Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
التَّنْكِيلُ
بِما في تَأنِيبِ الكَوْثَرِيِّ مِنَ الأباطِيل
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
(١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)
رحمه الله تعالى
تحقيق
جـ ١٠: علي بن محمد العمران و محمد أجمل الإصلاحي
جـ ١١: محمد عزير شمس و محمد أجمل الإصلاحي
стр. 2
راجع هذا الجزء
عادل بن عبد الشكور الزرقي
стр. 3
مقدمة التحقيق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن كتاب «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» أهم وأكبر كتاب ألفه الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي (ت ١٣٨٦) ﵀. وهو بأقسامه الثلاثة (الحديث ـ والفقه ـ والعقائد) يعدّ من المؤلفات النادرة المعدودة في القرون المتأخرة؛ من حيث التدقيقُ والتحقيقُ وكثرةُ الفوائد، أفصح فيه مؤلفه عن نفَسٍ عالٍ من القدرة على البحث، والتمكّن من نواصي العلوم، والبراعة النادرة فيها، والخوض في لُجَج المشكلات العلمية، وحلها بتحقيق بالغ وتجرّد نادر، يحيط بذلك ويؤازره: قوة الحجة، وإنصاف الخصم، وعلوّ الأسلوب، ولغة معتدلة في النقد والمناظرة.
وهذا الكتاب الجليل هو الذي عرّف الشيخَ المعلمي ﵀ إلى قرّائه، فبه عرفوا قوّتَه العلمية وتحقيقه النادر، إذ إنه لم يطبع من كتبه في حياته إلا ثلاثة كتب هي (طليعة التنكيل، والأنوار الكاشفة، ومقام إبراهيم) الأول والثالث كتابان لطيفان، و «الأنوار» جرى فيه أيضًا على الاختصار وردّ الشُّبَه بلا توسع بل بما يكفي في رد الشبهة.
ولم يطبع كتاب «التنكيل» في حياة مؤلفه، بل بعد وفاته في سنة ١٣٨٦ هـ وهي السنة التي توفي فيها، مع أنه كان قد انتهى منه في حدود سنة ١٣٧٠ هـ، بدليل أن «طليعتَه» طبعت سنة ١٣٦٨ هـ، وذكر فيها أن كتاب «التنكيل» على وشك التمام.
стр. 4
ومع ما لهذا الكتاب من مكانة علمية يشهد بها كل من وقف عليه من العلماء والباحثين= فقد ألَّفه الشيخ في مدة وجيزة لا تتعدى سنتين، مع عدم التفرغ لذلك، بل ربما مكث الشهر أو أكثر مشغولًا عنه، كما سيأتي إيضاحه.
وسنعقد مفْتَتَح تحقيقه عدة مباحث تقودنا إلى التعرّف على الكتاب، وهي:
- عنوان الكتاب.
- سبب تأليفه.
- تاريخ تأليفه.
- أقسام الكتاب ومنهج المؤلف فيها.
- قيمة الكتاب العلمية.
- الكتب التي لها علاقة بالتنكيل.
- مبيّضة الكتاب ومسوّداته.
- طبعات الكتاب.
- منهج التحقيق.
- نماذج من المخطوطات.
ثم أتبعنا الكتاب بفهارس متنوعة للآيات والأحاديث والآثار والأعلام والكتب والأشعار والموضوعات، قام على صنعها الشيخ نبيل بن نصار السندي والشيخ مصطفى بن سعيد إيتيم.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 5
* عنوان الكتاب
سماه مؤلفه (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) كما هو ثابت في مقدمة الكتاب، وكما هو ثابت أيضًا بخطّه وفي مقدمة طليعته (ص ٣) التي سماها (طليعة التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) وطُبعت في حياته.
وكان المؤلف قد سماه أول الأمر (النقد البريء) كما في ورقة كتبها لبعض من طلب منه رأيه في كتاب «تأنيب الخطيب»، وطبعت خطأً على أنها مقدمة للطليعة في طبعتها الأولى, كما أشار إلى ذلك المؤلف في «الترحيب» (ص ١٩٠).
* سبب التأليف
نص المؤلفُ على ذلك في مقدمة الكتاب باختصار (ص ٣) , وبأوسع منه في «طليعة التنكيل» (ص ٣ - ٤) فقال: «فإني وقفت على كتاب «تأنيب الخطيب» للأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري، الذي تعقَّب فيه ما ذكره الحافظ المحدث الخطيب البغدادي في ترجمة الإمام أبي حنيفة من «تاريخ بغداد» (١) من الروايات عن الماضين في الغَضِّ من أبي حنيفة.
فرأيتُ الأستاذ تعدَّى ما يوافقه عليه أهلُ العلم من توقير أبي حنيفة وحُسْن الذبّ عنه إلى ما لا يرضاه عالم متثبِّت من المغالطات المضادّة
_________
(١) (١٣/ ٣٢٣ - ٤٥٤).
стр. 6
للأمانة العلمية، ومن التخليط في القواعد، والطعن في أئمة السنة ونَقَلَتها، حتى تناول بعضَ أفاضل الصحابة والتابعين، والأئمة الثلاثة مالكًا والشافعي وأحمد وأضرابهم، وكبار أئمة الحديث وثقات نَقَلَته، والردّ لأحاديث صحيحة ثابتة، والعيب للعقيدة السلفية، وأساء في ذلك جدًّا حتى إلى الإمام أبي حنيفة نفسه، فإنه من يزعم أنه لا يتأتَّى الدفاع عن أبي حنيفة إلا بمثل ذلك الصنيع فساء ما يُثْني عليه.
