← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسألُه أن يُصلِّيَ على محمدٍ عبدِهِ ورسولِهِ، صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليماً. أمَّا بعد؛ فإنَّ الله قد تَكفَّل بنَصْر هذا الدين إلى يوم القيامة، وبظهوره على الدين كلِّه، وشهد بذلك، وكفى باللَّه شهيداً، وأخبر الصادقُ المصدوق ﷺ أنه لا تزال طائفةٌ من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خَذَلهم إلى يوم القيامة (١) ، وأخبر أنهم بالناحية الغربية عن مكة والمدينة (٢) ، وهي أرضُ الشام وما يليها. كما أخبرنا أنه لا تقوم الساعةُ حتى تقاتلوا التُّركَ، قوماً صِغارَ الأعينِ دُلْفِ الآنُفِ، ينتعلون الشَّعْرَ، كأن وجوههم المِجَانُّ المُطرقة (٣) . وأخبر أنّ أمتَه لا يزالون يقاتلون الأُمم حتى يقاتلوا الأعورَ الدجَّال (٤) ، حين ينزل عيسى ابن مريم من السماء على المنارة البيضاء شَرْقِيَّ دمشق، فيَقتُل المسلمون جُنْدَه القادمَ معه من يهود أصبهان وغيرهم. وأخبر ﷺ أنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مئة سنة مَن يُجَدِّدُ دينَها (٥) ، ولا يكون التجديد إلاّ بعد استهدام.

стр. 737

وقال: «سألتُ ربّي أنْ لا يُسلِّطَ على أمتي عدوّاً من غيرهم فيجتاحُهم، فأعطانيها، وسألتُه أنْ لا يُهلِكهم بسَنةٍ عامَّةٍ، فأعطانيها» (١) . وما زالت دلائل نبوته ﷺ تَظهر شيئاً بعد شيءٍ، وقد أظهر الله في هذه الفتنة (٢) من رحمته بهذه الأمة وجُنْدِها ما فيه عبرةٌ، حيث ابتلاهم بما يُكفِّر به من خطاياهم، ويُقبِل بقلوبهم على ربهم، ويجمع كلمتهم على وليّ أمرِهم، ويَنزِعُ الفُرقةَ والاختلافَ من بينهم، ويُحرِّكُ عَزَماتِهم للجهاد في سبيل الله وقتال الخارجين عن شريعة الله. فإنّ هذه الفتنة التي جَرتْ -وإن كانت مُؤلمةً للقلوب- فما هي -إن شاء اللَّه- إلاّ كالدواء الذي يُسقَاه المريضُ ليحصل له الشِّفاءُ والقوة، وقد كان في النفوس من الكِبْر والجهل والظلم ما لو حَصَل معه ما تشتهيه من العِزّ لأعقَبها ذلك بلاءً عظيماً. فرحم الله عبادَه برحمتِه التي هو أرحم بها من الوالدة بولدها، وانكشف لعامة المسلمين شَرْقاً وغَرْباً حقيقةُ حال هؤلاء المفسدين الخارجين عن شريعة الإسلام، وإن تكلَّموا بالشهادتين، وعَلِمَ مَن لم يكن يعلم ما هم عليه من الجهل والظلم والنفاق والتلبيس والبُعد عن شرائع الإسلام ومناهجه، وحَنَّتْ إلى العساكر الإسلامية نفوسٌ كانت مُعرِضةً عنهم، ولاَنَتْ لهم قلوبٌ كانت قاسيةً عليهم، وأنزل الله عليهم من ملائكته وسكينته ما لم يكن في تلك الفتنة معهم، وطابت نفوسُ أهل الإيمان ببَذْلِ النفوس والأموال للجهاد في سبيل اللَّه، وأعدُّوا العدَّة لجهاد عدوِّ الله وعدوِّهم، وانتبهوا من سِنَتِهم،

стр. 738

واستيقظوا من رَقْدَتِهم، وحمدوا الله على ما أنعمَ به من استعداد السلطان والعسكر للجهاد، وما جمعه من الأموال للإنفاق في سبيل الله. فإنّ الله فَرَضَ على المسلمين الجهادَ بالأموال والأنفس، والجهادُ واجبٌ على كل مسلم قادرٍ، ومَن لم يَقْدِرْ أن يجاهد بنفسه فعليه أن يجاهد بماله إن كان له مالٌ يتسع لذلك؛ فإن الله فرض الجهاد بالأموال والأنفس، ومَن كَنَزَ الأموالَ عند الحاجة إلى إنفاقها في الجهاد، من الملوك أو الأمراء أو الشيوخ أو العلماء أو التجار أو الصُّنَّاع أو الجند أو غيرهم؛ فهو داخلٌ في قوله -سبحانه-: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤-٣٥] ، خصوصاً إن كانت الأموالُ من أموال بيت المال، أو أموالٍ أُخِذتْ بالربا ونحوه، أو لم تُؤدَّ زكاتُها ولم تُخرَج حقوقُ الله منها. وكان النبي ﷺ يحضُّ المسلمين على الإنفاق في سبيل اللَّه، حتَّى إنه في غَزَاة تبوك حَضَّهُم، وكان المسلمون في حاجةٍ شديدة، فجاء عثمان بن عفان بألفِ راحلة من ماله في سبيل الله بأَحْلاسِها وأَقْتابِها، وأعوزَتْ خمسين راحلة فكمَّلها بخمسين فرساً، فقال النبي ﷺ : «ما ضَرَّ عثمانَ ما فَعَلَ بعدَ اليوم» (١) . وذمَّ الله المخلَّفين عن الغزو في سورة براءة بأقبح الذّمِّ حين قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بَأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] ، وقال: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾

стр. 739

[التوبة: ٣٩] . فمن ترك الجهاد عذَّبه اللهُ عذاباً أليماً بالذُّلِّ وغيره، ونزعَ الأمرَ منه فأعطاه لغيره؛ فإنّ هذا الدِّين لمن ذَبَّ عنه. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «عليكم بالجهاد؛ فإنه بابٌ من أبواب الجنة، يُذهب الله به عن النفوس الهمَّ والغمَّ» (١) ، وقال ﷺ : «لن يُغلَب اثنا عشر ألفاً من قِلَّةٍ وقتالٍ، واعلم أنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العُسْر يُسراً» (٢) . ومتى جاهدَتِ الأمَّةُ عدوَّها؛ ألَّف الله بين قلوبها، وإنْ تركتِ الجهادَ؛ شَغَلَ بعضَها ببعض. ومن نِعَمِ الله على الأمة؛ أنها قد اجتمعت على ذلك في الشرق والغرب، حتى إنّ المؤمنين مِن أهل المشرق قد تحرَّكت قلوبهم انتظاراً لجنود الله، وفيهم من نوى أنه يخرج مع العدوِّ إذا جمعوا، ثُمَّ إمَّا أنْ يقفز عنهم، وإمَّا أنْ يُوقع بهم. والقلوبُ الساعةَ محترقةٌ مهتزَّةٌ لنصر الله (٣) على القوم المفسدين، حتى إنّ بالموصل والجزيرة وجبال الأكراد خَلْقاً عظيماً مستعدين للجهاد مرتقبين العساكر، سواء تحرك العدوُّ أو لم يتحرك.

стр. 740

وكذلك قدمت بنتُ بَيْدَرَا (وكان من ملوك التتار) ، وكانت مأسورةً في بيت قازان، فأخبرتْ بما جرى بينه وبين أخيه وأمّه مما يؤيّد ذلك، وهي الساعة في نِيَّتِها تذهبُ إلى مصر، وقد أقامت في بيتهم مدَّةً إلى نصف شوَّال على ما ذكرتْ. وسواءٌ ألقَى الله بينهم الفرقةَ والاختلافَ وأهلكَ رؤساءَهم أو لم يكن؛ فإنّ الأمر إذا كان كذلك فهذا عونٌ عظيمٌ من الله للمسلمين، وقد اتصل بالداعي أخبارٌ صادقةٌ من جهاتٍ يُوثَقُ بها بما قد مال مع المسلمين من أمراء تلك البلاد حتى من المغول، ولا بُدّ أنّ السلطان يُطالعُ بذلك من تلك البلاد؛ فإنّ هناك قومٌ صالحون ساعون في مصالح المسلمين؛ كشيخ الجزيرة الشيخ أحمد. وجاءتنا أخبارٌ مع غير واحد بأنّ الخَرْبَنْدا أخا قازان قد قَدِمَ الرومَ وهو يجمع العساكر للقدوم، وقدمتْ بنتٌ لبَيْدَرا كانت مأسورةً في بيت قازان، وذكرتْ أحوالاً من الكلام بين قازان وأخيه الخَرْبَنْدا وأمّه، تَدُلُّ على ذلك، وأنّ الخربندا هو في نية فاسدة للمسلمين، وأمُّه تنهاه عن ذلك، وهو لا يقبل، ويُوقع بينهم فتنةً. فليس من الواجب أنْ يُترك نَصْرُ الله (١) والجهادُ في سبيل الله إذا كان عدوُّ الله وعدوُّ المسلمين قد وقع البأسُ بينهم، بل هناك يكون انتهاز الفرصة، ولا يَحِلّ للمسلمين أنْ ينتظروهم حتى يطأوا بلاد المسلمين كما فعلوا عام أوّل؛ فإنّ النبي ﷺ قال: «ما غُزِيَ قومٌ في عُقْرِ دارِهم إلاّ ذُلُّوا» (٢) .

