رسالة في التعقيب
على تفسير سورة الفيل للمعلِّم عبد الحميد الفراهي
تأليف
عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي
تحقيق
محمد أجمل أيوب الإصلاحي
стр. 2
راجع هذا الجزء
عبد الرزاق بن موسى أبو البصل
علي بن محمد العمران
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فهذه رسالة قيمة للشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ﵀، تعقّب فيها ما ذهب إليه العلامة المعلِّم عبد الحميد الفَراهي ﵀ في تفسير سورة الفيل.
وإذا كان المعلمي ﵀ من العلماء المشهورين، وقد عرفه أهل العلم بتحقيقاته البارعة ومؤلفاته النفيسة، وقد ترجم ترجمة مفصلة في مقدمة هذا المشروع، فإن المعلِّم ﵀ ــ على عبقريته وجلالة قدره ــ ظل مغمورًا في البلاد العربية إلى عهد قريب، إذ لم يقف أهل العلم فيها على مؤلفاته التي صدرت في الهند أيام الاحتلال الإنجليزي، وبعضها بعد الاستقلال، ثم نفدت قبل أن تصل إلى أيدي القراء العرب، إلا نسخًا قليلة متفرقة سقطت في أيدي بعض العلماء والباحثين، فأشادوا بها، وأفادوا منها. ومن ثَمّ لما أخرجتُ كتابه "مفردات القرآن" صدَّرْته بترجمة مفصلة بعض التفصيل (١)، ومقتضى المقام أن أقتصر هنا على إيراد لُمَع من سيرته.
_________
(١) انظر: مفردات القرآن (طبعة دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤٢٢)، ترجمة المؤلف (١١ - ٤١). وبالعربية قد ترجم له العلامة السيد سليمان الندوي في آخر كتاب "إمعان في أقسام القرآن" (طبعة السلفية بالقاهرة)، وصاحب نزهة الخواطر (الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام) طبعة الهند (٨/ ٢٤٨ - ٢٤٩). ويراجع للتفصيل كتاب "ذكر فراهي" بالأردية للدكتور شرف الدين الإصلاحي، الذي صدر من الدائرة الحميدية في الهند في ٨٤٠ صفحة، و"مختصر حيات حميد" بالأردية طبعة الدائرة الحميدية.
стр. 4
(١) ترجمة المعلِّم ﵀:
هو عبد الحميد بن عبد الكريم، حميد الدين، أبو أحمد، الأنصاري، الفراهي. ولد صبيحة يوم الأربعاء سادس جمادى الآخرة سنة ١٢٨٠ في الهند، في قرية من أعمال "أعظَمْ كَرْهْ" أحد الأضلاع الشرقية من الإقليم الشمالي المسمى الآن "أُتَّرَبَرَدِيش" (١).
اشتهر في الهند بلقبه "حميد الدين"، ولعله سُجل بهذا الاسم عندما التحق بالتعليم الرسمي، فكان يوقع به في المكاتبات والأوراق الرسمية، ولكنه آثر أن يكتب اسمه في أول كتبه العربية: "المعلم عبد الحميد الفراهي". أما "الفراهي" فنسبة معربة إلى قريته. وأما لقب "المعلم" فيظهر لي أنه لما كانت العلماء ورثة الأنبياء، ومن وراثة النبوة تعليم الكتاب والحكمة، وكان تدبر كتاب الله ودراسة ما فيه من الأحكام والحكم ثم تعليمه للناس هو عمود حياة الفراهي العلمية، وذلك حظه من وراثة النبوة= اتخذ لنفسه لقب "المعلم".
ولد ﵀ في بيت علم ودين وشرف، وقرأ القرآن الكريم في منزله على مؤدبه الأول الشيخ أحمد علي وحَفِظه. ثم أخذ اللغة الفارسية في منزله
_________
(١) الجمهورية الهندية مقسمة إلى ولايات، وكل ولاية إلى "أضلاع" جمع ضلع، وهو من مصطلحات العهد الإسلامي في الهند وما زال رائجًا حتى الآن، وضلع "أعظم كره" هو الذي ينتسب إليه الأعظميون في الهند. وكل ضلع يشتمل على مدن صغيرة وقرى، ومن المدن التابعة لضلع "أعظم كره": "مبارك فور" التي ينتسب إليها المباركفوريون.
стр. 5
أيضًا عن مؤدبه الثاني الشيخ محمد مهدي. ثم انتقل من قريته إلى مدينة "أعظم كره"، ودَرَس فيها اللغة العربية والكتب المتداولة في الفنون المختلفة على ابن عمته العلامة المؤرخ الأديب شِبْلي النعماني (ت ١٣٣٢)، وكان من أشهر أعلام الهند في القرن الماضي.
ثم رحل إلى مدينة "لَكْنَؤُو" عاصمة الإقليم الشمالي، وحضر دروس العلامة الفقيه المحدث الشيخ عبد الحي اللَّكْنَوي (ت ١٣٠٤)، وأخذ المعقولات عن الشيخ فضل الله بن نعمة الله الأنصاري (ت ١٣١٢).
ثم سافر إلى مدينة "لاهور" عاصمة البنجاب، وتلمذ لأديب العربية وشاعرها وشارح الحماسة والمعلقات الشيخ فيض الحسن السَّهَارَنْفُوري (ت ١٣٠٤)، وهو من شيوخ العلامة شبلي النعماني أيضًا، فقرأ عليه كتب الأدب العربي وبعض كتب المعقولات.
وبعدما تخرج في العلوم الشرعية والأدبية والمعقولات، وهو ابن عشرين سنة، اتجه إلى دراسة اللغة الإنجليزية والعلوم الحديثة، فالتحق بالمدرسة الثانوية، ثم كلية عَلِيكَرْهْ التي صارت فيما بعد جامعة، وهي الآن من أشهر جامعات الهند. وقد أعفي في الكلية من مادتي العربية والفارسية لطول باعه فيهما، بل كُلّف ترجمة كتابين من العربية إلى الفارسية ليقرَّر تدريسهما في كليته هو. وقد اعتنى بدراسة الفلسفة الحديثة، وحصل على درجة الامتياز فيها. وبعدما نال شهادة البكالوريوس، درس القانون (الحقوق) سنتين، ولكنه لم يكمل دراسته لكراهية الاشتغال بمهنة "الوكالة"، وكلمة الوكالة هي المستعملة في الأردية حتى الآن للمحاماة، والمحامي يسمى وكيلًا.
стр. 6
وبدأ الفراهي حياته الوظيفية سنة ١٣١٤ بتعيينه مدرسًا في "مدرسة الإسلام" بمدينة "كراتشي" وكانت مدرسة حكومية مرموقة، وأقام فيها أكثر من تسع سنوات. ثم عُيّن سنة ١٣٢٤ أستاذًا مساعدًا للغة العربية في كلية عليكره. وبعد سنتين عُيّن أستاذًا للعربية بجامعة "إلاهاباد"، ودرّس فيها ست سنوات إلى أن استعارت وظيفته دولة حيدراباد الدكن ليكون مديرًا لدار العلوم الشرقية فيها، فرحل إليها سنة ١٣٣٢. وأمضى خمس سنوات هناك، ثم استقال وعاد إلى وطنه سنة ١٣٣٧.
وقد زاره الدكتور تقي الدين الهلالي المراكشي ﵀ سنة ١٣٤٢، وطلب إليه أن يكتب له ترجمته، فكان مما كتب: "ولما كانت هذه المشاغل تمنعني عن التجرد لمطالعة القرآن المجيد، ولا يعجبني غيره من الكتب التي مللت النظر في أباطيلها، غير متون الحديث وما يعين على فهم القرآن، تركت الخدمة، ورجعت إلى وطني، وأنا بين الخمسين والستين من عمري. فيا أسفا على عُمُرٍ ضيَّعتُه في أشغال ضرُّها أكبر من نفعها! ونسأل الله الخاتمة على الإيمان" (١).