فدعاني ذلك إلى تعقُّب الأستاذ فيما تعدَّى فيه، فجمعتُ في ذلك كتابًا ... ». وشرَحَ ذلك أيضًا في مقدمة «شكر الترحيب» (ص ١٨٩ - ١٩١).
* تاريخ التأليف
للمؤلف كلام مفيد في تاريخ تأليف الكتاب ذكره في «شكر الترحيب» (ص ١٩٣ - ١٩٤) قال: «الواقع الذي يعرفه جماعةٌ هنا (١): أن «التأنيب» لم يصل إلى الدائرة إلى الآن، وأني إنما وقفت عليه في شهر ربيع الثاني سنة (١٣٦٦)، جاء بعض الأفاضل بنسخة منه، وعرض عليّ أن أنظر فيها، فأبيت؛ لأنني كنت أكره الخوض في تلك القضية، وقد عرفتُ مما اطلعتُ عليه قبلُ من تعاليق الأستاذ على بعض الكتب أنه كثيرًا ما يتطرَّف في نظري.
فألحَّ عليّ ذلك الفاضل، فأطعتُه، وهنالك رأيتُ ما هالني! فبدا لي أن أكتب شيئًا، فشرعتُ في ذلك ــ لعله ــ الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الثاني سنة (١٣٦٦).
_________
(١) يعني في «الهند».
стр. 7
ومع ذلك، لم أكن أواصل العمل، وربما يمضي الشهر وأكثر لا أنشط لكتابة شيء، وأنا إلى الآن لم أكمل قسم العقائد. هذا هو الواقع، أحوجني الأستاذ إلى شرحه، وإن كان لا تتعلق به فائدة» اهـ.
فهذا فيه دلالة واضحة على أنه بدأ به في أواخر شهر ربيع الثاني سنة ١٣٦٦ هـ، وأرسل «الطليعة» للطبع سنة ١٣٦٨ هـ وطبعت في تلك السنة، وكان قد أتمّ الكتابَ إلا القسم الأخير منه المتعلق بالعقائد بقيت فيه بقية.
وهذا يدلّنا على الوقت الذي استغرقه في تأليف الكتاب، إذ يكون أقل من سنتين، مع عمله الوظيفي في دائرة المعارف، والانقطاعات التي أشار إليها التي قد تمتد إلى أكثر من شهر.
وفي هذا دليل على قوة المؤلف العلمية واكتمال ملَكَة الاجتهاد لديه في العلوم المختلفة، وقُدرته على البحث والمطالعة والجَلَد عليهما.
* أقسام الكتاب، ومنهج المؤلف فيها
ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب أنه قسمه إلى أربعة أقسام، هي:
القسم الأول: القواعد.
القسم الثاني: التراجم.
القسم الثالث: الفقهيات (البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضيّة).
القسم الرابع: العقائد (القائد إلى تصحيح العقائد).
وسنتكلم على كل قسم منها، ومنهج المؤلف فيه فنقول:
стр. 8
قدّم المؤلف خمسة فصول قبل أن يشرع في القسم الأول من الكتاب، وهي أشبه بالتوطئة والتمهيد للكتاب؛ ذكر في الفصل الأول الغرضَ الأهمَّ من تأليف كتاب التنكيل، وهو ردّ المطاعن الباطلة عن أئمة السنة ورواتها، ثم شرح الأمر الذي اضطرّه إلى ذلك وخطورة هذا الأمر على السّنة.
وفي الفصل الثاني تكلم على الغلوّ في الأفاضل، وأنه هو الذي جرّ الكوثريَّ إلى الطعن في غيره، واتهامهم جميعًا بمعاداة أبي حنيفة. ثم تكلم على كلام العلماء بعضهم في بعض، وما يقع أحيانًا من الشدة في كلامهم، وتخريج ذلك على معنى لطيف، مع عدة أمثلة تشهد لما ذهب إليه المؤلف من المعنى.
وفي الفصل الثالث تكلم على محاولة الكوثري التبرّؤ مما نُسِب إليه من الطعن في أنس بن مالك ﵁، وفي هشام بن عروة بن الزبير.
وفي الرابع بحَثَ معه في العُذر الذي ذكره الكوثري في أثَر مسألة القول بخلق القرآن، وأنها هي السبب الذي أوغر صدور المحدّثين على أبي حنيفة، باعتبار أن من قام فيها ينتسبون لمذهب أبي حنيفة. وقد أجاب المؤلف عن ذلك بخمسة أمور.
وفي الخامس تكلم المؤلف عن ميول الكوثري المذهبية والثقافية وكيف أثّرت على كتاباته، فهو من أهل الرأي ومن غُلاة المقلّدين في الفقه، ومن مقلّدي المتكلمين، ومن المجارين لكُتّاب العصر، ثم تكلم على كل صفة من هذه الصفات وكيف أثرت على الكوثري فكرًا وسلوكًا.
ثم شرع في القسم الأول من الكتاب، وهو قسم القواعد، فذكر تحته
стр. 9
تسع قواعد تتعلق بعلم الجرح والتعديل والكلام على الرواة، نذكر عنواناتها هنا:
١ - رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي.