стр. 741

واللَّه قد فرضَ على المسلمين الجهاد لمَن خرجَ عن دينه وإنْ لم يكونوا يقاتلونا، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يُجهّزون الجيوش إلى العدوّ وإن كان العدوُّ لا يَقصِدُهم، حتى إنَّه لما توفي رسولُ الله ﷺ وكانت مصيبته أعظم المصائب، وتفرق الناس بعد موته واختلفوا، نَفَّذَ أبو بكر الصديق ﵁ جيشَ أسامة بن زيد الذي كان قد أمَّره رسولُ الله ﷺ إلى الشام إلى غزو النصارى، والمسلمون إذ ذاك في غاية الضعف، فلمّا رآهم العدوُّ فَزِعوا، وقالوا: لو كان هؤلاء ... (١) ما بعثوا جيشاً. وكذلك أبو بكر الصديق لما حضرتْه الوفاةُ قال لعمر بن الخطاب: «لا يَشغلكم مصيبتكم بي عن جهادِ عدوِّكم» (٢) ، وكانوا هم قاصدين للعدو لا مقصودين. وكان النبي ﷺ في مرض موته وهو يقول: «نَفِّذوا جيش أسامة، نَفِّذوا جيش أسامة» ، لا يَشغلُه ما هو فيه من البلاء الشديد عن مجاهدة العدوّ، وكذلك أبو بكر. والساعةَ لما ذهب أميرٌ بحلب بعسكرٍ إلى الجزيرة وتصيَّد هناك، طارَ الصيتُ في تلك البلاد بمَجِيءِ العسكر، فامتلأت قلوب البنجاي رعباً، حتى صاروا يريدون أنْ يُظهِروا زيَّ المسلمين لئلاّ يُؤخَذوا، وفي قلوب العدوّ رُعبٌ لا يعلمه إلاّ اللَّه، وقد هُيِّئ لهم في البلاد إقاماتٌ كثيرة من الشعير وغيره، والمسلمون هناك يدعون الله أنْ يكون رزقَ المسلمين. وأقلُّ ما يجب على المسلمين أنْ يجاهدوا عدوَّهم في كلّ عام مرةً، وإن

стр. 742

تركوه أكثر من ذلك فقد عَصَوا الله ورسولَه، واستحقوا العقوبة، وكذلك إذا تقاعدوا حتى يطأ العدوُّ أرضَ الإسلام، والتجربةُ تدل على ذلك؛ فإنه لما كان المسلمون يقصدونهم في تلك البلاد لم يزالوا منصورين، وفي نَوبتَيْ حمص الأولى والثانية لمّا مَكّنُوهم من دخول البلاد كاد المسلمون في تلك النوبةِ أنْ ينكسروا لولا أنْ ثَبَّتَ الله، وجَرى في هذه المدة ما جرى، وما قَصَدَهم المسلمون قَطُّ إلا نُصِروا، كنوبةِ عين جالوت والفرات والروم، ونحن نرجوا أنْ يستأصلهم الله -تعالى-، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه؛ فإنّ البشارات متوفّرةٌ على ذلك. وقد حدثنا أبي ﵀ أنه كان عندهم كتاب عتيق (١) وقف عليه من أكثر من خمسين سنة قبل مجيء التتار إلى بغداد، وهو مكتوب من سنين كثيرة، وفي آخره: «والتتار يُقلِعهم المصريون» ، وقد رأى المسلمون أنواعاً من المبشرات بنصر الله (٢) ، وهذا لا شكّ منه -إن شاء الله-. وليست هذه النوبة كتلك؛ فإنّ تلك المرة كان فيها أمورٌ لا يليق ذكرُها -عفا الله عنها-، وما فعلَه الله بالمسلمين كان أحمدَ في حقّهم. ثمَّ لا شك أنّ الله يَنصُر دينَه، وينتقمُ من أعدائه، وقد قال -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاءَ الله لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبْعَضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٤-٧] .

стр. 743

ثم في الحركة في سبيل الله أنواعٌ من الفوائد: إحداها: طمأنينة قلوب أهل البلاد حتى يعمروا ويزدرعوا ، وإلا فما دامت القلوب خائفة لا يستقيم الحال. الثانية: أنّ البلاد الشمالية كحلب ونحوها فيها خيرٌ كثيرٌ ورزقٌ عظيمٌ ينتفع به العسكر. الفائدة الثالثة: أنّه يُقوِّي قلوبَ المسلمين في تلك البلاد من الأعوان والنصحاء، ويزداد العدوُّ رُعباً، وإنْ لم تَحصُلْ حركةٌ فَتَرت القلوب، وربما انقلب قومٌ فصاروا مع العدوّ؛ فإنّ الناس مع القائم. ولما جاء العسكر إلى الشام كان فيه مصلحة عظيمة، ولو تقدم بعضهم إلى الثَّغْر كان في غاية الجودة. الفائدة الرابعة: أنهم إنْ ساروا أو بعضهم حتى يأخذوا ما في بلد الجزيرة من الإقامات والأموال السلطانية من غير إيذاء المسلمين كان من أعظم الفوائد، وإنْ ساروا قاطنين متمكنين نَزَلتْ إليهم أمراءُ تلك البلاد من أهل الأمصار والجبال، واجتمعت جنود عظيمة؛ فإنّ غالب أهل البلاد قلوبهم مع المسلمين، إلا الكفار من النصارى ونحوهم، وإلاّ الروافض؛ فإنّ أكثر الروافض ونحوهم مِن أهل البدع هواهم مع العدوّ؛ فإنّهم أظهروا السرور بانكسار عسكر المسلمين، وأظهروا الشماتة بجمهور المسلمين، وهذا معروفٌ لهم من نَوبةِ بغداد وحلب (١) ، وهذه النوبة -أيضاً- كما فعلَ أهل الجبلِ الجرد والكِسْرَوان، ولهذا خَرَجنا في غزوهم لما خَرَجَ إليهم العسكر، وكان في ذلك خيرةٌ عظيمةٌ للمسلمين. فإذا كانت عامّةُ القلوب هناك وهنا مع هذا العسكر المنصور، وقد أقامه

стр. 744

الله -سبحانه- وأيَّده وأمدَّه بنعمته على محمد وأمته، وقلوب العدوّ في غاية الرعب منه، واللهِ! لقد رأى الداعي من رُعْبِهم ما يوصف، حتى إنّ وزيرَهم يحيى قال قُدَّام الداعي ومولاي يسمع: واحدٌ منكم يغلب ستةً من هؤلاء، وهكذا يُخبر القادمون من هناك أنهم مرعوبون جدّاً، فمن نعمة الله على المسلمين أنْ يُيسِّر غزاةً ينصر الله بها دينَه هنا وهناك، وما ذلك على الله بعزيز. وليس من شريعة الإسلام أنّ المسلمين ينتظرون عدوَّهم حتى يقدم عليهم، هذا لم يأمر اللهُ به ولا رسولُه ولا المسلمون، ولكنْ يجب على المسلمين أنْ يقصدوهم للجهاد في سبيل الله، وإنْ بدأوا هم بالحركة فلا يجوز تمكينُهم حتى يَعبُروا ديار المسلمين، بل الواجبُ تقدُّمُ العساكر الإسلامية إلى ثغور المسلمين، فالله -تعالى- يختار للمسلمين في جميع الأمور ما فيه صلاح الدنيا والآخرة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده، وصلَّى الله على محمد عبده ورسوله.» انتهى. فصل الجهاد في زمن الفتنة قال أبو عبيدة: فما في هذه الرسالة هو تقرير المحكم من الدين، وما أوجبه الله علينا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، ومع هذا؛ فإنه ذكر واقعة التتار وجعلها كالدواء المؤلم الذي يحصل به الشفاء، وبيان ما استفاد المسلمون منها، ومع هذا فهو -رحمه الله تعالى- ما تنكّب أحاديث الفتن، ولم يهمل ما يجب أنْ يُراعَى عند وجودها، وقد كشف عن ذلك بكلام يفرح به المتعقّلون من المصلحين ممن يعمل من وراء تقريرات العلماء، قال في

