← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد ادعى النبوة ... وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال، وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده. وعلى كل حال؛ فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل، وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس» . ثم قال ﵀: «فلو ذم نجد بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة ... ، وما ضرَّ المدينة سكنى اليهود بها، وقد صارت مُهاجَرَ رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقل الإسلام، وما ذُمَّتْ مكةُ بتكذيب أهلها لرسول الله ﷺ ، وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه» . * الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (١) :

стр. 37

يقرر ﵀ في كتابه «منهاج التأسيس والتقديس في الرد على ابن جرجيس» (ص ٦٢) المراد بالمشرق ونجد الذي ورد ذمه في الأحاديث السابقة، فيقول: «إن المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق؛ لأنه يحاذي المدينة من جهة المشرق، يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث: «وأشار إلى العراق» ، قال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة، كان نجده بادية الشام ونواحيها، فهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد: ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور؛ فإنه ما انخفض منها، وقال الداودي: أن نجداً من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر، ويشهد له ما في «مسلم» عن ابن عمر، قال: يا أهل العراق! ما أسأَلَكم عن الصغيرة وأركَبَكم للكبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أن الفتنة تجيء من ها هنا» ، وأومأ بيده إلى المشرق، فظهر أن هذا الحديث خاص لأهل العراق؛ لأن النبي ﷺ فسّر المراد بالإشارة الحسيّة، وقد جاء صريحاً في «المعجم الكبير» للطبراني النصُّ على أنها العراق، وقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال، كل هذا يعين المراد ... » . ويشير الشيخ عبد اللطيف إلى فضل بني تميم، فيقول (ص ٦١) : «وقد جاء في فضل بعض أهل نجد كتميم، ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أُحِبُّ تميماً لثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ : قوله لما جاءت صدقاتهم: «هذه صدقات قومي» ، وقوله في الجارية التميمية: «اعتقها فإنها من ولد إسماعيل» ، وقوله: «هم أشد أمتي على الدجال» ... هذا في المناقب الخاصة، وأما العامة للعرب، فلا شك في عمومها لأهل نجد؛ لأنهم من صميم العرب، وما ورد في تفضيل القبائل

стр. 38

والشعوب أدل وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع والأماكن في الدلالة على فضل الساكن والقاطن. ومعلوم أن رؤساء عباد الصور الداعين إلى دعائهم وعبادتها لهم حظ وافر مما يأتي به الدجال، وقد تصدى رجال من تميم، وأهل نجد للرد على دجاجلة عبّاد القبور الدعاة إلى تعظيمها مع الله، وهذا من أعلام نبوته ﷺ ، إنْ قلنا أن «ال» في الدجال للجنس لا للعهد، وإن قلنا أنها للعهد -كما هو الظاهر-؛ فالرد على جنس الدجال توطئة وتمهيد لجهاده، ورد باطله، فتأمله فإنه نفيس جدّاً» . * الشيخ محمود شكري الآلوسي العراقي (ت ١٣٤٢هـ) : قال في كتابه «غاية الأماني» (٢/١٨٠) مقرراً أن نجداً بها يطلع قرن الشيطان في معرض كلامه على من تكلم على ابن تيمية من أهل العراق: «ولا بدع فبلاد العراق معدن كل محنة وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزيّة، فأهل حروراء وما جرى منهم على الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام، إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه للحسن البصري، وتواتر النقل به واشتهر من أصولهم الخمسة، التي خالفوا بها أهل السنة، ومبتدعة الصوفية الذين يرون الفناء في توحيد الربوبية غايةً يسقط بها الأمر والنهي، إنما نبغوا وظهروا بالبصرة، ثم الرافضة والشيعة وما حصل فيهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في الإمام علي، وسائر الأئمة ومسبة أكابر أصحاب رسول الله ﷺ ، كل هذا معروف مستفيض» . * الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي (ت ١٣٢٦هـ) : أسهب في كتابه «صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان» في رد هذه الفرية، وعمل على تخريج الحديث، ودقق في ذكر مروياته وألفاظه، ومما أفاد وأجاد بهذا الصدد، قوله فيه (ص ٤٩٧) بعد كلام:

стр. 39

«قد عرفت من هنا أن زيادة لفظة (من) (١) ، لا تعرف في شيء من طرق الحديث، ولعلها من أغلاط المؤلف (٢) ، ولا يستبعد ذلك منه، فإنه كثيراً ما يغلط في نقل الروايات؛ لأنه ليس من أهل هذا الشأن، وهذا الحديث لا شك في صحته، وقد وردت في هذا المعنى أحاديث صحيحة أخرى» . وقال (ص ٤٩٦) : «أقول: كون الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه مصداق تلك الأحاديث ... محل نظر» . وذكر (ص ٤٩٨-٤٩٩) بعض كلام الشراح المتقدم؛ ككلام الخطابي والقسطلاني، وقال على إثره داحضاً الكذبة المذكورة: «ولا يخفى عليك أن لفظاً من ألفاظ هذا الحديث لا يقتضي أنّ كل من يولد في المشرق أو يسكن فيه، يكون مصداقاً لهذا الحديث، حتى يثبت ما ادّعاه المؤلف من كون الشيخ -يريد: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- مصداقاً له، والمؤلف لم يبيّن وجه الاستدلال به، حتى يتكلم فيه، ويجاب عليه. ومجرد وقوع الفتنة في موضع لا يستلزم ذم كل من يسكنه» . ثم أورد أحاديث فيها وصول الفتنة إلى المدينة، ثم قال (ص ٥٠٠) : «وهذه الأحاديث وغيرها مما ورد في هذا الباب دالة على وقع الفتن في المدينة النبوية، فلو كان وقوع الفتن في موضع مستلزماً لذم ساكنيه، لزم ذم سكان المدينة كلهم أجمعين، وهذا لا يقول به أحد، على أن مكة والمدينة كانتا في زمن موضع الشرك والكفر، وأي فتنة أكبر منهما، بل وما من بلد أو قرية إلا وقد كانت في زمن أو ستصير في زمان موضع الفتنة (٣) ، فكيف

стр. 40

يجترئ مؤمن على ذم جميع مسلمي الدنيا؟ وإنما مناطُ ذم شخصٍ معينٍ كونُه مصدراً للفتن من الكفر والشرك والبدع» . * نكتة مهمة وهنا نكتة مهمة، لا بد من بيانها والتركيز عليها؛ وهي: «إنه لا يقول مسلم بذم علماء العراق؛ لما ورد فيها، وأكابر أهل الحديث وفقهاء الأمة، وأهل الجرح والتعديل أكثرهم من أهل العراق» (١) . و «الفضل والتفضيل باعتبار الساكن يختلف وينتقل مع العلم والدين، فأفضل البلاد والقرى في كل وقت وزمان أكثرها علماً، وأعرفها بالسنن، والآثار النبوية، وشر البلاد أقلها علماً، وأكثرها جهلاً وبدعة وشركاً، وأقلها تمسّكاً بآثار النبوة، وما كان عليه السلف الصالح، فالفضل والتفضيل يعتبر بهذا في الأشخاص والسكان» (٢) . فصل الفتن تموج موج البحر وإنما هَمُّ النبي ﷺ من هذا البيان: الحرص والحذر (٣) ، وليس ذم الزمان أو المكان؛ إذ الفتنة في آخر الزمان تشتد، وتعصف وتموج موج البحر، ويبدأ ذلك من مقتل عمر بن الخطاب ﵁. أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب مواقيت الصلاة (باب الصلاة