٢ - التهمة بالكذب.
٣ - رواية المبتدع.
٤ - قدح الساخط ومدح المحبّ ونحو ذلك.
٥ - هل يشترط تفسير الجرح؟
٦ - كيف البحث عن أحوال الرواة؟
٧ - إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل؟
٨ - قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ...
٩ - مباحث في الاتصال والانقطاع.
وهذه القواعد صدّر بها المؤلف الكتاب لغرضين:
الأول: لأن الكوثري خلّط فيها في مواضع عديدة من كتابه، فأراد المؤلف أن يجمع الكلام فيها في مكان واحد، ويتكلم عليه على وجه التحرير والتحقيق.
الثاني: لكيلا يضطر المؤلف لإعادة الكلام في هذه المسائل في كل موضع يجيء مقتضى الكلام عليها، فنرى المؤلف يحيل في استيفاء الكلام على هذه القواعد كلّما احتاج إلى ذلك.
стр. 10
والسبب الذي اقتضى من المؤلف الكلام على هذه القواعد التسع دون غيرها من قواعد الجرح والتعديل ومعرفة الرجال هو أن الكوثري في كلامه على الرواة في كتابه موضوع النقد= قد أكثر من الاعتماد على مجموع هذه القواعد؛ إما على خلاف الراجح المعروف عند أهل الحديث والنقد، أو على وجهٍ فيه تَعْمِية وتلبيس على القارئ غير الممارس، أو بإلحاق راوٍ بما لا يناسبه من هذه القواعد، أو بتنزيل قاعدة على راوٍ لا يصح أن تنزّل عليه، وهكذا. وقد لخَّص المؤلف كل هذه التصرّفات من الكوثري بـ «التخليط في القواعد».
وقد جرى المؤلف في هذه القواعد على طريقته المعهودة من التأصيل والتحرير والمناقشة والترجيح، وصارت هذه القواعد مصدرًا ثرًّا لمن كتب فيها بعد ذلك من الدارسين.
ثم شرع في القسم الثاني من الكتاب، وهو قسم التراجم. وقد صدّره ببيان أن هؤلاء الرواة هم الذين تكلم عليهم الكوثري في كتابه، وقد يذكر غيرهم لاقتضاء الحال، وأن ما لم ينسبه من الأقوال في الرواة فهو من «تهذيب التهذيب» أو «اللسان»، وما كان من غيرهما فإنه يسمي الكتاب والجزء والصفحة غالبًا. وهذا القسم هو أكبر أقسام الكتاب، وهو الغرض الأساسي والأهم من تأليف «التنكيل» كما سلف.
ويمكننا أن نلخص طريقة المؤلف في هذا القسم في عدة نقاط:
١ - عدد التراجم المذكورة في هذا القسم ثلاث وسبعون ومِئَتا ترجمة.
٢ - رتبهم المؤلف على حروف المعجم، مع رقم تسلسلي لكل ترجمة.
стр. 11
٣ - طريقته في سياق الترجمة: أنه يذكر أولًا اسم الراوي، ثم عبارة الخطيب من «تاريخ بغداد» ــ بالجزء والصفحة ــ التي انتقدها الكوثري وورد فيها اسم الراوي، ثم ينقل كلام الكوثري من كتابه «التأنيب» بالصفحة قائلًا: «قال الأستاذ»، ثم يبدأ بتعقّبه ومناقشته والردّ عليه. هذه طريقته في جميع تراجم الكتاب.
٤ - لم يقتصر المؤلف على مقصود التعقّب، بل حرَص أن يكون الكتاب جامعًا لفوائد عزيزة في علوم السنة مما يعين على التبحّر والتحقيق فيها، كما صرّح بذلك في «الطليعة» (ص ٤).
٥ - حرَص أيضًا على توخّي الحق والعدل واستعمال لغة العلم بعيدًا عن الأسلوب العنيف الذي انتهجه الكوثري في كتابه، غير أن إفراط الكوثري في إساءة القول في الأئمة جرّأه على التصريح ببعض ما يقتضيه صنيعه، كما نص على ذلك أيضًا.
٦ - كانت تعقّبات المؤلف تختلف من ترجمة إلى أخرى طولًا وقصرًا وبحثًا ونظرًا بحسب ما يقع من الكوثري من الوهم أو الإيهام، وقد لخص المؤلف أوجه النقد الموجّهة إلى الكوثري في كتابه هذا في ثمانية من صور التغيير والمغالطات والمجازفات، وهي كما لخّصها في «طليعة التنكيل»:
أأوابده في تبديل الرواة.
ب عوامده في جعل ما لا علاقة له بالجرح جرحًا.
ت عجائبه في اهتبال التصحيف أو الغلط الواقع في بعض الكتب إذا ما وافق هواه.
стр. 12
ث غرائبه في تحريف نصوص أئمة الجرح والتعديل.
ج فواقره في تقطيع نصوص أئمة الجرح والتعديل.
ح عواقره في الاحتجاج بجرح لم يثبت وحكايته بصيغة الجزم.
خ تجاهله ومجازفاته.
د أعاجيبه في اختلاق صيَغ الجرح من غير بيّنة.
