← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 336

طليعة التنكيل وتعزيز الطليعة وشكر الترحيب - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (281 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تكون النكارة من جهته جزمًا أو احتمالًا فلا يكون ثقة. وهذا المعنى هو الذي أراد الأستاذ إفهامه، ولذلك حذف كلمة "ثقة". وقد تعقَّب الخطيبُ كلمةَ البرقاني بقوله: "وقد اختبرتُ أنا حديثه فقلّما رأيت فيه منكرًا". فثبت أن هذا الرجل مع ثقته غير مقصِّر في التنقِّي والتوقِّي، وإنما وقع في روايته مما يُنكر قليل جدًّا. وقال ابن حجر في "لسان الميزان": "ذكرته ــ يعني زيادة على "الميزان" ــ لأن المصنف ذكر عثمان بن أحمد الدقاق الصدوق الثقة بسبب كونه يروي المناكير". أقول: لا عذر لابن حجر في هذا. أولًا: لأنه أنكر على الذهبي ذكره لعثمان، كما يأتي في ترجمته من "التنكيل" (١). ثانيًا: لأن المناكير في مرويات عثمان كثيرة، والله المستعان. ــ هـ ــ [ص ٤٨] ومن فواقره: تقطيعُ نصوص أئمة الجرح والتعديل، يختزل منها القطعة التي توافق غرضَه، وقد يكون فيما يدعه من النصّ ما يبين أن معنى ما يقتطعه غير المتبادر منه عند انفراده، فمن أمثلة ذلك: ١ - القاسم بن أبي صالح . راجع ما تقدم (أ: ٢). ٢ و ٣ - جرير بن عبد الحميد وأبو عوانة الوضَّاح. راجع ما تقدم (ب-١ و ٢).

стр. 72

٤ - عبد الله بن علي ابن المديني. راجع ما تقدم (د: ٥). ٥ - محمد بن أحمد الحكيمي . راجع ما تقدم (د: ٦). ٦ - محمد بن يحيى بن أبي عمر . قال الأستاذ (ص ١٦٦): "قال عنه أبو حاتم: كان به غفلة، حدّث حديثًا موضوعًا عن ابن عيينة". أقول: عبارة أبي حاتم كما في كتاب ابنه (١) و"التهذيب" (٢) وغيرهما: "كان رجلًا صالحًا وكان به غفلة، رأيت عنده حديثًا موضوعًا قد حدث به عن ابن عيينة، وكان صدوقًا". هذا وابن أبي عمر مكثر جدًّا عن ابن عيينة، فإذا اشتبه عليه حديث واحد لم يضره، ولعل أبا حاتم نبَّهه عليه فترك روايته، وقد يكون أبو حاتم أخطأ في ظنِّ الحديث موضوعًا. وسُئل الإمام أحمد: عمن نكتب؟ فقال: أما بمكة فابن أبي عمر. وقد أكثر مسلم في "صحيحه" عن ابن أبي عمر، له عنده على ما حكي عن "الزهرة" مائتا حديث وستة عشر حديثًا (٣). ٧ - [ص ٤٩] محبوب بن موسى. قال الأستاذ (ص ١٧): "يقول عنه أبو داود لا تُقبل حكاياته إلا من كتاب". أقول: عبارة أبي داود كما في "التهذيب" و"الميزان" (٤): "ثقة، لا يُلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب". ويأتي تحقيق حال محبوب في ترجمته من

стр. 73

"التنكيل" (١) إن شاء الله تعالى. ٨ - سعيد بن عامر . قال الأستاذ (ص ١٠٩): "في حديثه بعض الغلط كما قال ابن أبي حاتم". أقول: عبارة ابن أبي حاتم نقلًا عن أبيه كما في كتابه (٢) وغيره: "كان رجلًا صالحًا وكان في حديثه بعض الغلط، وهو صدوق" وتأتي ترجمة سعيد في "التنكيل" (٣). ٩ - سليمان بن حسَّان الحلبي . قال الأستاذ (ص ١٠٩): "قال أبو حاتم عنه (٤): سألت ابن أبي غالب عنه فقال: لا أعرفه ولا أرى البغداديين يروون عنه". أقول: تتمة عبارة أبي حاتم كما في كتاب ابنه (٥) و"تاريخ بغداد" (٩/ ٢١): "وروى عنه من الرازيين أربعة أو خمسة" قال ابن أبي حاتم: "قلت لأبي: ما تقول فيه؟ قال: هو صحيح الحديث". ١٠ - محمد بن العباس أبو عَمرو بن حَيُّويه . راجع ما تقدم (أ: ١٢) وتأتي ترجمة محمد في "التنكيل" (٦).

стр. 74

١١ - محمد بن عبد الله بن عمَّار الموصلي . قال الأستاذ (ص ١٣٣): "قال ابن عدي: رأيت أبا يعلى يسيء القولَ فيه، ويقول: شهد على خالي بالزور. وله عن أهل الموصل أفراد وغرائب اهـ. وأبو يعلى من أعرف الناس به، وكلامُه فيه قاضٍ على كلام الآخرين". أقول: آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلى قوله: "بالزور" (١)، وعقب ذلك كما في "التهذيب" (٢): [ص ٥٠] قال ابن عدي: وابن عمار ثقة (٣) حسن الحديث عن أهل الموصل؛ معافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب، وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان، ولم أر أحدًا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة". فحذف الأستاذ توثيق ابن عدي وجميع مشايخه لابن عمار، وحذف الدليلَ على أن المرادَ بالأفراد والغرائب: الأفرادُ والغرائب الصحيحة التي يُمْدَح صاحبها لدلالتها على إكثاره وعنايته ومهارته في الفن، كما تقدم شيء من ذلك (ب/ ٥). وحَذَف الدليلَ على أن أبا يعلى كان عنده نُفْرة عن ابن عمار توجب أن لا يُعْتَدّ بكلامه المذكور فيه، كما يأتي إيضاح ذلك في ترجمة ابن عمار من "التنكيل". والأستاذ يتشبَّث بهذه القاعدة ويتوسّع فيها جدًّا، فيردّ كثيرًا من الروايات المحقّقة والجرحَ المفسَّر المحقَّق بدعوى انحراف الراوي أو الجارح عن المجروح، وإن كان الراوي أو الجارح جماعةً من الأئمة، ولم

стр. 75

يثبت ما يعارض قولهم، بل مع ثبوت ما يوافق قولهم عمن كان موافقًا للمجروح مائلًا إليه، كما يأتي بعض ذلك في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس من "التنكيل" (١). ثم يناقض الأستاذ ذلك هاهنا فيزعم أن تلك الكلمة المحتملة الصادرة من أبي يعلى ــ مع تبيّن نفرته عن ابن عمار ــ يردّ بها توثيق الجمهور لابن عمار. وسيأتي في القسم الأول من "التنكيل" (٢) تحقيق هذه القاعدة، وفي القسم الثاني ترجمة ابن عمار وبيان إمامته وجلالته. ١٢ - [ص ٥١] محمد بن فُضَيل بن غزوان. قال الأستاذ (ص ٣٩) في الكلام في القاسم التمار: "وقال ابن سعد عن (٣) محمد بن فُضيل الراوي عنه: بعضهم لا يحتج به". أقول: عبارة ابن سعد كما في "طبقاته" (٤) و"التهذيب" (٥) وغيرها: "كان ثقة صدوقًا كثير الحديث متشيّعًا، وبعضهم لا يحتج به". فحذف الأستاذُ التوثيقَ الصريحَ، والدليلَ على أن عدم احتجاج بعضهم بابن فضيل إنما هو لتشيُّعه، وقد وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان والعجليّ وغيرهم، ولم يطعن أحد في روايته، وقال ابن شاهين: "قال علي ابن