стр. 41

كفارة) (رقم ٥٢٥) وفي كتاب الزكاة (باب الصدقة تكفِّر الخطيئة) (رقم ١٤٣٥) وفي كتاب الصوم (باب الصوم كفارة) (رقم ١٨٩٥) وفي كتاب المناقب (باب علامات النبوة في الإسلام) (رقم ٣٥٨٦) وفي كتاب الفتن (باب الفتنة التي تموج موج البحر) (رقم ٧٠٩٦) ، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الفتن (باب في الفتنة التي تموج كموج البحر) (رقم ١٤٤) بعد (٢٦) بسنديهما إلى أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: سمعتُ حذيفة يقول: بينا نحن جلوس عند عمر، إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة؟ قال: «فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، يكفرها الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» . قال: ليس عن هذا أسألك، ولكنِ التي تموج كموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إنّ بينك وبينها باباً مغلقاً، قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: بل يكسر. قال عمر: إذاً لا يُغلق أبداً. قلت: أجل. قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أعلم أن دون غَدٍ ليلةً، وذلك أني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط. فهِبْنا أن نسأله: من الباب؟ فأمرنا مسروقاً فسأله، فقال: من الباب؟ قال: عمر. وأخرجه مسلم -قبلُ- في كتاب الإيمان (باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، وإنه يأرز بين المسجدين) (١٤٤) بعد (٢٣١) إلى رِبعيّ -هو: ابن حراش- عن حذيفة، قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة. ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكَتَ القومُ. فقلت: أنا. قال: أنت، لله أبوك (١) ! قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 42

«تُعرض (١) الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً (٢) ، فأي قلب أُشربها (٣) نُكت فيه نكتة (٤) سوداء، وأي قلب أنكرها (٥) نُكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا (٦) ، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخرُ أسودُ مُربادّاً (٧) ، كالكوز مُجَخِّياً (٨) لا يعرف معروفاً ولا ينكر

стр. 43

منكراً، إلا ما أُشرب من هواه» . قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها (١) باباً مغلقاً يوشك (٢) أن يكسر. قال عمر: أَكَسراً (٣) ، لا أبا لك (٤) ! فلو أنه فُتح لعله كان يُعاد. قلت: لا، بل يكسر. وحدثته أنّ ذلك الباب رجل يُقتل أو يموت، حديثاً ليس بالأغاليط (٥) . ويستفاد من هذه الروايات فوائد عديدة؛ من أهمها: فصل ضروب الفتنة أولاً: إنّ الفتنة ضربان:

стр. 44

الضرب الأول: لا ينفك عن الإنسان في أي مكان أو زمان كان ؛ وهو: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، فهذا النوع يعتريه فرط المحبة، ويسبب الشح والبخل والجبن، ويشغل عن كثير من الخير، قال بن المنيّر: «الفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن، أو عليهن في القسمة والإيثار، حتى في أولادهن، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة لهن، وبالمال يقع بالاشتغال به عن العبادة أو بحبسه عن إخراج حق الله، والفتنة بالأولاد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد، وإيثاره على كل أحد، والفتنة بالجار تقع بالحسد والمفاخرة والمزاحمة في الحقوق وإهمال التعاهد» . ثم قال: «وأسباب الفتنة بمن ذكر غير منحصرة فيما ذكرت من الأمثلة، وأما تخصيص الصلاة وما ذكر معها بالتكفير دون سائر العبادات، ففيه إشارة إلى تعظيم قدرها، لا نفي أن غيرها من الحسنات ليس فيه صلاحية التكفير، ثم إنّ التكفير المذكور يحتمل أنْ يقع بنفس فعل الحسنات المذكورة، ويحتمل أنْ يقع بالموازنة، والأول أظهر، والله أعلم» (١) . وقال ابن أبي جمرة: «خص الرجل بالذكر لأنه في الغالب صاحب الحكم في داره وأهله، وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم. ثم أشار إلى أنّ التكفير لا يختص بالأربع المذكورات، بل نبه بها على ما عداها، والضابط: أنّ كل ما يشغل صاحبه عن الله فهو فتنة له، وكذلك المكفرات لا تختص بما ذكر، بل نبّه به على ما عداها، فذكر عبادة الأفعال: الصلاة والصيام، وذكر من عبادة المال: الصدقة، ومن عبادة الأقوال: الأمر بالمعروف» (٢) . «فالحياة الدنيا كلها فتنة واختبار، شرها فتنة، وخيرها فتنة، والشهوات فتنة، تلك فتنة قائمة في جميع العصور، وتعمّ ذرية آدم في جميع

стр. 45

الأماكن» (١) ، وهذا الضرب ليس موضوع حديثنا. الضرب الثاني: الفتن التي تموج موج البحر ؛ أي: تضطرب وتدفع بعضها بعضاً، وشُبِّهت بـ (موج البحر) (٢) ؛ لشدّة عظمها، وكثرة شيوعها، وهذا

стр. 46

النوع يشتدّ بمضيّ الزمان، ويظهر للعيان، ويهيّج من بعض البلدان، وفق سنن للرحمن، وتكون تارةً على هيئة عواصف وكوارث وزلازل وبراكين، تصيب الطالحين وتمتد عند الكثرة إلى الصالحين، وتكون عذاباً وعقوبة لجماعة، ورحمة وخيراً ورفعةً لآخرين. «وفي تشبيهه ﷺ الفتن بأنها تموج كموج البحر إشارة واضحة إلى قوتها وشدتها، ثم إلى تتابعها، وإلى أنه لا يمكن لأحد الوقوف أمامها؛ لأنه لا يمكن لأحد أنْ يقف أمام موج البحر، وأنّ الناس أمام هذه الفتن ستضطرب حركتهم، ويختل توازنهم، وتضيق صدورهم، وينقطع نفسهم، وهذه حال من يصارع الموج.

