← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

عند قيام ثورة ١٩٦٨م - ١٣٨٨هـ بالعراق، منهم: حسن البكر أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة!!! تاسعاً: ترقى في عهده (١) الظلمة -كما ورد- ... وبالفعل ملئت سماء الكويت أياماً وليالي (٢) من اشتعال آبار البترول، وتحولت السماء إلى دخان كثيف تحجب الشمس أثر ظلمه، وعدوانه على الكويت، وبمكيدة لصوص الأقصى!!! عاشراً: ولقد قال علي بن أبي طالب ﵁ عن السفياني: يدخل الأقصى، وهو شديد الحقد غضبان، فيُمعن فيهم قتلاً، ويعمل فيهم ما لم يحدثه ملك بابل الذي دخلها أول مرة كما ذكر في القرآن. حادي عشر: يتعرض لحرب أربعينة؛ تظل هذه الحرب أربعين يوماً، يجمع له منها من بلاد العالم، ثم تنفض الحرب بلا خاسر أو رابح، ثم يلتحموا مرةً أخرى، قد يستخدم فيها أعداءه ما لا يعرفه العقل من الأسلحة، فيحدثون دماراً شديداً في العراق، لكن لن يهدأ لهم بال إلا بعد أنْ يظفروا به في شخصه، فإذا نزلوا أرض العراق برّاً والتحم الجيشان أمده الله بالنصر عليهم. ثاني عشر: وتقع بينه وبينهم معركتان: [الأولى] : بمنطقة اسمها (عاقركوف) : وهي محل [في] بغداد الآن، وهي مدينة الزوراء الآن، وسيضرب الروم فيها ضربةً شديدةً حتى يظنوا أنّ السفياني ليس له أثر، وكذبوا، وسيضربون بغداد مدينة يقسمها النهر فينظر أحدهما فلا يجد ما كان في الجهة الأخرى فيقولون: كان هنا بالأمس مدينة. ولكن سيعقد الله في لوائه النصر توطيداً

стр. 702

لتسليمها للمهدي في آخر الزمان، وستصطلح الأمة على المهدي بعد خسف جيش السفياني. ثالث عشر: في آية عظيمة يأتيه بعدها كل أجناس الأرض: عصائب أهل العراق، ونجباء مصر، وأبدال الشام، حتى يأتيه من أوربا من بني إسحاق سبعين ألف (١) ، يفتحون رومية بالتكبير والتهليل. رابع عشر: و [الثانية] : (قرقيساء) : وهي تقع على الحدود السورية العراقية الأردنية عند نهر الخابور؛ فيفتح الله عليه، وينصره عليهم في معركة يقتل فيها أكثر من مئة ألف. خامس عشر: ثم يدخل عمّون، ويقتل الهاشمي القصير، ويلتف، ويدخل الأقصى في يوم واحد؛ فيقضي على من يقابله من اليهود في معركة ليس فيها أسرى، ويقتلهم قتل عاد؛ فيستعيد القدس، ويأتلف هذا الجيش الصنديد، وينتقم من بني إسرائيل -كما وعدهم الله-. وفي التوراة تفصيل كثير عن علوّهم وفسادهم في الأرض مرتين، وتسليط أهل بابل عليهم (٢) ، ولكن ذكر الله لنا ذلك في سورة الإسراء بنص عام، والتفصيل كما ذكرالله في قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ... ﴾ الآيات. ولذلك فإنّ عجوزاً يهودية كانت تبكي بكاءً شديداً عام ١٩٤٨م - ١٣٦٨هـ، في حين كان اليهود يرقصون باحتفال إنشاء وطن لهم، فسألوها عن بكائها، فجائت بالتوراة، وقالت: بدأ -الآن- العدّ التنازلي لزوال بني إسرائيل، وحسبت من هذا التاريخ (٦٠) عاماً.

стр. 703

وفي التوراة: (وأنت يا ابن إسرائيل عيّن لنفسك طريقين لمجيء الملك من أرض واحدة تخرج الاثنتان ... ) . ولذلك فإنّ اليهود يعرفون صدام حسين جيداً، وقد ذكروا في مذكرات حرب الخليج ما استطاعوا من إشعال هذه الحرب عن طريق الروس اليهود -الذين كانوا في الجيش العراقي-، واليهود الأمريكان في الكويت من إشعال فتيل الحرب حتى يتخلصوا منه لخوفهم من تحقيق النبوءة المذكورة عندهم!!! إنه لا يستطيع بشر أنْ يصف حرب (هرمجدون) ؛ فهي حرب لا يتخيلها عقل ... سيُضرب صدام ضربة عنيفة، وتضرب بغداد ضربة لم تخطر على بال!!! ولكن هل سيقضون على صدام؟ الجواب: لا لا؛ لأنهم يعرفون أنه بلحمه وشحمه وصفاته هو الذي سيدوسهم كطين الأزقة، وهو البابلي الذي سيأتي من نفس مكان من انتقم منهم شر انتقام وهو بختنصر: ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ... ﴾ الآية. والسؤال الذي يطرح نفسه -الآن- هو: إذا كان بختنصر كافراً، ويعبد النار، وسلّطه الله عليهم، فلا يمانع أنْ يسلط الله على اليهود رجلاً جبّاراً فاجراً يُحدِث فيهم القتل بغير رحمة ولا شفقة، ما لم يتصوره عقل، حتى يدفنوا فيهم شهراً. وسيشهد التاريخ أنّ الملك الجبار- سيسلط على الصهاينة صداماً، ولم يفلحوا هذه المرة -كما اعترفوا سابقاً- توجيهه إلى الدول العربية ليُمضي الله قدره، وما تخبئه الأيام ليس ببعيد!!! وسيفعل بهم مذابح، وقتلاً في معركة ليس فيها أسرى، وسيمثل بهم أشد مما فعل بهم بختنصر، وأشد مما فعل بهم هتلر هو وأهل بابل، والمذكور عندهم في الكتاب، وستزداد شعبية صدام لما يتلهف الناس عليه من مخلص

стр. 704

يخلصهم من الذل الذي لم يحدث للأمة من قبل. وينصر هذا الدين بكل بر وفاجر! «وإنّ الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (١) -كما قال ﷺ . وما شاء الله لا راد لقضائه في الكتاب، ولا معقب لحكمه، ولا لقدره، ولا لِمَا أخبر به في كتبه وعلى لسان رسله -سبحانه- كيف شاء وبما شاء، فإذا كان ورقة بن نوفل أخبر الرسول بأشياء في الكتاب، وأنه هو رسول الله، وأنّ جبريل هو الناموس الذي أُنزل على موسى وعيسى، وقال له: (ليتني كنت فيها جذعاً ... ليتني معك إذ يخرجك قومك ... ) ؛ فكذلك السفياني الذي أخبرت عنه التوراة والنبوءات، والتي تنطبق على صدام حسين، وتؤيدها الأحاديث التي ضعفت بسبب ضعف بعض الرواة، والوعد والقدر قبل أنْ يخلق الله السماوات والأرض. قال أبو عبيدة: هكذا الاستدلال؟! يورد معلومات عن السفياني على أنها أحاديث، وإسقاط دون خجل على شخصية ما (٢) على حسب ما يعنّ للمستدِلّ! وذَكَر عمومات: أحاديث ضعيفة، وتقرير أنها غير الأحاديث

стр. 705

الموضوعة! وينسى المُسَيْكين أنّ الصفات الواردة جُلها لم ترد في أحاديث أصلاً! وإنْ وردت فهي في أحاديث موضوعة، ولا أصل لها، والتطويل في إثبات ذلك يحتاج إلى تصنيف مفرد (١) . وهؤلاء عابثون غير جادين، تراه مرة يقرر، ومرة يظن، وإنْ رددت عليه يقول: أنا قلتُ: ربما، لعله، أظن، ومع ذلك يتطاولون، ويردّون على من يناقشهم، فواحد يقول: «لا أُريد أن أُطيل، فهذا الكتاب بين أيديكم، وقد كفيتكم الرد عليه بأفصح لغة علمية، وهي لغة الأرقام، وبأقوى وأصدق المواعيد وهي التاريخ (٢) ، وليس على المرجفين أو المتشككين إلا الانتظار لعدة شهور فقط، وتظهر الحقيقة أمام الجميع، إما مع الكتاب أو ضده، فعليهم بالصمت والترقب حتى لا يحرموا غيرهم من فائدة مرجوّة قبل ظهور آية الدخان ... » (٣) ، هكذا بكل وقاحة، يكتب هذا عام ١٩٩٨م، ومضى نحو ست سنوات، وظهر زيفه ودجله، وبعدها سكوت وسكوت (٤) ، لا مراجعة؛ لأنّ الناس ينسون، ولا حسيب ولا رقيب! إنّ من أسوء ما يُصاب به المرء: أنْ لا يشعر بما مُنيَ به من الشذوذ والخطأ، فيزداد سقوطاً بتمرّده واستكباره عن قبول الحق، وبرميه جماعة أهل

