العراق
في
أحاديث وآثار الفتن
وبيان صلة ذلك على ما يجاورها من البلدان
وفي آخره
دراسة تأصيلية لظاهرة إسقاط الفتن على الوقائع، وتقويم الدراسات الحديثة التي خاضت في ذلك، وبيان مزالقها وانحرافاتها
تصنيف أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان
стр. 2
المقدمة
إنّ الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله مِن شرور أنفسنا، ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادِيَ له.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له.
وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسولُه.
﴿يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأنْتُم مُسلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم الَّذي خَلَقَكُمْ منْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذي تَسَاءَلوُنَ بِهِ وَالأرحامَ إنَّ اللهَ كَانَ عَليْكُم رَقِيباً﴾ [النساء: ١] .
﴿يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَولاً سَديداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوُلهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيْماً﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١] .
أما بعد:
فإنّ أمواج (فتن العصر) الذي نعيش عالية ظاهرة، متوالية، ومركزها -فيما أخبر عنه النبي ﷺ جهة المشرق بعامة، و (العراق) بخاصة، ومنها: «تهيج الفتن» (١) إلى سائر الجهات والبلدان، ولا يسلم منها إلا من عصمه الله -تعالى-.
стр. 3
وأبواب (الفتن) و (الملاحم) التي أخبر عنها ﷺ في أحاديث أشراط الساعة، وما كان وما يكون منها، لا تزال تنتظر باحثاً عالي الهمّة، دقيق النظر، ثاقب الفهم، راسخ القدم في العلوم الدينية بعامة، والحديثية: رواية ودراية بخاصة، عالي الكعب في التاريخ، واسع الاطلاع على أحداثه ومجرياته، صبوراً دؤوباً في البحث والتنقيب والتمحيص، سليم العقيدة، حسن القصد؛ فإنها من أدق العلوم، وأوسعها بحثاً، وأكثرها تداخلاً.
وقد قام مجموعة من علمائنا ﵏ بواجبهم تجاه هذا الموضوع فيما مضى، وأخذ المتأخرون شروحهم وكلامهم على الأحاديث، وكأن عجلة الزمن توقفت، وتعاملوا مع أحاديث الفتن بمعزل عما يعصف من (أمواج) بالأمة.
والملاحظ بقوّة ضعف الدراسات الحديثة الجادّة حول هذا الموضوع، ولعل هذا من مظاهر اشتداد الفتن، وزاد الطين بلّة خوض بعض الذين لا علم عندهم، ولا دين لهم (١) في هذا الموضوع، وظهر ذلك على شكل دراسات ذات عناوين برّاقة (٢) ، ومظاهر خلاّبة! هاجت على الأمة حديثاً بسبب ما وقع أخيراً في (العراق) من اجتياحها الأول للكويت، وما تبعه من حصار، وحروب بعد ذلك في عصرنا الحالي.
وكثير من هذه الدراسات فيها (ركض) وراء الأحداث، وعجلة في إسقاط الأحاديث والآثار والنقول، وفوضى في الاستدلال، وخروج عن منهج العلماء في المعالجة، بل زج بعض أصحابها نفسه في مضايق، ظهر من
стр. 4
خلالها كذبه، إذ كان يقطع بوقوع كذا في وقت كذا (١) ،
دون أدنى دليل صريح، وإنما الاستنباط والترجيح، دون فهم رجيح، لوقوع ذلك من قبل بعض النكرات ممن ليس لهم مشاركات جادة في العلوم الشرعية على وجه مليح، يسرُّ أصحاب المنهج الصحيح.
وحاولتُ جاهداً في هذه الدراسة (٢) : إبراز الأحاديث والآثار التي فيها ذكر الفتن التي وقعت وستقع في العراق وجهتها وما جاورها، وبيان الصحيح
стр. 5
والسقيم منها، وذكر صلتها بأشراط الساعة، وربطها بما حصل وسيحصل من أحداث على أرضها، وتلمّس القواعد الكليَّة، والنظرة المنهجيّة العلمية للسلف، وكيفية فهمهم لأحاديث الفتن، وعالجت من خلال ذلك: عملية إسقاط الفتن على الواقع، وهل هذا مشروع أم ممنوع، وبيان المحاذير التي فيه، وذكرت نماذج مما يخص موضوع بحثنا (العراق) و (الفتنة) من كتب طارت أيّ مطار، في سائر البلاد والأمصار.
وتَوَّجْتُ ذلك بذكر الأسانيد من (دواوين السنّة) والكلام على رواتها (١) ، وفق قواعد أهل الصنعة الحديثية، وأطلتُ النَّفس في الاستقصاء والبحث، وذكر الطرق والشواهد، وكلام الأئمة والمحدثين عليها -قديماً وحديثاً-: صحةً وضعفاً، توجيهاً وشرحاً، وحاولت ربطها بسائر ما ورد في الباب؛ على منهج أهل الحق والصواب.
ولم أَنْسَ في دراستي هذه الآتي:
أولاً: تفنيد باطل من زعم أنّ (نجداً) الواردة في أحاديث (الفتن) ، هي دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-، وأكّدتُ ذلك بما يظهر لكل ذي عينين أنّ هذه (دعوى) باطلة كاسدة، وأنّ (دعوة) الشيخ الإمام هي الإسلام الصحيح المصفّى، وهي باقية خالدة رائجة، على الرغم من أنوف الحاقدين المموهين.
ثانياً: التعرض لما استجدَّ من أحداث في العراق (٢) .
ثالثاً: ذكر قواعد كلية منهجية مهمّة في علم الحديث، والتخريج، مما له
стр. 6
صلة بالأحاديث المبحوثة.
رابعاً: ذكر ما جرى على أرض العراق من أحداث جسام (١) ؛ مثل: فتنة التتر والمغول، وكلام المؤرخين عليها، وتحقيق صلتها بالأحاديث التي قيل إنها واردة فيها؛ من خلال نقولات لعلماء محررين مدققين.
ومثل: إخراج الكفار لأهل العراق وحصارهم ومنعهم خيرات بلادهم، وغزوهم واحتلالهم، وبيان أنّ ذلك يتكرر، وأنّ بعضَه وقع قديماً، وبعضَه الآخر حديثاً، وسيقع -أيضاً- في آخر الزمان، ولا سيما عندما يحسر الفرات عن (جبل) ، أو (جزيرة) ، أو (تل) ، أو (كنز) (٢) من ذهب، وأنّ الوقت كلما اقترب من قيام الساعة -والباقي منها أقل بكثير من الماضي- ظهر ذلك للعيان، وبيّنتُ خطأ من زعم أنّ المراد بهذا الكنز هو (البترول) ، وأطلت -ولله الحمد- في تفصيل ذلك.
خامساً: بيان حدود (العراق) ، وأنّ المراد بذكرها في الأحاديث والآثار أوسع من حدودها الجغرافية الآن (٣) ، مع ذكر الدليل، والله الموفِّق والهادي إلى سواء السَّبيل.
سادساً: يوجد في الكتاب أحاديث ضعيفة -بله موضوعة- قليلة، ولكن:
стр. 7
١- مصرَّح بضعفها أو وضعها، بعبارات ظاهرة، وأحكام لائحة.
٢- ذُكِرت بعضها لشيوعها وذيوعها، وشهرتها على الألسنة، ولا سيما في وقت الفتن، فالتحذير من (الشر) باب من أبواب (الخير) .
