرجًا، فحذف الثاني ليفيد الحذف إهماله، وانظر قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ، فإنها كلمة لا تجد لحسنها نهاية، وصاحبها لا يمشي على طريق منير فحسب، وإنما يمشي على نور، وهو نور يملأ القلب، ويتوهج في الضمير؛ لأنه نور من ربه، ولعل في الحذف هنا سرا آخر هو الرغبة في أن ينصرف الذهن إلى هذه الصورة ليمتلئ القلب بها، ولتبقى وحدها في التعبير لا تنازعها أخرى، ومثلها قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ٣، أي كمن ليس كذلك.
ومن حذف المسند قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤، وأي: كمن ينعم في الجنة.
والحذف هنا مشعر بتعظيم المحذوف، وأنه أكرم على الله من أن يذكر في مقابلة هذا الشقي، وفيه أيضًا القصد إلى أن يتجه الهم كله إلى المذكور الذي يتقي بوجهه سوء العذاب ليمتلئ القلب بصورته، وهو في النار فزع طائش لا يدري كيف يدرأ العذاب عن نفسه، فهو يتقي بوجهه، والوجه تسوءه النار، والذي فيه نبضة من نفس، وعقل يتقي وجهه من النار، ولا يتقي بوجهه النار.