رسالة في التعقيب
على تفسير سورة الفيل للمعلِّم عبد الحميد الفراهي
تأليف
عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي
تحقيق
محمد أجمل أيوب الإصلاحي
стр. 40
[ص ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل الكتاب قرآنًا عربيًّا غير ذي عوج، وندب إلى تدبره، واتباع ما فهم منه، ولم يجعل في الدين من حرج.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارِكْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فإني قد كنت وقفتُ على بعض مؤلفات العلامة المحقق المعلِّم عبد الحميد الفراهي ــ تغمده الله برحمته ــ كـ"الإمعان في أقسام القرآن" (١)، و"الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح" (٢)، و"تفسير سورة
الشمس" (٣)؛ وانتفعتُ بها، وعرفتُ عبقرية مؤلفها.
ثم وقفتُ أخيرًا على تفسيره لسورة الفيل (٤)، فألفيتُه قد جرى على
стр. 41
سنته، من الإقدام على الخلاف إذا لاح له دليل. وتلك سيرة يحمدها الإسلام، ويدعو إليها أولي الأفهام؛ غير أن الخلاف هنا ليس لقولٍ مشهورٍ، ولا لقول الجمهور، ولكنه لقولٍ صرّح به الجماهير، ولم ينقل خلافه عن كبير ولا صغير.
ومثل هذا القول إن جاز خلافه في بعض المواضع، فإنه لا يكفي للإقدام على الخلاف فيه لائحة دليل، ولا رائحة تعليل؛ بل لا يغني فيه إلا حجة تزداد وضوحًا بتكرار النظر، ولا تلين لتأويل مقبول "حتى يلين لضرس الماضغ الحجر" (١). [ص ٢]
إذا عضّ الثِّقافُ بها اشمأزّتْ ... ووَلَّتْه عَشَوزَنةً زَبُونا
عَشَوزَنةً إذا انقلبتْ أرنَّتْ ... تشُجُّ قَفا المثقِّف والجَبينا (٢)
وقد تدبرتُ ما ذكره المعلِّم من الدلائل، فلم أرها كذلك، ولا قريبًا من ذلك إلا في بعض الفروع. وقد بدا لي أن أتعقب المعلِّم ﵀، وأشرح ما يتبين لي من وفاقٍ أو خلافٍ. وأسأل الله تعالى التوفيق.
هذا، وقد كنت جريت على ترتيب المعلِّم ﵀ مساوقًا له، ثم
стр. 42
رأيت الأولى أن أسلك ترتيبًا آخر، فأبني رسالتي هذه على قسمين:
الأول: فيما يتعلق بالقصة رواية ودراية.
الثاني: في تفسير السورة.
стр. 43
القسم الأول
[فيما يتعلق بالقصة رواية ودراية]
стр. 44
(ألف)
قال ابن إسحاق: "ثم إن أبرهة بنى القُلَّيس (١) بصنعاء، فبنى كنيسةً لم يُر مثلُها ... ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيتُ لك أيها الملك كنيسةً لم يُبن مثلُها لملك كان قبلك، ولستُ بمنتهٍ حتى أصرف إليها حجَّ العرب. فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النَّسَأة ... حتى أتى القُلَّيس، فقعد فيها ... فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف لَيَسيرنّ إلى البيت حتى يهدمه" (٢).
أنكر المعلِّم قضية القعود في الكنيسة، وذكر قول أهل العلم: إن ابن إسحاق يأخذ عن اليهود وعمن لا يوثق به، وجزم بأن القصة من أكاذيب الأعداء، قصدوا بها عيب العرب، واختلاق عذر لأبرهة (٣).
[ص ٣] قال عبد الرحمن: قد جاء عن الواقدي وابن الكلبي ما يشهد لقضية تقذير الكنيسة (٤). وليس في ذلك ما يعدّ عيبًا للعرب، ولا عذرًا لأبرهة؛ لأن فعل رجل واحد لعله لا يدري ما النصرانية، وإنما علم أن ذلك الحبشي بنى بيتًا يضارّ به بيت الله ، لا يُعدّ ذنبًا لجميع العرب. ولو أذنب جميع العرب لما كان ذلك ذنبًا لبيت الله تعالى. ولكن القضية لم تثبت من جهة الرواية. فالله أعلم.
стр. 45
(ب)
ذكر ابن إسحاق أن أبرهة أرسل يستدعي سيد أهل مكة وشريفها، فذهب إليه عبد المطلب، قال: "فأذن له أبرهة. قال: وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم، فلما رآه أبرهة أجلَّه وأعظمه وأكرمه عن أن يجلس (١) تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك ... فقال: حاجتي أن يردَّ عليّ الملكُ مائتي بعير أصابها لي" (٢).
قال المعلم: "فهل يمكن أن يترك عبد المطلب التكلم في أمر البيت بعد ما رأى وسمع من أبرهة ما يستيقن به أنه لو سأله الانصراف عن هدم البيت لفعل، ثم إنه لم يترفع عن المجيء إليه، والسؤال لإبله" (٣).
قال عبد الرحمن: ليس في القصة ما يحصل به الاستيقان، بل ولا الظن، فلعل عبد المطلب [ص ٤] رأى أن غرض أبرهة من إظهار احترامه أن يستميله ليرضى بهدم البيت، فيقول أبرهة للعرب: إنما هدمته برضا أهله. وقد يكون عبد المطلب صمم على التوكل على الله ، ولم يستجز أن يكدِّر توكله بسؤال ذلك الحبشي في شأن البيت. وقد يكون رأى أن ترك السؤال في شأن البيت أبلغ في تخويف أبرهة، إذ يقول في نفسه: ما ترك هذا الشريف السؤال في شأن البيت إلا لشدة وثوقه بحماية الله له، وإنما
стр. 46
يحصل له الوثوق بسوابق قد جرّبها وعرفها.
وفي سياق القصة ما يؤيد هذا، فإن فيها: "قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنتَ أعجبتَني حين رأيتك، ثم قد زهدتُ فيك حين كلَّمتني أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك ... ؟ قال له عبد المطلب: إني أنا ربُّ الإبل، وإنّ للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك! ".
أما سؤال عبد المطلب ردَّ إبله، فلم يكن شحًّا بالمال، وإنما كان أراد أن يقلِّدها، ويجعلها هديًا. ففي رواية الواقدي: "فلما قبضها قلَّدها النعال، وأشعرها، وجعلها هديًا، وبثّها في الحرم، لكي يصاب منها شيء، فيغضب ربّ الحرم" (١).