стр. 745

«الاستغاثة في الرد على البكري» (٢/٦٣١) -وهو يتكلم عن حال المسلمين عند قدوم التتر عليهم، مصوّراً مخالفاتهم العقدية-: «وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات ويسألونهم، ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه بالأموات أعظم؛ لأنهم إنّما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعونه دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه، أو الدعاء به، أو الدعاء عند قبره، بخلاف عبادتهم لله ودعائهم إياه؛ فإنهم يفعلونه في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى إنّ العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم، وقال بعض الشعراء: يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر أو قال: عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر» . قال: «فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا، كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد؛ فإنه كان قد قضى أنّ العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك ولحكمة كانت لله في ذلك» . ثم قال -وهذا هو موطن الشاهد-: «ولهذا كان أهل المعرفة بالدِّين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، ولِمَا يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة في القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة، لمن عرف هذا وهذا، وإنْ كان كثيرٌ من المقاتلين الذين اعتقدوا

стр. 746

هذا قتالاً شرعيّاً أُجرُوا على نياتهم (١) .

стр. 747

فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله، والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، كما قال -تعالى- يوم بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُم﴾ [سورة الأنفال: ٩] ... » ، وقال:

стр. 748

«فلما أصلح الناسُ أمورَهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم؛ نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً، لم يتقدم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلاً، لِمَا صحَّ من تحقيق توحيده، وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك؛ فإنّ الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» (١) . انتهى. فصل كيف ينبغي أنْ نفهم أحاديث الفتن ؟ ظاهرة إخبار النبي ﷺ عن (المغيبات) و (النبوءات) تستدعي شغف وانتباه أي مطالع لكتب السنة: ماذا تعني؟ ما غاياتها؟ ما آثارها التربوية في النفس الإنسانية؟ ما أثرها في العقيدة الإسلامية، وانطلاقة المسلم نحو الدعوة إلى الله ، والتزام الإسلام في الحياة؟ لمعرفة شيءٍ من هذا كله؛ لا بُدَّ من تحليل هذه الظاهرة تحليلاً شرعيّاً نابعاً من المبادئ القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية، والتصورات الإسلامية الأصيلة، ومِن ثَمَّ تخريجها على تلك الأصول الكلية، وتحليل غاياتها في بناء الشخصية الإسلامية. هذه الظاهرة تلفت نظرنا باستمرار لمعرفة ماذا يمكن أنْ نستفيد من هذا الحشد الهائل من الأحاديث النبوية التي تحدثت عن الفتن وأشراط الساعة، ولعله من السابق لأوانه أنْ نسارع فنقول: إنّ هذه الظاهرة تحتاج لدراسة تحليلية قيمة يقوم بها مختصون مهتمون بالعلوم الاجتماعية والإنسانية

стр. 749

والنفسية. ولكن؛ هذا لن يمنعنا في هذه العجالة من إلقاء بعض الضوء على بعض النقاط المتصلة بسبب ما نحن بصدده، والتلميح إلى مزالق خطيرة يقع فريستها كثير من المسلمين -اليوم- بفهمهم الخاطئ لمعاني الأحاديث والنبوءات. إنها مسألة خطيرة لما وجدناه عند كثير من الشباب المسلم -الذين كان الأجدر بهم أنْ يكونوا أبعد المسلمين عن هذه المزالق الفكرية الخطيرة- من تسويغ للواقع، وتسليم للأقدار -كما يقولون-، وبُعْد عن البحث والتنقيب في الأسباب الحقيقية والعوامل الخفية التي تُسيّر حركة التاريخ، وتغير مسار الحركة الاجتماعية في أي مجتمع كان. كثير من المسلمين اليوم -خاصة عند قراءة هذه الأحاديث أو النبوءات- يصاب بعقم وسلبية وانعزال في العمل الإسلامي. عقم في مجال البحث والاستقصاء، والتتبع والكشف عن المجهول. وسلبية في الحركة والدعوة والعمل. وانعزال عن الواقع والمجتمع والاكتفاء بالادعاء بإصلاح النفس، ذلك الإصلاح البارد السلبي التقَوْقعي، الذي هو أقرب إلى الهروب من الواقع منه إلى الإصلاح. وهؤلاء القاعدون الذين لم يحددوا أسباب الواقع المرير، ولم يعرفوا العوامل والسنن في تغيير المجتمع والأنفس ليسوا بأفضل حالاً منهم أولئك الخائضون في متاع الحياة الدنيا وزينتها، أولئك الذين أحبطوا في مجال التغيير النفسي والاجتماعي فانصرفوا إلى تفجير طاقاتهم الفعالة في مجال التنافس على الدنيا والاهتمام بلذاتها، بعد أنْ رأوا الأمور فوق طاقتهم حسب زعمهم. ولعلنا لا نصاب بالدهشة إنْ رأينا أنّ أصحاب تلك القناعات الفكرية في

стр. 750

البُعْد عن الفتنة -حسب تعبيرهم- المنعزلين عن الحياة، إذا رأيناهم يلقون كل شيء على القضاء والقدر، فلا قوة عندهم على مقاومة الواقع السيئ؛ لأن ذلك -حسب ما تربوا عليه- هو فتن حتمية تحدّث عنها رسول الإسلام ﷺ ، فلا مجال للخروج عليها؛ لأنها من إرادة الله -تعالى-. ولا نعجب -أيضاً- إذا علمنا أنّ أولئك المسوغين المتواكلين هم من مخلفات عصور الانغلاق الفكري، الذين لم يتربوا على الأسس الصحيحة للتصورات الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وآثار الصحابة الكرام، ولم يتفهموا عوامل التغيير التاريخية الإنسانية عامة، والإسلامية خاصة. وإنّما عاشوا يتلقفون أحاديث متناثرة عن القضاء والقدر، والفتن والملاحم، وأشراط الساعة، والدجال،.... إلخ، مع بُعد كامل عن تفهم المقاصد الحقيقية للشريعة الإسلامية، وحركة التغيير في حياة الصدر الأول من الصحابة ﵃. إنّ أولَ ما يلفت نظري -وأنا بصدد أحاديث الفتن والملاحم- هو التركيزُ الشديدُ على فاعلية الإنسان في هذه الحياة، وأثرِه الكبير في عملية التغيير، وتعمير الكون واستعماره. ويتجلى ذلك في فهمنا الحقيقي لمعاني الجهاد في الإسلام، الجهاد بمعناه الواسع العريض، وتعيين المهمة الأساسية للإنسان المسلم في الحياة: وهي بذل الجهد -كل الجهد- لإعلاء كلمة الله في الأرض. ثم التركيز القرآني على إيجاد اليقين الجازم بعقيدة التوحيد (لا إله إلا اللَّه) ، والقناعة التامة أنّ التبعة يوم القيام إنما هي تبعة فردية، وإن كل إنسان مأخوذ بعمله. وكل ذلك إنما يشكل جزءاً كبيراً من الوسائل للوصول إلى الشخصية