٣- فيها مستندٌ لبعض الخائضين في أحاديث الفتن، فذكرتها من باب الرّد عليهم، أو قطعاً لاستنادهم، أو تزييفاً لدليلهم.
٤- همّي في الكتاب الجمع والتقميش أولاً، ثم البحث والتفتيش، ويذكر هذا النوع؛ من باب الإحاطة والاستئناس، ومن باب تكثير العساكر والجيوش، ولما لها أثر في النفوس، على منهج أهل العلم في التصنيف، ولا سيما في مثل هذا الباب.
هذه هي مادّة الكتاب بإجمال: فإنْ أحسنت في عرضها، وأفلحت في وضع الأدلة في نصابها، وأصبت في الكلام على ضعفها وصحتها؛ فمن فضل الله ذي الجلال، وإن كانت الأخرى؛ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر اللهَ ذا الكمال، ودينُ الله بريء منه، وأنا تائب عنه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتب
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان
عمان - الأردن
стр. 8
فصل
في بيان أنّ العراق تهيّج منها الفتن،
وصلتها بأهمّ فتن هذا العصر
أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب الاستسقاء (باب ما قيل في الزلازل والفتن) (رقم ١٠٣٧) وكتاب الفتن (باب قول النبي ﷺ : «الفتنة من قبل المشرق» ) (رقم ٧٠٩٤) ، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الفتن وأشراط الساعة (باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان) (رقم ٢٩٠٥) بسنديهما إلى نافع، عن ابن عمر، قال:
ذكر النبي ﷺ ، قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا؟! قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا؟! -فأظنه قال في الثالثة-: «هنالك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» لفظ البخاري.
ولفظ مسلم (٢٩٠٥) بعد (٤٥) من طريق الليث (١) ، عن نافع به: «أنه سمع رسول الله ﷺ ، وهو مستقبل المشرق، يقول: ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة ها هنا؛ من حيث يطلع قرن الشيطان» ، وفي لفظ له (بعد ٤٦) من طريق عبيد الله (٢) ،
стр. 9
عن نافع به: «إن رسول الله ﷺ قام عند باب حفصة (١) ، فقال بيده نحو المشرق: الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان» قالها مرتين أو ثلاثاً.
وفي لفظ له ولأحمد (٢/١٨) : «قام رسول الله ﷺ عند باب عائشة» ، وفي لفظ للبخاري في كتاب فرض الخمس (باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ وما نسب من البيوت إليهن) (رقم ٣١٠٤) : «قام النبي ﷺ خطيباً، فأشار نحو مسكن عائشة، فقال: هنا الفتنة -ثلاثاً- من حيث يطلع قرن الشيطان» .
وهنالك ألفاظ عن نافع في الحديث لا بد من إيرادها؛ لتعلّقها بموضوع بحثنا، ولأنها توضح المراد بلفظة (نجد) الواردة في رواية البخاري السابقة، هي:
ما أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٢/٣٨٤ رقم ١٣٤٢٢) من طريق إسماعيل بن مسعود: ثنا عبيد الله بن عبد الله بن عون، عن أبيه، عن نافع، به. ولفظه:
«اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك في يمننا، فقالها مراراً، فلما كان في الثالثة أو الرابعة، قالوا: يا رسول الله! وفي عراقنا؟ قال: «إنّ بها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» .
стр. 10
وهذا إسناد جيد، عبيد الله معروف الحديث. قاله البخاري في «التاريخ الكبير» (٥/٣٨٨ رقم ١٢٤٧) ، وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/٣٢٢) عن أبيه: «صالح الحديث» .
وتابعه أزهر بن سعد أبو بكر السمان في روايته عن أبيه (عبد الله بن عون) ، أخرجه البخاري (١) (١٠٣٧، ٧٠٩٤) -ومن طريقه أبو المعالي المقدسي في «فضائل بيت المقدس» (ص ٤٣٠) ، وجمال الدين المراكشي في «تخريجه مشيخة الإمام المراغي» (ص ٤١٤) -، والترمذي (٣٩٤٨) ، وأحمد (٢/١١٨) وابن حبان (٧٢٥٧ - «الإحسان» ) ، والبغوي في «شرح السنة» (١٤/٢٠٦ رقم ٤٠٠٦) ، وابن جميع في «معجم شيوخه» (ص ٣٢٤-٣٢٥/رقم ٢٩٧) -ومن طريقه الذهبي في «السير» (١٥/٢٨٦-٢٨٧، ٣٥٦) -، وابن عساكر (١/١٣٢، ١٣٣-١٣٤، ١٣٤) ، وصححوه جميعاً (٢) ، عدا أحمد وابن عساكر، وعند جميعهم: «نجدنا» ، مكان «عراقنا» ، وهي هي، ووقع التصريح به في بعض روايات سالم بن عبد الله عن أبيه، وهذا التفصيل:
أخرج الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/٧٤٦-٧٤٧) ، والمخلّص في «الفوائد المنتقاة» (ج٧/ق٢-٣) ، والجرجاني في «فوائده» (ق١٦٤/ب) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/١٣٣) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٣٠، ١٣٠-١٣١ - ط. دار الفكر) من طريق توبة العنبري، عن سالم، به. ولفظه: «اللهم بارك لنا في مكّتنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في شامنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا» ، فقال رجل: يا رسول الله! وفي عراقنا، فأعرض عنه، فردّدها ثلاثاً، كلُّ ذلك يقول الرجل: وفي عراقنا، فيُعرض عنه، فقال:
«بها الزلازل والفتن، وفيها يطلُع قرنُ الشيطان» .
стр. 11
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وتوبع توبة، تابعه زياد بن بيان.
أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤/٢٤٥-٢٤٦ رقم ٤٠٩٨ - ط. الحرمين) ، وأبو الطاهر الذهلي -ومن طريقه ابن عساكر (١/١٣١-١٣٢) - من طريق حماد بن إسماعيل ابن علية، قال: نا أبي، قال: نا زياد بن بيان، قال: نا سالم به، ولفظه:
«صلى النبي ﷺ صلاة الفجر، ثم انفتل، فأقبل على القوم، فقال: ... » وذكره، وفي آخره: «فقال رجل: والعراق يا رسول الله؟! قال: من ثَمّ يطلع قرنُ الشيطان، وتهيجُ الفتن» .
وقال عقبه: «لم يرو هذا الحديث عن زياد بن بيان إلا إسماعيل ابن علية، تفرد به ابنه حماد» !
قلت: ليس كذلك، فقد رواه عن إسماعيل ابن علية: عمر بن سليمان الأقطع -أيضاً-.
أخرجه أبو علي الحراني في «تاريخ الرقة» (ص ٩٥- ٩٦/رقم ١٤٥) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٣٢) ، وابن العديم في «بغية الطلب» (١/٣٤٢-٣٤٣) من طريق سليمان بن عمر بن خالد الأقطع: نا إسماعيل بن إبراهيم ابن عليّة، به مثله.
وهذا إسناد جيد.
وأخرجه الربعي في «فضائل الشام» (١١/٢٠) من هذا الطريق، وعنده زيادات في آخره تخص المدينة وفضلها، فالمقام لا يتسع للتفصيل فيها (١) .
