← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 336

طليعة التنكيل وتعزيز الطليعة وشكر الترحيب - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (281 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هذا نص الترجمة بحذافيرها، [ص ١٦] ولم أجد فيها (١) ترجمةً لمحمد، فعبد الله هذا هو الذي يقول الأستاذ فيه: "الحافظ ... صاحب النسائي والطحاوي". كأنه أخذ ذلك من روايته عنهما في ذاك الكتاب. فأما أحمد فقد عُرِف بعضُ حاله، وأما أبوه وجدّه فلم أجد لهما أثرًا إلا من طريقه، وأما محمد بن أحمد بن حماد فترجمته في "لسان الميزان" (٥/ ٤١) (٢). وأما إبراهيم بن جُنيد، فإن كان هو الرَّقِّي فمجهول كما في "لسان الميزان" (١/ ٤٥) (٣). وإن كان هو إبراهيم بن عبد الله بن الجُنيد الخُتَلي البغدادي ــ نُسِب إلى جده ــ فثقة، لكن لم أر في ترجمته من "تاريخ بغداد" (٤) ذِكْر عُبيد بن يعيش في شيوخه، ولا محمد بن أحمد بن حماد في الرواة عنه (٥). وأما عُبيد بن يعيش فذكره ابن حبان في "الثقات" (٦) وقال: "كان يخطئ". وعلى فرض صحة هذه الرواية فليس فيها ما ينافي رواية الخطيب، بل هما متفقتان في أصل المعنى، غاية الأمر أن في رواية الخطيب زيادة، وقد يكون وكيع قال مرة كذا، وقال مرة كذا. وعلى فرض التنافي فرواية الخطيب

стр. 37

أثبت، والأستاذ يتحقق ذلك، ولكنه يفعل الأفاعيل، ثم يبالغ في التهويل، ثم يقول: "نسأل الله العافية"! ٥ - أبو عاصم . قال الخطيب (١٣/ ٣٩١ [٤٠٩]): " ... الأبار حدثنا الحسن بن علي الحُلْواني حدثنا أبو عاصم عن أبي عَوانة ... ". فذكر الأستاذ هذه الرواية (ص ٩٢) ثم قال: " ... وفيه أيضًا أبو عاصم العبَّاداني وهو منكر الحديث". أقول: الأستاذ يعلم أن الواقع في السند هو أبو عاصم النبيل الضحّاك بن مَخْلد الثقة المأمون؛ لأنه هو المشهور بأبي عاصم في تلك [ص ١٧] الطبقة، والمراد عند الإطلاق، وعنه يروي الحُلْواني كما في ترجمة الضحاك من "تهذيب التهذيب" (١) وترجمة الحُلواني من "تهذيب المزي" (٢). ولكن هكذا تكون الأمانة عند الأستاذ! وذكر الخطيب (٣/ ٤٢٣) أثرين، أحدهما من طريق أبي قلابة الرَّقاشي، والآخر من طريق مُسدَّد، كلاهما عن أبي عاصم عن سفيان الثوري، فذكرهما الأستاذ (ص ١٦٩) ثم قال: "وربما يكون أبو عاصم في السندين هو العبَّاداني وحاله معلومة". أقول: قد عَلِم الأستاذ أنه الضحَّاك بن مَخْلد النبيل الثقة المأمون، فإنه المعروف بالرواية عن الثوري كما في ترجمته من "تهذيب التهذيب" (٣)،

стр. 38

وترجمة الثوري من "تهذيب المِزي" (١). وعنه يروي أبو قِلابة الرَّقاشي كما في ترجمته من "تاريخ بغداد" (١٠/ ٤٢٥). وقد تغلَّب الأستاذ هنا على هواه إلى حدٍّ ما، إذ اقتصر على قوله: "وربما ... " ولم يجزم كعادته. ٦ - أحمد بن إبراهيم . قال الخطيب (١٣/ ٣٨١ [٣٨٩]): " ... الأبار أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: قيل لشريك ... ". ذكر الأستاذ هذه الرواية (ص ٦١)، ثم قال: " ... وأما أحمد بن إبراهيم فهو النُّكْري، ولفظه لفظ الانقطاع، ولم يدرك شريكًا إلا وهو صبي". أقول: أول مذكور ممن يقال له: أحمد بن إبراهيم في "تاريخ بغداد" (٢)، [ص ١٨] و"تهذيب التهذيب" (٣): "أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي". وذكر سماعَه من شريك، وذكر المزيّ في "التهذيب" (٤) شريكًا في شيوخه (٥). ويُعْلَم من تاريخ وفاته والنظر في مولد الأبار أن الأبار أدركه إدراكًا واضحًا، وهو معه في بلد، وبذلك يُعلم أنه هو الواقع في السند، ولكن الأستاذ رأى هذا ثقةً فالتمس غيره ممن تتهيَّأ له المغالطة به، ويكون فيه مطعن، فلم يجد إلا النكري، وهو ثقة أيضًا لكن كان صغيرًا عند وفاة شريك، ولم تُذْكر له رواية عن شريك، فقنع به الأستاذ، وهكذا تكون الأمانة عند الأستاذ!

стр. 39

وأما قول الأستاذ: "لفظ انقطاع" فيردُّه أن أحمد بن إبراهيم الموصلي ثقة، وقد ثبت سماعُه من شريك، ولم يكن مدلّسًا، فروايته عن شريك محمولة على السماع، كما هو معروف في علوم الحديث، وأصول الفقه. وسيأتي شرح هذه القاعدة وبعض دقائقها في القسم الأول من "التنكيل" (١) إن شاء الله تعالى. ٧ - أبو الوزير . قال الخطيب (١٣/ ٣٨٤ [٣٩٧]): " ... عبد الله بن محمود المروزي، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن قُهْزاذ يقول: سمعت أبا الوزير أنه حضر عبد الله بن المبارك ... ". ذكر الأستاذ هذه الرواية (ص ٦٩) ثم قال: "عبد الله بن محمود مجهول الصفة، وكذا أبو الوزير عمر بن مطرّف". أقول: عبد الله بن محمود من الحفاظ الأثبات كما يأتي في فرع (٢) (ز) من هذه "الطليعة" إن شاء الله تعالى. [ص ١٩] وأما أبو الوزير فكيف يزعم الأستاذ أنه عمر بن مطرِّف؟ مع أن عمر بن مطرف لم يُعرف بروايةٍ أصلًا، وإنما ذُكِر اسمه في نسب ابنيه إبراهيم ومحمد. وقد قال الأستاذ (ص ٨٣): "قاعدة ابن المبارك في الفقه ... " وإنما أخذ ذلك مما رواه الخطيب (١٣/ ٣٤٣): " ... أبو حمزة المروزي قال: سمعتُ

стр. 40

ابن أعْيَن أبا الوزير ... ". وعادة الأستاذ في الصبر على التنقيب تقضي بأنه قد راجع "الكنى" للدولابي فوجد فيه (٢/ ١٤٧): "أبو الوزير محمد بن أعين المروزي، روى عن ابن المبارك" فبادر الأستاذ إلى نظر هذا الاسم في "تهذيب التهذيب" فوجد فيه (٩/ ٦٦): "محمد بن أعْيَن أبو الوزير المروزي خادم ابن المبارك، روى عنه وعن ابن عُيينة وفُضيل بن عياض ... وخَلْق، وعنه أحمد وإسحاق و ... ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ وآخرون، قال أبو علي محمد بن علي بن حمزة المروزي: يقال إن عبد الله أوصى إليه، وكان من ثقاته وخواصه، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، وقد ذكره ابنُ أبي حاتم (٣/ ٢/٢٠٧) فقال: "وَصِيُّ ابن المبارك". فعلم الأستاذ يقينًا أن هذا هو الواقع في السند، ولكنه لم يجد فيه مغمزًا؛ لأن ثقة ابن المبارك به واعتماده عليه توثيق، ورواية الإمام أحمد عنه توثيق؛ لِمَا عُرِف من توقّي أحمد (٢)، ومع ذلك توثيق ابن حبان، ولم يعارض ذلك شيءٌ، ففزع الأستاذ إلى التبديل كعادته، فزعم أن أبا الوزير [ص ٢٠] الواقع في السند هو عمر بن مطرف؛ وذلك أنه لم يجد في كنى "التهذيب" ذكرًا لأبي الوزير، فطمع أن من يتعقبه لا يهتدي إلى ترجمة محمد بن أعين!

