← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 336

طليعة التنكيل وتعزيز الطليعة وشكر الترحيب - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (281 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مجموع فيه: طليعة التنكيل ويليه: تعزيز الطليعة ويليه: شكر الترحيب تأليف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله تعالى (١٣١٢ - ١٣٨٦) تحقيق عليّ بن محمد العمران

стр. 2

راجع هذا الجزء محمد أجمل الإصلاحي عادل بن عبد الشكور الزرقي

стр. 3

مقدمة التحقيق الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه. وبعد، فهذا مجموع يضم بين دفتيه ثلاثة كتب من تأليف الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي ﵀، يربطها ببعضها رابط وثيق، ولكل منها دور في تكميل الآخر وتعزيزه، والثلاثة جميعًا تعتبر كالتوطئة للكتاب العظيم «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل». * ملخّص قصة تأليفها ودافعه: ألف الشيخ محمد زاهد الكوثري (ت ١٣٧١ هـ) كتابًا عنونه بـ «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب» انتقد فيه ما ساقه الحافظ الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في ترجمة أبي حنيفة من كتابه «تاريخ بغداد» من المثالب عن السالفين. وطبع كتابه في مصر عام ١٣٦٠ هـ. فلما اطلع عليه المؤلف بطلب من أحدهم ــ بعد أن اعتذر أول مرة من النظر فيه ــ رأى أنه بحاجة إلى جوابٍ مفصل عما وقع فيه الكوثري من الأخطاء العلمية والطعن في أئمة السنة ورواتها، فألف كتابًا ــ وهو في الهند ــ سماه «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» (١) وقسمه إلى أربعة أقسام: قسم القواعد، وقسم الرواة، وقسم الفقهيّات، وقسم العقائد. ولما كان كتاب «التنكيل» على وشك التمام رأى المؤلف أن يقتضب نموذجًا منه فيه أهم ما وقع فيه الكوثري من الأخطاء، وسماه «طليعة التنكيل _________ (١) وكان قد سماه بادئ الأمر «النقد البري».

стр. 4

بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» طُبع بمصر سنة ١٣٦٨ هـ. في نحو ١٠٠ ص من القطع المتوسط. بيّن فيه مغالطات الكوثري فيما يتعلّق برواة الحديث خاصةً، وجعلها أنواعًا هي: أ- الأوابد: تبديل الرواة. ذكر فيه اثني عشر مثالًا (ص ٥ - ٣١) وذكر باقيها في «التنكيل». ب- العوامد: كلام لا علاقة له بالجرح يجعله جرحًا. ذكر فيه سبعة أمثلة. (ص ٣٢ - ٣٧). ج- العجائب: اهتبال التصحيف والغلط. ذكر فيه سبعة أمثلة. (ص ٣٩ - ٤٩). د- الغرائب: تحريف نصوص أئمة الجرح والتعديل. ذكر ستة أمثلة. (ص ٥٠ - ٥٤). هـ- الفواقر: تقطيع نصوص أئمة الجرح والتعديل. ذكر اثني عشر مثالًا. (ص ٥٤ - ٥٩). و- العواقر: جرحٌ لم يثبت يحكيه بصيغة الجزم. ذكر ستة أمثلة. (ص ٥٩ - ٦٦). ز- التجاهل والمجازفة: تجهيل الثقات، ذكر سبعة أمثلة (ص ٦٦ - ٧٧). ح- الأعاجيب: يطلق صيغ الجرح مفسَّرةً وغير مفسرةٍ بما لا يوجد في كلام الأئمة. ذكر ستة أمثلة (ص ٧٧ - ٨٧). وأحال على البقية في «التنكيل». فهذه ثمانية فروع، ثم ذكر عنواناتِ ستةِ فروعٍ أخرى استوفى ذِكرها في

стр. 5

التنكيل. فلما اطَّلع الكوثري على «الطليعة» كتب ردًّا عليها سماه «الترحيب بنقد التأنيب» بناه على أمرين: الأول: الطعن في قصد المؤلف، واتهامه بالطعن في أبي حنيفة، والتعليق على عبارات قاسية وردت في متن الكتاب وتعليقاته. الثاني: ناقش ما أورده الشيخ من أمثلة وحاول أن يتملّص من عُهدة التغيير والتبديل التي أثبتها المؤلف عليه. فما كان من المعلمي حين وقف على «الترحيب» إلا أن أردف «الطليعة» برسالتين يجيب فيهما عما أورده الكوثري، وهما: «تعزيز الطليعة» و «شكر الترحيب» ولم يطبعا في حياة المؤلف ولا بعده. أما الرسالة الأولى ــ تعزيز الطليعة ــ: فقد شرح المؤلف في أولها سبب تأليفها، وبين الظروف التي طبعت فيها «الطليعة» مما أدى إلى وقوع بعض الأخطاء المطبعية، وزيادات في المتن والتعليقات ليست منه وإنما ممن قام على طبع الرسالة ... وقسّم الرسالة إلى بابين: الباب الأول: مطالب متفرّقة. وفيه أربعة فصول: الأول: شرح فيه أمورًا تتعلق بكتاب «التنكيل» وخطورة ما فعله الكوثري على السنة. (ص ٥ - ٨) الثاني: تعليقه على محاولة الكوثري التبرؤ مما نسبه إليه. (ص ٩ - ١٩)

стр. 6

الثالث: تكلم على مسألة الغلو في الأفاضل. (ص ٢٠ - ٣٢). الرابع: في تفريق الكوثري الأمة إلى حنفية وعامة المسلمين (ص ٣٣). ثم خلص إلى تحرير قاعدة التهمة (ص ٣٤ - ٤٤). ثم دلف إلى عدة قواعد خلّط فيها الكوثري، ومع أنه لم يعنونها ــ سهوًا كما أظن ــ إلا أنها هي الباب الثاني من الكتاب، وما زال يشير إليها في مواضع عدة بالقواعد، ولذا فقد وضعت لها عنوانًا بين معكوفين هكذا: [الباب الثاني: في قواعد خلّط فيها الكوثري]، وذكر فيه أربع قواعد: ١ - رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي (٤٥ - ٥٠). ٢ - التهمة بالكذب (ص ٥١ - ٦٢). ٣ - رواية المبتدع (ص ٦٣ - ٨٤). ٤ - قدح الساخط ومدح المحب (ص ٨٥ - ٩٦). ويلاحظ هنا أن المؤلف قد ذكر جميع هذه القواعد في التنكيل، لكنه صرح بأنه أعادها هنا للحاجة إليها، قال (ص ٣٣): «فالنظر في شأنهم يتوقف على تحرير قاعدة التهمة، وقد كنت بسطته في التنكيل ثم دعت الحاجة إلى تلخيصه هنا». وكذلك في (ص ٣٨) وضرب عليها. أما الرسالة الثانية ــ شكر الترحيب ــ: فقد بدأها المؤلف بمقدمة شرح فيها سبب تأليف التنكيل، وأنه لخص نموذجًا منه وطبعه، ثم رأى رسالة الكوثري في الرد عليها، ثم شرح ما وقع من ملاحظات على طبعة الطليعة في ثلاث نقاط. وقد جعل الرسالة في بابين:

