"أمرُّ" بمعنى "أمضي"، وعبّر به للدلالة على تحقّق إعراضه عنه" (١).
وقوله: "حكاية للحال الماضية كما في الخصائص لابن جنّي" هو الوجه الأول على أن ذلك استمرار قد انقطع. وقوله: "أو للاستمرار ... " هو الوجه الثاني على أن الاستمرار باقٍ، وما عطف عليه من المضي والقولِ مثله في بقاء الاستمرار، وإنما عدل إلى الماضي لأن الاستمرار يتناول المستقبل وهو محتاج إلى التحقيق، فحققه بالتعبير بالفعل الماضي، فتدبّر.
هذا، والصواب في هذا البيت هو الوجه الثاني، لأن انقطاع الاستمرار مع بقاء القائل حيًّا إنما يكون بتبدّل خلقه من الحلم إلى ضدّه، وهذا ينافي غرضه.
وقال امرؤ القيس في معلقته (٢):
وقد أغتدي والطيرُ في وُكناتها ... بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكل
ثم أفاض في نعت الفرس إلى أن قال:
فعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنّ نِعاجَه ... عذارى دُوارٍ في مُلاءٍ مذيَّل
وقال قَطَريّ بن الفجاءة (٣):
стр. 212
لايركَنَنْ أحدٌ إلى الإحجامِ ... يومَ الوغى متخوِّفًا لحِمامِ
[ص ٣٩] فلقد أراني لِلرّماح دَريئةً ... مِن عَن يميني مرّةً وأمامي
حتى خضبتُ بما تحدَّر من دمي ... أكنافَ سَرْجي أو عِنانَ لجامي
ثم انصرفتُ وقد أصَبتُ ولم أُصَبْ ... جَذَعَ البصيرةِ قارحَ الإقدام
[ص ٤٠] (١٥) الجملة الواقعة بعد أخرى تنقسم عند النحاة إلى مستأنفة وغيرها. ومعنى استئنافها عندهم هو انقطاعها عن الأولى بالنظر إلى التركيب النحوي، هذا هو الاستئناف النحوي. قال ابن هشام: "ويخصّ البيانيّون الاستئناف بما كان جواب سؤال مقدّر" (١). وهذا يقال له الاستئناف البياني، وإيضاحه كما قال السكّاكي: "أن يكون الكلام السابق بفحواه كالمورد للسؤال، فينزل ذلك منزلة الواقع، ويطلب بهذا الثاني وقوعه جوابًا له، فينقطع عن الكلام السابق لذلك. وتنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليه إلا لجهات لطيفة: إما لتنبيه السامع على موقعه، أو لإغنائه عن أن يسأل، أو لئلا يسمع منه شيء، أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه ... " (٢).
قال عبد الرحمن: هذا وغيره من عباراتهم مع تدبر مواقع هذا الاستئناف في الكلام البليغ يوضح أنه إنما يصلح حيث يكون اقتضاءُ الجملة الأولى للسؤال الذي تكون الثانية جوابًا له اقتضاءً ظاهرًا بحيث يغلب أن من سمع الجملة الأولى متفهّمًا يعرض له في نفسه ذلك السؤال. ولهذا يكثر في القرآن أن تختم الجملة الأولى برأس آية، لأن من شأنها أن
стр. 213
يوقف عندها، فيستقرّ في نفس السامع ذلك السؤال ويلذعه الشوق إلى جوابه، فيقع الجواب موقعه، ويصير الكلام شبه محاورة. وللمحاورة من اللذة وموافقة النفس ما ليس في السماع المجرّد، فإنّ أحدنا إذا سمع خطبة أو محاضرة لا يجد من اللذة ما يجده للمحاورة مع الفاضل بأن تسمعه، فيعرض لك السؤال، فتسأله، فيجيبك، وهكذا. ولهذا ــ والله أعلم ــ كثر هذا الاستئناف في القرآن، لأن المحاورة الحقيقية لا تمكن فيه.
[ص ٤١] فمن ادعى في جملة أنها استئناف بياني احتاج أن يثبت أن الجملة التي قبلها يغلب فيمن سمعها متفهمًا أن يقع له السؤال الذي تكون الثانية جوابًا له.
ومع هذا فإنه إذا كانت الثانية بحيث يصحّ صحّةً ظاهرةً ربطُها بالأولى على معنى آخر، فالربط أولى من الاستئناف، لأن الربط هو الأصل الغالب.
١٦ ــ خبر المبتدأ قد يتعدّد صورةً مثل "هذا حلو حامض" أي مُزٌّ، و"زيد أعسَرُ يَسَرٌ" أي أضبَطُ. وقد يتعدد حقيقةً مثل "زيد شاعر كاتب"، ويجوز في هذا العطف "زيد شاعر وكاتب". وقد يكون الخبر جملة "ولابد لها من رابط بالمبتدأ، والغالب أن يكون ضميرًا فيها يعود عليه" مثل "زيد سافر أخوه". وقد يُكتفى بضمير في جملة أخرى مربوطةٍ بالأولى بالفاء كقولهم: "زيدٌ يَطير الذبابُ فيَغضب"، وقول الشاعر (١):
стр. 214
وإنسانُ عيني يحسِرُ الماءُ تارةً ... فيبدو وتاراتٍ يجُمُّ فيَغْرَقُ
وحقّق ابن هشام (١) أن هذه الفاء لمحض السببية، ليست بعاطفة، وأنها صيّرت الجملتين جملة واحدة هي الخبر.
قال عبد الرحمن: إذا قلت: "زيد يغضب إذ يطير الذباب" فجملة "يغضب" هي الخبر النحوي، لكنها لا تتمّ إلا بما بعدها؛ إذ ليس المقصود الإخبار عنه بأنه يغضب مطلقًا، فإذا عكستَ وقدّمتَ لغرض "يطير الذباب" فإنها تحتاج إلى رابط يربطها بقولك: "يغضب"، و (إذ) لا تأتي ههنا، لأنّ من شأنها أن يكون قبلها المسبب وبعدها السبب، فلهذا جعل مكانها الفاء لأنها تفيد السببية كـ (إذ)، وهي عكسها في الترتيب: يكون قبلها السبب وبعدها المسبب، فقيل: "زيد يطير الذباب فيغضب".فلا يحسن أن يقال: إن جملة "يطير الذباب" [ص ٤٢] هي الخبر النحوي، لأنها أجنبية، ولا يمكن أن يقال: إن جملة "يغضب" هي الخبر كما لا يخفى. فتعيَّن أن يقال: إن جملة "يطير الذباب فيغضب" هي الخبر كأنه قيل: "زيدٌ طيرانُ الذباب يُغْضِبُه". ونستطيع أن نقول: إن "يطير الذباب" دخلت في الخبرية بشفاعة الفاء.
هذا، وكما يتعدد الخبر المفرد، كذلك يتعدد الخبر الجملة. وتكون تارة من باب "حلو حامض" و"أعسر يسر"، كقولك: "هذا الرمان في طعمه حلاوة، وفيه حموضة"، و"زيد يعمل بيمينه، ويعمل بيساره". وتارةً من باب "شاعر وكاتب"، كما تقول: "زيد يشعر ويكتب"، و"زيد أبوه مسافر، وعمه مقيم".