стр. 41

ثم رأى في الأبناء من "التهذيب" (١): "ابن وزير جماعة منهم محمد ... " فرجع إلى من يقال: (محمد بن الوزير) فوجد جماعة، ووجد معهم: "محمد بن أبي الوزير هو محمد بن عمر، تقدم"، فنظر ترجمته فإذا هو محمد بن عمر بن مطرف، فمن هنا أخذ الأستاذ اسم عمر بن مطرِّف، والله أعلم. وهكذا تكون الأمانة عند الأستاذ! ٨ - محمد بن أحمد بن سهل . قال الأستاذ (ص ٦٣): "وهناك رواية ... وهي ما رواه هبة الله الطبري في "شرح السنة" عن محمد بن أحمد بن سهل (الأصباغي) عن محمد بن أحمد بن الحسن (أبي علي بن الصواف) ... ". كذا فسر الأستاذ من عنده بقوله: "الأصباغي"، مع أن الأصباغي سكن دمشق، وهو مُقِلّ لا يعرف له رواية عن ابن الصوَّاف، ولا لهبة الله رواية عنه ولا لقاء، واقتصر الخطيب في ترجمته (١/ ٣٠٧) على قوله: " ... سكن دمشق وحدّث بها عن محمد بن الحسين البُسْتَنْبان، وروى عنه أبو الفتح بن مسرور". ومعرفة الأستاذ ويقظته تقتضي أن يكون قد شعر بهذا وفتَّش، فعلم أن شيخ هبة الله في السند هو محمد بن أحمد بن فارس بن سهل أبو الفتح بن أبي الفوارس الحافظ الثقة الثبت، وترجمته في "تاريخ بغداد" (١/ ٣٥٢) وفيها: "سمع من ... وأبي علي بن الصوَّاف ... حدث عنه ... وهبة الله بن

стр. 42

الحسن الطبري". [ص ٢١] وإنما أسقط هبةُ الله في ذاك السند اسمَ الجد على ما عُرف من عادة المحدِّثين في تفننهم في ذِكْر شيوخهم الذين أكثروا عنهم. ٩ - محمد بن عمر . قال الخطيب (١٣/ ٤٠٥ [٤٣٠]): "محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع حدثنا محمد بن عمر بن دليل قال: سمعت محمد بن عُبيد الطنافسي ... ". ذكر الأستاذ هذه الرواية (ص ١٢٦) وقال: "محمد بن عمر هو ابن وليد التيمي، وقد تصحَّف "وليد" إلى "دليل" في الطبعات كلها، ويقول عنه ابن حبان: يروى عن مالك ما ليس من حديثه ... ". أقول: لم يذكروا في ترجمة محمد بن عمر بن وليد التيمي الذي تكلم فيه ابن حبان وغيره أنه يروي عن محمد بن عُبيد الطنافسي، ولا أنه يروي عنه محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع، وأُراه أقدم من ذلك، فإنه يروي عن المتوفَّين حوالي سنة ١٨٠، كمسلم بن خالد، ومالك، وهُشيم، فيبعد أن ينزل إلى محمد بن عبيد المتوفى سنة ٢٠٤، ولم يذكروا راويًا عن التيمي هذا إلا أبا زرعة المولود سنة ٢٠٠، ويبعد أن يكون أدركه ــ أعني التيمي هذا ــ محمدُ بن الحسين بن حميد الذي أقدمُ من سُمِّي من شيوخه موتًا أبو سعيد الأشج المتوفى سنة ٢٥٧، فالأقرب أن يكون الواقع في السند هو محمد بن عمر بن وليد الكندي الكوفي، يروي عن الكوفيين المتوفَّين حوالي سنة مائتين، وأقدم من سَمّوا من شيوخه محمد بن فُضَيل المتوفى سنة ١٩٥.

стр. 43

وذكر [ص ٢٢] ابن أبي حاتم (١) هذا الكنديَّ فقال: "كتب عنه أبي في الرحلة الثالثة بالكوفة، وقَدِمنا الكوفة سنة ٢٥٥ وهو حي فلم يُقْض لنا السماع منه". وقال النسائي: "لا بأس به"، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). فهذا كوفيّ يروي عن أقران محمد عبيد، ومحمد بن عبيد كوفيّ وقد أدركه ــ أعني الكندي ــ محمد بن حسين بن حميد بن الربيع وهو كوفي أيضًا. وهذا لا يخفى على الأستاذ، لكنه لم يجد في هذا مغمزًا فعَدَل إلى التيمي المطعون فيه لحاجة الأستاذ إلى الطعن في تلك الرواية، والله المستعان. ١٠ - محمد بن سعيد . قال الخطيب (١٣/ ٣٧٥ [٣٨١]): " ... محمود بن غيلان حدثنا محمد بن سعيد عن أبيه ... ". فذكر الأستاذ هذه الرواية (ص ٤٧) ثم قال: "محمد بن سعيد هو ابن سَلْم (٣) الباهلي، وقد قال ابن حجر عنه (٤) في "تعجيل المنفعة": منكر الحديث مضطربه، وقد تركه أبو حاتم ووهَّاه أبو زرعة فقال: ليس بشيء. اهـ. وإلى الله نشكو من هؤلاء الرواة الذين لا يخافون الله ... وهكذا يكون المحفوظ عند الخطيب". أقول: هذا يصلح أن يُعدّ نوعًا مستقلًّا من مغالطات الأستاذ، وهو اغتنام الخطأ الواقع في بعض الكتب إذا وافق غرضَه، والذي في "تعجيل المنفعة"

стр. 44

(ص ٣٢٤) (١): "محمد بن سعيد الباهلي البصري الأثرم عن سلام بن سليمان القارئ، وعنه أبو بكر محمد بن عبد الله جار عبد الله بن أحمد وشيخه، ويعقوب [ص ٢٣] بن سفيان ومحمد بن غالب تَمْتام وجماعة، منهم أبو حاتم، ثم تركه، وقال: هو منكر الحديث مضطرب الحديث، ووهّاه أبو زرعة، فقال: ليس هو بشيء". فهذه الترجمة فيها تخليط لا أدري أَعَن سقطٍ نشأ أم عن غلط، وهذا الذي تكلموا فيه ليس هو محمد بن سعيد بن سلم، ولا هو باهلي، بل هو محمد بن سعيد بن زياد أبو سعيد القرشي الكُرَيزي البصري الأثرم، ذكره البخاري في "التاريخ" (١/ ١/٩٦): "محمد بن سعيد القرشي البصري ... ". وذكره ابن أبي حاتم في كتابه (٣/ ٢/٢٦٤): "محمد بن سعيد بن زياد القرشي أبو سعيد المصري (البصري؟ ) (٢) الأثرم سكن بغداد ... سمع منه أبي ولم يحدِّث عنه، سمعته يقول: هو منكر الحديث مضطرب الحديث ... ، سألت أبا زرعة ... فقال: ضعيف الحديث ... وليس بشيء". وله ترجمة في "تاريخ بغداد" (٥/ ٣٠٥) وفي "الميزان" و"اللسان".

стр. 45

ولا أشكُّ أن الأستاذ قد عرف ذلك، وعرف أن ما في "التعجيل" تخليط، ولكن إذا كان الأستاذ يصطنع المغالطات اصطناعًا كما مرَّ، فكيف لا يغتنم ما جاء عفوًا؟! والذي يظهر أن هناك محمد بن سعيد الباهلي يروي عن سلام بن سليمان القارئ، وعنه محمد بن عبد الله جار عبد الله بن أحمد، فاختلطت في "التعجيل" ترجمة هذا بترجمة محمد بن سعيد بن زياد القرشي الكُرَيزي البصري الأثرم، فأما الواقع في السند فهو كما قال الأستاذ محمد بن سعيد بن سَلْم الباهلي، ولم يطعن فيه أحد. وتأمل قول الأستاذ: "وإلى الله نشكو ... "! [ص ٢٤] ١١ - أبو شيخ الأصبهاني. قال الخطيب (١٣/ ٣٨٤ [٣٩٦]): " ... محمد بن عبد الله الشافعي قال: حدثني أبو شيخ الأصبهاني حدثنا الأثرم ... ". وقال (١٣/ ٤١١ [٤٣٨]): " ... محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي حدثنا أبو شيخ الأصبهاني حدثنا الأثرم ... ". أشار الأستاذ (ص ٦٩) إلى الرواية الأولى وقال: "في سنده أبو شيخ الأصبهاني، ضعَّفه بلديُّه الحافظ أبو أحمد العسَّال، وله ميل إلى التجسيم". وأشار (ص ١٤١) إلى الرواية الثانية وقال: "وفي سنده أبو الشيخ الأصبهاني، وقد ضعَّفه العسَّال" (١). وذكر الأستاذ (ص ٤٩) حكايةً في سندها أبو محمد بن حيان فقال:

стр. 46

"وأبو محمد بن حيان هو أبو الشيخ ... وقد ضعّفه بلديُّه الحافظ العسَّال". أقول: أما أبو الشيخ وهو أيضًا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني فتأتي ترجمته في "التنكيل" (١) إن شاء الله تعالى. وأما هذا الراوي عن الأثرم وعنه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي فهو رجل آخر ترجمته في "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٢٦): "محمد بن الحسين بن إبراهيم بن زياد بن عجلان أبو شيخ الأصبهاني ... ، سكن بغداد وحدَّث بها عن ... وأبي بكر الأثرم ... ، روى عنه أبو بكر الشافعي ... ، ... وكان ثقة". فلا أدري أَعَرَف الأستاذ هذا وفَعَل ما فَعَل عمدًا، أم استعجل هنا على خلاف عادته، فلم يبحث حتى يتبين له أن أبا شيخ هذا غير أبي الشيخ المشهور. فالله أعلم (٢).

стр. 47

[ص ٢٥] ١٢ - أبو الحسن بن الرزَّاز . في "تاريخ بغداد": (٣/ ١٢١) ترجمة لمحمد بن العباس بن حيويه أبي عمر الخَزَّاز، وفيها: "حدثني الأزهري قال: كان أبو عمر بن حَيُّويه مكثرًا وكان فيه تسامح، ربما أراد أن يقرأ شيئًا ولا يُقَرِّب أصلَه منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزَّاز لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة". فاحتاج الأستاذ إلى الطعن في ابن حيويه هذا، فذكر (ص ٢١) بعضَ هذه العبارة وقال: " ... على أن أبا الحسن بن الرزَّاز الذي كان يثق بكتابه هو علي بن أحمد المعروف بابن طيب الرزاز، وهو معمَّر متأخر الوفاة ... نص الخطيب ... على أن ابنًا له كان أدخل في أصوله تسميعات طريَّة. فماذا تكون قيمة تحديث من يثق بها فيحدِّث من تلك الأصول! ". أقول: في "تاريخ بغداد" (١١/ ٣٣٠): "علي بن أحمد ... أبو الحسن المعروف بابن طيب الرزاز ... له دكان في سوق الرزازين ... حدثني بعض أصحابنا قال: دفع إليَّ علي بن أحمد الرزاز ... وحدثني الخلال قال: أخرج إليَّ الرزاز ... قلت: وقد شاهدت جزءًا من أصول الرزاز، وكان الرزاز مع هذا كثير السماع ... ". ثم ذكر أنه ولد سنة ٣٣٥ ومات سنة ٤١٩، فالذي كان ابن حيويه ربما يقرأ من كتابه هو "أبو الحسن بن الرزاز" وعليُّ بن أحمد هذا هو أبو الحسن الرزاز كما تكرر في ترجمته. فأما قوله في أولها "المعروف بابن طيب الرزاز" فقوله: "الرزاز" من وصف عليٍّ نفسه لا من وصف [ص ٢٦] "طيب". وسياق الترجمة يبين ذلك، وأيضًا فعليّ بن أحمد أصغر من ابن حَيُّويه بأربعين سنة، فيبعد جدًّا أن يحتاج ابن حيويه في قراءة حديثه إلى كتاب هذا

стр. 48

المتأخر، وأيضًا فلا يعرف بين الرجلين علاقة. وفي "تاريخ بغداد" (١٢/ ٨٥): "علي بن محمد بن سعيد ... أبو الحسن الكندي الرزاز ... قال العَتيقي: وكان ثقة أمينًا مستورًا، له أصول حِسان". وذكر أنه توفي سنة ٣٧٢، فهذا أقرب إلى أن يكون هو المراد، لكنه (الرزّاز) لا ابن الرزّاز. وفي "تاريخ بغداد" (١٢/ ١١٣): "علي بن موسى بن إسحاق أبو الحسن، يعرف بابن الرزاز سمع ... روى عنه ابن حَيُّويه والدارقطني، وكان فاضلًا أديبًا ثقة عالمًا". فهذا هو الذي يتعيَّن أن يكون المراد بقول الأزهري: " ... فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزاز لثقته بذلك الكتاب وإن لم يكن فيه سماعه". فكأنَّ بعض كتب علي بن موسى هذا صارت بعد وفاته إلى تلميذه ابن حيويه، وكان فيها ما سمعه ابن حيويه، لكن لم يقيَّد سماعه في تلك النسخة التي هي من كتب الشيخ، وبهذا تبين أنه لا يلحقُ ابن حيويه عيب، ولا يوجب صنيعه أدنى قدح، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة محمد بن العباس من "التنكيل" (١) إن شاء الله تعالى. والمقصود هنا أن أبا الحسن بن الرزَّاز هو عليّ بن موسى بن إسحاق، لا عليّ بن أحمد كما زعم الأستاذ. وقد بقي غير هذه الأمثلة تأتي في مواضعها من "التنكيل" إن شاء الله تعالى.

стр. 49

[ص ٢٧]ــ ب ــ ومن عوامده: أنه يعمد إلى كلام لا علاقة له بالجرح فيجعله جرحًا، فمن أمثلة ذلك: ١ و ٢ - جرير بن عبد الحميد، وأبو عَوانة الوضَّاح بن عبد الله اليشكري. قال الذهبي في خطبة "الميزان" (١): "وفيه ــ يعني "الميزان"ــ من تُكُلِّم فيه مع ثقته وجلالته بأدنى لِين وبأقل تجريح، فلولا أن ابن عدي أو غيره من مؤلِّفي كتب الجرح ذكروا ذلك الشخص لما ذكرته لثقته". وهكذا قد يَذْكر في الترجمة عبارةً لا قَدْح فيها ولا مدح، وإنما ذَكَرها لاتصالها بغيرها، فمن ذلك أنه ذكر جرير بن عبد الحميد فقال في أثناء الترجمة: "قال ابن عمار: كان حجة وكانت كتبه صحاحًا. قال سليمان بن حرب: كان جرير وأبو عَوانة يتشابهان، ما كان يصلح إلا أن يكونا راعيين. وقال ابن المديني: كان جرير بن عبد الحميد صاحب ليل ... وقال أبو حاتم: جرير يُحتجّ به، وقال سليمان بن حرب: كان جرير وأبو عوانة يصلحان أن يكونا راعيي غنم، كانا يتشابهان في رأي العين، كتبت عنه أنا وابن مهدي وشاذان بمكة". لم يتعرض صاحب "التهذيب" مع محاولته استيعاب كل ما يقال من جرح أو تعديل لقضية التشابه ولا الصلاحية لرعي الغنم؛ لأنه لم ير فيها ما يتعلق بالجرح والتعديل.

стр. 50

وأما الذهبي فذكر ذلك لاتصاله بغيره، ولأنّ ذِكْر الصلاحية لرعي الغنم إنما فائدته تحقيق التشابه في رأي العين، وبيان أنهما كانا يتشابهان ربما تكون له فائدة ما. والمقصود أن [ص ٢٨] مراد سليمان من بيان صلاحية الرجلين لرَعْي الغنم هو تحقيق تشابههما في رأي العين كما يبينه السياق، ووجه ذلك: أنّ من عادة الغنم أنها تنقاد لراعيها الذي قد عَرَفَتْه وأَلِفَته وأَنِسَت به وعرفت صوته، فإذا تأخَّر ذاك الراعي في بعض الأيام، وخرج بالغنم آخر لم تَعْهَدْه الغنم لقي منها شدَّة لا تنقاد له، ولا تجتمع على صوته، ولا تنزجر بزجره، لكن لعلَّه لو كان الثاني شديد الشبه بالأول لانقادت له الغنم، تتوهَّم أنه صاحبها الأول، فأراد سليمان أنَّ تشابه جرير وأبي عوانة شديد بحيث لو رعى أحدُهما غنمًا مدة حتى أَلِفَتْه وأَنِسَت به، ثم تأخّر عنها وخرج الآخر لانقادت له الغنم، تتوهم أنه الأول. وقد روى سليمان بن حرب عن جرير (١)، وقال أبو حاتم: "كان سليمان بن حرب قلَّ من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة". أما الأستاذ فإنه احتاج إلى الطعن في هذين الحافظين الجليلين جرير وأبي عوانة، فكان مما تمحَّله للطعن فيهما تلك الكلمة، وقَطَعها وفَصَلها بحيث يَخْفى أصلُ المراد منها، فقال في (ص ١٠١) في جرير: "مضطرب