стр. 47

وإذا علمنا أنّ أمواج البحر تتكاثر وتتعاظم، مع شدة الريح وانتشار السحاب؛ فإنّ لنا أنْ نتصور جو الفتن بأنه جو مظلم، فالذي يشاهد موج البحر العاتي فتبدو أمامه زرقة البحر مع ظلمة السحاب وكثرته، مع شدة هبوب الرياح وقوتها؛ فكذلك الذي يواجه هذه الفتن، تحيط به الظلمات والأعاصير، فهو مهموم مغموم ظاهراً وباطناً، وللموج صوت وأي صوت؟ ولهذه الفتن صوت، لا يسمع الواقف فيها صوت ما عداها، وإنما تطبق عليه، فهي كالصاخة، فيظل الواقف فيها حيراناً خائفاً قلقاً، يتطلع إلى الأمان ولا يجده، وهل ينجو من البحر وشدة موجه إلا من بعد عنه، وهذا مصداق قوله ﷺ : «فخير الناس يومئذ: مؤمن معتزل في شعب من الشعاب، يتقي الله، ويذر الناس من شره» (١) . والناس حين يواجهون أمواج البحر مجتمعين، في أية حالة من حالاته، فإنه يسمع لهم صراخ وعويل وتهارش وتخاصم، لا يسمع الواحد منهم الآخر، وكل يريد أنْ ينجو بنفسه، وقد يُغرِق الواحدُ منهم غيرَه لينجو هو» (٢) . «ولعل هذا ما كنى به الحديث من شدة المخاصمة وكثرة المنازعة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة» (٣) . والجامع لجميع مجريات الفتنة وأحداثها: البلاءُ والنُّكران (٤) في حقِّ مَنْ

стр. 48

تابع السلف الصالحين في العلم والتصور والعمل، ومن حقَّق فهمهم، وأشغل قلبه، ووحَّد همَّه على نهجهم. وكان هذان النوعان قائميْن في فهم الصحابة، فهم -رضوان الله عليهم- يفرّقون بينهما، ولذا لما ذكر حذيفة النوع الأول، بيّن عمر أنه لا يسأل عن هذا النوع، وإنما يريد النوع الثاني، والله الهادي. ثانياً: إنَّ للفتنة (١) زماناً ومكاناً ومحلاًّ (٢) ، وجمع هذا الحديث الأمور الثلاثة: فصل زمن الفتنة (نشأتها، اشتدادها، آخرها) فزمانها؛ يشتدُّ بمقتل عمر ﵁، فشبهت الفتن -في المحاورة السابقة- ببيتٍ له باب، والفتن محصورة فيه، فإذا قتل عمر فالباب يبقى مفتوحاً، ولا ينغلق أبداً، والفتن تعصف منه على هيئة أمواج عاتية تموج موج البحر، بينما لو مات دون قتل، فلعل باب الفتن ينغلق، والموج يزول، والعواصف تهدأ، والفتن تتلاشى أو تضعف. وهذا الأمر كان معروفاً -أيضاً- عند الصحابة، فهذا خالد بن الوليد يسمع رجلاً يقول له في خلافة عمر: «يا أبا سليمان! اتّق الله، فإنّ الفتن قد ظهرت» . فرد عليه مستنكراً بقوله: «وابن الخطاب حي؟! إنما تكون بعده، ... » (٣) . وها هو حذيفة ﵁ يقول: «ما بينكم وبين أن يرسل عليكم الشر فراسخ إلا موتة في عنق رجل يموتها، وهو عمر» . أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٢٠ - ط. دار الفكر) : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عنه به. وإسناده صحيح. ولم يعزه في «كنز العمال» (١١/٢٢٨ رقم ٣١٣٢٧) إلا له، وظفرتُ به عند ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ص ٢٨٦ - ترجمة عمر (٤) من طريق أبي عوانة عن عاصم، عن أبي وائل -وهو شقيق بن سلمة- به. ولفظه: «ما بينكم وبين أن يرسل عليكم

стр. 49

الشرُّ فراسخ إلا أن يطلع عليكم راكب من ها هنا، فينعى لكم عمر» . وها أبو ذر ينعت عمر بأنه «قُفْلُ الفتنة» ، أخرج ذلك ابن عساكر (ص ٢٨٤ - ترجمة عمر) -أيضاً-، ولم يعزه في «الكنز» (١٣/٣١٦ رقم ٣٦٨٩٦) إلا له. فمعنى قوله في الحديث: «إن بينك وبينها باباً مغلقاً» ؛ أي: إن تلك الفتن لا يخرج شيء منها في حياتك (١) ، فما دامت حياة عمر موجودة فهي الباب المغلق، «لا يخرج مما هو داخل تلك الدار شيء، فإذا مات فقد انفتح ذلك الباب، فخرج ما في تلك الدار» (٢) . قال ابن كثير ﵀ بعد سياقه لهذا الحديث ما نصه: «هكذا وقع الأمر سواء بعد ما قتل في سنة ثلاث وعشرين وقعت الفتن بين الناس، وكان قتله سبب انتشارها بينهم» (٣) . هذا وقد ترجم ﵀ لهذا الحديث بقوله: (إشارة نبوية إلى أن عمر ﵁ سيقتل-) (٤) . فالباب هو حياة عمر ...

стр. 50

-﵁ كما فسره حذيفة ﵁ في آخر الحديث، وقد وقعت الفتن والمحن والبلايا بين الناس، وفشت وانتشرت -كما قال ابن كثير- بعد وفاته في جميع أنحاء بلاد الإسلام، والله المستعان. ويتمِّم هذا المعنى أحاديثُ أُخر، فيها بيان (أول فتنة) تكون في (الأُمة) ، ولو قضي عليها في حينها لما وجدت (فتنة) بعدها، ولكنها سنة الله الكونية التي يتبين من خلالها كثير من الأمور الشرعية، ولا سيما تلك التي لها تعلُّق بالنفس البشرية، والقوانين الاجتماعية. أخرج الإمام أحمد (٥/٤٢) : حدثنا روح، ثنا عثمان الشحام، ثنا مسلم ابن أبي بكْرة، عن أبيه أنّ نبي الله ﷺ مرّ برجُلٍ ساجد -وهو ينطلق إلى الصلاة-، فقضى الصَّلاةَ، ورجع عليه وهو ساجد، فقام النبي ﷺ فقال: «من يقتل هذا؟» فقام رجل فَحَسرَ عن يديه فاخترط سيفه وهزَّه، ثم قال: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي، كيف أقتل رجلاً ساجداً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؟ ثم قال: «من يقتل هذا؟» فقام رجل فقال: أنا. فحسر عن ذراعيه واخترط سيفه وهزَّه حتى أُرْعدت (١) يده، فقال: يا نبي الله! كيف أقتل رجلاً ساجداً يشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله؟ فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده، لو قتلتموه؛ لكان أول فتنة وآخرها» . وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (رقم ٩٣٨) ، والحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (٢/٧١٣-٧١٤ رقم ٧٠٣ - «بغية الباحث» ) ، وأحمد بن منيع في «مسنده» -كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (٥/٢٠٤ رقم ٤٦٧٤) -، والبيهقي مختصراً (٨/١٨٧) من طريق روح بن عبادة، به. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي (٦/٢٢٥) : «رواه أحمد والطبراني من غير بيانٍ شافٍ، ورجال أحمد رجال الصحيح» .