وقد جاء في رواية: أن أبا مسعود الثقفي كان بمكة، وكان شيخًا كبيرًا قد كُفَّ بصرُه، وله رأي وتجربة، فقال له عبد المطلب: ماذا عندك من الرأي؟ فهذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك. فقال أبو مسعود لعبدالمطلب [ص ٥]: اعمد إلى مائة من الإبل، فقلِّدها نعلًا، واجعلها لله، ثم ابثثها في الحرم، فلعل بعض السودان يعقر منها شيئًا، فيغضب رب البيت فيأخذهم (٢).
فلعل هذه المشورة كانت قبل أن يُستدعى عبد المطلب إلى أبرهة، وكان الحبشة قد استاقوا الأموال، فلم يكن عنده إبل، فلما استدعاه أبرهة عزم أن يسأل ردّ إبله ليعمل ما أشار به أبو مسعود. والله أعلم.
стр. 47
هذا، ولا يبعد أنه وقع في حكاية القصة مبالغة في تصوير احترام أبرهة لعبد المطلب. وقد قال ابن إسحاق بعد ما تقدم: "وكان ــ فيما يزعم بعض أهل العلم ــ قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة، حين بعث إليه حُناطةَ، يعمَرُ بن نُفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذٍ سيد بني بكر، وخويلدُ بن واثلة الهذلي، وهو يومئذٍ سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم. والله أعلم أكان ذلك، أم لا" (١).
وأخرج الحاكم في "المستدرك" بسند جيد عن ابن عباس ﵄ قال: "أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب فقال لملكهم: ما جاء بك إلينا؟ ما عناك؟ ... ألّا بعثت إلينا فنأتيك بكل شيء أردت؟ فقال: أُخبِرتُ بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلا أمِنَ، فجئتُ أخيف أهله. فقال: إنا نأتيك بكل شيء تريد، فارجع. فأبى إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه. [ص ٦] فتخلّف عبد المطلب، فقام على جبل، فقال: لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله، ثم قال: ... (الأبيات الدعائية محرفة). فأقبلت مثلُ السحابة من نحو البحر حتى أظلّتهم طيرٌ أبابيلُ التي قال الله : ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: فجعل الفيل يعِجُّ عجًّا ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد"، وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك": "صحيح" (٢).
стр. 48
وسيأتي في فصل (هـ) رواية أخرى عن ابن عباس، قال الحافظ: إن سندها حسن.
(ج)
قال ابن إسحاق: "فلما نزل أبرهة المغمّس بعث رجلًا من الحبشة يقال له: الأسود بن مفصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل تهامة ... فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك وبعث أبرهةُ حُناطةَ الحميري إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفها، ثم قل له: إن الملك يقول لك: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت ... فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك منه طاقة (١). هذا بيت الله الحرام ... فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرُّز في شَعَف الجبال والشعاب؛ تخوفًا عليهم من معرة الجيش ... وانطلق هو ومن معه إلى شَعَف الجبال، فتحرزوا فيها ... " (٢).
[ص ٧] اشتد نكير المعلِّم رحمه الله تعالى على هذه القصة، وردّها بأمور:
الأول: أنها لم تثبت من جهة الرواية.
الثاني: أن ابن إسحاق كان يأخذ عن كل أحد.
الثالث: "ورود خلاف ذلك بروايات أخرى".
الرابع: ما عرف عن العرب من النجدة والحمية.
стр. 49
الخامس (١): أن العلم بأن البيت بيت الله يقتضي الدفاع عنه، لا إسلامه.
السادس: أن أهل السير يروون أن القبائل قاتلت أبرهة في طريقه، فكيف جبنت قريش ومن معها، وهم أهل البيت وشرفه.
السابع: أن أهل السير يذكرون أن قدوم أبرهة كان في موسم الحج. وأيده المعلِّم بقول قائلهم، وقد ذكره ابن إسحاق في هذه القصة:
اللهمَّ أخْزِ الأسودَ بن مقصود ... الآخذَ الهجمةِ فيها التقليدْ
يعني: فقوله: "فيها التقليد" يصرح بأن الإبل كانت مقلَّدة، وإنما تُقلَّد إذا كانت هديًا، وإنما يُساق الهدي في موسم الحج.
وأيده أيضًا بأن القرآن ذكر كيد أصحاب الفيل، والكيد: هو المكر، والتدبير الخفي. وإنما يتحقق ذلك بقدومهم في الأشهر الحرم رجاءَ أن لا يقاتلهم العرب، لأنهم كانوا يحرمون القتال في الأشهر الحرم؛ وبعزمهم على دخول مكة حين يخليها أهلها مشتغلين بالحج، وعلى أن يكون هجومهم أيام التشريق، والعربُ حينئذٍ إما واقفون بمنى، أو مسرعون إلى أوطانهم. فإذا ثبت أن قدوم أبرهة كان في الموسم، فالعرب حينئذٍ مجتمعون للحج، فكيف يقاتل بعض قبائلهم في الطريق، ولا يقاتل جميعهم عند البيت؟
الثامن: "أنهم عابوا [ص ٨] ثقيفًا لفرارهم عن حماية الكعبة، كما قال ضِرار بن خطّاب:
وفرّت ثقيفُ إلى لاتها ... بمنقلَب الخائبِ الخاسر
стр. 50
والروايات متفقة على موافقة ثقيف بأبرهة، ورجم قبر أبي رِغال الثقفي الذي صار دليلًا لجيشه. فلو فرّت العرب كلُّها مثل ثقيف لما عابوا ثقيفًا، ولا لعنوا رئيسها أبا رِغال، وظنّوا لعله كان قد أُكرِه".
هذا خلاصة ما ذكره المعلِّم في هذا المعنى (١).
قال عبد الرحمن: لم ينفرد ابن إسحاق بذكر ما يدل على عزم قريش أن لا يقاتلوا ، فقد وافقه الواقدي عن شيوخه (٢)، وغيره، ودل حديث ابن عباس الذي تقدم عن "المستدرك" أنهم كانوا لا يرون فائدة للدفاع.
وأما ورود روايات أخرى مخالفة، فلم أقف على شيء منها، إلا ما في "السيرة الحلبية": "ويقال: إن عبد المطلب جمع قوّته وعقد راية، وعسكر بمنى ... ثم ركب عبد المطلب لما استبطأ مجيء القوم إلى مكة ينظر ما الخبر، فوجدهم قد هلكوا" (٣).
وما أكثر ما في تلك السيرة من الأباطيل محكية بـ"يقال"، و"قيل"!
وأما نجدة العرب وحميتهم فحق، ولكن لكل شيء حد. كان أبرهة ملكًا مسلّطًا باليمن، [ص ٩] وقد تناول ملكه غير اليمن من بلاد العرب، فقد جاء أنه طلع نجدًا، وتناول أطراف العراق.