стр. 51

الحديث لا يصلح إلا أن يكون راعي غنم عند سليمان بن حرب ... ". وقال (ص ٩٢) في أبي عوانة: " ... كان يراه سليمان بن حرب لا يصلح إلا أن يكون راعي غنم". وأعاد نحو ذلك (ص ١١٨). هب أن الأستاذ لا يعرف عادة الغنم فقد كان ينبغي أن ينبّهه السياق، ولعله قد تنبه ولكن تعمَّد المغالطة، ولذلك قَطَع العبارة وفَصَلها. والله المستعان (١). [ص ٢٩] ٣ - محمد بن عبد الوهاب أبو أحمد الفرَّاء . قال الأستاذ (ص ١٣٥): "معلول عند أبي يعلى الخليلي في الإرشاد". أقول: إطلاق كلمة "معلول" على الراوي من بدع الأستاذ، والذي في ترجمة محمد بن عبد الوهاب من "تهذيب التهذيب" (٢): "قال الخليلي في "الإرشاد" (٣) عَقِب حديث عليّ بن عثام عن سُعير بن الخِمْس عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ــ في الوسوسة ــ: قال لي عبد الله بن محمد الحافظ: أعجب من مسلم كيف أَدْخَل هذا الحديث في "الصحيح" عن محمد بن عبد الوهاب وهو معلول وفرد. انتهى. ولم أر الحديث المذكور في "صحيح مسلم" (٤) إلا عن يوسف بن يعقوب الصفَّار عن علي بن عثَّام، فالله تعالى أعلم".

стр. 52

أقول: مقصود ابن حجر من ذِكْر هذه الحكاية التنبيه على ما فيها من رواية مسلم في "الصحيح" عن محمد بن عبد الوهاب، فإن ذلك غير ثابت، إلا أن يصح هذا بأن يكون وقع في بعض النسخ من "صحيح مسلم" روايته الحديث عن محمد بن عبد الوهاب. وقد رواه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٧٩) عن محمد بن عبد الوهاب عن علي بن عثّام. وقول عبد الله بن محمد: "وهو معلول وفرد" يريد الحديث كما لا يخفى، وعِلَّته جاءت من فوق، ففي ترجمة سُعير بن الخِمْس من "تهذيب التهذيب" (١) أن مسلمًا أخرج له هذا الحديث الواحد، قال ابن حجر: "قلت: رفعه هو وأرسله غيره". وإنما قال عبد الله بن محمد: "عن محمد بن عبد الوهاب"؛ لأن محمدًا من معاصري مسلم وعاش بعد [ص ٣٠] مسلم إحدى عشرة سنة، ومن عادة المحدثين اجتناب رواية ما ينزل سندهم فيه، والنزول في رواية مسلم عن محمد بن عبد الوهاب واضح، فتعجَّب عبد الله بن محمد من إخراج مسلم الحديثَ في "الصحيح"، مع أن هناك مانِعَين من إخراجه: الأول: نزول سنده. الثاني: أنه معلول وفرد. فبان أنه ليس في تلك الكلمة غضّ من محمد بن عبد الوهاب، وهو من الحفاظ الثقات الأثبات، ولم يجد الأستاذ فيه مغمزًا، فاضطر إلى تلك المغالطة القبيحة، والله المستعان.

стр. 53

٤ - عبد الله بن محمد بن عثمان بن السقاء . قال الأستاذ (ص ١٤٧): "هجره أهل واسط لروايته حديث الطير كما في "طبقات الحفاظ للذهبي"". أقول: الذي في ترجمة هذا الحافظ من "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٦٥) من قول الحافظ خميس الحوزي: " ... من وجوه الواسطيين وذوي الثروة والحفظ ... وبارك الله في سِنّه وعِلْمه، واتفق أنه أملى حديث الطير، فلم تحتمله نفوسهم، فوثبوا به وأقاموه وغَسَلوا موضعه، فمضى ولزم بيته". أقول: الأستاذ يعلم أن هذه حماقة من العامة وجهل، لا يلحق ابن السقاء بها عيب ولا ذمّ ولا ما يشبه ذلك. وحديث الطير مشهور رُوي من طرق كثيرة، ولم ينكر أهل السنة مجيئه من طرق كثيرة، وإنما ينكرون صحته، وقد صححه الحاكم (١)، وقال غيره: إن طرقه كثيرة يدل مجموعها أن له أصلًا (٢)، وممن رواه النسائيُّ في "الخصائص" (٣)، [ص ٣١] لكن الأستاذ يقول: كما أن عامة ذاك العصر اشتد نكيرهم على هذا الحافظ، وظنوا أن روايته لذاك الحديث توجب سقوطه، فلعل عامة هذا الزمان إذا رأوا الأستاذ الكوثريَّ قد ذكر الحكاية في معرض الطعن في ذاك الحافظ= أن يظنوا أن في القصة ما يُعدُّ جرحًا! والله المستعان.

стр. 54

٥ - سالم (١) بن عصام. قال الخطيب (١٣/ ٤١٠ [٤٣٦]): "أخبرنا أبو نعيم الحافظ، ثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، ثنا سالم (٢) بن عصام، ثنا رسته، عن موسى بن المساور قال: سمعت جَبَّر، وهو عصام بن يزيد يقول: سمعت سفيان الثوري ... ". قال الأستاذ (ص ١٣٦): "وسالم بن عصام صاحب غرائب". أقول: ذَكَره الراوي عنه هنا وهو أبو محمد ويُقال أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان في كتابه: "طبقات الأصبهانيين" (٣) وقال: "وكان شيخًا صدوقًا صاحب كتاب وكتبنا عنه أحاديث غرائب، فمن حِسان ما كتبنا عنه ... ". وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (٤): "صاحب كتاب كثير الحديث والغرائب". أقول: ومن كثر حديثه لا بد أن تكون عنده غرائب، وليس ذلك بموجب

стр. 55

للضعف، وإنما الذي يضرّ أن تكون تلك الغرائب منكرة، وأبو الشيخ وأبو نعيم التزما في كتابيهما النص على الغرائب، حتى قال أبو الشيخ في ترجمة الحافظ الجليل أبي مسعود أحمد بن الفرات: "وغرائب حديثه وما ينفرد به كثير" (١). والغرائب التي كانت عند سالم ليست بمنكرة كما يعلم من قول أبي الشيخ: "كان شيخًا صدوقًا صاحب كتاب". [ص ٣٢] ومع هذا فقد توبع سالم على الأثر الذي ساقه الخطيب، قال أبو الشيخ في ترجمة موسى بن المساور من "الطبقات" (٢): "حدثنا محمد بن عَمرو، قال: حدثنا رسته، قال: حدثنا موسى بن المساور قال: سمعت عصام بن يزيد ... ". فذكر مثل ما ذكر سالم، ومحمد بن عَمرو أُراه محمد بن أحمد بن عَمرو الأبهري، ذكر أبو الشيخ في ترجمته (٣) أنه من شيوخه وأنه يروي عن رسته، فإما أن يكون نسبه إلى جده وإما أن يكون سقط (بن أحمد) من النسخة. ٦ - الهيثم بن خلف الدوري . قال الأستاذ (ص ٤٧): "يروي الإسماعيليُّ عنه في "صحيحه" إصرارَه على خطأ، وفي الاحتجاج برواية مثلِه وقْفَة". أقول: الخطأ الذي يضرّ الراوي الإصرارُ عليه هو ما يُخْشى أن تترتَّب عليه مفسدة، ويكون الخطأ من المصِرّ نفسه، وذلك كمن يسمع حديثًا بسند