فانقطع إلى تدبر القرآن الكريم، وتأليف كتبه في علوم القرآن، بالإضافة إلى الإشراف على "مدرسة الإصلاح" التي قد أسستها جمعية إصلاح المسلمين سنة ١٣٢٧، ورسم لها الفراهي بعد عودته من حيدراباد منهجًا دراسيًّا فريدًا لتعليم اللغة العربية والعلوم الإسلامية. وكان رئيسًا لمؤسسة دار المصنفين في مدينة أعظم كره التي قد أسسها مع العلامة السيد سليمان الندوي وغيره من تلامذة العلامة شبلي النعماني بعد وفاة شيخهم سنة
_________
(١) مجلة الضياء، المجلد الثاني، العدد السابع، ص ٢٦٠.
стр. 7
١٣٣٢، وهي أشهر مجمع علمي في شبه القارة الهندية، وقد أخرجت كتبًا نفيسة كثيرة باللغة الأردية في السيرة والتاريخ والتراجم والأدب.
وتوفي ﵀ في تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ١٣٤٩ على إثر عملية جراحية.
وكان ﵀ في أخلاقه مثالًا للسلف الصالح، فقد أجمع الذين جالسوه وعاشروه من شيوخه ومعاصريه على ورعه، وزهده في الصيت والسمعة، وتجنبه فضول القول وسفاسف الأمور. وكان غاية في اتباع السنة، والمحافظة على الصلوات، والغيرة على الدين، والحمية لشعائر الإسلام. وكان راتبه عاليًا، فيذهب جزء كبير منه في الإنفاق على الأقارب وذوي الحاجات، وقسم منه لشراء الكتب المطبوعة في مصر وأوربا.
وقد انفرد المعلِّم ﵀ من بين معاصريه من علماء الهند بأنه أول مَن تلقَّى الثقافة الغربية من موردها، فأتقن اللغة الإنجليزية، ودرس العلوم الحديثة فيها، ثم حاضر بها وألّف، فله رسالة مطبوعة باللغة الإنجليزية في الرد على عقيدة النصارى في الشفاعة والكفارة. ومعرفته للغة الإنجليزية قد فتحت له بابًا واسعًا للاطلاع على كل ما صدر فيها مما يهمّه من كتب الأدب والشعر والبلاغة والفلسفة وتاريخ اليهود والنصارى وما كتبه المستشرقون عن القرآن الكريم والعلوم الإسلامية.
وقد تعلم اللغة العبرانية يوم كان أستاذًا في كلية عليكره، فنظر في صحف أهل الكتاب المتداولة وقرأها بالعبرانية. وقد أعانه ذلك على الكشف عن تحريفاتهم وتفسير بعض الإشارات الواردة في القرآن الكريم في الرد على اليهود مما يخفى على غير المطلع على كتبهم.
стр. 8
وفي دراسة الفلسفة والمنطق لم يقتصر الفراهي على التراث العربي، بل كان يتابع ما يصدر في الغرب من أحدث المطبوعات في الفلسفة والمنطق، ويقرؤها قراءة بحث ونقد ومقارنة. ومن ثم كان أعلم الناس بمضرة كتب الفلسفة وانحرافات الفلاسفة القدماء والمُحدَثين. اقرأ ما قاله في ذكر أحد الأسباب السبعة التي بعثته على تأليف كتابه "حجج القرآن":
"والثاني: ما تعلق بالذين معظم همهم المعقول من المنطق والفلسفة، فإنهم قد ابتلوا بعقليات سافلة زائغة عن طريق الفطرة والهدى، مفضية إلى الحيرة وصريح العمى، كما لا يخفى على من نظر في خزعبلات المتفلسفين العاشين عن نور الوحي والكتاب. ولذلك حذَّر السلف من الاشتغال به، ولكن أبى الناس إلا النظر فيه، والولوع به، والإخلاد إليه؛ ثم بعد التجربة عرفوا مضارها. فمنهم من أبطل بعض أباطيلها، وأبقى بعضها محسنًا به ظنه كأبي حامد ﵀، فإنه بيّن تهافت ما في إلهيات اليونانيين، ولكنه هو الذي أدخل منطقهم في الإسلام، فكان كمن قتل الأفعى وربّى أولادها. وكذلك اتخذ أخلاقياتهم، وبنى عليها كتابه "ميزان العمل"، فلم يخرج عن اتباع الفلاسفة مع غلوه في ردهم. وأما ابن مسكويه والطوسي وأمثالهما فهم مجاهرون بتقليد اليونانيين في الأخلاقيات. ومنهم من انتبه لأكثر من ذلك كابن تيمية ﵀، فردّ على المنطقيين ردًّا طويلًا، ودل على زيغ نهج المتكلمين ... " (١).
ولكن الكتاب الذي ملك عليه عقله وقلبه هو كتاب الله الذي كان ألذ كتاب وأحبه إليه. وقد بدأ تدبره أيام طلبه في كلية عليكره، وانكشف له
_________
(١) حجج القرآن (٢٠). والجدير بالذكر أن الفراهي قد نسخ بيده كتاب "الرد على المنطقيين" لشيخ الإسلام ونسخته هذه محفوظة في مكتبة "دار المصنفين" بأعظم كره.
стр. 9
حينئذ نظام بعض السور، وظل القرآن هو المحور لجهوده الفكرية والعلمية. وقد اجتهد في الحصول على جميع أنواع المعارف التي تعين على فهم القرآن، وسخَّر كل الوسائل التي تُيسر الوصول إلى تلك الغاية.
وقد أقام على هذا التدبر المتصل لكتاب الله ودراسته العميقة إلى آخر حياته، وخطط لتأليف اثني عشر كتابًا في علوم القرآن غير تفسيره الذي سماه "نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان"، وبعض مقدمات التفسير التي أفردها لتوسع مباحثها. ولكن المؤسف أن معظم مشروعاته العلمية لم تكتمل لأسباب منها: طريقته في التأليف (١)، وأعمال علمية معترضة، وأشغال إدارية، وأمراض مزمنة.
وأكبر ميزة لكتاباته أنها نتائج الفكر، فهي تحمل مناهج جديدة وأفكارًا مبتكرة ونظرات دقيقة، وفيها غذاء للعقل والقلب معًا، ثم إنها كما قال العلامة أبو الكلام آزاد ﵀ (ت ١٣٧٧): "تشتمل على مقاليد العلوم" (٢).
وقد اختار لمؤلفاته في علوم القرآن وغيره اللغة العربية لأنه ألّفها لعلماء العالم الإسلامي، وكان يرى أن لغة العالم الإسلامي هي العربية لا غير.
ومن مؤلفاته في التفسير وعلوم القرآن التي أكملها ونشرها في حياته: الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح، وإمعان في أقسام القرآن، وتفسير السور الآتية: الذاريات، والتحريم، والقيامة، والمرسلات، وعبس، والشمس، والتين، والعصر، والكوثر، والكافرون، والمسد.
_________
(١) انظر شرحها في ترجمته في صدر "مفردات القرآن" (٣١).
(٢) انظر "ذكر فراهي" للدكتور شرف الدين الإصلاحي (٥٣٦).
стр. 10
وكان للمعلم ﵀ منهج خاص في التفسير يقوم على دعامتين: الكشف عن نظام السور والآيات، وتفسير القرآن بالقرآن، ولذلك سمى تفسيره "نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان". ولكن الحقيقة أن الأصل الأصيل هو تفسير القرآن بالقرآن، لأن مرجعه في الكشف عن نظام السور ورباط الآيات أيضًا هو القرآن لا غير، وقد انكشف له نظام بعض السور أول ما انكشف من داخل القرآن لا من خارجه. وكان يرى أن مراعاة النظام تقلل من الاحتمالات العديدة التي ينقلونها في تأويل الآيات، وتقرِّب إلى التأويل الصحيح الموافق للسياق.
