← Тафсир

Тафсир · id 335

التعقيب على تفسير سورة الفيل للفراهي - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (248 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تقدم ذلك في رواية ابن إسحاق في الأمر الثاني، ونحوه في رواية الواقدي عن أشياخه في الأمر الخامس. وقال ابن إسحاق: "حدثني عبد الله بن أبي بكر عن عمرة ابنة عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عائشة [ص ٢٦] قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس" (١). قال عبد الرحمن: عبد الله بن أبي بكر وعمرة من الثقات الأثبات، مخرج حديثهما في الصحيحين. وفي الأشعار التي ذكرها ابن إسحاق (٢): قول ابن الزبعرى يذكر أصحاب الفيل: ستون ألفًا لم يؤوبوا أرضَهم ... ولم يعِشْ بعد الإياب سقيمُها وقول أبي قيس: فولَّوا سراعًا هاربين ولم يَؤُبْ ... إلى أهله ملْجَيشِ غيرُ عصائب وقول ابن قيس الرقيات: كاده الأشرمُ الذي جاء بالفيـ ... ـل فولَّى وجيشُه مهزومُ الأمور التي نسبها المعلِّم إلى الفريق الثاني: ١ - و ٢ - "أن الطير كانت ترميهم بالحجارة، وأنها حملت هذه الحجارة بمناقيرها وأظافيرها".

стр. 72

تقدم ذلك في رواية عكرمة في الأمر الأول من أمور الفريق الأول، وفي روايته عن ابن عباس في الأمر الخامس، وفي رواية سعيد بن جبير وعبيد بن عمير وقتادة وابن إسحاق في الأمر الثاني. وفي رواية عن قتادة: "كانت مع كل طير ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها". وتقدم في رواية الحارث بن يعقوب والواقدي عن أشياخه في الأمر الخامس. وعن سعيد بن أبي هلال "بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة أنها طير تخرج من البحر". وتقدم في الأمر الثاني قول سعيد بن جبير: "كانت طيرًا خضرًا لها مناقير صفر، تختلف عليهم". فالمعلِّم رحمه الله تعالى حملها على [ص ٢٧] معنى أنها تختلف على جثث موتاهم، تأكل منها. ولم يقنع حتى زعم أنها صريحة في ذلك؛ لأنه يجعل الضمير المستتر في " تختلف" للمناقير، أي: تختلف مناقيرها عليهم. قال عبد الرحمن: الضمير للطير، كما هو الظاهر. ومعنى الاختلاف هنا ــ كما لا يخفى على من يعرف طرفًا من اللغة ــ إنما هو أن يجيء بعضها، ثم يذهب ويخلفه غيره، وهكذا. فيصح أن يقال: وضع الأمير طعامًا فظل الناس يختلفون عليه، ويصح أن يقال: ظلت طياراتنا تختلف على جيش العدو. وبالقرينة يفهم من الأول الأكل، ومن الثاني الرمي. والظاهر من كلمة سعيد بن جبير إرادة الرمي؛ لأن الاختلاف مجمل كما علمت، فإنما يترك تفسيره لظهوره. والظاهر إنما هو الرمي لظهور دلالة

стр. 73

القرآن عليه، واشتهاره بين الرواة، كما علمت. بخلاف أكل الجثث، فإنه لم يصرح به في شيء من الروايات، بل ولا دلّت عليه رواية من الروايات دلالة قوية، بل ولا أعلم أحدًا قبل المعلِّم ذكر أن تلك الطير أكلت جثثهم. والاختلاف بالمعنى المذكور إنما يظهر نسبته إلى الطير، لأنها هي التي يجيء بعضها، ثم يذهب، ويخلفه غيره؛ لا إلى مناقيرها، كما قال المعلم. على أنه قد ثبت حمل الطير الحجارة، ورميها عن سعيد بن جبير نفسه، كما تقدم في الأمر الأول في رواية ابن أبي شيبة، وسندها على شرط مسلم. وقد تقدم أواخر فصل (ب) حديث ابن عباس الذي صححه الحاكم والذهبي، وفيه: "فأقبلت مثلُ السحابة من نحو البحر حتى أظلّتهم طير أبابيل التي قال الله : ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾، قال: فجعل الفيل يعِجُّ عجًّا، ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. ولا يخفى دلالة هذا على أن الطير رمتهم بالحجارة. بل وتقدم في الأمر الخامس من أمور الفريق الأول رواية عكرمة عن ابن عباس، وفيها التصريح بحمل الطير الحجارة، ورميهم بها. وتقدم عن الحافظ ابن حجر أن سنده حسن. وفيما ذكره ابن إسحاق (١) قول ابن قيس الرقيات ــ وهو تابعي ــ يذكر البيت: كاده الأشرمُ الذي جاء بالفيـ ... ـل فولّى وجيشُه مهزومُ واستهلّت عليهم الطيرُ بالجَنْـ ... ـدَلِ حتّى كأنه مرجومُ

стр. 74

[ص ٢٨] وفي "المنمَّق" لابن حبيب (١) في قصيدة لعمرو بن الوحيد بن كلاب: سطا الله بالحُبشان والفيل سطوةً ... أرى كلَّ قلب واهيًا فهو خائفُ ويومُ ذباب السيف كان نذيرَه ... ويومٌ على جنب المغمَّس كاسفُ أُميرَ لهم رَجْلٌ من الطير لم يكن ... نفاقًا لها من الحجارة واكفُ (٢) كأنّ شآبيبَ السماء هُوِيّةً ... وقد أُشعلت بالمُجْلِبين النَّفانفُ تدقُّهم من خلفِهم وأمامِهم ... وعارضَهم فوجٌ من الريح قاصفُ إلى أن قال: وكان شفاءً لو ثوى في عِقابها ... نُفَيلٌ وللآجال آتٍ وصارفُ قال: فأجابه نفيل بن حبيب الخثعمي فقال: ماذا ترى في عِقابي لو ظفرتَ به ... يا بن الوحيد من الآيات والعبرِ قِلْنا المغمَّسَ يومًا ثم ليلتَه ... في عالجٍ كثُؤاج النِّيب والبقرِ حتى رأينا شعاعَ الشمس تستره ... طيرٌ كرَجْلِ جرادٍ طار منتشرِ يرميننا مقبلاتٍ ثم مدبرةً ... بحاصبٍ من سَواء الأفق كالمطر وفي القصيدة ذكر الريح أيضًا. وفي "السيرة" وغيرها أبيات لنفيل، فيها: حمدتُ الله إذ عاينتُ طيرًا ... وخفتُ حجارةً تُلقَى علينا

стр. 75

هكذا هو في "السيرة" و"تاريخ ابن جرير" وغيرها: "خفت" (١). ووقع في "تفسير الخازن": "وحصب" (٢)، وكذا أورده المعلم (٣). وعلى كلٍّ، فإن كانت الرواية "تلقي" بكسر القاف، فهو صريح في رمي الطير، وإن كانت "تلقى" بفتح القاف، فهو ظاهر في رمي الطير أيضًا؛ لأنه إنما حمد الله على معاينة الطير، لأن الفرج كان بواسطتها، وأوضح ذلك بتعقيبه ذكر معاينة الطير بإلقاء الحجارة. وفي كلام المعلِّم ما قد يكون فيه جواب عن هذا، فإنه قال (ص ٢٧): "إن شاعرهم ربما يصف جيشًا عظيمًا، فيذكر أن الطير تصحبه، لعلمها بكثرة القتلى" وذكر قول النابغة (٤): إذا ما غزَوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائب وقول أبي نواس (٥):

стр. 76

تتأيّا الطيرُ غُدوتَه ... ثقةً بالشِّبْع من جَزَرِهْ قال عبد الرحمن: هذا الشعر، وما يشبهه كقول [أبي تمام] (١): وقد جُلِّلتْ عِقْبانُ أعلامه ضحىً ... بعِقْبان طيرٍ في الدماء نواهلِ أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلّا أنّها لم تقاتل إنما ذكر فيه أن الطير تصحب الجيش الغالب. فمعاينة نفيل الطير على جيش أصحاب الفيل يقتضي على هذا أن يدلّه على أن ذلك الجيش غالب، أو قل: إنما يدل على أنه يتوقع أن يقع قتل كثير منه، أو من عدوه، أو قل ــ وهو الحق ــ: لا يدل على شيء، فإن الطير ــ إن صدق الشعراء ــ إذا رأت [ص ٢٩] الجيش الذي اعتادت أنها إذا رأته لم يلبث أن يكون مقتلة عظيمة، حلّقت فوقه، ومعلوم أنه لا يلزم من تحليقها فوق الجيش أن يقع قتال، فقد بان أن رؤية نفيل تحليق الطير على أصحاب الفيل لا يقتضي ــ وحده ــ أن يستبشر نفيل. فظهر أنه إنما استبشر وحمد الله تعالى لما رآها ترميهم بالحجارة. وقد صرح بذلك في قصيدته الأخرى، كما نقلناه من "المنمق". ويأتي في الأمر الثالث روايات أخرى فيها ذكر رمي الطير، وهي وإن كانت ضعيفة، فإنها تؤيد الروايات السابقة فيما وافقتها فيه. ويأتي في تفسير السورة مزيد لذلك إن شاء الله تعالى. ٣ - "وأن هذه الحجارة نفذت في أجسام الراكبين، حتى نفذت في أجسام الفيل".