стр. 7

[الباب الأول] (١): النظر في خطبة الكتاب وما للكوثري فيها من الوهم (٧ - ٢٦). الباب الثاني: النظر في أجوبة الكوثري على ما أورده في الطليعة، وذكر ما وقع في كل فرع على حدة. (٢٧ - ٨١). مقارنة بين «تعزيز الطليعة» و «شكر الترحيب»: كلتا الرسالتين ردٌّ على رسالة الكوثري «الترحيب بنقد التأنيب»، فموضوعهما إذًا واحد، وكلتاهما قد قسمهما المؤلف إلى مقدمة وبابين. أما المقدمة في كلتا الرسالتين فقريبة المادة، وإن كانت مقدمة «شكر الترحيب» أبسط في شرح ظروف وملابسات طباعة «الطليعة». أما من جهة الفرق بينهما؛ فإن «التعزيز» مناقشة كليّة لمقاصد الكوثري وأخطائه وما يترتب على القول بها من مخاطر على السنة. وذلك واضح من عنوانات فصول الباب الأول من الرسالة التي سقناها سابقًا (ص ٧ - ٨)، أما الباب الثاني فهو في ذكر قواعد خلّط فيها الكوثري فردّ على تخليطه، وحرر القول فيها وحققه، وذكر فيه أربع قواعد. أما «شكر الترحيب» فهو تتبع لكلام الكوثري وجواب عنه بحسب سياقه له في كتابه، فنظر المؤلف أولًا في خطبة كتابه، يسوق كلامَه ويعلّق عليه بقوله: «لا أوافق» ويشرح مقاصده، أو يوافقه عليه، ويشرح غرضه. هذا في الباب الأول، أما الثاني، فتتبّع المعلمي جواب الكوثري عن الأمثلة التي _________ (١) ذهل المؤلف عن وضع هذا العنوان فوضعته بين معكوفين، وانظر ما سلف (ص ٨) في ذهوله عن وضع الباب الثاني في رسالة «التعزيز».

стр. 8

أوردها المؤلف في «التنكيل» فرعًا فرعًا وترجمة ترجمة، وبه ينتهي الكتاب. وعند النظر نجد أن الرسالتين يكمّل بعضهما الآخر،؛ إذ إن كل رسالة انتحت طريقةً في الرد، الأولى في التقعيد والتحرير، والأخرى في التتبُّع والاستدراك على الترتيب. وأما أيهما تقدمت على الأخرى في التأليف فمما لا يمكن الجزم به، ولم أقف على قرائن يستفاد منها لتحديد أيهما المتقدم، ولا يبعد أن يكون قد شرع فيهما معًا، وعليه فلا ضير إنْ قدّمنا إحداهما على الأخرى في الترتيب في هذا المجموع، ورأيت أن تتقدم رسالة «تعزيز الطليعة» على «شكر الترحيب» لكونها من حيث العنوان أقرب إلى نصرة «الطليعة» فناسب أن تليها في الترتيب. ويبدو أن المؤلف لم ينشط لطباعتهما في حياته خوفَ أن يصيبهما ما أصاب «الطليعة» من الأخطاء المطبعية أو التصرف بالتعليق ونحوه. وقد صرح بأن هذا سبب تأخره في طباعة التنكيل أيضًا (١). * * * * _________ (١) انظر «شكر الترحيب» (ص ٦).

стр. 9

وصف نسخ الرسائل الثلاث * أولًا: نسخة الطليعة له نسختان، مبيّضة ومسوَّدة، أما المبيضة فهي من مخطوطات جامعة الملك عبد العزيز ــ قسم المجموعات الخاصة، ضمن مكتبة الشيخ محمد نصيف رقم (٢٨١٣)، وهي بخط المؤلف وتقع في (٧٦ ص) بترقيم المؤلف، في كل صفحة ١٥ سطرًا غالبًا. كتب على ورقة العنوان بخط المؤلف «طليعة التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» لمؤلفه عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العُتمي اليماني عفا الله عنه. ثم كتب تحته بخط الشيخ محمد نصيف: «تأليف العلامة المفضال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني المقيم بحيدراباد الدكن بالهند» ثم كتب: «أحسن الله إليه في ا (١)» وضرب عليها. وكتب بجواره ثم ضرب عليه: «أرسله مؤلفه الشيخ عبد الرحمن من حيدراباد الدكن ليُطبع، وأذن بالتعليق عليه. وكتبه محمد نصيف» (٢). والنسخة كاملة مبيَّضة قليلة الضرب والتصويب، واضحة الخط على خلاف عامة رسائل المؤلف. _________ (١) كذا، وكأنه أراد أن يكتب «في الدارين». (٢) وكان نصيف قد علَّق تعليقًا واحدًا على (ص ٢) عند ذكر الكوثري معرّضًا ومعرِّفًا به، ثم ضرب على التعليق.

стр. 10

وكان ينبغي أن تكون الطبعة الأولى للكتاب موافقة تمامًا لما في هذه النسخة؛ إذ عنها صدرت، لكن الذي قام على طبع الكتاب غيَّر في عبارات عدة غالبًا في التهجّم على الكوثري، مما اضطر المؤلف ﵀ لحذفها في الطبعة الثانية، والاعتذار عنها في تعزيز الطليعة، وفي شكر الترحيب، وفي التنكيل. ومع ذلك فلم يستطع المؤلف تعديل كلِّ العبارات المغيَّرة، خاصة كلمة «الأستاذ» التي التزمها المؤلف في أغلب صفحات الكتاب، وحُذفت من الطبعة الأولى، فأعدناها في طبعتنا هذه لتطابق ما كتبه المؤلف أول مرة. كما أمر المؤلف أيضًا في «التنكيل» وفي «شكر الترحيب» بإصلاح أو تغيير بعض العبارات، كما أثبتّ ذلك في مواضعه من «الطليعة» انظر (ص ٧، ٨، ٩، ٧٨، ٧٩). والظاهر أن هذه النسخة المبيّضة بقيت بعد طبعها عند الشيخ محمد نصيف ولم تعد إلى مؤلفها، وإلا لوجدت ضمن كتبه التي خلّفها في غرفته في مكتبة الحرم المكي الشريف، كما هو واضح. وأما المسوَّدة، فهي محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم (٤٢٥٠) وتقع في (٣٢ ص) بخط مؤلفها، وكتب عنوانها في أول الرسالة كما هو مثبت على المبيّضة، والنسخة ناقصة قرابة النصف. * ثانيًا: نسخة تعزيز الطليعة تحتفظ مكتبة الحرم المكي الشريف بالنسخة الوحيدة منها برقم (٤٦٩٧)، وتقع في (٤٣ ص) بخط المؤلف.