стр. 12
* سائر طرق الحديث عن سالم عن ابن عمر
وورد عن سالم من طرق مختصراً، دون التصريح بذكر العراق، وهذا ما وقفت عليه منها:
* الزهري
أخرجه البخاري في كتاب المناقب (باب منه) (٣٥١١) : حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عنه بلفظ: «سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ألا إن الفتنة ها هنا -يشير إلى المشرق- من حيث يطلع قرن الشيطان» .
وهكذا أخرجه أحمد (٢/١٢١) ، ورواه (٢/١٤٠) من طريق عقيل.
ومسلم (٢٩٠٥) من طريق يونس.
وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٤٦٣ رقم ٢١٠١٦) -ومن طريقه الترمذي (٢٢٦٩) -، والبخاري (٧٠٩٢) من طريق معمر، ولفظه:
«ها هنا أرض الفتن -وأشار الى المشرق-، وحيث يطلع قرن الشيطان» كلهم عنه، به.
* حنظلة بن أبي سفيان الجُمحيّ
أخرجه مسلم (٢٩٠٥) بعد (٤٩) ، وأحمد (٢/٤٠) من طريق إسحاق ابن سليمان، وأحمد (٢/١٤٣) عن ابن نمير، وأبو عوانة في «المسند» -كما في «إتحاف المهرة» (٨/٣٣٤ رقم ٩٤٩٦) - من طريق مخلد بن يزيد، والبزار في «البحر الزخار» (١٢/٢٧١ رقم ٦٠٦١ - بمراجعتي) من طريق روح بن عبادة؛ جميعهم عنه، به.
ولفظ مسلم: «سمعت رسول الله ﷺ يشير بيده نحو المشرق، ويقول: ها إنّ الفتنة ها هنا، ها إنّ الفتنة ها هنا -ثلاثاً-؛ حيث يطلع قرن الشيطان» .
стр. 13
* عقبة بن أبي الصَّهباء، أبو خريم البصري
أخرجه أحمد (٢/٧٢) : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم -واسمه: عبد الرحمن بن عبد الله-، وأبو يعلى (٩/٣٣٨-٣٣٩ رقم ٥٤٤٩) : حدثنا أبو عامر حوثرة بن أشرس والدولابي في «الكنى والأسماء» (١/١٦٨) من طريق مسلمة بن إبراهيم؛ جميعهم عن عقبة، به.
ولفظ الدولابي: «صلى النبي ﷺ ذات يوم صلاة الصبح، فلما أن قضى صلاته، قام، فاستقبل مطلع الشمس، ثم نادى: ألا إن الفتن من ها هنا، ألا إن الفتن من ها هنا، ثلاث مرات، ومن ثم يطلع قرن الشيطان» ، وهذا أتم الألفاظ، ولفظ أحمد وأبي يعلى بنحوه مع اختصار.
وعقبة وثّقه ابن معين في رواية الدوري (٢/٤٠٩) وابن الهيثم في «من كلام أبي زكريا ... » (ص ٤٠، ٥٠) ، وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٦/٣١٢) : «محله الصدق» ، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/٢٤٧) .
* عكرمة بن عمار
أخرجه مسلم (٢٩٠٥) بعد (٤٨) ، وأحمد (٢/٢٣، ٢٦) من طريق وكيع، وأبو عوانة -كما في «إتحاف المهرة» (٨/٣٤٧ رقم ٩٥٢٧) - من طريق أبي عبيدة إسماعيل بن سنان الرفاعي عنه، به.
ولفظ مسلم: «خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة، فقال: رأس الكفر من ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» . يعني: المشرق.
وهذا لفظ مجمل يُفْرِح المبتدعة (١) ، وهم يذكرون ما لهم، وسائر
стр. 14
الألفاظ عليهم.
وأخرجه ابن المقرئ في «معجمه» (ص ٢٢٨/رقم ٧٥٨) من طريق النضر بن محمد: ثنا عكرمة، قال: جاء رجل -يقال له: جابر الجعفي- إلى سالم بن عبد الله، فقال: إنّ رجلاً مسح وجهه وهو محرم، فوقعت من لحيته شعرة، فقال له سالم: أعراقيّ أنت؟ اخرج عني، قال له: إنما أسألك -عافاك الله-! وجعل يتبعه ولا يفارقه. فقال له سالم: نشدتك بالله! هل خرجت مع ابن المهلب؟ قال: لا. قال له سالم: إنَّ أبي عبدَالله بنَ عمر حدثني، أن رسول الله ﷺ خرج عليهم من حجر عائشة، فقال لهم: «رأس الكفر من ها هنا، من قبل المشرق ... » .
стр. 15
* عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر
أخرجه أبو عوانة -كما في «إتحاف المهرة» (٨/٣٥٢ رقم ٩٥٤١) - من طريق الوليد بن مزيد: سمعت عمر بن محمد، حدثني سالم ونافع، به.
وأخرجه البزار في «البحر الزخار» (١٢/٢٧١ رقم ٦٠٦٣) من طريق أبي عاصم عنه عن سالم وحده، به.
* فضيل بن غزوان
أخرجه مسلم (٢٩٠٥) ، وأبو يعلى (٩/٣٨٣، ٤٢٠-٤٢١ رقم ٥٥٥١، ٥٥٧٠) ، وأبو عوانة -كما في «إتحاف المهرة» (٨/٣٥٤ رقم ٩٥٤٨) -، والبزار في «البحر الزخار» (١٢/٢٧٢ رقم ٦٠٦٤ - بمراجعتي) ، وأبو الفضيل عبيد الله بن عبد الرحمن في «حديث الزهري» (١/٢٩٤-٢٩٥ رقم ٢٦٦) ، والبيهقي في «الشعب» (٤/٣٤٦ رقم ٥٣٤٨) من طرق عن ابن فضيل -وسمّي عند غير مسلم بمحمد-، عن أبيه، قال: سمعتُ سالم بن عبد الله بن عمر يقول:
يا أهل العراق! ما أسأَلَكُم عن الصَّغيرة، وأركَبَكُم للكبيرة، سمعتُ أبي عبدَالله بن عمر يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن الفتنة تجيء من ها هنا، وأومأ بيده نحو المشرق، من حيث يطلع قرن الشيطان، وأنتم يضرب بعضُكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون، خطأً، ... فقال الله له: ﴿وقَتَلتَ نَفساً فَنَجّينَاك مِنَ الغَمّ وفَتَنّاك فُتوناً﴾ ... [طه: ٤٠] .
وهذه الرواية تشهد لما سبق في أن المراد بالمشرق: أهل العراق، وعلى ذلك كان يحمله سالم بن عبد الله، ولذا قال أوله: «يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة» .
وممن رواه عن ابن عمر غير مولاه نافع، وابنه سالم:
стр. 16
* عبد الله بن دينار
أخرجه مالك في «الموطأ» في الاستئذان (٢٩) (٢/٩٧٥) (باب ما جاء في المشرق) ، ومن طريقه البخاري (٣٢٧٩) ، ولفظه: «رأيت رسول الله ﷺ يشير إلى المشرق، فقال: ها إن الفتنة ها هنا، إن الفتنة ها هنا؛ من حيث يطلع قرن الشيطان» .