هذه الأنواع الثمانية التقط منها المؤلف نماذج، ولخّصها في «الطليعة» ثم ذكر في «الطليعة» (ص ٨٧) أنه بقيت ستة فروع أخرى ذكرها بالتفصيل في «التنكيل»، وهي:
ذ أنه قد يكون في الرجل كلام يسير لا يضرُّ، فيزعمُه الأستاذُ جرحًا تُردّ به الرواية.
ر أن الأستاذ قد يحكي كلامًا في الرجل مع أنه لا يضره بالنسبة إلى الموضع الذي يتكلّم عليه.
ز تكلّفه الكلام في أسانيد بعض الكتب بالصحة والثبوت بما لا يقدح في ثبوت الكتاب.
س أن الأستاذ يعمد إلى كلامٍ قد ردّه الأئمة، فيتجاهل الأستاذ ردَّهم ويحتج بذلك الكلام.
ش أنه يعمد إلى ما يعلم أنه لا يُعدّ جرحًا البتة، فيعتدّ به ويهوِّل.
ص أنه يتهم بعض الحفاظ الثقات بتُهَم لا أصل لها، كما قاله في الحميدي وغيره.
стр. 13
فهذه الأنواع من المغالطات والمجازفات هي أغلب ما ناقش المؤلف الكوثريَّ فيه، وبيَّن تهافتَ كتابه، وسقوطَ حججه أمام التحقيق والبرهان، وأظهر بجلاء أن صياغة الكوثري المُحْكمة لكتابه ما هي إلا ستر خفيف للتغطية على بناء مهلهل من الداخل.
٧ - جرى المؤلف في كتابه على نمطٍ صعب من التحلّي بأدب النقاش، وجمال العبارة، ومنهاج ثابت من الخلق الحسن والإنصاف للخصم. فقد جرى في طول الكتاب وعرضه على وصف الكوثري بـ (الأستاذ)، وكان عفيف العبارة لم يجرح ولم يبكّت ولم يُجار الكوثريَّ حتى فيما يمكن مجاراته فيه من باب ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. غير أنه قد يشتد في مواضع نادرة جرّأه عليها إساءةُ الأستاذ القول في أئمة السنة، كما قال في «الطليعة» (ص ٤)، وكما هو واقع في «التنكيل» في التراجم ذوات الأرقام (٢٣ و ٩٨ و ١٨٩ و ١٩١).
٨ - صرّح المؤلف في ترجمة البخاري رقم (١٩١) أنه سلك في هذا الكتاب سبيل المجاملة، قال: «وليس هذا موضع استيفاء الحق»، وأنه قد أعدّ لاستيفاء الحق عدّته إن لزم الأمر.
أما القسم الثالث الخاص بالفقه، فقد بحث فيه سبع عشرة مسألة, وكان سبب الكلام عليها تعقب الأستاذ الكوثري في كتابه «التأنيب» على الخطيب البغدادي لإيراده أحاديث في ترجمة الإمام أبي حنيفة من «تاريخ بغداد» , ونقل إنكار بعض المتقدمين على الإمام بسبب ترك العمل بها وردّها.
والمسائل الواردة في الكتاب كما يلي:
стр. 14
١ - إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس.
٢ - رفع اليدين في الصلاة.
٣ - أفطر الحاجم والمحجوم.
٤ - إشعار الهدي.
٥ - المحرم لا يجد إزارًا أو نعلين يلبس السراويل والخف ولا فدية عليه.
٦ - درهم وجوزة بدرهمين.
٧ - خيار المجلس.
٨ - رجل خلا بأجنبية ثم قالا: نحن زوجان.
٩ - الطلاق قبل النكاح.
١٠ - العقيقة مشروعة.
١١ - سهام الخيل من الغنيمة.
١٢ - القتل بالمثقّل.
١٣ - لا تعقل العاقلة عبدًا.
١٤ - تقطع اليد في ربع دينار.
١٥ - القضاء بشاهد ويمين.
١٦ - نكاح الشاهد امرأة شهد بطلاقها زورًا.
١٧ - القرعة.
ومنهج الشيخ في بحث كل مسألة: أنه ينقل أولًا ما في «تاريخ بغداد» ,
стр. 15
ثم يذكر كلام الكوثري, ثم يعقب عليه بما له وما عليه. وقد فصل الكلام حول بعض المسائل, مثل قطع اليد في ربع دينار (رقم ١٤) , والقضاء بشاهد ويمين (رقم ١٥) , ومسألة رفع اليدين (رقم ٢) , وإذا بلغ الماء قلتين لم ينجس (رقم ١) , وخيار المجلس (رقم ٧) , والقتل بالمثقل (رقم ١٢). وأطال في نقد الأحاديث الواردة في الباب وبيان فقهها ومذاهب العلماء فيها, وناقش الكوثري وبين ما في كلامه من التعسف ومجانبة الحق والصواب, ورد على تضعيفه للأحاديث الصحيحة وتأويلها. كل ذلك بأسلوب علمي هادئ رصين يقنع الباحث المنصف, وينبغي أن يقتدى به في بحث المسائل الفقهية دون همز أو لمز أو جناية على الآخرين.
وقد نظر المؤلف في الأحاديث والآثار التي احتج بها الأستاذ الكوثري ومَن سبقه, وبين درجتها من الصحة والضعف, وتكلم على أسانيدها ومتونها وما يستنبط منها, وذكر وجوه التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض, ورد على دعوى الاختلاف والاضطراب فيها. ونثر في أثنائها فوائد حديثية ودقائق علمية قد لا توجد في المطوَّلات.