стр. 751

الإسلامية المؤثرة؛ الشخصية التي لا تعتذر بالواقع السيئ وتدعي أنّ هذا هو أوان (أنْ يعض المسلم على جذع شجرة ويبتعد عن الفتن) ... ، ومِن ثم يحكم على نفسه بالإعدام قبل أنْ يحكم أحدٌ عليه، ولا الشخصية المتواكلة المترددة المنهزمة داخليّاً. الشخصية التي لا ترد كل شيء إلى الظروف والبيئة، وكأنها بريئة هي من العيوب والنقائص. الشخصية التي لا تعطل القوى التي وهبها الله إياها بدورها في إعمار هذا الكون وإصلاحه. بل الشخصية المتفاعلة في مواقع الحياة، الآخذة والمعطية، البانية الهادفة، إنها شخصية تقتبس من نور الله، وتستلهم خطوات الأنبياء والمجددين، وتنير دربها بنماذج حيّةٍ من حياة الصحابة -رضوان الله عليهم-، ومن حياة كل الترجمات العملية للعقيدة الإسلامية عبر تاريخ المسلمين الطويل (١) . وإنّ الفتن التي تحدّث عنها الرسول ﷺ ليست نوعاً من الجبر، أو القدرية الإلزامية التي تحيق بالناس دون أنْ يكون لهم ذنب فيها، أو دون أنْ يقدِّموا من الأسباب والبدايات ما يجعلها تصيبهم بنتائجها، لا ليس الفتن إلاَّ بما كسب الناس أنفسهم ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ، ومن ثَمَّ فإنّ عمليّة التغيير وإنكار المنكر وقيام الناس بدفع أسباب الفتن وعللها سيساعد كثيراً في الاعتصام منها والبُعد عنها. إنّ الفتن التي تحدّث عنها رسول الإسلام ﷺ ليست نوعاً من الجبر

стр. 752

بقدر ما هي إخبار بمغيبات ستقع تبعاً لعوامل نفسية داخلية، وعوامل اجتماعية؛ أي: بمثابة قوانين وسنن وقع الناس في أتونها فكان لزاماً عليهم أنْ تنطبق عليهم نتائجها. وقناعتنا أنّ هذه العوامل محددة فعلاً وواقعية، هذا هو الذي يملي علينا نوعية العمل المطلوب منّا تنفيذه لنعصم أنفسنا من مواطن عقوبة الله وسخطه. وبهذا الفهم لحقيقة السنن الكونية ولطلاقة المشيئة الإلهية -أيضاً- يمكن أنْ نرسم الخطَّ الذي يجب أنْ نسير عليه، خاصة وأنه غالباً لا توجد عندنا الدلائل الكافية -العلمية- التي تؤكِّد أنّ تلك الأسباب واقعة فعلاً؛ لنجزم مِن ثم بوقوع نتائجها من الفتن والبلايا والمصائب بشكل حتمي قاطع. من هناك يظهر سخف تلك النظرة التشاؤمية البعيدة عن واقع الحياة المنعزلة عن إصلاح تيار الحياة البشرية. ومن هنا؛ فلا مجال لتلك النفسية المترددة، خاصةً وأنّ الرؤية غير سليمة ... ورغم هذا كله ... وهَبْها كانت واقعة فعلاً، ولنفرض أنّ العوامل كلها تشير إلى الفتنة الآتية القريبة، وأنّ الناس قد تُوُدِّع منهم، ولنفرض جدلاً أننا تحققنا -من خلال المقدمات- حتميةَ وقوع النتائج؛ فهل يعني ذلك التسليم للفتن والاستسلام لها، وركوبَ أمواجها بلا سفينة أو شراع، وبلا مقاومة أو اعتراض؟! وهل ننصاع لتياراتها الصاخبة بلا أدنى مقاومة؟!! هل هي هذه مهمة المسلم التي كلفه الله بها؟! وهل يعذر أمام ربه يوم يقوم الناس لرب العالمين؟!! وهل يرضى منه الله هذه السلبية القاتلة، حتى يصل المستوى بنا لعدم القدرة حتى على تغيير أنفسنا على أقل تقدير؟!!! إنَّه لم يعد بمقدور المسلم أنْ يغير مجتمعه ذلك التغيير الجذري

стр. 753

المنشود، فلا أقل من أنْ يلتزم هو في خاصة نفسه بسنن ذلك التغيير، ويسعى جاهداً للحفاظ على أقرب الأقربين منه، ويحميهم من غوائل الفتنة. أما السلبية والقعود والاستسلام للمخالفات الشرعية وضغط الواقع ثم الانصياع لمطالبها والغرق في أحوالها؛ فهذا ليس من هذا الدين في قريب أو بعيد. وبَعْدُ؛ لعل في هذا كله ما يقنع أولئك المسوغين المتقاعسين أنْ يعودوا لممارسة دورهم الخطير في حياة الناس والبشرية قاطبة وينتشلوهم من هذه الهوّة السحيقة التي ينحدرون إليها، ولعلنا في ضوء ذلك نفهم معنى الفتنة، وكيف تحيق بالناس، وأنها إنّما تحيق بهم وِفْقَ سنن وقوانين، وأنها إنما تحيق بهم لنسيانهم حقائق كثيرة، أو لتجاهلهم إياها، ولغفلتهم عنها أنها تعمل بقوة في واقع حياتهم؛ فالفتنة والفتن كما أنها من قدر الله كأي حدث على ظهر هذه الأرض؛ إلاّ أنّ لها ارتباطاً على قاعدة العلة والمعلول بمقدمات أدّت إلى تلك النتائج ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ . بهذا الفهم لهذا الدين ولمعنى الفتنة؛ نعصم أنفسنا من أنْ نكون ككثيرٍ من العوام الذين لا يحركون ساكناً، زاعمين أنهم في مواجهة فتنة عمياء، ولا (أبو بكر) لها، وليس للمسلم أمامها إلاّ العزلة والتقوقع والاستسلام. وهذا الفهم لمعنى الإيمان، وطريق عمل هذا الدين في حياة البشر يطالبنا بالصمود أمام الفتن، وليس هذا فحسب، بل تغيير الواقع الاجتماعي، وقبله النفسي؛ لتغيير اتجاه هذه الحال، ورد الواقع البشري إلى ما يرضي الله -سبحانه-. وسواءٌ فشلنا أم نجحنا؛ فالمهم أننا نؤدي مهمتنا التي خُلِقْنا من أجلها؛ أي: أنْ لا نكون سلبيين في مواجهة الواقع، أنْ نعمل ونعمل، وإنْ لم نقطف ثمار عملنا هنا؛ فثمار عملنا نقطفها في الجنة. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] .

стр. 754

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢] . والفتن التي حدثت قديماً بعد الرسول ﷺ ، لا ولن تكون مسوغاً للمتقاعسين ليقنعونا بالقعود والتواكل؛ فالمنهج هو الأصل، والتاريخ الإسلامي ليس إلاّ تطبيقاً للمنهج، قد يوافقه كثيراً، ويخالفه ويخرج عنه أحياناً. وقد كان لا بُدّ -في الختام- من هذا الكلمة على هذه الصورة حتى لا يُساء فهم النصوص والاستفادة منها عند البعض، ولتكون عاملاً للتنبه والحذر، والعمل المعاكس لتيار الفتن لا الانقياد لها، والتسليم والإذعان. وهي إنما كانت من الرسول ﷺ إخباراً بمغيبات، ودليلاً على صدق نبوته، وتحذيراً للمسلمين عن الانحطاط في الفتنة، أو التمهيد لها، أو المساعدة على نشوئها واستمرارها، ولكي يأخذ الصحابة ﵃ حذرهم لكل طارئ، وتدبيراً لهم على الاحتياط والإعداد لكل مفاجئ (١) . فصل عودة إلى ظاهرة إسقاط الأحاديث على الأحداث، ودوافعها الجديدة، وبيان بعض المعالم الشرعية لها مما ينبغي أنْ يذكر تجاه هذه الظاهرة أنّ الدراسات الجذرية المعتنية بها قليلة، وذكرها المعاصرون في معرض الأخذ والرد (٢) ، وإنَّ ربطنا إياها بالنوع الثاني من العلوم عند الشاطبي -وهو (الملح) - جعلنا نقرر قبولها بضوابط