وأخرجه من طرق (١) عن ابن دينار مختصراً: البخاري في كتاب الطلاق (باب الإشارة في الطلاق) (٥٢٩٦) ، وأحمد (٢/٢٣، ٥٠، ٧٣، ١١١) ، والبزار في «البحر الزخار» (١٢/٢٩١ رقم ٦١٢٤ - بمراجعتي) ، وابن حبان (١٥/٢٥ رقم ٦٦٤٨، ٦٦٤٩ - «الإحسان» ) ، وأبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن في «حديث الزهري» (٢/٥٩٢ رقم ٦٣٥) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/٧٤٩) ، والبغوي في «شرح السنة» (٤٠٠٥) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/٣٤٨) ، وأبو الشيخ في «ذكر الأقران» (ص ١٢١/رقم ٤٥٤) .
* بشر بن حرب النَّدَبيّ
أخرجه أحمد (٢/١٢٦) ، وفي أوله: «اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي صاعنا، ومدّنا، ويمننا، وشامنا» ، ثم استقبل مطلع الشمس، فقال: «من ههنا يطلع قرن الشيطان، من ههنا الزلازل والفتن» .
وأخرجه بالسند نفسه (٢/١٢٤) ، ولفظه: «اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدّنا» وذكر ما في آخره (٢) .
وأخرجه ابن عساكر (١/١٣٦-١٣٧) بلفظي أحمد من طريق يونس،
стр. 17
ومن طريق مسدد بن مسرهد؛ كلاهما عن حماد بن زيد، عن بشر، به.
ونسبه في «الجامع الكبير» (١/١١٢٣) و «كنز العمال» (١٤/١٢٥) لأبي الفرج عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني، المعروف بـ (رُسْته) .
* أنس بن سيرين
أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٧/٢٥٢ رقم ٧٤٢١ - ط. الحرمين) من طريق حماد بن سلمة عنه، ولفظه: سمعتُ رسول الله ﷺ عند حُجرة عائشة، يدعو: «اللهم بارك لنا في مدّنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا» ، ثم استقبل المشرق، فقال: «من ها هنا يخرج قرنُ الشيطان والزلازل والفتن، ومن هنا الفَدَّادُون» .
وقال: «لم يروِ هذا الحديث عن حماد إلا عباد بن آدم، تفرد به ابنُه» .
ولقوله: «ومن هنا الفَدّادون» شاهد من حديث جماعة؛ منها:
* حديث أبي مسعود الأنصاري
أخرجه البخاري (٣٣٠٢، ٣٤٩٨، ٤٣٨٧) ، ومسلم (٥١) ، والحميدي (٤٥٨) ، وابن أبي شيبة (١٢/١٨٢) ، وأحمد (٤/١١٨ و٥/٢٧٣) وفي «فضائل الصحابة» (١٦٠٨) ، وأبو عوانة (١/٥٨، ٥٩) ، وابن منده في «الإيمان» (٤٢٥، ٤٢٦، ٤٢٧) ، والطحاوي في «المشكل» (٨٠٣) ، والطبراني في «الكبير» (١٧/٢٠٨، ٢٠٩ رقم ٥٦٤، ٥٦٥، ٥٦٦، ٥٦٧، ٥٦٨، ٥٦٩، ٥٧٧) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٦٣) من طريقين عن قيس بن أبي حازم عنه، به.
ولفظ البخاري: أشار رسول الله ﷺ بيده نحو اليمن، فقال: «الإيمان يمان -ها هنا-، ألا إن القسوة وغِلَظَ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر» .
стр. 18
و (الفدادون) جمع (فدان) والمراد به البقر التي يحرث عليها، وقال الخطابي (١) : الفدان: آلة الحرث والسكة فعلى الأول: فالفدادون جمع فدان، وهو من يعلو صوته (٢) في إبله وخيله، وحرثه، ونحو ذلك، والفديد؛ هو: الصوت الشديد، وقال بعضهم: الفدادون؛ هم: الرعاة والجمالون. وقال الخطابي: إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم، وذلك يفضي الى قساوة القلب. أفاده ابن حجر في «الفتح» (٦/٣٥٢) .
* حديث أبي هريرة
أخرجه البخاري (٣٣٠١) ، ومسلم (٥٢) بعد (٨٤) عن الأعرج عنه، ولفظه: «رأسُ الكفر نحو المشرق، والفخرُ والخيلاءُ في أهل الخيل والإبل، والفدّادين أهل الوبر، والسكينةُ في أهل الغنم» .
وأخرجه مالك (٢/٩٧٠) ، والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٧٤) ، وأحمد (٢/٤١٨) ، وأبو عوانة (١/٦٠) ، وأبو يعلى (٦٣٤٠) ، وابن منده في «الإيمان» (٤٣٤) ، والطبراني في «الأوسط» (١٧٥٩) ، والبغوي (٤٠٠٣) من طريق الأعرج.
وأخرجه أحمد (٢/٢٥٢) وفي «فضائل الصحابة» (١٦٥٨، ١٦٦١) ، وابن أبي شيبة (١٢/١٨٢) ، ومسلم (٥٢) بعد (٩٠) ، وأبو عوانة (١/٥٩) ، وابن حبان (٧٢٩٩) ، وابن منده في «الإيمان» (٤٣٦، ٤٣٧، ٤٣٨، ٤٣٩) من طريق أبي صالح، وأحمد (٢/٣٧٢، ٤٠٧-٤٠٨، ٤٥٧، ٤٨٣) ، ومسلم (٥٢) بعد (٨٦) ، والترمذي (٢٢٤٣) ، وأبو يعلى (٦٥١٠) ، وابن حبان (٥٧٧٤) ، وأبو عوانة (١/٥٩) ، وابن منده (٤٢٨) ، والطحاوي في «المشكل» (٨٠٠) من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي عن أبيه،
стр. 19
والطيالسي (٢٥٠٣) عن موسى بن مطير عن أبيه، والبخاري (٤٣٨٩) ، وابن منده (٤٢٩) من طريق أبي الغيث، وأحمد (٢/٣٨٠) من طريق ثابت بن الحارث، وأحمد (٢/٤٢٥-٤٢٦) من طريق أبي مصعب -واسمه: هلال بن يزيد المازني- بألفاظ متقاربة، وفيها جميعاً: «رأس الكفر نحو المشرق» أو ما في معناه.
ولفظ أبي المغيث: «والفتنة ها هنا، ها هنا يطلع قرن الشيطان» .
وأخرجه البخاري (٣٤٩٩) ، ومسلم (٥٢) بعد (٨٧) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه، وفيه: «الخيلاء في الفدادين» . والبخاري (رقم ٤٣٨٨) عن ذكوان عنه، وفيه: «والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل» ، ومسلم (٥٢) بعد (٨٩) عن سعيد بن المسيب عنه، ولفظه: «والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر» .
* حديث جابر بن عبد الله
أخرجه مسلم (٥٣) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : «غِلَظُ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز» .
وأخرجه هكذا: ابن حبان (١٦/٢٨٥ رقم ٧٢٩٦ - «الإحسان» ) ، وابن منده في «الإيمان» (١/٥٣١ رقم ٤٤٦) .
وزاد أحمد (٣/٣٣٥) وفي «فضائل الصحابة» (١٦١١) ، وأبو عوانة (١/٦٠) : (أهل) قبل (المشرق) .