"قال أبو عمرو الشيباني: كان أبرهة حين طلع نجدًا أتاه زهير بن جناب، فأكرمه أبرهة، وفضّله على من أتاه من العرب، ثم أمّره على ابني وائل: تغلب
стр. 51
وبكر، فوليهم ... " (١).
وقال ابن قتيبة: "زهير بن جناب هو من كلب، جاهلي قديم، ولما قدمت الحبشة تريد هدم الكعبة بعثه ملكهم إلى أرض العراق، ليدعو من هناك إلى طاعته ... " (٢).
وقال أبو حاتم السجستاني: "قال الشرقي بن قطامى ... قال: وقال المسيّب بن الرَّفِل الزهيري من ولد زهير بن جناب:
وأبرهةُ الذي كان اصطفانا ... وسوَّسَنا وتاجُ الملك عالي
وقاسَمَ نصفَ إمرته زهيرًا ... ولم يك دونه في الأمر والي
وأمّره على حيَّيْ معدٍّ ... وأمَّره على الحيّ المُعالي
على ابني وائل لهما مهينًا ... يردُّهما على رغم السِّبالِ
بحبسهما بدار الذلّ حتّى ... ألمّا يهلكان من الهزالِ (٣)
وفي قصيدة للنَّمِر بن تَولَب:
أتى حصنَه ما أتى تُبّعًا ... وأبرهةَ الملِكَ الأعظما (٤)
стр. 52
وقال لبيد:
لو كان حيٌّ في الحياة مخلَّدًا ... في الدهر أدركه أبو يكسومِ
والحارثان كلاهما ومحرّقٌ ... أو تُبَّعٌ أو فارسُ اليحمومِ (١)
وقد اكتُشِفَت أخيرًا نقوش على سدّ مأرب كُتبت بأمر أبرهة الأشرم، وفيها نعته بأنه: "ملك سبأ ورَيدان وحضرموت ويمنات وعرب النجاد وعرب السواحل" (٢).
[ص ١٠] كان أبرهة بهذه المكانة، ومن ورائه الحبشة، وكان جيشه الذي ساقه إلى مكة ستين ألفًا على ما جاء في شعر ابن الزِّبَعْرَى:
ستون ألفًا لم يؤوبوا أرضَهم ... ولم يعِشْ بعد الإياب سقيمُها (٣)
ولعل الفرسان منهم عشرة آلاف على الأقل. ومعهم الفيلة، وهي ثلاثة عشر فيلًا، على ما قيل (٤).
وفي "الخصائص الكبرى" للسيوطي: "وأخرج أبو نعيم عن وهب قال: كانت الفيلة معهم، فشجع منها فيل، فحُصِب" (٥).
وفي "دلائل النبوة" لأبي نعيم في قصة نسب فيها إلى عبد المطلب
стр. 53
شعرًا يحمد الله تعالى به، وفيه:
أنت منعتَ الجيش والأفيالا (١)
ويرى كُتّاب الإفرنج كما في "دائرة المعارف الإسلامية" وغيرها: أن أبرهة كان مزمعًا في سيره ذلك غزو فارس مددًا للروم.
وعلى هذا، فلا بد أن يكون استعداده عظيمًا.
هذا، والعرب يومئذٍ متمزقون، والكثير منهم في طاعة أبرهة، حتى كان معه فريق منهم في جيشه، كما جاء في شعر أمية بن أبي الصلت أو أبيه يذكر الفيل:
حوله من ملوك كندة أبطا ... لٌ ملاويثُ في الحروب صقورُ (٢)
وقد انخذلت ثقيف كما يأتي، والذين قاتلوا أبرهة في طريقه غُلبوا واستسلموا.
وعامة أهل الأخبار يذكرون أن قدوم أبرهة كان في نصف المحرم، فالذين حجّوا [ص ١١] من العرب قد عادوا إلى أوطانهم. وإن صح ما ادعاه المعلِّم أن قدوم أبرهة كان في أيام الحج، فلا بد أن يكون الحاجّ عامئذٍ قليلًا؛ لأنّ الكثير من العرب في طاعة أبرهة، ومن حجّ منهم فإنهم يحجّون على عادتهم في الأشهر الحرم، غير مستعدّين لقتال. وانضاف إلى ما تقدم تأثّم العرب من القتال في الأشهر الحرم.
стр. 54
هذا، والمقاتلة يومئذٍ من قريش ومن حولها إنما يجتمع منهم بضعة آلاف، بأسلحة رثّة، والخيل فيهم قليلة.
وقد أعلن أبرهة على ما جاء في الروايات أنه لا يريد قتالهم، وإنما يريد هدم البيت؛ وكان لهم وثوق بالله أن يحمي بيته. ثم لعلهم يقولون: هب أن الله تعالى مكَّنه من هدم البيت، فكان ماذا؟ يعود أبرهة، فنعيد بناءه أحسن مما كان.
وفوق هذا، فقد كانت حياة قريش موقوفة على التجارة، ويرون أن مقاتلة أبرهة تضرُّهم من الجهتين؛ إما أن يغلبوا، وإما أن تنقطع تجارتهم إلى اليمن والحبشة والشام. أما اليمن والحبشة فظاهر، وأما الشام فلأنها كانت يومئذٍ تابعة للروم، وقد عرفوا الارتباط بين الروم والحبشة.
إذا أمعنت النظر فيما تقدم عرفت أنه لا بُعد في إحجام قريش عن قتال أبرهة، وأنه لا عار يلزمهم لذلك، ولا غضاضة، ولا منافاة لما عرف منهم من النجدة والحمية.
[ص ١٢] وأما قوله: إن العلم بأن البيت بيت الله إنما يقتضي الدفاع عنه، لا إسلامه.
فجوابه: أنه قد يصحب العلمَ بأنه بيت الله وثوقٌ متمكنٌ بحفظ الله له، فإذا حصل هذا الوثوق ضعفت داعية القتال. وقد تكون قوة العدو عظيمة جدًّا، بحيث تقتضي العادة أنه لا فائدة للقتال إلا هلاك المدافع. وتلك حال قريش كما تقدم، فقد رأوا أن ذلك العدو أكثر منهم عددًا وعدةً. أما العدد فلعله أكثر منهم بعشرة أضعاف أو أزيد، وأما العدة فلعله أكثر منهم بمائة
стр. 55
ضعف؛ فرأوا أنه ليس من العقل ولا الشجاعة الإقدام على قتاله. وهم مع ذلك واثقون بحماية الله تعالى لبيته، فكأنهم قالوا: لا نرى أن الله يكلفنا القتال في هذه الحال، وعندنا وثوق بأنه سيحمي بيته، فإن حماه وكفانا الأمر فهو على كل شيء قدير، وإن مكنهم من هدمه أمكننا أن نعيد بناءه.