والعطف هنا هو الجادَّة في النوعين، وكل جملة من الجمل المتعاطفة
стр. 215
تحتاج إلى رابط. وقد يجيء بعضها مثل "يطير الذباب فيغضب"، كما تقول: "زيد يؤذي الجليس، ويسيء إلى العشير، ويطير الذباب فيغضب".ولما دخلت هنا "يطير الذباب" في الخبرية بشفاعة الفاء استحقّت العطف.
هذا، وقد عرفت بدل البعض وأنه يحتاج إلى ضمير يربطه بالمبدل منه، وإنما أنبّهك على أنه قد يتعاطف بعضان فأكثر، فيكون ذلك شبيهًا بالخبر في قولك: "هذا حلو حامض"، وذلك كقولك: "أعطيته الدار ربعها وثمنها" كأنك قلت: ثلاثة أثمانها.
واعلم أن الجملة المفسّرة قد تشبه بدل البعض، فإذا قلت: "أحسنت إلى زيد: علّمته"، فجملة "علّمته" مفسرة لقولك: "أحسنت إلى زيد". وتحتاج المفسّرة هنا إلى ثلاثة أمور: الأول أن يكون فيها معنى الإحسان. الثاني كونها من فعل المتكلم. الثالث علاقتها بزيد.
وقد تتعدد الجمل فتكون شبيهة بتعدد بدل البعض أو بتعدد الجمل الخبرية [ص ٤٣] التي هي من باب "حلو حامض". وذلك كقولك: "أحسنت إلى زيد كثيرًا: ربيّته، وأدّبته، وعلّمته، وموّلته"، فتتعاطف وتكون كل منها بحيث تصلح وحدها للتفسير كما ترى.
وقد تجيء جملة لا تصلح للتفسير، ولكنها تدخل فيه بشفاعة الفاء الرابطة لها بجملة أخرى صالحة له، على حدّ ما تقدم في الجملة الخبرية. تقول: "أحسنت إلى زيد كثيرًا: ربيّته، وعلّمته، وخاصم أقوى منه فنصرته". ونظيره: "قد علمت كيف فعل الملك ببني فلان: حبسهم، وأخافهم، وشكوتهم فعاقبهم". فقولك: "شكوتهم" لا تصلح للتفسير، ولكنها دخلت فيه بشفاعة الفاء، فعطفت بالواو كما رأيت.
стр. 216
[ص ٤٤] فصل
قال المعلِّم رحمه الله تعالى: "ظنّوا أنّ الخطاب في السورة إلى النبي ﵌، فلم يمكنهم تأويل ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ إلى الخطاب؛ فإن النبي ﵌ لم يكن يرميهم، ولكنا بيّنا في الفصل الأول أن الخطاب ههنا إلى أفراد أهل مكة، وكلمة ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ حال من المجرور في (عليهم)، أو جملة مستأنفة. والمعنى على الحالية يكون: ألم تر أيها المخاطب كيف أرسل ربك عليهم طيرًا أبابيل حالَ أنت ترميهم بالحجارة؟ وعلى الاستئناف يكون: كنت ترميهم بحجارة، فجعلهم الربّ كعصف مأكول ... فعسى أن يتوهم أن الحال إنما تبيّن هيئة الفاعل أو المفعول، والضمير في (عليهم) إنما هو مجرور لا فاعل ولا مفعول. فنقول: إنما مراد النحويين أن الحال يبين هيئة الشيء عند حدوث أمر، والحدوث يعبّر عنه بالفعل، فإذا وجدوا الحال عن غير الفاعل أو المفعول فزعوا إلى تقديرات شتى".
ثم ذكر شواهد على مجيء الحال من المجرور، ثم قال: "فعلى تأويل ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ إلى الاستئناف عسى أن يتوهم أن مقتضى المعنى أن يؤتى بالماضي، و ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ مضارع، فنقول: نعم، ولكن ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ أصله: "كنت ترميهم"، وحذف الأفعال الناقصة قبل المضارع أسلوب عام، وله مواقع لا يحسن فيها إلا الحذف، كما بينّاه في كتاب الأساليب ... قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (١). أي فلو كنت هناك أيها المخاطب لظللت ترى
стр. 217
القوم الخ. وقال متمم بن نويرة (١):
تقول ابنةُ العمريِّ مالك بعدَ ما ... أراك قديمًا ناعمَ الوجهِ أفرعا
[ص ٤٥] أي بعد ما كنت أراك.
وقال خِداش بن زهير بن ربيعة (٢):
قِفارٍ وقد ترعى بها أمُّ رافع ... مَذانبَها بين الأسِلَّةِ والصَّخر
أي وقد كانت ترعى.
وقال أعشى بكر بن وائل (٣):
فلئن شطَّ بي المزارُ لقد أُضْـ ... ـحي قليلَ الهموم ناعمَ بال
أي لقد كنتُ أضحي.
وقال القُطامي (٤):
كانت منازلَ منّا قد نحُلُّ بها ... حتى تغيّر دهرٌ خائنٌ خَبِلُ
أي كنا نحلّ بها.
وقال الحطيئة (٥):
تركتَ المياهَ من تميم بلاقعًا ... بما قد تَرى منهم حُلُولًا كَراكِرا
стр. 218
أي بما قد كنتَ ترى".
(١) قال عبد الرحمن: قوله: "ظنوا ... فلم يمكنهم ... " يعطي أن أهل العلم يرون أنّ هناك مانعًا قويًّا من رمي الطير، ولكنهم اضطرّوا إلى قبوله إذ لم يجدوا مساغًا للتأويل. والمعلِّم ﵀ يرى أن هذا حسن ظنّ بأهل العلم، ولو فكّر لَعلِم أنه سوء ظنّ بهم؛ فإننا قد أسلفنا إبطال ما ذكره المعلِّم رحمه الله تعالى من الشبهة، وبيّنّا أنه لا مانع إلّا أن يستبعد رجل رمي الطير من جهة مخالفته للعادة، وإنما يقع هذا لمن ضاق صدره من سخرية الملحدين بالخوارق، وانتفخ سحره من تهاويلهم، ولم يفزع إلى ما يعلمه من قدرة الله وما قصّه في كتابه من الخوارق، وما تواتر عن رسول الله ﵌ منها؟ ولا حقّق النظر في المعقول والعلوم الكونية، فينكشف له أنه ليس فيها شبهة قوية تنفي الخوارق، بل فيها ما يقضي بصحتها ووقوعها.
[ص ٤٦] (٢) وقوله: "ولكنّا بينّا في الفصل الأول أن الخطاب ههنا إلى أفراد أهل مكة" فيه أمران:
الأول: أنا قد أسلفنا أنه ﵀ قال أولًا: "اعلم أن الخطاب ههنا متوجه إلى جميع من رأى هذه الواقعة أو أيقن بها من طريق تواتر الحكاية"، وقال في موضع آخر: "فإنه لا يخاطب به إلا فيما لا يخفى على أحد، كأنه رآه كل من يخاطب به وإن لم يره بعينه".
ووافقته في الجملة على هذا، وأوضحت أن السورة خطاب لكل من يصلح للخطاب إلى يوم القيامة، وأن لا وجه لتخصيص الخطاب بأهل
стр. 219
مكة. وعلى هذا فلو كان ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ خطابًا مبنيًّا على الخطاب في أول السورة كان معناه نسبة الرمي إلى كل أحد إلى يوم القيامة، وهذا واضح البطلان. فإن نسبة العلم بتلك الواقعة الشهيرة إلى كل أحد حسن مقبول، على ما تقدم بيانه، فأما نسبة الرمي إلى كل أحد فلا وجه له.
