أنه أبو الوزير محمد بن أعين، لا أبو الوزير عمر بن مطرِّف.
ثم ناقش في توثيق محمد بن أعين.
وكنت قلت في «الطليعة» النقل (١): «إنه كان من ثقات ابن المبارك وخواصه، وأنه وصيه، وأن أحمد بن حنبل روى عنه، وأن ابن حبان ذكره في الثقات».
فقال الأستاذ: «توثيق ابن حبان على طريقته في توثيق المجاهيل ... ، وكون المرء خادمًا أو كاتبًا أو وصيًّا أو معتمدًا عنده في شيء ليس بمعنى توثيقه في الرواية عندهم ... وقول الناقد: أحمد بن حنبل لا يروي إلا عن ثقة رأي مبتكر، وروايته عن مثل عامر بن صالح معروفة».
أقول: أصل المقصود أن أبا الوزير الذي في السَّند ليس بعمر بن مطرف المجهول، بل محمد بن أعين الذي سمعتَ الثناء عليه. فهب أنه لم يثبت بما ذكرتُه أن ابن أعين ثقة في الرواية، فقد ثبت ــ على الأقل ــ ما يقرب من ذلك، وثبت اختصاصه بابن المبارك، وروايته في تلك الحكاية هي عن ابن المبارك. فهذا كافٍ لمقصودي في «الطليعة».
على أن في جواب الأستاذ مناقشة:
أما ابن حبان، فالنظر في توثيقه مستوفًى في ترجمته من «التنكيل» (٢) وبه يُعْلَم أن توثيقه هنا ليس كتوثيقه لبعض أتباع التابعين ــ مثلًا ــ، ممن يظهر أنه لم يعرف حديثه ولا سَبَره.
стр. 247
وأما ثقة ابن المبارك بمحمد بن أعين واختصاصه له، واختياره لوصايته، فأقلّ ما يدلُّ عليه ذلك أنه كان عند ابن المبارك عدلًا غير مغفّل.
وأما أحمد بن حنبل، فمعروف أنه لا يروي إلا عن ثقة عنده. وعامرُ بن صالح الذي روى عنه هو عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة، [ص ٣٤] وهو مختلَف فيه، وثقه أحمد، وضعفه غيره.
وهذا لا ينافي أن أحمد لا يروي إلا عن ثقة، إذ المقصود: «عن ثقة عنده». وهذا هو معنى قولي: «ورواية الإمام أحمد عنه توثيق»، كما لا يخفى.
فغاية ما يخشى أن يخطئ أحمد، فيظنّ من ليس بثقة ثقة، لكن هذا خلاف الغالب. فإذا روى أحمد عن رجلٍ ولم يجرحه غيرُه، حُمِل على الغالب.
وهذا معنى ما في «فتح المغيث» (١٣٤)(١) قبيل الكلام في المجهول، الخلاف فيمن روى عنه ثقة، أيكون ذلك توثيقًا له؟ فقال: «والثالث: التفصيل، فإن عُلِم أنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته عن الراوي تعديلًا، وهذا هو الأصح عند الأصوليين ... ».
ثم قال: «تتمة: مَن كان لا يروي إلا عن ثقة ــ إلا في النادر ــ: الإمامُ أحمد، وبقي بن مخلد ... ».
وقوله: «إلا في النادر» يشير ــ والله أعلم ــ إلى من يخطئ فيه، فيروي عنه يراه ثقة، وهو عند غيره غير ثقة.
стр. 248
فعلم بهذا أن ما قلته ليس بقولٍ مبتكر، كما ادعى الأستاذ!
وقد اعتمد الأستاذ على ابن أعين في رواية أخرى. راجع «الطليعة» (ص ٣٢) (١).
* المثال ٨ . «الطليعة» (ص ٣٤ - ٣٥) (٢).
ذكر الأستاذ في «التأنيب» حكاية عن هبة الله الطبري عن محمد بن أحمد بن سهل عن محمد بن أحمد بن الحسن، فذكر الأستاذ أن محمد بن أحمد بن سهل هو الأصباغي، وأن شيخه هو أبو علي بن الصواف.
فاعترضته في «الطليعة» بأن الأصباغي مُقِلّ، لا يعرف له رواية عن ابن الصواف، ولا للطبري رواية عنه، واقتصر الخطيب في ترجمته على قوله: «سكن دمشق وحدَّث بها عن محمد بن الحسين البستنبان، روى عنه أبو الفتح بن مسرور».
وبينتُ أن شيخ الطبري هو محمد بن أحمد بن فارس بن سهل، نَسَبه هبةُ الله إلى جده، على ما جرت به عادتهم في التفنُّن في أسماء شيوخهم الذين أكثروا عنهم، كما يصنع البخاري في اسم محمد بن يحيى وغيره. وكما يصنع الإسماعيلي في اسم الغِطْريفي، وأشباه ذلك كثيرة جدًّا.
والدليل على ذلك ــ مع ما مر ــ: أن في ترجمة محمد بن أحمد بن فارس بن سهل من «تاريخ بغداد» ذكر روايته عن ابن الصوَّاف، ورواية هبة الله الطبري عنه.
стр. 249
[ص ٣٥] فذكر الأستاذ ذلك في «الترحيب» (ص ٣٥)، وهاج وماج! قال: «فزاد الناقد قبل «سهل» فارسًا ... تزيدًّا منه لما شاء هواه».
ثم ذكر القصة، وفيها بعد (الصواف): «عن محمد بن عثمان عن محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثنا أبي، قال: لما قدم ذاك الرجل (يعني أبا حنيفة) إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، شهد عليه حماد بن أبي سليمان ... ، فحدثني خالد بن نافع قال: كتب ابن أبي ليلى إلى أبي جعفر وهو بالمدينة ... ».
ثم قال الأستاذ: «فعلى هذا تكون استتابته قبل وفاة حماد بن أبي سليمان، قبل سنة (١٢٠) من الهجرة، عندما كان أبو جعفر المنصور العباسي بالمدينة في عهد هشام بن عبد الملك الأموي، قبل تأسيس الدولة العباسية بدهر».
أقول: قد قدّمتُ أن مقصودي في هذا الفرع الأول: إنما هو إظهار ما وقع من المغالطة في بعض الأسانيد، ولا شأن لي بالمتن، أيصح أم يبطل، بل إذا كان هناك ما يدلُّ على بطلانه فاعتراضي أشد؛ لأن وجود دليل صحيح على البطلان لا يغني الأستاذ عن المغالطة! فكيف بما ليس معه في إبطاله دليل؟ !
ومع هذه، فقد ذكرتُ هذه القصة في ترجمة محمد بن عثمان بن أبي شيبة من «التنكيل» (١)؛ لأنها مما يُقْدَح بها فيه، ثم بينت هناك أن الزيادة التي زادها خالد بن نافع لا يُسأل عنها محمد بن عثمان؛ لأن خالدًا ضعيف، ويشبه أن يكون خالد أراد أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب، زعم خالد أن ابن أبي ليلى كتب إليه يستشيره، كما يستشير القاضي
стр. 250
أكابر العلماء في زمانه. وهو الذي كان بالمدينة، أما المنصور فكان بعد خلافته ببغداد.