стр. 755

ومعالم، وقد أشار إليها بعض المعاصرين بإجمال، فقال تحت عنوان: (لا يمكن إسقاط النصوص التي يَطْرُقُها الاحتمال على واقعٍ مُعيّن إلاّ بعد وقوعها وانقضائها) ما نصه: «فقد كان من هدي السلف ﵏ أنهم لا يُنَزِّلون أحاديث الفتن على واقع حاضر، وإنما يرون أصدق تفسير لها، ووقوعها مطابقة لخبر النبي ﷺ ، ولذلك نلاحظ أنّ عامّة شارحي الأحاديث الشريفة كانوا يُفيضون في شرحها، واستنباط الأحكام منها، حتى إذا أتوا على أبواب الفتن وأشراط الساعة أمسكوا أو اقتصدوا في شرحها للغاية، وربما اقتصروا على تحقيق الحديث، واكتفوا بشرح غريبه، بخلاف ما يحصل من بعض المتعجلين المتكلفين اليوم؛ فإنه بمجرد ظهور بوادر لأحداث معينة -سياسية كانت، أو عسكرية؛ محلية، أو عالمية- تستخفهم البُداءات، وتستفزهم الانفعالات، فيُسقطون الأحاديث على أشخاص معينين، أو وقائع معينة، ثم لا تلبث الحقيقة أنْ تبين، ويكتشفوا أنهم تهوروا وتعجلوا. وربما كان دافعهم نبيلاً؛ فَهُم يحسبون أنّ إسقاط النبوءات على الواقع مما يزيد يقين المسلمين، ويقوي إيمانهم، ويمكنهم من إقامة الحجة على المكذبين بنبوة رسول الله ﷺ ، وفي هذا تأييدٌ لدين الحق! نقول: نعم؛ ولكن بالشرط المذكور آنفاً؛ لأنّ العجلة في مثل ذلك قد تأتي بعكس ما يشتهون؛ إذ لو خيبت الأحداث -إذا اكتملت- ظنهم؛ ربما كانت النتيجة عكسية عند الكفار، وعند ضعاف المسلمين. ولا بُدّ من أنْ تكون النصوص التي يطبق عليها هذا الضابط مما يطرق دلالته الاحتمالُ، بخلاف النصوص المحكمة التي دلَّ الدليل على المراد منها؛ بحيث لا تلتبس على أحد، فإنها لا تخضع لهذا الضابط؛ مثل نزول المسيح ﵇ من السماء عند المنارة البيضاء بدمشق، وصلاته الصبح خلف

стр. 756

المهدي؛ ومثل خروج الدجال بصفته التي أخبر بها النبي ﷺ » (١) . ويقول باحث آخر عن الموضوع نفسه ضمن (التوصيات والمقترحات) التي توصل إليها بحثه المعنون بـ «موقف المسلم من الفتن في ضوء الكتاب والسنة» (ص ٥٧٤) ما نصه: «عدم تطبيق ما ورد في الفتن -من نصوص- على الواقع المعاصر: تزداد شهوة الكلام عند حلول الفتن، وتظهر جرأة كثير من ضغام الناس وقتها، فيحلو لهم آنذاك استرجاع أحاديث الفتن وتقليب صفحاتها، ويربو ذلك ويزداد في اجتماعاتهم في المنتديات والمجالس، فتجدهم ينزِّلون تلك الأحاديث على واقعهم الآني، ويلوون أعناقها لتوافق ما يعتريهم ويصيبهم من فتن، فيقولون: إن قول النبي ﷺ ... كذا ... هو المراد بهذه الفتنة التي نحن فيها الآن، أو المراد به الفتنة التي حدثت في الوقت الفلاني أو البلد الفلاني ... وهكذا يفسرون ويطلقون المراد من كلام رسول الله ﷺ وأحاديثه عن الفتن، بتحديد أزمانها وأماكنها وتطبيقها على واقعهم وزمنهم الآني، كل ذلك ليس عندهم فيه من الله برهان. وهذا خطأ فادح، على خلاف منهج السلف الصالح -من أهل السنة والجماعة-؛ فإن منهجهم إبَّان حلول الفتنة، هو عدم تنزيل أحاديثها على واقع حاضر، وإنما يتبين ويظهر صدق رسول الله ﷺ بما أنبأ وحدث به أمته من حدوث الفتن عقب حدوثها واندثارها، مع تنبيه الناس وتحذيرهم من الفتن عامة، ومن تطبيقها على الواقع الحالي خاصة» . قال أبو عبيدة: كَشْفُ خطأ الكذّابين عند أهل النقد والصَّنعة الحديثية سهل ميسور، أمّا الصعب الذي يحتاج إلى دقة فهم، وكثرة جمع وعرض، وقدح ذهن؛ فهو خطأ الثقة.

стр. 757

وهكذا يقال عن إسقاط الحدث قبل إتمام وقوعه، وبمجرد وجود إرهاصاته، أو مقدماته، أو تخييلاته، فضلاً عن التنبؤ والتكهن به؛ فهذا النوع سرعان ما يظهر كذبه (١) ، وهو منهج دخيل على أهل العلم؛ أعني: جعله مطرداً كليّاً ثابتاً حاكماً يُبنى عليه. وأما إسقاط الأحاديث على حدثٍ قد وقع فعلاً، فممكن، وقد سبق بيان بعض الضوابط التي يجب مراعاتها عند ذلك، وأنه لا بُدّ لمن يضطلع بهذه المهمة من الاطلاع الواسع على الحديث، وجمع ألفاظه وطرقه، وإذا أردت أنْ تقف على أهمية هذا الأمر؛ فتأمل ما أسنده الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (٢/٢١٢ رقم ١٦٤٠) عن أحمد بن حنبل، قال: «الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً» . وما أخرجه -أيضاً- (٢/٢١٢ رقم ١٦٤١) عن علي بن المديني، قال: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبيَّن خطؤه» . كما أنه لا بُدّ لمن يضطلع بهذه المهمة من معرفة وقائع التاريخ وأحداثه، وما ثبت منها أو كان منتحلاً، ولا بُدّ له من مراعاة العربية، ومعرفة أساليبها، وطرق دلالاتها، وفهم النصوص على ضوء ذلك، فالمولعون بالإسقاط اليوم أهملوا ذلك، ومضت نماذج من أخطائهم، يمكن أنْ يكون بعضها ملحقاً بـ (بدع التفسير) ، و (مسالك أهل البدع في الاستنباط) ، بل لا أجاوز الحقيقة إنْ قلت: إنّ بعضها يصح أنْ يكون ملحقاً بكتاب «أخبار الحمقى والمغفّلين» !

стр. 758

ولا بُدّ بهذا الصدد من التذكير بـ (ضرورة إثبات صحة الواقعة التاريخية إثباتاً يقينيّاً جازماً) ، «وذلك يعني: اتفاق المؤرخين الثقات على الواقعة التاريخية» (١) ، ولو توافقت الواقعات، أو تشابهت، فلا بُدّ من التروِّي وعدم التسرع في الإسقاط، حتى يتبرهن عنده شدة الانطباق، ويزول الشك، ولقد سبق القول مني: إنّ الإسقاط اجتهاد، وقد تختلف وجهات الأنظار، وهذا ما نجده في كتب الشروح. ومما ينبغي التركيز عليه هنا: إنّ إسقاط النصوص على وقائع متخيَّلةٍ، غير واقعة بعد، لا يمتّ بصلة إلى منهج علمي مطرد، وإنما هي أشياء تنقدح في أذهان البشر، وتجري على أفهامهم، والخطأ فيها أكثر من الصواب. وأزيد الأمر وضوحاً؛ فأقول: في النفس قوة تحفظ الأشياء بعد غيبتها، أو قبل وقوعها، وتجدد إحساس الإنسان للصور المودعة في هذه القوة، تسمى تصوراً أو تخيّلاً. وللتخيل أسباب، وأكثر هذه الأسباب عملاً في النفوس: المماثلة (أنْ يكون بين الشيئين تشابه في بعض الوجوه المحسوسة أو المعقولة) ، ويليه التضاد (أنْ يتنافى الشيئان بحيث لا يجتمعان في محل) ، ثم (الوحدة المكانية، والوحدة الزمانية) . والوحدة الزمانية: أنْ تحس الشيئين في زمن واحد؛ فإذا وقع بصر الإنسان على شيئين في وقت واحد، ثم رأى أحدهما بَعدُ؛ تذكَّرَ الآخرَ، بل إذا حدّثَ عن شخصين في وقت واحد حتى ارتسم لكل منهما صورةٌ في قوته الحافظة، ثم رأى أحدهما، أو جرى ذكرُه في المجلس، حضر في ذهنه صورة الشخص الآخر.