стр. 77

ليس في "تفسير ابن جرير" شيء من ذلك، فلأذكر بعض ما وقفت عليه في غيره. قد تقدم في الأمر الثاني من أمور الفريق الأول أثر عبيد بن عمير، أخرجه ابن جرير عن ابن حميد عن مهران، وعن أبي كريب عن وكيع، كلاهما عن سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد. وأخرجه أبو نعيم من طريق الواقدي عن قيس بن الربيع عن الأعمش بنحوه، وزاد: "فجاءت حتى صفّت على رؤوسهم، وصاحت، وألقت ما في أرجلها ومناقيرها. فما على الأرض حجر وقع على رجل منهم إلا خرج من الجانب الآخر، إذا وقع على رأسه خرج من دبره" (١). وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش، وزاد فيه: "ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر. وبعث الله ريحًا شديدةً، فضربت الحجارة، فزادها شدةً، فأهلكوا جميعًا". [ص ٣٠] ونسب البغوي بعض هذا الكلام إلى ابن مسعود قال: "قال ابن مسعود: صاحت الطير، ورمتهم بالحجارة، فبعث الله ريحًا، فضربت الحجارة فزادتها شدة، فما وقع من حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره" (٢). كذا قال. وأخرج أبو نعيم من طريق ابن وهب: "أخبرني ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن عثمان بن المغيرة بن الأخنس ... " (٣). فساق القصة مطولة،

стр. 78

وفيها: "وخرجت عليهم طير من البحر، لها خراطيم كأنها البلس (١)، شبيهة بالوطاويط، حمر وسود ... فرمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق، تقع في رأس الرجل، وتخرج من جوفه". وفيما ذكره البغوي عن مقاتل: " ... وكان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها حتى يقع في دماغه، ويخرق الفيل والدابة، ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه" (٢). قال عبد الرحمن: أما الزيادة في أثر عبيد بن عمير، فالواقدي متروك (٣)، وقيس ضعيف (٤)، وأبو معاوية والأعمش مدلسان. وأما نسبة بعض ذلك الكلام إلى ابن مسعود، فلا أدري ما مستنده. وأما رواية ابن لهيعة عن عقيل عن عثمان، فابن لهيعة ضعيف ويدلس (٥). نعم،

стр. 79

ذكروا أن ما رواه ابن وهب عن ابن لهيعة قوي، وهذا بالنسبة إلى التخليط الذي عرض له، فأما التدليس فلم يزل [ص ٣١] يدلس أولًا وآخرًا. وعثمان بن المغيرة لم أجده، وأراه عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس، وثّقه ابن معين، وليّنه ابن المديني والنسائي (١). وبالجملة، فسند هذه الرواية متماسك، ولكن في متنها تخليط، ومخالفة لعامة الروايات. ومع ذلك فعثمان بن محمد بن المغيرة من أتباع التابعين، ولم يسند القصة إلى من فوقه. وأما مقاتل فكان مجازفًا فيما يحكيه (٢). ٤ - "ولا بد أنهم هلكوا حيث كانوا". -ظاهر هذه العبارة أن هذا استنتاج من الأمر الثالث، وفيه نظر؛ إذ ليس في الحكاية أن الحجارة أصابت كل واحد منهم، ولا فيها أن كل من أصابته إنما وقعت على وسط رأسه. وإنما فيها أن كل من أصابته في موضع نفذت من الجانب الآخر. وعلى هذا، فلعل بعضهم لم تصبه، وبعضهم أصابته في ذراعه أو كفه أو قدمه، وهذان القسمان لا يلزم فيهما الهلاك العاجل. فلا يكون في هذه الرواية مخالفة لما تقدم في الأمر السادس من أمور الفريق الأول. وما وقع من الزيادة في رواية عبيد بن عمير: "فأهلكوا جميعًا" ليس فيه أنهم أهلكوا جميعًا في مكانهم ذلك. ٥ - "وأن سيلًا جاء، فذهب بجثث القتلى".

стр. 80

جاء هذا في رواية ابن سعد عن الواقدي عن أشياخه، كما تقدم في الأمر الخامس من أمور الفريق الأول. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن أبي أسامة قال: فحدثني أبو مكين عن عكرمة قال: "فأطلقهم من السماء، فلما جعلهم الله كعصف مأكول أرسل الله غيثًا، فسال بهم حتى ذهب بهم إلى البحر". [ص ٣٢] الأمور التي لخصها من الأشعار: ١ - "ذكروا الطير، وحصب الحجارة معًا، لكنهم لم ينسبوا الحصب إليهم". كذا والمراد: إليها، أي إلى الطير. ومن الأشعار التي ذكرها المعلِّم واستنبط منها هذه الأمور أبيات لأبي قيس بن الأسلت، وليس فيها تصريح بالطير، وإنما فيها الحاصب، وهو قوله: فأرسل من فوقهم حاصبًا ... يلفُّهمُ مثلَ لفِّ القَزَمْ هكذا في السيرة (١)، وسياق الأبيات يشهد لذلك بالصحة، والضمير المستتر في "أرسل" يعود على الله . وذكر المعلِّم هذا البيت بلفظ: "فأُرسل من ربهم حاصبٌ ... " (٢) وذكر أبياتًا أخرى له، وليس فيها تصريح بالطير، وإنما فيها: فلما أجازوا بطنَ نعمان ردَّهم ... جنودُ الإله بين سافٍ وحاصب

стр. 81

وذكر أبيات نفيل، وفيها: حمدتُ الله إذ عاينتُ طيرًا ... وحَصْبَ حجارةٍ تُلقَى علينا وقد تقدم في الأمر الأول والثاني من أمور الفريق الثاني أن الذي في السيرة وأكثر الكتب: "وخفت حجارة". ٢ - "بل نسبوه إلى سافٍ وحاصبٍ". إنما جاء في قول أبي قيس: "بين سافٍ وحاصب"، وقوله: "فأرسل من فوقهم حاصبًا"، وقد مرَّ. فأما قول نفيل: "وحصب حجارة"، [ص ٣٣] فالرواية: "وخفت حجارة"، كما مرّ (١). قال: "والحاصب يستعمل للهواء والريح الشديدة التي ترمي بالحصباء ... وفي حديث علي ﵁ قال للخوارج: أصابكم حاصب. وقال أهل اللغة في تفسيره: أي عذاب من الله، وأصله: رُميتم بالحصباء من السماء". قال عبد الرحمن: لا خلاف بين أهل اللغة أن لفظ: "حاصب" اسم فاعل من حصبه: أي رماه بالحصباء. فيحمل في بيتي أبي قيس على الطير، لأنها جند من جنود الله حصب أصحاب الفيل، فهو حاصب. ولا يمكن حمله على الريح، فإن قوله: "جنود الإله بين سافٍ وحاصب" ذكر فيها جندين: أحدهما سافٍ، وهو الريح، وآخر حاصب، فهو غير الريح؛ إذ لو