وهذا وإن كان أقلّ شناعةً، لكنه باطل أيضًا؛ لأن وفاة الباقر متقدمة. على كل حال، فزيادة خالد في عنقه، ويبقى الكلام في شهادة حماد مع أنه توفي سنة (١٢٠). وتمام الكلام في «التنكيل».
* المثال ٩ . «الطليعة» (ص ٣٥ - ٣٧) (١).
راجع «الطليعة» لتعلم ما استدللتُ به، أما الأستاذ فقال (ص ٣٧): «هل الكوثري في حاجة في إسقاط تلك الرواية، بعد أن نص على أنها رواية الكذَّاب بن الكذّاب محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع، ومعه محمد بن عُبيد الطنافسي الذي يقول فيه أحمد: إنه يخطئ ولا يرجع عن خطئه، كما في رواية ابن أبي حاتم».
[ص ٣٦] أقول: مِن عادة الأستاذ أن لا يكتفي في القدح في الرواية بوجهٍ ولا وجهين، ولا أكثر، بل يذكر من الوجوه ما يمكنه، ولا سيما إذا كان غير واثق بما يورده، ومن طالع «التأنيب» عرف صحة قولي.
فطَعْنه في محمد بن الحسين لم يكن ليصدَّه عن تطلُّب وجهٍ آخر أو أكثر، ولو بطريق المغالطة. وقد شرحت ذلك في «الطليعة» (٢).
أما محمد بن الحسين؛ فترجمته في «التنكيل» (٣)، وكلمة «الكذاب بن الكذاب» لم تثبت، ومحمد بن الحسين قد وُثِّق، وتمام الكلام في ترجمته.
стр. 251
أما محمد بن عبيد؛ ففي «مقدمة الفتح» (١): «وثّقه أحمد ــ في رواية الأثرم ــ، وكذا وثقه ابن معين، والعجلي، والنسائي، وابن سعد، وابن عمار ... ، احتج بمحمد الأئمةُ كلُّهم ... ».
أقول: والذي يظهر من سياق ترجمته أن خطأه إنما كان في اللحن. والله أعلم.
* المثال ١٠ . «الطليعة» (ص ٣٧ - ٣٩) (٢).
لم يتعرَّض الأستاذ لمعارضة ما أثبته من الأدلة على ما وقع في ترجمة محمد بن سعيد في «تعجيل المنفعة» من التخليط.
فليراجع القارئ كلامي في «الطليعة»، ثم ليراجع كلام الأستاذ، ليتضح له حقيقة الحال.
* المثال ١١ . «الطليعة» (ص ٣٩ - ٤٠) (٣).
اعترف الأستاذ (ص ٣٨) بأنه أخطأ.
* المثال ١٢ . «الطليعة» (ص ٤٠ - ٤٣) (٤).
موضوع هذا المثال: ما في «تاريخ بغداد» (٥): «حدثني الأزهري، قال:
стр. 252
كان أبو عمر بن حيويه مكثرًا، وكان فيه تسامح، ربما أراد أن يقرأ شيئًا ولا يقرب أصله منه، فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزاز؛ لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة».
فقال الأستاذ في «التأنيب»: «على أن أبا الحسن بن الرزاز [ص ٣٧] هذا الذي كان يثق (ابن حيويه) بكتابه هو علي بن أحمد المعروف بابن طيب الرزاز ... ».
فبينتُ في «الطليعة» أن الذي في كلام الأزهري هو أبو الحسن بن الرزاز، وعلي بن أحمد هذا لا يقال له: ابن الرزاز، وإنما يقال له: «الرزاز»، كما تكرر في ترجمته وغيرها في مواضع كثيرة. وكان له دُكّان لبيع الأرز. ومع ذلك فهو أصغر من ابن حيويه بأربعين سنة، ولا يعرف بينهما علاقة.
ثم ذكرتُ أن هناك ثانيًا يقال له: أبو الحسن الرزاز، وهو أكبر من ابن حيويه قليلًا، ولكن هو أيضًا «الرزاز»، والذي في كلام الأزهري «ابن الرزاز».
ثم ذكرتُ ثالثًا يقال له: «علي بن موسى أبو الحسن ابن الرزاز»، وهو من شيوخ ابن حيويه، فيتعيَّن أن يكون هو المراد في كلام الأزهري.
ثم قلتُ: «فكأنَّ بعض كتب علي بن موسى هذا صارت بعد وفاته إلى تلميذه ابن حيويه، لكن لم يقيِّد سماعَه في تلك النسخة التي هي من كتب الشيخ».
فأشار الأستاذ إلى هذا المثال في «الترحيب» (ص ٣٨ - ٤٠)، وتغافل رأسًا عن الدليل الواضح، وهو أن الذي في كلام الأزهري «ابن الرزاز»، وعلي بن أحمد هو نفسه «الرزاز».
стр. 253
وذهب الأستاذ يصارع ما أيدت به ذاك الدليل من صِغَر عليِّ بن أحمد، وكونه لا يعرف له علاقة بابن حيويه!
فذكر (ص ٤٠): «أنهما من أهل بغداد، وعاشا هناك متعاصِرَين سبعًا وأربعين سنة، فماذا كان يمنع هذا من الاجتماع بذاك، وهما من بلد واحد؟ ».
أقول: المدار في هذه الأمور على اختيار الأقرب فالأقرب، كما تقدم في المثال الأول.
فههنا يدلُ كلام الأزهري أن ابن حيويه إنما كان يروي من كتاب ابن الرزاز؛ «لثقته بذلك الكتاب»، [ص ٣٨] وليس مما يقرب أن يثق ابن حيويه بكتاب رجل أصغر منه بأربعين سنة، لم يُعرف بشدّة الضبط والتيقّظ. هذا مع اشتهار ابن حيويه بالتثبت والتيقظ.
قال العتيقي: «كان ثقة متيقظًا». وقال البرقاني: «ثقة ثبت حجة».
ويدلّ كلام الأزهري أيضًا أن كتاب ابن الرزاز كان في متناول ابن حيويه متى أراد، فلو كان ذلك وابن الرزاز صاحب الكتاب حيّ لما كان ما ذكر إلا وهو ملازم لابن حيويه.
وكونهما في بغداد نحو سبع وأربعين سنة إنما يُقرِّب أن يكونا اجتمعا في الجملة، فأما أن يكونا متلازمين فيحتاج إلى دليل.
ويدلُّ كلام الأزهري أيضًا أنه لم يكن يقع لابن حيويه قراءة من غير أصله إلا من ذاك الكتاب، وهو كتاب ابن الرزَّاز.
ولو كان ابن حيويه بحيث يثق بكتاب علي بن أحمد، لكان أولى من ذلك أن يثق بكتاب غيره ممن هو أكبر وأوثق وأثبت وأضبط من علي بن أحمد. فلماذا اختص وثوقه بكتاب ابن الرزاز؟ !