стр. 706

العلم بدائه، قاعداً تحت المثل السائر: (أوسعتُهم سبّاً، وأَوْدَوا بالإبل) ، وهو مطمئن إلى أننا لا نستطيع أن نساجله في ذلك، وله الحق في هذا الاطمئنان! وآخر يقول: «لم يعرف العالم كله -بفضل الله- كاتباً أو مُفكراً قال بنظرية وجود المسيخ الدجال في مثلث برمودة، وأنه صاحب الأطباق الطائرة، سوى الكاتب الصحفي محمد عيسى داود» ، وهذه الاختراعات لها (حق) و (براءة) مسجلة، وقد اعتدى عليها بعضهم؛ فقام بسرقتها، وانتحلها لنفسه، وذلك ثابت بكتابين له، تم إبلاغ النيابة العامة عنهما، والويل لك إن لم تصدِّق، فالذي يرفض هذه الاختراعات (الأغبياء والضالون) ، كما صرح بذلك في مقال له نشر في جريدة «صوت آل البيت» عدد شعبان/سنة ١٤٢١هـ، (ص ٥) ، وفي كتابه «احذروا المسيخ الدجال» (ص ١٤٢) . وليس الحكم على أُناس بأنهم (أغبياء ضالون) من شأن الغبي الضال، والغبي الضال إنما يعلم ذلك منه الذكي العارف، بيد أن الجاهل جهلاً مكعباً -بجهله للشيء، وبجهله لجهله له، وبحسبانه مع ذلك أنه يعلمه فوق علم كل عالم- لا يتحاشى عن تجهيل الأمة بأسرها من صدر الإسلام إلى اليوم، وشذّ هو عن قواعد أهل العلم وتطبيقات العلماء. وهذا الرجل؛ مهّد المناخ لقبول الناس بفكرة المهدي المنتظر هذه الأيام، ويعمل جهده -مع فريق العمل من البارعين والهواة والمقلدين (١) - لتكريس هذا المعتقد، ويدعمه في ذلك الرافضة، والمحور الذي تدور كتبه عليه تركب على هذا المعتقد، ومن آخرها كتاب: «القنبلة» ، وقرأتُ عنه في شبكة (الإنترنت) ، ما يلي: «أخيراً سمحت السلطات المصرية بإصدار الكتاب الذي يحمل اسم (القنبلة) (الذي لا يتجاوز عدد صفحاته ٢٦٠ صفحة - مطبعة مدبولي صغير)

стр. 707

للمفكر الأديب محمد عيسى داود المتخصص في دراسة الآثار، والتبحر في الإسرائيليات، وتمكنه من عدة لغات منها العبرية، والمستشار الرسمي للمجلس الأعلى لرعاية آل البيت ﵈ في مصر، والذي يستعد حاليّاً لرئاسة تحرير جريدة صوت آل البيت ﵈ التي يرأس مجلس إدراتها السيد محمد الدريني. ويتناول الكتاب قضية الإمام المهدي المنتظر -عجل الله -تعالى- فرجه الشريف-، ونجاح فدائيون (١) من فلسطين وخبراء آثار من تصوير اليهود الذين مسخهم الله في كهف بأم الرشراش المصرية (إيلات المحتلة من قبل إسرائيل) ، ويؤكد الكاتب المفكر إن أم الرشراش هي القرية الوارد ذكرها في القرآن الكريم (القرية التي كانت حاضرة البحر) ! ومرفق مع الكتاب إسطوانة كمبيوترية تتضمن تصوير الكهف من الداخل. وتعود أهمية هذا العمل المتقن إلى كون كاتبه من الشخصيات اللامعة، والمتخصصة في حقل تعود إلى الجهات الرسمية، (فهو مكتشف نظرية الأطباق الطائرة، والمسيخ الدجال، ومؤلف سلسلة كتب عن الإمام المهدي -عجل الله فرجه الشريف-، ومن أبرزها: (المهدي على الأبواب) ، واكتشاف أمريكا جبل الذهب بنهر الفرات، كما يؤكد أن صدام حسين هو السفياني عدو آل البيت ﵈، وله مؤلف في غاية الأهمية عن علم الجفر، وتستضيفه جامعات عالمية لإلقاء محاضرات في هذا الشأن. هذا؛ وقد ذكر في (العدد الأخير للجيل) ، أنّ الكيان الصهيوني عرض في الأسابيع الماضية على شركات السياحة المصرية لاستخدام ميناء أم الرشراش التي تطلق عليه (إيلات) ، بدلاً من استخدام ميناء العقبة.

стр. 708

والجدير بالذكر، أنه تشكلت في مصر منذ سنوات جبهة من كافة القوى الوطنية، ومن المجلس الأعلى لرعاية آل البيت ﵈ من خلال ملتقى بواشق الحسين ﵇ لاستعادة أم الرشراش المصرية المحتلة (إيلات) » . فهؤلاء الخائضون غالوا في إسقاط الأحاديث على الوقائع، وتعسّفوا في ذلك؛ خدمة لمآرب مشبوهة، واعتمدوا في ذلك على حساب الجُمَّل، ومرويات الرافضة (١) ، والإسرائيليات القديمة والحديثة. وبقي الأمر على هذا الحال، تُلقى بين الفينة والفينة على مسامع الناس أشياء تدهشهم، وهم على أقسام: المكذِّب -وهم خيرهم وأكثرهم علماً وحلماً-، والمتردد المتشكك، والمُصدّق؛ ومنهم من كان يتنطح في المجالس، ويهرف بما لا يعرف، ويردد غير الذي قرأ أو سمع (٢) ! وتشبّع المصدِّقون بمنامات (٣) ،..........................................

стр. 709

وتقوى بها الخائضون العابثون (١) ، وكانوا من خلال ذلك كلِّه يُروِّجون لنصر واقعٍ لا محالة للعراق، وخاب الأمل -للأسف-، ووقعت الكارثة، وسقطت بغداد (٢) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 710

ولا يسعنا إلاّ أنْ نردد مع ابن الأثير قوله في «الكامل في التاريخ» (١٢/٣٥٨-٣٥٩) : «لقد بقيتُ عدّة سنين مُعرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها؛ فأنا أقدّم إليه رجلاً، وأُؤخّر أخرى، فمَن الذي يسهل عليه أنْ يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومَن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟! فيا ليت أمّي لم تلدني، ويا ليتني مِتّ قبل حدوثها، وكنتُ نَسياً منسيّاً، إلا أني حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا مُتوقّف، ثم رأيت أنّ ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا الفعل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عقّت الأيّام والليالي عن مثلها، عمّت الخلائق،

стр. 711

وخصّت المسلمين، فلو قال قائل: إنّ العالم مذ خلق الله آدم وإلى الآن، لم يُبْتَلَوا بمثلها، لكان صادقاً، فإنّ التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يُدانيها. ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث: ما فعله بخْت نَصّر ببني إسرائيل من القتل، وتخريب البيت المقدّس، وما البيت المقدّس بالنسبة إلى ما خرّب هؤلاء الملاعين من البلاد، التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدّس، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى مَن قتلوا، فإنّ أهل المدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج. وأمّا الدجال؛ فإنه يُبقي على مَن اتّبعه، ويُهلك من خالفه، وهؤلاء لم يُبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقّوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنّة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم» . وقال عن مجيء (التتر) في (١٢/٣٧٥-٣٧٦) : «ولقد جرى لهؤلاء ما لم يُسمَع بمثله من قديم الزمان وحديثه: طائفة تخرج من حدود الصين لا تنقضي عليهم سنة (١) حتى يصل بعضهم إلى بلاد أرمينية من هذه الناحية، ويجاوزوا العراق من ناحية همذان، وتالله لا شكّ أنّ من يجيء بعدنا، إذا بَعُد العهد، ويرى هذه الحادثة مسطورة يُنكرها، ويستبعدها، والحق بيده، فمتى استبعد ذلك، فلينظر أننا سطّرنا نحن، وكل من جمع التاريخ في أزماننا هذه في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة، استوى في معرفتها العالم والجاهل لشهرتها، يسّر الله للمسلمين والإسلام من يحفظهم ويحوطهم، فلقد دُفعوا من العدو إلى عظيم، ومن الملوك المسلمين