الأمر الثاني: أنه على فرض صحة ما رجع إليه المعلِّم ﵀ من أن الخطاب في أول السورة لكل أحد من أهل مكة عند نزول السورة، فبناء الخطاب في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على هذا لا يستقيم أيضًا؛ إذ على فرض وقوع الرمي من أهل مكة، فليس كل أحد ممن يصلح للخطاب عند نزول السورة ممن رَمَى، بل لعله لم يبق ممن كان صالحًا للرمي عند الواقعة إلا أفراد قليل أدركوا نزول السورة. [ص ٤٧] فإن الذي يصلح للرمي في القتال لابدّ أن يكون سنّه على الأقل نحو خمس عشرة سنة، فمن بقي من هؤلاء إلى نزول السورة يكون سنه حينئذ بين ستين سنة إلى تسعين سنة. وذلك بالنظر إلى الاختلاف في عام الواقعة، فالمشهور أنها كانت في عام المولد، وقيل: "إنها كانت قبلُ بعشر سنين، أو بخمس عشرة سنة، أو بثلاث وعشرين سنة، أو بثلاثين سنة، أو بأربعين سنة، أو بسبعين سنة، الأقوال المذكورة في كتب السير" (١).
والقولان الأخيران ظاهرا البطلان، وما قبلهما محتمل، فقد ذكر المؤرخون أنه بعد هلاك أبرهة تملّك على اليمن ابنه يكسوم، ثم ابنه الآخر مسروق، ثم كانت حملة الفرس على اليمن مع ابن ذي يزن. فمنهم من لم
стр. 220
يبيّن مدة ملك يكسوم ومسروق كابن إسحاق (١)، ومنهم من بيّنها، ففي "الأغاني" (٢) أنها إحدى وثلاثون سنة، وفي "مروج الذهب" (٣) أنها ثلاث وعشرون.
ولم أر عن أحد إنكار ملكهما أو زعم أنه إنما كان بضعة أسابيع أو أشهر أو سنة أو سنتين. وإنما يرى القائلون بالمشهور أن ملكهما امتدّ تلك المدّة بعد المولد النبوي حتى كانت حملة الفرس مع ابن ذي يزن بعد المولد بتلك المدة: بثلاثين أو ثلاث وعشرين سنة.
ويخالفه ما أخرجه "البيهقي وأبو نعيم وابن عساكر من طريق عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن عن أبي أبيه قال: لما ظهر سيف بن ذي يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد النبي ﵌ بسنتين، أتاه وفود العرب لتهنئته، وأتاه وفد قريش فيهم عبد المطلب ... وأخرج أبو نعيم والخرائطي وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله سواء" (٤).
وقضية هذا أن تكون حملة الحبشة (٥) على اليمن عام المولد أو بعده بقليل، فإن فيه أن وفود العرب [ص ٤٨] للتهنئة كان بعد المولد بسنتين، وإنما
стр. 221
يكون ذلك بعد تمام الغلبة على الحبشة واستقامة الأمر. فيؤخذ منه تقدم الحملة قبل ذلك بسنة أو سنتين. وقضية هذا، مع القول بأن يكسوم ومسروقًا ملكا مدّةً لها قدر، أن تكون واقعة الفيل قبل المولد بمدة لها قدر.
وفي "دائرة المعارف الإسلامية" من مقالة لبعض كتاب الإفرنج: "وعام هذا الحادث الذي يعرف بعام الفيل ... هو عام (٥٧٠ م)، كما تقول المصادر المتأخرة. ويعتبر هذا العام في العادة عام مولد النبي ﵌ إلا أن نُلدِكه قد اعترض بحقٍّ على ما تقدّم؛ لأننا إذا قبلنا ذلك لما كانت هناك بين حملة أبرهة على مكة وغزو الفرس للبلاد العرب الجنوبية (اليمن) عام ٥٧٠ م فسحة من الوقت يحكم فيها أبرهة وأولاده" (١).
والمقصود هنا أن الذين أدركوا الواقعة وكانوا بحيث يقع منهم في العادة أن يقاتلوا برمي ونحوه لم يبق منهم عند نزول السورة إلا قليل في حال الشيخوخة. وغالب الموجودين عند نزول السورة ممن لم يدرك الواقعة، أو أدركها صغيرًا، فكيف يصح خطاب كل واحد من الموجودين بنسبة الرمي إليه؟
[ص ٤٩] فإن قيل: يمكن أن يحمل قوله: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على معنى: يرميهم قومك، فقد خاطب الله تعالى اليهود بعد بعثة محمد ﵌ بقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ... وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ
стр. 222
فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [ص ٥٠] ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ الآيات [البقرة: ٤٧ ــ ٥١]. ومثل هذا كثير في الكلام.
قلت: الجواب عن هذا من أوجه:
الأول: أن هذا الاستعمال مجاز، إنما يحمل الكلام عليه حيث ظهرت قرينته كما في الآيات (١). وليست في قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ قرينة ما، بل الظاهر الواضح ــ إن لم نقل المتيقن ــ أنه ليس بخطاب، بل المعنى: ترميهم تلك الطير.
فإن قيل: كانت القرينة قائمة عند المخاطبين بالسورة، وهم الذين كانوا من قريش في عهد النبي ﵌، فإنهم كانوا يعلمون أن آباءهم رموا، وأنّ الطير لم ترمِ.
قلت: هذه دعوى فارغة، فقد تقدم في فصل (هـ) من القسم الأول الروايات عن الصحابة والتابعين بإثبات رمي الطير وأنه لم يكن من أهل مكة قتالٌ ما. وتقدم قول المعلم: "قصارى أمره أن يكون إما ممن رأى نزول الحجارة من السماء وظنّ من بعيد أنها كانت من الطير ... " وقوله: "ويمكن أيضًا أن بعض المشاهدين أنفسهم لم يفهموا إلا أن الطير رمتهم ... فأيقنوا الرمي من السماء، ولم يروا في السماء إلا طيرًا أبابيل، فنسبوا هذا الرمي إليهن".
стр. 223
وذكرت هناك قول نفيل وكان مع الحبشة:
حمدتُ الله إذ عاينتُ طيرًا ... وخفتُ حجارةً تُلقَى علينا
وقوله بعد ذكر الطير:
يرميننا مقبلاتٍ ثم مدبرةً ... بحاصبٍ من سَواء الأفقِ كالمطر
وأنه إن كان هناك اشتباه، فقد اشتبه الأمر على نفيل ــ مع أنه ليس ببعيد، بل هو مع الحبشة حتى خاف أن تقع عليه الحجارة التي يرى أن الطير تلقيها كما مرّ ــ والتابعين وكذلك على الصحابة. فلو كان اشتباه لكان عامًّا ولكان ينبغي أن يكشفه القرآن، لا أن يزيد الناس جهلًا إلى جهلهم.
والمقصود هنا أنّ ما ادعى من علم أهل مكة في [ص ٥١] (١) وقت نزول السورة بأن الطير لم ترم، ليس بصحيح. وإذا كان الأمر كذلك، فاستعمال المجاز بدون قرينة ظاهرة ضرب من الكذب يتنزه القرآن عنه.