стр. 76

المديني: كان ثقة ثبتًا في الحديث"، وقال الدارقطني: "كان ثبتًا في الحديث إلا أنه كان منحرفًا عن عثمان". وقد جاء ما يَدْفَعْ هذا (١). قال أبو هشام الرفاعي: "سمعت ابن فضيل يقول: رحم الله عثمان ولا رحم من لا يترحَّم عليه". وذكر ابن حجر في "مقدمة الفتح" (٢) كلام ابن سعد ثم قال: "قلت: إنما توقَّف فيه من توقف لتشيُّعه". ثم ذكر كلام أبي هشام ثم قال: "احتجَّ به الجماعة". يعني الشيخين في "صحيحهما" وبقية الستة، ولا أدري من هو الذي لم يحتج بابن فضيل أو توقف فيه؟ ولعل المراد بذلك بعض المتشدِّدين في السنة لم يرو عن ابن فضيل لأنه يراه متشيِّعًا، ويرى في الرواية عنه ترويجًا للتشيع فتوقف لذلك، لا لأنَّ ابن فضيل ليس بحجة. ويأتي في القسم الأول من "التنكيل" (٣) تحقيق حكم رواية المبتدع بما يُعْلَم منه أن مثل ابنَ فُضيل حجة على الإطلاق. [ص ٥٢]ــ وـ ومن عواقره: أنه يعمد إلى جرح لم يثبت فيحكيه بصيغة الجزم محتجًّا به، فمن أمثلة ذلك: ١ - الحسن بن الربيع . قال الأستاذ (ص ١٥١): "يقول فيه ابن معين لو كان يتقي الله لم يكن يحدِّث

стр. 77

بالمغازي، ما كان يُحْسِن يقرؤها". أقول: هذا الكلام إنما رواه بكر بن سهل الدمياطي عن عبد الخالق بن منصور عن ابن معين، وبكر بن سهل لم يوثقه أحد، بل ضعفه النسائي، ورماه الذهبي في "الميزان" (١) بالوضع. ٢ - ثعلبة بن سُهيل القاضي . قال الأستاذ (ص ١١٠): "ضعيف". أقول: هذا يصلح أن يُعدّ من أمثلة الفرع الثامن (خ) لكن أظن الأستاذ اعتمد على ما حكاه أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي عن ابن معين أنه قال في ثعلبة: "ليس بشيء". وهذه حكاية منقطعة كما قاله الذهبي في "الميزان" (٢)، لأن بين الأزدي وابن معين مَفازَة، ومع ذلك فالأزدي نفسه مُتَّهم، له ترجمة في "تاريخ بغداد" و"الميزان" و"اللسان" (٣). ثم لو فُرِض صحة تلك الكلمة عن ابن معين، فابن معين مما يطلق "ليس بشيء" لا يريد بها الجرح وإنما يريد أن الرجل قليل الحديث. وقد ذكر الأستاذ ذلك

стр. 78

(ص ١٢٩) ويأتي تحقيق ذلك في ترجمة ثعلبة من "التنكيل" (١) وحاصله: أن ابن معين قد يقول "ليس بشيء" على معنى قلّة الحديث فلا تكون جرحًا، وقد يقولها على وجه الجرح ــ كما يقولها غيره ــ فتكون جرحًا، [ص ٥٣] فإذا وجدنا الراوي الذي قال فيه ابن معين: "ليس بشيء" قليلَ الحديث وقد وُثِّق، وجب حَمْل كلمة ابن معين على معنى قلة الحديث لا الجرح، وإلا فالظاهر أنها جرح. فلما نظرنا في حال ثعلبة، وجدناه قليلَ الحديث، ووجدنا ابن معين نفسه قد ثبت عنه أنه قال في ثعلبة: "لا بأس به". وقال مرة: "ثقة"، كما في "التهذيب" (٢). وممن قال ابنُ معين فيه: "ليس بشيء" أبو العطوف الجرّاح بن المنهال، فنظرنا في حاله، فإذا له أحاديث غير قليلة ولم يوثّقه أحد بل جرَّحوه، قال ابن المديني: "لا يُكتب حديثه"، وقال البخاري ومسلم: "منكر الحديث"، وقال النسائي والدارقطني: "متروك"، وقال أبو حاتم والدولابي الحنفي: "متروك الحديث ذاهب لا يكتب حديثه"، وقال النسائي في "التمييز": "ليس بثقة ولا يكتب حديثه" وذكره البرقي فيمن اتُّهِمَ بالكذب، وقال ابن حبان: "كان يكذب في الحديث ويشرب الخمر .... ". والكلام فيه أكثر من هذا (٣). فعرفنا أن قول ابن معين فيه: "ليس بشيء" أراد بها الجرح كما هو المعروف عند غيره في معناها. فتدبَّر ما تقدم، ثم انظر حال الأستاذ إذ يبني على حكاية الأزدي عن ابن

стр. 79

معين أنه قال في ثعلبة: "ليس بشيء" ويعلم حال الأزدي، وأنه كان بعد ابن معين بمدّة، ويعرف أن ابن معين قد يطلق تلك الكلمة لا على سبيل الجرح، وأنّ الحجةَ قائمةٌ على أن هذا من ذاك، ومع ذلك كله يقول الأستاذ في ثعلبة: "ضعيف". وفي أبي العطوف يرى [ص ٥٤] الأستاذ جرح الأئمة له وأن له أحاديث غير قليلة، وأن ذلك مبيّن أن قول ابن معين فيه: "ليس بشيء" إنما أراد بها الجرح، ولكن الأستاذ يقول (ص ١٢٩): "وقال ابن معين: ليس بشيء، وهو كثيرًا ما يقول هذا فيمن قلَّ حديثه"! وعذر الأستاذ أنه بحاجة إلى ردّ رواية رواها ثعلبة وإلى تقوية أبي العطوف، هكذا تكون الأمانة عند الأستاذ! ٣ - عبد الله بن جعفر بن دُرُستويه . قال الأستاذ (ص ٣٩): "كان يحدِّث عمن لم يدركه لأجل دُريهمات يأخذها، فادْفَع إليه درهمًا يصطنع لك ما شئت من الأكاذيب". ذكر الأستاذ هذه التهمة في عدة مواضع كلّها بالجزم، بل نبز هذا العالم الفاضل الذي لا ذنب له إلا أنه روى كتابًا مشهورًا وهو "تاريخ يعقوب بن سفيان"، وقد ثبت سماعه له، حتى إن الذي كان أنكر عليه رجع أخيرًا فقصَدَه فسمع منه، كما في ترجمته من "تاريخ بغداد" (١)، نبزه الأستاذ بلقب "الدراهمي" مع أنه لا مستند للأستاذ في ذلك، إلا ما حكاه الخطيب عن هبة الله الطبري أنه ذكر ابن درستويه وضعَّفه وقال: "بلغني أنه قيل له: حَدِّث عن عباس الدوري حديثًا ونحن نعطيك درهمًا، ففعل، ولم يكن سمع من عباس".