أما القسم الرابع من التنكيل فهو «القائد إلى تصحيح العقائد» , ألفه الشيخ ردًّا على الكوثري عند ما تعرض في كتابه «تأنيب الخطيب» للطعن في عقيدة أهل الحديث, ونبزهم بالمجسمة والمشبهة والحشوية, ورماهم بالجهل والبدعة والزيغ والضلالة, وخاض في بعض المسائل الاعتقادية كمسألة الكلام والإرجاء, فتعقبه الشيخ في هذا كما تعقبه في غيره.
ويتكون الكتاب من مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة, أما المقدمة فقد بدأها بذكر أن الله غني عن العالمين, وقد خلق الخلق لعبادته وطاعته بامتثال
стр. 16
ما أمر به واجتناب ما نهى عنه, وجعل مدار كمال المخلوق على حب الحق وكراهية الباطل, فخلق الله الناس مفطورين على ذلك, وقدَّر لهم ما يؤكد تلك الفطرة وما يدعوهم إلى خلافها, ليكون عليهم في اختيار الكمال مشقة وتعب, ولهم في خلاف ذلك شهوة وهوى. والمقصود أن يتبين حال الإنسان, فيفوز مَنْ صبر على تحمل المشاق, ويخسر من يلجأ إلى الباطل فرارًا من تلك المشاق أو من شدتها, فمدار الفوز أو الخسران على إيثار الحق أو الباطل.
وعقد فصلًا ذكر فيه أن الدين على درجات: كفٌّ عما نهي عنه, وعمل بما أمر به, واعتراف بالحق, واعتقاد له وعلم به. وبيَّن كيف يكون مخالفة الهوى للحق في هذه الأمور, ولم يجعل الله جميع حجج الحق مكشوفة قاهرة لا تشتبه على أحد, لأنها لو كانت كذلك لكان الناس مجبورين على اعتقاد الحق, فلا يستحقون عليه حمدًا ولا كمالًا ولا ثوابًا, وكذلك اقتضت الحكمة أن لا تكون الشبهات غالبة حتى لا توقع الناس كلهم في الكفر, بل اقتضت أن تكون هناك بينات وشبهات, فمن جرى مع فطرته وآثر مقتضاها وتفقد مسالك الهوى فاحترس منها تتجلى له البينات وتتضاءل عنده الشبهات, ومن اتبع الهوى وآثر الحياة الدنيا تبرقعت دونه البينات واستهوته الشبهات.
ثم عقد فصلًا ذكر فيه أن المطالب على ثلاثة أضرب: الأول: العقائد التي يُطلَب الجزم بها ولا يسع جهلها. الثاني: بقية العقائد. الثالث: الأحكام.
стр. 17
فأما الضرب الأول فالنظر فيه ميسر لكل أحد, والنظر العقلي المتعمق فيه لا حاجة إليه, بل هو مثار الشبهات.
وأما الضرب الثاني فمن كان قائلًا بشيء منه عن حجة صحيحة فإن الاستجابة لا تزيد تلك الحجة إلا وضوحًا مع الخلاص عن الهوى. وإلا فالجهل بهذا الضرب خير من القول فيه بغير حجة.
وأما الضرب الثالث فالمتواتر منه والمجمع عليه لا يختلف حكمه, وما عداه قضايا اجتهادية يكفي فيها بذل الوسع لتعرف الراجح أو الأرجح أو الأحوط, فيؤخذ به.
وفي الفصل الخامس الأخير من المقدمة ذكر عشرة أمور ينبغي للإنسان أن يقدم التفكر فيها ويجعلها نصب عينيه. عليه أن يفكر في شرف الحق وضعة الباطل, ويفكر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة, ويفكر في حاله بالنظر إلى أعماله من الطاعة والمعصية, ويفكر في حاله مع الهوى, ويستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ عليه باطل, لا يخلو من أن يكون قد سلف منه تقصير أو لا, فعلى الأول إن استمر على ذلك كان مستمرًّا على النقص ومصرًّا عليه, وذلك هو هلاك الأبد, وإن نظر فتبين له الحق فرجع إليه حاز الكمال. ويستحضر أن الذي يهمه ويسأل عنه هو حاله في نفسه, فلا يضره عند الله ولا عند أهل العلم والدين والعقل أن يكون معلمه أو أسلافه أو أشياخه على نقص. ويتدبر ما يرجى لمؤثر الحق من رضوان الله والفوز العظيم الدائم في الآخرة, وما يستحقه متبع الهوى من سخطه والمقت في الدنيا والعذاب الأليم الخالد في الآخرة.
стр. 18
ويأخذ نفسه بخلاف هواها فيما يتبين له, فلا يسامحها في ترك واجب ولا في ارتكاب معصية ولا في هجوم على مشتبه, ويروضها على التثبت والخضوع للحق. ويأخذ نفسه بالاحتياط فيما يخالف ما نشأ عليه, فإذا كان فيما نشأ عليه أشياء يقول أهل العلم: إنها شرك أو بدعة أو حرام, فليأخذ نفسه بتركها, حتى يتبين له بالحجج الواضحة صحة ما نشأ عليه. والأمر الأخير أن يسعى في التمييز بين معدن الحجج ومعدن الشبهات, فإنه إذا تم له ذلك هان عليه الخطب.