وأخرجه أحمد (٣/٣٤٥) ، والطبراني في «الأوسط» (١٠/٢٨ رقم ٩٠٦٧) من طريق ابن لهيعة، والبزار (٣/٣١٥ رقم ٢٨٣٤ - «كشف الأستار» ) من طريق موسى بن عقبة؛ كلاهما عن أبي الزبير، به بزيادة (أهل) -أيضاً-.
стр. 20
وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢/١٨٣ أو ٦/٤٠٦ - ط. أخرى) ، وأبو يعلى (٢/٣٥٤، ٣٦٦، ٤٧٥ رقم ١٨٩٣، ١٩٣٥، ٢٣٠٩) ، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨٦٧) ، وتمام في «الفوائد» (١٥٤٧ - ترتيبه) من طرق عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر نحوه، وفيه: «قبل الشرق في ربيعة ومضر» .
وأخرجه أحمد (٣/٣٣٢) من طريق أبي بشر، عن سليمان، عن جابر رفعه بلفظ: « ... وغلظ القلوب والجفاء في الفدّادين في أهل المشرق» .
وأبو بشر، جعفر بن أبي وحشية، وسليمان هو ابن قيس البصري، وكلاهما ثقة، إلا أن أبا بشر لم يسمع من سليمان. قاله البخاري، فيما نقل عنه تلميذه الترمذي (٣/٦٠٤) ، وقال ابن حبان في «الثقات» (٤/٣٠٩) : «ولم يره أبو بشر» .
ووردت ألفاظ في حديث ابن عمر فيها كلام، وورد عن غيره ما يؤكد ما قررناه، من أن العراق تهيج منها الفتن، ووقع التصريح فيها بذكر (العراق) ، وأنها المعنية بما قدمناه في مطلع هذا المبحث، من قوله ﷺ عنها: «هناك الزلازل والفتن» ، وهذا التفصيل، والله المستعان، لا رب سواه:
* طرق في ألفاظها نُكْرة
أولاً: طريق أبي عبيد حاجب سليمان عن نافع عن ابن عمر.
أخرج أبو أمية الطرسوسي في «مسند ابن عمر» (ص ٤٠/رقم ٦٩) ، وأبو عبد الله القطان في «حديثه» (ق ٥٩/ب) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٣٤-١٣٥) من طريق محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، حدثني أبو رزين، عن أبي عبيد حاجب سليمان، عن نافع، به. ولفظه مثل لفظ توبة العنبري (١) عن نافع؛ إلا أنّ في آخره:
стр. 21
«فقال رجل: يا رسول الله! العراق ومصر؟ فقال: «هناك ينبت قرنُ الشيطان، وثَمَّ الزلازل والفتن» .
وهذا إسناد ضعيف، فيه علل:
الأولى: أبو رزين مجهول، ذكره الذهبي في «المقتنى» (رقم ٢١٩٩) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولم أقف على ترجمته عند غيره.
الثانية: محمد بن يزيد الرهاوي، ليس بالقوي.
الثالثة: أبوه يزيد ضعيف.
الرابعة: لفظة «مصر» لم أقف عليها في هذا الحديث من غير هذا الطريق، فهي منكرة.
ثانياً: طريق عبد الرحمن بن عطاء (١) عن نافع.
أخرجه أحمد في «المسند» (٢/٩٠) ، والطبراني في «الأوسط» (٢/٢٤٩ رقم ١٨٨٩) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٣٥-١٣٦، ١٣٦) من طريق سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الرحمن، به. وفيه: «مشرقنا» ، بدل: «عراقنا» ، وفي آخره بعد «من هناك يطلع قرن الشيطان» زيادة: «وبها تسعة أعشار الشّرّ» كذا عند أحمد، ولفظ الطبراني: «إن من هنالك يطلع قرن الشيطان، وبه تسعة أعشار الكفر، وبه الداء العضال» ، وقال عقبه:
«لم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عطاء إلا سعيد بن أبي أيوب، تفرد به ابنُ وهب» .
قلت: لعله يريد الزيادة التي في آخره، وإلا فالحديث مع زيادة «وبها تسعة أعشار الشر» رواها أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، عن ابن أبي أيوب،
стр. 22
وهذه الزيادة غير محفوظة، لم يروها عن نافع -فيما أعلم- غير عبد الرحمن ابن عطاء، وهو صدوق، فيه لين.
قال شيخنا الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥/٣٠٤) :
«فعندي وقفة في ثبوت هذه الزيادة؛ لتفرد عبد الرحمن بها دون سائر الرواة، ولا سيما وقد رواها الفسوي (٢/٧٥٠، ٧٥١) عن ابن مسعود وعلي ﵄ موقوفاً، ولا يظهر لي أنها في حكم المرفوع، والله أعلم» .
* أحاديث أخرى وقع التصريح فيها بذكر العراق، وأن الفتن تهيج منها، أو تكون فيها، وفي أسانيدها ضعف:
* حديث ابن عباس
أخرج الطبراني في «الكبير» (١٢/٨٤-٨٥ رقم ١٢٥٥٣) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٣٨) - من طريق إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه، عن سعيد بن جبير عنه، ولفظه:
دعا رسول الله ﷺ ، فقال: «اللهم بارك لنا في صاعنا ومُدِّنا، وبارك لنا في مكتنا ومدينتنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا. فقال رجل من القوم: يا نبي الله! وعراقنا؟ فقال:
«إنّ بها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وإنّ الجفاء بالمشرق» .
وعزاه المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/٢٢٧) للطبراني، وقال: «ورواته ثقات» ، وفرقه الهيثمي في «مجمع الزوائد» ، فذكر (٣/٢٨٧) طرفاً منه في (باب الدعاء لمكة) ، قال: «رواه الطبراني في «الكبير» في حديث طويل يأتي في فضل المدينة -إن شاء الله-، وفيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان، وهو ضعيف» ، بينما قال (٣/٣٠٥) في (فضل المدينة) -كعادته في متابعة المنذري-: «ورجاله ثقات» !
وإسحاق بن عبد الله بن كيسان، قال عنه الذهبي في «المنتقى» (رقم
стр. 23
٦٩٢) : «واهٍ» ، واقتصر في «الميزان» (١/١٩٤) على قوله: «ليّنه أبو أحمد الحاكم (١) » ونقل ابن حجر في «اللسان» (١/٣٦٥-٣٦٦) عن الصَّدْر الياسُوفيّ أنه قال فيه وفي أبيه: «فيهما الضعف الشديد» .
وأبوه عبد الله، صدوق يخطئ كثيراً، كما في «التقريب» .
فالحديث إسناده ضعيف، إلا أنه صحيح لشواهده التي ذكرناها له، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
* حديث معاذ بن جبل
أخرج الخطيب البغدادي (١/٢٤-٢٥) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٣٧-١٣٨) - قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن بُكير المصري، قال: حدثني أحمد بن محمد بن إبراهيم الأنباري، قال: نبأنا أبو عمر محمد بن أحمد الحَلِيمي (٢) ، قال: نبأنا آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، عن معن بن الوليد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل، قال: قال النبيُّ ﷺ : «اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وفي شامنا، وفي يمننا، وفي حجازنا» . قال: فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله! وفي عراقنا؟ فأمسك النبي ﷺ ، فلما كان في اليوم الثاني قال مثل ذلك، فقام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله! وفي عراقنا؟ فأمسك النبي ﷺ ، فلما كان في اليوم الثالث، قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله! وفي عراقنا؟ فأمسك النبي ﷺ ، فولّى الرجل وهو يبكي، فدعاه النبي ﷺ ، فقال: «أمن العراق أنت؟» قال: نعم. قال: «إن أبي إبراهيم ﵇ همَّ أن يدعو عليهم فأوحى الله -تعالى- إليه لا تفعل،
стр. 24
فإني جعلت خزائن علمي فيهم، وأسكنت الرحمة قلوبهم» .