стр. 80

ولا يخفى على عالم أن هذه الحكاية لا يصح الاستناد إليها لجهالة المبلِّغ للطبري، والأستاذ مِن أعْلَم الناس بهذا، بل يجاوزه كثيرًا فيقول رادًّا لروايات الثقات الأثبات عمن يصرِّحون باسمه وقد ثبتت صحبتهم له وهم مع ذلك أبرياء من التدليس فيقول الأستاذ: "اللفظ لفظ انقطاع" حتى أحوجني ذلك إلى أن بينت في القسم الأول من "التنكيل" (١) شرح قاعدة [ص ٥٥] الاتصال والانقطاع، وتحقيق الحكم فيما يشتبه منها، ومع هذا فقد قال الخطيب: "هذه الحكاية باطلة .... ". هكذا تكون الأمانة عند الأستاذ! ويأتي بقية الكلام في ترجمة عبد الله بن جعفر من "التنكيل" (٢). ٤ - الأصمعي عبد الملك بن قُرَيب . قال الأستاذ (ص ٥٤): "كذَّبه أبو زيد الأنصاري". أقول: حاكي ذلك عن أبي زيد هو أحمد بن عبيد بن ناصح، وهو مطعون فيه، وفي "الميزان" (٣) في ترجمة الأصمعي: "أحمد بن عبيد ليس بعمدة". ونقل الأستاذُ نفسُه هذا (ص ٤٢) حين احتاج إلى ردّ رواية لأحمد بن عبيد. قال الأستاذ: "فلم يكن بعمدة كما ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من الميزان". يجزم الأستاذ هنا بأنه ليس بعمدة، ثم يعتمده فيقول في الأصمعي: "كَذَّبه أبو زيد الأنصاري". هكذا تكون الأمانة عند الأستاذ!

стр. 81

٥ - جرير بن عبد الحميد . قال الأستاذ (ص ١١٠): "تفرَّد برواية حديث الأخرس الموضوع". أقول: مستند الأستاذ حكاية سليمان الشاذكوني، والشاذكوني هالك. ويأتي شرح الحال في ترجمة جرير من "التنكيل" (١). ٦ - سُلَيم بن عيسى القارئ . قال الأستاذ (ص ٦٠): "كان ضعيفًا في الحديث .... وقد روى عن الثوري خبرًا منكرًا، ساقه العقيلي". أقول: لا مستند للأستاذ في قوله: "كان ضعيفًا في الحديث" إلا ذِكْر العُقيليِّ ــ ومَن تَبِعه ــ سليمَ بن عيسى في كتب الضعفاء (٢)، مع رواية ذاك الحديث من طريق سُليم بن عيسى. [ص ٥٦] فأما ذِكْر الراوي في بعض كتب الضعفاء فلا يضره ما لم يكن فيما ذكر به ما يوجب ضعفه، وذلك أنهم كثيرًا ما يذكرون الرجل لكلامٍ فيه لا يثبت أو لا يقدح أو نحو ذلك. وأما ذاك الحديث فرواه العقيلي عن يحيى بن صالح (٣)، عن أبي صالح كاتب الليث، عن سُليم بن عيسى أبي يحيى، عن سفيان الثوري. ويحيى بن صالح مُتَكلَّم فيه، وأبو صالح كاتب الليث ليس بعمدة، تأتي ترجمته في

стр. 82

"التنكيل" (١)، فعلى هذا لا يثبت أن سُليمًا روى ذاك الحديث. ومع هذا فسُليم الذي ذكره العقيلي، وروى عنه ذاك الحديث ليس هو بالقارئ صاحب حمزة الواقع في سند الخطيب، وإيضاحُ ذلك: أن العُقيلي قال: "سُليم بن عيسى، مجهول في النقل، حديثه منكر غير محفوظ. حدثناه يحيى ... " كما مرَّ، فقول العقيلي: "مجهول في النقل حديثه منكر" واضح في أنه عنده غير القارئ، فإن القارئ معروف مشهور، وهذا مجهول لا يعرف إلا بذاك الحديث كما تقتضيه عبارة العقيلي. ويؤكِّد هذا أن الذي ذكره العُقَيلي وروى عنه ذاك الحديث، كنيته "أبو يحيى" كما في السند، هكذا هو في كتاب العقيلي في النسخة المحفوظة بالمكتبة الآصفية في حيدراباد الدكن (٢)، وهكذا هو في "الميزان" (٣) وليست هذه كنية القارئ، أما القارئ فقال ابن الجزري في ترجمته من "طبقات القراء" (١/ ٣١٨): "كنيته أبو عيسى ويقال: أبو محمد" (٤). [ص ٥٧] والذهبي وإن بدأ في "الميزان" فزعم أنه القارئ فإنه رجع بعد ذلك ولفظه: "سليم بن عيسى الكوفي القارئ، إمام في القراءة، روى عن الثوري خبرًا منكرًا ساقه العقيلي، ولعل هذا الرجل غير القارئ .... ". فقد اتضح أن سُليم بن عيسى القارئ الواقع في سند الخطيب لا يناله

стр. 83

وهنٌ ما مما ذكر العقيلي ثم الذهبي؛ لأنه إن لم يكن هو الذي روى العقيلي عن يحيى بن عثمان عن كاتب الليث عنه ذاك الحديث فواضح، وإن كان إياه فلا يثبت عنه رواية ذاك الحديث للكلام في كاتب الليث وفي الراوي عنه. ولنكتف بهذه الأمثلة هنا، ويأتي لها في قسم التراجم من "التنكيل" نظائر منها في ترجمة حمَّاد بن سلمة (١)، ومنها في ترجمة محمد بن حسين بن حميد بن الربيع (٢). اعتبار كما رأيت الأستاذ حيث يكون له غرض في الطعن في الراوي، قد يعمد إلى جرحٍ يعلمُ أنه لا يثبت فيجزم به، فكذلك حيث يكون له غرض في تقوية الراوي، قد يعمد إلى ثناء عليه يعلم أنه لا يثبت فيجزم به، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحِمَّاني من "التنكيل" (٣) والله المستعان. ــ ز ــ [ص ٥٨] ومن تجاهله ومجازفاته: قوله في المعروف الموثَّق: "مجهول" أو "مجهول الصفة" أو "لم يوثَّق" أو نحو ذلك، فمن الأمثلة: ١ - عبد الله بن محمود . روى الخطيب (١٣/ ٣٨٤ [٣٩٧]) من طريق "عبد الله بن محمود

стр. 84

المروزي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن قُهْزاذ .. ". فقال الأستاذ (ص ٧٠): "وعبد الله بن محمود مجهول الصفة". أقول: في ترجمة محمد بن عبد الله بن قُهْزاذ من "تهذيب التهذيب" (٩/ ٢٧١): "روى عنه .... وعبد الله بن محمود السعدي". ولعبد الله بن محمود السعدي المروزي ترجمة في كتاب ابن أبي حاتم (١) وقال: "كتب إليَّ (٢) بمسائل ابن المبارك من تأليفه". وله ترجمة في "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٢٥٧). قال الذهبي: "الحافظ الثقة محدِّث مرو، أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن عبد الله السعدي ... قال الحاكم: ثقة مأمون ... ". ٢ - محمد بن مسلمة . روى الخطيب (١٣/ ٣٩٥ [٤١٥]) من طريق البخاري "حدثنا صاحب لنا [عن حمدويه] (٣) قال: قلت لمحمد بن مسلمة .... ". فقال الأستاذ (ص ١٠٣) في الحاشية: "مجهول، وليس هو بكاتب الحارث بن مسكين فإنه محمد بن سلمة .... ". أقول: قد قرأ الأستاذ ترجمته في "الانتقاء" لابن عبد البر الذي بثّ الأستاذُ عقاربَه في تعليقاته عليه (ص ٥٦) (٤). [ص ٥٩] وفي "تاريخ

