ولو كان يقتصر على الحجج العلمية، لكان خيرًا له.
ومع ذلك، فأنا لا أناقشه في ذاك القبيل، على شرط أن لا يتعدّى إلى إساءة القول في الأئمة الذين مقامهم عند أتباعهم من المسلمين لا يقلّ عن مقام أبي حنيفة عند أتباعه.
ومقامهم عند أهل العلم المحققين الأبرياء من الهوى ــ من الحنفية وغيرهم ــ عظيم جدًّا. حتى سمعت من بعض أهل العلم من الحنفية، وبُلِّغت عن غيره منهم الإنكار الشديد على الأستاذ.
ثم ذكر الأستاذ (ص ١٢ - ١٥) بعض أسباب طعن بعضهم في أبي حنيفة، كالقول بالرأي، والإرجاء، والقول بخلق القرآن.
وهذا لا تعلُّق له بمناقشتي، فأما المسائل الاعتقادية، فقد نظرت فيها في قسم الاعتقاد (١) تحرِّيًا لما هو الحقّ إن شاء الله، لا بقصد الطعن في المخالف.
ثم ذكر (ص ١٥) شَرْح طريقته في البحث عن أسانيد المثالب، فقال: «منها أن أخبار الآحاد ــ على فرض ثقة رواتها ــ لا تناهض العقل، ولا النقل المستفيض، فضلًا عن المتواتر».
[ص ٧] أقول: هذا مما أوافقه عليه، ولكن ذلك لا يبيح المغالطة وسوء الطعن في الثقات، بل يقال ــ مثلًا ــ: هذا سند رجاله ثقات، ولكن متنه باطل؛ لمعارضته المعقول، أو المتواتر، أو نحو ذلك.
стр. 212
ولو اكتفى الأستاذ بهذا لما احتجت إلى أن أتعب في مناقشته.
وكذلك من يريد مناقشته في الموضوع، يكفيه أن ينازعه ــ إن أمكنه ــ في صحة دلالة العقل، أو في ثبوت التواتر.
وبذلك يتوفَّر الوقت على الأستاذ ومخالفيه، ويسهل الوصول إلى الحق عن قرب، ولا نكون ضُحْكة بين الناس، يقول أحدنا: إذا طعنوا في إمامي طعنت في إمامهم، وإذا طعنوا في مشايخي طعنت في مشايخهم، وإذا طعنوا في مذهبي طعنت في مذهبهم، وهكذا يؤول حال أهل العلم إلى المهاترة، ولا يوصل إلى حقيقة علمية.
نعم، إن المدَّعى عليه إذا كان قابضًا للدار أو الأرض ــ مثلًا ــ، قد يحب المشاغبة وطول المنازعة، والخروج عن موضوع الدعوى، على أمل أن تخور قُوى المدَّعي؛ لطول المصابرة، فيسكت، كما أن المدّعي قد يحبّ مثل ذلك، على أمل أن يسأم المدَّعَى عليه طولَ النزاع، فيصالحه على الأقل.
لكن هذا إنما يكون في أهل الباطل، فأما إذا كان المدَّعي والمدَّعَى عليه محبين للحق، فما عليهما إلا مفاوضة ساعة، بأن ينظر كلٌّ منهما في حجة صاحبه، فإن لم يتفقا رجعا إلى قاضٍ أو محكَّمٍ، وشرحا له الواقع كما هو.
لكن حالنا ــ كما لا يخفى ــ حال أهل الباطل، والله أعلم بالمُبْطِل، فأحد المختلفين رمى صاحبه بأنه مبطل مشاغب له، وصاحبه يكيل له أضعاف ذلك. وإلى الله المشتكى.
[ص ٨] قال الأستاذ (ص ١٥) أيضًا: «ومنها أن بين علماء الجرح والتعديل من يسجل أسماء المجهولين في عداد الثقات».
стр. 213
أقول: وهذا مما أوافقه عليه، وقد أفضتُ في شرح هذا في ترجمة ابن حبان من «التنكيل» (١)، وبينتُ أن توثيقه لمن لم تثبت معرفته له لا يرفع عنه الجهالة، وذكرتُ حالَ غيره من الأئمة.
ثم قال الأستاذ (ص ١٥): «ومنها: أنه تقرَّر عند أهل العلم أن فاقد الشيء لا يعطيه».
أقول: هذا مما أوافقه عليه، على معنى أنّ مَن ثبت أنه ليس بثقة، فلا يقبل منه توثيق لغيره، لكن بنى الأستاذ على هذا قوله: «فأمثال أبي نعيم، والبيهقي، والخطيب، ممن ثبتت شدة تعصبهم الموجبة لرد أنبائهم فيما يمس تعصبهم= لا يقبل قولهم في توثيق رجال المثالب».
أقول: هذا لا أوافق عليه، بل أقول: مَن ثبت عند أهل العلم المتثبِّتين الذين لم يغلب عليهم سلطان الهوى أنه بلغ من حاله في الوقوع في غيره ما يُسقط عدالتَه، فهو مجروح لا يقبل توثيقه لموافقٍ ولا مخالف. غايةُ الأمر أن يُستأنس بثنائه على مخالفه استئناسًا.
فأما مَنْ لم يبلغ ذلك، ولكن عُرِف بمَيلٍ، فإنما يجب التثبُّت في قوله الذي يوافق ميله، ويُتَروَّى فيه، فإن ظهر ما يدلّ على خطائه أو تساهله أو تسرُّعه، وخالفه مَنْ هو مثله في العلم والفضل، أو أقوى منه= ترجح قول المخالف.
وأما إذا لم يكن هناك مرد لقوله إلا اتهامه بأنه كذب أو تعمَّد الحكمَ بالباطل؛ فلا سبيل إلى هذا بعد تسليم أنه ثقة في نفسه.
стр. 214
وهذه القاعدة قد حررتُها في قسم القواعد من «التنكيل» (١)، وحشدتُ هناك ما حضرني من النقل والنظر والشواهد.
والخطيب إذا اتفق أنه وثَّق بعضَ الرواة الذين اتفق أنْ كانوا من رواة المغامز= فليس هذا عند الإنصاف من مَظنَّة ميله؛ لأن الراوي لم يقتصر على تلك الرواية، بل له روايات [ص ٩] أخرى كثيرة قد يكون فيها ما يخالف ميل الخطيب. فاتهام الخطيب أنه وثقه لأنَّ عنده رواية موافقة لميله إسرافٌ وتعدٍّ.
على أنني قد بسطت ترجمة الخطيب في «التنكيل» (٢) بما يَعْرِف به المنصف جليَّة الحال.
والتوسُّع في ردّ رواية العالم لما فيه غضّ من مخالفه، يلزمه ردّ رواية العالم فيما فيه مدحٌ لموافقه، ثم يجرُّ هذا إلى ما لا نهاية له إلا إسقاط السنة النبوية ألبتة، فضلًا عن غيرها من علوم الرواية، حتى الفقه نفسه. وهذا ما لا سبيل إليه.
فعلى المتثبت أن يقف عند الحق، ومن لم يَسَعْه الحقّ، فلا وسَّع الله عليه! فإن غالبته نفسُه على التطرُّف بدا (٣) فنظر ما يجر إليه تطرُّفه.
قال: «ومثل أبي الشيخ صاحب كتاب «العَظَمة»».
أقول: هذا مما لا أوافق الأستاذ عليه، وترى ترجمة أبي الشيخ في «التنكيل» (٤).
стр. 215
قال: «ومرادي من كون الرجل غير موثَّق كونه غير موثَّقٍ مِن أهل الشأن».
أقول: أما مَنْ لم يكن عندك ولا عند غيرك من أهل الشأن ــ أي ممن يقبل ثوثيقهم ــ، فقد يسوغ لك أن تقول فيمن لم يوثقه غيره: «غير موثَّق».
وأما من كان عند غيرك من أهل الشأن، فإنه إذا وثَّق رجلًا لم يسغ لك أن تطلق تلك الكلمة.
على أنه لعلك إذا راجعت كلامك تبين لك أن جماعةً ممن تزعم ــ عند حاجتك ــ أنه لا يعتدّ بتوثيقهم، قد احتججتَ أنتَ مرّةً أخرى ــ أو مرارًا ــ بتوثيقهم!
فإن لم يكن هذا قد وقع منك، فعسى أن تحتاج إليه فيما بعد، فتحرِّي الحقّ خيرٌ وأسلم.
قال (١): «وكم من راوٍ يوثق ولا يحتج به، كما في كلام يعقوب الفسوي».
أقول: سيأتي ما في هذا.
قال: «بل كم ممن يوصف بأنه صدوق ولا يعدّ ثقةً، كما قال ابن مهدي: أبو خَلْدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة».
أقول: لا ريب أن كلمة «صدوق» دون كلمة «ثقة». هذا هو الاصطلاح الغالب، فإذا قام دليل اتبع.