стр. 712

إلى من لا تتعدّى همّته بطنه وفرجه، ولم ينل المسلمين أذًى وشدّة مُذ جاء النبي ﷺ إلى هذا الوقت مثل ما دُفعوا إليه الآن» . فصل ظاهرة إسقاط الأحاديث الواردة في الفتن على وقائع معينة: تكييفها، وضوابطها، والتحذير من عبث الخائضين فيها، وتقويم أشهر دراساتهم (١) التي ظهرت حديثاً في فتنة العراق بأزمنتها المتلاحقة الذي رأيتُه من خلال تتبعي لظاهرة إسقاط الأحاديث على أحداث الفتن: إنّ أصوب الناس فيها أصحاب الحديث، وكلما كان الرجل إلى الحديث أقرب؛ كان تعامله مع هذه الظاهرة أصوب، وكلما كان عن الحديث أبعد؛ ازداد تورّطاً، وتخبُّطاً، وانكسافاً، وانخسافاً، ونزولاً، وتردّياً، وجهلاً. * معنى الإسقاط ومرادنا من هذه الظاهرة الإسقاط في اللغة مأخوذ من سقط الشيء، يسقط سقوطاً، فهو ساقط وسقوط (٢) ، والإسقاط تأتي بمعان عديدة؛ منها: ١- بمعنى الخطأ في القول والحساب والكتاب: والسَّقَطُ والسَّقاطُ: الخطأ في القول والحساب والكتاب، وأسقط وسقط في كلامه وبكلامه سقوطاً: أخطأ. وتكلم بكلام فما أسقط كلمة، وما أسقط حرفاً، وما أسقط في كلمة وما سقط بها؛ أي: ما أخطأ فيها. يقال: أسقط في كلامه، وتكلم بكلام فما سقط

стр. 713

بحرف، وما أسقط حرفاً (١) . ٢- بمعنى العثرة والزلة: والسَّقطة: العثرة والزلة، وكذلك السِّقاطُ، يقال: لا يخلو أحد من سقطة، وفلان يتتبع السقطات ويعد الفرطات، والكامل من عدت سقطاته وهو مجاز، ويقال: فلان قليل السقاط، كما يقال: قليل العثار (٢) . ٣- بمعنى عثر: سقط على ضالته: عثر على موضعها ووقع فيها، كما يقع الطائر على وكره. وفي الحديث: قال رسول الله ﷺ : «لله أفرحُ بتوبة عبدِه مِن أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة» (٣) ؛ معناه: يعثر على موضعه ويقع عليه؛ أي: صادفه وعثر عليه من غير قصد فظفر به (٤) . ٤- بمعنى النزول: سقط القوم إليَّ سقوطاً: نزلو عليَّ وأقبلوا، ومنه حديث: «فأما أبو سَمَّال فسقط إلى جيران له» ؛ أي: أتاهم فأعاذوه وستروه. وسقط الحَرُّ يسقُطُ سُقُوطاً: يكنى به عن النزول، قال النابغة الجعدي: إذا الوحشُ ضمَّ الوحشَ في ظُلُلاتها ... سواقطُ من حَرٍّ، وقد كان أظهرا (٥) ٥- بمعنى وقع: سقط الشيء من يدي سُقوطاً بالضم، ومَسقطاً بالفتح، وقع على الأرض، وكل من وقع في مهواة يقال: وقع وسقط (٦) .

стр. 714

وفي المثل السائر (على الخبير سقطت) ؛ أي: على العارف به وقعت. ويقال: سقط الشيء سقوطاً: وقع من أعلى إلى أسفل، كسقوط الإنسان من السطح، ويقال: سقط من كذا في كذا، كسقوط الشخص في حفرة حفرها الغير في طريق عام، وفي المثل: (سقط العشاءُ به على سِرحان) . يضرب للرجل يبغي البُغية فيقع في أمر يهلكه (١) . ٦- بمعنى الرفع والإزالة: أسقط اسمه من الديوان: رفعه وأزاله، ويقال: سقط عنا الحر: إذا زال وأقلع، وسقط الرجل: إذا وقع اسمه من الديوان. وقول الفقهاء: سقط الفرض؛ أي: سقط طلبه والأمر به، ومنه قولهم: سقوط الحد بالشبهة؛ أي: امتناع إقامته بسبب الشبهة (٢) . بالنظر في هذه المعاني؛ نجد أن المعنى الرابع (٣) والخامس يدلان على معنى الظاهرة التي نتكلّم عنها؛ إذ مرادنا منها: إيقاع الأحاديث والآثار التي فيها إخبار عن أحداث ووقائع مستقبليّة على واحدة نازلة منها، بحيث لا يكون المراد بها إلا هذه النازلة دون سائرها، وكأن هذه النازلة رفعت وأزالت المعاني المتوقعة عن المحل الذي يُنزَّل فيه النص. ويمكن أن نعرف هذه الظاهرة بتنزيل الأحاديث وما في حكمها، على أحداث لم تقع في زمن النبي ﷺ ، وإنما وقعت بعد موته ﵊، سواء كان هذا التنزيل على حادثة تم وقوعها، أو ظهرت مخايل ذلك. وتكون هذه (النازلة) أو (الحادثة) عامة تصيب أمّة أو قطراً، وينجم عنها آثار ظاهرة، ونتائج مهمّة، وقد تكون هذه النتائج -إن صدق التنزيل- منصوصاً

стр. 715

عليها، معروفة بالخبر، إذ المراد من هذا التنزيل غالباً استشراف مجريات أحداث بدت مقدماتها، وظهرت على السطح، وخفيت غالباً حال التنزيل ثمارها وما تتمخّض عنه، استجابة لقوة مركوزة في النفس، تتطلع لمعرفة ما يقع وما سيجري في المستقبل. ولا صلة لمعنى هذه الظاهرة في مبحثنا هذا بـ (الإسقاط) المذكور في كتب الفقهاء من «إزالة الملك أو الحق لا إلى مالك ولا إلى مستحق، وتسقط بذلك المطالبة به» (١) . * أهمية المعالم والضوابط لهذه الظاهرة هنالك معالم وضوابط لا بُدّ من معرفتها في التعامل مع الفتن الحادثة؛ حتَّى يصح الزعم أنّ النصوص تشملها، أو تراد بها؛ وهذه المعالم والضوابط هي المبادئ والخطوات المنهجيّة المترابطة المنبثقة عن خصائص النصّ الشرعي، وطريقة تنزيله؛ بغية الوصول إلى فهم سديد لمراد الله من النصّ، مع حُسن التعامل مع النصوص بما لا يخرجنا عن المعتقد الصحيح، والمسلّم الثابت في النصوص، ولا يبعدنا عن المقاصد الشرعية، ولا بُد من هذه الضوابط والمعالم لتوفير أرضيّة تعصم -بإذن اللَّه- من الزلل والتعسف والتكلف في فهم مراد الشارع من هذه النصوص. * تكييف (الإسقاط) وبيان أنه من (ملح) العلم لا من (صلبه) عمليّة الإسقاط اجتهاد، تشبه تماماً (الاجتهاد التنزيلي) (٢) في مباحث (أصول الفقه) ، مع التنويه بأنّ المعاني في المسائل الاجتهادية ظاهرة،

стр. 716

والمقاصد غير خفيَّة، والأشباه والنظائر -غالباً- متوفّرة، والجهود قائمة، بخلاف الغيب المطلق الذي تتفاوت أحداثه وحوادثه؛ فيعسُر -أو يستحيل- حصرها في قواعد كليَّة مضبوطة، وهذا النوع من العلوم سمَّاه الشاطبيُّ: (ملح العلم) (١) ، وهو ما لم يكن قطعيّاً، ولا راجعاً إلى أصل قطعيٍّ، بل إلى ظنّيٍّ، أو

стр. 717

كان راجعاً إلى قطعي؛ إلا أنَّه تخلَّف عنه خاصة من خواص القطعي، أو أكثر من خاصَّة واحدة، فهو مُخَيَّل، ومما يستفزّ العقل ببادئ الرأي والنَّظر الأول، من غير أن يكون فيه إخلالٌ بأصله، ولا بمعنى غيره، فإذا كان هكذا؛ صحَّ أن يُعَدَّ في (الملح) لا في (الصلب) ؛ لتخلّف خواصِّ (الصلب) في مثله، ومن أهم ذلك: أولاً: عدم الاطِّراد والعموم ؛ فمفردات الحوادث التي قد يصدق عليها نصٌّ ثابت في الفتن ليست مطَّردة ولا عامة في سائرها، وهذا قادح في عدّه من (صلب) العلم؛ لأنّ عدم الاطّراد يقوِّي جانب الإبعاد، ويُضعف جانب الاعتبار، ويقرّبه من الأمور الواقعة فلتة، فلا يوثق به بحيث يُبنى عليه. ثانياً: عدم الثبوت ؛ فإنه إذا حُكم في مفردة أو حادثة صَدَقَ عليها النّص في زمان أو قضيّة أو بلدة، فإنّه لا يطرد في كل حادثة إلا بقرينة، ومن فعل فقد أخطأ، وصنع باطلاً؛ إذ أطلق الحكم فيما ليس بمطلق، أو عمّ فيما ليس كذلك، فالقيود والأوصاف والأزمنة والأمكنة لها اعتبار في أحاديث الفتن، بها تخص وتقيّد وتعتبر، ولذا فالناظر في أحاديث الفتن يعدم الوثوق بثبوت الحكم واطّراده، وذلك معنى خروجها عن (صلب) العلم. ثالثاً: عدم الحكم والبناء عليه ؛ فالصلب يكون حاكماً لا محكوماً عليه، ويُبنى ويُخرَّج ويُفَرَّع عليه، أما مفردات الوقائع من الحوادث فتفيد الواقف عليها فائدة حاضرة، لا يمكن من خلالها أن يجعلها حاكمة، أو يتوصل إلى مثيلاتٍ لها من خلال ما يمكن أن يتفرع عنها؛ فإنها أصالة ليست موضوعة لذلك.