فإن قيل: هناك قرينة أخرى، وهي استحالة أو بعد أن يقع رمي الطير.
قلت: الاستحالة العقلية لا يمكن ادعاؤها، والعادية إنما تصرف عن الحقيقة في مواضع ليس هذا منها. وذلك كأن يكون المتكلم لا يجوّز خرق العادة، أو يكون المخاطب كذلك والمقصود خطابه بما يعترف به، أو تكون القصة عادية محضة لا تناسب الخرق كما قصّه الله من قول إخوة يوسف: ﴿يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا
стр. 224
لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨١ ــ ٨٢]. فإنه لا داعي ههنا إلى أن يحمل قولهم على سؤال عرصة القرية وجدرانها، لأن سؤال الناس يكفي، بل لو قالوا: سل العرصة والجدران، لقد يكون ذلك موهمًا أنهم لا يثقون بأن يشهد لهم أهل القرية، ولكان هذا مما يريب في صدقهم، وذلك خلاف مقصودهم.
وليس الأمر في سورة الفيل كذلك، فإن القرآن يثبت لله القدرة على كل شيء، ويقصّ كثيرًا من الخوارق، كقلب العصا حيَّةً (١)، وفلق البحر حتى كان كل فرق منه كالطود العظيم (٢)، وإنباع اثنتي عشرة عينًا من حجر يضربه عصا (٣)، وحمل المرأة وولادتها بدون أن يمسّها بشر (٤)، وإحياء الموتى (٥)، وأمثال ذلك. والعرب كانوا يؤمنون بقدرة الله وبالخوارق، ويرون الواقعة منها كما تقدم في أشعارهم.
[ص ٥٢] والواقعة تناسب الخارقة، فإنّ جبّارًا ساق جيشًا عظيمًا ليهدم أعظم بيت لله في أرضه، وكان جيشه أكثر من أنصار ذلك البيت بأضعاف مضاعفة في العَدد والعُدد. وأراد الله آية تزجره فلم ينزجر،
стр. 225
وهي حبس الفيل، كما سلف بيان ذلك كله، وتباشير الكلام وبوارقه تؤذن بالخارقة كما تقدم في تفسير السورة.
وبالجملة، فليس ههنا قرينة ما تصرف الكلام عن رمي الطير، فتحمل على تكلف الخطاب المجازي، بل القرائن الحالية والقالية كلها تؤيد رمي الطير بعضها بالخصوص، وبعضها بالدلالة على الخارقة. والمعلِّم ــ عفا الله تعالى عنّا وعنه ــ اطّرح الأول، وحاول التخلص من الثاني بافتراض خارقة أخرى، هي الرمي من السماء. والسورة والواقعة تستغيثان: دع لنا خارقتنا، وخلاك ذمّ:
عذيريَ ممّن قام عنّي محاميًا ... أقرَّ بداري وادّعى غيرَها ليا
ألا ليس لي في غير داريَ حاجةٌ ... فحَسْبيَ نَصْرًا منك تركي وداريا
الوجه الثاني: أن المعروف استعمال المجاز المذكور في الخطاب بلفظ الجمع، كما في الآيات، ولم أره بلفظ الواحد. وهو أن النسبة إلى كل فرد في نحو "ولو ترى" أظهر في العموم منها في نحو "فعلتم". والعموم في نحو "فعلتم" يضعف إذا كان الخطاب لقبيلة وقوم، لكثرة ما يأتي بمعنى "فعل بعضكم"، أو "فعل أسلافكم".
فإن قلت: قد أسلفت أن معنى قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: "قد علمت"، وأنه لكل من يصلح للخطاب، وأنه لا يقدح فيه أن مِن الأفراد مَن لم يعلم.
قلتُ: ذاك لأن في الكلام [ص ٥٣] هناك مبالغة، وهو كناية عن ظهور الواقعة واشتهارها، كما تقدم، ولا يتأتى مثل ذلك في "ترمي" على زعم أنه خطاب.
стр. 226
الوجه الثالث: أن نسبة ما وقع للآباء إلى الأبناء إنما يحسن فيما تتوارث نتيجته، فيكون بوقوعه للآباء كأنه وقع لأبنائهم، كأن يكون فيه فخر أو عار أو استحقاق شكر أو نحو ذلك. تقول لشيباني: "أنتم حُماةُ الذِّمار يومَ ذي قار". ويقول من ينتسب إلى الأنصار لمن ينتسب إلى المهاجرين: "آويناكم وواسيناكم" ونحو ذلك.
وذلك أن يوم ذي قار (١) فخر لكل شيباني إلى يوم القيامة، وإذا ثبت الفخر لمن لم يشهده منهم، فكأنه شهده. وهكذا شكر الأنصاري حق على المهاجري إلى يوم القيامة. وقس على ذلك. وأنت إذا تدبرت آيات البقرة في خطاب بني إسرائيل التي تقدّم التمثيل به (٢) لهذا الأسلوب، وجدتها مطابقة لهذا المعنى.
ولو قيل لرومي أو فارسي: أنتم الذين كتب إليكم النبي ﵌ يدعوكم إلى الإسلام، لرأيت كلامًا يمجُّه السمع وينفر عنه الطبع، حتى يقال للرومي: فأكرمتم رسوله، وحفظتم كتابه؛ وللفارسي فمزَّقتم كتابه؛ فإذا بالكلام قد نفخت فيه الروح، وعادت الأسماع تعطف عليه، والطباع تعتذر إليه! ما ذاك إلا لأن حفظ الكتاب وإكرامه مكرمة يبقى فخارها، وتمزيقه مسبّة يتوارث عارها.
وإذا عرفت هذا، فانظر في رمي أهل مكة لأصحاب الفيل [ص ٥٤] بالحجارة على فرض وقوعه، لا تجد فيه ما يسوّغ نسبة الرمي إلى أبنائهم. أما
стр. 227
الفخر فإن العرب لا ترى رمي العدوّ بالحجارة فخرًا، بل قال الأعشى (١):
ولا نُقاتل بالعِصِيـ ... يِ ولا نُرامي بالحجاره
مع أن المقام ليس مقام مدح ولا ذم.
فإن قلتَ: قد يقال إن الخطاب في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ جاء تبعًا للخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، فيقبل هذا بشفاعة ذاك.
قلتُ: إنما يسوغ هذا لو كان الخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ من هذا الأسلوب، وهو أن ينسب إلى الأبناء ما وقع من الآباء، وليس كذلك، فإن ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى "قد علمت"، والعلم ثابت للمتأخر نفسه.
فإن قيل: فاجعل الرؤية بصرية على ظاهرها، فيكون المعنى: "قد أبصرت"، كما في قوله في آيات البقرة التي تقدم التمثيل بها: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠].
قلتُ: هذا إنما يقوم على دعوى أن يكون قوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ من هذا الأسلوب، أعني أن ينسب إلى الأبناء ما وقع للآباء، فيرِد عليه الوجهان السابقان، وثالث وهو مخالفته لظاهر ارتباط السورة بما قبلها ببنائها على الوعيد والتهديد.