وأما ما روي أن القبائل قاتلت أبرهة في طريقه، فإنما جاء في تلك الروايات التي ينكرها المعلم، وإنما ذكروا قبيلتين:
الأولى: رجل من أقيال اليمن، يقال له: ذو نفر.
والثانية: قبيلة خثعم.
وقتال هؤلاء لا يستغرب، لأنهم ليسوا مجتمعين في بلد يخافون خرابه، ولا لهم تجارة يخافون انقطاعها. على أن هاتين القبيلتين لم تلبثا أن غُلبتا، واستسلم رؤساؤهما، وذلك مما يزهِّد غيرهما في القتال.
وأما قدوم أبرهة ، فالمشهور أنه كان في النصف الثاني من المحرم (١). وما احتج به المعلِّم على أنه كان في أيام الحج لا حجة فيه.
أما قول شاعرهم:
الآخذ الهجمة فيها التقليد
[ص ١٣] فقد كانوا يقلّدون غير الهدي، كانوا يقلدون البُهْم من لحاء شجر الحرم، يحمونها بذلك من النهب والسرقة، فإن العرب كانت
стр. 56
لاحترامها الحرم تتجنب نهب الإبل وسرقتها إذا كانت مقلَّدة بلحاء شجر الحرم، يرون أنها في حماية الحرم.
جاء معنى ذلك عن جماعة من السلف في تفسير قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢] وراجع "تفسير ابن جرير" (١).
وأما ما قدمته أن عبد المطلب قلّد الإبل وجعلها هديًا، فجعلُ الإبل هديًا لا يختص بأيام الحج، ولا ندري هل كان النحر عندهم مختصًّا بأيام النحر والتشريق؟ فإن كان كذلك فلا مانع من جعل الإبل هديًا في المحرم على أن لا تنحر إلا في أيام الحج القادم.
وأما ما ذكره القرآن من كيد أصحاب الفيل، فالكيد هو التدبير المحكم الذي يكون فيه غرابة. قال الله تعالى في آل فرعون في شأن موسى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [المؤمن: ٢٥].
وقال في قصة إبراهيم: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٧ ــ ٩٨].
وقال سبحانه في هذه القصة: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠].
стр. 57
سمى قتل أولاد من آمن كيدًا؛ لأنه تدبير محكم غريب، إذ من شأنه بحسب العادة أن يصدّ عن الإيمان، ويردّ إلى الكفر، ولم يكن قتل الأطفال معروفًا قبل.
[ص ١٤] وسمى الإلقاء في النار العظيمة كيدًا، لأنه تدبير محكم غريب، إذ من شأنه بحسب العادة أن يُهلك من يلقى في النار، ولم يكن مثل ذلك معروفًا قبل.
فيكفي في تقرير كيد أبرهة سَوقُه الفيلة، وقدومُه في المحرم. أما سوق الفيلة فهو تدبير محكم غريب، إذ من شأنه إدخال الرعب في قلوب العرب، إذ لم يكونوا يعرفون قتال الفيلة، وأكثرهم لم يرها قط. ولهذا طلب أبرهة من النجاشي فيله الأعظم ــ كما سيأتي ــ ليكون أبلغ في الإرهاب.
وأما قدومه في المحرم، فلأن من شأن العرب أن يتأثموا من القتال في المحرم، ويكون قدومه بعد قفول من يحج تلك السنة، فلا يبقى بمكة إلا أهلها.
ويكفي في تضليل الله تعالى لكيدهم حبسُه الفيل، فإن حبسه من شأنه أن يصدّهم عن التقدم؛ إذ يعلمون أن ذلك آية من آيات الله، فإن لم ينزجروا وقع الاختلاف والاختلال فيهم. وقد كان الأمر كذلك، فلما أصرّوا عذبهم الله . وسيأتي بسط الكلام في تفسير السورة، إن شاء الله تعالى.
وأما ما ذكره من عيبهم ثقيفًا لفرارها عن حماية الكعبة، ورجمهم قبر رئيسها أبي رِغال، فلم يثبت عيب منهم لثقيف على ذلك. وإنما اغترّ المعلِّم ببيت ضِرار بن الخطّاب:
стр. 58
وفرّت ثقيفُ إلى لاتها ... بمنقلَب الخائب الخاسر
وسبب اغتراره ﵀ أن ابن هشام ساق القصة عن ابن إسحاق إلى أن ذكر وصول أبرهة إلى الطائف، وقول ثقيف له: "أيها الملك إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد. قال ابن إسحاق: [ص ١٥] يعنون اللات". ثم ذكر إرسالهم معه أبا رِغال يدلّه. ثم قال ابن إسحاق: "واللات: بيت لهم بالطائف، كانوا يعظّمونه نحو تعظيم الكعبة".
فكمل ابن هشام تفسير "اللات" فقال: قال ابن هشام: "وأنشدني أبو عبيدة النحوي لضِرار بن الخطّاب الفهري ... " فذكر البيت. ثم قال: "وهذا البيت في أبيات له. قال ابن إسحاق: فبعثوا معه أبا رِغال يدلّه على الطريق إلى مكة ... " (١).
فمقصود ابن هشام إنما هو الاستشهاد على ما ذكره ابن إسحاق أن اللات كانت لثقيف، فظن المعلِّم أن البيت قيل في شأن ثقيف في قصة الفيل، وليس الأمر كذلك، وإنما هو في فرار ثقيف في حرب الفجار التي كانت بين قريش وسائر كنانة، وبين ثقيف وسائر قيس عيلان. وذلك بعد أن بلغ النبي ﵌ أربع عشرة أو خمس عشرة، أو عشرين سنة.
والقصة مذكورة في "السيرة" (٢) مختصرة، وهي مبسوطة في "الأغاني" (٣)،
стр. 59
وفيها: عن أبي عبيدة قال: لما هزمت قيس لجأت إلى خباء سبيعة ... وقال ضِرار بن الخطّاب الفهري:
ألم تسأل الناس عن شأننا ... ولم يُثبتِ الأمرَ كالخابرِ
غداةَ عكاظَ إذ استكملت ... هوازنُ في كفّها الحاضر
إلى أن قال:
فلما التقينا أذقناهمُ ... طعانًا بسمر القَنا العائرِ
ففرّت سُلَيمٌ ولم يصبروا ... وطارت شَعاعًا بنو عامرِ
[ص ١٦] وفرّت ثقيفُ إلى لاتها ... بمنقلَب الخائبِ الخاسر
فأما أبو رِغال، فلم يكن رئيس ثقيف (١)،
وإنما في القصة أنه كان رجلًا منهم. وإنما رجمت العرب قبره لأنه ــ كما يظهر من سياق القصة ــ خرج طائعًا، على أنه لم يثبت أنه كان دليل أصحاب الفيل. بل قد قيل: إنه كان قبل ذلك بزمان، حتى قيل: إنه كان في عهد صالح النبي ﵇. وقد بسط ذلك في "معجم البلدان" (٢)، وسيأتي ترجيح ذلك، والدليل عليه في الكلام على رمي الجمار، فصل (ح).