فكلمة ابن مهدي التي ذكرها الأستاذ حملها أهلُ العلم على أن ابن مهدي أراد بالثقة هنا ما هو أجل وأكبر مما عليه الاصطلاح الغالب، ولهذا ضرب المثل بـ «شعبة»، و «سفيان»، وهما الغاية في الثقة.
стр. 216
وقد قال يزيد بن زُرَيع، والنسائي، وابن سعد، والعجلي، والدارقطني، في أبي خلدة: «ثقة». وقال ابن عبد البر: «هو ثقة عند جميعهم، وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ» (١).
وقد تتبع كلام جماعة من الأئمة في الجرح والتعديل، ليعرف اصطلاحهم، [ص ١٠] فوجدت منهم مَن يطلق «ثقة» على معنى أنه صالح في دينه، حتى ربما صرَّح بعضهم فقال في الرجل: «ثقة ضعيف الحديث»، أو «ثقة ضعيف جدًّا». وسترى ذاك الفصل في «التنكيل» (٢)، إن شاء الله تعالى.
قال (ص ١٥ - ١٦): «ومنها: أن خبر الآحاد يكون مردودًا عند مصادمته لما هو أقوى منه ... ففي هذا الموضع لا داعي للبحث عن رجال السند من كل ناحية ... ».
أقول: قد تقدم ما هو قريب من هذا، ونبَّهتُ على ما فيه، وأنا فلم أناقش الأستاذ في عدم ذكره روايات التوثيق فيمن يريد جرحه، لكن إذا كان فيما سكت عنه ما يدفع ما ذَكَرَه، فلا بدّ من المناقشة، وذلك ليُعْطَى ذاك الراوي ما هو حقه في نفس الأمر، ويبين مع ذلك أن روايته معارضة لما هو أقوى منها، ويبين ذاك الأقوى؛ ليعرف الناظر ما له وما عليه.
قال (ص ١٦): «وأما مراعاة حرفية الجرح فغير ميسورة كل وقت، وكفى الاحتفاظ بجوهر المعنى».
أقول: الأستاذ يعلم ما في الرواية بالمعنى عن الكتب المؤلفة المتيسِّر الوقوف عليها كل وقت! فإن أبى إلا الرواية بالمعنى، فعلى الأقل يحافظ
стр. 217
على جوهر المعنى تمامًا.
قال (ص ١٦) أيضًا: «فطريقتي على هذا في البحث عن رجال المثالب: النظر أولًا في متن الخبر، لأستجلي مبلغ مخالفته للعقل (١) ... فإن كان الخبر ظاهر السقوط، بمخالفته للعقل أو للنقل، فلا أرى داعيًا إلى التوسع في إبداء وجوه الخلل في السند، بل أكتفي ببعض مآخذ في الرجل، مدونة في كتب أهل الشأن ... غير مستقصٍ».
أقول: قد أحسن الأستاذ بالتصريح بهذا، أما أنا فإني في نقد «التأنيب» لم ألتفت إلى متون الحكايات، وإنما كنت أنظر كلام الأستاذ في السند، ثم أراجع المظان، وأكتب ما تبين لي.
هذا، وقد كان الأولى بالأستاذ أن يبيِّن البرهان العقلي أو النقلي، لسقوط المتن، ثم يكتفي به، فإن لم يكن وثوقه بقوة تلك الحجة فعلى الأقل يلزمه تحرِّي الحقّ في الكلام في الرواة، فإن رأى أن تحرِّي الحق لا يكفي لسقوط السند، قال: رجال السند ثقات، والمتن باطل؛ لمعارضته الحجة القطعية، أو نحو ذلك.
[ص ١١] قال (ص ١٦) أيضًا: «وعادتي أيضًا في مثل تلك الأخبار تطلُّب ضعفاء بين رجال السند بادئ بدء، ضرورةَ أنّ الخبر الذي ينبذه العقل أو النقل لا يقع في رواية الثقات».
أقول: لك الحقّ في ذلك، ولكن لكل شيء حدّ، وعلى العاقل المتثبِّت أن لا يغلو في حسن الظن بنفسه في مظنة هواه، فلعل بعض ما ترى أن العقل
стр. 218
ينبذه لو عرضته على معتدل المزاج، عارف بأحوال الناس، لما وافقك على رأيك، فأما مخالفك فأبعد وأبعد.
وأنت أيها الأستاذ تكرر قولك: «إنا ننظر إلى فلان بغير العين التي تنظرون إليه». هذا أو معناه. وهو حقّ لا ريب فيه. فمخالفك إذا رآك تسامحت لا يعذرك، كما أنه إذا وقع منه مثل ذلك لا تعذره، فأما إذا بلغ الأمر المغالطة فالأمر واضح.
قال: «ومجرد التوافق في الاسم لا يبرِّر نسبة الخبر التالف إلى الثقات، لأجل تصحيح الأخبار الكاذبة».
أقول: لا ريب أن التوافق في الاسم لا يجوِّز تعيين أحدهما بغير حجة، وأبعد من ذلك وأَبْطَل تعيين أحدهما والدلائل العلمية والقرائن المستند إليها في مثل تلك المباحث تقضي بأنه غيره.
أما قولك: «لأجل تصحيح الأخبار الكاذبة» فهذه تهمة ترميني بها، والله أعلم بحقيقة الحال.
وأما أنت أيها الأستاذ فشدّة حرصك على إسقاط تلك الروايات مما تعترف به، ولا ألومك في ذلك، ولكن لكلِّ شيء حد!
قال (ص ١٧): «وإني أرى الأصل في أنباء أبي حنيفة هو الفضل والنبل ... بخلاف الأستاذ اليماني، فإنه يرى الأصل هو الشر، فيحاول إثبات كلّ شر .... ».
أقول: أما الفضل والنبل فمما أعتقده إلى الحدِّ الذي يعتقده مَنْ لا هوى له في التعظيم بغير حق، ويزعم ــ والله رقيبه وحسيبه ــ[ص ١٢] أنه لا هوى له في الغضّ، وإنما يستقي معلوماته من المصادر التي يرى صحتها، ويثق
стр. 219
بصحّة دلالتها. فقولك: «إني أرى الأصل هو الشر، فأحاول إثبات كل شر» لا أوافقك عليه.
على أنك إنما رأيت من كلامي «الطليعة»، وهي في متناول أهل العلم، فلينظروا فيها، وليوازنوا بين حالي وحال غيري، والله المستعان.
قال (ص ١٧): «والمسيء حقًّا إلى نفسه وإلى الأئمة هو الناقد المنتهج منهج تركيز المثالب على أكتاف أبي حنيفة، بتصحيح الكلمات النابية على ألسنة أئمة كبار، بمحاولة توثيق رواتها ... ».
أقول: أما أنا فقد قدمت أني لم ألتفت إلى وزن الروايات بعقلي ولا هواي، وإنما كان همي مناقشة الأستاذ في طعنه في أئمة السنة.
على أني أزعم أني لو وقفت على كلمة أرى أنها تضرُّ قائلها، كالشافعي ــ إمام مذهبي ــ، أو الحميدي، أو غيرهما، فإنه لا يجرمني ذلك على أن أحيف في النظر في رجال السند، وأتخبَّط في الكلام فيهم، بل أقول ما يقتضيه النظر، فإن ظهر لي أنهم ثقات، قلت: إنهم ثقات، ثم إن احتجت إلى أن أنظر في حال قائل تلك الكلمة، حَرَصت على توخي العدل، إن شاء الله تعالى.
ولست أدَّعي براءتي من الهوى، ولا تمكّني من التغلُّب عليه كما يجب، ولكن الناس متفاوتون في اتباع الهوى، فعلى المنصف أن يتدبر «الطليعة»، ثم ينظر نسبة حظي من اتباع الهوى إلى حظ غيري.
[ص ١٣] ثم قال الأستاذ (ص ١٧ - ١٨): «ثم إن محاولة الاختفاء وراء الرجال في معامع الجدل ليست من شأن الأبطال ... ثم إن كل واحد من الأمة فيه ما يؤخذ أو يرد، فمحكّ القول هو الحجاج في كلِّ موقف، ومنزلة كلِّ عالم إنما تتبين بقرع
стр. 220
الحجة بالحجة ... ».
والذي فهمته من هذا الكلام: أن التمسك في الغضِّ من أبي حنيفة بالمقالات المروية، وبتوثيق رواتها، عجزٌ من صاحبه، وطريق معرفة منزلته إنما هو قرع الحجة بالحجة.
فأقول: قد علمت أنه لا شأن لي في الغضِّ من أبي حنيفة، وإنما اضطرني إلى مناقشة «التأنيب» ما فيه من الغضِّ من أئمة السنة بما لا أرى له مسوِّغًا. هذا هو مقصودي، ولو كان لي هوًى في الغضِّ من أبي حنيفة لكان لي شأن آخر. لكن الأستاذ يحرص ــ كما يتراءى لي ــ في أن يضطرني إلى سلوك تلك الطريق، لمغزًى يرمي إليه!