стр. 56

صحيح فيغلط، فيركِّب على ذاك السند متنًا موضوعًا، فينبِّهه أهلُ العلم فلا يرجع. وليس ما وقع للهيثم من هذا القبيل، إنما وقع عنده في حديث الزهري عن محمود بن (١) الربيع عن عِتْبان، وقع عنده "محمد بن الربيع" بدل "محمود بن الربيع" وثَبَت على ذلك، وهذا لا مفسدة فيه، بل ثبات الهيثم يدل على عِظَم أمانته وشدّة تثبته، إذ لم يستحلّ أن يغيِّر ما في أصله، وقد وقع لمالك بن أنس الإمام نحو هذا، كان يقول في عَمرو بن عثمان: "عُمر بن عثمان" وثبت على ذلك. وقد قال الإسماعيليّ نفسه في الهيثم: إنه "أحد الأثبات". ٧ - محمد بن عبد الله بن عمَّار . انظر ما يأتي (هـ/ ١١). * * * * ــ ج ــ [ص ٣٣] ومن عجائبه: اهتبال التصحيف أو الغلط الواقع في بعض الكتب إذا وافق غرضَه! فمن أمثلة ذلك: ١ - وضَّاح بن عبد الله أبو عوانة . ذكروا في ترجمة عليِّ بن عاصم مما عابوا به عليَّ بن عاصم أنه كان يغلط فيُبيَّن له مخالفة الحفَّاظ له فلا يعبأ بذلك، بل ينتقص أولئك الحفاظ، ففي "تاريخ بغداد": (١١/ ٤٥٠) في ترجمة عليِّ بن عاصم عن عليِّ بن المديني مراجعةٌ دارت بينه وبين عليِّ بن عاصم وفيها: " .... فقلت له: إنما

стр. 57

هذا عن مغيرة رأي حماد، قال: فقال من حدَّثكم؟ قلت: جَرير، قال: ذاك الصَّبِي (١)! قال: مر شيء آخر، فقلت: يخالفونك في هذا، فقال: مَن؟ قلت: أبو عوانة، قال: وضَّاح ذاك العبد! قال: وقال لشعبة: ذاك المسكين ... ". فوقعت هذه الحكاية في ترجمة علي بن عاصم من "تهذيب التهذيب" (٢) المطبوع ووقع فيها: "وضّاع ذاك العبد" ولم يَخْف على ذي معرفة أن هذا تصحيف وأن الصواب "وضَّاح ... " كما في "تاريخ بغداد"، وعلى ذلك قرائن: منها: السياق، فإنه إنما قال في جرير "ذاك الصبي"، وفي شعبة "ذاك المسكين". فلم يجاوز حد الاستحقار، فكذلك ينبغي في حق أبي عوانة. ومنها: أن الذهبي لخَّص تلك الحكاية بقوله في "الميزان" (٣): "وقيل: كان يستصغر الفضلاء". ومنها: أن أبا عوانة من الأكابر، وعلي بن عاصم مغموز، [ص ٣٤] فلو تجرَّأ عليُّ بن عاصم فرمى أبا عوانة بالكذب لقامت عليه القيامة. ومنها: أنه لم يُعرف لعلي بن عاصم كلام في الرواة بحق أو بباطل، وإنما كان راويةً، ومع ذلك فلم يُحْمَد في روايته.

стр. 58

ومنها: أنه لو كان في عبارة علي بن عاصم ما يُعدُّ جرحًا لأبي عوانة، لكان حقه أن يُذْكَر في ترجمة أبي عوانة. وبالجملة فلا يشكُّ عارف أن الصواب: "وضَّاح ذاك العبد" كما في "تاريخ بغداد". ولا أشك أن الأستاذ لا يخفى عليه ذلك، حتى ولو لم يطّلع على ما في "تاريخ بغداد"، مع أنه قد طالع الترجمة فيه ونقل عنها، ولكنه كان محتاجًا إلى أن يطعن في أبي عوانة، ووقعت بيده تلك الغنيمة الباردة فيما يُرِيه الهوى، فلم يتمالك أن وقع، فقال (ص ٩٢): "وأما أبو عوانة ... لكن يقول عنه علي بن عاصم: وضَّاع ذاك العبد"، وقال (ص ٧١): "بلغ به الأمر إلى أن كَذَّبه عليُّ بن عاصم". كذا صنع الأستاذ الذي يقيم نفسَه مُقام من يتكلم في الصحابة والتابعين، ويكثر من كتابة: "نسأل الله السلامة، نسأل الله العافية" ونحو ذلك! وهكذا تكون الأمانة عند الأستاذ. ٢ - أبو عَوانة أيضًا . أبو عَوانة الوضَّاح بن عبد الله، اتفق الأئمة على الثناء عليه والاحتجاج بروايته، وأخرج له الشيخان في "الصحيحين" أحاديث كثيرة، ويأتي [ص ٣٥] بعض ثناء الأئمة عليه في ترجمته من "التنكيل" (١) وصحَّ أنه أدرك الحسنَ البصري وابنَ سيرين، وحفظ بعض أحوالهما. قال البخاري في ترجمته من "التاريخ" (٤/ ٣/١٨١): "سمع الحكم بن عُتيبة وحماد بن أبي سليمان وقتادة .... قال لنا عبد الله بن

стр. 59

عثمان: أرنا (١) يزيد بن زُرَيع قال: أرنا أبو عوانة قال: رأيت محمد بن سيرين في أصحاب السكّر فكلما رآه قوم ذكروا الله ... وقال لنا موسى بن إسماعيل: قال لي أبو عوانة: كل شيء حدثتك فقد سمعته". يعني أنه لا يدلس ولا يروي عمن لم يسمع منه. وقال ابن سعد في "الطبقات": (٧/ ٢/٤٣) (٢): "أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا أبو عوانة قال: رأيت الحسن بن أبي الحسن يوم عرفة خرج من المقصورة فجلس في صحن المسجد وجلس الناس حوله". وهذه الأسانيد بغاية الصحة. وفي "الصحيحين" من رواية أبي عوانة عن قتادة أحاديث، كحديث: "ما من مسلم يغرس غرسًا .... " (٣)، وحديث: "من نسي صلاةً .... " (٤)، وحديث: "تسحَّروا فإن في السحور بركة" (٥). وأخرج له مسلم في "صحيحه" (٦) من حديثه عن الحكم بن عُتَيبة كما ذكره المزي في "تهذيبه" (٧). ووفاة الحسن وابن سيرين سنة ١١٠، والحَكَم سنة ١١٥، وقتادة سنة

стр. 60

١١٧، وحماد سنة ١٢٠ وقيل قبلها، وذكر ابن حبان في ترجمة قتادة من "الثقات" (١) وفاته [ص ٣٦] سنة ١١٧، وذكر في ترجمة أبي عوانة (٢) روايته عن قتادة ثم قال في أبي عوانة: "وكان مولده سنة اثنتين وتسعين، ومات في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائة". هكذا في النسخة المحفوظة في المكتبة الآصفية في حيدراباد الدكن تحت رقم ١ - ٤ من فن الرجال المجلد الثالث الورقة ٢١٨ الوجه الأول، ومثله في نسخة أخرى جيدة محفوظة في المكتبة السعيدية بحيدراباد (٣). وكانت عند ابن حجر من "ثقات ابن حبان" نسخة يشكو في كتبه من سُقْمها، قال في "تهذيب التهذيب" (٨/ ٤٠٣): " .... ذكره ابن حبان في (الثقات) .... وقال: روى عنه حبيب، كذا في النسخة وهي سقيمة". وقال في "لسان الميزان": (٢/ ٤٤٢) (٤): "رافع بن سلمان .... ذكره ابن حبان في (الثقات)، لكن وقع في النسخة ــ وفيها سقم ــ: رافع بن سنان". فوقع في تلك النسخة السقيمة تخليط في ترجمة أبي عوانة، فذكره ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٥) وبيَّن أنه خطأ قطعًا، ومع ذلك ففي عبارة ابن حجر تخليط في النسخة من "تهذيب التهذيب" المطبوع، ففيه (١١/ ١١٨): "وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان مولده سنة اثنتين

