[ص ١] الباب الثاني
في البحث مع المعلِّم رحمه الله تعالى في: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾
قد نبّهتُ في مقدمة هذا القسم الثاني وأثناء الباب الأول منه على مواضع مما خالفتُ فيه المعلم، ووجّهتُ ذلك بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى، وأخّرتُ الكلام في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ لطوله. وأرى أن أقدِّم فوائد وقواعد ينبني عليها البحث معه، فهاكها:
(١) قال ابن الشجري: "قال أبو الفتح عثمان بن جنّي: قال لي أبو علي: سألت يومًا أبا بكر ــ يعني ابن السرّاج ــ عن الأفعال يقع بعضها موقع بعض، فقال: كان ينبغي للأفعال كلها أن تكون مثالًا واحدًا، لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أحوال الزمان. فإذا اقترن بالفعل ما يدل عليه من لفظ أو حال جاز وقوع بعضها في موقع بعض. قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبي بكر عالٍ سديد" (١).
قال عبد الرحمن: هؤلاء كلهم نحاة، ووضع الماضي موضع المضارع وعكسه لا يجوز إلا بأمرين: زوال المانع، وقيام المقتضى للعدول عن الأصل، والمانع هو الإلباس والإيهام، والمقتضي سيأتي بيانه عن أهل البيان. و النحاة إنّما يهتمّون بدفع الإلباس والإيهام كما سيأتي، ولا شأن لهم
стр. 177
بالمقتضي، إذ هو من فنّ آخر، فإجازتهم وضع الماضي موضع المضارع وعكسه إذا كانت قرينة تدل على حقيقة الزمان، إنما معناه أنه ليس هناك مانع نحوي إذ قد زال الإلباس والإيهام. ولا يلزم من زوال المانع النحوي الجواز مطلقًا، ولكن القوم إنما تكلموا بحسب فنّهم.
[ص ٢] فممّا يمنعه النحاة لأجل الإلباس والإيهام: تقديم خبر المبتدأ إذا كانا معرفتين أو نكرتين ولا قرينة، لأنّ الأصل تقديم المبتدأ، فالسامع يحمل الكلام عليه، فمنعوا تقديم الخبر حينئذ لما فيه من الإيهام.
ومن ذلك أنهم اتفقوا على منع "زيدٌ بكرٌ ضاربُه" إذا أريد أنّ زيدًا هو الضارب، وأحبّوا أن يقال: "زيدٌ بكرٌ ضاربُه هو". وإذا قيل هكذا وجب أن تكون الهاء في "ضاربه" لبكر، وكلمة "هو" لزيد (١).
ومنه منعهم تخفيف "إنّ" مكسورة الهمزة مشدّدة النون إذا خُشِيَ التباسها بـ"إنْ" الساكنة النافية.
ومنه منعهم تقديم المفعول حيث يلتبس بالفاعل نحو "ضربتْ سُعدى لُبنى".
ومن ذلك منعهم تقديم المبتدأ في نحو "إنما في الدار زيد"، والخبر في نحو "إنما زيد في الدار"، بل يجب تقديم المقصور على المقصور عليه. ومثله "إنما ضرب زيدٌ بكرًا"، و"إنما ضرب بكرًا زيدٌ".
وقالوا في كلِّ ما تجيز الصناعة حذفه كالمفعول به: إنما يجوز حيث لا إلباس. ومسائلهم المبنية على هذا الأصل كثيرة.
стр. 178
والمقصود أن الحكاية السابقة المراد بالجواز فيها عدم المانع النحوي، وذلك لا يقتضي الجواز مطلقًا، بل لا بدّ من قيام المقتضي. وبيانه موكول إلى فنّ البيان، وسيأتي طرف منه إن شاء الله تعالى.
(٢) حكي عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني إنكار المجاز، وقال: كل ما يظن مجازًا فهو حقيقة. وحكى بعضهم مثله عن أبي علي الفارسي، وهو غلط عليه (١). وحكي عن الظاهرية وابن القاصّ وابن خُوَيزمَنْداد إنكار وقوع المجاز في القرآن (٢).
وقد يتوهم أن مِن رأي هؤلاء جواز وقوع كل من الماضي والمضارع موقع الآخر مطلقًا، أو منعه مطلقًا، أو تأويل ما سمع منه بالحذف والتقدير. وليس الأمر كذلك، [ص ٣] بل يفسّر هؤلاء كل ما وقع من ذلك في القرآن وغيره نحو تفسير الجمهور، إلّا أنّهم يأبون أن يُسمّوا ذلك مجازًا.
وقد تكلم العلماء في تفسير مذهب هؤلاء، فمنهم من رماهم بالجهل، ومنهم من رماهم بالمكابرة، ومنهم من يرى أنهم إنّما استشنعوا هذا الاصطلاح، إذ يلزمه أن يقال: إن في الكتاب والسنة كثيرًا من الألفاظ والجمل ليست على حقيقتها.
والذي يلوح لي أن الأستاذ سمع من كلام الذين اصطلحوا على تسمية هذا حقيقةً وهذا مجازًا ما فهم منه أنهم يرون أن المجاز لا حظّ له في الوضع العربي، كقولهم في استعمال الكلمة: "إن كان فيما وضعت له فهي حقيقة،
стр. 179
وإن كان في غير ما وضعت له فهي مجاز"، فرأى أن معنى هذا أنّ المجاز لا حظّ له في الوضع العربي البتة. وإذا كان كذلك فالألفاظ المجازية ليست بعربية، وقد ثبت أن القرآن عربي، والنبي ﵌ عربي، وكل ما ثبت عن فصحاء العرب فهو عربي، فلا مجاز إذن في ذلك.
والقوم يثبتون للمجاز حظًّا في الوضع العربي، ولكنهم قسموا الوضع إلى تحقيقي كوضع "أسد" للسبع المعروف، ووضع "مضروب" لمن وقع عليه الضرب؛ وتأويلي وهو المجاز كوضع "أسد" للرجل الشجاع. قالوا: وأما إطلاقنا أنّ المجاز مستعمل فيما لم يوضع له، فمرادنا بالوضع هنا الوضع التحقيقي، وأطلقنا لأنّه المتبادر من كلمة الوضع (١).
قال عبد الرحمن: فظنّي أنّ الأستاذ لو وقف على هذا البيان لما كان عنده خلاف، والله أعلم. وأما الظاهرية ومن وافقهم فقد يكون حالهم كحال الأستاذ، فإن صحّ ما حكي عنهم [ص ٤] من قولهم: المجاز شبيه بالكذب، والاستعارة إنما يفزع إليها من عجز عن الحقيقة، فكأنهم يخصّون اسم المجاز بما فقدت قرينته أو ضعفت، أو فقدت علاقته أو ضعفت، أو لم يكن للعدول إليه فائدة لا تحصل بالحقيقة. فإن كان هذا فلا خلاف، فإن أهل العلم معهم على أن مثل هذا لم يقع في القرآن. وإنما الواقع فيه ما ظهرت قرينته، وقويت علاقته، وجلّت فائدته. فإن كانوا لا يسمّونه مجازًا فلا مشاحّة في الاصطلاح.
نعم، توسعت المبتدعة في دعوى المجاز، فحرّفوا كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، وزعموا أن نصوصهما لا تفيد إلا الظنّ. ويكفي في دحض
стр. 180
شبهتهم بيان حقيقة المجاز وأنه لا بدّ فيه مع قوة العلاقة وحصول الفائدة من ظهور القرينة عند المخاطب، فإن المخاطب لا يجوز أن يلقى إليه مجاز ليست قرينته ظاهرة له، وإلا كان الكلام كذبًا. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن المجمل الذي له ظاهر لا يجوز تأخير بيانه عن وقت الخطاب، والباقون أجازوا التأخير إلى وقت الحاجة فقط. ولا خلاف عند التحقيق في النصوص التي ينبني عليها اعتقاد، فإن وقت الحاجة فيها هو وقت الخطاب. فهذا وحده كافٍ لدفع ضلالات المبتدعة، كيف ومعه حجج أخرى ليس هذا محل بسطها.
والمقصود أنه لا حاجة بأهل السنّة إلى تعسّف الطعن في المجاز والتشكيك فيه ، فإنه يخشى من ذلك ضرر أكبر مما يتراءى فيه من النفع، وذلك شأن كل باطل يتوصل به إلى دفع باطل آخر، والله أعلم.