ولا يدري لعله لولا أن ديني يحجزني عن ذلك للبّيْتُ طلبه، ثم لعله لا يحمد مغبَّة ذلك.
ومَن ظنّ ممن يلاقي الحروبَ ... بأنْ لا يُصابَ فقد ظنّ عجزا (١)
فأما الدنيا فالأستاذ يعلم أن لكلِّ بضاعة سوقًا!
ذكر قال (ص ١٨ - ١٩): « ... يحتم على الناقد ... أن يدرس ملابسات فتنة القول بخلق القرآن، وما ترتَّب عليها ... ».
وحاصل هذه العبارة ــ فيما أفهم ــ أن الخلاف الاعتقادي بين أتباع أبي حنيفة وأهل الحديث أدَّى إلى كلام بعضهم في أبي حنيفة، واختلاق بعضهم الروايات عن السابقين، ثم غلوّ بعض المشاهير من أهل الحديث في المقالات التي يسميها الأستاذ «التجسيم»، وحشد الروايات فيها.
стр. 221
وأقول: فتنة القول بخلق القرآن المشؤومة لم يقتصر أثرها على أحد الجانبين، بل عملت عملها هنا وهنا، ولعل عملها في جانب الأستاذ أشد.
ولا أحبّ أن أخوض في ذلك هنا، فأما المعتقد فقد أودعتُ قسم الاعتقاد من «التنكيل» ما فيه كفاية لاستقاء الحقِّ من معدنه، والله ولي التوفيق.
ثم ذكر كلامًا، قد تقدم حاصله، فلا أعيده.
ثم قال: «ومن المضحك تظاهره (يعنيني) بأنه لا يعادي النعمان، مع سعيه سَعْي المستميت في توثيق رواة الجروح، [ص ١٤] ولو بالتحاكم إلى الخطيب نفسه المتهم فيما عمله».
أقول: يأبى الأستاذ إلا أن يستغلَّ محبّة الناس لأبي حنيفة، وتوقيرهم له، في قطع ألسنة الصِّدق عن الدفاع عن أئمة السنة، كأنه لا يبالي أن يسقطوا، أو تسقط بسقوطهم السنة النبوية، وتسقط علوم الرواية، حتى الفقه نفسه.
أما أنا فقد قدمتُ أن غاية مقصودي تبرئة أئمة السنة عما نسبه إليهم الأستاذ وهم في نظري براء منه، وأحوجني ذلك ــ كما قدمت ــ إلى تتبع عثرات الأستاذ؛ ليُعْلَم مقدار تحرِّيه وتثبُّته.
فأما الاستماتة، فإن كانت في حشد الأدلة لإحقاق الحق، فلا حرج فيها، والمذموم هو الاستماتة الموقعة في التهوّر والمغالطة.
والخطيب ــ في نظري ونظر أئمة الحديث في عصره وما بعده ــ غير متهم بتعمّد الكذب، أو تعمّد حكم بباطل. وهواه له حدّ لا يقتضي اتهامه بما
стр. 222
ذكر، وقد بسطت ترجمته في «التنكيل» (١).
قال الأستاذ: «مع أنه لو ثبتت ثقة حَمَلتها ثبت مقتضاها».
أقول: هذا ينافي ما ادعاه الأستاذ مرة بعد مرة، من معارضة تلك الروايات للمعقول والمتواتر، أو على الأقل لما هو أقوى منها؛ فإن الرواية إذا كانت مخالفة لما هو أقوى منها رُدَّت، ولم يلزم من ذلك جرح رواتها، إذا كان قد عُرِف أنهم ثقات، بل تُحْمَل على سهو أو خطأ، أو رواية بالمعنى، أو حمل على معنى غير ظاهر، أو غير ذلك مما هو معروف.
لكني كما لم أُعْنَ بالغض لم أُعْنَ بالذبّ.
قال الأستاذ (ص ١٩ - ٢٠): «وحذفه للمتون لأجل إخفاء مبلغ شناعتها عن نظر القارئ، فلو ذكرها كلها مع كلام الكوثري في موضوع المسألة لنبذ السامع نقد هذا الناقد في أول نظرة».
[ص ١٥] أقول:
إذا محاسنيَ اللّاتي أُدِلّ بها ... عُدّت ذنوبًا فقلْ لي كيفَ أعتذرُ (٢)
كأنّ الأستاذ يظنُّ الناسَ كلّهم حنفيةً متحمِّسين، ولا يدري أن في الناس كثيرون (٣) ليسوا بحنفية، وكثيرون منهم حنفية غير ناضجين، وفيهم وفيهم.
وقد سمعت من أهل العلم والرزانة من يقول: إن الأستاذ أساء إلى أبي حنيفة وأصحابه بنقله نصوص تلك الروايات في «التأنيب»، فإن تلك
стр. 223
الروايات كان معظمها مدفونًا في «تاريخ بغداد»، حتى بعد أن طبع «تاريخ بغداد»؛ فإنه كتاب كبير لا يتيسر تحصيله إلا لأفراد قليلين.
لكن الأستاذ أثبت تلك الكلمات في كتاب صغير، وسعى في تكثير نسخه، وزيادة انتشاره، فوصل إلى أيدي أناس كثير، فإن كان منهم الموافق الذي لا يتأثر بذلك، فمنهم غيره ممن ذكرت سابقًا، وكثير منهم لا يقنعهم ردّ الأستاذ، وهب (١) أنهم لا يميلون إلى بطلانه، لكنهم متوقفون، وتفعل تلك الكلمات في أنفسهم فعلها.
وبعد، فلو أني ذكرت تلك المقالات لكان للأستاذ أن يتهمني بأنني ذكرتها تشفيًا وتشنيعًا، ولا ريب أن قوله هذا يكون أولى بالقبول.
فأما ذكرها مع كلام الأستاذ فيها، فقد أوضحتُ أن ذلك ليس من مقصودي، على أنه ليس من الضروري أن أوافق الأستاذ في كلِّ كلام تكلم به في تلك المقالات، فذكري لها يستدعي أن أناقش الأستاذ فيما لا أوافقه عليه. وهذا أبعد عن مقصودي وأبعد.
ثم قال (ص ٢٠): «وهو يسعى في تحميل الروايات الكاذبة على أكتاف ثقات يضعهم في الأسانيد بدل الضعفاء، وأنا أسعى في رد البضاعة الزائفة إلى أصحابها المتهمين ... ».
[ص ١٦] أقول: قد قدّمتُ أنه لا شأن لي بمتون الروايات أكاذبة زائفة، أم على خلاف ذلك، وإنما اعتنيت بإثبات تطرُّف الأستاذ. وعلى فَرْض أن تلك الروايات ــ أو بعضها ــ كاذبة زائفة، فإنما الحق تركها لصاحبها الذي هي له في نفس الأمر، وإن ضرته أو ضرت غيره.
стр. 224
فأما جعلها لغيره، انتصارًا للهوى، فعدوان لا ريب فيه، سواء أكان الهوى حقًّا أم باطلًا.
هذا رأيي، فإن كان الأستاذ يستحلُّ مثل هذا العدوان، اتباعًا للمثل العصري: «الغاية تبرر الواسطة»، فله رأيه!
وأقول ما قال الأستاذ في خاتمة هذا الفصل: «هذا طريق، وذاك طريق، والله المستعان».
ثم ذكر الأستاذ (ص ٢١ - ٢٣) الفصل الثاني في تتبُّع اعتراضاتي.
قال: «فمن ذلك رميه إياي في مفتتحي القسمين من طليعته بالطعن في الأئمة، من غير ذكر أي دليل».
[ص ١٧] وفي (ص ٣٦، ١٤٣) من «التأنيب» شيء عن أحمد، وكفى بالطعن في اعتقاد أخصّ الناس به، كابنه عبد الله، وخواصّ أصحابه، مع محاولة استيعابهم= محاولة للطعن فيه.
وفي الكلام في محنة خلق القرآن من الرمز والهمز ما لا يسع المناقش أن لا يعتدّ به.
وفي (ص ١١٦، و ١٠٠، و ١٠٥) من «التأنيب» بعض ما يتعلق بمَالِك، وكلامُه في الشافعيّ لا يقلُّ عن ذلك، بل لعله أكثر، وحسبك بطعنه في نَسَبِه. وقد شرحتُ ذلك في ترجمة الشافعي من «التنكيل» (١)، ورأيت أن أفردها عن «التنكيل» لطولها (٢).
стр. 225
وكأنَّ الأستاذ يتجاهل هنا أن الإسراف في رفع إحدى الكفتين إبلاغ في حط الأخرى. والإسراف في رفع أحد العِدْلين إسقاط للآخر، قد يؤدّي إلى إسقاطهما معًا. أولا يسمح لي الأستاذ ــ وأنا شافعي ــ بأن أعتقد رُجحان الشافعي على ما قرره الفقهاء؟ !