стр. 61

وعشرين ومائة، وقال: هو خطأ للشك فيه، لأنه صح أنه رأى ابن سيرين .... ". وقوله: "وقال هو خطأ للشك فيه" صوابه والله أعلم: "كذا قال، وهو خطأ لا شك فيه"، وقد علمتَ أن البلاء من نسخة "الثقات" التي كانت عند ابن حجر. [ص ٣٧] وليس الأستاذ ممن يخفى عليه هذا ولا ما هو أخفى منه، لكنه كان محتاجًا إلى الطعن في أبي عوانة ظلمًا وعدوانًا. فقال (ص ١١٨) في أبي عوانة: "فعلى تقدير ولادته سنة ١٢٢ كما هو المشهور ــ كذا ــ لا تصح رؤيته للحسن ولا لابن سيرين .... ". فليفرض القارئ أن الأستاذ في مقام إثبات سماع أبي عوانة من الحكم بن عتيبة أو قتادة أو حماد، وأن بعض مخالفي الأستاذ حاول دفع ذلك فقال: "فعلى تقدير ... " عبارة الأستاذ نفسها، فما عسى أن يقول الأستاذ في ذلك المخالف؟ أما نحن فنَجْتزئ بأن نقول: هكذا تكون الأمانة عند الأستاذ! ٣ - أبو عوانة أيضًا . انظر ما يأتي (ح/١). ٤ - محمد بن سعيد . راجع ما تقدم (أ/١٠). ٥ - أيوب بن إسحاق بن سافري . في ترجمته من "تهذيب تاريخ ابن عساكر" (٣/ ٢٠٠) عن ابن يونس " .... وكان في خُلقه زَعارَّة، وسأله أبو حميد في شيء يكتبه عنه فمطله .... ". ومعروف في اللغة ومتكرر في التراجم أن يقال: "في خُلُق فلان زَعارَّة" أي شراسة، وهذا وإن كان غير محمود فليس مما يقدح في العدالة

стр. 62

أو يخدش في الرواية، لكن وقع في "تاريخ بغداد": (٧/ ١٠) في هذه الحكاية: "وكانت في خلقه دعارة" كذا! وهذا تصحيف لا يخفى مثله على الأستاذ. أولًا: لأنه ليس في كلامهم "في خلق فلان دعارة" وإنما [ص ٣٨] يقولون: فلان داعر بَيِّن الدعارة، إذا كان خبيثًا أو فاسقًا. ثانيًا: لأن ابن يونس عَقَّب كلمته بقوله: "سأله أبو حميد في شيء من الأخبار يكتبه عنه فمَطَله .... ". وهذه شراسة خلق لا خُبْث أو فسق. ثالثًا: لأن المؤلفين في المجروحين لم يذكروا هذا الرجل، ولو وُصِف بالخُبْث أو الفِسْق لما تركوا ذكره، ولكن الأستاذ احتاج إلى الطعن في هذا الرجل فقال (ص ١٣٧): "ذاك الداعر .... تكلم فيه ابن يونس". كذا قال! ولم يتكلم فيه ابن يونس بما يقدح، وقد ذكره ابن أبي حاتم في كتابه (١) وقال: "كتبتُ عنه بالرملة وذكرته لأبي فعرفه وقال: كان صدوقًا". ٦ - عبد الله بن عمر بن الرمّاح . هو عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرمّاح، واسم الرماح سعد، له ولأبيه ترجمتان في "طبقات الحنفية" (٢)، وهما معروفان عندهم، وللأب ترجمة في"تهذيب التهذيب" (٧/ ٤٩٨)، وفي "تاريخ بغداد" (١١/ ١٨٢) وفي كتاب ابن أبي حاتم (٣) وغيرها، ووقع في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٨٦)

стр. 63

في سند حكاية "عبد الله بن عثمان بن الرماح" فاحتاج الأستاذ إلى ردّها والتي قبلها فقال (ص ٧٣): "وفي سند الخبر الأول الخزاز وفي الثاني ابن الرماح فلا يصحَّان مع وجودهما في السندين" اقتصر على قوله: "ابن الرماح" ولم ينبِّه على أن "عثمان" تصحيف والصواب "عمر". [ص ٣٩] كما ذكر الأستاذ نفسُه في اسمٍ آخر قال (ص ٩٣): "فلعل لفظ ــ عمر ــ صُحِّف إلى "عثمان" حيث يشبه هذا ذاك في الرسم عند حذف الألف المتوسطة في عثمان كما هو رسم الأقدمين". وكأنه خشي أن ينبِّه القارئ على أن ابن الرمَّاح هو ذاك العالم الحنفي، لم يتكلم فيه أحدٌ بما يردّ روايته، بل تَرَكه يتوهّم أن هذا رجل مجهول؛ لأنه لا يجد في الكتب ترجمةً لعبد الله بن عثمان بن الرماح، بل يتوهم أنه ضعيف، وقف الأستاذُ على تضعيفه في الكتب التي لم تُطْبَع، ولذلك قال ما قال! ٧ - أحمد بن المعذل . ذكر الأستاذ (ص ٩٥) قوله: إن كنتِ كاذبة الذي حدثتني ... فعليك إثم أبي حنيفة أو زُفَر المائلين إلى القياس تعمُّدًا ... والراغبين عن التمسك بالأثر ثم قال: "وهو الذي كان أخوه عبد الصمد بن المعذل يقول فيه: أضاع الفريضة والسنهْ ... فتاه على الإنس والجِنَّهْ" أقول: إنما قال عبد الصمد: "أطاع .... " هكذا في "الديباج المُذْهَب" (ص ٣٠) و"لآلئ البكري" (ص ٣٢٥) والسياق يُعيّنه، كان عبد الصمد ماجنًا، وكان أحمد عالمًا صالحًا تقيًّا؛ فكان يَعِظ عبد الصمد ويزجره، فقال

стр. 64

عبد الصمد: "أطاع .... " البيت، وبعده: [ص ٤٠] كأنَّ لنا النار من دونه ... وأفرده الله بالجنه يريد أن أحمد معجب بتقواه وورعه، فأدَّاه ذلك إلى أن تاه على غيره. فإن قيل: إنما أراد الأستاذ التنكيتَ والتبكيت مقابلة للإساءة بمثلها. قلت: رأس مال العالم الصدق، ومن استحلَّ التحريف في موضع ترويجًا لرأيه لم يؤمَن أن يحرِّف في غيره. * * * * اعتبار لكن الأستاذ عند ما تخالف الألفاظُ هواه، كثيرًا ما يدَّعِي أنها مصحَّفة؛ فيزعم أن "الدين" محرّف عن "أرى" وأن "يكذب" محرّف عن "يكتب" و"للفرس .... وللرجل" عن "وللفارس .... وللراجل" وغير ذلك. في "تاريخ بغداد": (١٣/ ٣٨٦ [٤٠١]) " .... محبوب بن موسى قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله ﵌ أو أدركته لأخذ بكثير من قولي، قال: وسمعت أبا إسحاق يقول: كان أبو حنيفة يجيئه الشيء عن النبي ﵌ فيخالفه إلى غيره". ذكر الأستاذ هذا (ص ٧٥) وذكر أن في النسخة الخطية زيادة سوق الخبر بسند آخر. وفي "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٩٠ [٤٠٧]) " .... أبو صالح الفراء قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: ردَّ أبو حنيفة على رسول الله ﵌ أربعمائة حديث أو أكثر .... وقال أبو حنيفة: لو

стр. 65

أدركني [ص ٤١] النبي ﵌ وأدركته لأخذ بكثير من قولي، وهل الدين إلا الرأي الحسن". ذكر الأستاذ هذا (ص ٨٥). وهذه الكلمة "لو أدركني ... " لها تأويل قريب ذكرته في "التنكيل" (١) ولم يقع عليه الحنفية بل ذهبوا يتعسَّفون، فروى عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي: حدثني أبو طالب سعيد بن محمد بن أبان البرذعي في مسجد أبي الحسن الكرخي ببغداد حدثني أبو جعفر ... الطحاوي أبنا بكَّار بن قتيبة أبنا هلال بن يحيى الرأي البصري، سمعت يوسف بن خالد السمتي ... " فذكر قصةً طويلة فيها عجائب، تراها في "مناقب أبي حنيفة" للموفق المكي (٢/ ١٠١ - ١٠٩)، وقد أشرت إلى بعضها في "التنكيل". وهذه الحكاية لا يشكُّ عارفٌ في أنها مكذوبة على الطحاوي، فعبد الله بن محمد ترجمته في "لسان الميزان" (٣/ ٣٤٨) (٢). وشيخه لا يُعْرَف، وإنما ذكره صاحب "الجواهر المضيئة" (٣) بما تضمَّنته هذه الحكاية، فلم يُسْمَع به إلا فيها، ويغلب على الظن أنه لا يوجد منه إلا اسمه، ولو كان للقصة أثر عند الطحاوي لما فاتت ابن أبي العوَّام. ومن تدبَّر القصة لم يشك في اختلاقها، وفيها: "لو أدركني البَتِّي لترك كثيرًا من قوله" مع أنه يعلم منها ومن غيرها أن البتِّي وهو عثمان بن مسلم البصري الفقيه كان يومئذ حيًّا يرزق! وذكر الأستاذ (ص ١١٣) ما رُوي عن "حمَّاد بن زيد قال: ذُكِر أبو حنيفة