стр. 51

وعزاه الحافظ في «الإصابة» (٢/١٧٤-١٧٥) لمحمد بن قدامة والحاكم في «المستدرك» ، ولم أره فيه بهذا السياق، وإنما أخرج (٢/١٤٦) من طريقين آخرين عن الشحام بإسناده حديثاً آخر في الخوارج، وصححه على شرط مسلم. قاله شيخنا في «الصحيحة» (٢٤٩٥) ، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» . وللحديث شاهد من حديث أنس نحوه، وفيه: أنّ الرجل الأول الذي قام لقتله هو أبو بكر، والثاني عمر، وزاد: «فقال رسول الله ﷺ : «أيكم يقوم إلى هذا فيقتله؟» قال علي: أنا. قال رسول الله ﷺ : «أنت له إن أدركته» . فذهب علي فلم يجده، فرجع، فقال رسول الله ﷺ : «أقتلت الرجل؟» قال: لم أدْرِ أين سلك من الأرض، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ هذا أوَّلُ قِرْنٍ (١) خرج من أمتي، لو قتلته -أو قتله- ما اختلف من أمتي اثنان» . أخرجه أبو يعلى (٧/١٥٤-١٥٥ رقم ٤١٢٧) ، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص٧١-٧٢ رقم ٥٤) ، والبيهقي في «الدلائل» (٦/٢٨٧-٢٨٨) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/٥٢) من طريق يزيد الرقاشي (٢) ، قال: حدثني أنس بن مالك، به. قلت: ورجاله رجال مسلم، غير الرقاشي، وهو ضعيف، وأخرجه من طريقه مختصراً دون الشاهد: ابن جرير في «التفسير» (٧/٧٤، ٧٥ رقم ٧٥٧٧، ٧٥٧٨ - ط. شاكر) ، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٣/٧٢٣ رقم ٣٩١٥) ، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/٤١٩، ٤١٩-٤٢٠ رقم ٤٤٠، ٤٤١) ، واللالكائي في «السنة» (١٤٨) ، وأبو القاسم الأصبهاني في «الحجة»

стр. 52

(١/١١٩-١٢٠ رقم ١٨) . وتابعه موسى بن عبيدة: أخبرني هود بن عطاء، عن أنس، به بنحوه. وفيه أن أبا بكر قال: كرهت أن أقتله وهو يصلي، وقد نَهيتَ عن قتْل المصلِّين. أخرجه أبو يعلى (رقم٩٠، ٤١٤٣) ، والآجري في «الشريعة» (١/٣٤٩-٣٥١ رقم ٥٠) . قلت: وموسى بن عبيدة متروك. قاله الهيثمي في «المجمع» (٦/٢٧٧) ، وفيه هود بن عطاء، قال بن حبان: «لا يحتج به، منكر الرواية على قلّتها» . انظر: «لسان الميزان» (٦/٢٠١) . وله طريق ثالثة، يرويه عبد الرحمن بن شريك: ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، به نحوه. أخرجه البزار (رقم ١٨٥١ - «زوائده» ) . قلت: وهذا إسناد فيه ضعف من أجل شريك وابنه. وقول الهيثمي في «المجمع» (٦/٢٢٧) : «رواه البزار باختصار، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم» فيه لين. وله طريق رابعة، يرويه أبو معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة، عن زيد ابن أسلم، عن أنس بنحوه، وفيه: «لو قتل اليوم ما اختلف رجُلان منْ أُمَّتي حتى يخرج الدجال» . وفيه قول أبي بكر: «ورأيت للصلاة حرمة وحقّاً» . أخرجه أبو يعلى (٦/٣٤٠-٣٤٢ رقم ٣٦٦٨) ، وابن مردويه -كما في «تفسير ابن كثير» (٢/٦٠٧-٦٠٨) -، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/٢٢٦-٢٢٧) ، وأخرجه الآجري في «الشريعة» (١/٣٠٩-٣١١ رقم ٢٥) مختصراً دون الشاهد، ثم وجدته عنده مطولاً بالشاهد (١/٣٤٦-٣٤٩ رقم ٤٩) وإسناده ضعيف، أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، ضعيف، قد أسن واختلط.

стр. 53

قال الهيثمي في «المجمع» (٧/٢٥٧-٢٥٨) : «رواه أبو يعلى، وفيه أبو معشر نجيح، وفيه ضعف» . وقال ابن كثير: «هذا حديث غريب جدّاً من هذا الوجه، وبهذا السياق» . وقال ابن حجر في «المطالب العالية» (١٢/٥٣٨ رقم ٢٩٩٤) على إثره: «هذا حديث غريب، وأبو معشر فيه ضعف» . قلت: مرادهما بالغربة من هذا الوجه، قال أبو نعيم على إثر هذا الطريق: «هذا حديث غريب من حديث زيد عن أنس، لم نكتبه إلا من حديث أبي معشر عن يعقوب، وقد رواه عن أنس عدة، وقد ذكرناهم في غير هذا الموضع» . ثم ظفرتُ بطريق أخرى عن أنس. أخرجه الضياء المقدسي في «المختارة» (٧/٨٨-٩٠ رقم ٢٤٩٧، ٢٤٩٨، ٢٤٩٩) بسند صحيح عن الوليد بن مسلم: ثنا الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس رفعه. وهذا إسناد لا علة فيه؛ إنْ سلم من تدليس الوليد. وله شاهد آخر أخرجه أحمد (٣/١٥) : حدثنا بكر بن عيسى، ثنا جامع ابن مطر الحَبَطِيّ، ثنا أبو رُؤبة شداد بن عمران القيسي، عن أبي سعيد الخُدري أنَّ أبا بكر جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني مررتُ بوادي كذا وكذا، فإذا رجل متخشٍّعٌ حسنُ الهيئة يصلِّي. فقال له النبي ﷺ : «اذهب إليه فاقْتله» . قال: فذهب إليه أبو بكر، فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، قال: فقال النبي ﷺ لعمر: «اذْهَب فاقْتله» . فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر، قال: فكره أن يقتله، قال: فرجع، فقال: يا رسول الله! إني رأيته يصلِّي مُتَخشِّعاً فكرهت أنْ أقتله، قال: يا عليّ! «اذهب فاقتله» قال: فذهب عليٌّ فلم يره، فرجع علي، فقال: يا رسول الله! إنه لم يره! قال: فقال ﷺ : «إنّ هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، يَمْرقُون من الدِّين كما يمْرُقُ السَّهمُ من الرَّمية، ثم لا يعودون فيه،

стр. 54

حتى يَعودَ السَّهم في فُوقِه (١) ، فاقْتُلوهم، هم شَرُّ البريَّة» . وأخرجه البخاري في «الكنى» (٩/٣٠) من طريق حفص بن عمر عن جامع، به. وإسناده رجاله ثقات، غير أبي رؤبة شداد بن عمران، ووقع خلاف شديد في نسبته، فجعله البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/٢٢٦) و «الكنى» (٩/٣٠) ، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٤/٣٢٩) قشيريّاً، وقال البخاري: «القشيري من قيس» . وكذا ترجمه ابن حبان (٤/٣٥٨) ونسبه تغلبيّاً، وذكر من الرواة عنه ... -أيضاً- (يزيد بن عبد الله الشيباني) ، إلا أنه ترجم فيه (٤/٣٥٧) لآخر (شداد ابن عبد الرحمن أبو رؤبة القشيري) ، وذكر أنه يروي عن أبي سعيد الخدري، وروى عنه أبو حنيفة، وجزم ابن حجر في «تعجيل المنفعة» (ص١٧٤) أنهما واحد، وهذا صحيح. ولذا جوَّد ابن حجر في «الفتح» (١٢/٢٩٨-٢٩٩) هذا الإسناد، وقال الهيثمي في «المجمع» (٦/٢٢٥) : «رواه أحمد، ورجاله ثقات» . وقال شيخنا الألباني في «الصحيحة» (٥/٦٥٩ رقم ٢٤٩٥) : «قلت: وإسناده حسن، رجاله ثقات معروفون، غير أبي رؤبة هذا، وقد وثقه ابن حبان، وروى عنه يزيد بن عبد الله الشيباني -أيضاً-» . قلت: وجامع بن مطر الحبطي صدوق. وله شاهد -أيضاً- من حديث طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله، وفيه نحو الطريق الأولى عن أنس، ولكنه مختصر، وفي آخره عن علي: «فانطلق، فوجده قد ذهب» دون الشاهد الذي أوردناه من أجله.