стр. 759

ويدخل في هذا الباب تذكر الأسباب عند ذكر مسبباتها، أو تذكر المسببات عند ذكر أسبابها؛ كتذكر النار عند ذكر الحرارة أو الدخان، وتذكر الأجنحة عند ذكر الطيران، وتذكر الأمة وسعادتها عندما يطرق سمعك كلمة الاستقلال، ولهذا عد علماء البلاغة من علاقات المجاز السببية والمسببية. وتسلسل الأفكار يتكون من هذه الروابط؛ ذلك أنك تنتقل من صورة أمر إلى صورة آخر، ومن هذه الصورة إلى غيرها، وهكذا يذهب بك التخيل من الأمر إلى ما يناسبه، حتى تضع سلسلة حلقاتها تلك الصورة المماثلة، أو المتضادة، أو المحسوسة في زمان أو مكان واحد. فالفكر يتسلسل بحسب المناسبة بين الصورة وما يقع الانتقال منها إليها، وقد يتحد الشخصان في بعض حلقات التفكير؛ لتوافقهما في أسباب ارتباط هذه الحلقات، ثم يفترقان في غيرها من الحلقات، فتضع مخيلة كل منهما سلسلة غير السلسلة التي تضعها مخيلة الآخر. وتسلسل الأفكار يكون على قدر ما تحتويه الحافظة من صور الأشياء، فأفكار البدو لا يطول تسلسلها؛ لعدم كثرة ما تحتويه حافظته من الصور، بخلاف الناشئ أو المتردد على مدينة امتلأت بمظاهر العمران والزينة؛ فإنه يطول تسلسل أفكاره، وتجد مخيلته صارت بعيدة المدى؛ فالناس يتفاضلون في التخيل على قدر تفاوتهم فيما وقع إلى قواهم الحافظة من الصور، ويتفاضلون في التخيل -أيضاً- من جهة قوة الانتباه لما بين الأشياء من المناسبات. وقد يكون بين الشيئين ما يقتضي اقترانهما في الذهن، ولكن النفس قد تُحسُّ أحدَهما ويشغلها عن الانتقال إلى الأمر الآخر ما في ذلك الأمر الذي أحسَّتْه من معنى يجلب اهتماماً شديداً، وتأثراً بالغاً. ثم إنّ المخيلة قد تنتقل من صورة إلى أخرى من غير قصد إلى غرض، ومن غير أنْ تكون تحت رعاية العقل؛ فتسمى مخيلة آلية، وقد يكون انتقالها

стр. 760

صادراً عن إرادة ومحاطاً بانتباه، وهذا قد يكون الغرض منه الوصول إلى إدراك حقيقة؛ فتسمى مخيلة علمية، وقد يكون الغرض منه الوصول إلى تأليف صور من المعاني جديدة؛ فتسمى مخيلة إبداعية. فالمخيلة الآلية هي التي تسير دون قصد إلىجهة خاصة أو غرض معين؛ كأن يحصل للإنسان استغراق في التخيل، ويذهب متنقلاً من معنى إلى آخر، ويجول في جملة من صور الأشياء التي عرفها في الماضي من غير انتظام ولا قصد إلى استنتاج. ومن المرائي المنامية ما يرجع إلى عمل هذه المخيلة، حيث يزول الانتباه ولا يبقى للإرادة سلطان؛ فتجري المخيلة طَلِقةً من غير عنان، فتعرض على النفس صوراً غريبةً، أو لذيذةً، أو مؤلمة، ومن المرائي ما هو إلهام إلهي، كما ثبت في نصوص الشريعة القاطعة، ودلت عليه التجارب الصحيحة. والمخيلة العلمية هي التي تتوجه بإرادة صاحبها، وتعمل تحت مراقبة قوته العاقلة، فتنتقل من صورة إلى أخرى تناسبها، حتى تجتمع في الذهن صور يحصل من ترتيبها -على قانون المنطق إدراك- حقيقة كانت خافية، ويقول المتحدثون عن العالم «نيوتن» : إنّ مخيلته العلمية قد انتقلت به ... من مشاهدة تفاحة سقطت على الأرض وانساقت به إلى النظر في قانون الجاذبية. والمخيلة الإبداعية يتمكن بها الشخص من إحداث صور غريبة؛ إمّا محسوسة -كما يفعل الصانع الماهر-، أو معنوية -كما يفعل الشاعر المجيد-، فالصانع يفسح المجال لمخيلته فتنطلق في صور ما شاهده من الأشياء، ويساعده ذوقه على أنْ ينتقي من تلك الصور ما يركب منه صورة جديدة (١) .

стр. 761

وكذلك حصل مع هؤلاء الخائضين؛ فإنهم بعثوا مخيلتهم، وأطلقوا لها العنان، وما زالت تقع على تصور بعد آخر من الحوادث، حتى اجتمعت عندهم ما مكّنهم من تركيب مسلسل لا عهد لأحد به من قبل. واجتمعت عندهم جميع أنواع المخيلات السابقة: العلمية؛ إذ راحوا يستدلون ويبحثون وينظرون ويوثقون من غير منهج، وبطريقة غريبة لا علمية، وإبداعية بإسقاط ما حصلوا عليه من أحاديث وأخبار في زعمهم على أحداث وأشخاص، وآلية سارت بهم إلى جهة خاصة، وغرض معين، ولكن بقصدٍ، بحكم التداخل الحاصل. وهذا يؤكد ما قدّمناه من أنّ الإسقاط القائم على التصور هو من (ملح العلم) ، إذ هو غير محكوم بقواعد مطردة، ولا هي ثابتة ولا عامة. ويؤكد -أيضاً- الخلاف الجذري بين هؤلاء الخائضين في بعض الإسقاطات؛ مثل: شخصية السفياني، وكذا في تحديد كثير من الأوقات؛ مثل: وقت ظهور المهدي، وانتهاء دولة اليهود. ولا بُدّ -من جهة أخرى- من مراعاة التطابق والتشابه بين فريق من هؤلاء الخائضين (١) ، ولا يعود هذا إلى كون ما بحثوه من (صلب العلم) ، وتوفر خصائصه في أبحاثهم، لا واللهِ! وإنّما لأسباب أخرى؛ مِن أهمها: ١- الذين أشغلوا الناس، وأثاروا الضجيج في الإسقاط نفر يسير، لا يتجازون عدد أصابع اليد الواحدة. ٢- أنّ اللاحق يتبع السابق.

стр. 762

٣- التواطؤ المسبق بينهم (١) ، مما يثير الريبة في صنيعهم، ولا سيما عند تكرار الكذبات التي لا نصيب لها من الصحة بمعايير النقد. ٤- الهمُّ في كثير من هذه الدراسات الربح المادي، والسبق الصحفي، ولذا أخذ بعضها من بعض، بل صرح بعضهم أنه حصل اعتداء وسرقة على كتبه، وصرح بأنه مختَرِع وله سبْقٌ في هذا الباب (٢) ! ٥- جُلُّ الخائضين من بلدة واحدة -وهي: مصر-، وظهرت تخرصاتهم في أوقات متقاربة حول أحداث متلاحقة محورها (العراق) ، وما عداها فيخص (فلسطين) والغاصبين لها، وبعضهم ربط بينهما، وزاد آخرون المهديَّ وصلتَه بما يجري، وأضاف بعضهم عنصراً آخر، وهو تأريخ زوال دولة (يهود) (٣) !! وإذا استعمل المحدِّثون قديماً المعلومات التاريخية الثابتة مقياساً لتمييز المقبول من المردود من الروايات؛ فإنّ هذا يفيدنا جدّاً في محاكمة نفرٍ من هؤلاء الخائضين العابثين، الذين قرروا وقوع أحداث، وعيَّنوا لها تأريخاً من عند أنفسهم، وجاء وقتها، وتبرهن عدم وقوعها (٤) ، وأسقط هؤلاء أنفسهم

стр. 763

والناس في فتنة، وازدادت أتونها بعدم وجود ضوابط ومعالم كليّة للتعامل مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة عند الخاصة فضلاً عن العامة، ويا للأسف! لم تظهر هذه الضوابط -أيضاً- على صفحات كثير من الردود التي تصدّت لهؤلاء الخائضين، وكان القارئ لها بتمعن يخرج منها وقد ظهر له الكذب الذي فيها (١) ، دون تحصيله لضوابط علمية، وهذه الضوابط -بالجملة- موجودة في تطبيقات علمائنا الثقات الربانيين، وهي متفرعة عن أصول الأقدمين العلمية المنهجيّة، ولكنها مبعثرة في كتبهم، وليست حاكمة على جميع أجزاء الأحداث المستقبليَّة، وتسلل الخائضون بغفلةِ أهل المراقبة والتقويم إلى مساحاتٍ الأضواءُ فيها خافتة، والجهودُ غير مركّزة، وكان عندهم شَرَهٌ في التقميش دون التفتيش، ووجدوا بغيتهم في الانتقاء من ركامٍ كثير، ومزجوه بتصريحات الساسة، وما هو متداول في وسائل الإعلام، ومع تأزّم الأحداث صنعت (سيناريو) (٢) لها، وشارك هؤلاء -بقصد أو دون قصد- فيها، وانتهت الأحداث (٣) ، وأسقطت غربال النقد عنها (٤) ، وأسهم ذلك عن ضرورة