[ص ٥] (٣) في وضع المضارع للحال أو للاستقبال أقوال ذكرها في الهمع، وفيه: "الثالث ــ وهو رأي الجمهور وسيبويه أنه صالح لهما حقيقة، فيكون مشتركًا بينهما، لأن إطلاقه على كل منهما لا يتوقف على مسوّغ وإن ركب، بخلاف إطلاقه على الماضي فإنه مجاز لتوقفه على مسوغ. الرابع: أنه حقيقة في الحال، مجاز في الاستقبال، وعليه الفارسي وابن أبي رُكَب. وهو المختار عندي بدليل حمله على الحال عند التجرد من القرائن، وهذا شأن الحقيقة. ودخول السين عليه لإفادة الاستقبال. ولا تدخل العلامة على الفروع كعلامات التثنية والجمع والتأنيث والنسب" (١).
стр. 181
وقال الرضي بعد ذكر القول بوضعه للحال: "وهو أقوى، لأنه إذا خلا عن القرائن لم يحمل إلا على الحال، ولا يصرف إلى الاستقبال إلا بقرينة، وهذا شأن الحقيقة والمجاز" (١).
قال عبد الرحمن: ومما يحتج به لقول الجمهور أن الإخبار عن الأفعال المستقبلة مما تدعو إليه الحاجة كثيرًا، فيبعد اكتفاء الواضع فيها بالمجاز. وبالجملة فلكلا القولين حجة قوية، فإن أمكن الجمع بينهما فهو الصواب. فقد يقال: كما أن المضارع مع (لم) موضوع للماضي ولا مجاز، فكذلك هو مع السين وسوف وغيرها من الأدوات الموضوعة لصرفه إلى الاستقبال موضوع إلى الاستقبال (٢) ولا مجاز، والفرعية لا تستلزم المجاز ولا تستدعي مسوِّغًا. وإن كان مجردًا عن تلك الأدوات فهو حقيقة في الحال، وإذا استعمل في غيره بقرينة من غير تلك الأدوات فمجاز لا بدّ له من مسوِّغ.
[ص ٦] (٤) ظاهر كلامهم أن المراد بالحال التي وضع لها المضارع حال التكلم، ولكن قال السيد الجرجاني: "الأفعال إذا وقعت قيودًا لحالة اختصاص بأحد الأزمنة فُهِمَ منها استقباليتها وحاليتها وماضويتها بالقياس إلى ذلك القيد، لا بالقياس إلى زمان التكلم" (٣).
قال عبد الرحمن: الذي يهمّنا هنا هو المضارع، فاعلم أنه يكون لحال غير حال التكلم في مواضع:
стр. 182
منها: أن يكون خبرًا لكان أو غيرها من النواسخ، فالحالية هنا هي بالنظر إلى زمن الكون.
ومنها: أن يكون حالًا نحوية، أو في جملة حالية، فالحالية المضارعية هنا هي بالنظر إلى زمن العامل.
ومنها: أن يكون نعتًا ولا صارف، فإن حاليّة الفعل تكون بالنسبة إلى العامل في المنعوت. هذا هو الظاهر فيه، وإن لم يلزم. ومثله كونه مفعولًا ثانيًا لنحو جعل. والله أعلم.
[ص ٧] (٥) الحال الذي هو زمن التكلم هي اللحظة التي تسع الخبر، والخبر يدل على بقاء الفعل ثلاث لحظات: لحظةً قبل الخبر لأنك قبل أن ترى زيدًا مشتغلًا بالكتابة لا تخبر عنه بقولك: " زيد يكتب". فهذه لحظة تسع رؤيتك إياه آخذًا في الكتابة. ولحظةً أخرى تسع الخبر؛ لأن الظاهر أنك لو شرعت في الخبر فرأيته قَطَعَ الكتابة أن تقطع كلامك إن أردت الحقيقة. ولحظةً ثالثةً بعد الخبر، إذ قلّما يتفق أن ينتهي الفعل مع انتهاء الخبر.
(٦) من الأفعال ما يسع الفرد الواحد منه هذه اللحظات الثلاث، ومنها ما أسرع من ذلك كطرف العين، ومنها ما يقصر تارة ويطول أخرى كالنفخ، ومنها ما يستغرق مدّة أكثر من ذلك كالصلاة. وعلى كل حال فلا بد من دوام الفعل تلك اللحظات كما مرّ. فإن كان الفرد الواحد منه أقصر أفهَمَ الكلامُ التكرار كقولك: عينُ زيدٍ تَطْرَف، وإن كان قد يطول وقد يقصر كان الكلام محتملًا للامتداد والتكرار. وإن كان أطول من ذلك فإنما يفهم من الكلام أنه كان مشتغلًا به تلك اللحظات الثلاث، كما في قولك: زيد يصلّي، لابدّ أن يكون قد شرع في الصلاة قبل لحظة من الخبر، ثم استمرّ إلى عقب انتهاء
стр. 183
الخبر. وأما ما قبل هذه اللحظات وما بعدها فالخبر ساكت عنه.
فأما إذا كانت الحالية بالنسبة إلى العامل، فقد يفهم امتداد الفعل أطول مما ذكر، كقولك: جاءنا زيد يمشي، فإن ظاهر هذا أنه استمرّ على المشي منذ خروجه عامدًا إليكم إلى أن وصل.
(٧) كثيرًا ما يستعمل المضارع للدلالة على الاستمرار من الماضي البعيد إلى المستقبل البعيد، إمّا دواميًّا نحو "زيد يحبُّنا"، وإمَّا تجدُّديًّا نحو "زيد يزورنا".
[ص ٨] ولما كان الاستمرار من الماضي إلى المستقبل كان حكم هذا المضارع في الحالية على ما تقدم. تقول: "زيد يحبّنا" ما دام مستمرًّا على محبتكم، قد ثبت عليها إلى الحال ويتوقع ثبوته عليها في المستقبل.
فإذا كان خبرًا لـ"كان" كانت حاليته بحسبها. تقول بعد موت زيد بزمان: "كان زيد يحبّنا، وكان يزورنا".
وكذلك إذا كان جملة حالية أو في جملة حالية فبحسب العامل. تقول بعد موت زيد: مكث زيد بالمدينة عشر سنين يطلب العلم، أو وهو يطلب العلم. وكذلك إذا كان مفعولًا ثانيًا لنحو جعل.
ولما كان من مدلوله التكرار في الماضي قطعًا، وأما في المستقبل فلعله إنما يكون ظنًّا، ولا يلزم حصول فرد منه في الحال، وذلك في قولك: "زيد يزورنا" المتحقق أنه قد زاركم مرارًا، ولا يلزم أن يكون فرد من الزيارة حاصلًا حال التكلم بالفعل، وإن كان كالحاصل بالقوة لثبوت أن الزيارة عادة له وخلق؛ وأما في المستقبل فذلك متوقع على سبيل الظن= لما كان الأمر كذلك أطلق بعضهم أنه للماضي.
стр. 184
قال سيبويه: "قد تقع (نفعل) موضع (فعلنا) في بعض المواضع، ومثل ذلك قوله لرجل من بني سلول [ص ٩]:
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني ... فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنيني
واعلم أن (أسير) بمعنى (سرت) (١) إذا أردت بـ (أسير) معنى (سرت) " (٢).
وبالهامش: "قوله: واعلم أن أسير بمعنى سرت الخ. قال أبو سعيد (السيرافي): إنما يستعمل ذلك إذا كان الفاعل قد عرف منه ذلك الفعل خلقًا وطبعًا، ولا ينكر منه في المضي والاستقبال، ولا يكون لفعل فَعَلَه مرّةً من الدهر".
قال عبد الرحمن: والاستمرار في كل شيء بحسبه، فقد يكون دواميًّا كقولك: "زيد يحبّنا"، وقد يكون تجدّديًّا كقولك: "زيد يزورنا"، ولا بدّ أن يكون تكرَّر في الماضي تكرُّرًا صار به عادة. وذلك يختلف، فالزيارة تحتاج إلى مرار عديدة، وأما في نحو قولك: "زيد يبارز الأسد" فيكفي أن يكون قد وقع منه مرتين فصاعدًا لأن العادة في مثل هذا تثبت بذلك.