стр. 254
ويدلُّ كلام الأزهري أيضًا أن وثوق ابن حيويه في محلِّه، لقوله: «وكان مع ذلك ثقة»، فدل ذلك على أن قوله: «كان فيه تسامح» إنما أراد به تسامحًا يسيرًا لا ينافي الثقة.
وعلى هذا يُحمَل قول ابن أبي الفوارس: «كان فيه تساهل». كما يدلُّ عليه توثيق الأكثرين له، مع قول البرقاني ــ وهو أعلم الجماعة وأتقنهم ــ: «ثقة ثبت حجة».
فهذه الأمور تؤكِّد الدليل الأول الذي تغافل عنه الأستاذ، وهو من أقوى الأدلة كما لا يخفى.
[ص ٣٩] قال الأستاذ (ص ٣٩): «رواية الخزاز لو كانت عن كتاب أحد شيوخه لكانت روايته عن أصل شيخه، ولَمَا كان يُرمى بالتسامح».
أقول: بلى، يظهر في هذا تسامح، وذلك أن ذاك الكتاب لم يكن هو أصل ابن حيويه الذي سمع فيه، ومن المحتمل أنه كان فيه مخالفةٌ ما لأصل شيخه، بنقصٍ أو زيادة، أو نحو ذلك، لم يتنبَّه لها عند السماع.
فإذا تحقق ذلك فيما بعد، فالاحتياط أن يروي كما في أصله، ثم يقول: «هكذا في أصل سماعي، ولكن رأيت في أصل شيخي كذا».
وترى لذلك أمثلة في الكتب، منها في «تاريخ جرجان» لحمزة السهمي (ص) (١).
ومع ذلك، فإن أصل الشيخ بقي عند الشيخ مدة، لا يثق ابن حيويه بالاحتياط في حفظه، كما يمكنه يثق بالاحتياط في أصل نفسه. ومن
стр. 255
المحتمل أن يكون أصل الشيخ بقي بعد موته عند أهله، فلا يوثق بأنهم احتاطوا لحفظه كما يثق ابن حيويه بالاحيتاط في أصل نفسه.
فمثل هذه الأمور كافية لأن يقال: «فيه تسامح»، «فيه تساهل»، إلا أنه لما كان الأصل عدم المخالفة، وكان ابن حيويه ــ مع كونه ثقة ثبتًا حجة متيقظًا ــ واثقًا بانتفاء المخالفة= لم يخدش ذلك في ثقته؛ لاحتمال أنه أعاد مقابلة أصله على ذلك الكتاب، أو صار إليه، فعلم تطابقهما.
وبعد ثبوت ثقة الرجل وتيقّظه لا يصح الخدش فيه بأمر محتمل. والقاعدة محرَّرة في قسم القواعد من «التنكيل» (١). والأستاذ يقول بها، ويغلو فيها!
قال الأستاذ: «وكان ينبغي أن يذكر في السند اسم شيخه الذي ناوله أصله».
كذا قال! ورواية ابن حيويه على الوجه المذكور ليست عن مناولة، وإنما كان يروي عن ابن الرزَّاز بحقِّ سماعه منه. غاية الأمر أنه بدل أن يقرأ من أصل نفسه قرأ من أصل شيخه.
قال الأستاذ: «مع أنه لا ذِكْر للرزاز مطلقًا في طبقة شيوخ الخزاز في أسانيد المثالب التي تولى كبرها الخزاز في كتاب الخطيب. وليس بمعقولٍ أن يهمل التلميذ ذِكْر شيخه في سندٍ ما حَمَله وتلقَّاه مِن طريقه».
أقول: ومَن الذي قال لك: إن ابن حيويه لم يرو شيئًا قط إلا من ذاك الكتاب الذي كان ربما يقرأ منه إذا بعد منه أصله؟ !
ومَن الذي قال لك: إن الخزَّاز لم يرو إلا عن ابن الرزَّاز؟ !
стр. 256
إنما ذاك كتاب خاص، يظهر أنه ليس من الكتب التي روى منها الخزاز في كتاب الخطيب، كما يدلّ عليه أن ابن الرزاز المذكور ــ مع أنه محدِّث معروف موثَّق، وهو من شيوخ ابن حيويه، كما نص عليه ــ لا رواية له في تلك المقالات أصلًا! فدل ذلك أن الكتب المأخوذة منها تلك المقالات لم تكن من مروياته، يقول: «حدثنا أبو الحسن بن الرزاز»، ويقرأ من الكتاب.
فإن قيل: عبارة الأزهري كأنها تبعد عن هذا.
قلت: فغاية الأمر أن يكون ابن حيويه سمع بعض المؤلفات من غير ابن الرزاز، ثم وقعت إليه نسخة ابن الرزاز، [ص ٤٠] فكان يقرأ منها، فالنسخة أصل شيخه، لكن ليس ذاك الكتاب مسموعًا له من الشيخ نفسه، بل مسموعًا له من شيخ آخر.
ففي هذا صار ابن الرزاز كالأجنبي عن ابن حيويه؛ لأنه وإن كان شيخه ففي غير ذاك الكتاب.
فإن قيل: أفلا يخدش هذا في ثقة ابن حيويه؟
قلت: كلا، وبَسْط ذلك في ترجمته من «التنكيل» (١)، وفيما تقدّم ما يكفي.
على أن مقصودي في «الطليعة» في هذا الموضع إنما هو إثبات أن ابن الرزاز المذكور في عبارة الأزهري ليس هو علي بن أحمد الرزاز، كما زعم الأستاذ.
* * * *
стр. 257
جواباته عن الفرع الثاني، وفيه سبعة أمثلة
وموضوعه: أن الأستاذ يعمد إلى كلام لا علاقة له بالجرح، فيجعله جرحًا.
* المثال ١، و ٢، و ٣ . في «الطليعة» (ص ٤٣ - ٤٨) (١).
ذكر الأستاذ في «الترحيب» (ص ٤٠) أنه لم ير فيما ذكرته في هذه الأمثلة شيئًا يجدر التحدُّث عنه.
أقول: هذا اعتراف في مكابرة! فليراجع القارئ «الطليعة».
* المثال ٤ . «الطليعة» (ص ٤٨ - ٥٠) (٢).
موضوع هذا المثال: أن الحافظ عبد الله بن محمد بن السقاء وقع في سند، فقدح فيه الأستاذ بقوله: «هجره أهل واسط لروايته حديث الطير».
وإنما أخذ ذلك من قول الحافظ خميس الحوزي في ذكر ابن السقاء: «من وجوه الواسطيين، وذوي الثروة والحفظ، وبارك الله في سنه وعلمه، واتفق أنه أملى حديثَ الطير، فلم تحتمله نفوسهم فوثبوا به، فأقاموه، وغسلوا موضعه، فمضى ولزم بيته».
فبينت في «الطليعة» أنه ليس في هذا ما يقدح في ابن السقاء، وأن ذاك الإنكار إنما يكون مِن جَهَلة العامة.