[ص ٥٥] واعلم أنّ المعلِّم ﵀ إنما اعتنى بتطبيق ما قاله من الخطاب في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على الخطاب في ﴿أَلَمْ﴾ لأن السورة كلام واحد،
стр. 228
وما بعد الآية الأخرى تفسير لها. والكلام الواحد إذا كان في أوله خطاب، ثم تلاه خطاب آخر، فلا يكون الثاني إلا للمخاطب بالأول، إلّا أن يكون الثاني أعمّ من الأول، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، أي إذا طلقت أنت أو أحد من أمتك.
ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ ــ ٩]. والنبي ﵌ مكلّف بالإيمان بأنه رسول الله. والتعزير هنا: النصر، كما روي عن جابر مرفوعًا (١). والتوقير: التعظيم، كما روي عن قتادة وغيره (٢). والضميران عائدان إلى الله ، كما هو الحال في قوله: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾.
وفي الآية وجوه أخرى تنفي ما توهمه بعضهم من مخالفة القاعدة المذكورة (٣).
فأما قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ ــ ١٤]، فالخطاب في قوله: ﴿فَأْتُوا﴾ وما بعده كله للكفار، والمعنى كما هو ظاهر:
стр. 229
"فإن لم يستجِب لكم الذين تدعونهم من دون الله". ومن زعم أن الخطاب في قوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ للمسلمين على معنى: "فإن لم يستجب لكم الكفار"، فقد غفل غفلةً شديدةً. وانظر القاعدة في طراز المجالس للخفاجي (١).
والمقصود أن المعلِّم ﵀ موافق على القاعدة المذكورة، ولذلك اعتنى بتطبيق الخطاب في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على الخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، واعتذر عمن تقدمه القائلين بأن المعنى: "ترميهم تلك الطير" بأنهم رأوا أن الخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للنبي ﵌، فلم يمكنهم أن يحملوا ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على الخطاب. فإذا تقرر هذا، وظهر ما تقدم أنه لا يمكن انطباق الخطاب المزعوم في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على الخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، ثبت بذلك بطلان الخطاب المزعوم في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾.
[ص ٥٦] وإنما يمكن التطابق بوجهين: الأول: زعم أن المعنى في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: "ألم تر آباؤكم"، وفي ﴿تَرْمِيهِمْ﴾: "يرميهم آباؤكم". وقد مرّ إبطاله.
الثاني: زعم أن المعنى: "ألم تر يا أبا لهب ... ترميهم يا أبا لهب" وهذا لم يقل به أحد، ولم يقل به المعلم، وإن أشار إليه، وسبق في مقدمة القسم الثاني ردّه من كلامه. ويردّه أيضًا إخلالُه بارتباط السورة بما قبلها، ومنافاته للظاهر الذي هو ... (٢) قطعًا لا يخرج عنها إلا بحجة واضحة؛ وأنه ليس في
стр. 230
القرآن كلام مستأنف ابتدئ بخطاب كافر، وأنه يلزمه أن يكون رمي أبي لهب هو الذي به جُعل أصحاب الفيل كعصف مأكول، وغير ذلك مما لا حاجة للإطالة به. ويعرف كثير منه مما تقدّم ومما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكذا إذا جعل بدل أبي لهب شخص آخر كالعاص بن وائل أو الوليد بن المغيرة.
الوجه الرابع: أن التركيب على زعم الخطاب لا يجري على قانون العربية على ما يأتي قريبًا إن شاء الله.
[ص ٥٧] (٣) قوله: "وكلمة ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ حال من المجرور في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ "، وقوله: "فعسى أن يتوهم أن الحال ... ".
قال عبد الرحمن: الذي يُدرس في الهند من كتب النحو غالبًا: "كافية ابن الحاجب"، وابنُ الحاجب حَدَّ الحالَ بقوله: "الحال ما يبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به لفظًا أو معنىً". والمجرور بالحرف مفعول به في المعنى، فهو داخل في الحدّ، فلا حاجة لما أطال به المعلِّم ﵀ من الشواهد. وفوق ذلك فإن أكثر النحاة يحدُّون الحال بغير هذا الحدّ، فقول المعلم: "إنما مراد النحويين ... فإذا وجدوا الحال عن غير الفاعل والمفعول فزعوا إلى تقديرات شتى" يحتمل أمرين: الأول أن يكون تساهل فأطلق "النحويين" ومراده بعضهم. الثاني أن يكون إنما راجع من كتب النحو كافية ابن الحاجب وظنّ أنّ الحدّ المذكور فيها متفق عليه بين النحويين. فليته سكت عن هذا، ونظر إلى الوجوه الأخرى التي تبطل الحالية هنا:
الوجه الأول: ما تقدم من إبطال الخطاب.
стр. 231
[ص ٥٨] الوجه الثاني (١): أن الحال لا بد أن تقارن عاملها في الزمان (٢). وتقدم في فصل (هـ) من القسم الأول أنه لو كان إرسال الطير إنما هو لأكل جثث الهلكى لكان الظاهر أن يتأخر إرسالها عن رمي أهل مكة، على فرض وقوعه، فعلى فرض تأخره تنتفي المقارنة.
الوجه الثالث: أن ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ يلي ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾، والأصل والظاهر أنه لها حالًا منها أو نعتًا لها (٣). فلا يجوز أن يكون حالًا من الهاء في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلّقًا بالخطاب في أول السورة، إذ لا قرينة على ذلك، بل القرائن القوية تؤيد رمي الطير، وقد تقدم بيان ذلك.
[ص ٥٩] الوجه الرابع: أنّ ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ لو كان خطابًا على أنه حال من الهاء في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ لكان جاريًا على غير من هو له، وإذن لوجب على قانون العربية أن يقال: "ترميهم أنت" (٤).
الوجه الخامس: أنني أشكّ في صحة "مررنا بزيد تحدثه" أو "تحدثه أنت"، وإن صحّ فهو ضعيف. وهو نظير ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ حالًا من الهاء في
стр. 232
﴿عَلَيْهِمْ﴾ (١).
الوجه السادس: أنه لو كان المعنى: "ترميهم أنت" لكان جملة ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ مستقلة عما قبلها ومناسبة لها. وهذا من التوسط بين الكمالين، وهو من مواضع الوصل. فحقه أن يقال فيه: "وأنت ترميهم"، ويتأكد ذلك هنا بدفعه الإلباس (٢). فلما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ تعيّن أن يكون المراد: ترميهم تلك الطير.
فإن قيل: قد ذكروا أن الحال قد تجيء مقدرة بأن تكون متأخرة عن عاملها، ومثّلوا له بقول الله : ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. قالوا: التقدير: ادخلوها مقدَّرًا خلودكم.
قلت: حاصله أنّ قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ مجاز، لما كانوا مقطوعًا بخلودهم في المستقبل أطلق عليهم ﴿خَالِدِينَ﴾ في الحال من باب تنزيل ما عُلِم أنه سيقع، فإنما حاصل الخلود الاستمرار على الحال الحاصلة بالدخول. ولا يتأتى مثل هذا في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾.
أيضًا فقد يحتمل أن يكون قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا﴾ ضمّن معنى "اسكنوها". وعلى هذا فالمقارنة أبين، لأن معنى الخلود فيها هو إنما هو دوام سكناها.
فإن قيل: فقد ذكروا من أمثلة الحال المقدر قول الله : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
стр. 233
مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، فإن التحليق والتقصير متأخر عن الدخول. ولا يتأتى فيه ما ذكرته في ﴿خَالِدِينَ﴾.