وإن صحّ ما تظنَّاه أنني من اللامذهبية الحدثاء، يعني الذين يقولون: لا تقلد أحدًا، أو الذين ينتسبون إلى مذهب، ولكن إذا بان لهم رُجحانُ دليلِ غيره اختاروه؛ فالغالب في هؤلاء اتباع النصوص. وتفاوت الأئمة فيما يتعلق بالرواية، ومعرفة النصوص ــ على ما هو الظاهر المشهور ــ معروف.
ومن المعلوم أن الفريقين لا يوافقون الأستاذ على استنباطاته، بل يعدون بعضها مكابرة.
هذا، وقد ضاق الأستاذ ذرعًا بتقديم (١) ابن عبد البر في «الانتقاء» مالكًا، فالشافعي، على أبي حنيفة في الذِّكْر، فذهب يتمحَّل لذلك وجهًا في تعليقه عليه، غير مبالٍ بمخالفته للظاهر الذي يدلّ عليه حال ابن عبد البر وقاله.
وقد غضب الأستاذ على إمام الحرمين تلك الغضبة، لسعيه في ترجيح مذهب الشافعي.
[ص ١٨] وإن كلفني الأستاذ أن أكتفي بإظهاره الثناء على الأئمة في بعض المواضع، على ما فيه من دخائل، وأغضُّ النظر عمّا وراء ذلك= فهلّا حَجَزه
стр. 226
ما يراه في «الطليعة» (ص ٤) (١): «فرأيت الكوثري تعدّى ما يوافقه عليه أهل العلم من توقير أبي حنيفة، وحسن الذبِّ عنه، إلى ما لا يرضاه عالم متثبِّت»؟ !
هلَّا حَجَزه هذا عن رميي بمعاداة أبي حنيفة، وأنني إنما بينت ما وقع في «التأنيب» من تبديل الثقة بالضعيف، ونحو ذلك؛ لتثبيت تلك المتون؟ ! مع أنه لو لم يكن لي مغزى في ذلك إلا بيان الواقع لكفاني عذرًا، كيف ولي مغزى آخر كما تقدم؟ !
ثم قال (ص ٢٤): «وكذلك ليس من معتقد أهل الحق رفع الصحابة ﵃ إلى مستوى العصمة».
أقول: ولا أنا ادعيتُ ذلك.
ولم يقتصر الأستاذ في كلامه في أنس على أن يقول: «ليس بمعصوم»، بل قال ما تراه في «الطليعة» (ص ٩٩) (٢).
стр. 227
الباب الثاني
في النظر في أجوبته عن اعتراضاتي في «الطليعة»
جواباته عن الفرع الأول، وتحته اثنا عشر مثالًا
وموضوع هذا الفرع: تبديل الأستاذ في الأسانيد التي يجب الطعن فيها الراوي الثقة بسَمِيٍّ له متكلَّم فيه.
* المثال: (١ و ٢). راجع «الطليعة» (ص ١١ - ٢٠) (١).
حاول الأستاذ (ص ٢٤ - ٣٠) الجواب عما في «الطليعة» (١٢ - ٢٠)، ودعاه إلى التطويل أنها أول صدمة! ولا بأس بأن أسايره، ليتبين مقدار فوزه أو خيبته!
أصل السند في «تاريخ الخطيب» (٢) هكذا: «أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان، حدثنا صالح بن أحمد التميمي الحافظ، حدثنا القاسم بن أبي صالح، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا إبراهيم بن بشار، قال: سمعت سفيان بن عيينة».
فقال الأستاذ في «التأنيب» (ص ٩٧): «في سنده صالح بن أحمد التميمي، وهو ابن أبي مقاتل القيراطي، هروي الأصل، ذكر الخطيب عن ابن حبان: أنه كان يسرق الحديث ...
والقاسم بن أبي صالح الحذَّاء: ذهبت كتبه بعد الفتنة، فكان يقرأ من كتب
стр. 228
الناس، وكُفّ بصره. قاله العراقي. ونقله ابن حجر في «لسان الميزان» (١).
ومحمد بن أيوب بن هشام الرازي: كذَّبه أبو حاتم ... ».
[ص ١٩] وفي «الطليعة» (ص ١٣): «أما صالح المذكور في السند فهو صالح بن أحمد، وهو موصوف في السند نفسه بأنه:
١ - تميمي.
٢ - وحافظ.
٣ - ويظهر أنه هَمَذاني؛ لأن شيخه والراوي عنه هَمَذانيان.
٤ - ويروي عن القاسم بن أبي صالح.
٥ - ويروي عنه محمد بن عيسى بن عبد العزيز.
٦ - وينبغي بمقتضى العادة أن يكون توفي بعد القاسم بمدة.
٧ - وينبغي بمقتضى العادة أن [لا] (٢) يكون بين وفاته، ووفاة الراوي عنه مدة طويلة مما يندر مثله.
وهذه الأوجه كلها منتفية في حق القيراطي، فلم يوصف بأنه تميمي، ولا بأنه حافظ، وإن قيل: كان يُذكر بالحفظ، فإن هذا لا يستلزم أن يطلق عليه لقب «الحافظ»، ولم يذكر أنه همذاني، بل ذكروا أنه هروي الأصل سكن بغداد، ولم تُذكر له رواية عن القاسم، ولا لمحمد بن عبد العزيز رواية عنه. وكانت وفاته سنة (٣١٦)، أي: قبل وفاة القاسم باثنتين وعشرين سنة، وقبل وفاة محمد بن عيسى بن عبد العزيز بأزيد من مائة سنة».
стр. 229
ولم أكن وقفت على وفاة محمد بن عيسى، وإنما بنيت ما تقدم على ما صرحوا به من أن الخطيب أدركه بهمذان، وتاريخ رحلة الخطيب معروف، ثم بعد الإرسال للطبع وقفت على الترجمة في «تاريخ بغداد» نفسه (ج ٢/ ص ٤٠٦)، وفيها أنه قتل سنة (٤٣٠).
ووقع هناك «محمد بن عيسى بن العزيز»، وقد أشار إليه الأستاذ (ص ٢٩) من «الترحيب»، ولكن يظهر أنه عرف أني لم أكن وقفت على الترجمة، فضنَّ عليّ بالتصريح! بل قال: «على أن زيادة «عبد» على جد محمد بن عيسى، المدوَّن في «تاريخ الخطيب» باسم «العزيز»، ليكون: ابن عبد العزيز، المتأخر الوفاة، ربما تكون مما لا يقتنع به سوى الأستاذ الناقد الذي لا يرى بأسًا في جعل «الصواف» هو «السواق»».
وهذه العبارة موجَّهة، يمكن حمل قوله: «المدون في تاريخ الخطيب» على ما وقع في السند، فقد يكون الأستاذ قصد هذا الإيهام، لكي أردَّ عليه بأن الذي في السند «محمد بن عيسى بن عبد العزيز»، وأنه نفسه أثبته كذلك في «التأنيب»، وفي «الترحيب»، فحينئذٍ يتضاحك الأستاذ قائلًا: «هذا اليماني يتغالط، ليرميني بدائه، [ص ٢٠] فقيسوا سائر كلامه على هذا»!
وفي الترجمة في «التاريخ»: «سمع ... ، وصالح بن أحمد الهمذاني الحافظ، ... وكتبت أنا عنه بهمذان».
والأستاذ يرى .... (١) أنه هو الذي في السند، سقط من نسخة «التاريخ» لفظ «عبد»، ولذلك اقتصر في التوقف عن ذلك على قوله: «ربما».
стр. 230
أقول: فعلى هذا، يبدل مكان قولي في آخر العبارة السابقة المنقولة عن «الطليعة»: «بأزيد من مائة سنة»، بلفظ «بمائة وأربع عشرة سنة».
فأنا إنما احتججت بسبعة أوجه، كما أثبته مع الأرقام، ومعلوم أنه إذا كان منها ما لا يكفي بمفرده لإثبات الدعوى، ولكن المجموع كافٍ، لم ينبغِ لعالم المناقشة بأن منها ما لا يكفي وحده.
على أنّ مَن تتبع صنيع أهل العلم في التمييز بين المتفقين وجدهم كثيرًا ما يفزعون إلى قرينة إنما تفيد الرجحان. راجع «فتح المغيث» (ص ٤٤٩ - ٤٥٠) (١).
ومما قاله هناك: «ويزول الإشكال عند أهل المعرفة بالنظر في الروايات ... أو باختصاص الراوي بأحدهما، إما بأن لم يرو إلا عنه فقط ... أو بأن يكون من المكثرين عنه، الملازمين له، دون الآخر ... أو بكونه ــ كما أُشير إليه في معرفة أوطان الرواة ــ بَلَديّ شيخه، أو الراوي عنه إن لم يُعْرَف بالرحلة، فإن بذلك وبالذي قبله يغلب على الظن تبيين المهمل. ومتى لم يتبين ذلك بواحد منها ... فيرجع فيه إلى القرائن والظن الغالب».