وهذا إسناد واهٍ جدّاً، وهو منكر، بل باطل، مسلسل بالعلل.
ففيه أبو عمر محمد بن أحمد الحَليمي، قال السمعاني في «الأنساب» (٤/١٩٧) : «حدث عن آدم بن أبي إياس أربعة أحاديث مناكير بإسناد واحد، والحملُ عليه فيها لا على الراوي لها عنه» .
وقال ابن ماكولا في «الإكمال» (٣/٨٠) نحوه.
وقال الذهبي في «الميزان» (٣/٤٦٥) : «روى عن آدم بن أبي إياس أحاديث منكرة، بل باطلة» .
ونقل ابن حجر في «اللسان» (٥/٥٩) عن ابن عساكر قوله فيه: «منكر الحديث» ، وكذا في «الجامع الكبير» (١/٢١٨) للسيوطي، مع زيادة: «مُقِلّ» .
والراوي عنه أحمد بن محمد بن إبراهيم الحَمْزي الأنباري، ترجمه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/٣٨٦-٣٨٧) ، وذكر فيه عن محمد بن العباس ابن الفرات: «لم يكن في الرواية بذاك، كتبتُ عنه، وكانت معه كتب طَريّة غير أصول، وكان مكفوفاً، وأرجو أن لا يكون ممن يتهم بالكذب» .
ونقل عن محمد بن أبي الفوارس قوله فيه: «لم يكن ممن يصلُح للصحيح، وأرجو أن لا يكون ممن يتعمد الكذب» .
وله علّة ثالثة؛ وهي: الانقطاع بين (خالد بن معدان الحمصي) و (معاذ بن جبل) ، فإنه لم يسمع منه (١) ، قال أبو حاتم الرازي في «المراسيل» (ص ٥٢) :
«خالد بن معدان عن معاذ، مرسل، لم يسمع منه، وربما كان بينهما اثنان» .
ومعن بن الوليد لم أقف له على ترجمة، وهو محرف عن (ثور بن يزيد) ، كما سيأتي في الطريق الأخرى له.
стр. 25
والعلة الخامسة، والأخيرة: مُخالَفَةُ ما فيه للأحاديث الصحيحة التي قدمناها، من أنَّ العراق موطن (الزلازل) و (الفتن) ، وبها يطلع (قرن الشيطان) .
ثم ظفرتُ به من طرق أُخرى.
أخرجه أبو المعالي المشرف بن المرجَّى في «فضائل بيت المقدس» (ص ٤٥٩) من طريق علي بن جعفر الرازي: ثنا أحمد بن زكريا، ثنا عبد الله ابن محمد، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، به (١) . وعنده: «ثور بن يزيد» ، بدل: «معن بن الوليد» .
و (ثور بن يزيد) ممن يروي عن خالد بن معدان، وروايته عنه عند البخاري في «صحيحه» وفي «السنن الأربعة» ؛ كما في «تهذيب الكمال» (٤/٤١٨) ، ولم يذكر المزي ولا مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (٣/١١٥-١١٦) من الرواة عنه (ابن أبي ذئب) !
ويبقى (عبد الله بن محمد) ، والظاهر أنه ابن عمرو بن الجراح الأزدي الشامي الفلسطيني الغَزّي، فإن له رواية عن آدم؛ كما في «تهذيب الكمال» (١٦/٩٥) ، ووثقه أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/١٦٢ رقم ٧٤٩) ، وترجمه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٢/٣٦١-٣٦٣) .
والراوي عنه (أحمد بن زكريا) هو ابن يحيى بن يعقوب المقدسي، مترجم في «بغية الطلب» (٢/٧٤٩) ، ولم يورد فيه جرحاً ولا تعديلاً، ثم رأيته في «معجم شيوخ ابن جُميع الصيداوي» (ص ١٩٢/رقم ١٤٥) ، وسكت عنه، وروى له جماعة من الثقات، ولعله آفة هذا الطريق.
وأما الراوي عنه فهو علي بن جعفر الرازي، مترجم في «تاريخ دمشق» (٤١/٢٩١-٢٩٣) ، وروى عنه جماعة، ولا أعرفه بجرح ولا تعديل.
стр. 26
فهذا إسناد ضعيف.
وورد ما يؤكّد الذي قررناه في:
* مرسل الحسن البصري
أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/٧٥٠) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٣٨-١٣٩) -: نا قبيصة، نا سفيان -وهو: الثوري-، عن محمد بن جُحادة، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ :
«اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في شامنا» ، فقال رجل لرسول الله ﷺ : [يا رسول الله!] (١) فالعراق؟ فإن منها (٢) مِيرتَنا، وفيها حاجتنا (٣) . قال: فسكت، ثم أعاد [عليه] (١) ، فقال:
«هنالك يطلُع (٤) قرنُ الشيطان، وهنالكم (٥) الزلازل والفتن» .
ورجاله ثقات، وهو مرسل، والمتن صحيح كما تقدم، إلا الزيادة في قول الرجل: «فإن منها ميرتنا، وفيها حاجتنا» ، فلم أظفر بها في غير هذا المرسل.
قال الخطابي في «إعلام السنن» (٦) (٢/١٢٧٤ - ط. المغربية) : «نجد: ناحية المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها، وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض، والغور: ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومنها مكة، والفتنة تبدو من المشرق، ومن ناحيتها يخرج يأجوج ومأجوج والدجال، في أكثر ما يروى من الأخبار» .
وقال العيني: في «عمدة القاري» (٢٤/٢٠٠) في شرح الحديث، وبوب عليه البخاري (باب قول النبي ﷺ : الفتنة من قبل المشرق) : «مطابقته للترجمة في قوله: «وهناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» ، وأشار بقوله: «هناك» إلى (نجد) ، و (نجد) من (المشرق) » . ثم ذكر قول الخطابي السابق، وعرف ببعض رواة الحديث، وقال: «والفتن تبدو من المشرق، ومن ناحيتها
стр. 27
يخرج يأجوج ومأجوج والدجال. وقال كعب: بها الداء العضال، وهو الهلاك في الدين. وقال المهلب: إنما ترك الدعاء لأهل المشرق؛ ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم، لاستيلاء الشيطان بالفتن» .
وقال قبله (٢٤/٢٠٠) في شرح الحديث نفسه، تحت الباب نفسه: «قوله: «قرن الشيطان» ، ذهب الداودي إلى أنّ للشيطان قرنين على الحقيقة، وذكر الهروي أنّ قرنيه ناحيتا رأسه. وقيل: هذا مثل؛ أي: حينئذٍ يتحرك الشيطان ويتسلط. وقيل: القرن: القوة؛ أي: تطلع حين قوة الشيطان. وإنما أشار ﷺ إلى المشرق؛ لأن أهله يومئذٍ كانوا أهل كفر، فأخبر أنّ الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذلك كانت، وهي وقعة الجمل ووقعة صفين (١) ،
ثم ظهور
стр. 28
الخوارج في أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق، وكانت الفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين قتل عثمان -رضي الله تعالى عنه- وكان -صلى الله تعالى عليه وسلم- يحذر من ذلك، ويعلم به قبل وقوعه (١) ؛ وذلك من دلالات نبوته ﷺ .