قلت: قد يكون النبي ﷺ رأى نفسه وأصحابه داخلين المسجد الحرام محلقين ومقصرين، أي مع المقارنة الحقيقية. ويكون تأويل هذه الرؤيا بإحدى دخلاتهم المسجد الحرام بعد إتمامهم عمرة القضاء، فإنهم أتمّوا العمرة فحلقوا وقصروا، ثم كانوا يدخلون المسجد بعد ذلك (١).
على كل حال، فالأصل في الحال هو المقارنة الواضحة، وإنما يحمل على خلاف ذلك عند تعذر الأصل. ولم يتعذر الأصل في قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾، والله الموفق.
[ص ٦٠] قوله: "وعلى الاستئناف يكون: كنت ترميهم"، وقوله: "عسى أن يتوهم أن مقتضى المعنى أن يؤتى بالماضي و ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ مضارع" إلى آخر ما تقدم.
قال عبد الرحمن: إن أراد بالاستئناف: الاستئناف البياني، وهو ما يكون جوابًا لسؤال ينشأ من الجملة السابقة، فلا يصلح هنا على جعل ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ خطابًا. فإن السامع إذا سمع قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ ولم يكن يعلم القضية، إنما يقع في نفسه السؤال عما فعلت بهم الطير. فإنه يفهم من أول السورة إنزال الله تعالى بالقوم عذابًا شديدًا، ويفهم من إرسال
стр. 234
المعدّى بـ (على) العذاب، وقد تقدم بيان ذلك (١)، فيفهم أن الطير أرسلت لعذابهم، فيقع في نفسه السؤال عما فعلت بهم الطير. فكيف يسأل عما فعلت بهم الطير، فيجاب بقوله: "رميتهم أنت" أو "كنت ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول"؟ ليس الشمس رابعة النهار أنه لو كان هنا استئناف بياني لوجب أن يكون المعنى: "ترميهم تلك الطير" ليكون جوابًا للسؤال المذكور؟ وإن كان ذلك ضعيفًا من وجه آخر، كما تقدّم في تفسير السورة.
فإن قيل: المعلِّم ﵀ يرى أن إرسال الطير كان لأكل جثث الهلكى، ويرى أن قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ يُشعر بذلك على ما جرت به العادة من تحليق الطير على رؤوس الجيش. وإذا فهم السامع ذلك أوشك أن يسأل: "وكيف هلكوا؟ "، فيجاب بقوله: "كنت ترميهم ... ".
قلت: قد تقدم إبطال إشعار الآية بأكل الطير للجثث. وحسبك في إبطاله أنه لم يشعر بذلك أحد من الناس منذ نزلت. [ص ٦١] ولو شئت لحلفت بين الركن والمقام أن المعلِّم ﵀ لم يشعر بذلك منها، وإنما كسعها به لاستبعاده رمي الطير، وقد تقدّم ما فيه. والاستئناف إنما يصلح حيث كان السؤال مما يشعر به كل سامع متفهم.
وعلى فرض توقع السؤال المذكور فممّن؟ أمن الذين رموا؟ كلّا، أم من غيرهم؟ فكيف يصح أن يجاب بقوله: "كنت ترميهم".
стр. 235
فإن قيل: قد يحمل قوله: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على معنى "يرميهم قومك"، على ما تقدم في الخطاب، وعليه فقد يمكن السؤال المذكور من كثير من أهل مكة الموجودين عند نزول السورة، لأنهم لم يدركوا الواقعة.
قلت: قد تقدم ردّ هذا التأويل في الكلام على الخطاب. ومع ذلك فهو يقتضي أن أهل مكة لم يكونوا يعرفون كيف هلك القوم. فإنهم كانوا يرون أنهم هلكوا برمي الطير كما تقدم غير مرّة. ولو كان من آبائهم رمي وكان هلاك القوم به في الظاهر لما خفي عليهم، مع ما جرت به عادتهم من حفظ وقائعهم.
والضربة القاضية على هذا أنّ أول السورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، ومعناه كما يعترف به المؤلف: "قد علمت كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل علمًا مساويًا لعلم المشاهد". فإن لم يكن أهل مكة عند نزول السورة عالمين بكيفية الواقعة، فليت شعري مَنْ عسى أن يكون عالمًا بها حتى يخاطَب بما ذكر، فتدبَّرْ.
فإن قيل: إنّك جوَّزت الاستئناف على معنى "ترميهم الطير"، وهذا الوجه يرد عليه أيضًا.
قلتُ: إنّما جوَّزتُه على أن يكون السؤال ممن لم يعلم بالواقعة كأهل البلدان البعيدة عن مكة وأهل العصور المتأخرة. وقد مرّ الجواب [ص ٦٢] عن دخولهم في الخطاب بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ مع جهلهم، فلا تغفل، على أني بينت أنه مع ذلك ضعيف.
стр. 236
فإن قيل: المعلِّم وإن وافق على معنى أول السورة ما ذكرتَ، إلّا أنه ذكر بعد ذلك أن كثيرًا من الشاهدين أنفسهم لم يكونوا يعلمون الحقيقة، وكانوا يرون أنّ الطيرَ رَمَتْه، وقد قدّمتَ أنت أن ذلك كان الاعتقاد العام، فعلى قوله يكون الجهل متحقّقًا، وذلك مظنّة السؤال.
قلتُ: قد تقدّم إبطال احتمال الجهل، وكفى بأول السورة مبطلًا له. ومع ذلك فالسؤال إنما مظنّة الجهل البسيط، والجهل المدَّعَى هنا مركّب.
وإن أراد الاستئناف النحوي، فقد شرح علماء المعاني في باب الفصل والوصل المواضعَ التي يصلح فيها، وليس منها موضع يصلح هنا. بل لو كان المعنى على ما قاله المعلِّم ﵀ لكان هذا من مواضع العطف بالواو، فيقال: "وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ورميتهم"، أو "وترميهم"، أو "وكنت ترميهم" (١).
قوله: "حذف الأفعال الناقصة قبل المضارع أسلوب عام" يشمل على دعاوى:
الدعوى الأولى: جواز حذف الأفعال الناقصة. وأئمة العربية لا يجيزون حذف ما عدا (كان) من النواسخ، إلا في موضع أو موضعين ليس منها ما قاله المعلِّم في الآية التي استشهد بها. ويجيزون [ص ٦٣] حذف (كان) في مواضع لا يصلح منها شيء في آية الفيل ولا في شيء من الشواهد التي أوردها.
стр. 237
وذكر ابن هشام في بعض رسائله حذف (كان) مع اسمها وأنه ليس بقياس. قال: "إلا بعد أن ولو، ومن ثم قال سيبويه ﵀: لا تقل: "عبدَالله المقتولَ"، بتقدير: كن عبد الله المقتول. وخالف المحققون الكسائيَّ في تخريجه قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على تقدير: "يكن الانتهاء خيرًا لكم" (١).