стр. 11

وعلى ورقة العنوان بخط مؤلفها عنوان الكتاب: «تعزيز الطليعة لراجي عفو ربه الكريم عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني غفر الله له». والنسخة شبه تامة وإن كان قد اعتورها النقص من آخرها، وتبدأ الصفحات الثلاث الأولى بخط جميل معتنى به ثم تعود سيرتها الأولى في الضرب والتخريج والإضافة والتحويلات، بما صعب معه جدًّا تخليص الكتاب، لولا أن عدة من مباحثه قد أعادها المؤلف في «التنكيل» أو لخّصها من «التنكيل» هنا، كما أنه قد يستخدم قلم الرصاص أحيانًا كما في (ص ١١) فلا يظهر في التصوير مما دعا إلى مراجعة الأصل الخطي مرارًا، وقد أكثر المؤلف فيها من التحويل من صفحة إلى صفحة، فيكتب ربع الصفحة ٢٥ مثلًا ويحيل إلى باقي الكلام إلى ص ٢١، وفي أثناء ص ٢١ يحيل إلى ص ٣٥ ثم يعود إلى ص ٢٥، هكذا. فنرجو أن نكون قد تتبعنا هذه المواضع وأثبتناها في أماكنها على ما أراد المؤلف، على أنه قد استخدم القلم الأحمر في تمييز هذه الإشارات وإن لم تظهر في مصوَّرته الورقية. وكان المؤلف قد أحال على كتابه هذا في رسالة «الاستبصار» (ص ٤٢ هامش ١) في بعض الإلحاقات ثم ضرب عليه وأحال على «التنكيل». * ثالثًا: نسخة شكر الترحيب له نسختان، مبيَّضة ومسوَّدة، أما المبيضة فهي من محفوظات مكتبة الحرم المكي الشريف برقم (٤٦٩٩) وتقع في (٥٣ ص) مكتوبة بخط المؤلف، وهي أقرب إلى المسوَّدة من حيث كثرة الضرب والتخريج. تبدأ الورقة الأولى بمقدمة الكتاب وكتب فوقها «شكر الترحيب شرح مقاصد لبعض كتب التراجم»! وهذا العنوان يبدو أنه للمفهرس أو لأحد

стр. 12

المطالعين، والذي يظهر أن العنوان كان في ورقة مستقلة فمُزِع أو تلف، فاستدركه المفهرس لكنه أضاف من عند نفسه باقي العنوان، فأخطأ. أما المسوَّدة فتقع في (١٨ ص) أولها غير موجود، تبدأ بقوله: «فيتألمون من الخطيب ... »، ومن ميزاتها أن فيها كلامًا مهمًّا في بيان الباعث على تأليف التنكيل والطليعة، وفيها أيضًا التصريح بتسمية الرسالة إذ قال: «ثم وقفت الآن على رسالة للأستاذ ... ردًّا على الطليعة سماها «الترحيب بنقد التأنيب» فبدا لي أن أقدِّم شكرًا لهذا الترحيب». وأتوجّه بالشكر إلى أخويّ الكريمين: الشيخ أسامة الحازمي إذ تولّى نسخ «تعزيز الطليعة»، والشيخ عبد الرحمن قائد إذ نسخ «شكر الترحيب» فجزاهما الله خيرًا. والحمد لله رب العالمين. وكتب علي بن محمد العمران في ١٥/ ١/ ١٤٣٣ هـ

стр. 13

صور المخطوطات

стр. 14

الورقة الأولى من "الطليعة"

стр. 15

ورقة العنوان من "الطليعة"

стр. 16

الورقة الأولى من "تعزيز الطليعة"

стр. 17

الورقة قبل الآخيرة من "تعزيز الطليعة"

стр. 18

الورقة الأولى من "شكر الترحيب"

стр. 19

طَلِيعةُ التَّنْكِيلِ بِما في تَأنِيبِ الكَوْثَرِيِّ مِنَ الأباطِيلِ تأليف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني رحمه الله تعالى ١٣١٢ - ١٣٨٦ تحقيق عليّ بن محمد العمران

стр. 20

[ص ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد، فإني وقفت على كتاب "تأنيب الخطيب" للأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري، الذي تعقَّب فيه ما ذكره الحافظ المحدث (١) الخطيب البغدادي في ترجمة الإمام أبي حنيفة من "تاريخ بغداد" (٢) من الروايات عن الماضين في الغَضِّ من أبي حنيفة. فرأيتُ الأستاذ تعدَّى ما يوافقه عليه أهلُ العلم من توقير أبي حنيفة وحُسْن الذبّ عنه إلى ما لا يرضاه عالم متثبِّت من المغالطات المضادّة للأمانة العلمية، ومن التخليط في القواعد، والطعن في أئمة السنة ونَقَلَتها، حتى تناول بعضَ أفاضل الصحابة والتابعين، والأئمة الثلاثة مالكًا والشافعي وأحمد وأضرابهم، وكبار أئمة الحديث وثقات نَقَلَته، والردّ لأحاديث صحيحة ثابتة، والعيب للعقيدة السلفية، وأساء في ذلك جدًّا حتى إلى الإمام أبي حنيفة نفسه، فإنه من [ص ٣] يزعم أنه لا يتأتَّى الدفاع عن أبي حنيفة إلا بمثل ذلك الصنيع فساء ما يُثْني عليه (٣).