стр. 85

البخاري": (١/ ١/٢٤٠): "محمد بن مسلمة أبو هشام المخزومي المدني .... سمع مالكًا .... وقيل لمحمد بن مسلمة: ما لرأي فلان ... " فذكر الحكاية التي ذكرها الخطيب. وقال ابن حبان في "الثقات" (١): "محمد بن مسلمة بن هشام بن إسماعيل أبو هشام المخزومي ... يروي عنه هارون بن عبد الله الحمَّال والناس، وكان ممن يتفقَّه على مذهب مالك ويفرّع على أصوله، ممن صنف وجمع". وذكره ابن أبي حاتم في كتابه (٢) وقال: " .... روى عنه عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة وأبي .... سألت أبي عنه فقال: كان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك، وكان من أفقههم، ... سئل أبي عنه فقال: مديني ثقة". وفي "الديباج المذهب" (ص ٢٢٧): "محمد بن مسلمة .. روى محمدٌ هذا عن مالك وتفقَّه عنده، وكان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك وكان أفقههم، وهو ثقة، وله كتب فقه أُخِذَت عنه، وهو ثقة مأمون حجة، جمع العلم والورع، توفي سنة ٢٠٦". ويبعد جدًّا أن يكون هذا كلُّه خفي على الأستاذ مع ما عرفناه منه من النشاط في التفتيش عن التراجم، بل في سياق كلامه ما يُشْعِر بأنه عرف هذا الرجل، فإنه قال (ص ١٠٤): "ونهمس في أذن هذا المتعصّب الهاذي: إن كنت ... فما رأيك في مذهب إمامك ... " يعني مالكًا، والله المستعان.

стр. 86

[ص ٦٠] ٣ - طاهر بن محمد . ذكر الخطيب (١٣/ ٣٧٣ [٣٧٨]) حكاية من طريق "طاهر بن محمد ثنا وكيع ... ". فقال الأستاذ (ص ٤٣): "طاهر بن محمد مجهول". أقول: بل معروف موثَّق، هو طاهر بن أبي أحمد محمد بن عبد الله الزُّبَيري، ذكره المِزّي في "تهذيبه" (١) في الرواة عن وكيع، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه (٢) وقال: "روى عنه محمد بن عبد الله الحضرمي وموسى بن إسحاق القاضي"، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣) وقال: "يروي عن وكيع وأبي أسامة، حدثنا عنه محمد بن إدريس الشامي، مستقيم الحديث". وهذا من توثيق ابن حبان الذي لا مَغْمَز فيه، كما يأتي شرحه في ترجمة ابن حبان من "التنكيل" (٤). ٤ - إسماعيل بن حمدويه . ذكر الخطيب (١٣/ ٤١٤ [٤٤٢]) أثرًا من طريق "سلامة بن محمود القيسي: حدثنا إسماعيل بن حمدويه البيكندي، قال: سمعت الحميدي ... ". فقال الأستاذ (ص ١٥٠): "إسماعيل بن حمدويه مجهول".

стр. 87

أقول: ذكره ابن حبان في "الثقات" (١) ــ ووقع في النسخة "السكندري" (٢) ــ وقال: "يروي عن أبي نُعيم وأبي الوليد وأهل البصرة، حدثنا عنه محمد بن المنذر شَكَّر (٣)، كان مقيمًا بالرملة زمانًا، وكتب عنه شَكَّر". أقول: فقد عَرَفه ابنُ حبان وعرفَ حديثَه. وتوثيقُه لمن عرفه وعرف حديثَه مقبولٌ، كتوثيق غيره من الأئمة، ويأتي شرح ذلك في ترجمة ابن حبان من "التنكيل" (٤). [ص ٦١] ٥ - عبد الرحمن بن داود بن منصور . ذكر الأستاذ (ص ١٨٤) روايةً لأبي نعيم الأصبهاني، عن أبي الشيخ، عن عبد الرحمن بن داود بن منصور. فقال الأستاذ: "عبد الرحمن بن داود مجهول". أقول: ذكره أبو الشيخ، وأبو نعيم أنفسُهما في كتابيهما، فقال أبو الشيخ (٥): "عنده حديث الشام ومصر، أكثر الناس حديثًا عنهم، كان من الفقهاء، صاحب أصول ثقة مأمون". وذكر أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (٦) نحو ذلك.

стр. 88

وهذان الكتابان قد وقف عليهما الأستاذ، فإنه قال (ص ٥٩) عند ذكر عمر بن قيس الماصر: "له ولذويه ذكر واسع في "تاريخ أصبهان" لأبي الشيخ"، وقال (ص ١٥١) في أحمد بن عبد الله الأصبهاني: "مترجم في "تاريخ أصبهان" لأبي نعيم". وفي كلا النقلين نظر، لكن المقصود هنا بيان وقوف الأستاذ على الكتابين، وقد دلَّ على ذلك كلامه في سالم (١) بن عصام كما مرّ (ب/ ٥)، ولا يخفى على الأستاذ أن عبد الرحمن هذا أصبهاني، فالظن به أنه راجع ترجمته في الكتابين المذكورين. ٦ - أحمد بن الفضل بن خزيمة . قال الأستاذ (ص ١١١): "لم يوثَّق". أقول: هو أحمد بن الفضل بن العباس بن خزيمة، ترجمته في "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٤٧) وفيها: "وكان ثقة". ٧ - جعفر بن محمد الصندلي . قال الأستاذ (ص ١٤١): " [الذي] (٢) أثنى ابنُ حَيُّويه عليه وحده لا يكون إلا من هذا الصنف". أقول: ابن حَيّويه هو محمد بن العباس أبو عمر بن حيويه الخزَّاز، [ص ٦٢] ستأتي ترجمته في "التنكيل" (٣)، وهو أحد الثقات الأثبات العارفين، ومع ذلك ففي ترجمة جعفر هذا من "تاريخ بغداد"

стр. 89

[(٧/ ٢٢١)] (١): "وكان ثقة صالحًا ديّنًا، سكن باب الشعير. أخبرنا أحمد بن أبي جعفر، حدثنا يوسف بن عمر القوَّاس، حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي الأطروش سنة سبع عشرة وثلاثمائة ومات فيها، وكان يقال: إنه من الأبدال". ثم ذكر الخطيب أن الصحيح أنه مات سنة ٣١٨، وقال ابن الجوزي في "المنتظم" (٦/ ٢٣٤) في ترجمة جعفر هذا: "وكان ثقة صالحًا دينًا ... ، وكان يقال: إنه من الأبدال". اعتبار كما أن الأستاذ يتجاهل المعروفين الثقات حين يكون هواه ردّ روايتهم، فكذلك يتعارف المجاهيل ويحتجّ بروايتهم إذا كانت روايتهم توافق هواه، وسيأتي في "التنكيل" أمثلة لذلك. ومنها: في ترجمة أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ذكر الخطيب (٢) أثرًا من طريق علي بن حَمْشاذ عنه واستنكره، فقال الأستاذ (ص ١٥١) "سعى الخطيب ... بأن يقول: إن أحمد بن عبد الله الأصفهاني مجهول، كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ، مترجَم في "تاريخ أصفهان" لأبي نعيم". كذا قال، وقد فتّشتُ "تاريخ أبي نعيم" فوجدت فيه ممن يقال له "أحمد بن عبد الله" جماعة ليس في ترجمة واحد منهم ما يشعر بأنه هذا، وفوق ذلك فجميعهم غير موثَّقين (٣).