стр. 55

أخرجه أبو يعلى في «المسند» (٤/١٥٠ رقم ٢٢١٥) بسند رجاله رجال الصحيح. قاله الهيثمي في «المجمع» (٦/٢٢٧) وعزاه البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (٥/١٩٨ رقم ٤٦٦٤) ، وابن حجر في «المطالب العالية» (١٢/٥٣٦ رقم ٢٩٩٣) إلى أبي بكر بن أبي شيبه وأحمد بن منيع. وطلحة بن نافع في نفسه صدوق، وروايته عن جابر، قال بعضهم: إنما هي صحيفة، ولكن ثبت أنه كان جاره بمكة ستة أشهر. وعلى هذا؛ فالإسناد حسن. وجعل البوصيري ما أخرجه أحمد (٣/٣٥٤-٣٥٥) بسند حسن شاهداً للحديث، وليس فيه موطن الشاهد! قال أبو عبيدة: الحديث بمجموع طرقه صحيح -إن شاء الله تعالى-، ولا مغمز فيه، ويحتاج إلى تأمّل وتدبر (١) ؛ فإنّ فيه بياناً: لو قُتِل هذا الرجل ... -وجاء في مرسل الشعبي (٢) أنه اعترض عليه في قسمة الغنائم، وقال: «إنك لتقسم وما ترى عدلاً» - لما وقعت فتنة بعده أبداً. فهذا يفيد البداية والمنشأ، والحديث السابق الذي فيه محاورة عمر مع حذيفة يفيد: لو مات عمر من غير قتل، لهبَّت فتن، ثم أقلعت، وبابها ينغلق، أما إنْ قُتِل، فإنَّ باب الفتن سيبقى مفتوحاً على مصراعيه! فهو يفيد الاشتداد والموج، أما النهاية، فقد أُشير إليها في الطريق الأخيرة من حديث أنس، وفيه:

стр. 56

«لو قتل اليوم ما اختلف رجلان من أُمتي حتى يخرج الدَّجَّال» . وجاء التصريح في حديث آخر صحيح، أنّ الفتن جميعها ما صُنِعت ووجدت إلا لفتنة الدجال، وهذا البيان: أخرج أحمد (٥/٣٨٩) ، والبزار في «مسنده» (٢٨٠٧ و ٢٨٠٨) ، وابن حبان (٦٨٠٧) ، والطبراني مختصراً في «الكبير» (٣٠١٨) من طرق عن الأعمش، قال أحمد: عن أبي وائل عن حذيفة. وقال الباقون: عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب، عن حذيفة، قال: ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ ، فقال: «لأنا لفتنةِ بعضكم أخوفُ عندي من فتنة الدَّجال، ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها، وما صُنِعت فتنةٌ -منذ كانت الدنيا- صغيرةً ولا كبيرة إلا لفتنة الدَّجال» . لفظ أحمد (١) . وإسناد أحمد صحيح؛ إن كان الأعمش سمعه من أبي وائل (٢) . فالفتن سلسلة، آخذة كلُّ حلْقةٍ بأختها، حتى تصل إلى الدجال، والذي خشيه عليها نبيُّنا ﷺ (فتنة بعضنا) من البغي، والظلم، والقتل، وهذا الذي بدأ زمن (الخوارج) ، الذين خرجوا من ضئضئ ذاك الرجل، الذي لو قُتِل، لكان أول فتنة وآخرها؛ كما قال النبي ﷺ . فصل الخوارج والعراق وكان خروجهم في العراق، بعد مقتل عمر، وذكر ابن كثير في «البداية

стр. 57

والنهاية» (٧/٢٢٨) قصة خروجهم، فقال: «قلت: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوّع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم، وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج أنهم المذكورون في قوله -تعالى-: ﴿قُل هَل نُنَبِّئُكم بالأَخسَرِينَ أَعمَالاً الَّذين ضَلَّ سَعيُهُم في الحَيَاةِ الدُّنيا وهم يَحسَبُون أَنّهم يُحسِنُونَ صُنعاً أُولئك الَّذين كَفَروا بآيات رَبّهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نُقيم لهم يوم القِيَامة وَزناً﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٥] أنّ هؤلاء الجهلة الضُّلاّل، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطؤوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم -ممن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها- فيوافوهم إليها، ويكون اجتماعهم عليها. فقال لهم زيد بن حصين الطائي (١) : أن المدائن لا تقدرون عليها، فإنّ بها جيشاً لا تطيقونه، وسيمنعوها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخَا (٢) ، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات (٣) ، ولكن اخرجوا وحداناً لئلا يفطن بكم. فكتبوا كتاباً عامّاً إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها، وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر، ليكونوا يداً واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وحداناً لئلا يعلم أحدٌ بهم فيمنعوهم من الخروج، فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال

стр. 58

والخالات، وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أنّ هذا الأمر يُرضي رب الأرض والسماوات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر والذنوب الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنه مما زيَّنه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السماوات الذي نصب العداوة لأبينا آدم، ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسؤول أن يعصمنا منه بحوله إنه مجيب الدعوات» . وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/٦٤ - ط. الفاروق) : «وأخبار الخوارج بالنهروان، وقتلهم للرجال والولدان، وتكفيرهم الناس واستحلالهم الدماء والأموال، مشهور معروف. ولأبي زيد عمر بن شبة في «أخبار النهروان وأخبار صفين» ديوان كبير، من تأمله اشتفى من تلك الأخبار، ولغيره في ذلك كتب حسان، والله المستعان» . فصل استمرار خروج الخوارج ووصول فتنتهم إلى كل مكان فهذا يمثل أول اشتداد الفتن والموج الذي يشبه موج البحر، إذ وصلت فتنتهم إلى كل مكان، وبقي أثرُهم إلى الآن، والواقع المعايش بارز للعيان، في كثير من البلدان، وسيشتدّ مع مرور الزمان، وحسبنا الله، وعليه التكلان، وهذا هو الدليل والبرهان: أخرج النسائي وغيره من حديث أبي برزة رفعه: «يخرج في آخر الزمان قوم كأنّ هذا منهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السَّهمُ من الرمية» (١) .