стр. 21

فدعاني ذلك إلى تعقُّب (١) الأستاذ فيما تعدَّى فيه، فجمعتُ في ذلك كتابًا أسميته "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، ورتبته على أربعة أقسام: القسم الأول: في تحرير القواعد التي خَلَّط فيها الأستاذ. الثاني: في تراجم الأئمة والرواة الذين طعن فيهم الأستاذ، وهم ثلاثمائة ونيّف، فيهم أنس بن مالك ﵁، وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام، والأئمة الثلاثة، وفيهم الخطيب. وأدرجتُ في ذلك تراجم أفراد مطعون فيهم حاول توثيقهم، ورتبت التراجم على حروف المعجم. الثالث: في الفقهيَّات، وهي مسائل انتُقِدت على أبي حنيفة وأصحابه، حاول الأستاذ الانتصار لمذهبه. الرابع: في الاعتقاديات، ذكرتُ فيه الحُجّةَ الواضحةَ لصحة عقيدة أئمة الحديث إجمالًا. وعدة مسائل تعرَّض لها الأستاذ. ولم أقتصر على مقصود التعقّب، بل حَرَصت على أن يكون الكتاب جامعًا لفوائد عزيزة في علوم السنة، مما يعين على التبحُّر والتحقيق فيها. وحَرَصت على توخِّي الحق والعدل، واجتناب ما كرهته للأستاذ، خلا أن إفراطه في إساءة القول في الأئمة جَرَّأني على أن أصرِّح ببعض ما يقتضيه صنيعه. وأسأل الله تعالى التوفيق لي وله.

стр. 22

[ص ٤] والكتاب على وشك التمام (١)، وهذه "طليعة" له أُعَجّلها للقراء، شرحتُ فيها أمثلة من مغالطات الأستاذ ومجازفاته، وذلك أنواع: - أ - فمن أوابد الأستاذ: تبديل الرواة. يتكلَّم الأستاذ في الأسانيد التي يسوقها الخطيب طاعنًا في رجالها واحدًا واحدًا، فربما مرَّ به الرجل الثقة الذي لا يجد فيه طعنًا مقبولًا، فيفتِّش الأستاذ عن رجل آخر يوافق ذاك الثقة في الاسم واسم الأب ويكون مقدوحًا فيه، فإذا ظفر به زعم أنه هو الذي في السند (٢). فمن أمثلة ذلك: ١، ٢ - صالح بن أحمد، ومحمد بن أيوب . قال الخطيب في "التاريخ" (١٣/ ٣٩٤ (٣) [٤١٢ - ٤١٣]): "أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان حدثنا صالح بن أحمد

стр. 23

التميمي الحافظ حدثنا القاسم بن أبي صالح حدثنا محمد بن أيوب أخبرنا إبراهيم بن بشَّار قال: سمعت سفيان بن عيينة ... ". تكلَّم الأستاذ في هذه الرواية (ص ٩٧) من "التأنيب" فقال: "في سنده صالح بن أحمد التميمي، وهو ابن أبي مُقاتل القيراطي، هرويّ الأصل، ذكر الخطيب عن ابن حبان أنه كان يسرق الحديث ... ، والقاسم بن أبي صالح الحذَّاء ذهبت كتبه [ص ٥] بعد الفتنة، فكان يقرأ من كتب الناس، وكُفّ بصره، [كما] (١) قاله العراقي، ونقله ابن حجر في "لسان الميزان". ومحمد بن أيوب بن هشام الرازي كذَّبه أبو حاتم ... ، ولا أدري كيف يسوق الخطيب مثل ذلك الخبر بمثل ذلك السند المذكور؟ ولعل الله سبحانه طمس بصيرته، ليفضحه فيما يدَّعي أنه المحفوظ عند النقلة، بخذلانه المكشوف في كل خطوة". أقول: أما صالح فصالح بن أحمد الواقع في السَّنَد موصوف في السَّند نفسه بأنه: (١) تميمي. (٢) حافظ. (٣) يظهر أنه هَمَذاني لأن شيخه والراوي عنه همذانيان. (٤) يروي عن القاسم بن أبي صالح. (٥) يروي عنه محمد بن عيسى بن عبد العزيز. (٦) ينبغي بمقتضى العادة أن يكون توفِّي بعد القاسم بمدة. (٧) ينبغي بمقتضى العادة أن لا يكون بين وفاته ووفاة الراوي عنه مدة طويلة مما يندر مثله.

стр. 24

وهذه الأوجه كلها منتفية في حق القيراطي، فلم يوصف بأنه تميمي، ولا بأنه حافظ وإن قيل: كان يُذكر بالحفظ، فإن هذا لا يستلزم أن يطلق عليه (الحافظ). ولم يُذكر أنه همذاني، بل ذكروا أنه هَرَوي الأصل سكن بغداد، ولم تُذْكَر له رواية عن القاسم (١)، ولا لمحمد بن عبد العزيز رواية عنه (٢)، [والظاهر أنه جيءَ به إلى بغداد طفلًا، أو ولد بها؛ فإن في ترجمته من "تاريخ بغداد" ذكر جماعة من شيوخه وكلهم عراقيون من أهل بغداد والبصرة ونواحيها، أو ممن ورد على بغداد، وسماعه منه قديم، فمن شيوخه البغداديين: يعقوب الدورقي المتوفى سنة ٢٥٢ (٣)، ويوسف بن موسى القطان المتوفى ٢٥٣، ومن البصريين: محمد بن يحيى بن أبي حزم القِطَعي المتوفى سنة ٢٥٣، وصرّح الخطيب في ترجمة فَضْلك الرازي (٤) بأن ابن أبي مقاتل بغدادي، فلا شأن له من جهة السماع بهمذان ولا بهراة] (٥). وكانت وفاته سنة ٣١٦، أي قبل وفاة القاسم باثنتين وعشرين سنة، وقبل وفاة

стр. 25

محمد بن عيسى بن عبد العزيز (١) بمائة وأربع عشرة سنة (٢)، فكيف يروي محمد عمن مات قبله بأزيد من مائة سنة عمن مات بعد الشيخ باثنتين وعشرين سنة؟ ! [ص ٦] ومن اطلع على "التأنيب" وغيره من مؤلفات الأستاذ عَلِم أنه لا يُؤتى من جهلٍ بطريق الكشف عن تراجم الرجال الواقعين في الأسانيد، ومعرفة كيف يُعلم انطباق الترجمة على المذكور في السند وعدم انطباقها، ولا يُؤتَى من بخلٍ بالوقت ولا سآمة للتفتيش، فلا بد أن يكون الأستاذ قد عرف أكثر هذه الوجوه إن لم نَقُل جميعَها، وبذلك عَلِم لا محالة أن صالح بن أحمد الواقع في السند ليس بالقيراطي، فيحمله ذلك على المواصلة للبحث، فيجد في "تاريخ بغداد" (٣) نفسه في الصفحة اليسرى التي تلي الصفحة التي فيها ترجمة القيراطي ــ وقد نقل الأستاذ عنها ــ يجد ثَمّة ترجمة رجل آخر "صالح بن أحمد بن محمد ... أبو الفضل التميمي الهمذاني قَدِم بغداد وحدَّث بها عن ... والقاسم بن بندار (وهو القاسم ابن أبي صالح كما في ترجمته من "لسان الميزان" (٤)، وقد نقل الأستاذ عنها) وكان حافظًا فهمًا ثقة ثبتًا ... ". لهذا الحافظِ ترجمةٌ في "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٨١) وفيها في أسماء