[ص ٤١] فتجلَّد الأستاذ وقال في «الترحيب» (٤٠): «مطاردةُ محدِّث لأجل حديثٍ حدَّثه ليست من شأن العامة، بل من شأن العلماء ... »!
стр. 258
أقول: فليخرج الأستاذ إلى بعض المواضع البارزة، وليحك قصةً تخالف بظاهرها معتقد العامة، فلينظر هل ينكرون عليه أم لا؟!
وثناءُ الحافظ خميس الحوزي حاكي القصة على ابن السقاء كافٍ.
* المثال ٥ . «الطليعة» (ص ٥٠ - ٥١) (١).
موضوع المثال: قول الأستاذ في «التأنيب»: «سالم (٢) بن عصام صاحب غرائب».
فذكرتُ في «الطليعة» أن ذلك مأخوذ من عبارة أبي الشيخ وأبي نعيم، وأصل عبارة أبي الشيخ: «وكان شيخًا صدوقًا، صاحب كتاب، وكتبنا عنه أحاديث غرائب، فمن حِسان ما كتبنا عنه ... ».
وعبارة أبي نعيم: «صاحب كتاب، كثير الحديث والغرائب». وليس ذلك بموجبٍ للضعف، وإنما الذي يضر أن تكون تلك الغرائب منكرة، أي: ويكون الراوي تفرَّد بها، بحيث يتجه الحمل فيها عليه، وعبارة أبي الشيخ تدفع هذا.
وقد قال أبو الشيخ في الحافظ الجليل أبي مسعود أحمد الفرات: «وغرائب حديثه وما يتفرد به كثير».
ثم ذكرتُ أن سالمًا قد توبع على تلك الرواية، فعَدَل الأستاذ في «الترحيب» (ص ٤٠ - ٤١) عن الكلام في الغرائب إلى ما حاصله: أن أبا
стр. 259
الشيخ ليس بأهل لأنْ يُقبل منه التوثيق، وأن كلمة «صدوق» دون كلمة «ثقة»، وأن المتن «أبو حنيفة ضال مضل» يعني: وهذا باطل قطعًا، وأن في السند جماعة آخرين تكلم فيهم الأستاذ في «التأنيب».
ثم وجَّه الحَمْلةَ عليَّ بتهمة أنني أسعى لتصحيح المطاعن في أبي حنيفة. وأعاد ذلك (ص ٤٣ - ٤٤).
فأقول: أما أبو الشيخ فحافظ جليل، ثقة ثبت، وترجمته في «التنكيل» (١). وكذلك بقية رجال السند تراجمهم في «التنكيل» (٢)، وكلامي في «الطليعة» إنما هو فيما يتعلَّق بسالم بن عصام، فأما ما يتعلق بغيره ففي تراجمهم من «التنكيل».
وأما بطلان المتن لمعارضته للعقل أو التواتر، فلا شأن لي به، كما قدمت في الفصل ... (٣) من الباب الأول.
* المثال ٦ . «الطليعة» (ص ٥١ - ٥٢) (٤).
موضوع هذا المثال قول الأستاذ في الحافظ الثبت الهيثم بن خلف الدوري: «يروي الإسماعيلي عنه في صحيحه إصراره على خطأ، وفي الاحتجاج برواية مثله وقفة».
فشرحت في «الطليعة» القصة، وأوضحت أن ما فعله الهيثم لا يضره،
стр. 260
بل يدل على شدة تثبته، وقد قال الإسماعيلي ــ نفسه ــ في الهيثم: «أحد الأثبات».
فقال الأستاذ (ص ٤١) من «الترحيب»: «إن كان إصرار الهيثم بن خلف الدوري على خطأ في اسم غير مضرّ، فلماذا هذا التهويل والتضليل في ذكر الكوثري أسماءً بدل أسماء، على فرض أنه مخطئ في ذلك».
أقول: هكذا فليكن الشَّغَب!
الهيثم وقع في أصله اسم خطأ، فأبى الهيثمُ أن يغيِّر ما في أصله، كأنه يقول: إن كان خطأ فالخطأ ممن قبلي، ومع ذلك فذاك الخطأ لا يترتب عليه مفسدة أصلًا. وقد وقع للإمام مالك بن أنس (١) نحو ما وقع للهيثم، فأين هذا مما صنعه الأستاذ؟!
قال الأستاذ: «مع أن الكوثري غير مخطئ فيها».
يعني: في أمثلة الفرع الأول! وقد سبق اعترافُه الصريح في المثال الأول والرابع والسابع والحادي عشر، وقريب من ذلك في الثاني.
ورجع الآن إلى الإنكار! ومثل هذا لا يستغرب!
* المثال ٧ (٢). يتعلق بما يأتي في المثال الحادي عشر من الفرع الخامس (٣).
* * * *
стр. 261
الفرع الثالث
في اهتبال التصحيف أو الغلط الواقع في بعض الكتب إذا وافق غَرَضَه
* المثال الأول . «الطليعة» (ص ٥٣ - ٥٥) (١).
موضوع هذا المثال: أنه وقع في ترجمة علي بن عاصم في الكتب حكاية في احتقاره للأئمة، وأنه قال في أبي عَوانة الوضَّاح بن عبد الله اليشكري: «وضّاح، ذاك العبد»، وفي جرير: «ذاك الصَّبِي»، وفي شعبة: «ذاك المسكين».
[ص ٤٣] هكذا وقع في «تاريخ بغداد» (٢): «وضّاح ذاك العبد»، ووقع في «تهذيب التهذيب» (٣) المطبوع: «وضاع ذاك العبد». فاعتمد الأستاذ في «التأنيب» هذه الثانية عندما حاول الطعن في أبي عَوانة حتى قال: «بلغ به الأمر إلى أن كذَّبه عليُّ بن عاصم».
فبينت في «الطليعة» أن ما وقع في «تهذيب التهذيب» المطبوع تصحيف لا يخفى على مثل الأستاذ، ولا من هو دونه، ورُحْتُ أوضِّح الواضح، فذكرت خمس قرائن تبين ذلك؛ فقال الأستاذ (ص ٤١): «والذي أراه أن قول الأستاذ [اليماني] في دائرة الاحتمال، لكن قول علي بن عاصم في جرير بن عبد الحميد: «ذاك الصبي»، وفي شعبة: «ذاك المسكين»، من غير ذكر
стр. 262
اسميهما يبعد احتمال ذكر اسم أبي عوانة، على أن الغالب في اسمه «الوضاح» باللام، بل يكون علي بن عاصم أسرف في رميه أبا عوانة بالوضع والكذب».
أقول: ليس في هذا ما يدفع (١) الحق، فمن المعروف أن ذِكْر الرجل بكنيته إكرام له، وكان أبو عوانة مشهورًا بكنيته، لا يكاد يُذْكَر إلا بها، فنصَّ عليُّ بن عاصم على اسمه تأكيدًا لاحتقاره له، كأنه يقول: ليس بأهل أن يُذكر بكنيته. بخلاف شعبة وجرير، فإنهما كان مشهورَين باسميهما، فليس في ذكرهما باسميهما ما يشعر باحتقار.