(٢) تفسير سورة الفيل:
قد ترك المعلِّم ﵀ بعد وفاته مسودات كثيرة، أخرج تلامذته منها كتاب مفردات القرآن، وفاتحة نظام القرآن (وهي مقدمة تفسيره) وجمهرة البلاغة، وكلها كتب ناقصة. والمسودة الوحيدة التي كانت شبه كاملة هي مسودة تفسير سورة الفيل، فنشروها سنة ١٣٥٤، وكانت طبعة حجرية بالخط الفارسي اشتملت على ٤٣ صفحة.
وكانت النية أن ينشر تفسير سورة الفيل كاملًا في ذيل هذا الكتاب، لأنه قد نفد قبل زمن طويل، وليكون الأصل أيضًا بين يدي القارئ مع نقده (١). ولكن تبين أن ذلك سيضاعف حجم الكتاب، فرأينا أن نكتفي هنا بإعطاء صورة من كتاب المعلِّم ﵀.
يحتوي هذا التفسير على الفصول الآتية:
في تفسير كلمات السورة.
_________
(١) كتبت هذا قبل سنتين. وقد صدرت أخيرًا مجموعة تفسير الفراهي "نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان" عن دار الغرب الإسلامي، وتفسير سورة الفيل ضمن المجموعة (ص ٧١٧ - ٧٧٥).
стр. 11
في تعيين المخاطب بهذه السورة.
عمود السورة وربطها بالتي قبلها والتي بعدها.
بيان ما فضل الله به هذا البيت وأهله على سائر المعابد وذويه.
أمور مهمة مما يتعلق بتقديس مسجد وحفظه.
إجمال القصة حسب ما نص عليه القرآن.
النظرة الأولى، وهي فيما زعموا من سبب مجيء أبرهة وفرار أهل مكة وما جرى بينه وبين عبد المطلب.
النظرة الثانية، وهي في رمي أصحاب الفيل بالحجارة، وكونها من الآيات العظام.
النظرة الثالثة، وهي فيما كان من أمر الطير التي أرسلت على أصحاب الفيل.
الاستدلال بكلام العرب على أن الرمي كان من السماء والريح.
في أكل الطير أصحاب الفيل تصديق لبشارة عظيمة في نبينا ﷺ .
أسباب صارفة عن التأويل الراجح.
بيان معنى الرمي بالحجارة، وتمهيد للنظر في أصل رمي الجمار بمنى.
أصل سنة رمي الجمار.
أثر هذا التأويل في القلوب عند عمل رمي الجمار.
قد انفرد المعلِّم ﵀ ــ مثل غيره من أفذاذ العلماء وكبار الأئمة ــ بمسائل ومذاهب في علوم العربية والتفسير وغيره، لكنه ــ كما قال الذهبي
стр. 12
في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية ــ لم يكن ينفرد بالتشهي، ولا يطلق لسانه بما اتفق (١)، بل يستدل على ما يذهب إليه بالمعقول والمنقول، ويخطئ كغيره ويصيب، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ .
ومما انفرد به ﵀ تفسيره لسورة الفيل، إذ ذهب إلى أن العرب لم يتخلوا عن بيت الله، بل نافحوا عنه، وقاتلوا جيش أبرهة بما استطاعوا وبما تيسر لهم، وهو أنهم رموهم بحجارة من سجيل، ولكن رميهم هذا لم يكن ليدفع ذلك الجيش الجرار، فأرسل الله سبحانه عليهم حاصبًا أهلكهم، كما أهلك به الأمم الطاغية الأخرى، وكانت تلك آية عظيمة من آيات الله.
وقد شبَّه رمي العرب جيش أبرهة بالحجارة ورمي الله إياهم بالحاصب في الوقت نفسه بما وقع في غزوة بدر إذ أخذ رسول الله ﷺ "حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشًا، ثم قال: شاهت الوجوه، ثم نفحهم بها وقال لأصحابه: شدّوا. فلم يبق كافر إلا شغل بعينه كما جاء في سورة الأنفال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ... فكان هناك رميان: رمي من النبي ﷺ رأوه ورمي من الله تعالى لم يروه ولكن رأوا أثره ولذلك جاء النفي والإثبات معًا ... وكما نسب الله الرمي في بدر إلى نفسه في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فهكذا هاهنا نسب إلى نفسه أنه جعلهم كعصف مأكول، فلا شك أنها كانت من الآيات البينات، فإن منافحة قريش كانت أضعف من أن يفل هذا الجيش، فكيف يحطمهم حتى صاروا كعصف مأكول؟ " (تفسير سورة الفيل ص ٢٠).
_________
(١) انظر: الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون (٥٤٠).
стр. 13
واستدل في ذلك أيضًا بكلام العرب الذين شهدوا الواقعة، وذكروا في شعرهم ما رأوه من "جنود الإله بين ساف وحاصب". وأيد ذلك أيضًا بقول ذي الرمة:
وأبرهةَ اصطادت صدورُ رماحنا ... جهارًا وعُثنونُ العجاجةِ أكدَرُ
تنحَّى له عمرٌو فشكَّ ضلوعَه ... بنافذةٍ نجلاءَ والخيلُ تَضْبِرُ
فقال: "فصرح بأنه طعنه رجل من قومه وبأنه كان في يوم ذي غبار كثير مرتفع إلى السماء، وذلك بأن الله أرسل عليهم ريحًا حاصبًا فحصبتهم" (ص ١٧).
وقوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ عند المعلِّم ﵀ حكاية حال ماضية، والضمير المستتر في (ترمي) للخطاب راجع إلى الخطاب العام في (ألم تر) أي كنت ترميهم أيها المخاطب، ولكن رميك لم يكن ليغني شيئًا، فالله سبحانه هو الذي جعلهم كعصف مأكول. وأما الطير فأرسلت عنده لأكل الجثث، وأيد ذلك بما ورد في كلام الشعراء وما فهمه من بعض الروايات. ثم ذهب إلى أن رمي الجمرات في الحج تذكار لرمي جيش أبرهة، وخصص لبيان ذلك الفصول الثلاثة الأخيرة.
والأمور التي بعثت الفراهي ﵀ على هذا التفسير أهمها فيما يظهر لي من خلال كلامه أمران:
الأول: أن بيت الله كان أعز شيء عند العرب ولا سيما عند قريش، وكل شرفهم وفخارهم منوط به، والأمم مهما كانت من الذلّ والضعة لا ترضى بإهانة معابدها، بل تضحي بنفسها ونفيسها في الدفاع عنها، فكيف يتخلى العرب عن بيت الله، ويفرِّطون في محاربة العدو القادم لهدمه ويفرُّون إلى
стр. 14
شعف الجبال، وهم الذين يضرب المثل بإقدامهم وبسالتهم وأنفتهم وحمايتهم للجار، وقد نشبت الحروب المتطاولة لأدنى سبب من ذلك.
والثاني: الرواية التي وردت في لقاء عبد المطلب لأبرهة تعظِّم أبرهة، وتصفه بالحلم، وتلصق كل مهانة وذل بعبد المطلب سيد قريش. فبدا للمعلم ﵀ أن الرواية مما وضعه أعداء العرب.
ثم وجد بعض الشعراء الذين شهدوا الواقعة يذكرون السافي والحاصب، فتأكد عنده أن الله تعالى أرسل عليهم الرياح الذاريات وأمطر عليهم الحجارة كما فعل بقوم لوط وغيرهم.
ورأى في كلام العرب أيضًا ذكر الطير التي كانت تصحب الجيوش لتأكل القتلى كما قال النابغة:
إذا ما غزوا بالجيش حلَّق فوقهم ... عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائب
وفهم من قول سعيد بن جبير: "إن الطير كانت خضرًا لها مناقير تختلف عليهم" أنها كانت تأكلهم، فذهب إلى ما ذهب في تفسير السورة.