(٨) يأتي المضارع للتكرار بعد (ربما) كقوله:
ربّما تجزع النفوسُ من الأمـ ... ـرِ له فَرْجَةٌ كحلِّ العِقالِ (٣)
стр. 185
وقال الأعشى:
ثم أذهلتُ عقلَها ربما يُذْ ... هَلُ عقلُ الفتاةِ شبهِ الهلالِ (١)
وكذلك بعد (قد)، وهو كثير جدًّا. ومنه قول عمرو بن معد يكرب:
ولقد أجمع رِجلَيَّ بها ... حذَرَ الموتِ وإنّي لَفَرورُ
ولقد أعطفُها كارهةً ... حين للنفس من الموت هريرُ
كلُّ ما ذلك منّي خُلُقٌ ... وبكُلٍّ أنا في الرَّوعِ جديرُ (٢)
[ص ١٠] وينظر في دلالة الفعل هنا على التكرار، أبسبب (ربما) و (قد) أم من نفس الفعل، كما تقدم في نحو "زيد يزورنا"؟ الذي يلوح لي في (ربما) أنها هي المفيدة للتكرار لأنها تفيده مع الماضي كقول جَذِيمة:
رُبّما أوفيتُ في عَلَمٍ ... ترفعَنْ ثَوبي شَمَالاتُ (٣)
وتفيده (ربّ) بدون (ما) كقول الأعشى:
رُبَّ رَفْدٍ هَرَقْتَه ذلك اليو ... مَ وأسْرَى من معشرٍ أقْتالِ (٤)
стр. 186
وقوله:
رُبَّ حَيٍّ سقيتَهم جُرَعَ المو ... تِ وحيٍّ سقيتَهم بسجالِ (١)
إلّا أنّها مع الماضي تفيد التكرر في الماضي، وأمّا مع المضارع فتفيد التكرر في الماضي والمستقبل لأنّ أصل المضارع للحال.
وأما (قد) فيلوح لي أن التكرار معها من الفعل. فإن أصل معنى (قد) أن تكون للتحقيق مع الماضي كقولك: "قد خرج زيد". وتفيد التوقّع على شكٍّ مع المضارع، كقولك: "قد يقدم زيد غدًا". فإذا استعملت مع المضارع للتكرار فقد تكون للتقليل. ومن أمثالهم: "قد يَبلغُ القَطوفُ الوَساعَ، قد يُبْلَغُ الخَضْمُ بالقَضْمِ، قد تَقْطَع الدَّوِّيَّةَ النَّابُ، قد يُؤتَى على يَدَي الحريصِ، قد يُدْرِك المُبطِئُ من حَظِّه" (٢).
وقد تكون للتكثير كبيت العروض:
قد أشهدُ الغارةَ الشَّعواءَ تَحمِلُني ... جَرْداءُ معروقةُ اللَّحْيَيْنِ سُرْحُوبُ (٣)
[ص ١١] فكأن التي للتقليل هي التي للتوقع في المستقبل، دخلت على المضارع الاستمراري فأفادت أنه لا يزال متوقَّعًا على شكٍّ، فجاء التقليل، وتحقق الوقوع في الماضي مع التوقع في المستقبل. وذلك أنه لو لم يقع البتة أو
стр. 187
وقع مرة واحدة فقط لكان كالميؤوس منه، ولو كان يتكرر بكثرة لَما ناسبته قد التوقعية لأن التوقع على شك كما سبق. وأما التي للتكثير، فكأنها قد التحقيقية دخلت لتحقيق الاستمرار، ولذلك يكثر دخول اللام عليها، كما يأتي.
هذا، وذهب الجمهور إلى أنّ (ربما) تصرف المضارع إلى المضيّ مطلقًا، وقال بعضهم: بل غالبًا. والظاهر أنَّ مرادهم أنها تفيد التكرار المتحقق في الماضي، المظنون في المستقبل، كما تقدم عن السيرافي في الفائدة السابعة، وذلك ظاهر في قوله: "ربما تجزع النفوس الخ". وأما (قد) فنقلوا عن سيبويه أنها قد تكون بمنزلة (ربما)، وأنشد بيت:
قد أتركُ القِرْنَ مصفرًّا أناملُه ... كأنّ أثوابَه مُجَّتْ بِفِرْصَادِ (١)
ففسّره ابن مالك بأنها بمنزلتها في التقليل والصرف إلى المضي، فخالفه أبو حيان قال: "بل مراده في التكثير فقط" (٢).
قال عبد الرحمن: ليس معنى الصرف إلى المضيّ أن يصير ماضيًا البتة، فإن هذا ليس مرادًا في (ربّما) نفسها كما مرّ، وإنما المراد الاستمرار المتحقق في الماضي، المظنون في المستقبل، على نحو ما تقدم في (ربما)، وما ذكره السيرافي كما مرّ في الفائدة السابعة. وهذا ثابت للمضارع مع قد التقليلية أو التكثيرية، فلا وجه لإنكاره.
[ص ١٣] (٣)(٩) المصادر من حيث مدلولها على ضربين: الأول ما
стр. 188
الغالب فيه أن لا تدعو الحاجة إلى ذكر حدوثه، وإنما تدعو إلى ذكر وجوده كالطول والقصر، ومن هذه تشتقّ الصفات المشبهة كطويل وقصير، ومعناهما: متصف بالطول والقصر.
والضرب الثاني: ما تدعو الحاجة إلى ذكر حدوثه كالقيام والقعود. والأصل في هذه: الدلالة على الحدث، فالقيام اسم للتحرك من الجلوس إلى الانتصاب، والقعود بعكسه، ولكن هذه كثيرًا ما تطلق على الهيئة الحاصلة عن الحدث. فنهوض المصلِّي من التشهد إلى الانتصاب قيام بالمعنى الأول، والهيئة التي يبقى عليها عقب ذلك قيام بالمعنى الثاني. واسم الفاعل يشتق من الأول وهو اسم الفاعل الحقيقي؛ ومن الثاني وهو منحوٌّ به منحى الصفة المشبهة. ولذلك لا ينصب المفعول إلا إذا كانت الهيئة مستمرة على ملابسة المفعول.
وبيانه أن الحجّ في الشرع والعرف العام اسم للأعمال المخصوصة، فالحاجّ هو المتلبّس بها، ولكن الناس يطلقون كلمة "حاجّ" على من قد حجّ، فكأنهم تصوّروا أن الإنسان بعد أن يحجّ ينشأ له هيئة تلزمه أبدًا سمّوها حجًّا، واشتقّوا منها "حاجّ". وهذه الهيئة ليست ملابسة للبيت.
ولُبس القميص اسم للفعل الذي حدث به اللبس بعد أن لم يكن، ثم يطلق على الهيئة التي تحصل بذلك. فإذا لبس زيد في بيته قميصًا، ثم خرج، فرأيته، قلت: هو لابس قميصًا، فلابس هنا بمنزلة قولك [ص ١٤] "حاجّ" لمن قد حجّ، ولكن "لابس" ينصب المفعول لأن الهيئة الحاصلة عن الفاعل لا تزال ملابسة للمفعول.
وقال الله : ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]،
стр. 189
و"باسط" هنا مثل "لابس" في المثال الماضي، إذ ليس المعنى أنه يحدث البسط، بل على أنه كائن على تلك الهيئة، فتدبَّرْ.
واعلم أن الصفات كلها مثل المضارع في أنها للحال، فعند الإطلاق يكون لحال الكلام. تقول: "زيد حسن الوجه"، فيفهم أنه حال كلامك متصف بحسن الوجه، وقس على ذلك. وإذا كانت خبرًا لـ"كان" كانت حاليتها باعتبار كان، وكذا إذا كانت حالًا نحوية أو في جملة حالية، فحاليتها باعتبار عامل الحال. وكذا في الباقي على نحو ما تقدم في المضارع.
[ص ١٥] (١٠) الحال النحوية من شرطها الاقتران بعاملها في الزمن ، أي بأن يكون تلبُّس العامل بصاحبها في وقت مدلولُها فيه حاصل.
قال ابن مالك في الخلاصة:
الحالُ وصفٌ فضلةٌ منتصِبُ ... مُفْهِمُ في حال كفردًا أذهبُ
فإذا جاء ما يظهر منه عدم الاقتران فهو متأوَّل بما يحصل به الاقتران. فقولهم: "جاء زيد راكبًا" المراد بالركوب الهيئة الحاصلة عن أصل الفعل، وهي مستمرّة تقارن المجيء، وليس المراد به إحداث الركوب.
ولهذا إذا أتيت بالفعل الماضي غير المقارن وجب أن تأتي بـ (قد)، فتقول: "جاء زيد قد ركب".والمقارنة حينئذ مأخوذة من معنى (قد) وهو التحقيق، فكأنه قيل: جاء متحققًا أنه ركب، أو في حال تحقق أنه ركب. وهذا معنى قولهم: إنّ (قد) تقرّب الماضي من الحال، فاحفظه. فإن لم تكن (قد) مذكورة وجب تقديرها في المثال المذكور.