وهكذا ترك اللام، فإنّ ذِكْره بقوله: «الوضاح» فيه تفخيم، بخلاف قوله: «وضاح» ــ إذا كان الغالب «الوضاح» ــ، فإن العدول عنه إلى «وضَّاح» يُشْعِر بزيادة الاحتقار، كأنه يقول: ليس بأهل أن أفخّم اسمه.
وبالجملة، فمن كان ممارسًا لكتب الرجال، عارفًا بعلوم الأدب، فإنه يعرف الصواب بذوقه لأول مرة، فكيف إذا رأى ما في «تاريخ بغداد»؟ ومن لم يكن كذلك فيراجع ما ذكرته في «الطليعة»، مع ما هنا.
هذا، والذي أوقع مصحح [ص ٤٤] «تهذيب التهذيب» في التصحيف ــ فيما يظهر ــ أنه لم يكن من الممارسين للفن، وكانت النسخة واحدة، رأى الكلمة في الأصل مشتبهة ... (٢) «وضاع»، ولو على بُعد، ولم يكن مستحضرًا اسم أبي عوانة، لغرابته، ولأن أبا عونة لا يكاد يُذكر إلا بكنيته، وكانت كلمة «وضّاع» حاضرة في ذهنه لتكرُّر ذكر الوضع في التراجم.
стр. 263
والأستاذ وغيره من أهل العلم لا يخفى عليهم ما وقع من الخطأ في مطبوعات الدائرة القديمة، مثل «التهذيب» و «اللسان»، و «تعجيل المنفعة».
ولا يكاد يخلو عن مثل ذلك كتاب في تراجم الرجال؛ لما أصبح فيه هذا الفن من الغرابة. وفي مطبوعات مصر كـ «الإصابة»، و «الميزان» ما يُقضى منه العجب!
ومن أحبَّ أن يعرف ترقِّي التصحيح في دائرة المعارف، فليراجع «التاريخ الكبير» للبخاري.
وذكر الأستاذ هنا ما يتعلق بخطأ أبي عوانة إذا حدَّث من حفظه، وقد أفضت في ذلك في ترجمته من «التنكيل» (١).
* المثال ٢ . «الطليعة» (ص ٥٥ - ٥٩) (٢).
هو من أوضح الأمثلة على ما قصدتُ بيانه في «الطليعة»، فأعرض الأستاذ في «الترحيب» عما يتعلق به، ورجع يعيد الكَرَّة على ما يتعلق بالمثال الخامس من الفرع الثاني، ويرميني بمعاداة أبي حنيفة، ويكلّفني ما ليس من موضوع كلامي في «الطليعة» بالنظر إلى مقصودي.
وقد مر الجواب في محله، فليراجع القارئ هذا المثال في «الطليعة».
* المثال ٣ . يتعلق بما يأتي في المثال الثاني من الفرع الثامن (٣).
стр. 264
* المثال ٤ . يتعلق بما تقدم في المثال العاشر من الفرع الأول (١).
* المثال ٥ . «الطليعة» (ص ٥٩ - ٦٠) (٢).
موضوعه: أنه وقع في «تاريخ بغداد» عن ابن يونس في شأن أيوب بن إسحاق بن سافري: «وكان في خُلقه دعارة، وسأله أبو حميد في شيء يكتبه عنه فمطله».
[ص ٤٥] فاعتمد الأستاذ عند حاجته إلى الطعن في أيوب هذا تلك الكلمة، فقال: «ذاك الداعر ... تكلم فيه ابن يونس».
فبينت في «الطليعة» أن المعروف في الاستعمال أن يقال: «في خلق فلان زَعارَّة». وهذا هو اللائق؛ لأن الزَّعارَّة هي الشراسة، وهي تتعلق بالخلق. والدعارة: الخبث والفسق.
ثم أيدت أن الصواب: «زَعارَّة» بدلالة السياق، وبأن هذا الرجل لو وُصِف بالخبث والفسق لذكره المؤلفون في المتكلَّم فيهم من الرواة. وبأنّ في «تهذيب تاريخ ابن عساكر» (٣) في هذه القصة: «زعارة».
وأكدت ذلك بأن ابن أبي حاتم ذكر أيوب هذا، وقال: «كتبت عنه بالرملة، وذكرته لأبي فعرفه، وقال: كان صدوقًا».
فتعرض الأستاذ لهذا (ص ٤٤) من «الترحيب»، فأخذ يطعن في مُهَذِّب
стр. 265
«تاريخ ابن عساكر»، وفي أمانته، وأنه «مجسِّم» (١)، وأن اعتماد اليماني عليه يدل على توافقهما في المشرب، وراح يطوِّل بما ليس من صلب الموضوع، إلا أنه قال: «ولم يكن السافري إلا داعرًا، سافر الوجه، أصبحت الدعارة خلقًا فيه، وملكة عنده، رغم أنف هذا الناقد».
وهذا فرارٌ منه إلى التأويل، وتجاهل الأستاذ أنني لم أعتمد على ما في «تهذيب تاريخ دمشق»، وإنما أيدت به ما يقتضيه النظر، ونسي أنه ــ نفسه ــ مما ينقل عن «تهذيب تاريخ دمشق»، ويستند إليه. هذا، مع أن مُهَذِّب الكتاب لا غرض له هنا في الخيانة، كما يدعي الأستاذ، حتى يبدل «دعارة» بـ «زعارة».
ومن شأن الأستاذ الخلط في الموضوع، فلما رآني أُجرِّد بعض الأشياء لتحقيق النظر فيها على حِدَة، لم يرقه ذلك!
* المثال ٦ . «الطليعة» (ص ٦٠ - ٦١) (٢).
ذكرت في «الطليعة» ما حاصله: أنه وقع في «تاريخ بغداد» في سند حكاية: «عبد الله بن عثمان بن الرماح»، فاقتصر الأستاذ في «التأنيب» على أن في السند «ابن الرماح»، فلا يصح.
فذكرتُ في «الطليعة» [ص ٤٦] أن هذا الرجل هو عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرمَّاح، هو وأبوه حنفيان معروفان. تصحف «عمر» إلى «عثمان»، كما ذكره الأستاذ ــ نفسه ــ في اسم آخر. نقلتُ كلامه في «الطليعة»
стр. 266
ثم قلت: «وكأنه خشي أن ينبه القارئ على أن ابن الرمَّاح هو ذاك العالم الحنفي ... ».
فقال الأستاذ في «الترحيب» (ص ٤٤ - ٤٥): «ومن عجائب صنع هذا الباحث (اليماني) أيضًا: رميه إياي بأخص أوصافه، من ادعاء التصحيف فيما لا يروقه من الروايات، فيجعل عبد الله بن عثمان بن الرماح، المجهول في سند الخطيب، في صدد رمي أبي حنيفة ... = عبد الله بن عمر، متزيّدًا في نسبه ما شاء من الأسماء، ومبدّلًا «عثمان» بـ «عمر»، ليلقي في روع السامع أن هذا الراوي حنفي يقبل قوله عند أصحاب أبي حنيفة، فيلصق بالإمام هذا الاتهام، بل ابن عمر هذا أيضًا مجهول الصفة، فلا يناهض خبره ما تواتر ... ».