стр. 764

تقويم الدراسات التي ظهرت، ولا شك أن الأخطاء المنهجية فيها قد أثقلت العبء على الصادقين في ضرورة ترسّم المعالم التي تضبط السير في المهيع الصحيح. وسبق أن ذكرتُ شيئاً من هذه الضوابط، وأذكر هنا بعض المعالم التي تزيد الأمر وضوحاً؛ فأقول: مما ينبغي أنْ يُعلم بهذا الصدد: ١- إنّ الإسقاط أمرٌ يمكن القول به، وتقرير صحته، ولكنا من خلال تتبع وقوعه عند العلماء نجدهم يقولون به -في الغالب- من غير جزم ويقين، وإنما على وجه الظن والتّخمين. ٢- إنّ عباراتهم ليس فيها إلزام أنّ النص لا يحتمل إلا هذه الحادثة، ولا اعتبروا مخالفيهم مخالفين للدين، بل غايته أنه معنًى انقدح في نفوسهم، وعرضوه على ما عندهم من علمٍ، وما في مخيلاتهم من أحداث، فوجدوه حقّاً وصدقاً، فذكروه على هذا الوجه، وعرضوه على أنه معنًى محتمل لاحَ لهم، وخيَّروا الواقفين عليه بين القبول والردّ، وعلى تتابع الزمان، وكثرة النظر فيه بإمعان، من قِبَلِ أهل الشأن، يتمحص الحقّ، ويظهر الخير، ويزول الشرّ. ٣- لم يقم في تصوّر علمائنا الأقدمين ألبتة أنهم ملزمون بإجراء هذا الإسقاط (١) !

стр. 765

٤- لقلّة التوفيق في هذا الإسقاط، ولكون هذا النوع (الإسقاط) من (الملح) (١) لا من (الصلب) ؛ لم نجد عنايةً متميزةً به من حيث ذكر الضوابط (٢) ، ولكثرة عبث الخائضين فيه أخيراً؛ ارتفعت أصوات بعض المعاصرين (٣) من المخلصين بذمه، وضرورة نبذه وهجره، وتجد -بالتتبع- في كلام الأقدمين استعماله بقدره، وهذا حق، وهذا حق؛ إنْ رُوعيت الشروط والضوابط، وجوداً وعدماً. ٥- من نافلة القول: إنّ عدم توفر شروط تنزيل النص على حادثة ومحل في الواقع؛ لا يفهم منه البطلان والضعف (٤) .

стр. 766

٦- إنّ الجزم بعدم وقوع الحادثة الواردة في النَّص (١) -بعد- أمر

стр. 767

مستقيم، كثير الوجود عند علمائنا، ومثله نفي تنزيل حديث ما على واقعة ما (١) . ٧- تنزيل أكثر من حادثة على نص واحد أمر موجود في كلام الشراح، ويبقى الأمر في عداد الاحتمال، ما لم تظهر أمارة لائحة على تحديد المراد، ومثاله ما قدمناه من أقوال الشراح لقول النبي ﷺ : «منعت العراق ... » الحديث. ٨- يمكن أنْ يستفاد مِن الوقائع الحادثة، ولا سيما تلك التي لم يكن لها شبيه عند السلف في توسيع مدلول النصوص، مع ضرورة مراعاة عدم التعسف ولا التكلف في ذلك، وضرورة عدم قصر النص على هذا المدلول (٢) ، فضلاً عن حصره في واقعة معينة؛ قابلة للخطإ والصواب، والتعديل والتبديل (٣) ؛ فإنّ بعض المتعجلين يسارعون إلى المطابقة على حوادث محصورة محدودة، بقصد بيان ما أخبر عنه النبي ﷺ من تنبؤات! فيرغمون النصوص على أنْ تحمل معاني وتأويلات بعيدة عن مدلولها، ولا

стр. 768

يفهمها العرب ألبتة، ولا يمكن أن تجتمع العقول الصحيحة ولا الأفهام السليمة التي تعرف الدلالات الشرعية عليها! وأرى أنّ هذه النقطة تحتاج إلى مزيد تجلية (١) ؛ فأقول: إنّ الذي أراه سائغاً؛ أنْ تكون العلاقة بين بعض (النصوص) وما (يستجدُّ من أحداث) علاقة أمر كلي: (النص) ، بأمر آخر جزئي: (الحدث) ؛ بمعنى: أنّ النص كلي في مضامينه، ولكن ما استجد من نوازل ارتبط بأمر جزئي في مضامينه؛ بمعنى: أنه ما كان ورود النص يتوقف على وجود هذا الحدث الجزئي، وهذه الوجهة تختلف تماماً عن وجهة أولئك الخائضين المطابقين بين (النص) و (الحدث) ، الزاعمين أنّ ورود النص أصالة جاء لهذا الحدث، محصوراً فيه، غير متجاوز إيّاه (٢) . ولا يخفى أنّ الذي ذهبنا إليه، يجعل النص متعالياً على الأشخاص، والزمان، والمكان، ويجعل الحدث داخلاً ضمن المضامين الكلية، والمعاني العامة الشاملة لمفردات كثيرة، وحوادث غير متناهية، يمكن أنْ تنطبق عليها النصوص. فمثلاً؛ أخبرنا النبي ﷺ عن (الهرج) في آخر الزمان، فلو رحنا نعدد الوقائع التي يشملها النص، لوجدناها كثيرة، وكلها داخلة في مضامينه الكلية، وأما أنْ يزعم شخص ما أنَّ هذا (الهرج) هو واقعة معينة، يحصره فيها،

стр. 769

ويطابقه عليها، من غير قرائن معيّنة لهذه الواقعة؛ فهذا أمر بعيد عن الموضوعية والعلمية، فإنّ النصوص فوق ذات التاريخ، ولا تخضع لما تخضع له الأسباب التاريخية؛ من النسبية والجزئية الحقيقية، وإلاّ لانتهى بنا الأمر إلى إلغاء النصوص باعتبار أنها وقعت وانتهت، ويتوقف إدراكها إدراكاً حسناً على ما يستجد من أحداث، ولعلها تكون في يوم من الأيام أدوات معينات ومساعدات مهمات على حسن فهم النص، وإدراك مراميه وأبعاده. ويعجبني كلام ابن عقيل الظاهري (١) ، ظفرت به بعد تدوين هذه السطور (١) ، قال: «أنه سيكون للأمة تمكين وقوة قبل أوان الملاحم التي يتعجل محاضرو الأشرطة بربطها بأحداث جزئية في الرقعة، مع أنّ سياق تلك الأحاديث بخلاف واقع الأحداث الجزئية. قال أبو عبد الرحمن: ومع الحذر من حمل أحاديث الملاحم على الأحداث الجزئية في مثل الوضعية التي ذكرتها؛ فهذا لا يعني إلغاء الدلالة إذا وجدت. ألا ترون كثرة القتل في الأمة بأيدي المضلين من أبناء جلدتنا باسم الثورة الانقلابية، أو الثورة التصحيحية، أو القانون العلماني، أو الهمجي كقانون العقوبات الذي يذبح به (صدام حسين) أبناء الأمة» . ٩- ينبغي أن يكون في الحسبان أنّ الحوادث التي نعيش؛ لا تعد شيئاً مذكوراً بالنسبة إلى ما مضى، وما سيأتي، ولعل هذا يعطينا الأمان في التمهل والتروِّي.