ولما صدر تفسير المعلِّم ﵀ هذا تعرض للرد والتعقيب، مع الاعتراف بجلالة قدره، وغزارة علمه، وتورعه وتقواه (١). غير أن بعض شيوخنا لما تصدى لنقد هذا التفسير أنكر شجاعة العرب أصلًا، وزعم أنها من أكاذيب الشعراء والأخباريين، وكأنه ــ غفر الله له ــ قاس شعراء الجاهلية على الشعراء المتأخرين من العرب وشعراء الفارسية والأردية المولعين بالغلو والإغراق في المدح والافتخار.
_________
(١) انظر: قصص القرآن للشيخ محمد حفظ الرحمن (٣: ٣٦١)، وتفهيم القرآن للأستاذ أبي الأعلى المودودي (٦: ٤٧١).
стр. 15
(٣) تعقيب المعلمي ﵀:
صدر تفسير سورة الفيل للمعلم ﵀ سنة ١٣٥٤ كما سبق، وكان المعلمي ﵀ حينئذ في حيدراباد، وقد ذهب إليها بعد سنة ١٣٤٥، وغادرها سنة ١٣٧١. وقد عرفت في ترجمة المعلِّم ﵀ أنه عاش في حيدراباد خمس سنوات (١٣٣٢ - ١٣٣٧)، وكان عميدًا لدار العلوم، ومعدودًا من الشخصيات العلمية المرموقة، ولما غادر حيدراباد ترك وراءه أصدقاء وتلامذة، وثناء وافرًا، ولسان صدق عليًّا في مجالس العلم ودوائر الحكم، لما أوتي من فضائل علمية وعملية قلما تجتمع في شخص واحد، ولما تحلى به من الورع والزهد وغنى النفس مع علو منصبه وراتبه.
فكان من الطبيعي أن يسمع الشيخ المعلمي ﵀ في حيدراباد باسم المعلِّم ﵀ ونعوته وفضائله، وقد وقف على بعض مؤلفاته، واستفاد منها، وعرف عبقريته، كما ذكر في مطلع رسالته هذه.
ومن ذلك أنه لمَّا تكلَّم في كتاب العبادة له على حقيقة القسم قال: "وألَّف الأستاذ حميد الدين الفراهي الهندي رسالةً سمَّاها "الإمعان في أقسام القرآن" أجاد فيها. وسألخِّص هاهنا ما استفدته منها ومن غيرها وما ظهر لي" (ص ٨٢١). وانظر أيضًا (ص ٨٢٦).
وللمعلمي ﵀ رسالة في بيان ارتباط الآيات في سورة البقرة، أحال فيه على كتاب الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح، فقال في موضع: "وقد حقق هذا البحث المعلِّم عبد الحميد الفراهي في كتاب الرأي الصحيح، فانظره". وفي موضع آخر، وهو يذكر ارتباط الآية (١٤٤)، وصفه بأنه "كتاب نفيس".
стр. 16
ولم يتفق له لقاء المعلِّم ﵀، وأنّى له ذلك، وهو مقيم في حيدراباد في جنوبي الهند، والمعلم مقيم في وطنه في شمالي الهند، وبينهما مسافة شاسعة جدًّا! ولو أراد المعلمي ﵀ ذلك لما تحمَّل راتبه القليل نفقات مثل هذه الرحلة الطويلة الشاقَّة.
فلما طبع تفسير سورة الفيل، ووصلت نسخه إلى حيدراباد، وقف عليه الشيخ المعلمي ﵀، ورأى أن الدلائل التي احتج بها المعلِّم ﵀ أضعف من أن تقوم بما ذهب إليه في تفسير السورة، فعزم على تعقبه ونقده بمنهجه العلمي الرصين، فقال في مقدمة رسالته:
"أما بعد، فإني قد كنت وقفت على بعض مؤلفات العلامة المحقق المعلِّم عبد الحميد الفراهي ــ تغمده الله برحمته ــ كالإمعان في أقسام القرآن، والرأي الصحيح فيمن هو الذبيح، وتفسير سورة الشمس؛ وانتفعت بها وعرفت عبقرية مؤلفها. ثم وقفت أخيرًا على تفسيره لسورة الفيل، فألفيته قد جرى على سنته من الإقدام على الخلاف إذا لاح له دليل، وتلك سيرة يحمدها الإسلام، ويدعو إليها أولي الأفهام. غير أن الخلاف هنا ليس لقول مشهور، ولا لقول الجمهور، ولكنه لقول صرح به الجماهير، ولم ينقل خلافه عن كبير ولا صغير ... وقد بدا لي أن أتعقب المعلِّم ﵀ وأشرح ما يتبين لي من وفاق أو خلاف".
ترتيب الرسالة ومطالبها
أشار المعلمي ﵀ في مقدمة الرسالة إلى المنهج الذي سلكه في ترتيبها أولًا، ثم ما بدا له من العدول عنه إلى منهج آخر، فقال: "وقد كنت جريت على ترتيب المعلِّم ﵀ مساوقًا له، ثم رأيت الأولى أن أسلك
стр. 17
ترتيبًا آخر، فأبني رسالتي هذه على قسمين: الأول فيما يتعلق بالقصة رواية ودراية، الثاني: في تفسير السورة".
أما القسم الأول فيشتمل على ثمانية فصول، وقد رقّمها ﵀ بحروف الأبجد من الألف إلى الحاء دون أن يضع لها عناوين. وقد سبق أن رأينا أن تفسير المعلِّم ﵀ يحتوي على ١٥ فصلًا، فالمعلمي ﵀ تجاوز في هذا القسم الفصول الخمسة الأولى منها، وبدأ بالكلام على ما ورد في الفصل السادس وما بعده إلى الفصل الخامس عشر، إلَّا ما ذهب إليه المعلِّم ﵀ في تفسير ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ فإنه أخّره كما قال إلى القسم الثاني.
والفصول الخمسة المذكورة من تفسير المعلِّم ﵀ منها فصلان نفيسان ــ وهما الرابع والخامس ــ في بيان ما فضّل الله به بيت الله وأهله على سائر المعابد وذويها، وأمور مهمة تتعلق بتقديس المسجد وحفظه، ولم يكن فيهما شيء ينقده المعلمي ﵀، فلم يتعرض لهما.
أما الفصول الثلاثة الأولى فهي في تفسير ألفاظ السورة وعمودها وارتباطها بما قبلها وما بعدها وتعيين الخطاب فيها. وقد خالف المعلمي ﵀ بعض ما جاء فيها، ولكنه تكلم عليه عندما فسر هو السورة في القسم الثاني.
- عقد المعلِّم ﵀ الفصل السادس بعنوان "إجمال القصة حسب ما نص عليه القرآن"، وقال:
"إن قصة أصحاب الفيل لها إجمال وتفصيل، أما مجملها فهو الذي نص عليه القرآن، وأما تفصيلها فأخذوها من الروايات المختلفة المتفاوتة
стр. 18
في الصحة والضعف، والمفسرون يذكرون تفاصيل القصص من غير بحث عما ثبت وعما لم يثبت، وهذا ربما يعظم ضرره، وربما يصرف عن صحيح التأويل. فلا بد أولًا من الفرق بين المنصوص وبين المأخوذ من الروايات، ثم لا بد ثانيًا من التمييز بين ما ثبت وبين ما لم يثبت" (ص ١٥).