стр. 60
(د)
لو اقتصر المعلِّم رحمه الله تعالى على دعوى أن أهل مكة كانوا مستعدين لقتال أبرهة إذا حاول دخول مكة، فكفاهم الله ، لكان الأمر قريبًا، وأمكن أن يجاب عما تقدم، وأن يتأول ما جاء في الروايات بأنهم أظهروا أنهم لا يريدون قتالًا لأغراض دعت، وهم في نفس الأمر عازمون على القتال. ولكنه لم يقتصر، بل زعم أن أهل مكة قاتلوا أبرهة، وقتلوه في المعركة، واستدل على ذلك بأمور:
الأول: الوجوه التي تقدمت في الفصل السابق، وقد علمت حالها. ولو استحال عزمهم على عدم القتال لم يلزم من ذلك أنه وقع قتال، فإن الله عذّب أصحاب الفيل قبل أن يصلوا إلى مكة.
الدليل الثاني: قول الله في السورة: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ زاعمًا أن معناه: ترميهم أيها المكي، أو نحو ذلك. وهذه دعوى سيأتي ردّها في تفسير السورة، إن شاء الله تعالى.
[ص ١٧] الدليل الثالث: ما أبداه من المناسبة لرمي الجمار، وسيأتي تزييفها.
الرابع ــ وهو أشبه أدلته ــ قول ذي الرمة:
وأبرهةَ اصطادت صدورُ رماحنا ... جهارًا وعُثنونُ العَجاجةِ أكدرُ
تنحّى له عمروٌ فشكَّ ضلوعَه ... بنافذةٍ نجلاءَ والخيلُ تَضبِرُ
والبيتان في "ديوان ذي الرمة" المطبوع بأوربا (١).
стр. 61
وعلى الديوان تفسير لبعض القدماء، وفيه: "أبرهة بن الصباح ملك من ملوك حمير".
وفي آخر الديوان صورة سند روايته، وفيه من طريق أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن خُرَّزاذ النَّجَيرَمي قال: "قرأته على أبي الحسين علي بن أحمد المهلّبي قال: قرأته على أبي العباس أحمد بن محمد بن ولّاد، [عن أبيه] (١) عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، عن أبي نصر أحمد بن حاتم ... وقال أبو يعقوب: وقرأته أيضًا على أبي القاسم جعفر بن شاذان القُمّي، عن أبي عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد، عن أبي العباس ثعلب، عن أبي نصر ... وقرأت على ابن شاذان الشعر مجردًا عن التفسير".
قال عبد الرحمن: وهذه العبارة الأخيرة تدل أنه في الطريق الأولى سمع الشعر مع التفسير (٢)، وذلك يدل أن التفسير متناقل، وفي أثناء التفسير ما يدل على ذلك، [ص ١٨] غاية الأمر أن المفسر الأخير جمع ما نقل عمن قبله، وزاد من عنده.
وأبو نصر أحمد بن حاتم هو صاحب الأصمعي وراوية كتبه، والمذكورون في السند كلهم من أئمة اللغة والأدب، توجد تراجمهم في "بغية الوعاة"، وغيره.
هذا، وقصة الفيل مشهورة، وديوان ذي الرمة مشهور، وعامة علماء الأخبار علماء بالشعر، فلولا أنهم علموا أن أبرهة ذي الرمة غير صاحب الفيل، لما سكتوا عن بيانه.
стр. 62
وقد كان جماعة من أئمة الأخبار يسمعون شعر ذي الرمة من فيه، وكانوا أحرص شيء على تلقف الأخبار، والاستشهاد عليها بما يتعلق بها من الشعر، كما مرّ في سيرة ابن هشام في واقعة الفيل. وكما ترى في "الأغاني" في قصة حرب يوم جبلة كما يأتي، وكذلك في قصة الحرب يوم الكلاب، وذكر أبياتًا لذي الرمة من هذه القصيدة نفسها تتعلق بيوم الكلاب (١).
ولعل العلماء سألوا ذا الرمة عن أبرهة هذا، فأجابهم بأنه ملك من ملوك حمير، وحكى لهم إشاعة مجملة لم يجدوا لها أصلًا، ولا رأوا لنقلها فائدة. والله أعلم (٢).
واعلم أن التسمي بأبرهة معروف في اليمن قديمًا، فقد عدوا في ملوكهم أبرهة ذا المنار ابن الرائش، وكان قبل بلقيس، فإنها بلقيس ابنة الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش (٣).
وزعموا أن "أبرهة" كلمة حبشية، معناها: الأبيض (٤). والأقرب أنها كلمة [ص ١٩] حميرية، فإنهم استعملوها قديمًا كما عرفت.
стр. 63
والمادة مستعملة في العربية، وفي "القاموس": "وبَرِه كسمع بَرَهًا: ثاب جسمه بعد علة، وابيضّ جسمه، وهو أبره" (١).
وقد تجيء في العربية أفعَلة بالتاء، قالوا: أرملة، وقالوا للحيّة: أسوَدة، ولعل لغة حمير كانت تتسع في ذلك.
فأما الأشرم أبو يكسوم فاسمه "أبراهام". وفي "دائرة المعارف الإسلامية" في ترجمة الأشرم: "أبرهة هو أبراهام باللغة الأثيوبية" (٢). يعني الحبشية.
ولم يخف هذا عن العرب، فقد ذكر ابن عبدربه أبرهة بن الصباح رجلًا من حمير أدرك الإسلام، فقال: "أبرهة بن الصباح، كان ملك تهامة، وأمه ريحانة بنت إبراهيم الأشرم، ملك الحبشة" (٣).