قال عبد الرحمن: وممن خالف الكسائي في ذلك: أصحابه الفرَّاء وغيره، مع أن الحذف في ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أقرب بكثير من الحذف في الآية التي استشهد بها المعلِّم وفي آية الفيل والشواهد؛ لوجود دلالة في ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. وهو أن ﴿خَيْرًا﴾ منصوب، فلا بدّ له من ناصب، فإذا قدّرت "يكن" بان وجه النصب، فيكون ظهور النصب دليلًا على الحذف. ومع ذلك فالمعنى مفهوم، لا يحصل بحذف "يكن" إلباس، ولا بتقديرها معنى يخالف الظاهر. وهذا بخلاف التقدير في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾.
واعلم أن العلماء حتى النحاة كثيرًا ما يفسّرون الكلام بما يشرح أصل معناه، مع صرف النظر عن التقدير النحوي، فربما يقع في كلامهم ما يوافق تقدير المعلم، فلا تغترَّ بذلك. وقد عقد ابن جنّي في الخصائص بابًا لنحو ذلك (٢). وتجد أمثلة كثيرة، فلا حاجة للإطالة بها.
стр. 238
الدعوى الثانية: دعوى الحذف قبل ﴿تَرْمِيهِمْ﴾. ومن الأصول المتفق عليها ما قال ابن هشام: "الكلام إذا أمكن حمله على [التمام امتنع حملُه على] (١) الحذف، لأنه دعوى خلاف الأصل بغير بيّنة. ولهذا امتنع أن يدّعى في نحو (جاء الذي في الدار) أن أصله: الذي هو في الدار" (٢).
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: "والاختصار هو الاقتصار على ما يدل على الغرض مع حذف أو إضمار. والعرب لا يحذفون ما لا دلالة عليه ولا صلة [ص ٦٤] إليه، لأن حذف ما لا دلالة عليه منافٍ لغرض وضع الكلام من الإفهام. وفائدة الحذف تقليل الكلام، وتقريب معانيه إلى الأفهام" (٣).
قال عبد الرحمن: فالحذف الذي يخالف ذلك، إذا تعمدّه المتكلم كان لحنًا في العربية، ومن جهة أخرى قد يكون كذبًا. فلو كان قبل ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ حذف يصرفها إلى الخطاب لكان من هذا. وقد مرّ إبطال ما توهم من قرينة حاليّة أو عاديّة، وبيان القرائن التي تؤيّد رمي الطير.
فأما الشواهد التي ذكرها المعلم، فإنّ لها محلًّا صحيحًا بليغًا لا يُحوج إلى الحذف. ودعوى الحذف والتقدير فيها ينزل بالكلام عن بلاغته كما سترى. هذا، مع ما تقدم أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيه (٤) حذف (كان). وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 239
الدعوى الثالثة: أن المحذوف "كنت". فلو صحّ حذف (كان) في هذا الموضع، وجوّزنا الاستئناف، وقلنا: إن المضارع إذا وضع موضع الماضي كان بتقدير "كان"، فلنا أن نقدر "كانت". وبذلك يوافق ما عرف عن القصة، وما يفهم من السورة، وما مضى عليه الناس جميعًا قبل المعلم، وتخلص به الكلام عن الإلباس والإيهام وعن اللحن والكذب وغير ذلك مما تقدم.
[ص ٦٥] فأما الشواهد، فقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ [الحاقة: ٧]، نظير قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧]. وسيأتي الكلام عليه في الذيل (١). وفي ذاك التوجيه ما يوافق ما يشعر به المتفهم من بلاغة الكلام وعلوّ درجته، بخلاف التقدير الذي قاله المعلم.
وأما بيت متمم، فإن البغدادي أنشده في "الخزانة":
تقول ابنةُ العمري مالكَ بعدَما ... أراك حديثًا ناعمَ البالِ أفرعا
وقال في شرحه: "ابنة العمري زوجته، والحديث: القريب، والأفرع: الكثير شعر الرأس. تقول: مالك اليوم متغيرًا بعد أن كنت منذ قريب ناعم البال أفرع؟ " (٢).
وفي "حماسة أبي تمام" تحت عنوان "وقال آخر":
ألا قالت العصماءُ يوم لقيتُها ... أراك حديثًا ناعمَ البال أفرعا
فقلتُ لها لا تنكريني فقلّما ... يسودُ الفتى حتى يشيبَ ويصلَعا
стр. 240
قال التبريزي: "ويروى: كبرتَ ولم تجزع من الشيب [مجزعا] (١) " (٢).
ويظهر أن هذه الرواية في هذا الشعر هي الصواب، وأن قوله: "أراك حديثًا ناعم البال أفرعا" انتقل إلى ذهن الراوي من شعر متمّم.
وقصيدة متمم في "جمهرة الأشعار" (٣) كما ذكره المعلم، وفي حاشيتها التنبيه على رواية "الخزانة" (٤). والنظر يقتضي أن يكون الصواب "حديثًا ناعمَ الوجه". أما "حديثًا" فلأن المرأة مع زوجها، فلا بد ان تنكر تغيُّره حداثةَ وقوعه. وأما "ناعم الوجه"، فلأنه المناسب لقوله "أفرعا"، وللبيت الذي يليه، وهو كما في "الخزانة" و"الجمهرة":
فقلتُ لها طولُ الأسى إذ سألتِني ... ولوعةُ حُزنٍ تترك الوجهَ أسفعا
[ص ٦٦] ثم إن صحّت رواية "الجمهرة"، فالتعبير بالمضارع لإفادة الاستمرار وترك تقييده بنحو "كنت" من باب حكاية الحال، كما سنوضحه في الذيل (٥).
стр. 241
وإن صحت رواية "الخزانة" ففيه مع حكاية الحال الدلالة على القرب، وسيأتي شرح ذلك (١). وقول صاحب "الخزانة": "بعد أن كنت" تفسير لأصل المعنى، لا تقدير للإعراب، وقد تقدّم التنبيه على ذلك.
وأما بيت خِداش وبقية الشواهد، فالمضارع فيها مقترن بـ (قد). فإن قلنا بظاهر كلام ابن مالك ومن تبعه أن (قد) تصرف المضارع إلى المضي سقط الاستشهاد البتة. وإن قلنا إن معنى صرفها المضارع إلى المضي أنه معها للاستمرار من الماضي البعيد إلى المستقبل، فاستعماله في الاستمرار المنقطع من باب حكاية الحال والدلالة على القرب وإيهام التوهم، وستأتي نظائر ذلك مشروحة.
هذا، ولو جاز أن يكون ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ خطابًا واستئنافًا لأمكن توجيه العدول عن الماضي إلى المضارع توجيهًا صحيحًا بغير دعوى الحذف، ولكن لا ينفعه ذلك لما علمت (٢).
стр. 242
فهرس مراجع التحقيق
- الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٤.
- الاختيارين للأخفش الأصغر، تحقيق فخر الدين قباوة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٤.
- أسماء جبال تهامة وسكانهان عرّام بن الأصبغ السلمي، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٩٤.
- الأشباه والنظائر للخالديين، تحقيق السيد محمد يوسف، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ١٩٦٥ م.
- الأشباه والنظائر للسيوطي، طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق.
- الاشتقاق لابن دريد، تحقيق عبد السلام هارون، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٩ م.
- الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، دار الثقافة، بيروت.
- أمالي ابن الشجري، تحقيق محمود الطناحي، مكتبة الخانجي، القاهرة.
- أمالي الشريف المرتضى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٧٣.