стр. 26

شيوخه "القاسم بن أبي صالح" وفيها ثناء أهل العلم عليه، وفيها أن وفاته سنة ٣٨٤. وذكره ابنُ السمعاني في "الأنساب" (١) الورقة ٥٩٢، وذَكَر في الرواة عنه: أبا الفضل محمد بن عيسى البزاز. وإذ كانت وفاة هذا الحافظ سنة ٣٨٤ فهي متأخرة عن وفاة القاسم بست وأربعين سنة، ومتقدمة على وفاة محمد بن عيسى بستٍّ وأربعين سنة (٢)، ومثل هذا يكثُر في العادة في الفرق بين وفاة الرجل ووفاة شيخه ووفاة الراوي عنه، فاتضح يقينًا أن هذا الحافظ الفهم الثقة الثبت هو الواقع في السند. [ص ٧] وقد عرف الأستاذ هذا حقّ معرفته، والدليل على ذلك: أولًا: ما عرفناه من معرفة الأستاذ وتيقّظه. ثانيًا: أن ترجمة التميمي قريبة من ترجمة القيراطي التي طالعها الأستاذ. ثالثًا: أن من عادة الأستاذ ــ كما يُعْلَم من "التأنيب" ــ أنه عندما يريد القدح في الراوي يتتبع التراجم التي فيها ذاك الاسم واسم الأب فيما تصل إليه يده من الكتب، ولا يكاد يقنع بترجمة فيها قدح، لطمعه أن يجد أخرى فيها قدح أشْفَى لغيظه. رابعًا: في السند "الحافظ" وذلك يدعو الأستاذ إلى مراجعة "تذكرة الحفاظ" (٣). خامسًا: في عبارة الأستاذ: "والقاسم بن أبي صالح الحذّاء ذهبت كتبه بعد

стр. 27

الفتنة، فكان يقرأ من كتب الناس وكُفّ بصره، قاله العراقي، ونقله ابن حجر في "لسان الميزان"". والذي في "لسان الميزان" (٤/ ٤٦٠) (١): " (ز) - قاسم بن أبي صالح بندار ... الحذاء ... روى عنه إبراهيم بن محمد بن يعقوب وصالح بن أحمد الحافظ ... قال صالح: كان صدوقًا متقنًا لحديثه، وكتبه صحاح بخطه، فلما وقعت الفتنة، ذهبت عنه كتبه، فكان يقرأ من كتب الناس وكُفّ بصره، وسماع المتقدمين عنه أصح". وحرف (ز) أول الترجمة إشارة إلى أنها من زيادة ابن حجر. كما نبه عليه في خطبة "اللسان" (٢)، وذكر هناك أن لشيخه العراقي ذيلًا على "الميزان"، وأنه زاد تلك التراجم وغيرها في "اللسان" فما كان من ذيل شيخه العراقي جعل في [ص ٨] أول الترجمة حرف (ذ) وما كان من غيره جعل حرف (ز)، فعُلِم من هذا أن ترجمة القاسم من زيادة ابن حجر نفسه لا من ذيل العراقي. هب أن الأستاذ وهمَ في هذا، فالمقصود هنا أن الذي في الترجمة من الكلام في القاسم هو من كلام الراوي عنه صالح بن أحمد الحافظ، فلماذا عَدَل عنه الأستاذ (٣) ونسبه إلى العراقي؟

стр. 28

الجواب واضح، وهو أن الكوثري خشي إن نَسَب الكلام إلى صالح بن أحمد الحافظ أن يتنبَّه القارئ فيقول: الظاهر أن صالح بن أحمد الحافظ هذا هو الواقع في سند الخطيب والظاهر أنه غير القيراطي لوجهين: الأول: أن القيراطي مطعون فيه، فلم يكن الحفَّاظ ليعتدُّوا بكلامه في القاسم، وكذلك الأستاذ الكوثري لم يكن ليعتدَّ بكلام القيراطي. الثاني: أن كلام صالح في الترجمة يدل أنه تأخر بعد القاسم، والقيراطي توفي قبل القاسم باثنتين وعشرين سنة، وبهذا يتبين أيضًا أن الكلام في القاسم لا يضره بالنسبة إلى رواية الخطيب، لأنها من رواية صالح بن أحمد الحافظ نفسه عنه وهو المتكلم فيه، فلم يكن ليروي عنه إلا ما سمعه منه من أصوله قبل ذهابها، فأعرض الأستاذ لهذين الغرضين عن صالح بن أحمد الحافظ، ونسبَ كلامه إلى العراقي، وحذف من العبارة ما فيه ثناء على القاسم. وهذه عادةٌ له، ستأتي أمثلة منها إن شاء الله تعالى. [ص ٩] والمقصود هنا إثبات أن الأستاذ قد عرف يقينًا أن صالح بن أحمد الواقع في السند ليس هو بالقيراطي، بل هو ذاك الحافظ الفهم الثقة الثبت (١)، ولكن كان الأستاذ مضطرًا إلى الطعن في تلك الرواية، ولم يجد في ذاك الحافظ مغمزًا، ووقعت بيده ترجمة القيراطي المطعون فيه، وعرف أن هذا الفن أصبح بغاية الغُربة، فغلب على ظنه أنه إذا زعم أن الواقع في السند هو القيراطي لا يردّ ذلك عليه أحد، فأما الله ﵎ فله معه حساب آخر، والله المستعان.

стр. 29

وأما محمد بن أيوب؛ فالأستاذ يعلم أن المشهور بهذا الاسم في تلك الطبقة، والمراد عند الإطلاق في الرواية هو الحافظ الجليل الثقة الثبت محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس، ترجمته في "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٩٥). وقد احتجّ الأستاذ (ص ١١٤) في معارضة ما رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن أبي سريج بما رواه الخطيب عن البرقاني عن أبي العباس بن حمدان عن محمد بن أيوب عن ابن أبي سريج، وذلك بناء من الأستاذ على أن شيخ ابن حمدان هو محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس لشهرته، هذا مع أنه لا يُعرف لابن الضريس رواية عن ابن أبي سريج، فأما روايته عن إبراهيم بن بشَّار فنصّ عليها المِزّي في ترجمة إبراهيم من "تهذيبه" (١) قال: "روى عنه ... ومحمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس". فأما محمد بن [ص ١٠] أيوب بن هشام فمُقِلّ مرغوب عن الرواية عنه، لا تُعرف له رواية عن إبراهيم بن بشار ولا للقاسم بن أبي صالح رواية عنه. فقد بدَّل الأستاذ عمدًا في ذاك السند حافظين جليلين برجلين مطعون فيهما، وصنع ما صنع في شأن القاسم بن أبي صالح، وقد بان أنه ثقة، وأن هذه الرواية من صحيح روايته. ومن العجائب أن الأستاذ ارتكب هذه الأفاعيل (٢) وهو يعلم أن ذلك لا يغني عنه شيئًا، ولو لم تتبين الحقيقة؛ لأن ذلك الأثر نفسه ثابت عن