стр. 82

كان إياها لكان السافي هو الحاصب، فهو جند واحد سافٍ حاصب، فلا معنى لجعله جندين، أو جنودًا. والمعلِّم رحمه الله تعالى يحاول تفسير الحاصب برمي من الهواء بقدرة الله بدون أن يكون هناك رامٍ محسوس. وهذا قد يحتمله اللفظ، ولكن قد تكاثرت الروايات برمي الطير، وهو ثابت بظاهر القرآن إن لم نقل بنصّه، واتفق عليه الناس قبل المعلم، فالحمل عليه هو المتعين. وقد تقدم عن "المحبّر" (١) في قصيدة نفيل بن حبيب الذي شهد الواقعة قوله: حتى رأينا شعاعَ الشمس يستُره ... طيرٌ كرَجْلِ جَرادٍ طار منتشرِ يرميننا مقبلاتٍ ثم مدبرةً ... بحاصبٍ من سواء الأفق كالمطر ٣ - "ثم إنهم نسبوه إلى سافٍ، ومحال أن يحمل هذا اللفظ على الطير ... ". في هذا إشارة إلى صحة حمل الحاصب على الطير، وهو المتعين كما مر. فأما السافي فظاهر أنه الريح التي تسفي التراب. [ص ٣٤] ولا مانع من اجتماع رمي الطير وسفي الريح كما ذكر في بعض الروايات والأشعار. الجمع أو الترجيح فيما اختلفت فيه الروايات: ١ - اختلفت الروايات في صفة الطيرو لونها. وقد جمع بعض أهل العلم بين ذلك. قال الخازن: "ووجه الجمع بين هذه الأقاويل في اختلاف أجناس هذه الطير أنه كانت فيها هذه الصفات كلها. فبعضها على ما حكاه

стр. 83

ابن عباس، وبعضها على ما حكاه غيره، فأخبر كلُّ واحد بما بلغه من صفاتها" (١). وإيضاح ذلك أن الطير كانت كما قال الله : ﴿أَبَابِيلَ﴾، وفسّرها أهل العلم بأنها كانت جماعات. فعن ابن مسعود قال: "فِرَق"، وعن أبي سلمة: "الزُّمَر"، وعن إسحاق بن عبد الله: "الأقاطيع"، وعن مجاهد: "شتّى متتابعة مجتمعة"، وعن ابن زيد: "المختلفة تأتي من هاهنا، وتأتي من هاهنا، أتتهم من كل مكان" (٢). فوصف كلُّ رجل الفرقة التي جاءت من ناحيته، وحكى كلُّ من الرواة ما سمعه. ومع إمكان الجمع لا محلّ للترجيح، على أننا إن رجّحنا رواية ابن عباس: "لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكفّ كأكفّ الكلاب"، مع قول عكرمة: "لها رؤوس السباع"، لم يلزم من ذلك أنها من جوارح الطير، لوجهين: الأول أن جوارح الطير المعروفة كالعقبان والنسور معروفة عند العرب، فلو كانت منها لما احتاج العرب أن ينعتوها، بل كانوا [ص ٣٥] يذكرونها باسمها المعروف. الثاني: أن الراجح في اللون قول عكرمة وسعيد بن جبير ــ وروايتهما من الروايات التي يرجحها المعلِّم ــ إنّها كانت خُضْرًا، وليس في سباع الطير وجوارحها ما لونه أخضر.

стр. 84

وبهذا تعلم سقوط قول المعلِّم ﵀ (ص ٢٧): "فجلب العقبان والرخم والقشاعم من صحارى إفريقية". ٢ - في رواية عكرمة، والحارث بن يعقوب، ويعقوب بن عتبة وما يوافقها ــ كما تقدّم في الأمر الخامس من أمور الفريق الأول ــ أن الحجارة أثّرت في أصحاب الفيل الجدريَّ ونحوه. وقد يوافقها أثر عائشة الذي تقدم في الأمر السادس أنها رأت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين، فإنّ العمى كثيرًا ما يكون عن الجدري. وفي رواية عكرمة عن ابن عباس التي تقدمت في الأمر الخامس من أمور الفريق الأول أنها أصابتهم الحكّة: "فكان لا يحكّ أحد منهم جلده إلا تساقط لحمه". والجمع بينه وبين ما تقدم أنه أصابهم الجدري والحصبة والحكّة، فكل منهم ابتلي بداء من الأدواء الجلدية. وفي رواية قتادة: "لا يصيب شيئًا إلا هشمه"، وفي رواية ابن سعد عن الواقدي عن أشياخه، وهي ملفّقة من رواياتهم: "لا تصيب شيئًا إلا هشمته، وإلا نفط ذلك الموضع". وفي الروايات التي ذكرناها في الأمر الثالث من أمور الفريق الثاني أن الحجارة كانت إذا أصابت موضعًا من الجسد نفذت من الجانب الآخر. قال عبد الرحمن: رواية التجدير وما في معناه من الحصبة والحكّة والنفط أرجح. والجمع بينها وبين الهشم ممكن بأن يقال إنها كانت لشدّة وقعها تجرح الموضع الذي تقع فيه، فإن وقعت على الرأس هشمت، ثم يتقرّح ذلك الموضع، ويكون الجدري ونحوه، وهذا موافق للعادة في تلقيح الجدري ونحوه. فيقرب في النظر أن تكون تلك الحجارة ملطخة بمادة

стр. 85

مَرَضيّة قوية، فكانت الحجارة تجرح، فتتصل المادة [ص ٣٦] بالدم، فينشأ المرض. والله أعلم. فأما روايات النفوذ ففيها مقال كما تقدم، ومع ذلك فالجمع ممكن، فيقال: منهم من أصابه الحجر في رأسه فنفذ من الجانب الآخر، فأقعصه. ومنهم من أصابه في ذراعه، أو كفه، أوقدمه، ونحو ذلك، فنفذ من الجانب الآخر. ولا يلزم من ذلك الموت حالا، ولكن تقرح مدخل الحجر ومخرجه فكان الجدري ونحوه. ولعل منهم من لم يصبه حجر، ولكن جُدِر بالعدوى العادية. ولعل بعضهم سلم فنجا، وبعض من جُدِر لم يمت، كالرجلين اللذين رأتهما أم المؤمنين بمكة. ٣ - عامة الروايات التي وصفت الحجارة بيّنت أنها كانت حصىً صغارًا نحو الحمص. وشذّت رواية ذكرها الألوسي في تفسيره أنها كانت كبارًا، منها ما هو كالإبل البوارك (١). وهذه الرواية غلط، كأن راويها سمع من ينعت ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢، الحجر: ٧٤] في قصة قوم لوط، فتوهم أن ذلك في قصة أصحاب الفيل، أو توهم أن ذلك الكبر لازم لكل حجارة من سجيل. وذكر ابن إسحاق (٢) قصيدة لامرأة تعظ ابنها، وفيها: والفيلُ أُهلِكَ جيشُه ... يُرمَون فيها بالصخورْ

стр. 86

وأخشى أن يكون هذا البيت مدرجًا في القصيدة، وأنها قيلت قبل قصة الفيل. فإن صح فإنما اطلقت على تلك الحصى صخورًا تجوزًا، نظرًا إلى أنها أثرت في أصحاب الفيل من الهلاك ــ ولو بعد مدة ــ ما لو كانت صخورًا لما زادت. [ص ٣٧] استنتاج المعلم: قال (ص ٢٣): "فالرواية عن عكرمة وابن عباس تخبر بأن الطير كانت جوارح كبارًا، كالعقبان والرخم. وفي رواية ابن جبير تصريح بأنها كانت تأكلهم، وليس في هذه الروايات أنها حملت الحجارة. ثم نجد رواية عن قتادة وعبيد بن عمير أنها حملت الحجارة في أظفارها ومناقيرها، ولا تذكر صفة تدل على كونها جوارح. وأما الروايات التي جمعت الأمرين، فليس إلا من إدخال بعض الرواية في بعض، فإن الرواة ربما كانوا يلفقون، وصرح به ابن جرير في تاريخه حيث بدأ هذه القصة بقوله: دخل حديث بعضهم في [حديث] (١) بعض". قال عبد الرحمن: حاصل كلامه أنه يستنتج من رواية الفريق الأول أن الطير أكلت جثث أصحاب الفيل، ومن رواية الفريق الثاني أنها حملت الحجارة ورمتهم بها. فأما النتيجة الأولى فلا تثبت. أما بالنظر إلى رواية ابن عباس وعكرمة، فقد تقدم الكلام في الأمر الأول من أمور "الجمع أوالترجيح" وهَبْ أن ذلك الشكل يدل على أن تلك الطير تشبه الجوارح المعروفة كالعقبان، فمن أين لنا أنها أكلت جثث القوم؟