стр. 718

* الإسقاط يعتريه خفاء وغموض، وبيان خطورته من خلال ما مضى؛ يتبيَّن لنا أن الإسقاط لا يكون إلا من مجتهد، وهذا الاجتهاد يجري في محلٍّ فيه غموض وخفاء، ويحتاج إلى علم واسعٍ بالرواية، واستحضار لألفاظ المرويات، دون خلط بين النّص وحقيقته من جهة، والحدث الواقع من جهة أخرى؛ فقد يمكن أن يكون الغرضُ من الإسقاط مدروساً لصنع تصوّر ما، أو يتّخذ وسيلة لتثبيت تصور وقناعة للوصول إلى هدف معين مدروس، وغرض مقصود (١) ، فبدلاً من أن يستنار بهذه الأحاديث في ظلمات الأحداث، إذ تُستبدل لتوظّف في صنع الظلمات، والوقوع في البلبلة والجهالات، وتمرر من خلالها المخططات والمؤامرات! والأمر المريب فيما قرأنا وسمعنا من أعمال المراهقين العابثين الخائضين: الحزم والجزم بما سيقع على هيئة (بيانات) ، وتجريدها عن الكشف وصحة البحث عما سيقع، واستسلام السذج المطلق لها، وصنع نفسيَّة معيّنة بناءً عليها، وليس مجرد التحفظ، أو حصول حدث ما، ثم البحث عن النص -بعد وقوع الحدث- وإسقاطه عليه، لا؛ إنما هو تخرص وتكهن بالغيب، وبثّ أخبار مصنوعة بين أبناء المسلمين القارئين غير الواعين العالمين، وعزوها إلى مراجع وهمية، غير حقيقية (٢) ، وخروجها فجأة، إن كان

стр. 719

لها وجود -أي وجود- بالتحريف (١) ، أو التشويه، أو الحذف والبتر، وسبق أن ذكرتُ لك أمثلة على ذلك. لا يظنّ أحد أنني أتّهم كل من استعجل فأسقط حدثاً على حديث، أو أنني أُبرّئ الصادقين من الوقوع في مثل هذا الخطأ، ولكني أشير بأصابع الاتّهام لمن يؤصّل لذلك على فهم سقيم، واستدلال أعوج بين يدي الأحداث الجسام، وقامت القرائن القوية على تقصد كذبه، وحصول تخطي النصوص عنده دائماً على محور محصور، وإخضاعها لما يجري دون أي معايير علمية، من غير مبالاة لتقويم ما أظهرته الأحداث بمضي الزمان من أخطاء؛ فهذه مظاهر تدعو إلى القلق والانزعاج، وتكدّر صفاء الرؤية الشرعية العقدية، وتشذّ عن مألوف الدين ومعروفه، وما عليه الصادقون من أهل العلم في تعاملهم مع هذه النصوص؛ لأنها جعلت النصوص الشرعية المتعلّقة بعالم الغيب، خاضعة لمحك الواقع، وربطته بعامِلَي الزمان والمكان، وحوّلت النص بقداسته وصدقه إلى واقع محسوس متجسد بواقعة معينة، فإن خاب الظن، وأخطأ الهجس والحدس، فإن ضعاف الإيمان والعقول ينكرون النص؛ إذ قام في مخيلتهم بناء على التسليم بهذا التنزيل، أن مصداقية النص خاضعة لسلطان الواقع، وكانوا أسارى له بفعل قوته الوهمية لا الحقيقية، القائمة على التخيّل، فكيف إنْ صاحب ذلك دعوى إلى حد التهور إلى ضرورة قبول بعض الأخبار المحكوم عليها بالبطلان (٢) من غير اعتبار قواعد أهل الصنعة الحديثية، ففي

стр. 720

هذا كله دعوة إلى التعامل مع النصوص -إثباتاً واستنباطاً- دون منهج علمي، ودعوة إلى الافتئات على النصوص، وربطها بأمور تجريبية تتأثر بالضغوط والقناعات المذهبية، والتصورات الشخصية. فصل قيود وضوابط الإسقاط إن نتيجة مهمة يمكن استخلاصها مما سبق؛ وهي: إنّ هناك قيوداً وضوابطَ، يمكن مِن خلالها القول بجواز إسقاط النص على الحدث، أحصرها في النقاط الآتية: أولاً: لا بُدّ من التحقق من صحة النّص ، والتثبت من ألفاظه وحصر مروياته؛ لتمكن معرفة معانيه على ضوء ذلك. ومهما بذل الناظر من جُهدٍ في فهم النص، وأخلص وتفانى في سعيه إلى التوصل إلى المراد منه، أو إسقاطه على حدث ما؛ فإنّ سعيَه كلَّه يظلُّ جهداً غير معتبر ولا مفيد، إذا تبيّن أن النّصّ غير ثابت، ولذلك؛ فلكي يستفيد الباحث من وقته وجهده فلا بُدّ له من مراعاة هذا الضابط المهم، وهو أساس كل شيء. وهكذا يقال في ضرورة جمع الألفاظ والروايات؛ فإن المنصوص عليه مقدّم على الاستنباط، ومهما سعى واجتهد الشارح في توجيه النص وتنزيله؛ فإنه بمجرد ثبوت لفظة أو جملة في رواية أخرى تخالف هذا التوجيه والتنزيل، تجعله في حكم العدم، وهو على أحسن حالاته: اجتهاد مخالف للنص؛ فلا عبرة به، ولا يفرح له! ونستطيع أنْ نقرر هنا: أنّ هذا الضابط المنهجي مغيَّب تماماً عن كثير من الدراسات التي ظهرت أخيراً عن أشراط الساعة والملاحم؛ إذ رام

стр. 721

أصحابها إسقاط هذه الأحاديث على وقائع معيّنة قام في ذهنهم أنها هي المعنية بالنصوص (١) ، فأخذوا يفتشون في بطون الكتب بغية الإسقاط، فأقاموا بناءً على مقدمات غير مسلم بها، ولم يتم -بعدُ- التحقيق في صحتها وثبوتها، فأضاعوا جزءاً وفيراً من أوقاتهم، وأوقات الرادِّين عليهم، المنبِّهين على اعوجاج طريقتهم بسبب عدم مراعاة هذا الضابط الأساس. ومما ينبغي التأكيد عليه بخصوص هذا (الضابط) ، أنه عند التأكد من عدم ثبوت النص، فإن عمليه الإسقاط تلغى ولا يقام لها وزن. ثانياً: ترك الاستدلال باللوازم وغير الظاهر ، والبعد عن الاجتهاد في ترتيب الأحداث الواردة في النصوص دون دليل، إذ الإسقاط من (ملح العلم) ، مُتخلِّف عنه الثبوت والاطّراد والحكم والبناء عليه، كما قدمناه قريباً. ومن الواجب: عدم الاعتماد على ترتيب الحوادث التي صحت فيها الأحاديث على تنبؤات الكهنة، وكتب الرافضة، والإسرائيليات؛ فالحوادث شيء، وترتيبها دون دليل بتسلسل معين، شيءٌ آخر، لا بُدّ من التفرقة بينهما، وهذا ملحظ لم ينتبه له كثير من الخائضين، فضلاً عمن لهم مشاركة، ولا سيما في المقالات أو المقابلات عبر (الفضائيات) ، وهذا (الضابط) يناقش فرضية رفض إعطاء مسوّغات ضعيفة وهزيلة باسم عدم تحقق شروط التنزيل لوقائع ظاهر الأمر فيها عدم الالتزام بمفهوم النص، وليس لعدم توفر شروط التنزيل (٢) . ثالثاً: أن يبقى هذا الإسقاط في دائرة التوقّع المظنون ، دون أن نتكلَّف إيجادها بإجراءات من عند أنفسنا؛ لأن الوقائع والأحداث أمور كونية قدرية واقعة لا محالة، ولم نخاطب باستخراجها من عالم الغيب إلى عالم

стр. 722

الشهادة (١) . رابعاً: أن لا يؤثّر هذا الإسقاط، والترقّب الذي يترتب عليه، على أداء واجب الوقت ، وتكاليف الشرع (٢) . وهذا -مع الذي قبله- تحصيل حاصل، وثمرة حتمية لكون (الإسقاط) من (الملح) لا من (الصلب) ، ويتأكد (القيد الرابع) بحال الصحابة -رضوان الله عليهم-، وسيأتيك قريباً تحت عنوان (كيف ينبغي أن نفهم أحاديث الفتن؟) مزيد إيضاح وبيان. وأما (القيد الثالث) فهو ثمرة لكون الإسقاط هو (تنزيل) ، كما ذكرناه عند الكلام على (تكييف الإسقاط) ، وبالتالي هو استنتاج قابل للخطأ والصواب، و «لأن أحاديث الفتن لا تحدد الزمان لخروجها، فلو حددت الأحاديث سنوات خروجها لما أصبحت فتناً، ولما وقع فيها الناس وامتحنوا، ولهذا فإن (الفتن) لا تُعرف إلا بعد حدوثها، أما خلال فترة الوقوع فلا يتم تميّزها ومعرفة حقيقتها؛ لهذا يقع الإنسان فيها من حيث لا يدري، ويتم امتحانه، وبالتالي تتحقق سنة الله التي جعلها غاية لوجود هذه الفتن» (٣) . خامساً: الذي يقوم بالإسقاط عالِم مشهود (٤) له، إذ الإسقاط أدقّ تفسيرٍ وشرحٍ للنَّص، فهو حصرٌ لمعنىً في حادثة معيّنة، ولهذه الحادثة نظائر فيما مضى، وقد يتخلّف عنها وصف، أو ذكر زمان أو مكان، أو شخص له ذكر في النص؛ فالهجوم بمجرد المشابهة والتخيُّل دون التأنّي ليس من المنهج العلمي، ولا سيما أنّ الحوادث لا تنتهي!