стр. 59

قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «فإنه ﷺ قد أخبر في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال، وقد اتفق المسلمون على أنّ الخوارج ليسوا مختصّين بذلك العسكر» (١) . يشير شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ما أخرجه ابن ماجه (١/١٧٧-١٧٨ رقم ١٧٤ - ط. عواد) وغيره بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ينشأ نشءٌ يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج فِرْقٌ قُطِع، حتى يخرج في أعراضهم الدجال» . وبوّب عليه شيخنا الألباني ﵀ في «السلسلة الصحيحة» (٥/٥٨٢ رقم ٢٤٥٥) : (استمرار خروج الخوارج) . فمن سنة الله التي لا تتخلف البتة في الخوارج ومن يسير على منهجهم في التغيير (٢) -كما في هذا الحديث-، أنّ هؤلاء يظهرون بين الفينة والفينة ثم يُقْطعون، وورد (القطع) بصيغة المبني للمجهول، فيقطعون

стр. 60

بالحجة والبرهان من قبل العلماء (١) ، والتخويف والتهديد من قبل السلطان، أو بهما جميعاً، أو بما يقضيه الله في سنته الكونية. وقد تفطن لهذا الإمام وهب بن منبه لما قال في نصيحته إلى أبي شَمِر ذي خولان، -وهي طويلة جدّاً- (٢) ، وفيها: «ألا ترى يا ذا خولان! أني قد أدركت صدر الإسلام، فوالله ما كانت للخوارج جماعة قط إلا فرّقها الله على شر حالاتهم، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه، وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج، ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم لفسدت الأرض، وقطعت السبل، وقُطع الحج عن بيت الله الحرام (٣) ، وإذَنْ لعَادَ أمرُ الإسلام جاهلية حتى يعود الناس

стр. 61

يستعينون برؤوس الجبال (١) ، كما كانوا في الجاهلية، وإذن لقام أكثر من عشرة -أو عشرين- رجلاً ليس منهم رجل إلا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة، ومع كل رجل أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضاً، ... » . قال أبو عبيدة: وهذا الذي حصل مع الخوارج من أول تاريخ نشأتهم، فقد قاتل عليٌّ ﵁ ذلك العسكر في النهروان، وكاد أنْ يقضي عليهم، وقلعهم من مركزهم (حروراء) ورجعوا إلى (الكوفة) ، وبقيت ثلّة منهم ثارت في الأرض. قال البغدادي في «الفرق بن الفرق» (ص٦١) : «وقتلت الخوارج يومئذٍ -أي: يوم النهروان- فلم يفلت منهم غير تسعة أنفس، صار منهم رجلان إلى سجستان، ومن أتباعهما خوارج سجستان، ورجلان صارا إلى اليمن، ومن أتباعهما إباضية اليمن، ورجلان صارا إلى عُمان ومن أتباعهما خوارج عُمان، ورجلان صارا إلى ناحية الجزيرة، من أتباعهما كان خوارج الجزيرة، ورجل منهم صار إلى تل مورون، ثم خرج على علي بعد ذلك من الخوارج جماعة كانوا على رأي المحكمة الأولى، منهم أشرس بن عوف، وخرج عليه بالأنبار، وغلفة التيمي من تيم عدي خرج عليه بماسيذان، والأشهب بن بشر العرني خرج عليه بجرجرايا، وسعد بن قفل خرج عليه بالمدائن، وأبو مريم السعدي خرج عليه في سواد الكوفة، فأخرج علي إلى كل واحد منهم جيشاً مع قائد حتى قتلوا أولئك الخوارج، ثم قتل علي ﵁ في تلك السنة في شهر رمضان، سنة ثمان وثلاثين من

стр. 62

الهجرة» . وباض وفرَّخَ هذا المعسكر في كثير من البلدان، وكانت (العراق) هي مسرح أحداثه، فثار جنده على معاوية في الكوفة، وذلك سنة إحدى وأربعين. وقاموا بعدها بثورات متعددة ما بين سنة (٤١) سنة (٦٤) ، ووقف منهم الولاة الأمويون موفقاً حازماً شديداً، يقول الطبري -مثلاً- في حوادث سنة (٥٨هـ) : «وفي هذه السنة اشتد عبد الله بن زياد على الخوارج، فقتل منهم صبراً جماعة كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى» (١) ، واشتدت شوكتهم بعد انهيار الدولة الأموية سنة أربع وستين، قال ابن جرير في حوادث سنة (٦٥هـ) : «وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة» (٢) . وقتل رئيس الأزارقة منهم: نافع بن الأزرق، وارتحلوا من حينها من نواحي البصرة والأهواز وأوغلوا شرقاً، فانتقلوا إلى أصبهان وكرمان وتمكنوا هناك، وخرجوا سنة اثنتين وسبعين، وغَلَبوا على البحرين (٣) ، ودُحِروا منها في سنة ثلاث وسبعين (٤) ، وخرجوا بعدها مرات عديدة، وبقيت لهم بقية في العراق في عهد الدولة العباسية، وقاموا بعدّة ثورات في خلافة الرشيد، وفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين ظهر خارجي ببلاد ربيعة، فقاتله نائب الموصل، فكسره وانهزم أصحابه (٥) ، وانتهى التطواف القلق بهم إلى الاستقرار في أماكن معينة، قال ابن حزم: «ولم يبق اليوم من فرق الخوارج إلا الإباضية والصفرية فقط» (٦) .

стр. 63

ويقول بعض معاصرينا عن أماكن وجودهم في زماننا: «وقد انقرض الخوارج إلا طائفة من الإباضية تقيم جهة عُمان، وفي جزيرة جربة تجاه تونس، وفي جنوبي الجزائر» (١) . فصل الخروج في عصرنا هذه ومضة تاريخية سريعة، لا يسمح المقام بأكثر منها حول الخوارج، ولا بد من التنويه -أيضاً- على (ظاهرة الخروج في عصرنا) ، فإنّ بسببها أُريقت دماء، وأُزهقت أرواح، تحت مسمى (الجهاد) و (القتال في سبيل الله) ، وهي ظاهرة لها أسبابها ودوافعها، وهي في غاية التعقيد، ومن خلالها يظهر صحة ما عليه العلماء الربانيون وأئمة السنة في ترك الخروج على الحكام؛ إذ أن التغيير والإصلاح لا يتعلق بوجود القوة، أو الجماعة القادرة على الثورة، ولا على التخريج الفقهي لجواز الخروج، أو وجوبه، أو منعه، وإنما يتعلق بأمر آخر، أهمّ من هذا كله؛ وهو: تفكك المجتمع الإسلامي، وظهور العصبيات الجاهلية فيه، وتحكم الشُّبهات والشهوات في المسلمين، وبُعدُهم عن أحكام دينهم الحنيف اعتقاداً وعملاً؛ بُعداً يجعلهم -في أنفسهم- أحقرَ من أن تَسْمُو همَّتهم للعمل على إزالة المنكرات، وإقامة العدل، ويجعلهم عند ربِّهم أقلَّ شأناً من أن يستحقوا التكريم الإلهي بالحكم بشريعته، التي هي مصدر الأمن والاستقرار، وسبب الخير والرخاء؛ ﴿وَكَذلك نُوَلّي بعضَ الظالمين بعضاً بما كَانوا يَكسِبون﴾ [الأنعام: ١٢٩] ، ﴿إنّ اللهَ لا يُغَيِّر مَا بِقَوم حَتّى يُغَيِّروا ما بأنفسهم وإذا أرادَ اللهُ بِقَوم سُوءاً فلا مَرَدَّ له ومَا لَهُم مِن دونه مِن وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] » .