стр. 87

وأما بالنظر إلى رواية سعيد بن جبير، فقد تقدم الكلام عليها في الأمر الأول والثاني من أمور الفريق الثاني. وأما النتيجة الثانية فحقٌّ، وهي ثابتة عن هؤلاء الثلاثة الذين جعلهم فريقًا أول. فقد ثبتت عن ابن عباس كما تقدم في الأثر الذي صححه الحاكم والذهبي، وهو في آخر فصل (ب)، وفي الأثر الذي حسنه الحافظ ابن حجر، تقدم في الأمر الخامس من أمور الفريق الأول؛ وعن سعيد بن جبير كما تقدم في الأمر الثاني من أمور الفريق الأول، وعن عكرمة، فإن لفظ روايته: "كانت طيرًا ... كانت ترميهم بحجارة معها، فإن أصاب [ص ٣٨] أحدهم خرج به الجدري". والرواية التي حسّنها الحافظ ابن حجر هي من رواية عكرمة عن ابن عباس. والمعلِّم ــ عفا الله عنَّا وعنه ــ حكى رواية عكرمة، وحذف منها قوله: "كانت ترميهم ... "، ثم أشار إلى ذلك بقوله: "وأما الروايات التي جمعت الأمرين ... ". فقد اتضح بحمد الله أن الرواة ليسوا فريقين مختلفين، وإنما وقع الاختلاف في بعض الأمور الجزئية. وقد قدمنا ذلك مع الجمع والترجيح. تحرير البحث: مقصود المعلِّم ﵀ أن يثبت أن الطير أكلت جثث الهلكى، وأنها لم ترم بالحجارة. فحقّ الكلام أن يقال: إن الرواية عن بعض الصحابة والتابعين بدون نظر إلى أشخاص الرواة جاءت بأمرين: أحدهما: أن الطير

стр. 88

أكلت جثث الموتى، والآخر: أنها رمت أصحاب الفيل بالحجارة. ثم يثبت الأول، ويرد الثاني. وقد حاول المعلِّم ــ ﵀ ــ ذلك. أما الأول: فبادعاء أن رواية سعيد بن جبير صريحة في الأكل، وأن رواية ابن عباس التي ذكرها ابن جرير تُشعر به، ويوافقها جزء من رواية عكرمة، وأكد ذلك بقوله (ص ٢٣): "الإخبار بشكل الطير ولونها، وأن مناقيرها الصفر كانت تختلف عليهم، لا يكون إلا برؤية العين". قال عبد الرحمن: قد علمت أن رواية سعيد بن جبير ظاهرة في الرمي، وأن الضمير في " تختلف عليهم" إنما هو للطير، لا لمناقيرها. وعلمت أن رواية ابن عباس والجزء الذي أخذه المعلِّم من رواية عكرمة إنما تدل على أن في شكل تلك الطير ما يشبه شكل الجوارح، وأن ذلك [ص ٣٩] لا يقتضي الأكل. ثم علمت أنها جاءت عن ابن عباس رواية مصحَّحة ظاهرة في الرمي، وأخرى محسَّنة صريحة فيه، وأن رواية سعيد بن جبير ظاهرة فيه، وصحت عنه رواية مصرحة به، وأن الجزء الأخير من رواية عكرمة مصرح بالرمي. وعلى هذا، فلا بد للمعلم من أحد أمرين: إمّا أن يقول: إن ابن عباس وعكرمة لم يفهما مما ذكروه من وصف الطير ما يقتضي أكلها للجثث. وإمّا أن يقول: إنهما فهما ذلك، ولكن لم يريا فيه مخالفة لكون الطير رمت بالحجارة. فإن اختار الأول، قيل له: كفى بذلك ردًّا لما زعمتَه من أن تلك الصفة تُشعر بالأكل.

стр. 89

وإن اختار الثاني، بقي عليه أن يثبت الأكل بحجة واضحة، وأنى ذلك! ويكفي في رده أن أهل العلم من لدن الصحابة إلى الآن لم يذكروه. وهَبْ أنه أقام عليه حجة واضحة، فإنه لا ينافي ما قامت عليه الحجج الواضحة من رميها بالحجارة، وسيأتي تمام هذا إن شاء الله تعالى. وأما الثاني، فقال المعلِّم (ص ٢٣): "وأما الإخبار بحملها الحجارة في مناقيرها وأظفارها، فقصارى أمره أن يكون إما ممن رأى نزول الحجارة من السماء، وظن من بعيد أنها تأتي من الطير، أو ممن ظن أن الضمير في قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ يرجع إلى الطير، فروى القصة حسبما فهم من تأويل الآية". وقال في موضع آخر (ص ٣٢) (١): "ويمكن أيضًا أن بعض الشاهدين أنفسهم لم يفهموا إلا أن الطير رمتهم، فذكروا حسبما ظنوا. وعذرهم بيّن، فإن رمي أهل مكة لم يكن جديرًا بما رأوا من الآثار على الأعداء، فأيقنوا برمي من السماء، ولم يروا في السماء إلا طيرًا أبابيل، فنسبوا هذا الرمي إليهن". قال عبد الرحمن: حاصل الاحتمال الأول أن الطير حلّقت عليهم، ثم رُجموا، وهي محلّقة. وهذا موافق لما دل عليه القرآن، كما يأتي أن إرسال الطير كان قبل الرمي، وموافق لما أطبقت عليه الروايات، ومنها قول نفيل: حمدتُ الله إذ عاينتُ طيرًا ... وخفتُ حجارةً تُلقَى علينا

стр. 90

[ص ٤٠] وقد يلزم المعلِّم أن يقول: إن نفيلًا ممن اشتبه عليه الأمر، وإن لم يكن بعيدًا، بل كان مع أصحاب الفيل، ولهذا خاف أن يقع عليه بعض الحجارة. وعلى هذا الاحتمال مناقشات: الأول: أن يقال: وما فائدة إرسال الله للطير قبل نزول العذاب؟ فإن قيل: على ما جرت به عادة الطير من التحليق فوق الجيوش، على ما تقدم في الأمر الأول والثاني من أمور الفريق الثاني. قلت: تلك الطير العادية التي اعتادت من رؤية الجيش أن تكون مقتلة، وهذه طير غريبة كما يعلم من صفاتها، وعظَّم الله تعالى شأنها بذكر أنه أرسلها. وإن قيل: لتكون حجابًا لرمي الله ــ على ما يأتي في فصل (ز) ــ قلت: إذا صححت جعلَها حجابًا، فاجعل الرمي منها، واسترح من العناء والتعسف، ومخالفة الناس جميعًا، وغير ذلك مما يلزمك. الثاني: أن مثل هذا الاحتمال إنما يلجأ إليه إذا امتنع الظاهر، ورمي الطير بأمر الله ليس بممتنع. وسيأتي ذكر شبهة المعلِّم في امتناعه، وردّها. وحسبك أنها لم تخطر ببال أحد من الصحابة والتابعين وسائر أهل العلم من جميع الفرق حتى أثيرت أخيرًا، على ما يأتي. الثالث: أن رمي الطير ثابت بدلالة القرآن، كما يأتي إن شاء الله تعالى. وأما الاحتمال الثاني، وهو أن يكون "ممن ظن أن الضمير في قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ يرجع إلى الطير"، فسياق الروايات يأباه، على أنه يقتضي

стр. 91

أن أهل العلم من الصحابة والتابعين، وهلم جرًّا إلى عهد المعلِّم لم يفهموا من قول الله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ إلا أن المعنى ترميهم الطير، فمخالفتهم كلهم [ص ٤١] في هذا الفهم إما أن لا تجوز ألبتة، وإما أن تجوز بشرط أن تقوم حجة قاهرة تلجئ إلى مخالفتهم. وليس للمعلم حجة إلا الشبهة التي سلف ذكرها، وسيأتي ردّها إن شاء الله تعالى. وفوق ذلك، فإن أول السورة يردّه، فإن معناه ــ كما يعترف به المعلِّم ــ: "قد علمت أيها المخاطب، أي كلّ من يصلح أن يخاطب ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ علمًا مساويًا لعلم المشاهد". فكيف يجوز أن يقال هذا، وعامة الذين شاهدوا الواقعة وغيرهم ممن قرب منهم لا يعلمون أصل الكيفية، بل يجهلونه جهلًا مركبًا، يرون أنه كان يرمي الطير، والواقع أنه لم يكن رمي من الطير؟ قال المعلِّم (ص ٢٤): "ثم كأن بعض من أخذ بهذا الرأي تفطن لما فيه من الإشكال، فإن جثث الفيلة والقتلى ملأت ناحية بطحاء مكة، فكيف أمكن لأهل هذه البقاع أن يسكنوها؟ ففزعوا إلى رأي آخر، وهو أن الله تعالى أرسل سيلًا فطهر الأرض. ولا يخفى أن السيل الذي يذهب بجثث هذه الأفيال وهذا الجند الكثيف لا يترك سكان هذه البطحاء ... ثم ... وجدوا إشكالًا آخر، وهو أن الحجارة النازلة من مناقير الطير وأظافيرها تنزل مستقيمة، فكيف تصيب الفيل مع أن جسمه حتى رأسه محفوف بالراكبين، فزعموا أن الحجارة نفذت الراكبين ... ثم لا بد لهم أن يفرضوا أن الحجارة أصابت جند أبرهة، وأهلكه على مكانه، وأن ينسبوا الإهلاك إلى محض جراحات الحجارة. ولكن رواية الفريق الأول تصرح بأن من أصابته