ومعلوم أن المعروفين بصحبة جابر بن عبد الله الصحابي، إذا قال أحدهم ــ وإن كان مدلسًا ــ: «سمعت جابرًا يقول: قال النبي ﵌ ... » = لا يتردَّد أهل العلم ــ قديمًا وحديثًا ــ في حمله على جابر بن عبد الله الصحابي، وإن عرفوا أنه كان في عصر الراوي أو بلده كثيرون اسم كل منهم «جابر».
وهكذا الحال في «أنس» وغيره، وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى.
стр. 231
والأستاذ نفسه يجري على ذلك حيث لا يخالفه هواه.
ونظير ذلك صنيع أهل العلم في الترجيح بين النصوص المتعارضة، فإنهم يكتفون بأدنى مرجِّح.
[ص ٢١] ثم بينتُ بعد ذلك أن تلك الأوجه السبعة إنما تنطبق على الحافظ صالح بن أحمد بن محمد أبي الفضل التميمي الهمذاني، روى عن جماعة، منهم: القاسم بن أبي صالح، وروى عنه جماعة، منهم: محمد بن عيسى، وكانت وفاته سنة (٣٨٤)، ووقع في «الطليعة» (ص ١٥): «وإذ كانت وفاة هذا الحافظ سنة (٣٨٤)، فهي متأخرة عن وفاة القاسم بستة (كذا) وأربعين سنة، ومتقدمة على وفاة محمد بن عيسى بنيف وثلاثين سنة».
أما إذا تبين أن وفاة محمد بن عيسى كانت سنة (٤٣٠) ــ على ما مر ــ فينبغي أن تُجْعَل هذه العبارة هكذا: « .... فهي متأخرة عن وفاة القاسم بست وأربعين سنة، ومتقدّمة على وفاة محمد بن عيسى بست وأربعين سنة ... ».
ثم قلت: «ومثل هذا يكثر في العادة ... ».
فاعترض الأستاذ في «الترحيب» أولًا جزمي بأن المذكور في السند هو صالح بن أحمد بن محمد أبو الفضل التميمي الهمذاني الحافظ الثقة المأمون، لا صالح بن أحمد بن أبي مقاتل الهروي المطعون.
قال الأستاذ (ص ٢٥): «فيقول [اليماني] في شخص اكتنفه راويان من أعلى وأسفل همذانيان: ينبغي أن يكون ذلك الشخص همذانيًّا أيضًا. وينبغي أيضًا أن لا يحدِّث هرويٌّ في همذان، ولا همذاني في هراة».
أقول: هذا حله في الوجه الثالث من السبعة، وحاصل ذاك الوجه: أنا إذا
стр. 232
وجدنا رواية لمحمد بن عيسى الهمذاني عن صالح بن أحمد عن القاسم بن أبي صالح الهمذاني، ثم وجدنا في الرواة «صالح بن أحمد» رجلين، أحدهما همذاني دون الآخر، فالأقرب أن يكون الهمذاني هو الواقع في السند.
وأنت خبير أن كون هذا أقرب لا يدفع أن يكون خلافه محتملًا احتمالًا قريبًا، وهو الذي أبداه الأستاذ.
فالنتيجة أن احتمال «صالح بن أحمد» في المثال المذكور لأن يكون هو غير الهمذاني قريب، واحتمال أن يكون هو الهمذاني أقرب.
فبقيت دعواي سالمة.
قال: «وينبغي ــ أيضًا ــ أن لا ينسب من هو تميمي نسبًا إلى هراة بلدًا».
أقول: يريد بهذا الخدش في الوجه الأول، وأنت خبير أن حاصل الوجه الأول أنَّا إذا وجدنا [ص ٢٢] لمحمد بن عيسى رواية عن صالح بن أحمد التميمي عن القاسم بن أبي صالح، ثم وجدنا رجلين: نُسِب أحدهما في ترجمته في الكتب بأنه تميمي، ولم يُنْسَب الآخر في ترجمته، على تعدد مواضعها هذه النسبة= فإنه يكون الأقرب أن الواقع في السند هو المصرَّح في ترجمته بأنه تميمي.
واعتراض الأستاذ هاهنا أبعد من الذي قبله، كما لا يخفى على المتدبِّر. وإنما يكون في هذا احتمالٌ قريبٌ، واحتمالٌ بعيدٌ، لا قريب وأقرب.
قال الأستاذ: «وينبغي ــ أيضًا ــ أن لا يدعى حافظًا من يذكر بالحفظ».
أقول: يريد بهذا الخدش في الوجه الثاني.
стр. 233
وحاصله: أننا إذا وجدنا رواية لمحمد بن عبد العزيز عن صالح بن أحمد الحافظ عن القاسم بن أبي صالح، ففتشنا، فوجدنا رجلين يقال لكل منهما: صالح بن أحمد، أحدهما منعوت في ترجمته حيث وقعت بـ «الحافظ»، ولا يُكاد يُذكر في غيرها إلا مع هذا النعت، وهو مذكور في طبقات الحفاظ. والآخر لم يُطْلَق عليه هذا اللقب، لا في ترجمته حيث وقعت، ولا حيث يذكر، وإنما في ترجمته أن بعض أهل العلم ذكره وقال: «كان يُذْكَر بالحفظ».
والحال في هذا الوجه كالحال في وجه «الهمذاني»، إن لم يكن كوجه «التميمي».
قال الأستاذ: «فيبني [اليماني] على هذه الانبغاءات البتّ في الرجل الثقة الذي يحاول إحلاله محل الضعيف».
أقول: قد علمت أنني لو بنيتُ الحكمَ على واحدٍ من هذه الثلاثة، بناء على أنه الأرجح، لكان لذلك وجه، لكني لم أبنِ على واحدٍ منها، ولا على تلك الثلاثة، بل على مجموع سبعة، هذه الثلاثة أضعفها! فشاغب الأستاذ في تلك الثلاثة، ثم ذكر أنه لا فائدة للمشاغبة في رجل أو رجلين! !
ثم ذكرت في «الطليعة» (١) أن الأستاذ زعم أن «محمد بن أيوب»، الواقع في السند، هو محمد بن أيوب بن هشام ــ الضعيف ــ. والنظرُ يقتضي أنه محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس الحافظ الثقة. وذلك لوجهين:
الأول: أن المشهور في ذلك العصر، والمتبادر عند الإطلاق، إذا أطلق
стр. 234
«محمد بن أيوب» هو ابن الضريس الحافظ.
الثاني: أن الواقع في السند يروي عن إبراهيم بن بَشّار الرمادي، وأن المِزِّي ذكر في ترجمة إبراهيم في الرواة عنه: محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس.
وعضدتُ ذلك بقولي: «وقد احتج الكوثري (ص ١١٤) في معارضة ما رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن أبي سريج بما رواه الخطيب عن البرقاني عن أبي العباس بن حمدان عن محمد بن أيوب عن ابن أبي سريج، وذلك بناءً من الكوثري على أن شيخ ابن حمدان هو محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس؛ لشهرته، هذا مع أنه لا يُعْرَف لابن الضريس رواية عن ابن أبي سريج».
ثم ذكرتُ ما ظهر لي من القرائن التي تدلُّ أن التبديل كان عمدًا. ثم ذكرتُ أنه لم يكن للأستاذ فائدة في كلامه في هذا السند؛ فإن تلك المقالة نفسها ثابتة عن إبراهيم بن بشار من غير هذه الطريق. ذكرها ابنُ عبد البر في «الانتقاء» (ص ١٤٨) (١) عن «تاريخ ابن أبي خيثمة» قال: حدثنا إبراهيم بن بشار ...
و«الانتقاء» تحت نظر الكوثري كل وقت ...
قال الأستاذ (ص ٢٥) من «الترحيب»: «ولم يدر [اليماني] المسكين أن ذلك الخبر في السقوط بحيث لا يمكن أن يقوم على قدم، فضلًا عن قدمين ... لاستحالة المتن، ووجود ما يسقط الخبر سوى هذا الرجل» يعني: صالح بن أحمد.
стр. 235
[ص ٢٤] (١) وقال (ص ٢٧): «ومحمد بن أيوب: أعدُّه ابن هشام الرازي ــ المضعَّف ــ، وهو يجعله ابن الضريس ــ الموثَّق ــ، فماذا يفيد ذلك؟ ».
وقال (ص ٢٥): «فما الفائدة المرجوَّة من المشاغبة في رجل أو رجلين في السند، بعد استحالة المتن في العادة، ووجود إبراهيم بن بشار الرمادي ... ».
[ص ٢٥] أقول: أما أنا فقد بينتُ مقصودي في الباب الأول (٢)، والذي ينبغي أن يُسأل هو الأستاذ، فيقال له: فما الذي دعاك إلى تلك المغالطة، ثم إلى هذه المكابرة؟ !
[ص ٢٦] ثم ذكر في (ص ٢٦) أنه قد سبقه إلى القول بأن صالحَ بن أحمد في السند [هو المضعّف] (٣) الملكُ المعظّم، واللجنة الأزهرية القائمة بالتعليق على «تاريخ الخطيب».