أقول: أما دعوى تصحيف «عمر» إلى «عثمان»، فقد استدللت على قرب وقوعه بكلام الأستاذ نفسه، وأما الحمل عليه هنا فإنه لا يعرف في تلك الطبقة، ولا في الرواة، ولا الفقهاء، ولا غيرهم، من يقال له: «عبد الله بن عثمان بن الرماح»، وإنما المعروف في تلك الطبقة «عبد الله بن عمر» المذكور.
وأما التزيُّد في الأسماء، فلأن «عمر» والد هذا الرجل كثيرًا ما يُنْسَب إلى جده «الرماح».
وقد قال الترمذي (١) في باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر: «حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا شبابة بن سوَّار، حدثنا عمر بن الرمَّاح البلخي، عن كثير بن زياد، عن عمرو بن عثمان بن يعلى (٢) بن مُرّة،
стр. 267
عن أبيه عن جده ... ».
ثم قال الترمذي: «غريب، تفرد به عمر الرماح».
وعمر الرمّاح هذا هو والد عبد الله المذكور.
وفي «تهذيب التهذيب» (١) في ترجمة عثمان بن يعلى، ذكر ذاك الحديث، وقال: «روى الترمذي هذا الحديث الواحد من رواية عمر بن الرماح عن كثير بن زياد ... ». وفيه أيضًا (ج ٧/ ص ٤٤٧): «عمر بن الرمَّاح البلخي، هو ابن ميمون، يأتي».
وراجع ترجمة عمر في «تاريخ بغداد» (٢). وراجع ترجمة عبد الله في «طبقات الحنفية» (٣).
فأما ما رماني به الأستاذ فذلك غفلة أو تغافل عن مقصودي بنشر «الطليعة»، وقد قدمتُ بيان ذلك في الفصل .... (٤) من الباب الأول.
* [ص ٤٧] المثال ٧ . «الطليعة» (ص ٦١ - ٦٢) (٥):
حكي أن أحمد بن المعذل الفقيه المالكي كان عالمًا (٦) صالحًا تقيًّا، وكان أخوه عبد الصمد ماجنًا، فكان أحمد يعظ عبد الصمد ويزجره، فقال
стр. 268
عبد الصمد:
أطاع الفريضةَ والسنهْ ... فتاه على الإنس والجِنَّه
كأنّ لنا النارَ مِن دونِه ... وأفرده الله بالجنهْ
غضب الأستاذ على أحمد بن المعذّل! فذكر البيت الأول، وجعل الكملة الأولى «أضاع».
فنبهتُ في «الطليعة» على أن الرواية «أطاع»، كما في غير واحد من الكتب، والسياق يُعَيّنه.
فقال الأستاذ في «الترحيب» (ص ٤٥): «هذا تمحُّل! لو كان مراده هذا لقال: أقام .. ، وإنما الطاعة لله ولرسوله، لا للعمل، وهذا ظاهر».
كذا قال الأستاذ! وكنت أظن أنه وجد ذاك الشعر في بعض الكتب بلفظ «أضاع»، فغضَّ النظرَ عنه، وحكاه، كما في «وضّاع» و «دعارة»، وأن ذلك منه على وجه التنكيت والتبكيت.
لكن عبارته في «الترحيب» خيَّبت ظني، وزادت الأمر شدة! ولو لم يوجد هذا الشعر إلا في كتاب واحد، وفيه «أطاع»، وليس هناك ما يدلّ على صحتها، ولا عدم صحتها؛ لما جاز للعالم تغييرها؛ لأن العربية لا تضيق عنها، فتحتمل أن تكون على حذف المفعول، أو قَصْر الفعل عنه، ثم تنتصب «الفريضة» إما على المفعول المطلق، كأنه قيل: أطاع الطاعة المفروضة والمسنونة، وإما على التضمين، وإما على نزع الخافض الذي سماه الأستاذ «الحذف والإيصال»، وتبجَّح بمعرفته في كلامه على أثر: «لا تعقل العاقلة عمدًا ... ».
стр. 269
وإما على التجوُّز بـ «أطاع» عن «أدى»، فإن الطاعة تستلزم أداء الفرائض، أو غير ذلك.
فكيف إذا وُجد الشعر بلفظ «أطاع» في كتب مختلفة، فكيف بالتغيير إلى «أضاع»، مع إبطال الأدلة المعنوية له؟ !
فمنها: عجز البيت في الأول، فإن إضاعة الفرائض والسنن [ص ٤٨] لا يظهر أن تكون سببًا وباعثًا على التِّيْه، وإنما الذي قد يكون سببًا له أداؤها والمحافظة عليها، لما يُداخِل الإنسان من العجب.
ومنها: البيت الثاني، فإن المضيع للفرائض والسنن لا يمكن أن يظن أنه من أهل الجنة دون غيره، وإنما الذي قد يُظَنُّ به ظنّ ذلك مَن كان مؤديًا للفرائض والسنن، محافظًا عليها، فإنه قد يظن أن الجنة له دون العُصاة.
ومنها: سبب قول عبد الصمد هذين البيتين.
ومنها: ما هو معلوم من حال أحمد من الديانة.
والله الموفق.
* * * *
стр. 270
الفرع الرابع
في تغيير نصوص أئمة الجرح والتعديل والتعبير عنها بما يخالف معناها
* المثال ١ . «الطليعة» (ص ٦٦ - ٦٨) (١).
أشار الأستاذ (ص ٥٠) إلى هذا، فادَّعى أن عبارته هي بمعنى النص المنقول عن حجاج الشاعر، قال: «لأنه لا يتصوَّر مِن مثل ابن الشاعر أن يقع فيه من غير أن يتكرر ذلك منه».
كذا قال! وحجاج بن الشاعر إنما رُويت عنه تلك العبارة، وأنه كان يقع، والوقوع لا يُدْرَى ما هو، فالمدار على تلك العبارة، وإذا كانت لا تعطي إلا مرة واحدة، فيكف يجوز أن يتوهّم على ابن الشاعر أنه لم يقلها إلا وقد يكرر ابن الشاعر. فإن لابن الشاعر نفسه أن ينكر هذا، ويقول: لماذا تحمّلونني ما لا تحمل عبارتي؟!
نعم، للأستاذ فهمه، ولكن ليس له أن يبني على هذا الفهم تغيير الألفاظ في حال أن الكتب التي هي فيها في متناول يده كلّ وقت، على فرض أنه قد يحكي من حفظه.
وأما إذا كان ينظر في الكتاب، فيرى العبارة، فيغيرها قصدًا، فالأمر أشد.
* المثال ٢ . «الطليعة» (ص ٦٨) (٢).
стр. 271
حاصل المثال أن ابن الجنيد قال: سُئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن مُؤمّل بن إهاب، فكأنه ضعَّفه.
فقال الأستاذ في «التأنيب» (١) في مؤمل: «ضعفه ابن معين».