وقد ذكر أهل الأخبار في ملوك حمير: أبرهة بن الصباح. زاد بعضهم: "بن وليعة بن مرثد"، قيل: إنه ملك خمسًا وثلاثين سنة، وقيل: ثلاثًا وسبعين، وقيل: ثلاثًا وتسعين. ثم ملك بعده رجل اختلفوا في اسمه قيل: سبع عشرة سنة، وقيل: سبعًا وخمسين، وقيل: تسعًا وثمانين. ثم ملك لخيعة سبعًا وعشرين، وقيل: تسعًا وعشرين، أو ثلاثين، وقيل: أربعًا وثمانين، ثم ملك ذو نواس، قيل: ثمانيًا وستين، وقيل: ثمانين، وقيل: مائتين وستين، وانتهى ملكه باستيلاء الحبشة على اليمن، فملك فيهم أرياط، ثم أبرهة الأشرم أبو يكسوم (٤).
стр. 64
والذي يهمنا من هذا إنما هو القدر المشترك، وهو أن أبرهة بن الصباح [ص ٢٠] ملك من ملوك اليمن قبل استيلاء الحبشة بمدة.
وقد وجدت آخرين يقال لكل منهم: أبرهة بن الصباح. أحدهم جد أبرهة بن شرحبيل، ففي أسماء الصحابة: أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح بن شرحبيل بن لهيعة بن مرثد الخير ... (١).
ويحتمل أن يكون هو الأول.
والثاني: أبرهة بن الصباح، ذكره في الإصابة عقب أبرهة بن شرحبيل. قال: وما أدري هو جد الذي قبله، أو غيره. ثم ظهر لي أنه غيره، فقد ذكره ابن الكلبي فقال: إنه كان ملك تهامة، وأمه بنت أبرهة الأشرم الذي غزا الكعبة (٢).
وقد خلط جماعة من المؤلفين كل واحد من هؤلاء بالآخر، بل خلط بعضهم، فسمى الأشرم: أبرهة بن الصباح، وزعم أنه حميري.
الثالث: كندي متأخر، كان من أصحاب أبي حمزة الخارجي، قتل معه بمكة سنة (١٣٠)(٣).
والذي عناه ذو الرمة هو الأول المعدود في الملوك، أو جد أبرهة بن شرحبيل، إن كان غيره، أو آخر من أقيال اليمن، فإنهم كثير. وقد كانت
стр. 65
الحرب متواصلة بين نزار واليمن، قد يكون أحد الأباره قتل في بعضها، وقدم العهد، فلم يصل إلينا من خبر القصة إلا بيت ذي الرمة. وقد لا يكون قتل، وإنما أصابته طعنة، وقد يكون المقتول أو المطعون آخر، فأشيع أنه أبرهة، ووصلت هذه الإشاعة [ص ٢١] إلى ذي الرمة.
هذا، ومن ال أدلة على أن أهل مكة لم يقاتلوا أبرهة الروايات الثابتة عن علماء الأخبار كابن إسحاق، والواقدي، وابن الكلبي، وغيرهم. معها رواية ابن عباس التي تقدمت عن "المستدرك" وصححها الحاكم والذهبي، وروايته الأخرى التي رواها ابن مردويه وحسنها ابن حجر في "شرح البخاري"، وستأتي.
ومنها: أن كل من له إلمام بأخبار العرب يعرف شدة حرصهم على رواية أخبار أيامهم، وحفظها، وتردادها في الأسمار، وتقييدها بالأشعار. ولا يكاد يقتل رجل منهم قتيلًا إلا قال في ذلك شعرًا، وإلا افتخرت به قبيلته في أشعارها. ولا يكاد يُقتَل منهم قتيل إلا يُرثى بعدَّة مراثٍ.
وبين أيدينا أخبارهم في حرب البسوس، وحرب داحس، وغير ذلك. نجدها مروية بتفصيل بأسماء فرسانهم وخيلهم، وقاتلهم ومقتولهم، وكيف كان القتال، وكم استمر، إلى غير ذلك من الجزئيات.
وإن شئت فراجع قصة يوم شِعْب جَبَلَة في "الأغاني"، فإنك ترى العجب من التفصيل الذي يخيل إليك أن القصة كتبت في ذلك اليوم، وقد كانت تلك الحرب قبل المولد النبوي بتسع عشرة سنة على ما في "الأغاني" (١).
стр. 66
نعم، إن العصبية قد تلاعبت بكثير من الأخبار، ولكن سلطانها على بعض الجزئيات، كالاختلاف فيمن أشار بدخول الشعب، وفيمن قتل لَقيط بن زُرارة، ونحو ذلك. وأصل القصة وأكثر جزئياتها متفق عليها. وترى في تلك القصة نموذجًا من [ص ٢٢] أشعارها في وقائعهم.
فكيف يعقل مع هذا أن يكونوا قاتلوا أبرهة، وقتلوه في المعركة، ثم لا يوجد لذلك في أخبارهم وأشعارهم أثرٌ؟ مع أن ذلك لو وقع لكان أعظم واقعة تعهدها العرب في أرضها، فإنه لا يعهد في أيامها قبل الإسلام ملك أجنبي غزاها في قلب بلادها بجيش عظيم، وفيلة عديدة، فقاتلوه، وقتلوه في المعركة، وهزموا جنده. فلو وقع ذلك لكان أحق الوقائع بأن تتواتر أخباره، وتكثر أشعارهم فيه، وافتخارهم به، وتنازعهم في القاتل من هو، ورثاء قتلاهم، وغير ذلك.
ومن الأدلة أن جماعة من التابعين وأتباعهم حكوا القصة، وأعلنوا بها، مصرّحين بأن أهل مكة أحجموا عن القتال، وتحرزوا بشَعَف الجبال، ولم يقع قتال ألبتة، فلا يقوم أحد من العرب يرد عليهم، ويبين خلاف ما قالوه. فهب أن العرب تركوا عادتهم في نقل الأخبار، وتقييدها بالأشعار، وكثرة الافتخار؛ أفلم يكن لهم من غيرتهم وحميتهم، والحرص على ردِّ الباطل عنهم، ما يحملهم على أن يصرخوا في وجوه الحاكين لما تقدم عندهم، قائلين: كذبتم، بل قاتل العرب أبرهة، وقتلوه في المعركة، وجرى كيت وكيت.
ومن الأدلة: أن تجارة قريش إلى اليمن والحبشة لم تزل مستمرة، ولو كانوا قاتلوا أبرهة، وقتلوه، لانقطع متجرهم إلى اليمن والحبشة.
стр. 67
ومن الأدلة: أنهم قد قالوا أشعارًا في الواقعة، ترى طرفًا منها في سيرة ابن هشام، [ص ٢٣] وليس فيها أمر القتال ولا قتل، بل كلها ثناء على الله في حمايته بيته ومنها قول طالب بن أبي طالب:
ألم تعلموا ما كان في حرب داحسٍ ... وجيشُ أبي يكسومَ إذ ملؤوا الشِّعْبا
فلولا دفاعُ الله لا شيءَ غيرُه ... لأصبحتمُ لا تمنعون لكم سِرْبا (١)
ومن الأشعار طرف في "المنمق" لابن حبيب، وليس فيها أثر للقتال.