стр. 30

إبراهيم بن بشَّار من غير هذه الطريق، فقد ذكره ابن عبد البر في "الانتقاء" (ص/١٤٨) (١) عن "تاريخ ابن أبي خيثمة" قال: "حدثنا إبراهيم بن بشار ... " و"الانتقاء" تحت نظر الكوثري كل وقت، كما يدل عليه كثرة نقله عنه في "التأنيب". وأعجب من هذا كلِّه وأغرب قول الكوثري بعد تلك الأفاعيل: "ولا أدري كيف يسوق الخطيب ... ولعل الله سبحانه طمس بصيرته ليفضحه بخذلانه المكشوف في كل خطوة". وهذا المترجَّى واقع ولكن بمن؟ هكذا تكون الأمانة عند الأستاذ (٢)! [ص ١١] ٣ - أحمد بن الخليل. قال الخطيب (١٣/ ٣٧٥ [٣٨٠]): "أخبرنا ابن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا أحمد بن الخليل حدثنا عبدة ... ". ذكر الأستاذ هذه الرواية (ص ٤٦) وقال: "وأحمد بن الخليل هو البغدادي المعروف بجور، توفي سنة ستين ومائتين، قال الدارقطني: ضعيف لا يحتج به. وهكذا يكون المحفوظ عند الخطيب". أقول: الصواب في لقب البغدادي الذي تكلم فيه الدارقطني "حور" بالحاء المهملة كما ضبطه أصحاب "المشتبه" (٣). والذي في "الميزان"

стр. 31

و"اللسان" (١) في وفاته: "بقي إلى ما بعد الستين ومائتين" ولم يذكروا له رواية عن عبدة، ولا ليعقوب بن سفيان رواية عنه، وقد قال يعقوب بن سفيان كما في ترجمة أحمد بن صالح من "تهذيب التهذيب" (٢): "كتبتُ عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات". وقبل ترجمة (حور) في "تاريخ بغداد" (٣) ترجمة رجل آخر: "أحمد بن الخليل أبو علي التاجر البغدادي ... روى عنه ... ويعقوب بن سفيان". وهذا التاجر له ترجمة في "التهذيب" (٤)، وفيها رواية يعقوب بن سفيان عنه، وتوثيق الأئمة له، وفيها: "قلت: لم أر له في أسماء شيوخ النسائي ذِكرًا، بل الذي فيه أحمد بن الخليل، نيسابوري، كتبنا عنه، لا بأس به، وقد قال الدارقطني: قديم، لم يحدِّث عنه من البغداديين أحد وإنما حديثه بخراسان، فلعله سكن خراسان". أقول: فكأنَّ النسائي نَسَبه إلى مسكنه. فهذا هو الواقع في سند الخطيب؛ لأنه هو الذي يروي عنه يعقوب بن سفيان، ولأنه ثقة، ويعقوب كتب عن الثقات، ولأنه سكن خراسان. [ص ١٢] وشيخه في السند عبدة، وهو خراساني، ولا ريب أن الأستاذ عند تفتيشه عن أحمد بن الخليل وقف أوّلًا على ترجمة هذا التاجر، وعرف

стр. 32

أنه هو الواقع في السند، ولكنه رآه ثقة، وهو بالحاجة إلى الطعن في تلك الرواية، فعَدَل عنه إلى ذاك الضعيف "حور". نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر، وهكذا تكون الأمانة عند الأستاذ (١)! ٤ - محمد بن جَبُّويه . قال الخطيب (٣/ ٣٧٠ [٣٧١ - ٣٧٢]): "جبريل بن محمد المعدل بهمذان حدثنا محمد بن حيويه (كذا) النخاس حدثنا محمود بن غيلان ... ". ذكر الأستاذ هذه الرواية (ص ٣٤) وقال: " ... في الطبعات الثلاث: "حَيّويه" والصحيح "جَبّويه"، هو ابن جبويه النخاس الهمذاني، وقد كذَّبه الذهبي في "تلخيص المستدرك" حيث قال في حديث مِيناء: ابن جبويه متهم بالكذب ... ". وذكر الخطيب (١٣/ ٣٨١ [٣٩٠]) أثرًا آخر بمثل السند المتقدم، فقال الأستاذ (ص ٦٤): "ووقع في الطبعات الثلاث بلفظ "حيويه"، وهو تصحيف كما سبق، متهم بالكذب ... ، وقال الذهبي في "مشتبه النسبة" (كذا) (٢): ومحمد بن جبويه الهمذاني عن محمود بن غيلان. اهـ. لكن لا يمكن إدراكه لابن غيلان ... والخبر كذب مُلفَّق". أقول: قول الأستاذ: "لا يمكن إدراكه لابن غيلان" واضح الدلالة على أن الأستاذ اطلع على وفاة هذا الرجل، وليست مذكورة في "تلخيص [ص ١٣] المستدرك" ولا في "المشتبه"، وإنما هي مذكورة في ترجمته من الكتب، إذنْ فقد اطّلع الأستاذ على ترجمته، وهذا واضح فإنه يبعد أن يعثر الأستاذ