стр. 64

ويظهر صواب هذا الموقف من خلال خصائص (الحق) التي لا تنفك عنه، من ثبات أهله عليه، وانشراح صدورهم به، وطول مسيرتهم وظهور ثمارهم، ورحم الله ابن حزم لما قال: «نُوَّار الفتنة لا يعْقِدُ» (١) . «والمعنى: أنّ للفتنة مظهراً خادعاً في مبدئه، قد يستحسن الناس صورتها، ويعقدون الآمال عليها، ولكن سرعان ما تموت وتتلاشى، مثل الزهرة التي تموت قبل أنْ تتفتح وتعطي ثمرتها. وهذه الكلمة القصيرة؛ حكمة عظيمة من نتاج فكر الإمام ابن حزم ... ﵀، الذي عاصر فتنة البربر في الأندلس، ورأَى بنفسه كيف أن الناس يعقدون على كل ثائر وثورة، وشرارة فتنة جديدة؛ آمالاً كبيرة في الإصلاح والتغيير، ولكن سرعان ما تتحول الآمال إلى مآسٍ وأحزانٍ، وضحايا وتدمير، وهذه الكلمة تنطبق على كل عصر ومصر، ويفترض بنا -نحن أبناء هذا العصر- أنْ نكون أكثرَ فهماً لمدلولها، واستحضاراً لمعانيها، إذ نعيش في زمن قلَّ فيه العلم، وعمَّ فيه الجهل، ورفع الغوغاء رؤوسهم، وغلبت على النفوس الشبهات والشهوات» (٢) . فصل مظاهر الخروج الجديد ونواره الذي لم ولن يعقد ، ومن ذلك فتنة جهيمان والحرم المكي وللخروج الجديد مظاهر، وبدا له (نوّار) في كثير من البلدان في أوقات متفرقات، ويا ليته (لم يعقد) فقط، وإنما أفسد أصحابه، بعدم معرفتهم

стр. 65

بـ (واجب الوقت) ، ومن أبرز (الأمثلة) (١) على (نوّار الفتنة) الذي (لم يعقد) في القرن المنصرم: فتنة جهيمان والحرم المكي فتنة جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي في الحرم المكي، ابتدأت في وقت ظهر الثلاثاء الأول من المحرم، وانتهت بعصر الخميس السابع عشر (٢) من المحرم لسنة ١٤٠٠هـ، وسببها الظاهر اعتقاد جماعة من خلال الرؤى وإسقاط أحاديث الفتن على غير وجهها (٣) ، أنّ رجلاً منهم -واسمه: محمد بن عبد الله القحطاني- هو المهدي، فدخلوا المسجد الحرام، وسفكوا فيه الدماء، وأبلغوا الناس عند المغرب: اليوم ستخسف الأرض بالجيش القادم إلينا، ولم تخسف الأرض بالطبع، فقالوا للناس: أُرجئَ الأمر أربعة أيام أخرى، وهلم جراً (٤) ، واستمر القتال عشرين يوماً تقريباً، وتوفّي فيها من الجيش الذي حاربهم (١٢) ضابطاً و (١١٥) ضابط صف وجندي، وأُدخل المستشفيات للمعالجة من الإصابات (٤٩) ضابطاً و (٤٠٢) ضابط صف وجندي.

стр. 66

ونفّذ حكم القتل في (٦٣) شخصاً من هؤلاء (بغاة الحرم) ، وعثر على (١٥) جثة من هذه الفئة عند تطهير أقبية الحرم، وتم التعرف على أصحابها من قبل من اعتقلوا من هذه الفئة، وذكر أنّ (٢٧) شخصاً من هذه الفئة قد توفّوا متأثرين بإصاباتهم، وأنّ عقوبة القتل قد خفضت إلى السجن لمدد مختلفة على (١٩) شخصاً، وأن عدد النساء والصبيان الذين وجدوا مع هذه الفئة قد بلغ (٢٣) ، وأن (٣٨) شخصاً لم يثبت التحقيق اشتراكهم، وتمّ الإفراج عنهم (١) . فهذه الفتنة العظيمة التي حلَّت بأرض الحرم المكي الشريف سببها عدم فقه إسقاط أحاديث الفتنة على الواقع، على الرغم من أن بعض رؤوس المشاركين فيها لهم اطلاع على الأحاديث، ودراية بأهمية الوقوف على الصحيح منها، ونبذ الواهي والضعيف، ووصفهم بيان هيئة كبار العلماء آنذاك في دورة مجلسهم الخامسة عشرة بأنهم «فئة ضالة آثمة؛ لاعتدائها على حرم الله، وسفكها فيه الدم الحرام، وقيامها بما يسبِّب فرقة المسلمين، وشق عصاهم» ، ووصفوا بما دعت إليه هذه الفئة بأنه «بذور فتنة وضلال، وطريق إلى الفوضى والاضطراب، والتلاعب بمصالح العباد والبلاد، وأنّ دعواهم قد يغترّ بظاهرها السذّج، وفي باطنها الشر المستطير» وحذروا -جزاهم الله خيراً- المسلمين مما في تلك النشرات من التأويلات الباطلة، والشّبه الآثمة، والاتجاهات السيئة (٢) . ومن الجدير بالذكر هنا أمور: أولاً: صلة هذه الفتنة بالعراق تظهر من خلال مقدمة؛ وهي: هل هذه

стр. 67

الفرقة من الخوارج؟ فإن كانوا كذلك، فتكون هي من (المهيجات) التي جاءت من هناك، وخرجت من ضئضئ ذلك الرجل، الذي لو قتل، لارتاح الناس من شره، فهي حينئذٍ شر من تلك الشرارة. ثانياً: نفى جهيمان في غير رسالة من رسائله أنهم من الخوارج، وذكر أن بعض العلماء وطلبة العلم الراكنين إلى المناصب والمراتب والرواتب ينعتهم بذلك! ويفرق بين (الخارجيّ) و (الخارج بغياً عن الحكام) بقوله: «فمذهب الخوارج كفر، والخروج على الإمام ومنازعته ظلم، يجب ردع صاحبه عنه وقتله» (١) . وبناءً عليه يقول عن نفسه وجماعته مع علماء عصره: «وإن خالفْتَهم قتلوك بشبهة يُسكِتون بها الأرنبَ، فيقولون: هو خارجي، مع أن أرنبهم لا تعرف معنى الخارجي» (٢) !! ولا يخدعنّك تفريقه المذكور، فهو لعب بالألفاظ، لا تنويع فيه، فالخوارج -عند أهل التحقيق- ليسوا بكفار (٣) ، وأبرز شيء في دينهم التكفير بالكبيرة، والخروج على الحكام، وهو يلتقي معهم في الأمر الثاني، فاسمع إليه وهو يقرر في آخر رسالته «الإمارة والبيعة» (ص ٣٧) بعد تقريره ضعف حديث أخرجه مسلم في «صحيحه» (رقم ١٨٥٥) ، وفيه: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم» ، يقول: «وعلى فرض صحته، فليس لهؤلاء الحكام فيه حجة؛ لأنه يقول «أئمتكم» ؛ يعني: أئمة المسلمين، فهؤلاء الحكام ليسوا أئمة؛ لأن إمامتهم للمسلمين باطلة، ومنكر يجب إنكاره كما تقدم ذلك بالأدلة؛ لأنهم ليسوا من