والباب الأول في الفرق بين معدن الحق ومعدن الشبهات, وبيان مآخذ العقائد الإسلامية ومراتبها. ذكر فيه أن مآخذ العقائد أربعة: سلفيان وهما الفطرة والشرع, وخلفيان وهما النظر العقلي المتعمَّق فيه والكشف الصوفي. وفصّل الكلام عليها, وبين أن الله فطر الناس على الهيئة التي ترشحهم لمعرفة الحق, والشرع هو كلام الله وكلام رسوله, لا يخشى فيه جهل ولا خطأ, ولا كذب ولا تلبيس, ولا تقصير في البيان, فهل يقول مسلم بعد هذا: إن المأخذين السلفيين غير كافيين في معرفة الحق في العقائد, وأن ما يؤخذ من علم الكلام والفلسفة مقدم على المأخذين السلفيين ومهيمن عليهما؟ !
أما المأخذ الخلفي الأول (وهو النظر العقلي المتعمَّق فيه) فلا حاجة إليه في معرفة العقائد في الإسلام, وهو مثار للشبهات والتشكيك, ولذا وجب التنفير عنه والتحذير منه. وقد كشف المؤلف عواره وهتك أستاره بسلاح أهل الكلام والفلسفة, فنقل كلامهم وبين اختلافهم, وقدح بعضهم في الحسيات والبديهيات وجواب بعضهم عنه وتناقضهم في ذلك. ثم
стр. 19
تطرق المؤلف إلى ذكر القادحين في إفادة النظر العلم, والوجوه التي تمسكوا بها وما أجيب به عنها. وذكر في آخر هذا الفصل بعض أئمة المتكلمين الذين رجعوا قبل وفاتهم إلى تمني الحال التي عليها عامة المسلمين, مثل الشيخ أبي الحسن الأشعري, والجويني, والغزالي, والفخر الرازي. فرجوع هؤلاء الأكابر وقضاؤهم على النظر المتعمَّق فيه بعد أن أفنوا فيه أعمارهم من أوضح الحجج على من دونهم.
ثم تكلم المؤلف عن المأخذ الخلفي الثاني وهو الكشف الصوفي, فذكر أن أول من مزج التصوف بالكلام الحارث المحاسبي, ثم اشتد الأمر في الذين أخذوا عنه فمن بعدهم, حتى جاء ابن عربي وابن سبعين والتلمساني, ومقالاتهم معروفة, ومن تتبع ما كان عليه النبي ﷺ والصحابة وأئمة التابعين, وما يصرح به الكتاب والسنة وآثار السلف, وأنعم النظر في ذلك, ثم قارن ذلك بمقالات هؤلاء القوم, علم يقينًا أنه لا يمكنه أن يصدق الشرع ويصدقهم معًا. والشرع يقضي بأن الكشف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين, ونجد في كلام المتصوفة أن الكشف قد يكون حقًّا, وقد يكون من الشيطان, وقد يكون تخيلًا موافقًا لحديث النفس, وصرحوا بأنه كثيرًا ما يُكْشَف للرجل بما يوافق رأيه حقًّا كان أو باطلًا, فالكشف إذن تبع للهوى, فغايته أن يؤيد الهوى ويرسخه في النفس ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار, فكأن الساعي في أن يحصل له الكشف إنما يسعى في أن يضلَّه الله . وما يزعمه بعض غلاتهم من أن لهم علامات يميزون بها بين ما هو حق من الكشف وما هو باطل, دعوى فارغة.
стр. 20
وختم المؤلف كلامه على المأخذين الخلفيين بقوله: «مهما يكن في المأخذين الخلفيين من الوهن فإننا لا نمنع أن يُستَند إليهما فيما ليس من الدين ولا يدفعه الدين, وكذلك لا نرى كبير حرج في الاستئناس بما يوافق المأخذين السلفيين بعد الاعتراف بأنهما كافيان شافيان, وإنما الممنوع الباطل هو زعم أنهما غير وافيين ببيان الحق في الدين».
أما الباب الثاني فقد عقده لبيان تنزيه الله ورسله عن الكذب, قصد به الرد على طوائف المتكلمين الذين يردون نصوص الكتاب والسنة في العقائد, فمنهم من ردها مع تصريحه بأن كثيرًا منها لا يحمل إلا المعاني التي يزعم أنها باطلة, ويزعم أن الشرع أتى بها مجاراةً لعقول الجمهور. ومنهم من زعم أنها غير صالحة للحجة في العقائد مطلقًا. ومنهم من لم يصرح بذلك, ولكنه قدّم غيرها عليها وتعسّف في تأويلها تعسفًا مخرجًا عن قانون الكلام. فتحصل من كلامهم حملهم تلك النصوص على الكذب.
وقد فصَّل الكلام على تنزيه الله والأنبياء عن الكذب, وبين معنى حديث ثلاث كذبات وغيره مما يورَد على هذا الأصل, وللمؤلف رسالة مستقلة بعنوان «إرشاد العامِه إلى الكذب وأحكامه» , شرح فيها حقيقة الكذب والفرق بينه وبين المجاز, وما هي المعاريض؟ وما هو الذي يصح الترخيص فيه؟ وغير ذلك, وهي مطبوعة ضمن رسائل الأصول في هذه الموسوعة. وقد أشار إليها الشيخ في آخر هذا المبحث.