стр. 92

الحجارة رمي بالحصبة ... وجعلوا يتساقطون على كل منهل. فتبين أن كل ما ذهب إليه الفريق الثاني ليس إلا ما يتفرع على رأي رمي الطير". قال عبد الرحمن: أما رمي الطير فقد أثبته الفريقان معًا كما علمت، بل لم ينفه أحد من المسلمين قبل المعلِّم ﵀. ولا يلزم من إثباته أن تملأ الجثث بطحاء مكة أولًا، لأن رمي أصحاب الفيل كان بعيدًا عن مكة، كما يأتي. ثانيًا: لأن الروايات الثابتة التي تثبت رمي الطير لم تقل: إنّ [ص ٤٢] الحجارة أصابت الفيلة وجميع أفراد الجيش، فأقعصتهم. بل الأثبت منها يقول: إنها من أصابته نَفِط موضعُ إصابتها، وكان الجدري والحصبة والحكّة، وذكر بعضها الهشم. ولا يلزم منه هلاك الفيلة وهلاك الجيش كلّه في محلّه. وبعض الروايات التي فيها نظر ذكرت النفوذ، ولم تقل: إنها أصابت الفيلة، ولا إنها أصابت جميع أفراد الجيش، ولا إن كل من أصابته إنما أصابته في رأسه، فيلزم أن يموت للحال. وأما أنها كانت تصيب البيضة فتخرقها، وتخرق الراكب والمركوب، وتغوص في الأرض، فإنما رأيت هذا في كلام مقاتل، وهو مجازف لا يعتدّ بقوله. ولا يلزم من رد قوله ردُّ جميع الروايات التي أثبتت رمي الطير. غاية ما يلزم أن يكون جماعة من أصحاب الفيل هلكوا في موضعهم، وفرّ الباقون يتساقطون على كل منهل، كما ذكره ابن إسحاق. وعليه، فلا إشكال؛ لأن الذين هلكوا في موضعهم قد لا يكونون كثيرًا، بحيث يتغير هواء مكة، مع بُعدها عنهم.

стр. 93

وخبر السيل لم ينفرد به الواقدي، فقد جاء عن عكرمة كما تقدم. ولا مانع من صحته، ويكون سيلًا متوسطًا، لا يطمي على مكة، مع أن في الروايات: أن أهل مكة قد كانوا تحرزوا بشعف الجبال، فلعل السيل جاء قبل نزولهم، ولأهل مكة عادة بنزول السيول. وهب أنه لم ينزل سيل، فقد عرفت أن الذين هلكوا من الجيش في مكانهم إنما هم بعضهم، فلعلهم كانوا قليلًا بحيث إن أهل مكة استطاعوا أن يحفروا لهم الحفر، ويواروهم فيها. فإن كان لا بد من أكل الطير، فالطير المعروفة في بلاد العرب كالعقبان والرخم والنسور تكفي لأكل جثث الذين هلكوا في ذلك الموضع. وقد كانت في الجاهلية والإسلام [ص ٤٣] وقائع عظيمة، هلك فيها ألوف من الناس، ولم يمتنع سكنى البلاد المجاورة لها، ولا أرسل الله تعالى طيرًا غريبة، وذلك كحرب الكلاب، وذي قار، واليرموك، والقادسية. وهَبْ أنه ثبت أن تلك الطير التي أرسلها الله تعالى أكلت من جثث الهلكى، فمن أين يلزم من ذلك أنها لم ترمهم؟ بل نقول حينئذٍ: إن الله تعالى أرسلها لعذاب أصحاب الفيل، بأن ترميهم بالحجارة، كما اقتضته السورة، وصرحت به معظم الروايات، وأطبق عليه الناس، ففعلتْ ما أُرْسِلَت له، ثم بقيت حتى أكلت جثث الموتى. وكان ذلك من الله إتمامًا للنعمة على أهل مكة بتعجيل التنظيف، ومكافأةً منه سبحانه للطير التي أطاعته، فأطعمها من صيدها. ولم يتعرض القرآن ولا الروايات لأكل تلك الطير من الجثث، لأنه أمر عادي. والله أعلم.

стр. 94

(و) الباعث للمعلم ــ ﵀ ــ على دعوى أن أهل مكة قاتلوا أهل الفيل أمران: الأول: استبعاده أن ينكُلوا عن القتال دون البيت، مع مالهم فيه من حسن الاعتقاد، وما لهم به من الشرف، وما عُرفوا به من الغيرة والنجدة. وقد تقدم الكلام على هذا في فصل (ج). الثاني: استشعاره ــ فيما يظهر ــ أن اعتقاد نكول قريش عن القتال قد يؤدي إلى عيبهم، وقد يتخذه بعض الكفار والملحدين ذريعة إلى عيب خاتم الأنبياء ﵌ لأنهم قومه. وقد خفي هذا عن بعض أهل العلم في عصرنا [ص ٤٤] لا يزال يكرر في مواعظه أن العرب كانوا على غاية من الجبن، أرعبتهم دابة ــ يعني الفيل ــ فأسلموا بيت الله، وهو رأس دينهم وشرفهم. ويتفنن في هذا المعنى، ومقصوده إثبات أنّ الإسلام هو الذي أكسبهم الشجاعة. وكان عليه أن يدع هذا البحث لمخالفته الواقع، وضعف النتيجة التي يحاولها منه، ولأنّه سرعان ما يسري في النفوس عيب الأمة إلى عيب كل فرد منها، فيجرُّ ذلك إلى عيب النبي ﵌، ويتخذه الكفار والملحدون ذريعة إلى ذلك. فكأن المعلِّم ﵀ حاول اقتلاع هذا الأمر من أصله. وأنا أقول: إن الحق أعز وأظهر من أن يضطرّ المنتصر له إلى الخروج عنه من جهة أخرى. وقد قدمت في فصل (ج) ما فيه أوضح العذر لأهل مكة في كفّهم عن قتال أبرهة. فمن تعامى عن ذلك وأبى إلا أن ينسبهم إلى الجبن، فهو وما اختار لنفسه!

стр. 95

(ز) والباعث له ــ فيما يظهر ــ على إنكار رمي الطير أمور: الأول: أن يتهيأ له دعوى أن قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ للخطاب فيستدل بذلك على أن أهل مكة قاتلوا. الثاني (١): ما ذكره بقوله (ص ٢٠): "من ينظر في مجاري الخوارق يجد أن الله تعالى لا يترك جانب التحجب في الإتيان بها، كما هي سنته في سائر ما يخلق؛ لأن حكمته جعلت لنا برزخًا بين عالمي الغيب والشهادة، وسنّ لنا التشبث بالأسباب مع التوجه إلى ربها، ليبقى مجال [ص ٤٥] للامتحان والتربية لأخلاقنا". قال عبد الرحمن: تحقيق هذا البحث يستدعي النظر في حكمة الخلق، وقد أشار إليها الكتاب والسنة، وتكلم فيها أهل العلم، وأوضحتُ ذلك في بعض رسائلي (٢)، وألخص ذلك هنا: إن الله ﵎ جواد حميد، اقتضى جوده أن يجود بالكمال إلى الحد الممكن، فاقتضى ذلك أن يخلق خلقًا يكون محلًّا للكمال. وعلم أنه لا يكون للمخلوق كمال يعتدّ به إذا خُلق مجبورًا على الخير، أو غير ممكَّن من العمل، أو مسهَّلًا له عملُ الخير بأن لا تكون فيه مشقة ألبتة. فخلق ﵎ الخلق قابلين للكمال وضده، مختارين ممكَّنين، عليهم في الخير مشقة وكلفة، و ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].