قال: «ولا أدري كيف فات الأستاذ الناقد كل هذا؟ ».
أقول: لم أقف إلى الآن على رد الملك عيسى، ولا على الطبعة الثانية للمجلد الثالث عشر من «تاريخ بغداد»، وإنما تيسر لي الوقوف على الطبعة الأولى.
ثم أقول: أما الملك عيسى، فقد شرحتُ بعض حاله في ترجمة الشافعي (٤)، وقد عهدتُ من الأستاذ لا يقلده، بل خالفه في بعض المواضع.
قال (ص ٥٦) من «التأنيب» في ذِكْر مسدَّد بن قطن: «وأبو مسدد قطن بن
стр. 236
إبراهيم ... ، وليس المراد: قطن بن نسير كما ظن ذلك الملك المعظم، وما وقع في كتاب الملك المعظم ــ المطبوع ــ من ذكر «بشير» بدل «نسير» تصحيف، وكذلك ما وقع في تعليق الطبعة الثانية من ذكر «بشر» بدل «نسير» تصحيف آخر، ومتابعة للواهم في «قطن»، ولا شأن لابن نسير هنا، وإنما المراد هو أبو مسدد قطن بن إبراهيم، لما ذكرنا، ولم يكن لقطن بن نسير ابن يُسمَّى مسدّدًا».
وفي هذا بيانٌ لقيمة كلام الملك عيسى في زعمه أن صالحًا هو ابن أبي مقاتل، ولقيمة متابعة اللجنة الأزهرية ــ إن كانت تابعت الملك عيسى، ولم تقلد الأستاذ ــ، وبيان لأن الأستاذ لا يقلد عيسى ولا اللجنة.
وفي «الطليعة» قرائن استدللت بها على معرفة الأستاذ بالواقع وتغافله عنه، والعلم عند الله .
ثم أعاد الأستاذ (ص ٢٨) ذِكْر سَبْق الملك عيسى واللجنة الأزهرية إلى ما ذكر، ثم قال: «ومع هذا .. لا مانع لدي من قبول تحقيق الأستاذ اليماني في عدِّ صالح بن أحمد في السند هو الموثَّق، مقدّرًا بحثه، شاكرًا فضله، ومعترفًا بأني كنت وهمت».
أقول: لا جَرَم لو بدأ الأستاذ بهذا ونحوه، ثم عَدَل في قوله، وجرى على هذا المنهاج؛ لاتهمت نفسي فيما زعمت من أنه فعل ما فعل عن عمد، ولتلقيت صنيعه بغاية الشكر والتقدير، والتبجيل والتوقير، لا لأن في ذلك إظهار مزية لي، فإن قدري عند نفسي حقير، ولكن لشرف الرجوع إلى الحق إذا تبين، وفضيلة الاعتراف بسبق الوقوع فيما لا يُسْتَحسن، ثم لبعثني ذلك على تغيير كثير من عبارات [ص ٢٧] «التنكيل».
لكن جاء هذا الاعتراف مدفونًا فيما لا يناسبه، فقد قال الأستاذ عقب
стр. 237
ذلك: «لكن قبولي لتحقيقه هكذا لا يوصله إلى نتيجة يتوخَّاها من إثبات أن أبا حنيفة جريء في دين الله».
أقول: قد علمتَ أن المتن لم يكن يهمني، وأنه إذا ثبت كان له محامل سائغة.
ثم حاول الأستاذ الرجوع فيما وهب! فقال: «على أن صالح بن أحمد المضعَّف عند الملك المعظَّم واللجنة العلمية الأزهرية، وصالح بن أحمد الموثَّق عند الأستاذ الناقد، كلاهما من طبقة واحدة، على تأخُّر وفاة أحدهما، وبعد ثبوت المعاصرة بينهما لا يقبل في الطبقات المتأخرة ادعاء أن هذا أخذ عن فلان، وعنه فلان، بخلاف ذاك، إلا من جِهْبِذ خِرِّيت، وأين هو؟ ».
أقول: يأبى الأستاذ إلا أن يعيدها جَذَعة!
فأقول: بين وفاتي الرجلين ثماني وستون سنة، فإن ساغ للأستاذ مع ذلك أن يعدَّهما من طبقة واحدة، فبين وفاة الراوي عن صالح بن أحمد ووفاة القيراطي مائة وأربع عشرة سنة!
وقد عَلِم الأستاذ ــ وعَلِم كلُّ عارفٍ بعلوم الرواية ــ أن الجِهْبِذ الخِرِّيت ــ إن كان هناك من الأئمة من يعترف له الأستاذ بهذا اللقب! ــ كان يجزم بنحو ما جزمت به لدليل دون مجموع تلك الأوجه السبعة بكثير.
ثم ذكر (ص ٢٩) أنه لا يبعد سقوط اسم بين اسمي الراويين.
يعني أن يكون الأصل: محمد بن عبد العزيز البزاز بهمذان ... حدثنا صالح بن أحمد التميمي الحافظ. فيكون بين محمد وصالح رجل سقط، ويكون صالح هو القيراطي.
стр. 238
وذهب الأستاذ يُقَرِّب احتمال ذلك!
[ص ٢٨] وأقول: ذكَّرني هذا كلمة لأبي حنيفة في شأن المناظرة (١)، والأستاذ يعلم أن هذا الاحتمال الذي أبداه يحتاج مُدَّعيه إلى حجة، ولا حجة هنا، ولا شبهة، بل الأدلة متوفّرة على نفي ذلك، كما سبق.
ثم ذكر (ص ٢٦ - ٢٧) حال القاسم بن أبي صالح.
وفي كلامي في «الطليعة» (ص ١٦ - ١٧) (٢) ما يُعْلَم به وهن كلام الأستاذ هنا وسقوطه، فلا حاجة لإعادته.
ثم قال (ص ٢٩):
* المثال ٣ . «الطليعة» (ص ٢٠ - ٢٢) (٣).
قال الأستاذ (ص ٣٠): «فمن أين له أن يزعم أن من روى عنه التاجر لم يرو عنه حور؟».
أقول: جواب هذا في «الطليعة» نفسها.
ثم قال (ص ٣١): «على أن التاجر على فرض أنه هو شيخ يعقوب الفسوي، يكون ممن لا يحتج به في نظر يعقوب، حيث يقول: كتبتُ عن ألف شيخ وكسر، كلهم ثقات، ما أحد منهم أتخذه عند الله حجة إلا أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل في العراق ... فماذا يفيد توثيق من لا يحتج به. وقد حذف الأستاذ [اليماني] عجز كلام الفسوي هذا؛ لئلا يخدش في الاحتجاج به».
стр. 239
أقول: الذي في السند من رواية يعقوب عن أحمد بن الخليل.
فزعم الأستاذ أن أحمد بن الخليل هو الملقَّب «حور»، وهو ضعيف جدًّا. وبينت أنا أنه أحمد بن الخليل الكاتب، وأقمتُ الدليلَ على ذلك.
فمن ذلك: أن رواية يعقوب عن أحمد بن الخليل الكاتب معروفة مذكورة في الكتب، دون «حور». وأكدتُ ذلك بأن يعقوب إنما كتب عن الثقات، فالظاهر أن لا يروي عن «حور» الذي ليس بثقة. [ص ٢٩] وذكرتُ شاهدًا لهذا المعنى الأخير عبارة يعقوب المذكورة، إلى قوله: «كلهم ثقات».
وذلك محصّل لمقصودي على كلِّ حال؛ لأن بقية العبارة، وهو قوله: «ما أحد منهم أتَّخِذه عند الله حجة إلّا أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل في العراق» = لا ينافي مقصودي قطعًا، فإن مقصودي أنه يبعد أن يكون أحمد بن الخليل الواقع في السند هو «حور»؛ لأن «حور» غير ثقة، ويعقوب كتب عن الثقات.
والقطعة التي تَرَكْتُها من عبارة يعقوب لا تنافي هذا، ضرورة أنها لا تعطي أن شيوخ يعقوب سوى الأحمدين ليسوا بثقات.
ودعوى الأستاذ في «الترحيب» أنه يصير المعنى: أن شيوخ يعقوب سوى الأحمدين ثقات لا يحتج بهم= مغالطة جديدة.
أما أولًا: ففي شيوخ يعقوب أمثال حِبَّان بن هلال، وأبي نُعيم الفضل بن دُكَين، وأبي الوليد الطيالسي، ممن هم عند أهل العلم أثبت من أحمد بن صالح، وقد احتجَّ بهم أحمد بن حنبل وأحمد بن صالح ــ معًا ــ،
стр. 240
بل مدار السنة عليهم وعلى مَنْ هو مثلهم أو دونهم. فكيف يُعْقَل أن يزعم يعقوب أنه لا يحتج بهم؟ !