ثم نظر المعلِّم ﵀ في الروايات ثلاث نظرات: الأولى فيما زعموا من سبب مجيء أبرهة ومما جرى بينه وبين أهل مكة، والثانية فيما كان من رمي أصحاب الفيل، والثالثة في أمر الطير. وافتتح النظرة الأولى بقوله:
"كل ما ذكروا من سبب مجيء أبرهة لغضبه على العرب ومن فرار أهل مكة ومما جرى بين أبرهة وعبد المطلب لم يثبت من جهة السند، فإن كل ذلك لا يجاوز ابن إسحاق، ومعلوم عند جهابذة أهل الحديث أنه يأخذ الروايات من اليهود وممن لا يوثق به. ثم يبطل هذه الأمور روايات أخر، ويبطله ما ثبت عندنا من عادات العرب. ومما يدل على كونها من أكاذيب الأعداء أنها ما تعمدت إلا غضاضة من العرب وحميتهم، وإهانة لرئيسهم عبد المطلب القرشي، وتنويهًا بحسن خلق أبرهة الحبشي ومسبة على من هيجه على هدم الكعبة، وبسطًا لعذره إذا انتصر لكنيسته. فلم يترك الكذابون شيئًا من الذلة والمنقصة والعار والشنار إلا نسبوها إلى العرب وقريش ورئيسها، فلا نكتفي هاهنا بإرسال القول فيها بل نذكر لك الوجوه التي تدل على كذب هذه الروايات" (ص ١٦).
ثم ذكر سبعة وجوه تدل عنده على كذب الرواية، والسادس منها أنهم زعموا أن أبرهة كان رجلًا حليمًا، وإنما هيجه أحد بني فقيم إذ دخل كنيسته
стр. 19
ونجّسها. وعلّق المعلِّم ﵀ على ذلك بأنه يبطل "هذه الرواية سائر أحوال أبرهة وتعصبه في دينه ... " (ص ١٨).
بدأ الشيخ المعلمي ﵀ رسالته بنقد هذا الوجه السادس، فذكر في الفصل الأول (ألف) أن ابن إسحاق لم ينفرد بقصة تقذير الكنيسة، وأنه ليس فيها ما يُعدّ غضاضة من العرب أو عذرًا لأبرهة، غير أن القضية لم تثبت من جهة الرواية.
- وقد استدل المعلِّم ﵀ في الوجه الثاني بما ورد في القصة أن أبرهة أكرم عبد المطلب غاية الإكرام، لكن لما كلمه عبد المطلب في إبله قال له أبرهة: أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، فلا تكلمني فيه! وعلق المعلِّم عليه قائلًا: "فهل يمكن أن يترك عبد المطلب التكلم في أمر البيت بعدما رأى وسمع من أبرهة ما يستيقن به أنه لو سأله الانصراف عن هدم البيت لفعل، ثم إنه لم يترفع عن المجيء إليه والسؤال لإبله" (ص ١٧).
تكلم المعلمي ﵀ على هذا الوجه في الفصل الثاني (ب) وقال: "ليس في القصة ما يحصل به الاستيقان بل ولا الظن ... " وذكر احتمالات أخرى تكون سببًا لما جرى بينهما، وأخيرًا لم يستبعد أن في القصة مبالغة في تصوير احترام أبرهة لعبد المطلب.
والوجوه الأخرى التي تدل عند المعلِّم ﵀ على كذب الرواية، ومنها ما استدل به على وقوع القتال بين العرب وأبرهة، قد تكلم عليها المعلمي ﵀ في الفصلين (ج، د)، وردّها، وكشف عن وهم المعلِّم ﵀ في بعضها. ثم ذكر هو عدة أدلة على أن أهل مكة لم يقاتلوا أبرهة، ومنها:
стр. 20
"أن كل من له إلمام بأخبار العرب يعرف شدة حرصهم على رواية أخبار أيامهم وحفظها وتردادها في الأسمار وتقييدها بالأشعار ... وبين أيدينا أخبارهم في حرب البسوس وحرب داحس وغير ذلك نجدها مروية بتفصيل بأسماء فرسانهم وخيلهم وقاتلهم ومقتولهم، وكيف كان القتال، وكم استمر، إلى غير ذلك من الجزئيات ... فكيف يعقل مع هذا أن يكونوا قاتلوا أبرهة، وقتلوه في المعركة، ثم لا يوجد لذلك في أخبارهم وأشعارهم أثر؟ ... " (ص ٣٠ - ٣١).
- وقد ذهب المعلِّم ﵀ إلى أن الطير أرسله الله تعالى لتطهير ناحية مكة من جيف القتلى، وقال: إن النظر في الروايات يكشف عن فريقين متباينين في تصوير هذه القصة، ثم ذكر مواضع الاختلاف، ورجح ما نسبه إلى الفريق الأول، وأيَّده مستدلًّا بكلام العرب على أن الرمي كان من السماء والريح.
استعرض المعلمي ﵀ الروايات المذكورة، وأثبت أن الرواة ليسوا فريقين مختلفين، وإنما وقع الاختلاف في بعض الأمور الجزئية، ورمي الطير قد أشار إليه الفريقان معًا، بل لم ينفه أحد قبل المعلِّم ﵀. ثم أورد من مخطوطة كتاب "المنمق" لابن حبيب (١) شعرًا فيه تصريح برمي الطير كقول نفيل بن حبيب الذي شهد الواقعة:
_________
(١) قد استنسخت دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد نسخة من كتاب "المنمق" بعد اللتيا والتي من أصله الفريد المحفوظ في مكتبة ناصر حسين الشيعي بمدينة (لكنَؤُو). وذلك سنة ١٩٣٢ م، بعد وفاة المعلِّم ﵀ بسنتين. وقد رجع الشيخ المعلمي ﵀ إلى هذه النسخة التي ظلت محفوظة في خزانة الدائرة إلى أن نشرته سنة ١٣٨٤=١٩٦٤ م.
стр. 21
حتى رأينا شعاع الشمس يستره ... طيرٌ كرَجْلِ جرادٍ طار منتشرِ
يرميننا مقبلاتٍ ثم مدبرةً ... بحاصب من سواء الأفق كالمطر
وكان المعلِّم ﵀ قد استدل بما جاء في رواية سعيد بن جبير أنها "طير خضر لها مناقير صفر تختلف عليهم" بأنها أكلت جثث الموتى، فردّ عليه المعلمي ﵀ بأن الجملة (تختلف عليهم) صفة للطير، وليست صفة للمناقير، والمقصود باختلافها مجيئها وذهابها.
- عقد المعلمي ﵀ الفصل السابع (ز) لبيان ما يكون ــ فيما يظهر له ــ باعثًا للمعلِّم ﵀ على إنكار رمي الطير. وذكر ثلاثة أمور: الأول أن يتهيأ له دعوى أن قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ للخطاب، فيستدل بذلك على أن أهل مكة قاتلوا. والثاني ما ذكره المعلِّم ﵀ بقوله: "من ينظر في مجاري الخوارق يجد أن الله تعالى لا يترك جانب التحجب في الإتيان بها، كما هي سنته في سائر ما يخلق، لأن حكمته جعلت لنا برزخًا بين عالمي الغيب والشهادة، وسنَّ لنا التشبث بالأسباب مع التوجه إلى ربها، ليبقى مجال للامتحان والتربية لأخلاقنا".
وعلق المعلمي ﵀ على ذلك بقوله: "تحقيق هذا البحث يستدعي النظر في حكمة الخلق، وقد أشار إليها الكتاب والسنة، وتكلم فيها أهل العلم، وأوضحتُ ذلك في بعض رسائلي، وألخص ذلك هنا".
وهذا بحث نفيس، ذكر فيه المعلمي ﵀ أن الخوارق كلها لا يكون فيها حجاب، بل منها ما يكون مكشوفًا لحكمة تقتضي ذلك، ومن ذلك الآيات القاضية التي تقترحها الأمم المعاندة على أن يعاجلها العذاب إن لم تؤمن. ومن ذلك الآيات التي يقع بها العذاب، فإنها ليست لإقامة حجة
стр. 22
فيناسبها الحجاب. ودلل على أن الرمي في واقعة الفيل لم يكن لإقامة حجة، وإنما كان آية عذاب. ومثل ذلك لا يستدعي الحجاب، بل كان هناك مانعان من الحجاب والتسبب والمباشرة.