стр. 96

وقضاؤه وقدره من وراء ذلك، فلا منافاة بينه وبين الاختيار والتمكن، خلافًا للجبرية وللقدرية من المعتزلة وغيرهم. ثم أمرهم بالخير، ونهاهم عن الشر، فانحصر كمالهم في طاعته. وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وأُسّ الكمال ورأس العبادة معرفة الحق، فلو جعل سبحانه حجج الحق مكشوفةً لما كان في معرفتها مشقة. فلا تكون عبادة ولا كمالًا. فلم يكن بدّ أن يكون دون حجج الحقّ حجاب، فلا تدرك إلا بكلفة ومشقة. مثال ذلك: معرفة الله . الطريق العام فيها هو الاستدلال بالأثر على المؤثر، وللآثار أسباب حسية فهي الحجاب. [ص ٤٦] فإذا نظرنا إليها، وعرفنا ما هي عليه من الإتقان، ومطابقة الحكمة، كانت تلك حجة على أن لها خالقًا حيًّا عليمًا قديرًا حكيمًا. ثم ننظر، فنجد منها ما هو عارض، يسميه بعضهم اتفاقيًّا، ولكننا إذا أمعنّا النظر وجدناه على وفق العدل والحكمة والإحسان، فتكون هذه حجة. ومنها: ما يتسلسل، فإذا مشينا مع سلسلته انتهينا إلى حلقة لا نجد بعده حلقة، إلا أن نربطها بإرادة الرب وقدرته، وهذه حجة. وإن أبينا إلا أن نفرض حلقات أخرى تشبه هذه الحلقات الكونية، فمهما فرضنا لا بد أن تنتهي الحلقات إلى حلقة لا يكون وراءها إلا إرادة الرب وقدرته، وهذه حجة. فمن كان قلبه عامرًا بحب الحق، فإنه تكفيه حجة من هذه الحجج أو غيرها، يتقبلها بقبول حسن، فيمدّه الله باليقين من حيث لا يشعر.

стр. 97

ومن كان دون هذا إلا أنه محب للحق في الجملة، فإنه إذا لم تقنعه الحجة حفظها، وضمّها إلى غيرها، فيستفيد من المجموع اليقين، أو ما يقرب منه، فيقبله، ويكمل الله تعالى له اليقين بفضله. ومن استحوذ عليه الباطل لا تقنعه الحجة وحدها، فيتشكك فيها، ثم يطرحها نسيًا منسيًّا، فإذا عرضت له الأخرى فكذلك. فإذا حاولت إحدى الحجج أن تغلب هواه، وتضطره إلى الإيمان بوجود الخالق، فزعت نفسه إلى التفكر في الخالق قائلة: [ص ٤٦] وما هو؟ وكيف هو؟ وأين هو؟ فيتخبط في هذا العماء بدون اهتداء بالأدلّاء ــ وهم الأنبياء ــ لسابق سوء ظنه بهم، فلا يحصل إلا على الحيرة. وربما يكون قد تقدمه من يرى أنه أعلم منه، ولم يؤمن، فيهاب خلافه. أو يكون قد سبق منه ومن الذين ينسبهم إلى العقل والعلم عيب للعامة التي تؤمن بالله ، واستهزاء منها، وسخرية بها، وحكم عليها بأن أساس جهلها وأوهامها وخرافاتها هو الإيمان، فيأنف أن يعود إلى مساواتها. وقد تشعر نفسه أنه إذا آمن بالله ألجمها وكبحها عن كثير من شهواتها، فهي تعارضه في ذلك، وتغالطه، ولا تألو جهدًا في صرفه عنه إلى أسباب أخرى. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. [ص ٤٩] (١) وأما قول المعلم: "وسن لنا التشبث بالأسباب"، وقوله: "تربية لأخلاقنا"، فإنه أصل آخر، حاصله: أنه كما جعل الله تعالى الأمور الدنيوية مبنية في الظاهر على الأسباب الحسية، سترًا لحجج الحق كما علمت، فإنه شرع لعباده أن يتشبثوا بالأسباب، وذلك لوجوهٍ:

стр. 98

منها: أن الله لو أغنى المؤمنين عن الأسباب لكان ذلك كشفًا لحجج الحق، وهو خلاف الحكمة كما علمت. ومنها: أن العمل بالأسباب تحت الإذن الشرعي كله خير موجب للكمال، بقدر ما فيه من المشقة، فتوسيع دائرة الأعمال تهيئة لأسباب الكمال. [ص ٥٠] ومنها: أن الله ﵎ قد آتى العبد قدرة، وأمره أن يستعملها فيما ينفعه. فإن أحب أن لا يستعملها في مصالحه الدنيوية، فإن كان الباعث له على ذلك هو الإخلاد إلى البطالة، فالبطالة خلّة سوء، لا يرضاها الله تعالى لعباده الذين خلقهم ليكملوا. فإن كان مع ذلك يطلب حوائجه من ربه فتلك حماقة، يعطل ما آتاه الله ، ويطلب ما عنده. وإن كان الباعث له هو التفرغ للصلاة والصيام فهو جهل. اسْعَ في مصالحك الدنيوية داخل الحدود الشرعية، حافظًا لحدود الله تعالى، مجتنبًا للحرام والشبهات، يكن لك أجران: أجر الساعي على نفسه، والعابد لربه. بل هي أجور كثيرة، لعل صلاة النافلة وصيامها لا تُعْشِرُها. بل إذا تشاغل عن السعي في ضرورياته الدنيوية بصلاة النفل وصيامه كان تاركًا لما أمر به، متشاغلًا بما لم يؤمر به، فلعله لا أجر له ألبتة. بل لعله لا يسلم من الإثم، وحسبك من ذلك أنه بدعة مخالف لما جرى عليه عمل النبي ﷺ ، وأصحابه، والراسخين في العلم ممن بعدهم. ومنها: أن في ذلك ضرب مثل للعباد. يقال لهم: إذا كان ربكم أجرى العادة على أنه لا تُنال المنافع الدنيوية إلا بالسعي لها، هذا مع هوان الدنيا عليه، فمن باب أولى أن تكون المنافع الأخروية لا تُنال إلا بالسعي لها، فاجتهدوا في العمل، ولا تغرنّكم الأماني.

стр. 99

واعلم أن الشريعة أبلغت في هذا الأمر حتى ألزمت المكلف إذا عجز عن السبب العادي أن يعمل ما يشبهه، وبينت أنه لا يستحق الإغاثة من الله إلا بذلك. فمن هذا [ص ٥١] قوله ﵌: "إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكُفُّوا صبيانكم ... وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأَوكُوا قِرَبَكم، واذكروا اسم الله، وخَمِّروا آنيتكم، واذكروا اسم الله ... ". وفي رواية: "فإن الشيطان لا يحُلّ سقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناءً، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودًا، ويذكر اسم الله، فليفعل" (١). ولا يخفى أن إغلاق الباب، وإيكاء السقاء، وعرض عود على الإناء، ليس بمانعٍ طبعي للشيطان، وإنما يمنعه الله ؛ لتعوذ المؤمن بذكر اسمه ومع ذلك شرط للإعاذة أن يعمل الإنسان ما يقدر عليه مما من شأنه أن يمنع في الجملة، وإن كان ليس بمانع طبعي للشيطان. ومن ذلك حديث: "إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى سترة، وليدنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" (٢). وفيه: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا، فليخطط خطًّا، ثم لا يضره ما مر أمامه" (٣).

стр. 100

وفيه: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين". وفي رواية: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره ... " (١). أحاديث السترة وقطع الصلاة تدل أن المقصود من السترة منع الشيطان الجني من المرور. وإيضاح ذلك وبيان وجهه، له موضع آخر. والمقصود هنا: أن الجدار والعصا [ص ٥٢] أمام المصلي ليس من شأنها أن تمنع الشيطان عن المرور منعًا طبيعيًّا، وإنما الذي يمنعه الله بقدرته، فشرط الله لمنعه أمرين: التعوذ، مع فعل الإنسان ما يقدر عليه مما من شأنه أن يمنع في الجملة، على نحو ما مرّ. ولهذا إذا تعوذ الإنسان ونصب السترة، ثم ترك إنسانًا يمرّ بين يديه مرّ الشيطان معه؛ لأن المصلي قد قصّر فيما يقدر عليه من منع المارّ. وهناك شواهد أخرى على هذا الأصل، وهو أن على الإنسان أن يسعى ويجتهد في جلب النفع، ودفع الضرر بالأسباب العادية أو ما يشبهها. فإذا فعل ذلك، والتجأ إلى ربه، أغاثه الله. وإن قصّر فيما يقدر عليه، لم يستحق أن يغيثه. وفيما ذكر كفاية. والله الموفق. وبقي أمر ثالث، لم ينبه عليه المعلِّم ﵀. وهو أن الله إذا أظهر معجزة لنبيٍّ جعل لذلك النبي صلة بها، ليعلم الناس أنها معجزة له. فهذه ثلاثة أمور: ١ - الحجاب. ٢ - بذل الوسع من الأسباب العادية. ٣ - بيان أن هذا الخارق معجزة لهذا النبي.