стр. 723

وينبغي أنْ يراعي مَن يقوم بذلك: التزام التجرد والموضوعية في فهم النصوص؛ بمعنى: «يجب أنْ لا يخضع [النص] لأيّة مقررات سابقة، أو رواسب قديمة، أو مواقف ممهّدةٍ سلفاً، بل يجب أن ينطلق فهم هذا النص من النص نفسه، وينبغي أنْ يستمد أيُّ فهمٍ صلاحيتَه وسلامتَه من النظر الأمين فيه، وليس مقبولاً أنْ يكونَ فهمُ هذا النص أسيرَ المواقف والرواسب والمقررات السابقة القديمة؛ وذلك لأنّ الأفهامَ التي تنطلق في أساسها من مواقف موافقةٌ، أو مناوئةٌ، من النادر أنْ يُوفَّق إلى الوصول إلى المراد الإلهي من نصّه، بل كثيراً ما تتميز بالإسقاطات والتكلف، ولهذا فإنه لكي يسلم الاجتهاد في فهم النص الشرعي؛ فإنّ على المجتهد أنْ يلتزم بهذا الضابط المنهجي: التجرّد والموضوعيّة. ومرادنا من (التجرد) : هو تخلي المجتهد عن جميع مقرراته السابقة، ومواقفه المتعددة، وتوجهُه إلى النص الشرعي بعقلية نزيهة، تهدف إلى التوصل إلى المراد الإلهي بغض النظر أن يكون ذلك المراد الذي سيتوصل إليه موافقاً لمقرراته السابقة، أو مناوئاً لها. وأمّا مرادنا بـ (الموضوعية) : فهي تجرّد المجتهد مِن الذّاتية، ومِن التحيّز لآرائه السابقة، ومقرراته القديمة، وتميزه بالأمانة والاستقامة عند الاجتهاد في فهم نص من النصوص؛ بحيث يجعل التوصل إلى المراد الإلهي من نصه هدفه ومرماه في اجتهاده. وتكمن أهمية هذا الضابط المنهجي في كونه الضابط المظلوم (١) ضمن ضوابط الاجتهاد في فهم النص المنهجية، إذ إنه كثيراً ما يُغْفَل، ويُهْمَل ولا يُذكرُ إلا نادراً، وبسبب إهماله شاع التفسير السياسيّ والمذهبيّ للنص الشرعي

стр. 724

-قرآناً وحديثاً-، ولو استُحْضِر هذا الضَّابط المنهجي المهمّ عند الاجتهاد في فهم نص من نصوص الوحي -كتاباً وسنة-؛ لما انتشر بين المسلمين التفاسير الخادمة للتوجهات، والأفكار، والمذاهب، والمشارب ... ، بل إنّ أهمية هذا الضابط تتجلى أكثر في كونه المنهج الذي التزمه الأصحاب ﵃ عند تعاملهم مع النص الشرعي، ممّا جعل فهمهم له فهماً لا يُدارى، ولا يُضاهى؛ إذ كان الصحابي يبذل ما وَسِعَه من جهد في فهم النص الشرعي، دون أنْ يجعل مواقفه أو اتجاهه حاكماً على فهمه، بل كان النص الشرعي هو الذي يكوِّن له مواقفه، ومقرراته، وهو الذي على ضوئه يتخير مذهباً، أو ينتهج منهجاً معيَّناً (١) ، ولذلك سلم فهمُهُم لمراد الشارع من نصوصه، ولم يظهر في أيامهم ولا في تفاسيرهم أيُّ لون من ألوان التفسير السياسي، أو المذهبي للنص القرآني أو النبوي، وإنّما ظلّت أفهامُهم للآيات غيرَ متأثرةٍ بأيِّ موقف من المواقف المؤيدة أو المناوئة ... وعليه؛ فإذا ما تجاوز المجتهد في اجتهاده هذا الضابط المنهجي، فحدِّثْ ولا حرج عن التأويلات الجائرة الخائرة في البُعْد عن مراد الشارع من نصوص وحيه -كتاباً وسنةً-، بل إنّ مجتهداً يأتي إلى النص الشرعي ورأسُه مليء بطائفة من التصورات والمواقف والمقررات والرواسب؛ فإن الفهم الذي يتوصل إليه لا يعدو سوى أنْ يكون جملة مِن تصوراته، أو طائفة مِن مقرراته، ولا يمكن أنْ يَهدِيَه ذلك الفهمُ إلى مراد الشارع ﷻ . إنَّ هذا الأمر مُشاهد على مستوى الكتب البشرية؛ نعني: أنه لو أنّ مؤلفاً نظر في كتاب -وفي خلده أفكارٌ، وتصوراتٌ مقررة- فإنّ فهمه لذلك الكتاب سيتأثر بطريقة مباشرة وغير مباشرة بأحكامه الأولية المقررة، وتصوراته الموجّهة لتفكيره ومنهجه، مما يُفقده القدرة على التوصل إلى حقائق ما يحمله

стр. 725

ذلك الكتاب. وهذا الأمر لا يختلف عليه اثنان، فما بالك لو كان ذلك النص الذي ينظر فيه الإنسان نصّاً شرعيّاً يتميز بأسلوب مرن يمكن للمرء أن يخضعه تعسفاً لمقرراته وتصوراته، ويمكن لغيره -هو الآخر- أنْ يجعله مؤيِّداً وسَنَداً لاتجاهاته وأفكاره. لذا؛ فإنّنا نرى أنّه لا مَفَرَّ للمجتهد الذي يسعى إلى التوصل إلى حسن فهم الوحي -كتاباً وسنةً- من التقيد والالتزام بهذا الضابط المنهجي، ولا سبيل إلى الوصول إلى المراد الإلهي من النص سوى اتباع هذا الضابط، وسوى تجريد الفهم والاستنباطات من الذاتية، والتحيز، والاستدلالية، وبهذا وحده يجد المجتهد نصّاً قادراً على انتشال البشرية من براثن الضياع والتخلف، والأمراض الخلقية والنفسية، والأزمات الفكرية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية! إنَّ غياب هذا الضابط في تعاملات كثير من متعصبي الفرق والمذاهب والاتجاهات مع النصوص الشرعية، أدَّى إلى استجرار النص الشرعي إلى جميع ساحات الصراع الفكرية والعلمية والسياسية ... إلخ استجراراً تعسفيّاً لتأييد مذهبٍ، أو منهجٍ فكري، أو عقدي، أو فقهي، وما ذلك إلا بسبب عدم تجرد المتفهّم من الذاتية والتحيز والتعصب» (١) . ويجد المتمعِّن في كثير من دراسات المعاصرين في إسقاط الأحاديث على الأحداث، أو على ما استجد من اختراعات؛ أنّ أصحابها ما استناروا بهذا الضابط المنهجي، ولم يجرِّدوا أنفسهم من صبواتهم ورغباتهم، ولذا نجدهم أخضعوا النصوص لتصورات ومُنْطَلَقات وأفكار وتخرّصات راجت في أوقاتهم بتأويل جائر خائر بائر حائر، خالفت المقاصدَ الشرعيّة الكليّة، والضوابط المنهجيّة للتعامل مع النص، ولم يحققوا الغاية المأمولة من تجسيد