فقال في «الترحيب» (ص ٤٥) [ص ٤٩]: «على أن الذاكرة قد تخون في استذكار المعنى الحرفي، فقول القائل: «كأنه ضعفه» لا يفرُق كثيرًا من قوله: «ضعّفه»، لكون الحكم على الأحاديث بالصحة والضعف، وعلى الرجال بالثقة أو الضعف ــ في أخبار الآحاد ــ مبنيًّا على ما يبدو للناقد، لا على ما في نفس الأمر.
فظهر أن ذلك [عبارة عن] (٢) غلبة الظن فيما لا يقين فيه، وسبق أن نقلنا عن أحمد في «الرمادي»: «كأنه يغيّر الألفاظ»، وقد بنى عليه الذم الشديد».
أقول: لا يخفى ما في هذا من التعسُّف، فإنه مما لا يخفى!
فإن الخبر شرط صحته الجزم، فهل للأعمى الصائم إذا سأل بصيرًا عن غروب الشمس، فقال البصير: «كأنها قد غربت» = أن يفطر؟ !
وهل على من عهد ثوبًا طاهرًا فقال له قائل: «كأنه قد تنجَّس» أن يعدّه نجسًا؟ !
وهل لامرأة غاب عنها زوجها مدة، فلقيها ثقتان ــ مثلًا ــ فقالا (٣): «كأنه قد مات» أن تعتد وتتزوج؟ !
стр. 272
إلى غير ذلك من الأمثلة.
فهكذا قول ابن الجنيد: «فكأنه ضعفه»، فإن الناقد هنا هو ابن معين، وابن الجنيد مخبر عما شاهده وسمعه، فقوله: «فكأنه ضعّفه» نظير الأمثلة التي قدمنا، فلا يثبت بها حكم. وهذا واضح.
فأما ما وقع في الرواية عن أحمد: «كأنه يغير الألفاظ»، فهذه إن كانت من الراوي عن أحمد، فهي تفسير لقول أحمد: «يملي عليهم ما لم يسمعوا». وإن كانت من أحمد، فهي تَظَنٍّ لوجه صنيع الرمادي، وترجمة الرمادي في «التنكيل» (١).
* المثال ٣، و ٤، و ٥، و ٦ . «الطليعة» (٦٩ - ٧٣) (٢).
* المثال ٣. «الطليعة» (ص ٦٩).
لم يذكر الأستاذ ما يحتاج إلى زيادة عما في «الطليعة».
* المثال ٤. «الطليعة» (ص ٦٩).
قال الأستاذ (ص ٥١): «ليس عادة النقاد أن يقولوا لما ليس في كتاب الراوي: إنه عنده، فلا يكون سقوط (في كتابه) مغيّرًا للمعنى، ولا مقصودًا، فَهِم الناقد أم لم يفهم».
أقول: راجع «الطليعة»، وتدبر!
* * * *
стр. 273
[ص ٥٠] الفرع الخامس
تقطيع نصوص أئمة الجرح والتعديل
* المثال ١ - ١٢. «الطليعة» (ص ٧٢ - ٧٨) (١).
اكتفى الأستاذ بما حاصله: أنه إنما يأخذ محلّ الحاجة، فراجع «الطليعة».
* * * *
الفرع السادس
يعمد إلى جرح لم يثبت فيحكيه بصيغة الجزم محتجًّا به
* المثال ١ - ٣. «الطليعة» (ص ٧٩ - ٨٢) (٢).
لم يتعرّض لها الأستاذ بما يحتاج إلى مناقشته فيه زيادة على ما في «الطليعة».
* المثال ٤. «الطليعة» (ص ٨٢) (٣).
عدل الأستاذ عن موضع المناقشة إلى كلام آخر، ترى حاله في ترجمة الأصمعي من «التنكيل» (٤).
* المثال ٥، و ٦. «الطليعة» (ص ٨٣ - ٨٦) (٥).
لم يتعرض لها الأستاذ بما يحتاج إلى زيادة على ما في «الطليعة».
стр. 274
الفرع السابع
قوله في المعروف الموثّق: «مجهول»، ونحوها
* المثال ١ . «الطليعة» (ص ٨٦ - ٨٧) (١).
عبد الله بن محمود المروزي. قال الأستاذ في «التأنيب»: «مجهول الصفة».
فاعترضته بأن هذا الرجل حافظ مصنّف معروف. قال ابن أبي حاتم (٢): «كتب إلى أبي بمسائل ابن المبارك، من تأليفه».
وذكره الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (٣): «الحافظ الثقة، محدث مرو ... قال الحاكم: ثقة مأمون».
أجاب الأستاذ بما حاصله: أنه لا يعتدّ بتوثيق الحاكم، وأما الذهبي فمتابع للحاكم.
وقد مر الكلام على هذا المعنى في الفصل ... (٤) من الباب الأول.
وترجمة الحاكم في «التنكيل» (٥)، ولم يطعن أحد في كلامه في الرواة، وإنما نسبوه إلى التشيّع، وإلى التساهل في تصحيح بعض الأحاديث الضعاف.
стр. 275
أما (١) جرحه وتعديله؛ فمأخوذ به من عهده، وهلم جرًّا.
* [ص ٥١] المثال ٢ . «الطليعة» (ص ٨٧) (٢).
ذكر الأستاذ (ص ٤٧) أنه تنبَّه فيما بعد لأن محمد بن مسلمة هو المخزومي، ثم قال: «رُوي عن أبي حاتم توثيقه، لكن تحاماه أصحاب الأصول الستة وأحمد».
أقول: هذا خارج عن الموضوع، وترجمة الرجل في «التنكيل» (٣).
* المثال ٣، و ٤ . «الطليعة» (ص ٨٩ - ٩٠) (٤).
أشار الأستاذ إلى أن من عادة ابن حبان توثيق المجاهيل.
أقول: قد أجبتُ عن هذا في «الطليعة»، وتمامه في ترجمة ابن حبان من «التنكيل» (٥).
* المثال ٥ . «الطليعة» (٩٠ - ٩١) (٦).
أجاب الأستاذ بالكلام في أبي الشيخ وتوثيقه. وترجمة أبي الشيخ في «التنكيل» (٧).
стр. 276
* المثال ٦، و ٧ . «الطليعة» (٩١ - ٩٢) (١).
يجيب الأستاذ بأن الخطيب لا يحتجّ به فيما هو متّهم فيه، وقد تقدم كشف ما في هذا من المغالطة (٢).
* * * *
стр. 277
الفرع الثامن
في إطلاقه صِيَغ الجرح بما لا يوجد في كلام الأئمة
* المثال ١ . «الطليعة» (ص ٩٨ - ١٠٢) (١).
قال الأستاذ (ص ٤٨): «غاية ما عملت في أنس ﵁ هو نَقْل مذهب أبي حنيفة في تخيّر بعض رواياته، وهذا مشهور في كتب أهل العلم، وليس في هذا مساس بأنس، وكبر السن أمرٌ لا مهرب منه ... ، وإن كان لا يدع حافظة المرء على ما كانت عليه في عهد الشباب».