стр. 101

وقد ذكر المعلِّم لتثبيت ما أصّله شواهد، وذكر أن قصة الفيل نظيرها. قال: "الأول: ما وقع في غزوة بدر، فإن رسول الله ﵌ أخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل بها قريشًا، ثم قال: شاهت الوجوه. ثم نفحهم بها، وقال لأصحابه: شدّوا. فلم يبق كافر إلا شغل بعينه، كما جاء في سورة الأنفال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ [ص ٥٣] إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. فجعل الله تعالى رمي النبي ﵌ سببًا ظاهرًا لما رماهم حتى شغل كل واحد منهم بعينه. فكان هناك رميان: رمي من النبي ﵌ رأوه. ورمي من الله تعالى لم يروه، ولكن رأو أثره، ولذلك جاء النفي والإثبات معًا ... ". قال: "والثاني: ... في سفر الخروج (ص ٩: ٨ - ١١) (١): ثم قال الرب لموسى وهارون: خذا ملء أيديكما من رماد الأتّون، وليُذَرِّه موسى نحو السماء أمام عيني فرعون، ليصير غبارًا على كل أرض مصر؛ فيصير على الناس، وعلى البهائم دماملَ طالعةً ببثور ... ". قال: "والثالث: ... في سفر الخروج (ص ١٠: ١٢ - ١٥): ثم قال الرب لموسى: مُدَّ يدك على أرض مصر لأجل الجراد، ليصعد على أرض مصر، ويأكل كلَّ عشب الأرض ... وأكل جميع عشب [الأرض] (٢)، وجميع ثمر الشجر الذي تركه البرَد ... ".

стр. 102

قال عبد الرحمن: هذه الشواهد لا تناسب الأصل الأول، وهو الحجاب، وإنما الحجاب ما يستر الحجة، فيشبّه على الناظر حتى يحقق النظر، ويخلص للحق، فتنكشف له بقدر إخلاصه واجتهاده. ورمي النبي ﵌ بالكف من الحصباء لا يستر تلك الحجة، إذ لا يتوهم عاقل أن رمي الإنسان بملء كفٍّ يكفي عادة لأن يبلغ إلى كل فرد من أفراد جيش العدو مع تباعد بعضهم، ثم يملأ عيونهم. ولا يتوهم عاقل أن ملء كفين من الرماد يذرّه رجل نحو السماء يكفي عادة لأن يصير غبارًا على أرض مصر كلها. ولا يتوهم عاقل أن مدّ الإنسان يده سبب [ص ٥٤] عادي لمجيء الجراد. فالمناسب في هذه الشواهد إنما هو الأمر الثالث، وهو أن يعلم أن ذلك الخارق معجزة لذلك النبي، وقد يناسب الأمر الثاني وهو بذل الوسع في التسبب. فإن قلت: فإن المعجزات من حجج الحق، فكيف جاءت مكشوفة. قلت: أما المعجزات التي في هذه الشواهد فلا أراها مكشوفة، ولكن الحجاب فيها غير ما ظنه المعلِّم من الرمي باليد، والإشارة بها. وإنما الحجاب في قصة بدر هو توهم الاتفاق، فيقول الملحد: رمى محمد بملء يده من التراب والحصى، فصادف أن هبت ريح شديدة سفت التراب. وأما في قضيتي موسى، فهو ما كانوا يتوهمونه من السحر. ولكن ليس الخوارق كلها كذلك، بل منها ما يكون مكشوفًا لحكمة تقتضي ذلك، من ذلك ما يطلع الله تعالى النبي عليه وحده كإحياء الطير لإبراهيم ﵇، والإسراء والمعراج بمحمد ﵌. فلم يكن المقصود بذلك إقامة حجة حتى تقتضي الحكمة حجابًا،

стр. 103

وإنما المقصود تطييب نفس إبراهيم ﵇، وتطييب نفس محمد ﵌، وتكريمه. وذلك لا يدعو إلى الحجاب، بل ينافيه. وقد يحصل شيء من ذلك لغير الأنبياء تبعًا، كما شاهده الصحابة من البركة في الماء، والطعام؛ وما سمعوه من تسبيح الطعام، وحنين الجذع، وغير ذلك. وقد يكون منه ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]. ومن ذلك الآيات القاضية التي تقترحها الأمم المعاندة على أن يعاجلها العذاب [ص ٥٥] إن لم تؤمن، فإنه لا يترك لهم مهلة للنظر، حتى تقتضي الحكمة حجابًا، ولو جعل حجاب لما حصل مقترحهم، فمن ذلك ما يروى أن قريشًا اقترحوا على النبي ﵌ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، فأوحى الله إليه: إن شئت أصبح الصفا ذهبًا، فإن لم يؤمنوا عذّبتُهم. فقال: لا، بل أنتظر بهم، أو كما قال (١). ومما يشبهه اقتراح الحواريين على عيسى نزول مائدة من السماء فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].

стр. 104

ومن ذلك الآيات التي يقع بها العذاب، فإنها ليست لإقامة حجة، فيناسبها الحجاب. وقد تجتمع عدة أسباب كما في فلق البحر لموسى ﵇، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦١ ــ ٦٦]. فكان في فلق البحر تطييب لنفس موسى وهارون ومن معهما من المؤمنين، ونجاة لهم، وإقامة حجة على من كان في قوم موسى من المرتابين، وإقامة للحجة القاضية على فرعون وقومه وتهيئة عذاب لهم. [ص ٥٦] ولعل وراء ما ذكرت أسبابًا أخرى تقتضي أن لا يكون دون المعجزة حجاب. والله أعلم. ولننظر الآن في قصة الفيل: الرمي في واقعة الفيل لم يكن المقصود منه إقامة حجة، لا على أهل مكة، ولا على الحبشة. أما أهل مكة فإنهم لم يُقصدوا بها، وكانوا مصدّقين بقدرة الله ، وحرمة البيت. وأما الحبشة فكانوا يعلمون قدرة الله تعالى، ويرى المعلِّم أنهم كانوا يعرفون حرمة البيت. ثم قد أقام الله ﵎ عليهم الحجة بحبسه الفيل، كما تقدم في رواية ابن عباس وغيره. قال ابن إسحاق: "فبرك الفيل، فضربوا رأسه

стр. 105

بالطَّبَرْزِين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقِّه، فبزغوه بها ليقوم فأبى. فوجهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى مكة، فبرك. فأرسل الله عليهم الطير ... " (١). وقد ذكر ذلك في أشعارهم، وذكرها المعلم (٢). منها قول أبي قيس: ومن صنعه يوم فيل الحبو ... ش إذ كلَّما بعثوه رَزَمْ محاجنُهم تحت أقرابه ... وقد شرَّموا أنفَه فانخرَمْ وقد جعلوا سوطَه مِغولًا ... إذا يمّموه قفاه كَلَمْ فولى وأدبر أدراجه ... وقد باء بالظلم مَن كان ثَمْ فأرسل من فوقهم حاصبًا ... فلفَّهم مثلَ لفِّ القَزَمْ تحضُّ على الصبر أحبارُهم ... وقد ثأجوا كثُؤاج الغنمْ [ص ٥٧] وقول أبي الصلت أو ابنه أمية: إنَّ آياتِ ربِّنا ثاقباتٌ ... لا يماري فيهنَّ إلا الكفورُ حَبَسَ الفيلَ بالمغمَّس حتى ... ظلَّ يحبو كأنه معقورُ لازمًا حلقةَ الجِرانِ كما قُطْـ ... طِرَ من صخرِ كبكبٍ محدورُ (٣)