стр. 726

معاني هذه النصوص بحسن تصوّر، وإنما كان ديدنهم وشعارهم إسقاطاً لشيء بيّتوه في أنفسهم في وقت صعب بتهوّر. ومن الأهمية بمكان: أنْ يراعي المجتهدُ العدلَ في فهمه؛ بحيث يُبقي على مراتب النصوص كما وصلتنا، وأن يلحظ تعدد الأفهام والاجتهادات في تفسير النصوص التي ربّما قد تتدخل الظروف والبيئات في تكوينها وإفرازها، كما سبق بيانه. «وبما أنّ الظروف والبيئات والحياة نفسها في تغيُّر مستمر، وتطوّر دائم، فإنه ليس من المقبول منهجيّاً إلباس فهم متأثر بظروفه وبيئته بلباس الديمومة، والعصمة، والأبدية، والحيلولة دون أي فهم آخر منبثق عن بيئة وظروف متغايرة، ومختلفة عن ظروف وبيئة الفهم الأول، ولن يكون للمرونة والسَّعة أيُّ معنًى إذا تحول النص الظنيُّ -بسبب اجتهادٍ- إلى نصّ قطعيٍّ في حق غير المجتهد ... وبالمقابل ينبغي الإبقاء على النصوص القطعية قطعيّةً؛ فلا ينالها يد التغيير والتبديل فيتحول بسبب اجتهادٍ إلى نصوص ظنيّة، بعد أن كانت في أصلها نصوصاً قطعيةً. والسبب في هذا هو أن القطعي من النصوص الشرعية ثابتٌ وغير متغير، ولا يحقُّ لسُنَّة التغيّر والتبدُّلِ والتّحوُّرِ والتطوُّر لأن تجري عليه؛ لأنه من وراء تلك السنة، وجيء به مخاطباً وراء البيئات والظروف والأحوال والعوائد، ولذلك لا يؤثر فيه أي من هذه الأمور، وإذا ما تعامل معه المجتهد مثل تعامله مع الظني من النصوص، فإن مآلَ ذلك إعادةُ النظر في جميع أحكام الدين، ونقضُه من أساسه، والانتهاءُ في نهاية المطاف إلى المروق من هذا الدين، وتبديله بشطحات العقول، وبائسات الأفكار والتأويلات الجائرة الحائرة الخائرة! إنّ إدراك هذا الضابط المنهجي في فهم النص الشرعي ينبغي أنْ يقوم على إدراك البعد الزمنيّ للأفهام، والتمييز بين ما كان من الأفهام ظرفيّاً، وما

стр. 727

كان منها فوق ظرفيّ، وما لم يتمكن المجتهد من إدراك هذا الأمر؛ فإنّ اجتهاده يظل ذا صفة تخبطية غير موضوعيّة، ولا منهجيّة» (١) . ونُقرر هنا بكل أريحية؛ أنّ كثيراً مِن الدراسات التي اعتنت أخيراً ... -وسبق ذكرٌ لبعضها- في إسقاط الأحداث على الأحاديث -أو العكس- بعيدةٌ عن هذا الضابط: (الإبقاء على مراتب النصوص كما وصلتنا) ، ولذا وجدنا فيها تخبطاً ولا موضوعية، والأمثلة السابقة أكبر شاهد على ذلك، واللَّه الموفّق. إذا عُلِمَ هذا؛ تقرر تعذُّر الرسم التفصيلي لمعرفة مجريات الأحداث آخر

стр. 728

الزمان، وبالتالي لا يمكن التخطيط وفق ما سيقع، إلا فلتات يكون لمن وصَفَهم حذيفة بـ: «قلوبهم من ذهب» (١) ، من غير إشغال الأمة بهذا، أو جعله من المسلَّمات (٢) ! ومنه يُعلم غلوُّ جماعةٍ من الغيورين لَمّا راحوا يُقرِّرون ضرورة امتداد الاجتهاد إلى جميع مجالات الحياة، واستشراف المستقبل من خلالها (٣) ، وهذا أنموذج من ذلك: يقول بعض الباحثين بعد إيراده مجموعة من أحاديث الفتن: «فإنّي لم أرد فيما أوردت من أحاديث الفتن أنْ أستقصي أو أنْ أستوعب، وإنّما هي شذرات منها أردت أنْ أستثير بها همم القادرين من أهل العلم إلى الكتابة في فقه أحاديث الفتن، وتقديم دراسات تستخلص ما فيها من الدروس التي تناسب عصرنا. لقد ألف كثير من العلماء عبر العصور في أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ولكن مجال فقهها ما يزال باباً مفتوحاً لكل مَن أوتي فهماً في حديث رسول الله ﷺ ، وبصيرةً في أحداث التاريخ والواقع. لقد ربط ابن كثير في «البداية والنهاية» بين أحاديث الفتن، ولكنّه وقف في ذلك على عصره، وبقيت العصور التالية تنتظر من يربط بين أحداثها ونبوءات النبي ﷺ . ولعل قائلاً يقول: أيُّ فائدة ترجى من هذا العلم ونحن في عصر التخطيط والتنظيم الدقيق؟! أليس البحث في هذا نوعاً من الهروب من الواقع، أو الاستنامة على نبؤاتٍ، الله أعلم بها متى تقع؟!

стр. 729

وأقول: إنَّ النبيَّ ﷺ لم يقل تلك الأحاديث عبثاً، ولم يُلحَّ في الحديث عن الفتن لتُسَوَّد بها صفحاتٌ من كتب الحديث، أو لتفرد في مؤلفات تُقرَأ للبركة، وتبين صدق نبوته ﵊-فحسب-! وإنما قالها ليفقهها عنه المسلمون المعنيّون بها في كل عصر من العصور؛ أنَّها جزء من الرسالة التي حمَّلَها وأشهد عليها بقوله: «ألا هل بلغت؟» ، والمطلوب من المسلمين فهمها كما أراد النبي ﷺ أنْ تُفهم، والعمل بالوصايا التي ضمّنها إيّاها. إنّ كثيراً مِنَ الأحاديث إنّما هي أشبه بالرؤيا، ولا يفقه الرؤيا على حقيقتها إلا مَن آتاه الله علمَ تأويل الأحاديث، وهذا الصنف هو المرشح لدراسة هذه الأحاديث وفقه ما فيها، وبثّ هذا الفقه بين المسلمين لتؤتي ثمارها الطيبة بينهم، ويعرفوا مواطئ أقدامها، فيعرف المسلم متى يعتزل الناس، ويتبع بغنمه شعف الجبال ومواقع القطر؛ يفرّ بدينه من الفتن. وعلينا أنْ نذكر أنه إذا كان بعض المسلمين ينعمون بدينهم، ولا يحول بينهم وبينه حائل، فكم من المسلمين في الأرض رفعت بينهم وبينه السدود، وحالت بينهم وبينه القيود، فأين فقه أحاديث الفتن الذي يستنيرون به؟ إنّ البحث في فقه أحاديث الفتن وأشراط الساعة لا يخص الفرد المسلم وحده، بل يمتد إلى الجماعات العاملة للإسلام؛ لتنظر في ضوئه في غاياتها ووسائلها، وأي عمل إسلاميّ لا يستنير بفقه أحاديث الفتن يظلّ -في رأيي- غائمَ الوجهة والأساليب، بل إنّ فقهَ أحاديث الفتن ضروريٌّ للدولة التي تلتزم بالإسلام، وقد مرّ بنا من قريبٍ الحديثُ الذي بين أنّ المسلمين في آخر الزمان يتحالفون مع الروم في قتال عدو مشترك، وإنّ مَن يفقه أحاديث الفتن يستطيع مِن خلال إدراكه لروح العصر أنْ يمتلك وعياً سياسيّاً يتنبأ به بما يخالف الرأي السائد.

стр. 730

وأضرب على ذلك مثلاً سمعته من أحد الثقات يحدّث عن رجل صالح كان في الأردن؛ هو الشيخ الدبّاغ، لقد كان هذا الشيخ يقول للناس -ويقسم-: إنّ بريطانيا وحلفاءَها سينتصرون في الحرب العالمية الثانية على ألمانيا! وكان الناس يعجبون من ذلك، بل لقد أسرّ إليه بعض المقربين أنّ الشكوك بدأت تحوم حوله.. بأنه يقوم بالدعاية لبريطانيا!!! وقد بين الشيخ ﵀ الأساس الذي بنى عليه يقينه؛ وهو أنه ربط بين حديث الرسول ﷺ الذي بيّن أنّ المسلمين سيقاتلون اليهود قبل قيام الساعة، وبين أحداث عصره؛ فبريطانيا الدولة المنتدبة على فلسطين هي التي رعت فكرة قيام الدولة اليهودية منذ وعد بلفور، وما تلا ذلك من أحداث، ولن تقوم لليهود دولة إلا إذا انتصرت بريطانيا، ولو انتصرت ألمانيا لتبدد الحلم اليهودي في الدولة. وقد كان ما فهمه الشيخ من حديث الرسول ﷺ ، وفسّر به أحداث عصره، بل تنبأ بالشيء قبل أنْ يكون. وأقول في ضوء هذا: إننا بحاجة إلى مراجعة واعية للأحاديث التي ذكرت كثرةَ الروم (أي: النصارى) في آخر الزمان، وقتال المسلمين لهم، ومواضعَ هذا القتال، ثم فتح القسطنطينية وروميّة، ونصر اليهود للدجّال، وقتل المسيح ابن مريم ﵇ له في باب اللدّ في فلسطين، ولنضع ذلك بين أيدي العاملين للإسلام -أفراداً، وجماعاتٍ، ودُولاً-. إنّ البحث في هذه الأحاديث وفقهها ليس من نافلة القول أو العمل، وليس من باب الترف العلمي، أو الخدر العقلي، بل هو جزء من التخطيط، والتفكير، والتدبير المستهدي بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. والنظر في تلك التفصيلات الجزئية التي وردت في بعض الأحاديث، وما فيها من التوجيهات النبوية لتفادي آثار بعض الفتن، مما سبق ذكره، ومما