стр. 68

قريش، ولا يقيمون الدين، ولم يجتمع عليهم المسلمون، وإنما أصحاب ملك، سخروا المسلمين لمصالحهم، بل جعلوا الدين وسيلة لتحقيق مصالحهم الدنيوية؛ فعطلوا الجهاد، ووالوا النصارى، وجلبوا علىالمسلمين كل شر وفساد» . فهو يلتقي في نظرته إلى الحكام مع الخوارج، من ضرورة الخروج عليهم، والزعم بأنهم ليسوا بأئمة! وقرر هذا في رسالة مفردة مطبوعة سمّاها «نصيحة الإخوان إلى المسلمين والحكام» . ويعجبني كلام الشيخ عبد المحسن آل عبيكان، لما تكلم عن الخوارج، وذكر حادثة الحرم بإلماحة، وقال عن أصحابها: «وهؤلاء الذين خرجوا (أي: مع جهيمان في حادثة الحرم) كانوا يزعمون أنهم أهل حديث (١) ، ولكنهم ضالون وليسوا كذلك، فهم «يقولون من قول خير البرية» (٢) ، ويزعمون أنهم من أهل الحديث، وأنهم يتمسكون بالسنة،

стр. 69

وليسوا كذلك، ولم يفهموا حديث رسول الله ﷺ ، وأيضاً هم حدثاء أسنان، وهذا معلوم، ومن أدرك تلك الوقعة علم أن أكثرهم من صغار السن، ومن سفهاء الأحلام، وأكثرهم من الجهلة، وليسوا من كبار الناس، ولا ممن يتصدر المجالس، فهذا الحديث صدق على هؤلاء القوم، حسب ما اجتهدت في تطبيقه، وعلى كل حال؛ فهم خارجون عن الطاعة، وخارجون على الإمام، وأنهم فعلوا فعلاً منكراً، ولا شك. ولا يعني هذا أنّ الخوارج كفّار خارجون عن ملة الإسلام، فإن عليّاً ... ﵁ لم يكفرهم، ولكن يكفي أنهم أهل ضلال، وأنه ينبغي أنْ يُقاتلوا، وأنْ لا يبقى منهم أحد بين أمة محمد ﷺ ؛ لأنّ فسادهم عظيم، وشرهم كبير. ومما يذكر في هذا المقام، أنّ بعض العلماء أدخل حديث: «يبايع لرجل بين الركن والمقام، ولن يستحل هذا البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب» (١) أدخلوه في باب المهدي، بينما أرى أنه ينطبق على من بويع في تلك الفتنة؛ لأنّ استحلال البيت لا يكون مع مبايعة المهدي، وقد حصل الاستحلال عند مبايعة ذلك الشخص في تلك الفتنة، والله أعلم» .

стр. 70

وأخيراً ... كان الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- يسمّيهم في بعض مجالسه بـ: (الخوارج) (١) . وقال شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في «السلسلة الصحيحة» (٥/٢٧٨) تحت حديث رقم (٢٢٣٦) ، ونصه: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إنّ بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأمة» : «واعلم أيها الأخ المؤمن! أنّ كثيراً من الناس تطيش قلوبهم عند حدوث بعض الفتن، ولا بصيرة عندهم تجاهها، بحيث إنها توضح لهم السبيل الوسط الذي يجب عليهم أنْ يسلكوه إبانها، فيضلون عنه ضلالاً بعيداً، فمنهم -مثلاً- مَن ادّعى أنه المهدي أو عيسى؛ كالقاديانيين الذين اتبعوا ميرزا غلام أحمد القادياني، الذي ادعى المهدوية أولاً، ثم العيسوية، ثم النبوة، ومثل جماعة (جهيمان) السعودي، الذي قام بفتنة الحرم المكي على رأس سنة (١٤٠٠) هجرية، وزعم أنّ معه المهدي المنتظر، وطلب من الحاضرين في الحرم أنْ يبايعوه، وكان قد اتبعه بعض البسطاء والمغفلين والأشرار من أتباعه، ثم قضى الله على فتنتهم بعد أنْ سفكوا كثيراً من دماء المسلمين، وأراح الله -تعالى- العباد من شرهم» (٢) . وفتنة المهدي والخوض فيها قديم، فها هو حفص بن غياث يقول: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله! إن الناس قد أكثروا في المهدي، فما تقول فيه؟ قال: «إنْ مرَّ على بابك، فلا تكن منه في شيء حتى يجتمع الناس عليه» (٣) ، وهذا

стр. 71

تطبيق لقاعدة سلفية مهمة في الفتن، وهي الدوران مع النصوص، وعدم التعجل في إسقاطها، وضرورة فهمها على ظاهرها. والغفلة في هذا الباب قاتلة (١) ، وهي «زلة مضروب بها الطبل» (٢) ، وقد وقعت لبعض الأقدمين، فبُكِّت، وتُكلِّم معه شديداً. نقل ابن سعد (٣) عن شيخه محمد بن عمر الواقدي في ترجمة (محمد ابن عجلان) ، قال: «وخرج محمد بن عجلان مع محمد بن عبد الله بن حسن، حين خرج بالمدينة، فلما قُتِلَ محمدُ بن عبد الله وولي جعفر بن سليمان بن علي المدينة، بعث إلى محمد بن عجلان فأُتيَ به، فَبَكَّته وكلَّمه كلاماً، وقال: خرجتَ مع الكذّاب، وأَمَرَ به تُقْطع يده. فلم يتكلم محمد بن عجلان بكلمة، إلا أنه يحرّك شفتيه بشيء لا يدرى ما هو، يظن أنه يدعو، قال: فقام منْ حَضَر جعفرَ بن سليمان من فقهاء أهل المدينة وأشرافهم. فقالوا: أصْلَحَ الله الأمير، محمد بن عجلان فقيه أهل المدينة وعابدها! وإنما شُبِّه عليه وظن (٤) أنه المهديّ الذي جاءت فيه الرواية. فلم يزالوا يطلبون إليه حتى تركه، فولى محمد بن عجلان منصرفاً لم يتكلم حتى أتى منزله» . ومن الفتن التي (لم يعقد نوارها) ، واصطلى المسلمون بنارها، وهي من مهيّجات فتن العراق، وكانت لرُقْعَتِها أثر قوي في استمرارها:

стр. 72

فصل فتنة حماة ما وقع في مدينة (حماة) سنة ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م، من أحداث شهر شباط، وانفجرت ثورة عارمة باسم (الإسلام) في سوريا، ووقع اشتباك بين مجموعة ثائرين للإسلام مع النظام السوري، وتركزت الأحداث في (حماة) ، ودُمرَت بالقصف والتفجير والنسف أجزاءُ كبيرةٌ من المدينة، وخلف ذلك نحو خمسة وعشرين ألف قتيل، ودماراً هائلاً، شبّهته الصحافة الأجنبية بتدمير إحدى مدن الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن اعتقال الآلاف من سكانها، وتشريد عشرات الآلاف الآخرين داخل سورية وخارجها. (١) وتبع ذلك، انشطارات وانقسامات في جماعة الإخوان المسلمين، وقيادتها السورية (٢) ،...........................................................

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 74

ورمى قسم منهم نفسه في أحضان العراق (١) ، وراحوا يرددون: سنحرر سورية،

стр. 75

بالدبابة العراقية والبندقية الفلسطينية، والبطل السوري!! وفتحت لهم من
следующие страницы →