стр. 90

ومنها: في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلّس [ص ٦٣] الحِمَّاني، ذَكَر الخطيب (١) بسنده حكاية عن ابن أبي خيثمة، وردَّها بنكارتها وبأنّ في السند مجاهيل. فاحتجَّ الأستاذ بتلك الحكاية جازمًا بها، ودفع كلام الخطيب بقوله: "وهذا مما يغيظ الخطيب جدًّا، ويحمله على ركوب كل مركب للتخلص منه بدون جدوى". كذا قال، ثم لم يبيِّن ما يعرِّف به أولئك الذين جَهَّلهم الخطيب (٢). ومنها: في ترجمة الإمام الشافعي فيما يتعلق بكتاب "التعليم" المنسوب لمسعود بن شيبة، هذا الكتيّب فيه جهالات في الطعن في مالك والشافعي، وذكر ابن حجر في "لسان الميزان" (٣) مسعودَ بن شيبة وقال: "مجهول لا يُعرف عمن أخذ العلم ولا من أخذ عنه، له مختصر سماه "التعليم" ... ". فزعم الأستاذ في حاشية (ص ٣) "أنه معروف عند الحافظ عبد القادر القرشي و ... وغيرهم، فنعُدّ صنيع ابن حجر هذا من تجاهلاته المعروفة لحاجة في النفس، وقانا الله اتباع الهوى". كذا قال! والقرشيُّ وغيره لم يُعَرِّفوا من حال مسعود بن شيبة إلا بما أخذوه من كتاب "التعليم" نفسِه، وليس في ذلك ما يدل أنهم عرفوه المعرفةَ التي تنافي الجهالة، والواقع أن كتاب "التعليم" ألَّفه حنفيّ مجهول متعصِّب،

стр. 91

وكتب على ظاهره ذاك الاسم المستعار "مسعود بن شيبة" (١)، ولكن الأستاذ مع معرفته بالحقيقة يَلْدَغ ويَصْئي (٢) ويرمي الأئمة بدائه، ثم يقول: "وقانا الله اتباع الهوى"! [ص ٦٤] ومما يدخل في هذا الضرب: قول الكوثري (ص ١٦) عند نقله ما ذكره الخطيب في موضع قبر أبي حنيفة: "كان من المناسب أن يذكر الخطيب هنا ما ذكره في (١/ ١٢٣) من تبرُّك الشافعي بأبي حنيفة حيث قال: أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري قال: أنبأنا عمر بن إبراهيم المقرئ قال: أنبأنا مكرم بن أحمد قال: أنبأنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرَّك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم ــ يعني زائرًا ــ فإذا عَرَضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تُقْضى اه. ورجال هذا السند كلهم موثقون عند الخطيب". أقول: أما الصَّيمري وشيخه فموثَّقان عند الخطيب ــ أي في "تاريخه" كما هو الظاهر ــ ومع ذلك فالظاهر أن هذه الحكاية من كتاب "مناقب أبي حنيفة" الذي جمعه مُكْرَم بن أحمد، وكان كتابًا معروفًا، ولعله كان عند الخطيب نسخة منه، وكان سماعه له من الصيمري، ومعظم الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة، ولم يكن الخطيب ليعتمد عليها إلا وهي صحيحة،

стр. 92

فالصيمري وشيخه من الوسائط السَّنَدية ــ فلا يضر تلك الرواية أن يكون فيهما أو في أحدهما كلام ــ على أنه لا كلام فيهما فيما أعلم. وأما مُكْرَم فقد قال الخطيب في ترجمته (١): [ص ٦٥] "وكان ثقة"، ولم أر ما يخالف ذلك سوى ما ذكره الخطيب (٤/ ٢٠٩) في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلِّس الحِمَّاني قال: "حدثني أبو القاسم الأزهري قال: سئل أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني وأنا أسمع عن جَمْع مُكْرَم بن أحمد "فضائل أبي حنيفة"؟ فقال: موضوع، كله كذب، وضَعَه أحمد بن المغلّس الحِمّاني .... ". فهذه العبارة تحتمل أوجهًا: الأول: أن يكون الدارقطني تجوَّز في قوله: "كله" وإنما أراد أن الموضوع بعض ما تضمّنه ذاك المجموع، وهو ما فيه رواية عن أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس. الثاني: أن تكون عبارة الدارقطني على ظاهرها، ويكون ما في ذلك المجموع من غير الحِمَّاني أصله من وَضْع الحِمَّاني، ولكن كان لمُكْرَم إجازات من أولئك الشيوخ، فأسقط اسم الحمّاني من تلك الروايات ورواها عن أولئك المشايخ بحق الإجازة، كما قيل: إن الحافظ أبا نعيم الأصبهاني ربما صنع مثل ذلك كما يأتي في ترجمته من "التنكيل" (٢). الثالث: أن يكون مُكْرَم واطأ الحِمَّاني، فوضع له الحماني تلك

стр. 93

الحكايات عن الشيوخ الذين أدركهم مُكرم، فرواها مُكرمٌ عنهم. وهذا الوجه الثالث هو الموافق لظاهر سؤال الأزهري للدارقطني وجواب الدارقطني، لكن يدفعه توثيق الخطيب لمُكْرم، وأنه لم يذكره أحد في "الضعفاء"، والوجه الثاني أيضًا موافق لظاهر سؤال الأزهري وجواب الدارقطني، وهو أدنى أن [ص ٦٦] لا يدفعه ما يدفع الثالث. وعلى كلّ حال فلم ينحلّ الإشكال، فدعه وافرض أن الراجح هو الوجه الأول، وأن هذه الرواية صحيحة عن عمر بن إسحاق بن إبراهيم، فمن عمر هذا؟ ومن شيخه؟ أموثَّقان هما عند الخطيب كما زعم الأستاذ؟ أما أنا فقد فتشت "تاريخ بغداد" فلم أجدهما فيه، لا موثَّقَين ولا غير موثَّقَين، بل ولا وجدتهما في غيره، نعم في غيره علي بن ميمون الرّقِّي يروي عن بعض مشايخ الشافعي ونحوهم، وهو موثَّق، لكن لا تُعرف له رواية عن الشافعي، وقد راجعت "توالي التأسيس" (١) لابن حجر لأنه حاول فيها استيعاب الرواة عن الشافعي، فلم أجد فيهم علي بن ميمون لا الرّقِّي ولا غيره، انظر "توالي التأسيس" (ص ٨١). هذا حال السند، ولا يخفى على ذي معرفة أنه لا يثبت بمثله شيء، ويؤكِّد ذلك حالُ القصة، فإن زيارته قبر أبي حنيفة كلَّ يومٍ بعيدٌ في العادة، وتحرِّيه قصده للدعاء عنده بعيد أيضًا، إنما يُعْرَف تحري القبور لسؤال الحوائج عندها (٢) بعد عصر الشافعي بمدة، فأما تحري الصلاة عنده فأبعد وأبعد.