стр. 106

وقول المغيرة بن عبد الله المخزومي: أنت حبستَ الفيل بالمغمَّسْ ... حبستَه كأنه مكردَسْ محتَبسٌ تزهق فيه الأنفسْ (١) وأنشد المعلِّم لطفيل: ترعى مذانبَ وسميٍّ أطاع له ... بالجِزع حيث عصى أصحابَه الفيلُ (٢) وفي "الصحيح" في قصة الحديبية: "وسار النبي ﵌ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالوا: خَلَأت القَصْواء. فقال النبي ﵌: ما خلأت القَصْواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألونني خُطَّةً يعظِّمون فيها حرماتِ الله إلا أعطيتُهم إياها. ثم زجرها فوثبت .... " (٣). وفي "الصحيح" من حديث أبي هريرة: "أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلًا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﵌ فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليهم رسوله

стр. 107

والمؤمنين ... " (١). وقد تقدم في فصل (ج) ما روي عن وهب: "كانت الفيلة معهم فشجُع منها فيل فحُصِبَ". وهذا يقتضي أن الفيلة كلها امتنعت عن التقدم إلى مكة إلا واحدًا منها فحصب، وقد تقدم هناك أنها كانت ثلاثة عشر فيلًا. [ص ٥٨] فحبس الفيل على الصفة المذكورة آيةٌ، أقام الله تعالى بها الحجة على أبرهة، تؤكد له حرمة البيت ومكانه من ربه . فلو اعتبر بها ورجع بجيشه عن قصد البيت لما أصابهم العذاب، ولكن لما أصرّوا رمتهم الطير، كما بينته القصة والأشعار، من أن الرمي كان بعد حبس الفيل بمهلة. والسورة تدل على ذلك، كما يأتي في تفسيرها إن شاء الله تعالى. فاتضح بما تقدم أن الرمي لم يكن لإقامة حجة، وإنما كان آية عذاب، ومثل ذلك لا يستدعي الحجاب، كما تقدم. فإن قيل: فإن فيه إقامة حجة على من تبلغه القصة، وهو لا يصدق بقدرة الله تعالى، أو بحرمة البيت. قلت: الحجاب في حق هؤلاء أنهم لم يشاهدوا الواقعة، فيمكنهم التكذيب، وإنكار التواتر، وأن يتأولوا، كما فعل الناس بفلق البحر وغيرها. وقد فعلوا ذلك بهذه الآية نفسها، كما ترى، ويأتي له مزيد. ولم يكن المقصود مما فعل الله تعالى بأصحاب الفيل إغاثة أهل مكة حتى تستدعي الخارقة تسببًا منهم، وإنما المقصود من ذلك حفظ البيت عن

стр. 108

أن يهان، وعقوبة الحبشة، والإرهاص للنبي ﵌. فإنه بُعث بتعظيم حرمات البيت والحرم، وتطهيره عما دنسه به المشركون من رجس الأوثان. وكان الله تعالى يرشّح عرب الحجاز للقيام بأعباء الإسلام، فاقتضت حكمته أن يبقَوا قَراحًا لم تطأهم ذِلّة، ولم تجأهم مَلَكة؛ لأن ذلك شرط عادي لقيامهم بالإسلام. ولهذا لما كان بنو إسرائيل على غير هذه الصفة لم يصلحوا لحمل الدين حتى حبسوا أربعين سنة في التِّيه، فنشأ منهم قرن صالح. ولم يكن أهل مكة حين واقعة الفيل دون الحبشة في الكفر، فإن الحبشة نصارى أهل كتاب، وأهل مكة أهل شرك وأوثان. ولم يكن ذلك الخارق معجزة ولا كرامة لأهل مكة، أو لواحد من أحيائهم حتى يحتاج إلى مباشرة منهم، كما في رمي النبي ﵌ يوم بدر، ورمي موسى بالرماد، ومدّ يده للجراد. فرمي الحبشة خارق لا يستدعي رميًا من أهل مكة ألبتة، فاندفع ما حاوله المعلِّم ﵀. ثم أسوق عبارته في تطبيق واقعة الفيل على الشواهد الثلاثة التي ذكرها، وقد تقدمت. [ص ٥٩] طبقها على الشاهد الأول، وهو رمي النبي ﵌ في يوم بدر بقوله: "وكذلك في هذه السورة كانت قريش ترميهم بحجارة، ينفحونهم بها عن الكعبة، فجعلها الله حجابًا لما أرسل على أصحاب الفيل من الحجارة من السماء، وكما نسب الله تعالى الرمي في بدر

стр. 109

إلى نفسه في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فهكذا ههنا نسب إلى نفسه أنه جعلهم كعصف مأكول. فلا شك أنها كانت من الآيات البينات، فإن منافحة قريش كانت أضعف من أن يفُلَّ هذا الجيش، فكيف يحطِّمهم حتى صاروا كعصفٍ مأكول؟ ". قال عبد الرحمن: قد علمت أن فعل الله تعالى بأصحاب الفيل لا يحتاج إلى حجاب. وأزيدك ههنا أنه كان هناك مانع من الحجاب والتسبب والمباشرة، بل مانعان: الأول: أنه لو قدر الله تعالى أن يكون منهم رمي، لكان ظاهر الأمر أنّ الله نصرهم، وأعانهم، وأمدّهم بآية من آياته، وفي ذلك ما يُشعرهم بأنهم على حقٍّ يرضاه الله ويحبّه. وإذًا لقالوا للنبي ﵌ ــ حين دعاهم إلى التوحيد، ونبذ الأوثان، وبيَّن لهم ما هم عليه وآباؤهم من الضلال والبهتان ــ: إن الله ﵎ أيَّدنا ونصرنا وأعاننا إذ رمينا أصحاب الفيل شيئًا من الرمي، فكثَّره الله تعالى حتى هزم ذلك الجيش العظيم، وحطّمه وكنا حينئذٍ على ما نحن عليه الآن من عبادة الأوثان وغيرها، فلولا أنَّ ذلك مرضي عند الله سبحانه لما صنع بنا ذلك. فلما لم يقدر الله رميًا منهم، بل قدر ــ على ما جاء في الروايات ــ تأمين أبرهة لهم، ونكولهم عن القتال [ص ٦٠] علموا أن الله إنما فعل بأصحاب الفيل ما فعل حمايةً لبيته. وليس في ذلك ما يدل على رضا الله تعالى بشركهم، فلم يمكنهم أن يحتجوا على النبي ﵌. المانع الثاني: أن معيشة أهل مكة قائمة على تجارتهم إلى اليمن والحبشة والشام، كما هو مبين في تفسير سورة قريش، فلو وقع منهم رمي

стр. 110

وقتال لأبرهة لانقطعت تجارتهم من تلك الجهات، كما تقدم في فصل (ج). ولم يشأ الله قطع متاجرهم؛ لأنه قد أجاب فيهم دعوة خليله إبراهيم ﵇، وهو يُعِدُّهم لبعثة محمد ﵌ فيهم، ويريد أن يمتنَّ عليهم بذلك، كما جاء في سورة قريش. لهذه العلاقة ــ والله أعلم ــ أعقب الله تعالى هذه السورة بسورة قريش. وأما قول المعلم: "وكما نسب الله تعالى الرمي إلى نفسه ... "، فهذه محاولة فاشلة. يخاطب الله تعالى رسوله بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فيصرح له بأن الأثر لم يكن لرميه، مع أنه ﵌ والمؤمنون معه يعلمون أنه لا حول لهم ولا قوة إلا بالله، فكيف يعقل مع هذا أن يكون أهل مكة رموا الحبشة، فأمدّهم الله تعالى برمي من عنده، ثم يذكرهم بذلك بعد تكذيبهم لرسوله وكتابه، وفعلهم العظائم؛ فيذكر رميهم مثبتًا غير منفي، ويطوي ذكر رميه، فلا يصرح به؟ وهل هذا إلا عكس الحكمة؟ فإن الأمر الواضح الذي لا يخفى أن يقال: إذا اقتضت الحكمة التصريح بنفي رمي النبي ﵌، وإثبات رمي الله تعالى لإثبات أنه المؤثر في خطاب النبي صلى الله عليه وآله سلم، مع أنه ــ والمؤمنون معه ــ لا يرتاب في ذلك، فبالأولى والأحرى [ص ٦١] أنه إذا كان من أهل مكة رمي لأصحاب الفيل أن يصرح الله تعالى لهم بنفي رميهم، وإثبات رميه؛ فإنهم مشركون. فإن قيل: فقد أشار إلى فعله بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، كما ذكره المعلم.
следующие страницы →