فأما إذا كان الفعل مقارنًا بنفسه فلا حاجة لـ (قد)، بل لا يجوز الإتيان بها، وذلك كقولك: "أبصرت زيدًا صلّى الظهر" إذا كانت صلاته الظهر
стр. 190
مقارنة للإبصار. ولو قلت: "أبصرت زيدًا قد صلّى الظهر" لَفُهِم منه أن الإبصار كان بعد الصلاة.
هذا، وإنما يحسن حذف (قد) لنكتة، كما في قوله تعالى في إخوة يوسف: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف: ٦٥]. لم يعلموا بردّها إلا حينئذ، فكأنها إنما رُدَّت حينئذ.
ونحوه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، فإن الحصر يتجدد، فيوجد حال المجيء.
[ص ١٦] ويلوح لي أنه عندما يكون الفعل سابقًا، إن قرب العهد به أتي بـ (قد) وحدها، وإلّا أتي بها مع الواو، والقرب والبعد في كل شيء بحسبه. تقول: "جاء زيد قد حجّ" إذا كان مجيئه عقب الحج، فإن تأخر قيل: "وقد حجّ". والله أعلم.
وقولهم: "خرج فلان إلى الحجاز حاجًّا" فيه مجاز بإطلاق كلمة "الحاجّ" على العامد له، ولهذا يقال إذا خرج المسافرون إلى الحج: "خرج الحجاج اليوم"، وحاصل المعنى: خرج ناويًا أن يحجّ، ولهذا يسميها بعضهم "حالًا منويّةً". وقد يطلق عليها في نحو المثال: "مقدّرة"، من قولهم: قدّرت كذا، أي نويته وعقدت عليه، كما في اللسان (١).
وقوله سبحانه: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، فيه مجاز أيضًا، وذلك أن
стр. 191
الله قدّر أن يخلدوا فيها حتمًا، فكأنه حاصل لهم حين الدخول، ولهذا تسمّى "حالًا مقدّرة"، وتفسَّر بقولهم: "ادخلوا مقدّرًا خلودُكم". ويمكن أن يكون المجاز في قوله (ادخلوا) بتضمينه معنى "اسكنوها" أو نحوه.
وهكذا يقال في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. كذا قالوه، وهو مبنيّ على أن المراد بالدخول: دخولهم حال القدوم، ومحلقين ومقصرين: فاعلين ذلك. ويمكن أن يقال: إن المراد بالدخول: دخول المسجد بعد تمام العمرة، وبمحلقين ومقصرين: كائنين على الهيئة التي تحدث عن الفعل على نحو ما تقدم في الفائدة التاسعة. والذي يدلّ على هذا مع ظهور المقارنة فيه أن الآية حكاية لرؤيا مناميَّة، فكأنه ﵌ رأى نفسه وأصحابه في المسجد الحرام أو داخلين فيه آمنين ما بين محلق ومقصر. وهذه الصفة تنطبق على بعض دخلاتهم في عمرة القضاء بعد أن قضوا عمرتهم، فإنهم أقاموا بمكة ثلاثًا، ولا بدّ أنهم دخلوا المسجد بعد قضاء عمرتهم مرارًا، فتأمَّلْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١)
[ص ٢١] (١٣) لا شبهة في مجيء "تفعل" الخطابي حالًا من ضمير المخاطب به تارة هكذا، وتارة مع الابتداء "وأنت تفعل". وستأتي أمثلة ذلك وتوجيه الفرق بين الصيغتين في الفائدة الآتية إن شاء الله تعالى.
стр. 192
والكلام هنا في صحة مجيء "تفعل" بدون "أنت" حالًا من غير ضمير المخاطب، فإني لم أجده صريحًا في الكلام الفصيح، وإنما وجدته مع "وأنت" (١)، كقوله : ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]. وأجد الذوق يستنكر أن يقال: "مررنا بزيد تحدِّثه". وقد يقال في هذا المثال: إن الواجب ــ على ما تقدَّم في الفائدة السابقة عن الهمع ــ أن يقال: "مررنا بزيد تحدِّثه أنت"، ولكنني أجد الذوق لا يطمئن إلى هذه كما لا يطمئن إلى قولك: "مررنا بزيد تحدِّثانه". وإنما يطمئن إلى "مررنا بزيد وأنت تحدِّثه" أو"وأنتما تحدِّثانه". فإن صحَّ نحو "مررنا بزيد تحدِّثه" فالظاهر أنه لا يخلو من ضعف. والله أعلم.
(١٤) قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، وقال سبحانه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨]. وقال : ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩]. وقال تعالى: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: ٨٥].
قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ حال من ضمير المخاطب، وكذلك ﴿تَعْبَثُونَ﴾
стр. 193
و ﴿تَبْغُونَهَا﴾ و ﴿تَظَاهَرُونَ﴾.
وقال : ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]. [ص ٢٢] وقال : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٢].
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال من ضمير الخطاب، وكذا قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. فينبغي النظر في الفرق بين الموضعين، ومتى ينبغي أن يقال: "تفعل"، ومتى ينبغي أن يقال: "وأنت تفعل"، وكلٌّ منهما حال من ضمير الخطاب؟
قال الشيخ عبد القاهر ﵀: " .... فاعلم أنَّ كلَّ جملة وقعت حالًا ثم امتنعت من الواو، فذاك لأجل أنَّك عمدتَ إلى الفعل الواقع في صدرها فضممتَه إلى الفعل الأول في إثبات واحد. وكلُّ جملة جاءت حالًا ثم اقتضت الواو، فذاك لأنك مستأنف بها خبرًا ... " (١).
ثم شرح الفرق بين "جاءني زيد يسرع" و"جاءني زيد وهو يسرع". وحاصله بإيضاح: أنَّ المثال الأول موضعه حيث تكون الفائدة إنما تحصل من مجموع الفعلين، كأن يكون مجيء زيد إليك معلومًا للمخاطب، أو أمرًا عاديًّا، لا تحصل بالإخبار به وحده فائدة تُذكر، أو يكون إسراع زيد غير مستغرب فلا تكون لذكره وحده فائدة تُذكر، أو غير ذلك.
وموضع المثال الثاني: حيث يكون لكل من الفعلين فائدة لها وقع، بحيث لو علم المخاطب أحدهما لم يستغن عن أن يخبر بالثاني.
стр. 194
فالحال في المثال الأول شبيهة بالنعت، وفي المثال [ص ٢٣] الثاني قريبة من العطف. وكأنك تقول في الأول: حصل من زيد مجيء إليَّ فيه إسراع. وقد أشار الشيخ إلى هذا بقوله: "تثبت مجيئًا فيه إسراع". وكأنك في الثاني تقول: "جاءني زيد"، ثم بعد علم المخاطب بذلك تقول: "جاءني زيد يسرع"، ولكنك لمَّا أردت أن تجمع الخبرين استغنيت عن "جاءني" الثانية بالأولى , وجعلت بدل "زيد" ضميره "هو"، ولم يمكنك إسقاط الضمير لئلا يلتبس بالضرب الأول، فربطتَ الجملتين بالواو.
قال الشيخ: "وتسميتُنا لها واو حال لا يخرجها عن أن تكون مجتَلَبةً لضمِّ جملة إلى جملة. ونظيرها في هذا: الفاء في جواب الشرط، نحو: إن تأتني فأنت مكرم، فإنَّها وإن لم تكن عاطفة، فإنَّ ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة .... وذلك أن إعادتك ذكر زيد لايكون حتى تقصد استئنافَ الخبر بأنه يسرع ... " (١).
فارجع إلى الآيات السالف ذكرها. فقوله : ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ المنُّ كما قال ابن عباس وغيره: الإعطاء. ولا ريب أن الآية لا تنهى عن الإعطاء، وإنما تنهى عن إعطاءٍ يُقصد به الاستكثار. وهذا شبيه بقولك في النعت: "لا تلبس ثوبًا نجسًا"، فظهر أن الفائدة إنما تحصل من مجموع الفعلين.
وكذلك قوله سبحانه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ فإنها لا تنهى عن البناء، وإنما تنهى عن بناء لا فائدة فيه، وذلك معنى العبث.
стр. 195
وقوله سبحانه: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص ٢٤] مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ بغيُ السبيل عوجًا لازمٌ للصدِّ عنها، فهو بمنزلة النعت الذي يؤتى به للذمِّ، نحو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وكذلك التظاهر مع الإخراج في الآية الرابعة.
وهذا ما يتعلق بالضرب الأول.