стр. 94

والمقصود إنما هو المقابلة بين قول الأستاذ: "ورجال هذا السند كلهم موثقون عند الخطيب" مع الأمثلة السابقة، وبين الأمثلة المتقدمة في الفرع (١). وبيان أن الأستاذ إن تجاهل المعروفين الموثَّقين من رواة ما يخالف هواه، فإنه يتعارف المجهولين من رواة ما يوافقه، والله المستعان. [ص ٦٧]ــ ح ــ ومن أعاجيبه: أنه يطلق صِيَغ الجرح مفسَّرة وغير مفسّرة بما لا يوجد في كلام الأئمة، ولا له عليه بيّنة، فمن أمثلة ذلك: ١ - أنس بن مالك صاحب رسول اللهِ ﵌. قال الأستاذ (ص ٨٠): "وأما حديث الرّضْخ فمرويّ عن أنس بطريق هشام بن زيد، وأبي قِلابة عنعنة، وفيه القتل بقول المقتول من غير بيِّنة، وهذا غير معروف في الشرع، وفي رواية قتادة عن أنس إقرار القاتل، لكن عنعنة قتادة متكلَّم فيها، وقد انفرد برواية الرّضْخ أنس ﵁ في عهد هَرَمِه، كانفراده برواية شرب أبوال الإبل في رواية قتادة (زاد في الحاشية - كما في "الكفاية" للخطيب (ص ٧٤) برغم حَمَلات البدر العيني على الإتقاني وصاحب "العناية" في ذلك) وبحكاية معاقبة العُرَنيين تلك العقوبة للحجاج الظالم المشهور، حينما سأله عن أشدّ عقوبة عاقب بها النبي ﵌، حتى استاء الحسن البصري من ذلك ... ومن رأي أبي حنيفة: أن الصحابة ﵃ مع كونهم عدولًا ليسوا بمعصومين مِن مثل قِلّة الضبط الناشئة عن الأُمية، أو كبر السن، فيرجِّح رواية الفقيه منهم على رواية غيره عند التعارض، ورواية غير الهَرِم منهم على رواية الهَرِم ... ". أقول: المقصود هنا ما في هذه العبارة من زعم أن أنسًا ﵁

стр. 95

هَرِم واختلّ ضبطُه! [ص ٦٨] ولا أعرف أحدًا قبل الأستاذ زعم هذا. نعم ذكروا أنه ﵁ لما كبر نسيَ بعضَ حديثه، لكن لا يلزم من النسيان اختلال الضبط؛ فإن الناسي إن نسي الحديث أصلًا لم يحدِّث به البتة، وكيف يحدِّث به وهو ناسٍ له؟ وإن عَرَض له تردُّد في قصة أو في بعضها، فإنه إذا كان ضابطًا لم يحدّث بها، أو يحدِّث بها ويبين التردد والشك، فالضابط هو الذي لا يحدِّث إلا بما يتقنه، فما لم يتقنه لم يحدِّث به أو حدَّث به وبين شكَّه، سواء أكان عدم الاتقان لذاك الحديث من أول مرة عند التلقي أم عارضًا. وزعمه أنه هَرِم غيرُ قويم؛ لأن الهرم أقصى الكبر، ولم يبلغ أنس أقصى الكبر، أما من جهة كبر السن فقد قيل: إنه لم يجاوز المائة، وقيل: بل جاوزها بثلاث سنين، وغلّطوا من قال: إنه جاوزها بسبع سنين وقد كان في عصره مِنْ قومه وغيرِهم من عاش فوق ذلك، فبلغ حسَّان مائة وعشرين سنة، وكان سُويد بن غَفَلة يؤمُّ الناسَ في قيام رمضان وقد أتى عليه مائة وعشرون سنة، ثم عاش حتى تمّ له مائة وثلاثون سنه، وبلغ أبو رجاء العُطاردي مائة وسبعًا وعشرين سنه، وبلغ أبو عمرو سعد بن إياس الشيباني مائة وعشرين سنة، وبلغ المعرور بن سويد مائة وعشرين سنة، وبلغ زِرُّ بن حُبيش مائة وسبعًا وعشرين سنة، وبلغ أبو عثمان النهدي مائة وثلاثين، وقيل: مائة وأربعين سنة (١) وحسَّانٌ صحابي من قوم أنس، والستة

стр. 96

الباقون (١) [ص ٦٩] كلهم ثقات أثبات مُجْمع على الاحتجاج بروايتهم مطلقًا، ولم يطعن أحدٌ في أحدٍ منهم بأنه تغيّر بأخرة. وأما من جهة قوة البدن؛ فلم يزل أنس صالحًا حتى مات لم يعرض له وهن شديد. وأما من جهة كمال العقل، وحضور الذهن؛ فلم يزل أنس كامل العقل حاضر الذهن حتى مات. وأحبُّ أن أتتبّع عبارة الأستاذ السابقة ليتضح للقارئ تحقيق الأستاذ وتثبته! أما هشام فهو ابن زيد بن أنس بن مالك، وليس هو بمدلِّس، والراوي عنه شعبة، وهو معروف بالتحفُّظ عن رواية ما يُخْشى فيه التدليس، والحديث في "الصحيحين". وأما أبو قِلابة فهو عبد الله بن زيد الجَرْمي، وقد قال أبو حاتم (٢): "لا يعرف له تدليس". وسماعه من أنس ثابت كما في حديث العُرَنيين وغيره، فعنعنة هذين محمولة على السماع باتفاق أهل العلم. وقوله: "وفيه القتل بقول المقتول" إنما يكون فيه ذلك لو صرَّح بنفي الاعتراف، ولم يصرِّح به (٣)، وإذ لم يصرِّح به فالواجب في مثل ذلك إذا كان

стр. 97

الظاهر باطلًا أن يبني على أنه وقع الاعتراف، وهذا كما في دلالة الاقتضاء المشروحة في أصول الفقه، وهي أنه إذا لم يصح المعنى الظاهر عقلًا أو شرعًا وجب إضمار ما يصح به الكلام، ولا يعدّ عدم صحة الظاهر مسوِّغًا لردِّه رأسًا، فكذلك هنا، بل الأمر هنا أوضح، فإنَّ تَرْك الراوي لبعض الجزئيات، مما يرى أنه لا يخفى ثبوتُه على أحد، أسهل من الحذف في التركيب. هذا كلّه على فرض أنه لم ينقل الاعتراف وهو منقول ثابت في رواية قتادة. [ص ٧٠] قوله: "عنعنة قتادة متكلَّم فيها". أقول: دع عنعنتَه وخذ تصريحَه، قال البخاري في "الصحيح" (١) في "باب إذا أقرَّ بالقتل مرة قُتِل به": "حدثني إسحاق، أخبرنا حَبَّان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك: أن يهوديًّا رَضَّ رأسَ جاريةٍ بين حجرين ... فجيء باليهودي فاعترف، فأمر النبي ﵌ فرضَّ رأسه بالحجارة ــ وقد قال همام: بحجرين". وفي "مسند الإمام أحمد" (٣/ ٢٦٩) (٢): حدثنا عفَّان، حدثنا همَّام قال: أنا قتادة أن أنسًا أخبره: " ... فأخذ اليهوديّ فجيء به فاعترف". فهل في هذا عنعنة يا أستاذ؟ (٣).

стр. 98

قوله: "وقد انفرد برواية الرَّضْخ أنسٌ في عهد هَرَمِه". أقول: أما الانفراد فليس بمانع من الاحتجاج عند أهل السنة، بل بإجماع الصحابة والتابعين، بل الأدلة في ذلك أوضح، ولم يشترط التعدّد إلا بعضُ أهل البدع، نعم قد يُتَوقَّف في بعض الأفراد لقيام قرائن تُشْعِر بالغلط، والمرجع في ذلك إلى أئمة الحديث، وليس ههنا قرينة، وأئمة الحديث قد صحَّحوا هذا الحديث كما علمت. وأما قوله: "في عهد هَرَمِه" فقد تقدَّم أنه لم يهرم، وليس هناك دليل أنه لم يحدِّث بهذا الحديث إلا بعد كبره، فالجزم بذلك مجازفة. قوله: "كانفراده برواية شرب أبوال الإبل في رواية قتادة". أقول: في "فتح الباري" (١): " ... وروى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعًا: في أبوال الإبل شفاء للذَّرِبَة بطونُهم". والحديثُ في "الصحيحين" (٢) وغيرهما عن قتادة مصرّحًا في بعض طرقه بالسماع من أنس، ولم ينفرد به قتادة، بل ثبت في "الصحيحين" (٣) وغيرهما من رواية [ص ٧١] أبي قِلابة مصرّحًا في بعض طرقه بالسماع من أنس، وثبت في "صحيح مسلم" (٤) من رواية عبد العزيز بن صُهَيب وحُميد عن أنس. وفي