(هـ)
ذهب المعلِّم ــ عفا الله عنه ــ إلى أن الطير لم ترم أصحاب الفيل، وإنما أرسلها الله لأكل جثث موتاهم؛ كيلا يتغير الهواء بجيفهم. واضطرّه ذلك إلى دعوى أن قول الله تعالى في السورة: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ خطابٌ، أي ترميهم أيها المكي. وتصرّف في الروايات المصرحة برمي الطير بردّ بعضها، وتغليط بعضها، وحاول الاحتجاج على أن لم ترمهم، وعلى أنها أكلت جثثهم.
فأما الكلام على قول الله سبحانه: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ فسيأتي في تفسير السورة.
وأما الروايات، فزعم أن الرواة فريقان مختلفان: فريق في روايته ستة أمور، وفريق في روايته خمسة أمور. ورجح ما نسبه إلى الفريق الأول، ثم ساق بعض الروايات من "تفسير ابن جرير"، ثم ذكر أشعارًا للجاهليين تتعلق بالقصة، واستخلص منها أربعة أمور، يؤيد بها ما نسبه إلى الفريق الأول.
стр. 68
[ص ٢٤] قال عبد الرحمن: تدبرت تلك الروايات والأشعار، وقابلتها بما ذكر المعلِّم أنه لخصه منها، فرأيت فرقًا كبيرًا. ولإيضاح ذلك أسوق الأمور التي ذكر المعلم، وأذكر مع كل أمر ما يوافقه من الروايات التي في "تفسير ابن جرير"، فإن ذكرتُ غيرها نبّهتُ عليه.
الأمور التي نسبها المعلِّم إلى الفريق الأول:
١ - "أن الطير كانت جوارح كبارًا".
لم أره صريحًا، ولكن في رواية ابن عباس: "كانت طيرًا لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكفّ كأكفّ الكلاب".
وفي رواية عكرمة: "كانت طيرًا خضرًا، خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع، كانت ترميهم بحجارة معها، قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجدري".
٢ - "أن لها لونًا وشكلًا كذا وكذا".
مر في رواية عكرمة: "كانت طيرًا خضرًا". وجاء في رواية سعيد بن جبير: "طير خضر، لها مناقير صفر، تختلف عليهم".
وفي "مصنف ابن أبي شيبة": "ثنا أبو أسامة عن محمد بن إسماعيل عن سعيد بن جبير قال: أقبل أبو يكسوم صاحب الحبشة، ومعه الفيل، فلما انتهى إلى الحرم برك الفيل، فأبى أن يدخل الحرم. قال: فإذا وُجِّه راجعًا أسرع راجعًا، وإذا أريد على الحرم أبى، فأرسل عليهم طير صغار بيض، في أفواهها حجارة أمثال الحمص لا تقع على أحد إلا هلك".
والسند صحيح على شرط مسلم.
стр. 69
وعن عبيد بن عمير: "هي طير سود بحرية، في مناقرها وأظفارها الحجارة".
وعن قتادة: "هي طير بيض خرجت من قبل البحر، مع كل طير ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره، لا يصيب شيئًا إلا هشمه".
وفي رواية ابن إسحاق: "وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف. مع كل طير ثلاثة أحجار: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، مثل الحمص والعدس، لا يصيب أحدًا منهم إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين ... فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل".
٣ - "وأنها أكلت أصحاب الفيل".
استنبطه المعلِّم من الأمر الأول، ومن قول سعيد بن جبير: " تختلف عليهم". وسيأتي ما فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
[ص ٢٥] ٤ - وأن الحجارة أصابتهم من كل جانب".
لم أره في شيء من الروايات.
٥ - "وأنها أحدثت الجدري بإصابتها أجسامهم".
مرت رواية عكرمة في الأمر الأول، وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": "وأخرج ابن مردويه بسند حسن عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصِّفاح ــ وهو بكسر المهملة ثم فاء ثم مهملة موضع خارج مكة من جهة طريق اليمن ــ فأتاهم عبد المطلب فقال: إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحدًا. قال: لا نرجع حتى نهدمه، فكانوا لا يقدّمون
стр. 70
فيلهم إلا تأخر، فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارة سوداء، فلما حاذتهم رمتهم، فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك أحد منهم جلده إلا تساقط لحمه" (١).
وعن الحارث بن يعقوب بلغه: "أن الطير التي رمت الحجارة كانت تحملها بأفواهها، فإذا ألقتها نفِط لها الجلد".
وعن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس حدَّث "أن أول ما رئيت الحصبة والجدري في أرض العرب في ذلك العام".
وعن عثمان بن أبي سليمان وعبد الرحمن بن البيلماني وعطاء بن يسار وأبي رزين العقيلي وابن عباس ﵄ ــ دخل حديث بعضهم في بعض ــ: " ... فأقبلت الطير من البحر أبابيل، مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره. فقذفت الحجارة عليهم، لا تصيب شيئًا إلا هشمته، وإلا نفط ذلك الموضع. فكان ذلك أول ما كان الجدري، والحصبة، والأشجار المرة. فأهمدتهم الحجارة. وبعث إليه سيلًا أتيًّا، فذهب بهم، فألقاهم في البحر. قال: وولّى أبرهة ومن بقي معه هُرّابًا ... " أخرجه ابن سعد عن الواقدي (٢).
٦ - "وأنهم أهلكوا حينًا فحينًا في فرارهم حتى تساقطوا على كل منهل".
стр. 71
تقدم ذلك في رواية ابن إسحاق في الأمر الثاني، ونحوه في رواية الواقدي عن أشياخه في الأمر الخامس.
وقال ابن إسحاق: "حدثني عبد الله بن أبي بكر عن عمرة ابنة عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عائشة [ص ٢٦] قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس" (١).
قال عبد الرحمن: عبد الله بن أبي بكر وعمرة من الثقات الأثبات، مخرج حديثهما في الصحيحين.
وفي الأشعار التي ذكرها ابن إسحاق (٢): قول ابن الزبعرى يذكر أصحاب الفيل:
ستون ألفًا لم يؤوبوا أرضَهم ... ولم يعِشْ بعد الإياب سقيمُها
وقول أبي قيس:
فولَّوا سراعًا هاربين ولم يَؤُبْ ... إلى أهله ملْجَيشِ غيرُ عصائب
وقول ابن قيس الرقيات:
كاده الأشرمُ الذي جاء بالفيـ ... ـل فولَّى وجيشُه مهزومُ
الأمور التي نسبها المعلِّم إلى الفريق الثاني:
١ - و ٢ - "أن الطير كانت ترميهم بالحجارة، وأنها حملت هذه الحجارة بمناقيرها وأظافيرها".