وكذلك قال الكرماني في «شرحه على صحيح البخاري» (٢٤/١٦٨) ، بعد أنْ بيّن معنى (النجد) و (الغور) ، قال: «ومن كان بالمدينة الطيبة -صلى الله على ساكنها- كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها، ولعل المراد من الزلازل والاضطرابات التي بين الناس من البلايا؛ ليناسب الفتن مع احتمال إرادة حقيقتها. قيل: إن أهل المشرق كانوا حينئذٍ أهل كفر، فأخبر أن الفتنة تكون من ناحيتهم، كما أن وقعة الجمل وصفين وظهور الخوارج من أهل نجد والعراق وما والاها كانت من المشرق، وكذلك يكون خروج الدجال ويأجوج ومأجوج منها. وقيل: القرن في الحيوان يضرب به المثل فيما لا يحمد من الأمور» .
وعلى هذا درج الشارحون، بل سبق بعض المذكورين جماعةٌ من الشراح؛ كابن بطال -مثلاً- لما قال في «شرحه على صحيح البخاري» (١٠/٤٤) -أيضاً-:
стр. 29
«قال الخطابي: القرن في الحيوان يضرب به المثل فيما لا يحمد من الأمور؛ كقوله ﵇ في الفتنة وطلوعها من ناحية المشرق: «ومنه يطلع قرن الشيطان» ، وقال في الشمس أنها تطلع بين قرني الشيطان، والقرن: الأمة من الناس يُحدَثون بعد فناء آخرين، قال الشاعر:
إذا مضى القرن الذي أنت منهم ... وخلفت في قرن فأنت غريب
وقال غيره: كان أهل المشرق يومئذٍ أهل كفر، فأخبر ﵇ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذلك كانت الفتنة الكبرى، التي كانت مفتاح فساد ذات البين، وهي مقتل عثمان ﵁، وكانت سبب وقعة الجمل وصفين، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق، وما وراءها من المشرق، ومعلوم أن البدع إنما ابتدأت من المشرق، وإن كان الذين اقتتلوا بالجمل وصفين بينهم كثير من أهل الشام والحجاز، فإن الفتنة وقعت في ناحية المشرق، وكان ذلك سبباً إلى افتراق كلمة المسلمين وفساد نيات كثير منهم إلى يوم القيامة، وكان رسول الله يحذر من ذلك ويعلمه قبل وقوعه، وذلك دليل على نبوته» .
ويتبين لكل ذي عينين من خلال النقولات السابقة وغيرها (١) ، أن (نجداً) المذكورة في بعض روايات الحديث ليست اسماً لبلد خاص، بل يقال لكل قطعة من الأرض مرتفعة عما حواليها (نجد) ، وبناءً عليه؛ فـ (النجود) التي تعرفها العرب كثيرة (٢) .
стр. 30
و (نجد) المذكورة التي منها يطلع قرن الشيطان، وبها تكون الزلازل والفتن: هي ناحية (العراق) ؛ لأنها هي الواقعة في جهة المشرق من المدينة النبوية، والروايات في هذا الباب مؤتلفة غير مختلفة، وهي -على حسب ما ذكرنا بالترتيب-:
- قوله في (نجد) -وأَبَى ﷺ أن يدعو لها بالبركة-: «هنالك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» .
- قوله وهو مستقبل المشرق -وفي رواية: يشير بيده نحو المشرق-: «ألا إن الفتنة ها هنا -مرتين- من حيث يطلع قرن الشيطان» .
- قوله: «رأس الكفر قبل المشرق» .
- قوله: «رأس الكفر نحو المشرق» .
ومع هذا؛ فإن سالم بن عبد الله بن عمر، ذكر قبل الحديث في رواية لمسلم -وتقدمت-: «يا أهل العراق! ما أسأَلَكُم عن الصغيرة، وأركَبَكُم للكبيرة» .
ويفهم من هذا بدلالة اللازم: أنّ الجهة المذكورة في الروايات السابقة عند سالم بن عبد الله بن عمر هي العراق.
ومع هذا كلِّه؛ فقد جاء التّصريح البيِّن، الذي لا يعتريه غموض أو إيهام، أنها (العراق) ، والروايات في ذلك -كما تقدم- صحيحة.
ولا يلزم من إخباره ﷺ أن الفتن تظهر منها، أنها تبقى فيها ولا تتجاوزها، وسيأتي معنا (١) أن الفتن ستعم البلاد كلها، ولكن -كما جاء في بعض الروايات المتقدمة- أن «الفتنة تجيء من ها هنا» ، و «تهيج الفتن» منها، والحقائق التأريخية المؤكَّدة، والأحداث الواقعة والمتوقعة، وشواهد القرون
стр. 31
الماضية والغابرة يظهر منها صدق هذه الأخبار، ويستحيل فيها بأدنى احتمال التخلّف وعدم الوقوع، ويستفاد منها جميعاً أن (العراق) مركز مثار الفتن، التي صرح فيها رسول الله ﷺ ، سواء فيما لم يقع؛ مثل: خروج يأجوج ومأجوج، وظهور الدجال، وحسر الفرات عن جبل من ذهب، واقتتال الناس عنده مقتلة عظيمة، أو ما وقع وحصل (١) ؛
مثل: وقعة الجمل، ومحاربة صفين، وفتنة كربلاء، وحادثة التتر، أو ما هو واقع الآن؛ مثل: طمع الكفار بخيرات بلاد العراق، وسيطرتهم عليها (٢) -على ما سيأتي بيانه بإسهاب وتفصيل، والله الموفق للخيرات، والهادي إلى الصالحات.
فصل
فرية وردّها
وقد زعم بعضُ من أزاغ الله قلبه (٣)
أن (نجداً) المذكورة في الأحاديث
стр. 32
السابقة هي (الحجاز) ، وأن الفتن التي ظهرت منها هي دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١)
-رحمه الله تعالى-!
وهذه فرية بلا مرية، إذ فيها مضادّة للأحاديث النبوية الصحيحة الشهيرة، وقد تتابعت جهود الأعلام من العلماء على اختلاف أعصارهم وأمصارهم على كشف الباطل الذي فيها، وهذه شذرات من كلماتهم (١) :
* الشيخ عبد الرحمن بن حسن، قال في «مجموعة الرسائل والمسائل» (٤/٢٦٤-٢٦٥) :
«الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله ﷺ : «اللهم بارك لنا في يمننا، اللهم بارك لنا في شامنا» الحديث ... قيل أنه أراد نجد العراق؛ لأن في بعض ألفاظه: ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث، فقد جرى على العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير والتاريخ؛ كخروج الخوارج بها، وكمقتل الحسين (٢) ،
وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار
وقد ادعى النبوة ... وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال، وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده.
وعلى كل حال؛ فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل، وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس» .
ثم قال ﵀: «فلو ذم نجد بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة ... ، وما ضرَّ المدينة سكنى اليهود بها، وقد صارت مُهاجَرَ رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقل الإسلام، وما ذُمَّتْ مكةُ بتكذيب أهلها لرسول الله ﷺ ، وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه» .
* الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (١) :
стр. 37
يقرر ﵀ في كتابه «منهاج التأسيس والتقديس في الرد على ابن جرجيس» (ص ٦٢) المراد بالمشرق ونجد الذي ورد ذمه في الأحاديث السابقة، فيقول: «إن المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق؛ لأنه يحاذي المدينة من جهة المشرق، يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث: «وأشار إلى العراق» ، قال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة، كان نجده بادية الشام ونواحيها، فهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد: ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور؛ فإنه ما انخفض منها، وقال الداودي: أن نجداً من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر، ويشهد له ما في «مسلم» عن ابن عمر، قال: يا أهل العراق! ما أسأَلَكم عن الصغيرة وأركَبَكم للكبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أن الفتنة تجيء من ها هنا» ، وأومأ بيده إلى المشرق، فظهر أن هذا الحديث خاص لأهل العراق؛ لأن النبي ﷺ فسّر المراد بالإشارة الحسيّة، وقد جاء صريحاً في «المعجم الكبير» للطبراني النصُّ على أنها العراق، وقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال، كل هذا يعين المراد ... » .
ويشير الشيخ عبد اللطيف إلى فضل بني تميم، فيقول (ص ٦١) :
«وقد جاء في فضل بعض أهل نجد كتميم، ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أُحِبُّ تميماً لثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ : قوله لما جاءت صدقاتهم: «هذه صدقات قومي» ، وقوله في الجارية التميمية: «اعتقها فإنها من ولد إسماعيل» ، وقوله: «هم أشد أمتي على الدجال» ... هذا في المناقب الخاصة، وأما العامة للعرب، فلا شك في عمومها لأهل نجد؛ لأنهم من صميم العرب، وما ورد في تفضيل القبائل
стр. 38
والشعوب أدل وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع والأماكن في الدلالة على فضل الساكن والقاطن.
ومعلوم أن رؤساء عباد الصور الداعين إلى دعائهم وعبادتها لهم حظ وافر مما يأتي به الدجال، وقد تصدى رجال من تميم، وأهل نجد للرد على دجاجلة عبّاد القبور الدعاة إلى تعظيمها مع الله، وهذا من أعلام نبوته ﷺ ، إنْ قلنا أن «ال» في الدجال للجنس لا للعهد، وإن قلنا أنها للعهد -كما هو الظاهر-؛ فالرد على جنس الدجال توطئة وتمهيد لجهاده، ورد باطله، فتأمله فإنه نفيس جدّاً» .
* الشيخ محمود شكري الآلوسي العراقي (ت ١٣٤٢هـ) :
قال في كتابه «غاية الأماني» (٢/١٨٠) مقرراً أن نجداً بها يطلع قرن الشيطان في معرض كلامه على من تكلم على ابن تيمية من أهل العراق:
«ولا بدع فبلاد العراق معدن كل محنة وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزيّة، فأهل حروراء وما جرى منهم على الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام، إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه للحسن البصري، وتواتر النقل به واشتهر من أصولهم الخمسة، التي خالفوا بها أهل السنة، ومبتدعة الصوفية الذين يرون الفناء في توحيد الربوبية غايةً يسقط بها الأمر والنهي، إنما نبغوا وظهروا بالبصرة، ثم الرافضة والشيعة وما حصل فيهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في الإمام علي، وسائر الأئمة ومسبة أكابر أصحاب رسول الله ﷺ ، كل هذا معروف مستفيض» .
* الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي (ت ١٣٢٦هـ) :
أسهب في كتابه «صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان» في رد هذه الفرية، وعمل على تخريج الحديث، ودقق في ذكر مروياته وألفاظه، ومما أفاد وأجاد بهذا الصدد، قوله فيه (ص ٤٩٧) بعد كلام:
стр. 39
«قد عرفت من هنا أن زيادة لفظة (من) (١) ، لا تعرف في شيء من طرق الحديث، ولعلها من أغلاط المؤلف (٢) ، ولا يستبعد ذلك منه، فإنه كثيراً ما يغلط في نقل الروايات؛ لأنه ليس من أهل هذا الشأن، وهذا الحديث لا شك في صحته، وقد وردت في هذا المعنى أحاديث صحيحة أخرى» .
وقال (ص ٤٩٦) : «أقول: كون الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه مصداق تلك الأحاديث ... محل نظر» .
وذكر (ص ٤٩٨-٤٩٩) بعض كلام الشراح المتقدم؛ ككلام الخطابي والقسطلاني، وقال على إثره داحضاً الكذبة المذكورة: «ولا يخفى عليك أن لفظاً من ألفاظ هذا الحديث لا يقتضي أنّ كل من يولد في المشرق أو يسكن فيه، يكون مصداقاً لهذا الحديث، حتى يثبت ما ادّعاه المؤلف من كون الشيخ -يريد: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- مصداقاً له، والمؤلف لم يبيّن وجه الاستدلال به، حتى يتكلم فيه، ويجاب عليه. ومجرد وقوع الفتنة في موضع لا يستلزم ذم كل من يسكنه» .
ثم أورد أحاديث فيها وصول الفتنة إلى المدينة، ثم قال (ص ٥٠٠) :
«وهذه الأحاديث وغيرها مما ورد في هذا الباب دالة على وقع الفتن في المدينة النبوية، فلو كان وقوع الفتن في موضع مستلزماً لذم ساكنيه، لزم ذم سكان المدينة كلهم أجمعين، وهذا لا يقول به أحد، على أن مكة والمدينة كانتا في زمن موضع الشرك والكفر، وأي فتنة أكبر منهما، بل وما من بلد أو قرية إلا وقد كانت في زمن أو ستصير في زمان موضع الفتنة (٣) ، فكيف
стр. 40
يجترئ مؤمن على ذم جميع مسلمي الدنيا؟ وإنما مناطُ ذم شخصٍ معينٍ كونُه مصدراً للفتن من الكفر والشرك والبدع» .
* نكتة مهمة
وهنا نكتة مهمة، لا بد من بيانها والتركيز عليها؛ وهي:
«إنه لا يقول مسلم بذم علماء العراق؛ لما ورد فيها، وأكابر أهل الحديث وفقهاء الأمة، وأهل الجرح والتعديل أكثرهم من أهل العراق» (١) .
و «الفضل والتفضيل باعتبار الساكن يختلف وينتقل مع العلم والدين، فأفضل البلاد والقرى في كل وقت وزمان أكثرها علماً، وأعرفها بالسنن، والآثار النبوية، وشر البلاد أقلها علماً، وأكثرها جهلاً وبدعة وشركاً، وأقلها تمسّكاً بآثار النبوة، وما كان عليه السلف الصالح، فالفضل والتفضيل يعتبر بهذا في الأشخاص والسكان» (٢) .
فصل
الفتن تموج موج البحر
وإنما هَمُّ النبي ﷺ من هذا البيان: الحرص والحذر (٣) ، وليس ذم الزمان أو المكان؛ إذ الفتنة في آخر الزمان تشتد، وتعصف وتموج موج البحر، ويبدأ ذلك من مقتل عمر بن الخطاب ﵁.
أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب مواقيت الصلاة (باب الصلاة