стр. 99

"تفسير ابن جرير" (٦/ ١١٩ - ١٢٠) (١) بسند صحيح عن سعيد بن جبير ذكر القصة بسياق آخر وفيها: "فاشربوا أبوالَها وألبانها" (٢). وما في "الكفاية" (ص ٧٤) حاصله: أن الخطيب عقد بابًا لما استثبتَ فيه الراوي غيرَه وميَّزه، فذكر في جملة الأمثلة عن حُميد عن أنس: " ... فشربتم من ألبانها، قال حميد: وقال قتادة عن أنس: وأبوالها". فمقصود الخطيب أن حميدًا لم يحفظ في الحديث "وأبوالها"، وإنما أخذه من قتادة، فهذا حجة على أن حميدًا ليس في محفوظه عن أنس (وأبوالها)، وليس فيه ما يدلّ أن قتادة تفرّد بها، وقد ثبت من رواية أبي قلابة وعبد العزيز بن صهيب، ثم لو فرض تفرُّد قتادة فقتادة أحفظهم. قوله: "وبحكاية معاقبة العُرَنيين". أقول: كان اجتماع أنس بالحجّاج لما كان الحجاج بالبصرة وذلك سنة ٧٥ (٣) قبل وفاة أنس ببضع عشرة سنة، وليس في الحديث ما يصلح أن يكون شبهة للحجّاج على ظلمه، ولو كان فيه ذلك فلم يكن الحجاج ليحتاج في ظلمه إلى شُبْهة، ومع هذا فلأنس عُذْر، وهو أنه قد كان حدَّث بالحديث قبل ذلك، فلعله لما سأله الحجَّاج خشي أن يكون قد بلغ الحجّاجَ تحديثه به، فإذا كتمه عند سؤاله إياه اتخذ الحجاجُ ذلك ذريعة إلى إيذاء أنس. ثم أقول: إن كان مقصود الأستاذ أن تحديث أنسٍ للحجاج بتلك القصة

стр. 100

يدل على اختلال ضبط أنس، فلا يخفي بطلان هذا، [ص ٧٢] وإن كان مقصوده أن ذلك موجب لفسق أنس، فليصرِّحْ به. قوله: "قلة الضبط الناشئة من الأمية أو كبر السن". أقول: أما الأُميّة فليست مما يوجب قلّة الضبط، وإنما غايتها أن يكون في رواية صاحبها كثير من الرواية بالمعنى، وليس ذلك بقادح، ومع ذلك فلم يكن أنسٌ أميًّا، ولا يُخْشى في حديث الرَّضْخ، ولا حديث العرنيين رواية أنس بالمعنى، أما عدم الأمية ففي "الإصابة" (١): "قال محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا ابن عَون عن موسى بن أنس: أن أبا بكر لما اسْتُخْلف بعث إلى أنس ليوجِّهه إلى البحرين على السّعاية، فدخل عليه عمر فاستشاره فقال: ابعثه فإنه لبيب كاتب". وأما الرواية بالمعنى فإنما تُخْشى في الأحاديث القولية، والحديثان فعليان. قوله "فيرجح ... ". أقول: الترجيح إنما يكون عند قيام المعارض، ولم يعارض حديثَي أنسٍ ــ ولا سيما حديث الرضخ ــ شيءٌ يُعْتَدّ به، وليس مما يوهن الدليل أن يكون بحيث لو عارضه ما هو أرجح منه لقدّم الراجح، فإن هذا الوهن إنما يحصل عند وجود المعارض الأقوى، فإذا لم يكن هناك معارض أقوى لم يكن هناك وهن. هذا، وسيأتي بسط الكلام على حديث الرَّضْخ في الفقهيات من

стр. 101

"التنكيل" (١)، وتأتي ترجمة أنس في قسم التراجم هناك (٢)، والله الموفق. [ص ٧٣] ٢ - أبو عوانة الوضَّاح . قال الأستاذ (ص ٩٢): " .... وما رواه في ست سنوات في آخر عمره، لا يعتد به لاختلاطه". أقول: فتشت المظانّ فلم أر أحدًا زعم أن أبا عوانة اختلط، وكأنَّ الأستاذ تشبَّث بما في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٤٦٥ [٤٩٤]) " .... محمد بن غالب حدثنا أبو سلمة (٣) قال: قال لي أبو هشام المخزومي: من لم يكتب عن أبي عوانة قبل سنة سبعين ومائة فإنه لم يسمع منه"، ثم عقب ذلك بذكر وفاة أبي عوانة سنة ١٧٥، أو سنة ١٧٦، وحمل الأستاذ قوله: "فلم يسمع منه" على المجاز، أي فلم يسمع منه سماعًا يُعتدّ به، ثم تخرَّص أن ذلك لأجل اختلاطه. ويدفع هذا: أن مثل أبي عَوانة في إمامته وجلالته، وكثرة حديثه، وكثرة الآخذين عنه لو اختلط لاشتهر ذلك وانتشر، فكيف لو دام ذلك سنوات؟ وقد اعتنى الأئمة بجمع أسماء الذين اختلطوا، فلم يذكروا أبا عَوانة، واعتنى المؤلفون في الضعفاء بذكر الذين اختلطوا، فلم يذكروا أبا عوانة، ومن ذكره منهم لم يذكر أنه اختلط، وإنما ذكر أنه كان إذا حدَّث من حفظه يغلط، ومع ذلك فهذه الرواية لا وجود لها (٤) في "تهذيب التهذيب" (٥) مع حرصه على

стр. 102

ذِكْر كلّ ما فيه مدح أو قدح، وظهر من ذلك أنها ليست في أصوله (١). والذي يظهر أنهم حملوها على أن المقصود بها بيان تاريخ الوفاة (٢)؛ لأن الخطيب عقَّبَها بما هو صريح في ذلك، فإما أن يكونوا أعرضوا عنها لشذوذها وإجمالها، وإما أن يكون وقع في نسخة "التاريخ" المطبوع سقط والأصل: "قبل سنة (ست و) سبعين"، فرأوا أنها مع إجمالها محتملة للوجهين المصرَّح بهما، فإن كان ولا بدّ فقد يكون المراد بها معنى ما رُوي عن الإمام أحمد: أن أبا عوانة كان في آخر عمره يقرأ من كتب الناس، يعني اعتمادًا على حفظه، مع قول أحمد: "إذا حدَّث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدّث من غير كتابه ربما وهم"؛ فيكون أبو هشام بالغ في قوله: "فلم يسمع منه". فأما الاختلاط فلا وجه له البتة. [ص ٧٤] ٣ - محمد بن علي بن الحسن بن شقيق . في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٤١٤ [٤٤٣]) من طريق "أحمد بن محمد بن الحسين البلخي يقول: سمعت محمد بن علي بن الحسن بن شقيق يقول: سمعت أبي يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: لَحَديثٌ واحد من حديث الزهري أحبّ إليّ من جميع كلام أبي حنيفة". فذكر الأستاذ (ص ١٥١) أثرًا قبل هذا، ثم قال: "وفي سند الخبر الذي بعده