وأما ثانيًا: فالعبارة بظاهرها ــ فضلًا عن حقيقتها ــ لا تعطي هذا المعنى، إذ لا يلزم من كون الراوي ليس بحجة أن لا يكون ثقة؛ لأن كلمة «حجة» أبلغ من كلمة «ثقة»، وقولهم: «فلان ليس بحجة»، وإن كانت معدودةً من صيغ الجرح، فليس مثلها قولهم: «فلان ثقة وليس بحجة».
وقد قال عثمان بن أبي شيبة في أحمد بن عبد الله بن يونس: «ثقة وليس بحجة» (١).
وروي عن أبي داود أنه سُئل عن رجل فوثقه، فقيل له: هو حجة؟ قال: الحجة أحمد بن حنبل (٢). ولا يخفى أن أبا داود يحتج بكثير جدًّا من الرواة غير أحمد بن حنبل.
وأما ثالثًا: فالذي يظهر من فحوى العبارة ــ مع ما قدمته ــ أن يعقوب لم يرد بقوله: «أتخذه عند الله حجة» الاحتجاج بروايته، وإنما أراد بها الاقتداء في العقيدة، والهدي، والسيرة، والفقه، والورع.
هذا، ولو وفق الأستاذ لما لا يبعد عن الصواب ذاك البعد، لقال: عبارة يعقوب إنما تعطي [ص ٣٠] أن العدد الذي ذكره من شيوخه «ألف شيخ وكسر» ثقات، ولا يلزم من ذلك أن يكون شيوخه كلهم ثقات؛ أما أولًا: فلأن العدد لا مفهوم له، فقوله: «كتبت عن ألف شيخ وكسر» لا يلزم منه أنه لم
стр. 241
يكتب عن غيرهم، فلعل العدد المذكور هم الذين يقول يعقوب: إنهم ثقات. ويكون قد كتب عن جماعة من الضعفاء.
ثم يستدل الأستاذ على إثبات هذا بأن يراجع ترجمة يعقوب في الكتب، ويتتبع شيوخه، فيجد فيهم بعض الضعفاء.
ومن هذا احترزت في «الطليعة»، فلم أقل: «شيوخ يعقوب ثقات»، ولا «شيوخ يعقوب كلهم ثقات»، وإنما قلت (ص ٢١) (١): «وقد قال يعقوب بن سفيان ... ». وقلت (ص ٢٢) (٢): «ويعقوب كتب عن الثقات».
وذلك أنني لم أراجع في ذاك الوقت شيوخ يعقوب، بل قلت في نفسي: إن كان فيهم مَنْ هو ضعيف، فإن ذلك لا يدفع مقصودي، إذ غاية الأمر أن يبقى أن في شيوخ يعقوب ضعفاء، وغالب شيوخه ثقات، فيحصل مقصودي بأن الأولى الحمل على الغالب. وهذا كافٍ لما قصدته من تأييد الدلائل الأخرى، فتدبر.
ولم يكن مقصودي هناك إثبات أن أحمد بن الخليل التاجر ثقة في نفسه، ومع ذلك أشرت إليه بقولي (ص ٢١) (٣): «وتوثيق الأئمة له، وفيها». أي في ترجمته من «التهذيب».
* المثال ٤ . في «الطليعة» (ص ٢٢ - ٢٩) (٤).
стр. 242
اعترف الأستاذ (ص ٣٣) على جمجمة لا أناقشه فيها!، فمن أحب فليقابل كلامه بما في «الطليعة».
* [ص ٣١] المثال ٥ . من «الطليعة» (ص ٢٩ - ٣٠) (١).
تعرض الأستاذ لهذا (ص ٣٣)، وثبت على دعواه، فلا بأس بالإيضاح.
فأقول: هناك رواية عن الحسن بن علي الحُلْواني: حدثنا أبو عاصم، عن أبي عوانة.
فزعم الأستاذ أن أبا عاصم هو العبَّاداني الضعيف، لا النبيل الثقة، فدفعت ذلك بأن النبيل «هو المشهور بأبي عاصم في تلك الطبقة، والمراد عند الإطلاق، وعنه يروي الحُلْواني، كما في ترجمة الضحاك من «تهذيب التهذيب» (٢)، وترجمة الحلواني من «تهذيب التهذيب» (٣)».
وهناك رواية ثانية من طريق أبي قِلابة الرقاشي عن أبي عاصم عن سفيان الثوري.
وثالثة عن مسدد عن أبي عاصم عن الثوري.
ذكرهما الأستاذ في «التأنيب»، وقال: «وربما يكون أبو عاصم في السندين هو العباداني»، فدفعتُ ذلك بنحو ما تقدم، وبأن النبيل هو المعروف بالرواية عن الثوري، كما في ترجمة النبيل من «تهذيب التهذيب» (٤)، وترجمة
стр. 243
الثوري من «تهذيب المزي» (١)، وعنه يروي أبو قلابة الرقاشي كما في ترجمته من «تاريخ بغداد» (٢).
فاقتصر الأستاذ ــ فيما يظهر من كلامه ــ على الكلام في الأثر الأول، واعتذر عن قول: «هو المشهور في تلك الطبقة، والمراد عند الإطلاق» بقوله: «عادة أصدقائنا هؤلاء أن يذكروا كنية لضعيف يشاركه فيها ثقة، تمهيدًا لادعاء أنها في سند المثالب لذلك الثقة».
وكأنه يشير بهذا إلى أن الرواة أطلقوا حيث كان ينبغي لهم أن يقيدوا، قصدًا منهم لإيهام أن أبا عاصم هو النبيل. ولم يتعرّض لبقية ما استدللت به، لكن عارضه بأن أبا عاصم «من كبار المناضلين عن مذهب أبي حنيفة بالبصرة، بكل ما أوتي من حول وطول، وقد امتلأت الكتب بما قاله ورواه في مناقب أبي حنيفة ومآثره».
أقول: لا شأن لي بتتبع ما روي عن أبي عاصم في المناقب؛ لئلا يهيج إخواننا ويموجوا قائلين: لم يقتصر اليماني على السعي في تثبيت المثالب [ص ٣٢] حتى أخذ يسعى في تقويض روايات المناقب! بل أقتصر هنا على لَفْت نظر العارف إلى أمرين:
الأول: هل يسوغ اتهام الرواة الثقات بذاك التدليس الشنيع؟
الثاني: هل تثبت رواية الحُلْواني والرقاشي ومسدَّد عن أبي عاصم العبَّاداني، ورواية العباداني عن الثوري، بمجرد استبعاد أن يروي النبيل عن
стр. 244
غيره ما فيه غضّ من أبي حنيفة؟
* المثال ٦ . «الطليعة» (ص ٣٠ - ٣١) (١).
حاصل هذا المثال: أنها جاءت رواية عن «الأبّار: أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: قيل لشريك .... ».
فذكر الأستاذ أن أحمد بن إبراهيم هو النُّكْري، ولفظه لفظ انقطاع، ولم يدرك شريكًا إلا وهو صبي.
فقلت في «الطليعة» (٣٠ - ٣١): «أول مذكور ممن يقال له أحمد بن إبراهيم في «تاريخ بغداد»، و «تهذيب التهذيب»: أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي، وذكر الخطيب سماعه من شريك». هذا هو الصواب، ووقع في المطبوع: «وذكر إسماعه من شريك». ونبه الأستاذ على أنه ليس في «تهذيب التهذيب» ذكر سماعه من شريك. وصدق الأستاذ.
قال الأستاذ في «الترحيب» (ص ٣٣): «وجود النكري في سند الخبر أو عدم وجوده لا يقدم ولا يؤخر»!
أقول: المقصود بيان الواقع. وراجع «الطليعة».
وقلت في «الطليعة» ــ أيضًا ــ: «وأما قوله: «لفظ انقطاع» فيردُّه أن أحمد بن إبراهيم الموصلي ثقة، وقد ثبت سماعه من شريك، ولم يكن مدلسًا ... ، وسيأتي شرح هذه القاعدة، وبعض دقائقها في القسم الأول من «التنكيل»، إن شاء الله تعالى».
стр. 245
فقال الأستاذ: «ليس «قيل» مثل «عن» عندهم».
أقول: هذا من تلك الدقائق التي شرحتها في قسم القواعد من «التنكيل» (١) بأدلتها وشواهدها، فلا أطيل بذلك هنا.
وذكر الأستاذ هنا أن الخطيب لا يحتج به فيما هو متهم فيه. يعني في شأن سماع الموصلي من شريك.
وقد تقدم الكلام على هذا في الفصل ... (٢) من الباب الأول.
وبعد .. فهب أنه لم يثبت السماع، فالنكري الذي اختاره الأستاذ ــ مع تأخر ترجمته في «تاريخ بغداد»، و «التهذيب» ــ لم يُذْكر له سماع من شريك، فلماذا اختاره الأستاذ؟!
* المثال ٧ . «الطليعة» (ص ٣١ - ٣٤) (٣).
ذكر الأستاذ في «الترحيب» (٣٤) ما يتعلق بعبد الله بن محمود، وسيأتي في موضعه في المثال الأول من الفرع السابع (٤)، إن شاء الله.