стр. 66

عند البتّي فقال: ذاك رجل أخطأ عصم دينه كيف يكون حاله؟ ". ثم قال الأستاذ: "عثمان بن مسلم البتّي ... توفي سنة ١٤٣ ... وكانت تجري بينه وبين أبي حنيفة مراسلات ... وكان [ص ٤٢] يوسف بن خالد السمتي بعد أن تفقه على أبي حنيفة رجع إلى البصرة وأخذ يجابه البتي ... ". وفي تلك الأخلوقة أن أبا حنيفة قال: "لو أدركني البتي ... " أول ما اجتمع به يوسف بن خالد. فمن تدبَّر علم أن تلك الأخلوقة المنسوبة إلى يوسف بن خالد إنما اختُلِقت لما شاعت حكاية يوسف بن أسباط، فأراد المختلقُ علاجَها فوقع فيما وقع فيه، ثم أن الأستاذ لم يقتصر على ما قيل قبله من دعوى التصحيف في "النبي" بل زاد أمرين: الأول: أنه على فرض أن أبا حنيفة قال تلك الكلمة بلفظ "النبي" فقوله: "لأخذ" المراد به "لأخذني". الثاني: أنه رأى أن مَن تقدَّمه لم يتعرَّضوا لما وقع في إحدى الروايات: "وهل الدّين إلا الرأي الحسن" فقال الأستاذ (ص ٨٨): "فلا أشك أن "الدين" مصحف من "أرى ... "" وذهب يوجِّه احتمال العادة بمثل ذلك. وهذا موضع الاعتبار، بينما ترى الأستاذ يصنع ما تقدم في الأمثلة، فيغضّ النظر عن التصحيف الواضح والخطأ المكشوف؛ إذا به يحاول دعوى التصحيف التي لا يشك في بطلانها، ولا عجب في ذلك إذ مغزى الأستاذ إنما هو الانتصار لهواه. وقد قدمت أن لتلك الكلمة المنقولة عن أبي حنيفة تأويلًا قريبًا بدون دعوى التصحيف ولا التحريف، وستجده في "التنكيل" (١) إن شاء الله تعالى.

стр. 67

ــ د ــ [ص ٤٣] ومن غرائبه: تحريف نصوص أئمة الجرح والتعديل، تجيء عن أحدهم الكلمة فيها غضٌّ من الراوي بما لا يضره أو بما فيه تليين خفيف لا يُعَدُّ جرحًا، فيحتاج الأستاذ إلى الطعن فيمن قيلت فيه، فيحكيها بلفظٍ آخر يفيد الجرح، فمن أمثلة ذلك: ١ - إبراهيم بن سعيد الجوهري . هو من شيوخ مسلم في "صحيحه" ومن كبار الحفّاظ، قال فيه أحمد بن حنبل: "كثير الكتاب، كتب فأكثر". وقال الأستاذ نفسه (ص ١٥١): "كان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: كلُّ حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم". وتجد الحكاية بتمامها في ترجمة إبراهيم من "الميزان" (١). وكان من عادة المكثرين أن يتردّدوا إلى كبار الشيوخ ليسمعوا منهم، فربما جاء أحدهم إلى شيخ قد سمع منه الكثير يرجو أن يسمع منه ما لم يسمعه من قبل، فيتفق أن يشرع الشيخ يحدِّث بجزء قد كان ذاك المكثر سمعه منه قبل ذلك، فلا يعتني باستماعه ثانيًا أو ثالثًا، لأنه يرى ذلك تحصيل حاصل. فكأنه اتفق لإبراهيم هذا واقعةٌ من هذا القبيل، فحكى عبد الرحمن ابن خراش قال: "سمعتُ حجاج بن الشاعر يقول: رأيت إبراهيم بن سعيد عند أبي نعيم وأبو نعيم يقرأ وهو نائم. وكان الحجاج يقع فيه". وسيأتي إيضاح الجواب في ترجمة إبراهيم من "التنكيل" (٢).

стр. 68

والمقصود [ص ٤٤] هنا أن الأستاذ ذكر تلك المقالة فحرَّفها تحريفًا قبيحًا. قال (ص ٧٥): "كان يتلقى وهو نائم، كما قال الحافظ حجاج بن الشاعر، فحجَّاجٌ هذا ممن جرحه لا يندمل". وقال (ص ١١٩): "رماه الحافظ حجَّاج بن الشاعر بأنه كان يتلقَّى وهو نائم". فعبارة حجّاج تحتمل ما قدَّمنا، بل إن ذلك (١) ليس فيها ما يدل على أن إبراهيم صار بعد ذلك المجلس يروي عن أبي نعيم أحاديث يزعم أنه تلقاها في ذاك الوقت الذي كان إبراهيم فيه نائمًا، وعبارة الأستاذ تفيد هذا. وعبارة حجّاج إنما تدلُّ على مرة واحدة عند أبي نعيم، وعبارة الأستاذ تدل أن التلقي في حال النوم كان من عادة إبراهيم عند أبي نعيم وغيره! فتدبَّر. ٢ - مؤمّل بن إهاب . قال الأستاذ (ص ٦٥): "ضعَّفه ابن معين على ما حكاه الخطيب". أقول: إنما حكى الخطيب (١٣/ ١٨١) عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: "سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن مؤمّل بن إهاب، فكأنه ضعَّفه" فتدبر، وقد قال أبو حاتم: "صدوق". وقال النسائي: "لا بأس به". وقال مرةً: "ثقة". وقال مسلمة بن قاسم: "ثقة صدوق". ٣ - أحمد بن سلمان النجاد . قال الأستاذ (ص ٦٥): "يقول عنه (٢) الدارقطني [ص ٤٥]: يحدِّث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله".

стр. 69

أقول: إنما قال الدارقطني: "حدث .... " كما في "تاريخ بغداد" و"الميزان" و"اللسان" (١)، وذاك يصدُق بمرة واحدة كما حمله الخطيب وغيره، كما يأتي في ترجمة النجاد من "التنكيل" (٢) وفيها بَسْط عذر النجاد. وعبارة الأستاذ تفيد بأن ذاك كان من شأن النجاد، تكرر مرارًا! ٤ - أحمد بن كامل . قال الأستاذ (ص ٤٣): "فيه يقول الدارقطني .... ربما حدث بما ليس عنده، كما رواه الخطيب". أقول: عبارة الدارقطني كما في "تاريخ بغداد" (٣) وغيره: " .... بما ليس عنده في كتابه". وهذا القيد "في كتابه" يدفع القدح، فإنه لا يلزم من عدم كون الحديث عند أحمد في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه، وتأتي ترجمة أحمد في "التنكيل" (٤). ٥ - عبد الله بن علي المديني . قال الأستاذ (ص ١٦٨): "وهو لم يسمع من أبيه على ما يقال". أقول: يريد الأستاذ بهذا قول الدارقطني، وعبارة الدارقطني كما في "تاريخ بغداد" (٥): "أخذ كتبه وروى أخباره مناولة، قال: وما سمع كثيرًا من أبيه".

стр. 70

فقوله: "وما سمع كثيرًا من أبيه" واضح في أنه سمع منه، إلا أنه لم يكثر، وأول عبارته يفيد أن ما لم يسمعه من كتب أبيه وأخباره أخَذَه منه مناولةً، وهي من طرق التلقّي، [ص ٤٦] فعلى هذا تكون روايته عن أبيه متَّصلة صحيحة إن صرَّح بالسماع فسماعٌ، وإلا احتمل أن يكون سماعًا وأن يكون مناولة، والرواية التي ذكرها الخطيب من طريقه ــ ولأجلها تعرَّض له الأستاذ ــ قد بيَّن فيها السماع. هذا، والسماعُ أصلُه أن يملي الشيخ بلفظه والتلميذ يسمع، لكن قد يطلق السماع على ما هو أعمّ من ذلك، وهذا هو المتبادر من قولهم: فلان لم يسمع من فلان، فيفهم منه أن روايته عنه منقطعة حتى ولو صرّح بالاتصال يكون كذبًا، وهذا هو مفهوم عبارة الأستاذ؛ لأنه قصد بها الطعن في رواية هذا الرجل التي بيَّن فيها السماع، فانظر تحريفه لعبارة الدارقطني! ٦ - محمد بن أحمد الحكيمي . قال الأستاذ (ص ١١٤): "قال البرقاني: في حديثه مناكير". أقول: لفظ البرقاني كما في "تاريخ بغداد" (١/ ٢٦٩) و"لسان الميزان" (٥/ ٤٥) (١): "ثقة إلا أنه يروي مناكير" وبين العبارتين فرقٌ عظيم فإن "يروي مناكير" يقال في الذي يروي ما سمعه مما فيه نكارة ولا ذنب له في النكارة، بل الحَمْل فيها على مَنْ فوقه، فالمعنى أنه ليس من المبالغين في التنقّي والتوقِّي، الذين لا يحدِّثون مما سمعوا إلا بما لا نكارةَ فيه، ومعلوم أن هذا ليس بجرح. [ص ٤٧] وقولهم: "في حديثه مناكير" كثيرًا ما تُقال فيمن