والأمر الثالث الذي يرى المعلمي ﵀ أنه قد يكون باعثًا على إنكار رمي الطير "أن بعض فلاسفة الإفرنج وكُتَّابهم وأذنابهم من الملحدين ينكرون الخوارق، ويسخرون منها، ويعدّون ذكرها في القرآن برهانًا على اشتماله على الكذب. وعلماء المسلمين شديدو الغيرة على القرآن، والحرص على تبرئته عن المطاعن، فقد يحمل بعضهم ذلك على أن يتأول بعض النصوص القرآنية، ويحمله على معنى لا ينكره القوم".
ثم قال: "لست أقول: إن المعلِّم رحمه الله تعالى ممن يمكن أن يختار تأويلًا يعلم ضعفه، ولكن قد لا يبعد أن تكون شدة غيرته على القرآن، وحرصه على دفع الطعن عنه، مما قرّب ذاك التأويل إلى فهمه".
وهنا أريد أن أضيف أن المعلِّم ﵀ لم يكن من ذلك الصنف من العلماء الذين يتأثرون بكلام الإفرنج والملحدين، بل كان من العلماء الراسخين، ولم يزده تضلعه من الإنجليزية ودراسته للعلوم الحديثة إلا استقامة ورسوخًا، كما شهد بذلك أصدقاؤه ومعارفه. وهو الذي قال في خطبة تفسيره:
"فكأني نذرت نذرًا: أن أتمسك بآيات الله ونظامها، فلا أجاوز عنها شبرًا ... مجتنبًا غلوًّا في الدين، فلم أكن متخذ الباطنية بطانةً، ولا الظاهرية ظهرًا. مفارقًا من لم يفرق بين سنّة الله وسنن المخلوقات، فكذّب ببينات القرآن، وحرّف آياته زورًا ومكرًا. قائلًا للمبتدعة كلّهم: حِجْرًا، وللملحدين جميعهم: بَهْرا" (١).
_________
(١) انظر: "نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان" للفراهي، طبعة دار الغرب الإسلامي (١٢).
стр. 23
والمقصود بالبينات هنا: المعجزات، فلم يكن ﵀ ممن يضيق صدره، وينتفخ سحره بها. وانظر إلى قوله في فصل بعنوان "مغالطة من أنكر بالمعجزات":
"وأخطأ من ظنّ أن الطبائع من سنة الله ... وهذا الخطأ منهم انجر إلى عثرةٍ كبيرةٍ، وهي أن خرق عادات الأشياء محال، فأنكروا بصريح القرآن والكتب السماوية، وحرفوا النصوص الواضحة إلى الأباطيل الفاضحة" (١).
وقال في موضع آخر: "ظنوا أن المراد من سنة الله طبائع الخلق كلها، فالنار مثلًا لا بد أن تحرق الإنسان ... وعلى هذا أنكروا المعجزات. وغرَّهم أقوال من سمى هذه الطبائع سنة الله، وأول من استعمل كلمة (سنة الله) في هذا المعنى هم أصحاب رسائل إخوان الصفاء ... " (٢).
ومن هنا لما سُئل المعلِّم ﵀ يوم كان طالبًا في كلية عليكره ترجمة تفسير السيد أحمد خان مؤسس الكلية (١٢٣٢ - ١٣١٥)، وقد أوّل فيه جميع الآيات التي ذكر فيها الخوارق= أبى قائلًا: "لن أشارك في نشر هذا الإثم" (٣).
- وقد ذهب المعلِّم ﵀ إلى أن رمي الجمرات في الحج تذكار لرمي أصحاب الفيل، سواء كان الرمي من العرب أو من الطير وقال: "ولم أجد في صحاح الأخبار ذكرًا في سبب سنة رمي الجمار، فلو ثبت فيه شيء
_________
(١) القائد إلى عيون العقائد (١٦١).
(٢) القائد إلى عيون العقائد (١٦٥).
(٣) ذكر فراهي (١١٩).
стр. 24
من طريق الخبر لأخذنا به، وقرَّت به العينان، ولكنه لم يثبت، وأمر الدين ليس بهيّن، وقال النبي ﷺ : "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع"، فعمدنا إلى طريق الاستنباط، فإن المستنبط من الصحيح الثابت أولى بالصواب من الصريح الذي لم يثبت". ثم ذكر أمارات ووجوهًا تبين أن مناسبة رمي الجمار لرمي أصحاب الفيل أظهر من مناسبته لرمي الشيطان.
تكلم المعلمي ﵀ على هذه المسألة في الفصل الثامن (ح)، وذكر بعض الروايات الجيدة التي وردت في رمي الجمار، ورجح أن تعرض الشيطان لإبراهيم كان ليصده عن معرفة المناسك والإتيان بها.
وذكر أن ما جاء في بعض روايات الابتلاء بالذبح أن الشيطان تعرض لإبراهيم فلم يجده من وجه يثبت، فإن صح فهي قصة أخرى غير هذه. ثم تناول الشيخ الأمارات والوجوه التي ذكرها المعلِّم ﵀ بنقد مفصل.
أما القسم الثاني من الرسالة فرتبه المعلمي ﵀ على مقدمة وبابين. المقدمة في عمود السورة وربطها بالتي قبلها والتي بعدها، ورجح أن عمودها ــ يعني موضوعها، وهو من مصطلحات المعلِّم ﵀ ــ تهديد العصاة الذين ألهاهم التكاثر عن الآخرة، بينما يرى المعلِّم ﵀ أن عمودها هو الامتنان على قريش.
وجعل عنوان الباب الأول: "في تفسير السورة على ما أفهم وفاقًا لأهل العلم"، وفسر السورة آية آية، وتحت كل آية فصول رقّمها بالعدد لا بحروف الجمّل كما فعله في القسم الأول. وفسر الآية الأولى في ثمانية فصول أولها عن دلالة الاستفهام في الآية، فبيّن أصل معنى الاستفهام والمعاني الأخرى المجازية، وتكلم عليها كلامًا حسنًا.
стр. 25
والفصل الثالث تحت هذه الآية في الخطاب فقال: "اتفق المفسرون ــ فيما أعلم ــ على أن الخطاب للنبي ﵌، إلا أن الآلوسي أشار إلى احتمال خلاف ذلك ... واختار المعلِّم رحمه الله تعالى أولًا عموم الخطاب، قال: (فاعلم أن الخطاب هنا متوجه إلى جميع من رأى هذه الواقعة أو أيقن بها من طريق تواتر الحكاية ممن رآها). وأطال في تقريره".
وعقب على ذلك بقوله: "أرى أن المعلِّم رحمه الله تعالى أجاد باختيار هذا الوجه، وإن لم يُنقل عمن تقدم ... وهو مع ذلك الأوفق بما يقتضيه المقام من تقرير الواقعة، وبيان ظهورها واشتهارها، والإبلاغ في الوعيد والتهديد والامتنان".
وهكذا فسر المعلمي ﵀ سورة الفيل كاملة، وبيّن في أثناء تفسيره ما خالف فيه المعلِّم ﵀.
- وخصص الباب الثاني من هذا القسم للبحث مع المعلِّم ﵀ فيما ذهب إليه في تفسير قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ وقال: "قد نبهت في مقدمة هذا القسم الثاني وأثناء الباب الأول منه على مواضع مما خالفت فيه المعلم، ووجهت ذلك بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. وأخرت الكلام في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ لطوله. وأرى أن أقدم فوائد وقواعد ينبني عليها البحث معه، فهاكها".
وهي ست عشرة فائدة وقاعدة تتعلق بمسائل الحال، والاستئناف البياني، وجواز وضع الماضي موضع المضارع، ووقوع المجاز وإنكاره. وقد سقط منها ثلاث فوائد كاملة وهي: ١١، ١٢، ١٣ مع جزء من أول الفائدة ١٤، إذ وقع في النسخة خرم (ص ١٧ - ٣٠) ذهب بأربع عشرة صفحة.