стр. 770

١٠- ينبغي عدم الخلط -ولا سيما في وقت الفتن والأزمات- بين النص الذي فيه عصمة، وهو ثابت النسبة إلى النبي ﷺ عند المحققين من المحدثين، وغيره مما اعتراه تغيير أو تحريف من كتب الديانات الأُخرى، فضلاً عن الكتب المفتراة على آل البيت، أو كتب التنبؤات، وهي أشبه بكلام الكهنة والمشعوذين، وتأتيهم به الشياطين، وهم «ليسوا بشيء» (١) . والعجب من صنيع الخائضين أخيراً، فيا ليتهم اقتصروا على الخلط المذكور، ولكنهم زادوا إليه تصريحات بعض الساسة في الغرب أو في الشرق، وكلام بعض الصحفيين، ونزعوا منه -وهو كثير قليل البركة (٢) - ما تخيّلوه، ووجدوا ضالتهم فيه مجموعاً! ولو أنهم تثبتوا، ولم يخلطوا، لأراحوا واستراحوا. ١١- الواجب عند الإسقاط فحص الأحداث وسبرها مع ما يحتف بها من أمور، وليس الفحص فقط لصحة وقوعها، وإنما يشمله -أيضاً- معرفة الوقائع السابقة والمجريات المشابهة، وسنن الله الجارية في الكون، وألمح ابن خلدون إلى ذلك بقوله: «إنّ الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة، وقواعد السياسة، وطبيعة العمران، والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق، وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم على مجرد النقل؛ غثّاً أو

стр. 771

سميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعايير الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار» (١) . وهذا الكلام متين رزين، ومهم غاية، ويوظّفه المتبصّرون في الأزمات في كشف الانتحال والتهور والكذبات، والعمل على إبعاد الآفات والنكبات على شخوصهم ومجتمعاتهم قدر مكنتهم، والله الواقي من الشرور والمنكرات، والموفق والهادي للصالحات. ويتأكد لك ما قلناه، وتتبرهن صحة دعواه بعرض ما سطرناه على ما في كتب الشروح حول (الهرج) -مثلاً- ومداه. قال ابن بطال (المتوفى سنة ٤٤٩هـ) في شرح ما أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الفتن (باب ظهور الفتن) ب (رقم ٧٠٦١) بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقَّى الشّح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج» : «هذا كله إخبار من النبي ﷺ بأشراط الساعة، وقد رأينا هذه الأشراط عياناً، وأدركناها؛ فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وأُلقي الشح في القلوب، وعمّت الفتن، وكثر القتل» (٢) . وقال الحافظ ابن حجر ﵀ (المتوفى سنة ٨٥٢هـ) معلقاً على قول ابن بطال هذا: «قلتُ: الذي يظهر أنّ الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله،

стр. 772

والمراد من الحديث: استحكام ذلك حتى لا يبقى مما يقابله إلاّ النادر، وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم فلا يبقى إلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك ... ، وكذا القول في باقي الصفات، والواقع أنّ الصفات المذكورة وُجدت مباديها من عهد الصحابة، ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، وقد مضى من الوقت الذي قال فيه ابن بطال ما قال نحو ثلاث مئة وخمسين سنة، والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد، لكن يقل بعضها في بعض، ويكثر بعضها في بعض، وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها، وإلى ذلك الإشارة بقوله في حديث الباب الذي بعده: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه» (١) » (٢) . وإذا كان الحافظ ﵀ قد ذكر أنّ كلام ابن بطال -والمتضمن أنّ جميع الصفات المذكورة في هذا الحديث قد وقعت ورؤيت عياناً- قد مضى عليه نحواً من ثلاث مئة وخمسين سنة، ثم ذكر أنّ هذه الصفات في ازدياد، وذلك حسبما ظهر في عصره وازداد، فما بالك في عصرنا هذا المُحْزِن الذي تدمع له الأعين وتدمى له القلوب، وبينه وبين عصر ابن حجر مدة مديدة، وأزمنة بعيدة؛ فإنّ الحافظ ﵀ قد توفي في منتصف القرن التاسع؛ وبالتحديد في سنة ٨٥٢هـ، ونحن الآن في أواخر سنة ١٤٢٤هـ، فتبين أنّ بين عصره ﵀ وعصرنا بون شاسع، وفرق واسع، يقرب من نحو خمسة قرون ونصف القرن؛ وبالتحديد اثنتان وسبعون وخمس مئة سنة (٥٧٢) ، والله المستعان، وعليه التكلان. والشاهد من هذا: أنّ (الهرج) -على اختلاف الأمصار والأعصار-

стр. 773

يشمله عموم الحديث، وليس محصوراً بواقعة معينة، وبهذه النظرة نحسن ربط ما توصّلنا إليه بخصائص النص الشرعي؛ من الإيجاز والإعجاز في أسلوبه، وما فيه من خاصية المرونة والسَّعة. ١٢- لا بُدَّ من معرفة شخصية مَن يكتب في هذا الباب، وجمع المعلومات العلمية عنه، وعن كتبه، وإنْ كان المؤرّخون لا يثقون بالخبر إلا بتعيين شخص المؤلف الذي دوّن الواقعة، ويعتبرون ذلك من «إحدى أهم قواعد التحقيق العلمي الصحيح» (١) ، فلا جرم أن هذا الباب أولى بهذه العناية، ولا سيما أنَّا وجدنا أخباراً مختلقة، أو محرفة (٢) ؛ صنعت -أو حُرِّفت- خصيصاً لهذا الإسقاط. ويعجبني كلام لبعض المؤرخين المعاصرين، قال فيه: «إنّ قيمة المعلومات التي يوردها المؤلف ترتبط كل الارتباط بشخصيته، ومدى فهمه للحوادث، وبكل الظروف التي تحيط به على وجه العموم» (٣) . ١٣- وأخيراً ... من الضرورة بمكان أنْ نتيقّن على أنّ الأحاديث الصحيحة في الفتن إنّما هي من الغيب الذي أطلعنا الله عليه، وبالتالي هي تتصف بصفة كونها من الله ، ومعنى أنّ هذا: إن الله لمَّا أوحاها إلى النبي ﷺ «لم يكن غافلاً عما سيؤول إليه الأمر، وهو يورد جزءاً من نصٍّ كليٍّ يُمهِّد به إيراد جميع أجزاء النصّ في مرحلة معينة، وذلك لأنه لا يخفى عليه ما كان، وما يكون، وما سيكون، وليس ثمَّ صاحب نص يتصف بهذا الأمر، بل جُلُّ النصوص البشرية المصدر تأتي إما لوصف أمر

стр. 774

مضى، أو لوصف أمر قائم، أو استشراف أمر مستقبل، ولكنه لا يستطيع أنْ يأخذ في الاعتبار هذه الأمور الثلاثة في آنٍ واحد، ويتحقق كلها كما توقعها وافترضها. وعليه؛ فإنَّ متفهّم النص الشرعي، ينبغي له أن يُراعي هذه الخاصية، وينظر في النصوص نظرةً موضوعيّة شموليّة تكامليّة؛ بحيث يفصِّل ما ورد مجملاً بما ورد مفصّلاً، ويخصّص ما ورد عامّاً بما ورد خاصّاً، ويحمل ما ورد مطلقاً على ما ورد مُقيّداً، وبهذا ينجو المرء من ضرب النصوص بعضها ببعض، ومن التعسف في فهم مقاصد الشريعة وراء التنجيم والتفاوت في التنزيل والورود» (١) . ولو أنّ الخائضين المتعسفين انتبهوا إلى هذه الخاصية؛ لأقلعوا عن صنيعهم بالجملة، ولساروا في قافلة الخير؛ باتباعهم منهج العلماء، وطريقتهم في التعامل مع أحاديث الفتن، وشروحها، وربطها بما يجري من واقعات. ولقد كنتُ -واللهِ- بصدد الإعراض عن الخوض والكلام في هذه المسألة؛ لأنّ متقدّمي علمائنا قد كفونا مؤنة الاستفادة من الأحاديث، والذي نحتاجه: أنْ نتبع طريقتهم، متيقنين أنّ عجلة الزمان تدور، والأحداث -سواء التي تشملها النصوص، أو التي تعنيها بخصوصها- لم تتوقف، ولكن الرغبة في أنْ لا ينخدع الناس بما جاء به الخائضون الجدد (٢) ، والحرص على أنْ لا يفهم مَن يميل إليهم ممن غلبت عليهم العجمة؛ أنّ مجتهدي وعلماء هذه

стр. 775

الأمة، وسلفها الصالح لم يلتفتوا إلى ما التفت هؤلاء إليه. كل ذلك دعانا إلى العناية بهذه الضوابط والمعالم، وبيان وجه الصواب فيها، ومِن الله -سبحانه- العصمةُ والتوفيقُ. «جعلنا الله ممن تكلّف الجهد في حِفظ السُّنن ونشرِها، وتمييزِ صحيحِها من سقيمها، والتّفقهِ فيها، والذَّبِّ عنها، إنّه المَانُّ على أوليائه بمنازل المقرّبين، والمتفضّلُ على أحبابه درجة الفائزين، والحمدُ لله رب العالمين» (١) .