стр. 71

تكون النكارة من جهته جزمًا أو احتمالًا فلا يكون ثقة. وهذا المعنى هو الذي أراد الأستاذ إفهامه، ولذلك حذف كلمة "ثقة". وقد تعقَّب الخطيبُ كلمةَ البرقاني بقوله: "وقد اختبرتُ أنا حديثه فقلّما رأيت فيه منكرًا". فثبت أن هذا الرجل مع ثقته غير مقصِّر في التنقِّي والتوقِّي، وإنما وقع في روايته مما يُنكر قليل جدًّا. وقال ابن حجر في "لسان الميزان": "ذكرته ــ يعني زيادة على "الميزان" ــ لأن المصنف ذكر عثمان بن أحمد الدقاق الصدوق الثقة بسبب كونه يروي المناكير". أقول: لا عذر لابن حجر في هذا. أولًا: لأنه أنكر على الذهبي ذكره لعثمان، كما يأتي في ترجمته من "التنكيل" (١). ثانيًا: لأن المناكير في مرويات عثمان كثيرة، والله المستعان. ــ هـ ــ [ص ٤٨] ومن فواقره: تقطيعُ نصوص أئمة الجرح والتعديل، يختزل منها القطعة التي توافق غرضَه، وقد يكون فيما يدعه من النصّ ما يبين أن معنى ما يقتطعه غير المتبادر منه عند انفراده، فمن أمثلة ذلك: ١ - القاسم بن أبي صالح . راجع ما تقدم (أ: ٢). ٢ و ٣ - جرير بن عبد الحميد وأبو عوانة الوضَّاح. راجع ما تقدم (ب-١ و ٢).

стр. 72

٤ - عبد الله بن علي ابن المديني. راجع ما تقدم (د: ٥). ٥ - محمد بن أحمد الحكيمي . راجع ما تقدم (د: ٦). ٦ - محمد بن يحيى بن أبي عمر . قال الأستاذ (ص ١٦٦): "قال عنه أبو حاتم: كان به غفلة، حدّث حديثًا موضوعًا عن ابن عيينة". أقول: عبارة أبي حاتم كما في كتاب ابنه (١) و"التهذيب" (٢) وغيرهما: "كان رجلًا صالحًا وكان به غفلة، رأيت عنده حديثًا موضوعًا قد حدث به عن ابن عيينة، وكان صدوقًا". هذا وابن أبي عمر مكثر جدًّا عن ابن عيينة، فإذا اشتبه عليه حديث واحد لم يضره، ولعل أبا حاتم نبَّهه عليه فترك روايته، وقد يكون أبو حاتم أخطأ في ظنِّ الحديث موضوعًا. وسُئل الإمام أحمد: عمن نكتب؟ فقال: أما بمكة فابن أبي عمر. وقد أكثر مسلم في "صحيحه" عن ابن أبي عمر، له عنده على ما حكي عن "الزهرة" مائتا حديث وستة عشر حديثًا (٣). ٧ - [ص ٤٩] محبوب بن موسى. قال الأستاذ (ص ١٧): "يقول عنه أبو داود لا تُقبل حكاياته إلا من كتاب". أقول: عبارة أبي داود كما في "التهذيب" و"الميزان" (٤): "ثقة، لا يُلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب". ويأتي تحقيق حال محبوب في ترجمته من

стр. 73

"التنكيل" (١) إن شاء الله تعالى. ٨ - سعيد بن عامر . قال الأستاذ (ص ١٠٩): "في حديثه بعض الغلط كما قال ابن أبي حاتم". أقول: عبارة ابن أبي حاتم نقلًا عن أبيه كما في كتابه (٢) وغيره: "كان رجلًا صالحًا وكان في حديثه بعض الغلط، وهو صدوق" وتأتي ترجمة سعيد في "التنكيل" (٣). ٩ - سليمان بن حسَّان الحلبي . قال الأستاذ (ص ١٠٩): "قال أبو حاتم عنه (٤): سألت ابن أبي غالب عنه فقال: لا أعرفه ولا أرى البغداديين يروون عنه". أقول: تتمة عبارة أبي حاتم كما في كتاب ابنه (٥) و"تاريخ بغداد" (٩/ ٢١): "وروى عنه من الرازيين أربعة أو خمسة" قال ابن أبي حاتم: "قلت لأبي: ما تقول فيه؟ قال: هو صحيح الحديث". ١٠ - محمد بن العباس أبو عَمرو بن حَيُّويه . راجع ما تقدم (أ: ١٢) وتأتي ترجمة محمد في "التنكيل" (٦).

стр. 74

١١ - محمد بن عبد الله بن عمَّار الموصلي . قال الأستاذ (ص ١٣٣): "قال ابن عدي: رأيت أبا يعلى يسيء القولَ فيه، ويقول: شهد على خالي بالزور. وله عن أهل الموصل أفراد وغرائب اهـ. وأبو يعلى من أعرف الناس به، وكلامُه فيه قاضٍ على كلام الآخرين". أقول: آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلى قوله: "بالزور" (١)، وعقب ذلك كما في "التهذيب" (٢): [ص ٥٠] قال ابن عدي: وابن عمار ثقة (٣) حسن الحديث عن أهل الموصل؛ معافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب، وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان، ولم أر أحدًا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة". فحذف الأستاذ توثيق ابن عدي وجميع مشايخه لابن عمار، وحذف الدليلَ على أن المرادَ بالأفراد والغرائب: الأفرادُ والغرائب الصحيحة التي يُمْدَح صاحبها لدلالتها على إكثاره وعنايته ومهارته في الفن، كما تقدم شيء من ذلك (ب/ ٥). وحَذَف الدليلَ على أن أبا يعلى كان عنده نُفْرة عن ابن عمار توجب أن لا يُعْتَدّ بكلامه المذكور فيه، كما يأتي إيضاح ذلك في ترجمة ابن عمار من "التنكيل". والأستاذ يتشبَّث بهذه القاعدة ويتوسّع فيها جدًّا، فيردّ كثيرًا من الروايات المحقّقة والجرحَ المفسَّر المحقَّق بدعوى انحراف الراوي أو الجارح عن المجروح، وإن كان الراوي أو الجارح جماعةً من الأئمة، ولم

стр. 75

يثبت ما يعارض قولهم، بل مع ثبوت ما يوافق قولهم عمن كان موافقًا للمجروح مائلًا إليه، كما يأتي بعض ذلك في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس من "التنكيل" (١). ثم يناقض الأستاذ ذلك هاهنا فيزعم أن تلك الكلمة المحتملة الصادرة من أبي يعلى ــ مع تبيّن نفرته عن ابن عمار ــ يردّ بها توثيق الجمهور لابن عمار. وسيأتي في القسم الأول من "التنكيل" (٢) تحقيق هذه القاعدة، وفي القسم الثاني ترجمة ابن عمار وبيان إمامته وجلالته. ١٢ - [ص ٥١] محمد بن فُضَيل بن غزوان. قال الأستاذ (ص ٣٩) في الكلام في القاسم التمار: "وقال ابن سعد عن (٣) محمد بن فُضيل الراوي عنه: بعضهم لا يحتج به". أقول: عبارة ابن سعد كما في "طبقاته" (٤) و"التهذيب" (٥) وغيرها: "كان ثقة صدوقًا كثير الحديث متشيّعًا، وبعضهم لا يحتج به". فحذف الأستاذُ التوثيقَ الصريحَ، والدليلَ على أن عدم احتجاج بعضهم بابن فضيل إنما هو لتشيُّعه، وقد وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان والعجليّ وغيرهم، ولم يطعن أحد في روايته، وقال ابن شاهين: "قال علي ابن
следующие страницы →