فأما الثاني: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فذنب العالم ــ كما قيل ــ ذنبان، فكأنه تعالى وبَّخهم على الذنب من حيث هو، ثم وبَّخهم عليه من حيث إنهم يعلمون أي: ليسوا من الجهال.
ونحو ذلك يقال في الآية الثانية. والله أعلم (١).
[ص ٢٥] تقرير المجاز في استعمال ما هو للحال فيما هو ماضٍ أو مستقبل (٢)
اعلم أنَّ للأمر الواقع في الحال خواصَّ بملاحظتها يكون التجوُّز:
منها: الاستمرار من الحال إلى الاستقبال. أعني تلك اللحظات الثلاث التي تقدَّم بيانها في الفائدة الخامسة والسادسة. وكأنه بملاحظتها كان التجوُّز في استعمال المضارع للاستمرار من الماضي البعيد إلى المستقبل البعيد، كما مرَّ في الفائدة السابعة. ويمكن تقريره بوجوه لا تخفى على المتأمل.
ومنها: الملابسة للحال، فإنَّ الواقع في الحال ملابس له بالظرفية، فيشبَّه
стр. 196
به ما وقع في الماضي القريب، أو يقع في المستقبل القريب، لملابستهما الحال بالمجاورة. وهذا في الزمان شبيه بما يقع من التجوُّز في المكان نحو قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. شبه الإلصاق بالجذوع بالإدخال فيها.
ويوضِّحه أنَّ كلمة "الآن" موضوعة لزمن التكلم، ثم تجدها تُستعمل في الماضي القريب، كقول زياد الأعجم يرثي المغيرة بن المهلب:
الآن لمَّا كنتَ أكرمَ مَن مشَى ... وافترَّ نابُكَ عن شباة القارح (١)
أي الآن تموت؟ مع أنه إنما رثاه بعد موته. ويستعجلك صاحبك فتقول: الآن أخرج إليك، تريد: عن قرب.
وقد حمل عليه قوله : ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله سبحانه حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، لأنَّ مَن الشرطية تُخلص المضارع للمستقبل، وفي هذا بحث.
وقد تطلق كلمة "الآن" على ما يحيط بزمن التكلم متسعًا، كقولك: كنت قبل سنة مهاجرًا لزيد، أما الآن فإننا نتزاور. وانظر هذا مع المضارع الاستمراري.
[ص ٢٧] (٢) ومنها: التحقق، فإنَّ من شأن الواقع في الحال أن يكون
стр. 197
مُدْرَكًا بالحسِّ مشاهَدًا بالعين , وكفى بذلك تحقُّقًا. وإنما يكثر عند إرادة تحقيق المستقبل تشبيُهه بالماضي، لأنه إذا شُبِّه بالحال كان التعبير بالمضارع، والمضارع يُستعمل في المستقبل حقيقةً أو مجازًا شائعًا ذائعًا، فلا تظهر إرادة المجاز، وإذا لم تظهر لم يُتنبَّه لِما قُصِد من التحقق، مع أنه قد جاء منه مواضع كما يأتي.
فبالنظر إلى هذه الصفة يشبَّه ما تحقَّق أنه وقع في الماضي أو أنه سيقع في المستقبل بما هو واقع في الحال بجامع التحقق.
وقد يقع التشبيه بهاتين الصفتين معًا، والتشبيه الصريح يقع غالبًا على سبيل الكناية كقولهم "كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آتٍ".
الصواب أنَّ قوله "مقبل" خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو مقبل، ومثله قوله "آت"؛ وأن الباء بعد (كأنك) كالباء في قوله ﵌ في قصة أم إسماعيل: "فإذا هي بالمَلَك" (١)، وفي حديث آخر: "فإذا أنا بموسى آخذٌ" (٢)، وفي حديث الإسراء: "فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين ... فإذا هو بنهر آخر" (٣). وفيه: "فإذا أنا بآدم ... فإذا أنا بابني الخالة ... فإذا أنا بيوسف ... فإذا أنا بإدريس ... فإذا أنا بهارون ... فإذا أنا
стр. 198
بموسى ... فإذا أنا بإبراهيم" (١).
[ص ٢٨] فأصل التشبيه في هذين أنه شبَّه حلولَ الشتاء في المستقبل القريب بحلولٍ له في الحال، بجامع ملابسة الحال. وشبَّه وقوعَ الفرج في المستقبل القريب بوقوع منه في الحال، بجامع ملابسة الحال والتحقق. ولكنه عدل عن هذا إلى لازمه، وهو تلبُّس المخاطب بهما في الحال، فإنه إنما يتلبَّس في الحال بما هو واقع فيه.
ومنه: قوله ﵌ في شأن الكعبة: "كأنِّي به أسودَ أفحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا" (٢).
شبَّه هدمَ ذلك الحبشي في المستقبل بهدمٍ يقع منه في الحال بجامع التحقُّق، وعدل إلى الكناية فقال: "كأنِّي به" أي: كأني ملتبِّس به أي: أُبصِره، لأنه إنما يُبصره يَهدِم في الحال إذا كان الهدم واقعًا في الحال.
ومنه قوله ﵌ ــ وقد مرَّ بوادي الأزرق ــ: "كأني أنظر إلى موسى ﷺ ــ فذكر من لونه وشعره ــ واضعًا إصبعيه في أذنيه، له جُؤارٌ إلى الله بالتلبية، مارًّا بهذا الوادي ... ". ثم قال عندما مرَّ بثنيَّة هَرْشَى (٣): "كأنِّي أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطامُ ناقته لِيفٌ خُلْبَةٌ مارًّا بهذا الوادي ملبِّيًا" (٤).
стр. 199
شبَّه مرور موسى ويونس ﵉ بذلك الوادي في الماضي، بمرور يقع منهما في الحال بجامع التحقُّق، وكنى عن ذلك بقوله: "كأني أنظر ... "، لأنه إنما ينظر في الحال إليهما مارَّين، إذا كان مرورهما واقعًا في الحال.
فأما ما يُروى فيمن قال: "أصبحت مؤمنًا حقًّا، فقيل له: ما حقيقة إيمانك؟ فقال: كأني أنظر إلى عرش ربِّي بارزًا" (١) يُريد: يوم القيامة؛ فليس فيه كناية، [ص ٢٩] وإنما شبَّه حاله في تصديقه بأمور القيامة بحاله على فرض أنه ينظر إليها. فأمور القيامة ثابتة عند السائل، وإنما مقصود المسؤول إثبات إيمانه بها.
وأما مرور موسى ويونس ﵉ حاجَّين، فلم يكن ثابتًا عند المخاطبين، فمقصود النبي ﵌ تثبيت المرور، لا تثبيت تصديقه بالمرور. فلهذا كان ما يظهر من الكلام من إثبات التصديق بالمرور كناية، على ما سمعت، والله أعلم.
فأما العبارة المشهورة: "كأنك بالدنيا لم تكن"، ففيها تشبيه مع الكناية ومجاز.
والأصل تشبيه ما يتوقع من زوال الدنيا بزوال واقع في الحال بجامع القرب والتحقُّق، وتشبيهها عند زوالها بها لو لم تُوجد أصلًا، بجامع عدم النفع. أما الأول فظاهر. وأما الثاني فإنَّ الرجل إذا عاش مدة، ثم مات، ولم يبق بعد موته نفعٌ يتسبَّب عن حياته= قيل كأنه لم يُخْلَق، لأنه لما خُلِق، وعاش
стр. 200
مدَّةً ولم يتسبَّب عن حياته نفعٌ= كان من هذه الجهة كأنه لم يُخْلَق، فإنه لو لم يُخْلَق يكون الحال كذلك، أي أنه لا يوجد نفعٌ يُنسَب إلى خلقه وعيشه.
فحلُّ العبارة هكذا: كأنَّ الدنيا زائلة، أي: الآن، وكأنها إذا زالت لم تكن. ثم طُوي التشبيه الثاني، واستعيرت الصفة للدنيا، فقيل: "لم تكن" وجُعل هذا اللفظ بدل حقيقته في التشبيه الأول، فصار: "كأن الدنيا لم تكن" ــ أي: الآن، ثم كُني عنه على ما سمعت أولًا. وقس عليه بقية العبارة، وهي "وبالآخرة لم تَزُل".
واعلم أنك إذا قلت ــ وزيد غائب ــ: "كأنك بزيد قادم". فقد تمَّ الكلام بقولك: كأنك بزيد، لأن التقدير: كأنك متلبِّس بزيد في الحال، فقولك: "قادم" خبر لمبتدأ محذوف.