стр. 33

على ما في "تلخيص المستدرك" بدون أن يقف على الترجمة، وهَبْه عثر على ذلك قبل النظر في الترجمة، فمن عادة الأستاذ أنه لا يشتفي بمثل ذلك الطعن، بل يفتِّش عن الترجمة لعله يجد فيها طعنًا أشد من ذلك. وكأنني بالأستاذ أوَّلَ ما نظر في هذا الرجل راجع "الميزان" و"اللسان"، فوجد في الأول بين ترجمتي محمد بن حنيفة ومحمد بن حيدرة "محمد بن حيويه بن المؤمّل الكَرَجي ... قال الخطيب ... "، ووجد في الثاني بين ترجمتي محمد بن حويطب ومحمد بن حيدرة كما في الأول، وزاد: "وروى أيضًا عن الدَّبَري ... مات سنة ٣٧٣، وأورد له الحاكم في "المستدرك" حديثًا في مناقب فاطمة. فقال الذهبي: ... محمد بن حيويه الكرجي متهم بالكذب"، ولمّا وجد الأستاذ فيهما "قال الخطيب ... " راجع "تاريخ بغداد" فوجد فيه (٥/ ٢٣٣) في أواخر حرف الحاء المهملة من أبناء المحمدين ترجمة هذا الرجل، ولما وجد في "اللسان" ذِكْر "المستدرك" راجع فضائل فاطمة ﵍ من "المستدرك"، فوجد فيه (٣/ ١٦٠): "حدثنا أبو بكر محمد بن حيويه بن المؤمل الهمذاني حدثنا إسحاق ... ". وفي "تلخيصه" للذهبي: "ثنا محمد بن حيويه الهمذاني حدثنا إسحاق الدبري ... " ثم قال الذهبي: "ابن حيويه متهم بالكذب". ولم يجد الأستاذ في هذه المراجع كلها ما يشعر بأن هذا هو الواقع [ص ١٤] في سند تينك الروايتين عند الخطيب، بل وجد ما يدفع ذلك، فإنهم أرّخوا وفاة هذا الرجل سنة ٣٧٣ وشيخ الواقع في السند محمود بن غيلان وفاته سنة ٢٣٩، ومن هنا أخذ الأستاذ أنه لم يدركه، ثم راجع الأستاذ "مشتبه الذهبي" لعله يجد فيه ذِكْرًا للواقع في السند، فظفر بذلك "محمد بن جبويه الهمذاني عن

стр. 34

محمود بن غيلان" فعلم أن هذا هو الواقع في السند وأنه غير الكرجي. أولًا: لأنهم اتفقوا على أن أول اسم والد الكرجي حاء مهملة، وكلهم من أئمة (المشتبه)، ومنهم الذهبي نفسه في "الميزان" وهو الذي ضبطَ والدَ الراوي عن محمود بن غيلان بالجيم والموحَّدة. وثانيًا: لأن الذهبي يقول في ابن جبويه "عن محمود بن غيلان" والكَرَجي لم يدرك محمودًا، فانقسم الأستاذ شطرين، شطره حقق أن الصواب في الواقع في السند (محمد بن جبويه) بالجيم والموحدة، وشطره مال مع الهوى، فزعم أن الواقع في السند هو الذي اتهمه الذهبي! وكنتُ كذي رِجلين رجلٍ صحيحة ... ورجلٍ رمى فيها الزمانُ فشَلَّتِ (١) وقد ذكر ابن ماكولا في "الإكمال" (٢) الرجلين قال: "أما جَبُّويه أوله جيم معجمة بعدها باء مشددة معجمة بواحدة، فهو محمد بن جبويه بن بندار أبو جعفر الهمذاني النخاس، يروي عن محمود بن غيلان ... حدث عنه ... وجبريل بن محمد". وقال فيمن أوله حاء مهملة: "وأما حَيُّويه بياء قبل الواو معجمة باثنتين من تحتها فهو ... ومحمد بن حيويه أبو بكر الكرجي، [ص ١٥] يعرف بابن أبي روضة، حدَّث عن ... وإسحاق الدَّبَري". وعُذْر الأستاذ أن ابن جبويه لم يَطْعن فيه أحد، والأستاذ مضطرّ إلى الطعن في تينك الروايتين، وهكذا تكون الأمانة عند الأستاذ! هذا، والأثر الأول رواه محمود بن غيلان عن وكيع، فقال الأستاذ بعدما

стр. 35

تقدم: "فلا يصح هذا الخبر عن وكيع بمثل هذا السند، والذي صحّ عنه هو ما أخرجه الحافظ أبو القاسم بن أبي العوَّام صاحب النسائي والطحاوي في كتابه "فضائل أبي حنيفة وأصحابه" المحفوظ بدار الكتب المصرية وعليه خطوط كثير من كبار العلماء الأقدمين وسماعاتهم، وهو من مرويات السِّلَفي حيث قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثنا إبراهيم بن جُنيد قال: حدثنا عُبيد بن يعيش قال حدثنا وكيع ... اهـ. وأين هذا من ذاك؟ فبذلك تبين ما في رواية الخطيب بطريق ابن جبويه الكذاب من الدخائل. هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب، نسأل الله العافية". أقول: المشهور من آل أبي العوام أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد، ولَّاه العُبيديون الباطنية القضاء بمصر، فكان يقضي بمذهبهم، ولم أر من وثَّقه، روى عنه الشهاب القضاعي هذا الكتاب الذي ذكره الأستاذ، رواه أحمد عن أبيه عن جده على أنه تأليف الجد عبد الله بن محمد. وقد فتشت عن تراجمهم؛ فأما أحمد بن محمد فله ترجمة في "قضاة مصر" (١) وفي "الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية" (٢) لعبد القادر القرشي، ووعد القرشيُّ أن يذكر أباه وجدَّه، ثم ذكر الجد (٣) فقال: "عبد الله بن محمد بن أحمد جدّ أحمد بن محمد بن عبد الله الإمام المذكور في حرف الألف، ويأتي ابنه محمد".

стр. 36

هذا نص الترجمة بحذافيرها، [ص ١٦] ولم أجد فيها (١) ترجمةً لمحمد، فعبد الله هذا هو الذي يقول الأستاذ فيه: "الحافظ ... صاحب النسائي والطحاوي". كأنه أخذ ذلك من روايته عنهما في ذاك الكتاب. فأما أحمد فقد عُرِف بعضُ حاله، وأما أبوه وجدّه فلم أجد لهما أثرًا إلا من طريقه، وأما محمد بن أحمد بن حماد فترجمته في "لسان الميزان" (٥/ ٤١) (٢). وأما إبراهيم بن جُنيد، فإن كان هو الرَّقِّي فمجهول كما في "لسان الميزان" (١/ ٤٥) (٣). وإن كان هو إبراهيم بن عبد الله بن الجُنيد الخُتَلي البغدادي ــ نُسِب إلى جده ــ فثقة، لكن لم أر في ترجمته من "تاريخ بغداد" (٤) ذِكْر عُبيد بن يعيش في شيوخه، ولا محمد بن أحمد بن حماد في الرواة عنه (٥). وأما عُبيد بن يعيش فذكره ابن حبان في "الثقات" (٦) وقال: "كان يخطئ". وعلى فرض صحة هذه الرواية فليس فيها ما ينافي رواية الخطيب، بل هما متفقتان في أصل المعنى، غاية الأمر أن في رواية الخطيب زيادة، وقد يكون وكيع قال مرة كذا، وقال مرة كذا. وعلى فرض التنافي فرواية الخطيب