стр. 72
تقدم ذلك في رواية عكرمة في الأمر الأول من أمور الفريق الأول، وفي روايته عن ابن عباس في الأمر الخامس، وفي رواية سعيد بن جبير وعبيد بن عمير وقتادة وابن إسحاق في الأمر الثاني.
وفي رواية عن قتادة: "كانت مع كل طير ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها".
وتقدم في رواية الحارث بن يعقوب والواقدي عن أشياخه في الأمر الخامس.
وعن سعيد بن أبي هلال "بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة أنها طير تخرج من البحر".
وتقدم في الأمر الثاني قول سعيد بن جبير: "كانت طيرًا خضرًا لها مناقير صفر، تختلف عليهم". فالمعلِّم رحمه الله تعالى حملها على [ص ٢٧] معنى أنها تختلف على جثث موتاهم، تأكل منها. ولم يقنع حتى زعم أنها صريحة في ذلك؛ لأنه يجعل الضمير المستتر في " تختلف" للمناقير، أي: تختلف مناقيرها عليهم.
قال عبد الرحمن: الضمير للطير، كما هو الظاهر. ومعنى الاختلاف هنا ــ كما لا يخفى على من يعرف طرفًا من اللغة ــ إنما هو أن يجيء بعضها، ثم يذهب ويخلفه غيره، وهكذا. فيصح أن يقال: وضع الأمير طعامًا فظل الناس يختلفون عليه، ويصح أن يقال: ظلت طياراتنا تختلف على جيش العدو. وبالقرينة يفهم من الأول الأكل، ومن الثاني الرمي.
والظاهر من كلمة سعيد بن جبير إرادة الرمي؛ لأن الاختلاف مجمل كما علمت، فإنما يترك تفسيره لظهوره. والظاهر إنما هو الرمي لظهور دلالة
стр. 73
القرآن عليه، واشتهاره بين الرواة، كما علمت. بخلاف أكل الجثث، فإنه لم يصرح به في شيء من الروايات، بل ولا دلّت عليه رواية من الروايات دلالة قوية، بل ولا أعلم أحدًا قبل المعلِّم ذكر أن تلك الطير أكلت جثثهم.
والاختلاف بالمعنى المذكور إنما يظهر نسبته إلى الطير، لأنها هي التي يجيء بعضها، ثم يذهب، ويخلفه غيره؛ لا إلى مناقيرها، كما قال المعلم. على أنه قد ثبت حمل الطير الحجارة، ورميها عن سعيد بن جبير نفسه، كما تقدم في الأمر الأول في رواية ابن أبي شيبة، وسندها على شرط مسلم.
وقد تقدم أواخر فصل (ب) حديث ابن عباس الذي صححه الحاكم والذهبي، وفيه: "فأقبلت مثلُ السحابة من نحو البحر حتى أظلّتهم طير أبابيل التي قال الله : ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾، قال: فجعل الفيل يعِجُّ عجًّا، ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾.
ولا يخفى دلالة هذا على أن الطير رمتهم بالحجارة. بل وتقدم في الأمر الخامس من أمور الفريق الأول رواية عكرمة عن ابن عباس، وفيها التصريح بحمل الطير الحجارة، ورميهم بها. وتقدم عن الحافظ ابن حجر أن سنده حسن.
وفيما ذكره ابن إسحاق (١) قول ابن قيس الرقيات ــ وهو تابعي ــ يذكر البيت:
كاده الأشرمُ الذي جاء بالفيـ ... ـل فولّى وجيشُه مهزومُ
واستهلّت عليهم الطيرُ بالجَنْـ ... ـدَلِ حتّى كأنه مرجومُ
стр. 74
[ص ٢٨] وفي "المنمَّق" لابن حبيب (١) في قصيدة لعمرو بن الوحيد بن كلاب:
سطا الله بالحُبشان والفيل سطوةً ... أرى كلَّ قلب واهيًا فهو خائفُ
ويومُ ذباب السيف كان نذيرَه ... ويومٌ على جنب المغمَّس كاسفُ
أُميرَ لهم رَجْلٌ من الطير لم يكن ... نفاقًا لها من الحجارة واكفُ (٢)
كأنّ شآبيبَ السماء هُوِيّةً ... وقد أُشعلت بالمُجْلِبين النَّفانفُ
تدقُّهم من خلفِهم وأمامِهم ... وعارضَهم فوجٌ من الريح قاصفُ
إلى أن قال:
وكان شفاءً لو ثوى في عِقابها ... نُفَيلٌ وللآجال آتٍ وصارفُ
قال: فأجابه نفيل بن حبيب الخثعمي فقال:
ماذا ترى في عِقابي لو ظفرتَ به ... يا بن الوحيد من الآيات والعبرِ
قِلْنا المغمَّسَ يومًا ثم ليلتَه ... في عالجٍ كثُؤاج النِّيب والبقرِ
حتى رأينا شعاعَ الشمس تستره ... طيرٌ كرَجْلِ جرادٍ طار منتشرِ
يرميننا مقبلاتٍ ثم مدبرةً ... بحاصبٍ من سَواء الأفق كالمطر
وفي القصيدة ذكر الريح أيضًا.
وفي "السيرة" وغيرها أبيات لنفيل، فيها:
حمدتُ الله إذ عاينتُ طيرًا ... وخفتُ حجارةً تُلقَى علينا
стр. 75
هكذا هو في "السيرة" و"تاريخ ابن جرير" وغيرها: "خفت" (١). ووقع في "تفسير الخازن": "وحصب" (٢)، وكذا أورده المعلم (٣).
وعلى كلٍّ، فإن كانت الرواية "تلقي" بكسر القاف، فهو صريح في رمي الطير، وإن كانت "تلقى" بفتح القاف، فهو ظاهر في رمي الطير أيضًا؛ لأنه إنما حمد الله على معاينة الطير، لأن الفرج كان بواسطتها، وأوضح ذلك بتعقيبه ذكر معاينة الطير بإلقاء الحجارة.
وفي كلام المعلِّم ما قد يكون فيه جواب عن هذا، فإنه قال (ص ٢٧): "إن شاعرهم ربما يصف جيشًا عظيمًا، فيذكر أن الطير تصحبه، لعلمها بكثرة القتلى" وذكر قول النابغة (٤):
إذا ما غزَوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائب
وقول أبي نواس (٥):