أقول: راجع «الطليعة»، وأَضِفْ إلى الجماعة الذين ذكرتُهم آخر (ص ١٠٠): أبو عثمان النهدي، بلغ مائة وثلاثين. وقيل: وأربعين سنة. وزِرّ بن حُبيش بلغ مائة وسبعًا وعشرين سنة. ومعرور بن سويد بلغ مائة وعشرين سنة.
ويُجْعَل السطر الأول من (ص ١٠١) هكذا: «وسويد، وأبو عثمان، وأبو رجاء، وزِرّ، وأبو عَمرو، ومعرور، كلهم ثقات أثبات مُجْمَع على ... ».
ثم ذكر (ص ٤٩): «من مذهب أبي حنيفة أيضًا، كما يقول ابن رجب في «شرح علل الترمذي»: رد الزائد إلى الناقص في الحديث متنًا وسندًا».
ثم راح يفرِّع على هذا أنه إذا [ورد] (٢) في رواية عن راوٍ لفظ «عن»، وفي أخرى «سمعت»، فالمعتمد العنعنة؛ لأنها الناقصة.
стр. 278
كذا قال! ولا أدري لماذا يفزع الأستاذ إلى ابن رجب، وهل ابن رجب أَعْرَف بمذهب أبي حنيفة من الحنفية أنفسهم؟ ! ثم ما مستند ابن رجب؟
فأما أخذ الأصول من الفروع وبناؤها عليها، كما هو شأن الحنفية، فليس بمقنع. ولهم في ذلك من المناقضات والتعسُّفات [ص ٥٢] ما هو معروف في أصول الفقه.
ومع ذلك، لا يظهر دخول مسألة العنعنة تحت القاعدة، وإنما رد الزائد إلى الناقص أن تأتي رواية منقطعة قطعًا ورواية موصولة، ففي المنقطعة نقص راوٍ ــ مثلًا ــ، وفي الموصولة زيادته، وهكذا إذا أتت رواية موقوفة ورواية مرفوعة، وأما النقص في المتن فواضح.
وفوق هذا .. فهذه القاعدة غير مجمع عليها، فتحتاج إلى دليل. والاكتفاء بأنها «احتياطٌ لدين الله» لا يكفي.
أرأيت لو قال قائل: لا أحتج إلا بما ثبت يقينًا، بأن يكون قطعي المتن، قطعي الدلالة، احتياطًا لدين الله أن أثبته بالظن. أيكفيه هذا؟
أو رأيت لو قال قائل: لا أحتج بالرأي والقياس البتة، احتياطًا لدين الله أن أثبته برأيي. أيكفيه هذا؟
ومسألة القصاص في القتل بالمثقَّل قد توسَّعت فيها في الفقهيات من «التنكيل» (١)، واحتججت بأربع آيات من كتاب الله .
وذكر الأستاذ هنا (ص ٤٨) ما قلت في مقدمة «الطليعة» (٢): إنه تكلم
стр. 279
في هشام بن عروة حتى نَسَبه إلى الكذب.
فزعم أن مقصودي ما نقله عن الخطيب، مما أخرجه عن الساجي بسنده إلى مالك. ثم قال الأستاذ: «أهذا قولي أم قول مالك، أيها الباهت الآفك؟ ».
أقول: لا أحبّ أن أجاري الأستاذ في حِدَّته، وإنما أقول: ليس مقصودي ما زعمتَه، إنما مقصودي قول الأستاذ في «التأنيب» (ص ٩٨) ــ بعد ذكره رواية هشام عن أبيه قال: «لم يزل أمر بني إسرائيل ... » ــ قال الأستاذ: «إنما أراد هشام بذلك النكاية في ربيعة وصاحبه، لقول مالك فيه ... ».
ففهمت من قوله: «إنما أراد ... » أن مقصوده أن هشامًا (١) اختلق هذه الحكاية، ورواها عن أبيه لذاك الغَرَض.
فإن كان هذا مراد الأستاذ في «التأنيب» فذاك، وإن زعم أنه لم يُرِد هذا فأمره إلى الله، وأستغفر الله وأتوب إليه.
أما رواية الساجي؛ فقد ردَّها الخطيب نفسُه (١/ ٢٢٣) [ص ٥٣] بأنّ شيخ الساجيّ لا يُعْرَف، فعَدَل الأستاذ عن ذلك: «هذا من انفرادات الساجي، وأهل العلم قد تبدر ... ».
فأوهم أنه لا علة للحكاية إلا انفراد الساجي، والساجي حافظ جليل، ترجمته في «التنكيل» (٢)!
وقول الأستاذ: «وأهل العلم قد تَبْدُر ... » يوهم أن الحكاية ثابتة، فيحتاج إلى الاعتذار عنها!
стр. 280
* المثال ٢ . «الطليعة» (ص ١٠٦ - ١٠٨) (١).
لم أر في «الترحيب» تعرُّضًا لهذا، وقد وقفت على نسخة أخرى جيدة من «ثقات ابن حبان» محفوظة في المكتبة السعيدية بحيدر اباد، وفيها كما نقلته عن نسخة الآصفية.
ورأيت في «تاريخ جرجان» (٢) لحمزة السهمي ترجمة لأبي عوانة، وفيها عن ابن عدي والإسماعيلي أنه توفي سنة سبعين ومائة.
وهذا يؤيد ما ظننته في «الطليعة» (ص ١٠٧) (٣) سطر (٨). والله أعلم.
* المثال ٣ . «الطليعة» (ص ١٠٨) (٤).
قال الأستاذ (ص ٥٠): «وأما قولي في محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: ليس بالقوي. فيكفي في إثباته إعراض الشيخين عن إخراج حديثه في الصحيح مع روايتهما عنه خارج الصحيح».
أقول: لم يحتاجا إلى ما عنده؛ لأن سِنّه قريب من سنهما، وروايتهما عنه خارج الصحيح في صحتها وقفة، وربما يكونان رويا عنه بعض الحكايات مما لم يجداه عند من هو أعلى إسنادًا منه.
وقد وثَّقه النسائي، وهو في توثيق المتأخرين أشدّ احتياطًا من الشيخين، فربّ رجلٍ فيهما أو في أحدهما يضعّفه النسائي، وغيره.
стр. 281
وليس (١) كلُّ مَن لم يروِ عنه الشيخان غير قوي. والأستاذ نفسه لا يلتزم هذا.
* المثال ٤ . «الطليعة» الطليعة (ص ١٠٨) (٢).
نبَّهني الأستاذ على أن لفظ «وأبو عمار» استدرك الضرب عليه في جدول الإصلاح. وصدق الأستاذ.
* المثال ٥ . «الطليعة» (ص ١٠٩) (٣).
قال الأستاذ (ص ٥٠): «السواق غير الصواف».
أقول: ترجمته في «التنكيل» (٤).
* المثال ٦ . «الطليعة» (ص ١٠٩) (٥).
قال الأستاذ: «لا أريد التكلم عن ابن المنادي، فإنه معروف».
أقول: أحسن الأستاذ إلى نفسه!