وإذا قلت ــ وزيد حاضر ــ: "كأنك بزيد مسافرًا" فلا يتم الكلام إلا بقولك: مسافرًا، فـ"مسافرًا" حال، فتدبَّرْ.
هذا تحقيق هذا التركيب، وقد أطالوا فيه بما في بعضه تخليط (١).
وتردد التقي السبكي في صحته قال: " [وقد استعملتُ في كلامي هذا: "وكأني بك" لأن الناس يستعملونه، ولا أدري هل جاء في كلام العرب أم لا، إلا أن في الحديث: "كأنِّي به"، فإنْ صحَّ فهو دليل الجواز. وفي كلام بعض النحاة ما يقتضي منعه ... "] (٢).
стр. 201
[ص ٣٠] هذا، والغالب في تشبيه غير الواقع في الحال بالواقع فيه طيُّ التشبيه واختيارُ المجاز على سبيل الاستعارة. والغالب أنه ينضاف إلى التقريب والتحقيق أو أحدهما فائدة أخرى قد تكون هي المقصود بالذات، وهي حملُ السامع على إنعام النظر في الواقعة، ورسمُ صورتها في ذهنه، لأن صورة الكلام تُصوِّرها له كأنها حاضرة تجري أمام عينيه، فيدعوه إلى أن يتصوَّرها بحسب ذلك، وكأنه يتخيلها تجري أمام عينيه، فيكون ذلك أوقع لها عنده، وأبلغ في تربية الأثر المقصود من حكايتها في نفسه.
وهذا هو المعروف عند أهل العلم بحكاية الحال.
قال الرضي: ـ "قال جار الله ــ ونعم ما قال ــ: معنى حكاية الحال أن يُقَدَّر أنَّ ذلك الفعل الماضي واقع في حال التكلم كما في قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، وإنَّما يُفعل هذا في الفعل الماضي المستغرب، كأنك تُحضِره للمخاطب وتُصوِّره له ليتعجب منه. تقول: رأيت الأسد، فآخذُ السيفَ، فأقتلُه" (١).
وقال السكاكي بعد ذكر أمثلة: "كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ... ﴾ [فاطر: ٩] إذ قال: "فتثير" استحضارًا لتلك الصورة البديعة الدَّالة على القدرة الربانية، من إثارة السحاب مسخَّرًا بين السماء والأرض، متكوِّنًا في المرأى تارةً عن قزع وكأنها قطعُ قطن مندوف، ثم تتضامُّ متقلِّبةً بين أطوار حتى يَعُدْن ركامًا. وإنّه طريق للبلغاء ... وأمثال هذه
стр. 202
اللطائف لا تتغلغل فيها إلا أذهان الرَّاضَة من علماء المعاني" (١).
وقال ابن هشام "القاعدة السادسة: "أنهم يُعبِّرون عن الماضي والآتي كما يعبِّرون عن الشيء الحاضر قصدًا لإحضاره في الذهن، حتى كأنه مُشاهَد حالةَ الإخبار ... " (٢).
[ص ٣١] فمن أمثلتهم المشهورة في هذا قول تأبط شرًّا:
فإنّي قد لقيتُ الغُولَ تهوي ... بسَهْبٍ كالصحيفةِ صَحْصَحانِ
فأضربُها بلا دَهَشٍ فخرَّتْ ... صريعًا لِليدين وللجِران
فتقرير الاستعارة ــ على ما حققه السيد الشريف (٣) وغيره ــ أن يقال: شبّه الضرب منه للغول في الماضي بضرب يقع منه لها في الحال بجامع التحقّق في كلّ في نفسه، ثم استعار اللفظ الدالّ على المشبّه به للمشبّه، واشتقّ منه "أضرب".
ونظيره ــ والواقعة مستقبلة ــ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النحل: ١٢٦]. قال في "المغني": "لأن لام الابتداء للحال" (٤). فتقدير الاستعارة أن يقال: شبّه الحكم الذي سيقع يوم القيامة بحكم يقع في الحال بجامع التحقق إلخ.
стр. 203
وكثيرًا ما تبنى الاستعارة على التشبيه مع الكناية، فتكون الاستعارة بالكناية. فمنه ــ والواقعة ماضية ــ قوله في قصة أصحاب الكهف: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف: ١٧]. شبه التزاور الواقع في الماضي بتزاور يقع في الحال، واستعير اللفظ الدّال على المشبّه للمشبّه به، وطوي ذلك، ورمز إليه بأن أثبت للمشبه شيء من لوازمه وهو رؤية واقعة في الحال، فإنه يلزم من رؤيته في الحال أن يكون واقعًا في الحال. [ص ٣٢] وإثبات الرؤية في الحال تخييل، كما يقوله البيانيون في بحث الاستعارة بالكناية.
ومنه ــ والواقعة مستقبلة ــ قوله تعالى في صفة يوم القيامة: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. شبّه حفوف الملائكة بالعرش يوم القيامة بحفوف واقع منهم في الحال، واستعير لفظ المشبه به للمشبه في النفس، ورمز إليه بأن أثبت للمشبه شيء من لوازمه، وهي الرؤية في الحال، وإثبات الرؤية في الحال تخييل.
ومنه ــ والواقعة متكررة في الماضي والمستقبل ــ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣]. وقال : ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ
стр. 204
سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨].
الأفعال في هاتين الآيتين إما للاستمرار وإما للحال، والأولى في قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أنه للحال، شبه خروج الودق من خلال السحاب فيما يتكرر في الماضي والمستقبل بخروج منه يقع في الحال إلخ، وإثبات الرؤية في الحال تخييل.
[ص ٣٣] وفي القرآن أسلوب آخر قريب من هذا، وهو التعبير بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾، كقوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآيات [سبأ: ٣١].
قد يتراءى أن هذا الأسلوب دون الأول في البلاغة، ولكنه عوّض بأن حذف جواب لو، وذلك يعطي أن الجواب يُفهَم مما ذكر في سياق الشرط، وهذا يحمل السامع على أن يكرر النظر والتدبر فيما ذكر حرصًا على أن يفهم الجواب. وبهذا يحصل المقصود، فتدبَّرْ.