стр. 731

هو مفصل في كتب الصحاح ... ولننظر بعد ذلك في شأننا هل نُوكَل إلى نفوسنا، وتخطيط عقولنا، أم نستهدي بما صحّ من أحاديث الفتن؟! فهل نجد من أهل العلم والفقه في الحديث النبوي، والتاريخ، وفقه الواقع المعاصر والتبصر فيه من يتصدى لهذا العمل ويضعه بين أيدي المسلمين؛ ليكون هداية لهم، وليعرفوا مدى حب النبي ﷺ لهم، وحرصه على نجاتهم من الفتن، ويجدوا -وهم يقرؤون- ذلك تفسيراً عمليّاً لقول الله في وصف نبيه ﵊: ﴿لَقَدْ جَاءَكُم رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُم عَزيزٌ عَلَيه مَا عَنِتم حَريصٌ عَلَيكم بِالمُؤمنين رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] » (١) . قال أبو عبيدة: أُطَمْئنُ الأخ الكاتب أنه لن يجد من أهل العلم والتبصر من يتصدّى لما اقترحه، نعم؛ ذلك ممكن ومتصوّر لو كان (الإسقاط) و (التخطيط) و (التفكير) و (التدبير) المبنيّ عليها من صلب (٢) (العلم) ، والأمر -كما قدمناه- ليس كذلك، ولا بُدّ من التنويه بأمور مهمّة تخصّ مقاله: الأول: قوله: «ربط ابن كثير في «البداية والنهاية» بين أحاديث الفتن، ولكنّه وقف في ذلك على عصره، وبقيت العصور التالية تنتظر من يربط بين أحداثها ونبوءات النبي ﷺ » غير دقيق؛ وها هو «البداية والنهاية» و «نهاية النهاية» -وهو «الملاحم والفتن» له- لم نجد الربط المذكور، ولا يُتَصوَّر إطلاقُه، وجاء بعده كثير من العلماء، فلم يفعل أحد قبله ولا بعده ذلك، وإنّما هي فكرةٌ استقرت في ذهن صاحبها، وأخذ يُدلل عليها قبل أنْ يفحصها، وتعلّق بما لا يصح متعلَّقاً، ومثّل بشيء لا يصلح أنْ يكون مثالاً.

стр. 732

ثانياً: نعم؛ هنالك ومضات وإفاضات من كلام ابن كثير تدلل على حرصِه، وتخوُّفِه على قومه، وهي مِن إفاضاته فيما يخص حوادثَ عصره، تفيد توسع مدلول النصوص الواردة في الفتن، ولكن الربط المدّعى غير واقع أصلاً، فضلاً عن الزعم -فيما يبدو للقارئ- أنّه فعل ذلك من البداية إلى عصره، فهذا غير واقع من غير دافع، وهذا نقل عنه يصلح أنْ يكون أنموذجاً في الإسقاط الصحيح، بضوابطه المعتبرة. قال -رحمه الله تعالى- في «البداية والنهاية» (١٣/١١٩) عند كلامه عن (فتنة التتر) : «وقد قَتَل جنكيزخان من الخلائق ما لا يَعْلَمُ عددهم إلا الذي خلقهم، ولكن كان البُداءة من «خوارزم شاه» ؛ فإنه لما أرسل جنكيزخان تُجَّاراً من جهته معهم بضائعُ كثيرةٌ من بلاده، فانتهوا إلى إيران، فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه، وأخذ جميع ما كان معهم، فأرسل جنكيزخان إلى خوارزم شاه يستعلمه؛ هل وقع هذا من الأمر عن رضًى منه، أو أنه لا يعلم به؟ فأنكره. وقال فيما أرسل إليه: «من المعهود من الملوك أنّ التجار لا يُقتلون؛ لأنهم عمارةُ الأقاليم، وهم الذين يحملون إلى الملوك ما فيه التحف والأشياء النفيسة، ثم إنّ هؤلاء التّجار كانوا على دينك، فقتلهم نائبك، فإنْ كان أمراً أمرتَ به؛ طلبنا بدمائهم، وإلا فأنت تُنْكِرُهُ وتقتصُّ من نائبك» ، فلما سمع خوارزم شاه ذلك من رسول جنكيزخان، لم يكن له جوابٌ سوى أنه أمر بضرب عُنُقِهِ؛ فأساء التدبير، وقد كان خَرَّفَ وكَبُرَتْ سِنُّه، وقد ورد الحديث: «اتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكُم» (١) ، فلما بلغ ذلك جنكيزخان، تجهز لقتاله، وأَخْذِ بلاده؛ فكان بقَدَر الله -تعالى- ما كان من الأمور التي لم يُسْمَعْ بأغربَ منها، ولا أبشعَ» .

стр. 733

فذكر ابن كثيرٍ ﵀ -تعالى- لفتةً دقيقةً، وهي أنّ المسلمين لما خالفوا أمر النبي ﷺ أُصيبوا بفاجعة فظيعة، وكانت العاقبة مريرة، حيث اجتاح التتار ديارهم في صورة بشعة لم يشهد التاريخ لها مثيل، وقدّمنا كلام العلماء ونقولاتهم في ذلك (١) ، والله الواقي من المهالك. واللفتة نفسها نبّه عليها في (حوادث سنة ثلاث وأربعين وست مئة) ، قال في (١٣/١٦٨) : «وفي هذه السنة كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين جيش الخليفة وبين التتار -لعنهم اللَّه-؛ فكسرهم المسلمون كسرةً عظيمةً، وفَرَّقوا شملهم، وهُزِمُوا من بين أيديهم، فلم يلحقوهم، ولم يتبعوهم، خوفاً من غائلة مكرهم، وعملاً بقوله ﷺ : «اتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكُم» .» . وهذا الأمر ليس خاصّاً به، وإنما هو منهج تَلَقّاه عن علماء عصره، وعلى رأسهم شيخه ابن تيمية؛ فها هو يقول: «ثبتَ للشامِ وأهلِه مناقبُ بالكتاب والسنة وآثار العلماء، وهي أحد ما اعتمدته في تحضيضي للمسلمين على غزو التتار، وأمري لهم بلزوم دمشق، ونهيي لهم عن الفرار إلى مصر، واستدعائي للعسكر المصري إلى الشام، وتثبيت العسكر الشامي فيه، وقد جرت في ذلك فصول متعددة» (٢) . ثالثاً: الذي غرَّ الكاتب ما عنون عليه ابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/١٩٩-٢١٢) (فصل: في ترتيب الأخبار بالغيوب المستقبلة بعده ﷺ (٣) ، و (٦/٢١٤-٢٢١) (باب: إخباره ﷺ عن الفتن الواقعة في أيام عثمان وخلافة علي ﵄) ، و (٦/٢٢١) (إخباره ﷺ عن الحَكَمين اللذَيْن بُعثا في زمن علي) ، و (٦/٢٢٢-٢٢٣) (إخباره ﷺ عن الخوارج وقتالهم) ،

стр. 734

و (٦/٢٢٣-٢٢٤) (إخباره بمقتل علي بن أبي طالب فكان كما أخبر) ، وما أشبه هذا، واقتصر على ذكر النصوص، وتكلّم على الواهي منها، ولم يفعل (١) ما طلبه الكاتب الفاضل من العلماء، ولم يعمل على إسقاط النصوص على الحوادث قبل وقوعها. رابعاً: هذه الظاهرة لو كانت مطردةً وكليةً وثابتةً لكثُرت فيها جهودُ الأقدمين، ولما تركوها لخوض العابثين من المعاصرين (٢) ، ولكنها تُذكر وتوظَّفُ عندهم على نحو إيجابيٍّ، وتعطي النصوص شمولاً (٣) في المعاني من

стр. 735

غير الزعم أنها محصورةٌ في حادثة معينة، وهذا ما لمسناه من صنيع ابن كثير الماضي، ومن قبله شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه عالج (فتنة التتار) في رسالة وجهها إلى الملك الناصر تدلل على فهم عميق لأحاديث الفتن، لا تلغي المحكم من الواجبات الشرعيّة المنوطة بالراعي والرعية، وها أنذا أسوق الرسالة على طولها لأهميتها: فصل رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى السلطان الملك الناصر في شأن التتار «إلى سلطان المسلمين؛ نصرَ الله به الدين، وقمعَ به الكفّار والمنافقين، وأعزَّ به الجند المؤمنين، وأدالَهم به على القوم المفسدين.