والباب الثالث في الاحتجاج بالنصوص الشرعية في العقائد, وهو أطول أبواب الكتاب, ذكر فيه أن التعمق في النظر العقلي أدى إلى ترك الاحتجاج بالنصوص وردّها أو تأويلها, وصرح بعضهم بأن أخبار الآحاد إذا
стр. 21
خالفت المعقول يجب تأويلها أو ردُّها, ثم نشأ المتوغِّلون في الفلسفة كالفارابي وابن سينا, وكان مما خالفوه من العقائد الإسلامية أمر المعاد, فاحتج عليهم المتكلمون بالنصوص, فغافصهم ابن سينا مغافصة شديدة. وقد نقل المؤلف بعض عباراته, ولخص المقصود منها في عشرة مقاصد, ثم عقد مجلسًا للنظر في هذه المقاصد, حضره متكلم وسلفي وناقد, وأجرى الحوار على لسانهم في هذه الموضوعات, ليبين الحق والصواب فيها ويرد على ابن سينا وأتباعه في إنكار الاحتجاج بالنصوص الشرعية. وتطرق في أثنائها إلى أبحاث وتحقيقات, مثل الكلام على معنى آية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] , وبيان معنى اسم الله تعالى الواحد والرد على تفسير ابن سينا له, والرد عليه في زعمه أن ذات الله ليست منفصلة عن العالم ولا متصلة به, وبيان أن حاصل كلامه نسبة الكذب إلى الله والرسول, والموازنة بين كذبات إبراهيم ﵇ وبين النصوص التي زعم بطلان معانيها من وجوه. وختم المؤلف كلامه في الرد على ابن سينا بمبحث في حشر الأجساد هل هو بجميع أجزائها المتفرقة أم بإنشاء أجساد أخرى؟
بعد الرد على ابن سينا انتقل إلى كلام الفخر الرازي في الاحتجاج بالنصوص الشرعية, ولخصه في ثلاثة مطالب:
الأول: ما يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته (كوجود الله وعلمه بالمعلومات كلها, وصدق الرسول) , فهذا يستحيل أن يعلم بإخبار الشارع.
الثاني: ثبوت أو انتفاء ما يقطع العقل بإمكان ثبوته وإمكان انتفائه, إذا لم يجده الإنسان من نفسه ولا أدركه بحسه, استحال العلم به إلا من جهة الشرع.
стр. 22
الثالث: وجوب الواجبات وإمكان الممكنات واستحالة المستحيلات يُعلَم من طريق العقل, فأما العلم به بإخبار الشارع فمشكل, لأن خبر الشارع في هذا المطلب إن وافقه عليه العقل فالاعتماد على العقل, وخبر الشارع فضل, وإن خالفه العقل وجب تقديم العقل وتأويل الخبر, وإن لم يعلم موافقة العقل الخبر ولا مخالفته له كان محتملًا أن يكون العقل مخالفًا له فيجب تأويله, ومع هذا الاحتمال لا يفيد العلم.
ناقش المؤلف رأي الرازي, ورد عليه بتفصيل في منعه الاحتجاج بالنصوص في العقائد, وألزمه بإلزامات لا مفرَّ منها, وذكر أن كثيرًا من النصوص التي ينكر المتعمقون ظواهرها كانت عقول المخاطبين الأولين تقطع بوجوب ما دل عليه بعضها وجواز ما دل عليه الباقي.
ثم ذكر المؤلف كلام العضد وغيره في هذه المسألة, ورد عليه وعلى الشريف الجرجاني والسعد التفتازاني في قولهم: إن الأدلة النقلية لا تفيد اليقين, وتَوصَّل في النهاية إلى أن من تدبر القرآن والسنة وآثار السلف لم يَخْفَ عليه الحق في كثير منها, وأنه لا يمنعه من القطع والاستيقان ــ إن منعه ــ إلا الشبهات المحدثة المبنية على التعمق, فأما من يقوى إيمانه ولا يبالي بتلك الشبهات, فإنه يقطع بدلالة كثير من تلك النصوص ويؤمن بها, وأما من لا إيمان له وهو مفتون بالشبهات فإنه لا يقطع بتلك الدلالة ويكفر بها.
وفي آخر الباب الثالث بحث نفيس عن المحكم والمتشابه, تطرق إليه المؤلف لأن كثيرًا من المتكلمين يسترون تكذيبهم للنصوص بدعوى أن ما يخالفونه منها هو من المتشابه المنهي عن اتباعه. ذكر المؤلف في معنى المحكم والمتشابه قولين عن السلف:
стр. 23
الأول: أن المحكم كل آية بينة بنفسها, والمتشابهات ما تحتاج إلى أن يبينها غيرها, كالمنسوخ والمجمل.
الثاني: أن المحكمات كل آية يتهيأ للسامع (مع معرفة معناها الذي سيقت لبيانه) أن يعرف ما تتوق إليه نفسه مما يتعلق بما اشتملت عليه, والمتشابهات ما عدا ذلك.
شرح المؤلف ذلك بالأمثلة, وذكر أن القولين يمكن تطبيقهما على سياق الآية, وبين وجه تسمية بعض الآيات متشابهات, وتكلم على جواز الوقوف على قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وتركه, وتحدث عن معنى التأويل مع ذكر أمثلة من القرآن, ورد على المتكلمين في تعلُّقهم بهذه الآية.