стр. 26
وقد استغرقت هذه الفوائد الصفحات (١٤٣ - ١٨٢)، وبدأ البحث من (ص ١٨٣)، ولكن قال في حاشية الصفحة (١٨٩): "انظر الفائدة الـ من الذيل" (كذا). ونحوه في (ص ١٩٨) قال: "انظر الفائدة العاشرة من الفوائد الآتية في الذيل"، وكذلك الحاشية التي تليها. وقد زاد المؤلف هذه الحواشي فيما بعد، فالظاهر أنه بدا له عند مراجعة ما كتبه أن يؤخر الفوائد السابقة إلى آخر الرسالة، ولكن ذلك كان يقتضي التعديل في مقدمة القسم الثاني وتقديم الفصل التالي للفوائد عليها.
ومع أن جملة الكلام على المسألة قد تمت، ولكن يظهر أن المؤلف ﵀ لم يكمل رسالته، إذ لم يختمها بكلمة تدل على الفراغ منها.
- أما أسلوب المعلمي ﵀ في مناقشته وتعقبه، فهو أسلوب علمي هادئ رصين، لا تهجم فيه، ولا تجريح، ولا اتهام. فهو يحترم المنقود، ويحسن الظن به، ويلتمس له العذر، ويتحرى النصفة.
(٤) نسخة الرسالة:
النسخة التي بين أيدينا هي مصورة من فُليم (ميكروفلم) محفوظ في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم ٣٥٥٧ ف، وعنوانها: "رسالة في التعقيب على المعلِّم عبد الحميد الفراهي"، وقد رقمت صفحاتها فبلغت ١١٦ صفحة، وقد تجاوز الترقيم ورقتين بعد الصفحة الخامسة عشرة، لأنهما ليستا جزءًا من هذه الرسالة. وقد سقطت في التصوير الصفحتان ٣٤ و ٣٥، فنسختهما من الأصل المخطوط.
ورقم الأصل ٤٦٤٥، وهو دفتر فيه ستون ورقة وقد جلّد معه دفتر آخر،
стр. 27
والترقيم المتسلسل بلغ ٨٢ ورقة. وتشتمل النسخة على عدة رسائل أولها هذه الرسالة. وهذه مبيضة وبخط المؤلف. وكتب في صفحة الغلاف بخط آخر: "رسالة في التفسير وتفسير قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية". وتبدأ رسالتنا في الورقة الثانية/أ، ورقمت بالمرسام برقم ١، وقد استغرقت أوراق الدفتر الأول.
وهي مبيضة كما قلنا، ولكن ظل المؤلف ﵀ يأخذها بالحذف والإضافة والتعديل والاستدراك والإلحاق. فقد ضرب على الصفحات ٤٧، ٤٨، ١٠٩، ١١٦ كاملة، وعلى نصف الصفحة ٤٦، وكذلك على نصف الصفحة ٤٩. ونجد إلحاقات طويلة في الصفحتين ٧٤ - ٧٥. وانظر ص ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٥٧، ٥٨.
هذه النسخة تشتمل على القسم الأول ومن القسم الثاني على المقدمة والباب الأول فقط. فلا يوجد فيها الباب الثاني الذي تكلم المؤلف ﵀ فيه على تفسير ﴿تَرْمِيهِمْ﴾. وكنا نظن أن هذا الباب إما أن المؤلف ﵀ لم يتمكن من كتابته، أو أنَّه قد كتبه ولكنه ضاع، فإن الأستاذ عبد الله بن عبد الرحمن المعلمي لم يذكر في معجمه إلا نسخة واحدة وذكر رقم فُلَيمها ٣٥٥٧ ف (١). فلما صدر أخيرًا الفهرس المختصر لمخطوطات المكتبة رأيت فيه ذكر نسخة أخرى برقم ٤٧٨٥ تفسير، وأنها مختلفة الأسطر في دفترين (٢). فراجعتها في المكتبة، والدفتران من مشتريات حيدراباد. والدفتر الأول منهما
_________
(١) معجم مؤلفي مخطوطات مكتبة الحرم المكي الشريف (٤٦٠).
(٢) الفهرس المختصر لمخطوطات مكتبة الحرم المكي الشريف (١/ ٥٤٣).
стр. 28
يشتمل على مسودة التعقيب (وهي في ٤٦ صفحة من أولها) ومسائل أخرى. وفي الدفتر الثاني ظفرنا بمبيضة الباب الثاني من القسم الثاني وهي في ٦٦ صفحة، فاكتملت الرسالة بحمد الله.
ولعل المفهرس السابق ظن أن ما في الدفترين كليهما مسودة بيَّضها المؤلف في النسخة السابقة، فاكتفى بتصويرها، ولم يدر أن التي أهملها تتضمن جزءًا مهمًّا من الرسالة. فطلبت إلى المسؤولين أن يتفضلوا بتصوير الباب الثاني من هذه النسخة. وجزى الله خير الجزاء الدكتور محمد بن عبد الله باجودة مدير مكتبة الحرم المكي الشريف، والشيخ محمد بن سيد أحمد مطيع الرحمن مدير قسم المخطوطات فيها على استجابتهما لطلبنا، ثم إتاحة الفرصة لمراجعة الأصول أكثر من مرة.
هذه المبيضة أيضًا بخط المؤلف، وهي كالمبيضة الأولى في الحذف والإضافة والاستدراك والتعديل، والتقديم والتأخير فأشبهت المسودة.
ومن منهج المؤلف في الإحالات أنه يذكر اسم الكتاب في الحاشية فإذا كان في مجلدين أو أكثر يتبعه رقم المجلد ورقم الصفحة بين القوسين، وإلا يذكر رقم الصفحة بعد حرف الصاد دون قوسين. وقد ترك أحيانًا بعد اسم الكتاب بياضًا بين قوسين، ليكمل الإحالة على المجلد والصفحة فيما بعد. وقد يذكر رقم المجلد ويترك رقم الصفحة، وخاصة في الإحالة على سيرة ابن هشام بهامش الروض الأنف لعلمه بوجود المبحث المذكور في المجلد الأول.
وفي تخريج الآيات التزم الشيخ الإحالة على اسم السورة ثم رقمها
стр. 29
ورقم الآية كليهما مثل: "سورة الطلاق (٦٥/ ١) ".
وفي الصلاة والسلام على النبي ﷺ التزم ذكر آله: "﵌". والجدير بالذكر أنه التزم هذه الصيغة في النقول التي يوردها من كلام غيره، وكذلك التزمها في الأحاديث التي نقلها مع أنها لم ترد فيها هذه الصيغة.
(٥) طريقة العمل في نشر هذه الرسالة
سرت في تصحيح هذه الرسالة والتعليق عليها على المنهج الآتي:
١ - سُلِّمت إليّ للتصحيح نسخة منقولة من مصورة المبيضة، فقرأتها وقابلتها على المصورة. وقد وجدت فيها ورقة ناقصة، فسافرت إلى مكة المكرمة، وزرت مكتبة الحرم المكي الشريف في ٢٩/ ٣/١٤٢٨، ونسخت الورقة من الأصل المحفوظ في المكتبة. ثم اكتشفت نسخة الباب الثاني من القسم الثاني، فصورتها من المكتبة، وكانت مواضع كثيرة لم تظهر في الصورة، فزرت المكتبة مرة أخرى في ١٧/ ١١/١٤٢٩، وصححت تلك المواضع واستدركتها من الأصل.
٢ - أُثبتت تعليقات المؤلف في أماكنها وخُتمت بكلمة [المؤلف] بين حاصرتين. وحاولت أن لا أعلق إلا عند الضرورة، وإذا زدت ضمن تعليق المؤلف مصدرًا أو طبعة غير التي أحال عليها هو وضعت الزيادة بين حاصرتين.