وهناك فائدة أخرى للتعبير بما هو للحال عما ليس في الحال، وهو إيهام المتكلم أن يعتقد الحصول في الحال، وأكثر ما يقع ذلك في المراثي. وتوجيهه أن المحبّ لشدّة حرصه على بقاء حبيبه، وإشفاقه من موته، يبادر إلى ردِّ خبر الموت، كما وقع لعمر ﵁ عند وفاة النبي ﵌ (١). فإذا تحقق الخبر بقي عنده شبه تردُّد قد يغلبه بعض
стр. 205
الأوقات حتى يتخيل أن حبيبه لا يزال حيًّا، وربما يتخيّله معه. وقد يسلك هذا المجاز في كلمة، ويصرّح بالموت في أخرى، لإيهام أنه لشدة جزعه كأنه قد خولط في عقله. قالت الخنساء في تكذيب الخبر بقتل أخيها:
كذَّبتُ بالحقِّ وقد راعني ... حتى عَلَتْ أبياتَنا الواعيَهْ (١)
وقال أعشى باهلة يرثي المنتشر الباهلي (٢) [ص ٣٤]:
إنّي أتتْني لسانٌ ما أُسَرُّ بها ... مِنْ عَلْوَ لا عَجَبٌ فيها ولا سَخَرُ
جاءت مُرَجَّمةً قد كنتُ أحذرها ... لو كان ينفعني الإشفاق والحذَرُ
تأتي على الناس لا تَلْوي على أحدٍ ... حتى أتتنا وكانت دوننا مُضَرُ
إذا يُعادُ لها ذِكرٌ أكذّبُه ... حتى أتتني بها الأنباءُ والخَبَرُ
وشرحه المتنبي، فقال (٣):
طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ ... فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذِبِ
حتى إذا لم يَدَعْ لي صدقُه أملًا ... شرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرَقُ بي
ولذلك تراهم في مراثيهم يكثرون من مخاطبة الميّت، ويقولون له: "لا تبعد". وآخر مرثية أعشى باهلة السابق ذكرها:
стр. 206
فإن سلكتَ سبيلًا كنتَ سالكها ... فاذهَبْ فلا يُبْعِدَنْكَ اللهُ منتشرُ
وفي قصيدة مالك بن الريب (١) التي يرثي بها نفسه، وهو يجود بها، يذكر ما يقال بعده، ويتعجب من قولهم: "لا تبعد":
يقولون لا تبعَدْ وهم يدفنوني ... وأين مكانُ البعد إلّا مكانيا
وفي مرثية أعشى باهلة مما استعمل فيه ما يدل على الحال لما مضى وانقضى:
إنّ الذي جئتَ من تثليثَ تندُبُه ... منه السَّماحُ ومنه الجودُ والغِيَرُ
تنعى امرًا لا تُغِبُّ الحيَّ جفنتُه ... إذا الكواكبُ خوَّى نوءَها المطرُ
وفيها:
لا تأمنُ البازلُ الكوماءُ ضربتَه ... بالمشْرَفيِّ إذا ما اخروَّطَ السَفَرُ
قد تكظِمُ البُزْلُ منه حين يَفْجؤُها ... حتى تقطَّعَ في أعناقها الجِرَرُ
[ص ٣٥] أخو رغائبَ يُعطِيها ويُسْألُها ... يأبَى الظُّلامةَ منه النَّوفَلُ الزُّفَرُ
ومنها:
يَمشي ببَيْداءَ لا يمشي بها أحدٌ ... ولا يُحَسُّ خلا الخافي بها أثَرُ
ومنها:
أخو حُروبٍ ومِكسابٌ إذا عَدِموا ... وفي المخافةِ منه الجِدُّ والحذَرُ
стр. 207
مِرْدى حُروبٍ شهابٌ يُستضاءُ به ... كما أضاءَ سوادَ الطِّخيةِ القمرُ
مُهَفْهَفٌ أهضَمُ الكَشْحَينِ مُنْخرِقٌ ... عنه القميصُ لسير الليل محتقِرُ
ضخمُ الدَّسيعةِ مِتْلافٌ أخو ثقةٍ ... حامي الحقيقةِ منه الجودُ والفخَرُ
طاوي المصيرِ على العَزَّاءِ منجردٌ ... بالقوم ليلةَ لاماءٌ ولا شجَرُ
لا يتأرّى لِما في القِدْر يرقُبُه ... ولا يعَضُّ على شُرْسُوفِه الصَّفَرُ
تكفيه فِلْذَةُ لحمٍ إنْ ألَمَّ بها ... من الشِّواء ويُروي شُرْبَه الغُمَرُ
وأفعال الاستمرار داخلة في المجاز، كأنه شبَّه ما كان فيما مضى مستمرًّا من الماضي إلى المستقبل بما هو مستمرّ في الحال بجامع ملابسة الحال والتحقق، وانضمَّ إلى ذلك حكاية الحال والإيهام، وقِسْ على ذلك.
وهكذا الصفات في هذه الأبيات، فإنّ حقّها أن تطلَق للحال كما تقدم في الفائدة التاسعة، ووقوعها مرفوعةً يردّ ما قد توهم أن الأفعال على تقدير كان، فتدبَّرْ.
ومن مراثيهم التي كثُر فيها التجوّز المذكور مرثية زياد الأعجم للمغيرة بن المهلَّب (١):
قل للقوافل والغُزاة إذا غزَوا ... لِلباكرِينَ ولِلمُجِدِّ الرائحِ
[ص ٣٦] إن الشجاعةَ والمروءةَ ضُمِّنا ... قبرًا بمروَ على الطريقِ الواضحِ
стр. 208
فإذا مررتَ بقبرِه فاعقِرْ به ... كُومَ الجِلادِ وكلَّ طِرْف سابحِ فلقد يكون أخا دَمٍ وذبَائحِ
وانْضَحْ جوانب قبرِه بدمائها
ومنها:
لله درُّ منيَّةٍ فاتَتْ به ... فلقد أراه يرُدُّ غربَ الجامِحِ
ولقد أراه مُجَفِّفًا أفراسَه ... يغشى الأسنَّةَ فوقَ نَهْدٍ قارح
ومنها:
ولقد أراه مقدِّمًا أفراسَه ... يُدْني مَرَاجِحَ في الوغى لِمَراجح
ويقرب من المراثي ما يقع في تحسّر الشيوخ على ماضي أعمارهم. فمنه قول الأعشى (١):
ولقد أسْتَبي الفتاةَ فتعصي ... كلَّ واشٍ يريدُ صَرْمَ حبالي
لم تكن قبلَ ذاك تلهو بغيري ... لا ولا لهوُها حديثُ الرّجالِ
ثم أذهلتُ عقلَها ربّما يذ ... هل عقلُ الفتاة شبهِ الهلالِ
ولقد أغتدي إذا صقع الدّيـ ... ـكُ بمُهْرٍ مشذَّبٍ جَوّال
ثم نعت المهر إلى أن قال:
فعَدَونا بمُهْرنا إذ غَدَونا ... قارِنِيه ببازلٍ ذَيّال
стр. 209
وفي آخرها:
ذاك عيشٌ شهدتُه ثم ولَّى ... كلُّ عيشٍ مصيرُه لِلزَّوال
وقال النَّمِر بن تَوْلَب (١):
لَعمري لقد أنكرتُ نفسي ورابني ... مع الشَّيبِ أبدالي التي أتبدّلُ
[ص ٣٧] فضولٌ أراها في أديميَ بعد ما ... يكون كفافَ اللَّحم أو هو أفضلُ (٢)
الشاهد في قوله: "يكون".
وقال هُبَل بن عبد الله بن كنانة يذكر نفرًا قعدوا يضحكون منه بعد ما هرِمَ (٣):
ربَّ يومٍ قد يُرى فيه هُبَلْ ... ذا سَوامٍ ونَوَالٍ وجَذَلْ
لا يُناجيه ولا يخلو بِهِلْ ... عبدُ ودٍّ وجبيلٌ وحَجَلْ
وقال عبّاد بن شدّاد اليربوعي لما هرم (٤):
يا بؤسَ للشيخ عبّاد بن شدّادِ ... أضحى رهينةَ بيتٍ بينَ عُوّادِ
وتهزأ العِرْسُ منّي أن رأت جسدي ... أحدبَ لم يبق منه غيرُ أجلادِ
فإن تراني ضعيفًا قاصرًا عنقي ... فقد أُكعكِعُ منه عَدوةَ العادي
стр. 210
وقد أفيء بأثواب الرئيس وقد ... أغدو على سَلْهَبٍ للوحش صيّاد
ويقع نحوه لمن فارق ما يهواه وإن لم ييأس من عوده. وقد يكون منه قول النابغة في معلقته (١):
عُوجُوا فَحَيُّوا لِنُعْمٍ دمنةَ الدارِ ... ماذا تحيُّون من نُؤْيٍ وأحجار
يقول فيها:
وقد أراني ونُعْمًا لاهيَين بِها ... والدهرُ والعيشُ لم يَهْمُمْ بإمرار
وقد يُعطف على المضارع الاستمراري فعل ماضٍ بالفاء أو ثمّ، فيحتمل وجهين: الأول أن يكون المعنى على استمرار ماضٍ منقطع، وأطلق المضارع بدون تقييد بالماضي حكاية للحال. الثاني: أن يكون الاستمرار مطلقًا، والفعل الماضي أصله مضارع استمراري مطلق عبّر عنه [ص ٣٨] تفنّنًا في إفادة التحقق.
فمن ذلك: البيت الذي أنشده سيبويه كما تقدم في الفائدة السابعة:
ولقد أمُرُّ على اللئيم يسُبُّني ... فمضيتُ ثمّتَ قلتُ لا يعنيني
قال البغدادي: "وعبّر بالمضارع حكايةً للحال الماضية كما في الخصائص لابن جنّي، أو للاستمرار التجدّدي. و"مضيتُ" معطوف على
стр. 211
"أمرُّ" بمعنى "أمضي"، وعبّر به للدلالة على تحقّق إعراضه عنه" (١).
وقوله: "حكاية للحال الماضية كما في الخصائص لابن جنّي" هو الوجه الأول على أن ذلك استمرار قد انقطع. وقوله: "أو للاستمرار ... " هو الوجه الثاني على أن الاستمرار باقٍ، وما عطف عليه من المضي والقولِ مثله في بقاء الاستمرار، وإنما عدل إلى الماضي لأن الاستمرار يتناول المستقبل وهو محتاج إلى التحقيق، فحققه بالتعبير بالفعل الماضي، فتدبّر.
هذا، والصواب في هذا البيت هو الوجه الثاني، لأن انقطاع الاستمرار مع بقاء القائل حيًّا إنما يكون بتبدّل خلقه من الحلم إلى ضدّه، وهذا ينافي غرضه.