والمقصود هنا إنما هو شأن «أبي الوزير»، فاعترف الأستاذ بما ذكرتُه،
стр. 246
أنه أبو الوزير محمد بن أعين، لا أبو الوزير عمر بن مطرِّف.
ثم ناقش في توثيق محمد بن أعين.
وكنت قلت في «الطليعة» النقل (١): «إنه كان من ثقات ابن المبارك وخواصه، وأنه وصيه، وأن أحمد بن حنبل روى عنه، وأن ابن حبان ذكره في الثقات».
فقال الأستاذ: «توثيق ابن حبان على طريقته في توثيق المجاهيل ... ، وكون المرء خادمًا أو كاتبًا أو وصيًّا أو معتمدًا عنده في شيء ليس بمعنى توثيقه في الرواية عندهم ... وقول الناقد: أحمد بن حنبل لا يروي إلا عن ثقة رأي مبتكر، وروايته عن مثل عامر بن صالح معروفة».
أقول: أصل المقصود أن أبا الوزير الذي في السَّند ليس بعمر بن مطرف المجهول، بل محمد بن أعين الذي سمعتَ الثناء عليه. فهب أنه لم يثبت بما ذكرتُه أن ابن أعين ثقة في الرواية، فقد ثبت ــ على الأقل ــ ما يقرب من ذلك، وثبت اختصاصه بابن المبارك، وروايته في تلك الحكاية هي عن ابن المبارك. فهذا كافٍ لمقصودي في «الطليعة».
على أن في جواب الأستاذ مناقشة:
أما ابن حبان، فالنظر في توثيقه مستوفًى في ترجمته من «التنكيل» (٢) وبه يُعْلَم أن توثيقه هنا ليس كتوثيقه لبعض أتباع التابعين ــ مثلًا ــ، ممن يظهر أنه لم يعرف حديثه ولا سَبَره.
стр. 247
وأما ثقة ابن المبارك بمحمد بن أعين واختصاصه له، واختياره لوصايته، فأقلّ ما يدلُّ عليه ذلك أنه كان عند ابن المبارك عدلًا غير مغفّل.
وأما أحمد بن حنبل، فمعروف أنه لا يروي إلا عن ثقة عنده. وعامرُ بن صالح الذي روى عنه هو عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة، [ص ٣٤] وهو مختلَف فيه، وثقه أحمد، وضعفه غيره.
وهذا لا ينافي أن أحمد لا يروي إلا عن ثقة، إذ المقصود: «عن ثقة عنده». وهذا هو معنى قولي: «ورواية الإمام أحمد عنه توثيق»، كما لا يخفى.
فغاية ما يخشى أن يخطئ أحمد، فيظنّ من ليس بثقة ثقة، لكن هذا خلاف الغالب. فإذا روى أحمد عن رجلٍ ولم يجرحه غيرُه، حُمِل على الغالب.
وهذا معنى ما في «فتح المغيث» (١٣٤)(١) قبيل الكلام في المجهول، الخلاف فيمن روى عنه ثقة، أيكون ذلك توثيقًا له؟ فقال: «والثالث: التفصيل، فإن عُلِم أنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته عن الراوي تعديلًا، وهذا هو الأصح عند الأصوليين ... ».
ثم قال: «تتمة: مَن كان لا يروي إلا عن ثقة ــ إلا في النادر ــ: الإمامُ أحمد، وبقي بن مخلد ... ».
وقوله: «إلا في النادر» يشير ــ والله أعلم ــ إلى من يخطئ فيه، فيروي عنه يراه ثقة، وهو عند غيره غير ثقة.
стр. 248
فعلم بهذا أن ما قلته ليس بقولٍ مبتكر، كما ادعى الأستاذ!
وقد اعتمد الأستاذ على ابن أعين في رواية أخرى. راجع «الطليعة» (ص ٣٢) (١).
* المثال ٨ . «الطليعة» (ص ٣٤ - ٣٥) (٢).
ذكر الأستاذ في «التأنيب» حكاية عن هبة الله الطبري عن محمد بن أحمد بن سهل عن محمد بن أحمد بن الحسن، فذكر الأستاذ أن محمد بن أحمد بن سهل هو الأصباغي، وأن شيخه هو أبو علي بن الصواف.
فاعترضته في «الطليعة» بأن الأصباغي مُقِلّ، لا يعرف له رواية عن ابن الصواف، ولا للطبري رواية عنه، واقتصر الخطيب في ترجمته على قوله: «سكن دمشق وحدَّث بها عن محمد بن الحسين البستنبان، روى عنه أبو الفتح بن مسرور».
وبينتُ أن شيخ الطبري هو محمد بن أحمد بن فارس بن سهل، نَسَبه هبةُ الله إلى جده، على ما جرت به عادتهم في التفنُّن في أسماء شيوخهم الذين أكثروا عنهم، كما يصنع البخاري في اسم محمد بن يحيى وغيره. وكما يصنع الإسماعيلي في اسم الغِطْريفي، وأشباه ذلك كثيرة جدًّا.
والدليل على ذلك ــ مع ما مر ــ: أن في ترجمة محمد بن أحمد بن فارس بن سهل من «تاريخ بغداد» ذكر روايته عن ابن الصوَّاف، ورواية هبة الله الطبري عنه.
стр. 249
[ص ٣٥] فذكر الأستاذ ذلك في «الترحيب» (ص ٣٥)، وهاج وماج! قال: «فزاد الناقد قبل «سهل» فارسًا ... تزيدًّا منه لما شاء هواه».
ثم ذكر القصة، وفيها بعد (الصواف): «عن محمد بن عثمان عن محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثنا أبي، قال: لما قدم ذاك الرجل (يعني أبا حنيفة) إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، شهد عليه حماد بن أبي سليمان ... ، فحدثني خالد بن نافع قال: كتب ابن أبي ليلى إلى أبي جعفر وهو بالمدينة ... ».
ثم قال الأستاذ: «فعلى هذا تكون استتابته قبل وفاة حماد بن أبي سليمان، قبل سنة (١٢٠) من الهجرة، عندما كان أبو جعفر المنصور العباسي بالمدينة في عهد هشام بن عبد الملك الأموي، قبل تأسيس الدولة العباسية بدهر».
أقول: قد قدّمتُ أن مقصودي في هذا الفرع الأول: إنما هو إظهار ما وقع من المغالطة في بعض الأسانيد، ولا شأن لي بالمتن، أيصح أم يبطل، بل إذا كان هناك ما يدلُّ على بطلانه فاعتراضي أشد؛ لأن وجود دليل صحيح على البطلان لا يغني الأستاذ عن المغالطة! فكيف بما ليس معه في إبطاله دليل؟ !
ومع هذه، فقد ذكرتُ هذه القصة في ترجمة محمد بن عثمان بن أبي شيبة من «التنكيل» (١)؛ لأنها مما يُقْدَح بها فيه، ثم بينت هناك أن الزيادة التي زادها خالد بن نافع لا يُسأل عنها محمد بن عثمان؛ لأن خالدًا ضعيف، ويشبه أن يكون خالد أراد أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب، زعم خالد أن ابن أبي ليلى كتب إليه يستشيره، كما يستشير القاضي
стр. 250
أكابر العلماء في زمانه. وهو الذي كان بالمدينة، أما المنصور فكان بعد خلافته ببغداد.
وهذا وإن كان أقلّ شناعةً، لكنه باطل أيضًا؛ لأن وفاة الباقر متقدمة. على كل حال، فزيادة خالد في عنقه، ويبقى الكلام في شهادة حماد مع أنه توفي سنة (١٢٠). وتمام الكلام في «التنكيل».
* المثال ٩ . «الطليعة» (ص ٣٥ - ٣٧) (١).
راجع «الطليعة» لتعلم ما استدللتُ به، أما الأستاذ فقال (ص ٣٧): «هل الكوثري في حاجة في إسقاط تلك الرواية، بعد أن نص على أنها رواية الكذَّاب بن الكذّاب محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع، ومعه محمد بن عُبيد الطنافسي الذي يقول فيه أحمد: إنه يخطئ ولا يرجع عن خطئه، كما في رواية ابن أبي حاتم».
[ص ٣٦] أقول: مِن عادة الأستاذ أن لا يكتفي في القدح في الرواية بوجهٍ ولا وجهين، ولا أكثر، بل يذكر من الوجوه ما يمكنه، ولا سيما إذا كان غير واثق بما يورده، ومن طالع «التأنيب» عرف صحة قولي.
فطَعْنه في محمد بن الحسين لم يكن ليصدَّه عن تطلُّب وجهٍ آخر أو أكثر، ولو بطريق المغالطة. وقد شرحت ذلك في «الطليعة» (٢).
أما محمد بن الحسين؛ فترجمته في «التنكيل» (٣)، وكلمة «الكذاب بن الكذاب» لم تثبت، ومحمد بن الحسين قد وُثِّق، وتمام الكلام في ترجمته.