٣ - الطريقة المتبعة في تخريج الآيات في كتب المشروع أن يذكر اسم السورة ورقم الآية بعد الآية في داخل النص، وكان المؤلف ﵀ قد
стр. 30
خرجها في الحاشية وذكر بعد اسم السورة رقمها أيضًا كما سبق، ولكنه لما لم يلتزم هذه الطريقة في كتبه الأخرى بل كان أحيانًا يقتصر على رقم السورة ورقم الآية، أو اسم السورة ورقم الآية= تقرَّر أن يكون تخريجها في جميع كتبه على الطريقة المتبعة في المشروع.
٤ - في بعض الإحالات لم يذكر المؤلف رقم الصفحة أو رقم المجلد ورقم الصفحة كليًّا، فتركتها كما هي، لأن الطبعة التي اعتمدها ليست بين يدي، وزدت بين حاصرتين طبعة أخرى مع رقم المجلد والصفحة.
٥ - لم يضع المؤلف ﵀ عنوانًا لهذه الرسالة، وقد سماه المفهرس في خانة عنوان المخطوط: "رسالة في التعقيب على المعلِّم عبد الحميد الفراهي". وبهذا العنوان ذكره الأستاذ عبد الله بن عبد الرحمن المعلمي في معجمه (١). وكذا في الفهرس الجديد الذي صدر قريبًا لمخطوطات مكتبة الحرم المكي (٢). وقد اخترت هذا العنوان مع زيادة: "تفسير سورة الفيل" للتوضيح.
وفي الأصل كتب في صفحة العنوان: "رسالة في التفسير". وفي الدفتر الأول من المسودة كتب في ورقة صغيرة: "رسالة في الرد على العلامة المحقق المعلِّم عبد الحميد الفراهي في تفسير سورة الفيل لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي". وفي هذا الدفتر نفسه كتب بعضهم فيما بعد: "بحث في تفسير سورة الفيل". وهذا الكاتب نفسه كتب في الدفتر الثاني: "بحث في تفسير سورة الفيل والرد على عبد الحميد". وكل أولئك اجتهاد
_________
(١) معجم مؤلفي مخطوطات مكتبة الحرم المكي الشريف (٤٦٠).
(٢) الفهرس المختصر لمخطوطات مكتبة الحرم المكي الشريف (١/ ٥٤٣).
стр. 31
من المفهرسين أخذًا من مضمون الرسالة، وليس شيء منها بخط المعلمي ﵀.
هذا، وقد وقفت على فُلَيم الرسالة برقم ٤٦٤٥ ف في مكتبة الحرم المكي الشريف سنة ١٤١٨، وكانت حينئذ في مقرها الموقت في شارع المنصور، ثم علمت أن أحد الباحثين معنيّ بنشرها، فانتظرت نشرته. ولما تقرر نشر مؤلفات المعلمي ﵀ ضمن هذا المشروع المبارك، وارتبطت به، وُكل إليّ إخراجها، وكان من فضل الله وتوفيقه أن أوقفنا على باب من الرسالة لم يكن معروفًا من قبل، وهو الباب الثاني من القسم الثاني، ويبلغ نحو الربع من صفحات الرسالة، وبإضافته اكتملت الرسالة في جملتها، والحمد لله، ولم يبق فيها غير خرم واحد مقداره أربع عشرة صفحة، كما سبقت الإشارة إليه.
وبعد، فقد فرغت من تحقيق الكتاب وتحرير هذه المقدمة في سلخ شعبان سنة ١٤٣٠، ثم شُغلت بأعمال أخرى. وبأخرة عثر أخي الشيخ علي العمران على عشر صفحات (٢١ - ٣٠) من الخرم المذكور ضمن مجموع برقم ٤٧٠٦، وقد وردت فيه الصفحات (٢٧ - ٣٠) قبل (٢١ - ٢٦) لأن الذي رتَّب الأوراق لم يعرف طريقة المؤلف في كتابة الرقم (٢)، فظنَّه (٣)، فلما ظنَّ أنَّ (٢١) هو (٣١) وضع (ص ٢٧ - ٣٠) قبل (ص ٢١).
هذه الصفحات تضمنت فائدتين: الثالثة عشرة، وقد استغرقت النصف الأول من (ص ٢١)، ثم بدأت الفائدة الرابعة عشرة.
стр. 32
ويلحظ الناظر في هذه الصفحات:
١ - أن الفائدة الرابعة عشرة قد تمت في السطر السادس من (ص ٢٤) وترك المؤلف سائر الصفحة فارغًا.
٢ - موضوع هذه الفائدة: الفرق بين الجملتين الحاليتين في قولك: "جئتَ تسرع"، و"جئتَ وأنت تسرع".
٣ - بدأت (ص ٢٥) برقم (١٤) مرة أخرى، وكان من قبل رقم (١١)، فغيَّره المؤلف، ثم كتب: "تقرير المجاز في استعمال ما هو للحال فيما هو ماضٍ أو مستقبل". وهذا بحث طويل مستقل لا علاقة له بالفائدة السابقة، ثم هو الوحيد الذي وضع المؤلف له عنوانًا، وإن لم يكتبه بخط بارز في وسط الصفحة.
٤ - استمرَّ هذا المبحث إلى آخر (ص ٣٠) وتلاه في أول (ص ٣١) من الأصل: "فمن أمثلتهم المشهورة ... ". وهذه أمثلة المجاز المذكور.
وقد يقال: لعل المؤلف كتب أولًا رقم (١٤) ثم غيَّره إلى (١١)، والصفحات الأربع الضائعة تتضمن الفائدة الثانية عشرة فقط.
أستبعد ذلك لأن إحالة المؤلف على الفائدة (١١) تدل على أن موضوعها ليس استعمال ما هو للحال فيما هو ماضٍ أو مستقبل. (انظر ص ١٩٨). ثم إحالاته ﵀ على الفائدة الرابعة عشرة تصدق على الفائدة الواردة في (ص ٢١ - ٢٤) ومبحث "تقرير المجاز ... " جميعًا (انظر ص ١٩٩، ٢٠٦). ومن ثم رأينا إبقاءهما كما وردا في الأصل إلى أن يأذن الله بالعثور على الصفحات الأربع الباقية من الخرم (١٧ - ٢٠).
стр. 33
أسأل الله سبحانه أن ينفع بهذه الرسالة، وأن يتغمد برحمته الناقد والمنقود، وأن يجزل لهما المثوبة على اجتهادهما في تدبر كتابه الحكيم، وأن يكتبهما في أهل القرآن: أهل الله وخاصته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرياض
محمد أجمل أيوب الإصلاحي
سلخ رجب ١٤٣٣
стр. 34
نماذج مصورة من الأصل
стр. 35
الورقة الأولى من المخطوط الأول
стр. 36
الورقة الثانية من المخطوط الأول
стр. 37
الورقة الأولى من المخطوط الثاني
стр. 38
الورقة الأخيرة من المخطوط الثاني
стр. 39
رسالة في التعقيب
على تفسير سورة الفيل للمعلِّم عبد الحميد الفراهي
تأليف
عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي
تحقيق
محمد أجمل أيوب الإصلاحي
стр. 40
[ص ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل الكتاب قرآنًا عربيًّا غير ذي عوج، وندب إلى تدبره، واتباع ما فهم منه، ولم يجعل في الدين من حرج.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارِكْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فإني قد كنت وقفتُ على بعض مؤلفات العلامة المحقق المعلِّم عبد الحميد الفراهي ــ تغمده الله برحمته ــ كـ"الإمعان في أقسام القرآن" (١)، و"الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح" (٢)، و"تفسير سورة
الشمس" (٣)؛ وانتفعتُ بها، وعرفتُ عبقرية مؤلفها.
ثم وقفتُ أخيرًا على تفسيره لسورة الفيل (٤)، فألفيتُه قد جرى على