стр. 103

محمد بن شفيق (كذا) وليس بذاك، ومتن الخبر لحديث واحد ... ". فمحمد بن علي بن الحسن بن شقيق وثَّقه النسائي وغيرُه، وقال الحاكم: "كان محدِّث مرو". ولم يغمزه أحد، فأما أبوه فمن جِلّة أصحاب ابن المبارك، احتجَّ به الشيخان في "الصحيحين" وبقية الستة (١). ٤ - حُسين بن حُرَيث أبو عمَّار المروزي. قال الأستاذ (ص ٨٣) "كثير الإغراب". أقول: لم أجد للأستاذ سَلَفًا في هذا، والحسين بن حريث من شيوخ الشيخين في "الصحيحين"، وأبي داود والترمذي والنسائي في كتبهم، ووثقه النسائي وغيره، ولم يغمزه أحد (٢). ٥ - علي بن محمد بن مهران السوّاق. قال الأستاذ (ص ١٥٦): "من ضعفاء شيوخ الدارقطني". كذا قال، وهذا الرجل روى عنه الدارقطني، ووثَّقه الخطيب ولم يغمزه أحد، وتأتي ترجمته في "التنكيل" (٣). ٦ - جعفر بن محمد بن شاكر . قال الأستاذ (ص ١٠٩): "بلغ تسعين [سنة] (٤) واختلّ ضبطُه". أقول: أما العمر فذكروا أن جعفرًا قارب التسعين، وأما اختلال الضبط

стр. 104

فمن مجازفات الأستاذ، قال الخطيب (٧/ ١٧٦): "كان عابدًا زاهدًا ثقة صادقًا متقنًا ضابطًا". [ص ٧٥] وأسند عن ابن المنادي: "كان ذا فضل وعبادة وزهد، انتفع به خلقٌ كثير في الحديث". وعنه أيضًا: "كان من الصالحين، أكثر الناسُ عنه لثقته وصلاحه، بلغ تسعين سنة غير يسير". وبلوغ التسعين لا يستلزم اختلال الضبط، كما مرّ في ترجمة أنس (١)، ويتأكد ذلك في هؤلاء المتأخرين؛ لأن اعتمادهم على أصول مثبتة منقَّحة محفوظة، لا على الحفظ، والله الموفق. فهذه ثمانية من فروع مغالطات الأستاذ ومجازفاته، وبقي بعض أمثلتها، وسترى ذلك في "التنكيل"، وكذلك بقيت فروع أخرى ستراها في "التنكيل" إن شاء الله تعالى. منها: أنه قد يكون في الرجل كلام يسير لا يضر، فيزعمه الأستاذ جرحًا تُردّ به الرواية، كما قال في الحسن بن علي الحُلْواني، والحسن بن أبي بكر، وعثمان بن أحمد بن السماك، ومحمد بن عباس بن حَيّويه (٢). ومنها: أن الأستاذ قد يحكي كلامًا في الرجل مع أنه لا يضره بالنسبة إلى الموضع الذي يتكلّم عليه، كأن يروي الخطيب عن رجل كلامًا قاله برأيه، فيحكي الأستاذ في ذلك الرجل كلامًا حاصله أنه كان سيء الحفظ، كما قال في إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري، ويوسف بن أسباط، وسفيان بن وكيع، وقيس بن الربيع، ومؤمَّل بن إسماعيل، ومحمد بن

стр. 105

ميمون أبي حمزة، ومحمد بن جعفر بن الهيثم (١). ومنها: أن الخطيب كثيرًا ما ينقل بعض الروايات عن بعض المصنفات المشهورة، ولكنه على عادة أقرانه لا يصرِّح بالنقل، بل يرويها بسنده الذي سمع به ذاك الكتاب، فيتكلّف الأستاذ الكلام في بعض مَنْ بين الخطيب وبين مؤلِّف الكتاب، مع أن هذا لا يقدح في الرواية، إذ معظم الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة؛ [ص ٧٦] ككلامه في عبد الله بن جعفر بن درستويه، والحسن بن الحسين بن دوما، ومحمد بن أحمد رزق، وأحمد بن كامل (٢). ومنها: أن الأستاذ يعمد إلى كلامٍ قد ردّه الأئمة، فيتجاهل الأستاذ ردَّهم ويحتج بذلك الكلام، ككلامه في عليّ بن عبد الله بن المديني، وبشر بن السَّرَي، وأحمد بن صالح، ومحمد بن بشَّار، وإسماعيل بن إبراهيم أبي معمر الهذلي، وأبي مُسْهِر عبد الأعلى بن مسهر، وعبد الله بن محمد بن أبي الأسود، ومحمد بن عبد الله بن عمّار (٣). ومنها: أنه يعمد إلى ما يعلم أنه لا يُعدّ جرحًا البتة، فيعتدّ به ويهوِّل، مثل كلامه في عبد الله بن الزّبير الحميدي، والحسن بن أبي بكر بن شاذان، ورجاء بن السندي (٤).

стр. 106

ومنها: أنه يتهم بعض الحفاظ الثقات بتُهَم لا أصل لها، كما قاله في الحميدي، وأحمد بن عليّ الأبّار، إلى غير ذلك (١). وسترى إن شاء الله تعالى هذا كلَّه وغيره في "التنكيل". وحسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه.

стр. 107

تعزيز الطليعة تأليف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني رحمه الله تعالى ١٣١٢ - ١٣٨٦ تحقيق عليّ بن محمد العمران

стр. 108

[ص ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل الميزان، وأمر بالعدل والإحسان، وزجر عن الجور والعدوان، بالعدل أقام السموات والأرض، وبه شَرَع النهي والأمر، قال ــ وقوله الحق ــ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. أما بعد، فهذه رسالة أردفتُ بها رسالتي "طليعة التنكيل" [ص ٢] لمَّا وقفتُ على رسالة الأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثريّ التي سمّاها

стр. 109

"الترحيب بنقد التأنيب"، يردُّ بها على "الطليعة" (١). وأسأل الله ــ ﵎ ــ أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.

стр. 110

الباب الأول: في مطالب متفرقة ــ ١ ــ فصل رسالتي "طليعة التنكيل" قدّمتها بين يدي كتابي "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، رددتُ به على الأستاذ أشياء تعرَّض لها في كتابه "تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب". [ص ٣] والذي سمّاه "أكاذيب"، ويسميه في كلامه "المثالب" عامته كلمات رُويت عن بعض المتقدمين، يظهر منها غضٌّ من أبي حنيفة، فعَمَد الأستاذ إلى مصحّح "تاريخ الخطيب"، فأنحى عليه، وعلى أبي الفضل بن خيرون ــ أحد رواة التاريخ عن الخطيب ــ، فحطَّ عليه، وعلى الخطيب، فحاول إسقاطه، ثم يقتصّ في كلّ إسنادٍ رجالَ الإسناد، فلا يكاد يدع منهم أحدًا إلا تكلّم فيه، ثم يساور قائل الكلمة، ويتعرَّض في الأثناء لمن يعْلَمه أثنى على واحد من أولئك الذين يتكلم فيهم الأستاذ، وربما يتعدَّى إلى غير هؤلاء، كما فعل في كلامه في ابن أبي حاتم صاحب كتاب "الجرح والتعديل"، فعَرَض لحرب الكرماني صاحب الإمام أحمد بن حنبل بِعِلَّة أن ابن أبي حاتم أخذ عنه في الاعتقاد ــ زعم الأستاذ ــ! ولا يكاد يترك من هؤلاء إلا من كان حنفيًّا، فإنه يحاول أن يبرِّئه من تلك الرواية. وأصل المقصود من كتابي "التنكيل" إنما هو تعقُّب كلام الأستاذ في
следующие страницы →