وقال امرؤ القيس في معلقته (٢):
وقد أغتدي والطيرُ في وُكناتها ... بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكل
ثم أفاض في نعت الفرس إلى أن قال:
فعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنّ نِعاجَه ... عذارى دُوارٍ في مُلاءٍ مذيَّل
وقال قَطَريّ بن الفجاءة (٣):
стр. 212
لايركَنَنْ أحدٌ إلى الإحجامِ ... يومَ الوغى متخوِّفًا لحِمامِ
[ص ٣٩] فلقد أراني لِلرّماح دَريئةً ... مِن عَن يميني مرّةً وأمامي
حتى خضبتُ بما تحدَّر من دمي ... أكنافَ سَرْجي أو عِنانَ لجامي
ثم انصرفتُ وقد أصَبتُ ولم أُصَبْ ... جَذَعَ البصيرةِ قارحَ الإقدام
[ص ٤٠] (١٥) الجملة الواقعة بعد أخرى تنقسم عند النحاة إلى مستأنفة وغيرها. ومعنى استئنافها عندهم هو انقطاعها عن الأولى بالنظر إلى التركيب النحوي، هذا هو الاستئناف النحوي. قال ابن هشام: "ويخصّ البيانيّون الاستئناف بما كان جواب سؤال مقدّر" (١). وهذا يقال له الاستئناف البياني، وإيضاحه كما قال السكّاكي: "أن يكون الكلام السابق بفحواه كالمورد للسؤال، فينزل ذلك منزلة الواقع، ويطلب بهذا الثاني وقوعه جوابًا له، فينقطع عن الكلام السابق لذلك. وتنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليه إلا لجهات لطيفة: إما لتنبيه السامع على موقعه، أو لإغنائه عن أن يسأل، أو لئلا يسمع منه شيء، أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه ... " (٢).
قال عبد الرحمن: هذا وغيره من عباراتهم مع تدبر مواقع هذا الاستئناف في الكلام البليغ يوضح أنه إنما يصلح حيث يكون اقتضاءُ الجملة الأولى للسؤال الذي تكون الثانية جوابًا له اقتضاءً ظاهرًا بحيث يغلب أن من سمع الجملة الأولى متفهّمًا يعرض له في نفسه ذلك السؤال. ولهذا يكثر في القرآن أن تختم الجملة الأولى برأس آية، لأن من شأنها أن
стр. 213
يوقف عندها، فيستقرّ في نفس السامع ذلك السؤال ويلذعه الشوق إلى جوابه، فيقع الجواب موقعه، ويصير الكلام شبه محاورة. وللمحاورة من اللذة وموافقة النفس ما ليس في السماع المجرّد، فإنّ أحدنا إذا سمع خطبة أو محاضرة لا يجد من اللذة ما يجده للمحاورة مع الفاضل بأن تسمعه، فيعرض لك السؤال، فتسأله، فيجيبك، وهكذا. ولهذا ــ والله أعلم ــ كثر هذا الاستئناف في القرآن، لأن المحاورة الحقيقية لا تمكن فيه.
[ص ٤١] فمن ادعى في جملة أنها استئناف بياني احتاج أن يثبت أن الجملة التي قبلها يغلب فيمن سمعها متفهمًا أن يقع له السؤال الذي تكون الثانية جوابًا له.
ومع هذا فإنه إذا كانت الثانية بحيث يصحّ صحّةً ظاهرةً ربطُها بالأولى على معنى آخر، فالربط أولى من الاستئناف، لأن الربط هو الأصل الغالب.
١٦ ــ خبر المبتدأ قد يتعدّد صورةً مثل "هذا حلو حامض" أي مُزٌّ، و"زيد أعسَرُ يَسَرٌ" أي أضبَطُ. وقد يتعدد حقيقةً مثل "زيد شاعر كاتب"، ويجوز في هذا العطف "زيد شاعر وكاتب". وقد يكون الخبر جملة "ولابد لها من رابط بالمبتدأ، والغالب أن يكون ضميرًا فيها يعود عليه" مثل "زيد سافر أخوه". وقد يُكتفى بضمير في جملة أخرى مربوطةٍ بالأولى بالفاء كقولهم: "زيدٌ يَطير الذبابُ فيَغضب"، وقول الشاعر (١):
стр. 214
وإنسانُ عيني يحسِرُ الماءُ تارةً ... فيبدو وتاراتٍ يجُمُّ فيَغْرَقُ
وحقّق ابن هشام (١) أن هذه الفاء لمحض السببية، ليست بعاطفة، وأنها صيّرت الجملتين جملة واحدة هي الخبر.
قال عبد الرحمن: إذا قلت: "زيد يغضب إذ يطير الذباب" فجملة "يغضب" هي الخبر النحوي، لكنها لا تتمّ إلا بما بعدها؛ إذ ليس المقصود الإخبار عنه بأنه يغضب مطلقًا، فإذا عكستَ وقدّمتَ لغرض "يطير الذباب" فإنها تحتاج إلى رابط يربطها بقولك: "يغضب"، و (إذ) لا تأتي ههنا، لأنّ من شأنها أن يكون قبلها المسبب وبعدها السبب، فلهذا جعل مكانها الفاء لأنها تفيد السببية كـ (إذ)، وهي عكسها في الترتيب: يكون قبلها السبب وبعدها المسبب، فقيل: "زيد يطير الذباب فيغضب".فلا يحسن أن يقال: إن جملة "يطير الذباب" [ص ٤٢] هي الخبر النحوي، لأنها أجنبية، ولا يمكن أن يقال: إن جملة "يغضب" هي الخبر كما لا يخفى. فتعيَّن أن يقال: إن جملة "يطير الذباب فيغضب" هي الخبر كأنه قيل: "زيدٌ طيرانُ الذباب يُغْضِبُه". ونستطيع أن نقول: إن "يطير الذباب" دخلت في الخبرية بشفاعة الفاء.
هذا، وكما يتعدد الخبر المفرد، كذلك يتعدد الخبر الجملة. وتكون تارة من باب "حلو حامض" و"أعسر يسر"، كقولك: "هذا الرمان في طعمه حلاوة، وفيه حموضة"، و"زيد يعمل بيمينه، ويعمل بيساره". وتارةً من باب "شاعر وكاتب"، كما تقول: "زيد يشعر ويكتب"، و"زيد أبوه مسافر، وعمه مقيم".
والعطف هنا هو الجادَّة في النوعين، وكل جملة من الجمل المتعاطفة
стр. 215
تحتاج إلى رابط. وقد يجيء بعضها مثل "يطير الذباب فيغضب"، كما تقول: "زيد يؤذي الجليس، ويسيء إلى العشير، ويطير الذباب فيغضب".ولما دخلت هنا "يطير الذباب" في الخبرية بشفاعة الفاء استحقّت العطف.
هذا، وقد عرفت بدل البعض وأنه يحتاج إلى ضمير يربطه بالمبدل منه، وإنما أنبّهك على أنه قد يتعاطف بعضان فأكثر، فيكون ذلك شبيهًا بالخبر في قولك: "هذا حلو حامض"، وذلك كقولك: "أعطيته الدار ربعها وثمنها" كأنك قلت: ثلاثة أثمانها.
واعلم أن الجملة المفسّرة قد تشبه بدل البعض، فإذا قلت: "أحسنت إلى زيد: علّمته"، فجملة "علّمته" مفسرة لقولك: "أحسنت إلى زيد". وتحتاج المفسّرة هنا إلى ثلاثة أمور: الأول أن يكون فيها معنى الإحسان. الثاني كونها من فعل المتكلم. الثالث علاقتها بزيد.
وقد تتعدد الجمل فتكون شبيهة بتعدد بدل البعض أو بتعدد الجمل الخبرية [ص ٤٣] التي هي من باب "حلو حامض". وذلك كقولك: "أحسنت إلى زيد كثيرًا: ربيّته، وأدّبته، وعلّمته، وموّلته"، فتتعاطف وتكون كل منها بحيث تصلح وحدها للتفسير كما ترى.
وقد تجيء جملة لا تصلح للتفسير، ولكنها تدخل فيه بشفاعة الفاء الرابطة لها بجملة أخرى صالحة له، على حدّ ما تقدم في الجملة الخبرية. تقول: "أحسنت إلى زيد كثيرًا: ربيّته، وعلّمته، وخاصم أقوى منه فنصرته". ونظيره: "قد علمت كيف فعل الملك ببني فلان: حبسهم، وأخافهم، وشكوتهم فعاقبهم". فقولك: "شكوتهم" لا تصلح للتفسير، ولكنها دخلت فيه بشفاعة الفاء، فعطفت بالواو كما رأيت.