стр. 37

أثبت، والأستاذ يتحقق ذلك، ولكنه يفعل الأفاعيل، ثم يبالغ في التهويل، ثم يقول: "نسأل الله العافية"! ٥ - أبو عاصم . قال الخطيب (١٣/ ٣٩١ [٤٠٩]): " ... الأبار حدثنا الحسن بن علي الحُلْواني حدثنا أبو عاصم عن أبي عَوانة ... ". فذكر الأستاذ هذه الرواية (ص ٩٢) ثم قال: " ... وفيه أيضًا أبو عاصم العبَّاداني وهو منكر الحديث". أقول: الأستاذ يعلم أن الواقع في السند هو أبو عاصم النبيل الضحّاك بن مَخْلد الثقة المأمون؛ لأنه هو المشهور بأبي عاصم في تلك [ص ١٧] الطبقة، والمراد عند الإطلاق، وعنه يروي الحُلْواني كما في ترجمة الضحاك من "تهذيب التهذيب" (١) وترجمة الحُلواني من "تهذيب المزي" (٢). ولكن هكذا تكون الأمانة عند الأستاذ! وذكر الخطيب (٣/ ٤٢٣) أثرين، أحدهما من طريق أبي قلابة الرَّقاشي، والآخر من طريق مُسدَّد، كلاهما عن أبي عاصم عن سفيان الثوري، فذكرهما الأستاذ (ص ١٦٩) ثم قال: "وربما يكون أبو عاصم في السندين هو العبَّاداني وحاله معلومة". أقول: قد عَلِم الأستاذ أنه الضحَّاك بن مَخْلد النبيل الثقة المأمون، فإنه المعروف بالرواية عن الثوري كما في ترجمته من "تهذيب التهذيب" (٣)،

стр. 38

وترجمة الثوري من "تهذيب المِزي" (١). وعنه يروي أبو قِلابة الرَّقاشي كما في ترجمته من "تاريخ بغداد" (١٠/ ٤٢٥). وقد تغلَّب الأستاذ هنا على هواه إلى حدٍّ ما، إذ اقتصر على قوله: "وربما ... " ولم يجزم كعادته. ٦ - أحمد بن إبراهيم . قال الخطيب (١٣/ ٣٨١ [٣٨٩]): " ... الأبار أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: قيل لشريك ... ". ذكر الأستاذ هذه الرواية (ص ٦١)، ثم قال: " ... وأما أحمد بن إبراهيم فهو النُّكْري، ولفظه لفظ الانقطاع، ولم يدرك شريكًا إلا وهو صبي". أقول: أول مذكور ممن يقال له: أحمد بن إبراهيم في "تاريخ بغداد" (٢)، [ص ١٨] و"تهذيب التهذيب" (٣): "أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي". وذكر سماعَه من شريك، وذكر المزيّ في "التهذيب" (٤) شريكًا في شيوخه (٥). ويُعْلَم من تاريخ وفاته والنظر في مولد الأبار أن الأبار أدركه إدراكًا واضحًا، وهو معه في بلد، وبذلك يُعلم أنه هو الواقع في السند، ولكن الأستاذ رأى هذا ثقةً فالتمس غيره ممن تتهيَّأ له المغالطة به، ويكون فيه مطعن، فلم يجد إلا النكري، وهو ثقة أيضًا لكن كان صغيرًا عند وفاة شريك، ولم تُذْكر له رواية عن شريك، فقنع به الأستاذ، وهكذا تكون الأمانة عند الأستاذ!

стр. 39

وأما قول الأستاذ: "لفظ انقطاع" فيردُّه أن أحمد بن إبراهيم الموصلي ثقة، وقد ثبت سماعُه من شريك، ولم يكن مدلّسًا، فروايته عن شريك محمولة على السماع، كما هو معروف في علوم الحديث، وأصول الفقه. وسيأتي شرح هذه القاعدة وبعض دقائقها في القسم الأول من "التنكيل" (١) إن شاء الله تعالى. ٧ - أبو الوزير . قال الخطيب (١٣/ ٣٨٤ [٣٩٧]): " ... عبد الله بن محمود المروزي، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن قُهْزاذ يقول: سمعت أبا الوزير أنه حضر عبد الله بن المبارك ... ". ذكر الأستاذ هذه الرواية (ص ٦٩) ثم قال: "عبد الله بن محمود مجهول الصفة، وكذا أبو الوزير عمر بن مطرّف". أقول: عبد الله بن محمود من الحفاظ الأثبات كما يأتي في فرع (٢) (ز) من هذه "الطليعة" إن شاء الله تعالى. [ص ١٩] وأما أبو الوزير فكيف يزعم الأستاذ أنه عمر بن مطرِّف؟ مع أن عمر بن مطرف لم يُعرف بروايةٍ أصلًا، وإنما ذُكِر اسمه في نسب ابنيه إبراهيم ومحمد. وقد قال الأستاذ (ص ٨٣): "قاعدة ابن المبارك في الفقه ... " وإنما أخذ ذلك مما رواه الخطيب (١٣/ ٣٤٣): " ... أبو حمزة المروزي قال: سمعتُ

стр. 40

ابن أعْيَن أبا الوزير ... ". وعادة الأستاذ في الصبر على التنقيب تقضي بأنه قد راجع "الكنى" للدولابي فوجد فيه (٢/ ١٤٧): "أبو الوزير محمد بن أعين المروزي، روى عن ابن المبارك" فبادر الأستاذ إلى نظر هذا الاسم في "تهذيب التهذيب" فوجد فيه (٩/ ٦٦): "محمد بن أعْيَن أبو الوزير المروزي خادم ابن المبارك، روى عنه وعن ابن عُيينة وفُضيل بن عياض ... وخَلْق، وعنه أحمد وإسحاق و ... ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ وآخرون، قال أبو علي محمد بن علي بن حمزة المروزي: يقال إن عبد الله أوصى إليه، وكان من ثقاته وخواصه، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، وقد ذكره ابنُ أبي حاتم (٣/ ٢/٢٠٧) فقال: "وَصِيُّ ابن المبارك". فعلم الأستاذ يقينًا أن هذا هو الواقع في السند، ولكنه لم يجد فيه مغمزًا؛ لأن ثقة ابن المبارك به واعتماده عليه توثيق، ورواية الإمام أحمد عنه توثيق؛ لِمَا عُرِف من توقّي أحمد (٢)، ومع ذلك توثيق ابن حبان، ولم يعارض ذلك شيءٌ، ففزع الأستاذ إلى التبديل كعادته، فزعم أن أبا الوزير [ص ٢٠] الواقع في السند هو عمر بن مطرف؛ وذلك أنه لم يجد في كنى "التهذيب" ذكرًا لأبي الوزير، فطمع أن من يتعقبه لا يهتدي إلى ترجمة محمد بن أعين!
следующие страницы →