- أمالي اليزيدي، تحقيق محمد نبيل طريفي بعنوان «المراثي»، وزارة الثقافة، دمشق، ١٩٩١ م.
- البيان والتبيين للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤٠٥ هـ.
- تاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة،
стр. 243
١٩٧٩ م.
- تاريخ مكة للأزرقي، دار الأندلس، بيروت، ١٤٠٣.
- تفسير البغوي، تحقيق محمد عبد الله النمر وزميليه، دار طيبة، الرياض، ١٤٢٧.
- تفسير الخازن، دار الفكر، بيروت.
- تفسير الرازي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥.
- تفسير الطبري، تحقيق محمود شاكر (١٦ مجلدا)، دار المعارف، القاهرة.
- تفسير الطبري، أشرف على تحقيقه عبد الله بن عبد المحسن التركي، القاهرة، ١٤٢٢.
- التمثيل والمحاضرة للثعالبي، تحقيق عبد الفتاح الحلو، الدار العربية للكتاب.
- تهذيب اللغة للأزهري، تحقيق جماعة، الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة.
- التيجان في ملوك حمير، عن وهب بن منبه، رواية ابن هشام، مركز الدراسات والأباحث اليمنية، صنعاء ١٩٧٩ م.
- جمهرة أشعار العرب للقرشي، تحقيق محمد علي الهاشمي، دار القلم بدمشق، ١٤٠٦.
- الحماسة البصرية، تحقيق عادل سليمان جمال، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤٢٠.
- حماسة أبي تمام بشرح التبريزي، مطبعة بولاق، ١٢٩٦.
- حماسة أبي تمام بشرح المرزوقي، تحقيق عبد السلام هارون، لجنة التأليف
стр. 244
والترجمة والنشر، القاهرة، ١٣٨٧.
- حياة الحيوان الكبرى للدميري، تحقيق إبراهيم صالح، دار البشائر، دمشق، ١٤٢٦.
- الحيوان للجاحظ، المطبعة الحميدية، القاهرة ١٣٢٣ - ١٣٢٤.
- الحيوان للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون.
- خزانة الأدب للبغدادي، تحقيق عبد السلام هارون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثانية ١٩٧٩ م.
- الخصائص لابن جني، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، ١٩٥٢ - ١٩٥٧ م.
- ديوان الأعشى، تحقيق محمد محمد حسين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٣.
- ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ١٩٨٤ م.
- ديوان أمية بن أبي الصلت، صنعة عبد الحفيظ السطلي، دمشق، ١٩٧٧ م.
- ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق محمد عبده عزام، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٤ م.
- ديوان الحطيئة، تحقيق نعمان محمد أمين طه، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤٠٧.
- ديوان الخنساء، تحقيق أنور أبو سويلم، دار عمار، عمان، ١٤٠٩.
- ديوان ذي الرمة، تحقيق عبد القدوس أبو صالح، مجمع اللغة العربية، دمشق، ١٣٩٢ - ١٣٩٤.
стр. 245
- ديوان طفيل الغنوي، تحقيق محمد عبد القادر أحمد، دار الكتاب الجديد، بيروت، ١٩٦٨ م.
- ديوان عدي بن زيد العبادي، تحقيق محمد جبار المعيبد، بغداد، ١٩٦٥ م.
- ديوان الفرزدق، دار بيروت للطباعة والنشر، ١٤٠٠.
- ديوان القطامي، تحقيق محمود الربيعين الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ٢٠٠١ م.
- ديوان لبيد بن ربيعة، تحقيق إحسان عباس، وزارة الإعلام، الكويت، ١٩٨٤ م.
- ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٧ م.
- روح المعاني للألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت.
- سيرة ابن هشام، تحقيق مصطفى السقا وزميليه، مؤسسة علوم القرآن، بيروت.
- شرح أبيات مغني اللبيب للبغدادي، تحقيق عبد العزيز رباح وأحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث، دمشق، ١٣٩٣ - ١٤٠١.
- شرح سيرة ابن هشام لأبي ذكر الحنشني، نشرة بولس برونله، تصوير دار الكتب العلمية، بيروت.
- شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لابن الأنباري، تحقيق عبد السلام هارون، دار المعارف، ١٩٨٠ م.
стр. 246
- شرح المفضليات لابن الأنباري، تحقيق ليال، جامعة أكسفورد ١٩١٩ - ١٩٢٤ م.
- شعر عمرو بن معديكرب الزبيدي، صنعة مطاع الطرابيشي، مجمع اللغة العربية بدمشق، ١٤٠٥.
- الشعر والشعراء لابن قتيبة، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، ١٩٨٢.
- صحيح البخاري، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، ١٤١٧.
- صحيح ابن خزيمة، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٠.
- صحيح مسلم بشرح النووي، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٧.
- طبقات ابن سعد، دار صادر، ١٣٧٧ - ١٣٨٠.
- طبقات فحول الشعراء لابن سلام، تحقيق محمود شاكر، مطبعة المدني، القاهرة ١٩٧٤.
- العقد الفريد لابن عبد ربه، تحقيق أحمد أمين وغيره. دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٦.
- فتح الباري لابن حجر، طبعة محب الدين الخطيب، تصوير دار الفكر، بيروت.
- الكامل للمبرد، تحقيق محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٦.
- كتاب سيبويه، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة.
- كتاب عرّام= أسماء جبال تهامة.
стр. 247
- الكشكول لبهاء الدين العاملي، بعناية الطاهر أحمد الزاوي، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، ١٩٦١ م.
- لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت.
- مجمع الأمثال للميداني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، ١٩٧٧ م.
- مروج الذهب، للمسعودي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.
- المزهر للسيوطي، تحقيق البجاوي ورفيقيه، دار التراث، القاهرة.
- مسند أحمد، المكتب الإسلامي، بيروت.
- مسند الطيالسي، دائرة المعارف النظامية، حيدراباد الدكن، ١٣٢١.
- معاني القرآن وإعرابه للزجاج، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٨.
- معجم البلدان لياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- المعجم الجغرفي المقارن.
- معجم الحيوان للفريق أمين معلوف، دار الرائد العربي، بيروت.
- معجم الشعراء للمرزباني، تحقيق عبد الستار فراج، عيسى البابي الحلبي، القاهرة ١٩٦٠ م.
- المعجم الكبير للطبراني، تحقيق مهدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ١٤٠٤.
- معجم ما استعجم للبكري، تحقيق مصطفى السقا، عالم الكتب، بيروت.
- مغني اللبيب لابن هشام، تحقيق مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار
стр. 248
الفكر، بيروت، ١٩٧٩ م.
- المنتخب في محاسن أشعار العرب لمجهول، تحقيق عادل سليمان جمال، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤١٤.
- منتهى الطلب من أشعار العرب لابن ميمون، تحقيق محمد نبيل طريفي، دار صادر، بيروت، ١٩٩٩ م.
- المنمق في أخبار قريش لابن حبيب، تحقيق خورشيد أحمد فارق، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٥.
- نسب معدّو اليمن الكبير لابن الكلبي، تحقيق ناجي حسن، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٨.
- نقائض جرير والفرزدق، نشرة بيغان، ليدن، ١٩٠٥ م.
- النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت.
- همع الهوامع للسيوطي، تحقيق عبد العال سالم مكرم، عالم الكتب، القاهرة، ١٤٢١.