стр. 736

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسألُه أن يُصلِّيَ على محمدٍ عبدِهِ ورسولِهِ، صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليماً. أمَّا بعد؛ فإنَّ الله قد تَكفَّل بنَصْر هذا الدين إلى يوم القيامة، وبظهوره على الدين كلِّه، وشهد بذلك، وكفى باللَّه شهيداً، وأخبر الصادقُ المصدوق ﷺ أنه لا تزال طائفةٌ من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خَذَلهم إلى يوم القيامة (١) ، وأخبر أنهم بالناحية الغربية عن مكة والمدينة (٢) ، وهي أرضُ الشام وما يليها. كما أخبرنا أنه لا تقوم الساعةُ حتى تقاتلوا التُّركَ، قوماً صِغارَ الأعينِ دُلْفِ الآنُفِ، ينتعلون الشَّعْرَ، كأن وجوههم المِجَانُّ المُطرقة (٣) . وأخبر أنّ أمتَه لا يزالون يقاتلون الأُمم حتى يقاتلوا الأعورَ الدجَّال (٤) ، حين ينزل عيسى ابن مريم من السماء على المنارة البيضاء شَرْقِيَّ دمشق، فيَقتُل المسلمون جُنْدَه القادمَ معه من يهود أصبهان وغيرهم. وأخبر ﷺ أنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مئة سنة مَن يُجَدِّدُ دينَها (٥) ، ولا يكون التجديد إلاّ بعد استهدام.

стр. 737

وقال: «سألتُ ربّي أنْ لا يُسلِّطَ على أمتي عدوّاً من غيرهم فيجتاحُهم، فأعطانيها، وسألتُه أنْ لا يُهلِكهم بسَنةٍ عامَّةٍ، فأعطانيها» (١) . وما زالت دلائل نبوته ﷺ تَظهر شيئاً بعد شيءٍ، وقد أظهر الله في هذه الفتنة (٢) من رحمته بهذه الأمة وجُنْدِها ما فيه عبرةٌ، حيث ابتلاهم بما يُكفِّر به من خطاياهم، ويُقبِل بقلوبهم على ربهم، ويجمع كلمتهم على وليّ أمرِهم، ويَنزِعُ الفُرقةَ والاختلافَ من بينهم، ويُحرِّكُ عَزَماتِهم للجهاد في سبيل الله وقتال الخارجين عن شريعة الله. فإنّ هذه الفتنة التي جَرتْ -وإن كانت مُؤلمةً للقلوب- فما هي -إن شاء اللَّه- إلاّ كالدواء الذي يُسقَاه المريضُ ليحصل له الشِّفاءُ والقوة، وقد كان في النفوس من الكِبْر والجهل والظلم ما لو حَصَل معه ما تشتهيه من العِزّ لأعقَبها ذلك بلاءً عظيماً. فرحم الله عبادَه برحمتِه التي هو أرحم بها من الوالدة بولدها، وانكشف لعامة المسلمين شَرْقاً وغَرْباً حقيقةُ حال هؤلاء المفسدين الخارجين عن شريعة الإسلام، وإن تكلَّموا بالشهادتين، وعَلِمَ مَن لم يكن يعلم ما هم عليه من الجهل والظلم والنفاق والتلبيس والبُعد عن شرائع الإسلام ومناهجه، وحَنَّتْ إلى العساكر الإسلامية نفوسٌ كانت مُعرِضةً عنهم، ولاَنَتْ لهم قلوبٌ كانت قاسيةً عليهم، وأنزل الله عليهم من ملائكته وسكينته ما لم يكن في تلك الفتنة معهم، وطابت نفوسُ أهل الإيمان ببَذْلِ النفوس والأموال للجهاد في سبيل اللَّه، وأعدُّوا العدَّة لجهاد عدوِّ الله وعدوِّهم، وانتبهوا من سِنَتِهم،

стр. 738

واستيقظوا من رَقْدَتِهم، وحمدوا الله على ما أنعمَ به من استعداد السلطان والعسكر للجهاد، وما جمعه من الأموال للإنفاق في سبيل الله. فإنّ الله فَرَضَ على المسلمين الجهادَ بالأموال والأنفس، والجهادُ واجبٌ على كل مسلم قادرٍ، ومَن لم يَقْدِرْ أن يجاهد بنفسه فعليه أن يجاهد بماله إن كان له مالٌ يتسع لذلك؛ فإن الله فرض الجهاد بالأموال والأنفس، ومَن كَنَزَ الأموالَ عند الحاجة إلى إنفاقها في الجهاد، من الملوك أو الأمراء أو الشيوخ أو العلماء أو التجار أو الصُّنَّاع أو الجند أو غيرهم؛ فهو داخلٌ في قوله -سبحانه-: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤-٣٥] ، خصوصاً إن كانت الأموالُ من أموال بيت المال، أو أموالٍ أُخِذتْ بالربا ونحوه، أو لم تُؤدَّ زكاتُها ولم تُخرَج حقوقُ الله منها. وكان النبي ﷺ يحضُّ المسلمين على الإنفاق في سبيل اللَّه، حتَّى إنه في غَزَاة تبوك حَضَّهُم، وكان المسلمون في حاجةٍ شديدة، فجاء عثمان بن عفان بألفِ راحلة من ماله في سبيل الله بأَحْلاسِها وأَقْتابِها، وأعوزَتْ خمسين راحلة فكمَّلها بخمسين فرساً، فقال النبي ﷺ : «ما ضَرَّ عثمانَ ما فَعَلَ بعدَ اليوم» (١) . وذمَّ الله المخلَّفين عن الغزو في سورة براءة بأقبح الذّمِّ حين قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بَأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] ، وقال: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾

стр. 739

[التوبة: ٣٩] . فمن ترك الجهاد عذَّبه اللهُ عذاباً أليماً بالذُّلِّ وغيره، ونزعَ الأمرَ منه فأعطاه لغيره؛ فإنّ هذا الدِّين لمن ذَبَّ عنه. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «عليكم بالجهاد؛ فإنه بابٌ من أبواب الجنة، يُذهب الله به عن النفوس الهمَّ والغمَّ» (١) ، وقال ﷺ : «لن يُغلَب اثنا عشر ألفاً من قِلَّةٍ وقتالٍ، واعلم أنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العُسْر يُسراً» (٢) . ومتى جاهدَتِ الأمَّةُ عدوَّها؛ ألَّف الله بين قلوبها، وإنْ تركتِ الجهادَ؛ شَغَلَ بعضَها ببعض. ومن نِعَمِ الله على الأمة؛ أنها قد اجتمعت على ذلك في الشرق والغرب، حتى إنّ المؤمنين مِن أهل المشرق قد تحرَّكت قلوبهم انتظاراً لجنود الله، وفيهم من نوى أنه يخرج مع العدوِّ إذا جمعوا، ثُمَّ إمَّا أنْ يقفز عنهم، وإمَّا أنْ يُوقع بهم. والقلوبُ الساعةَ محترقةٌ مهتزَّةٌ لنصر الله (٣) على القوم المفسدين، حتى إنّ بالموصل والجزيرة وجبال الأكراد خَلْقاً عظيماً مستعدين للجهاد مرتقبين العساكر، سواء تحرك العدوُّ أو لم يتحرك.

стр. 740

وكذلك قدمت بنتُ بَيْدَرَا (وكان من ملوك التتار) ، وكانت مأسورةً في بيت قازان، فأخبرتْ بما جرى بينه وبين أخيه وأمّه مما يؤيّد ذلك، وهي الساعة في نِيَّتِها تذهبُ إلى مصر، وقد أقامت في بيتهم مدَّةً إلى نصف شوَّال على ما ذكرتْ. وسواءٌ ألقَى الله بينهم الفرقةَ والاختلافَ وأهلكَ رؤساءَهم أو لم يكن؛ فإنّ الأمر إذا كان كذلك فهذا عونٌ عظيمٌ من الله للمسلمين، وقد اتصل بالداعي أخبارٌ صادقةٌ من جهاتٍ يُوثَقُ بها بما قد مال مع المسلمين من أمراء تلك البلاد حتى من المغول، ولا بُدّ أنّ السلطان يُطالعُ بذلك من تلك البلاد؛ فإنّ هناك قومٌ صالحون ساعون في مصالح المسلمين؛ كشيخ الجزيرة الشيخ أحمد. وجاءتنا أخبارٌ مع غير واحد بأنّ الخَرْبَنْدا أخا قازان قد قَدِمَ الرومَ وهو يجمع العساكر للقدوم، وقدمتْ بنتٌ لبَيْدَرا كانت مأسورةً في بيت قازان، وذكرتْ أحوالاً من الكلام بين قازان وأخيه الخَرْبَنْدا وأمّه، تَدُلُّ على ذلك، وأنّ الخربندا هو في نية فاسدة للمسلمين، وأمُّه تنهاه عن ذلك، وهو لا يقبل، ويُوقع بينهم فتنةً. فليس من الواجب أنْ يُترك نَصْرُ الله (١) والجهادُ في سبيل الله إذا كان عدوُّ الله وعدوُّ المسلمين قد وقع البأسُ بينهم، بل هناك يكون انتهاز الفرصة، ولا يَحِلّ للمسلمين أنْ ينتظروهم حتى يطأوا بلاد المسلمين كما فعلوا عام أوّل؛ فإنّ النبي ﷺ قال: «ما غُزِيَ قومٌ في عُقْرِ دارِهم إلاّ ذُلُّوا» (٢) .
следующие страницы →