أما الباب الرابع الأخير فهو في بيان عقيدة السلف والكلام على عدة مسائل منها. ذكر فيه أن السلف لم يكن لهم مأخذ لعقائدهم غير المأخذين السلفيين الفطرة والشرع, وأنهم كانوا يقطعون بما يفيدان فيه القطع, وأن كلمة العقل فيها تدليس, فهناك العقل الفطري الصريح الذي لا التباس فيه, وهو الذي كان حاصلًا للأمم التي بعث الله فيها رسله وأنزل فيها كتبه, وهو الذي كان حاصلًا للصحابة ومن بعدهم من السلف, فهذا هو الذي يسوغ أن يقال: إن ما أثبته قطعًا فهو حق. وهناك نظر متعمَّق فيه, مبني على تدقيق وتخرُّص ومقاييس يلتبس فيها الأمر في الإلهيات ويشتبه، ويكثر الخطأ واللغط, فهذا هو الذي اعتمده المتكلمون مع اعترافهم بوهنه ورجوع بعض أكابرهم عنه.
ثم درس المؤلف بعض المسائل من عقيدة السلف التي انتقدها الكوثري,
стр. 24
وهي: الأينية أو الفوقية (أو كما يقولون: الجهة) , والقرآن كلام الله غير مخلوق, والإيمان قول وعمل يزيد وينقص, وقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وبين ما كان عليه السلف, ورد على الكوثري بنصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف.
وفي آخر الكتاب خاتمة فيما جاء في ذم التفرق, وأنه لا تزال طائفة قائمة بالحق, وما يجب على أهل العلم في هذا العصر. نصح فيها أهل العلم أن يبدأ كل منهم بنفسه فيسعى في تثبيتها على الصراط المستقيم, وإفرادها عن اتباع الهوى, ثم يبحث عن إخوانه, ويتعاون معهم على الرجوع بالمسلمين إلى سبيل الله, ونبذ الأهواء التي فرقوا لأجلها دينهم وكانوا شِيَعًا. وختم المؤلف الكتاب بذكر البرنامج العملي لذلك.
* قيمة الكتاب العلمية
تتجلى أهمية هذا الكتاب من بين الكتب التي ألفت في العصر الحديث أنه جمع بين دفتيه بيان منهج أهل الحديث في تقرير العقيدة, وبحث المسائل الفقهية, وتحرير قواعد الجرح والتعديل, ورد المطاعن عن أئمة السنة وثقات رواتها.
وهو فريد في هذا الباب, لا نجد له نظيرًا في منهجه وأسلوبه, سواء في علوم الحديث والجرح والتعديل وتراجم الرجال, أو تحقيق الكلام في المسائل الفقهية, أو تقرير صحة عقيدة أهل الحديث بالحجج الواضحة إجمالًا ثم دراسة عدة مسائل منها. فالكتاب مرجع مهم للباحثين في علوم مختلفة, يجدون نظرات دقيقة, وتنبيهات على نكت وفوائد, واستنباطات لم يُسبق إليها المؤلف.
стр. 25
وتحتوي الفصول الخمسة التي تعبتر تمهيدًا للكتاب على بيان أن السنة مدارها على النقل, ومدار النقل على أولئك الثقات الذين طعن فيهم الكوثري, وأن الغلوّ في الأفاضل من أوسع أودية الباطل, وأنه يؤدي إلى الطعن في الأئمة الآخرين وبيان حقيقة ما روي من المثالب في الإمام أبي حنيفة, وطريقة نقد الروايات في المدح والقدح, والموقف الحكيم تجاه ما أورده الخطيب من الحكايات في تاريخ بغداد, وبيان أن السنة لا يمكن الإحاطة بها, واجتهاد أصحاب الحديث في جمعها, وتشددهم في قبولها, ومنهج أهل الرأي والمتكلمين في رد الأحاديث الصحيحة التي تخالفهم وتكلفهم في تأويلها, واستنباطهم لأصول بمقابل أهل الحديث.
وقد قصد المؤلف بهذه الفصول بيان المنهج الذي يجب أن يسير عليه كل من يخوض في هذه الموضوعات, فالدفاع عن إمام أو عالم لا يتم بالغلو فيه والقدح في الأئمة الآخرين, وعلى الباحث أن يدرس الروايات وينقدها في ضوء أصول أهل الحديث, ولا يتبع قواعد أهل الرأي وأصول المتكلمين لرد الأحاديث الصحيحة أو تأويلها.
ومن الخصائص التي يتميز بها الكتاب: تحرير قواعد في علوم الحديث والجرح والتعديل بما لا يوجد مثله في عامة المؤلفات, منها: رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي, والتهمة بالكذب وأنها على وجهين, ورواية المبتدع وتفصيل القول فيها مع التحقيق, وبيان أن قدح الساخط ومدح المحب وغير ذلك في كلام العالم على وجهين, وهل يشترط تفسير الجرح؟ وذكر عشرة أمور يجب على من نظر في كتب الجرح والتعديل أن يراعيها, وإذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل؟ ومعنى قولهم:
стр. 26
من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح, ومباحث في الاتصال والانقطاع وهذه الأبحاث يتكون منها القسم الأول من الكتاب, وفي أثناء الكتاب ضمن الأقسام الأخرى أبحاث أخرى حقق المؤلف الكلام فيها مما يدل أنه من المجددين في علوم الحديث والجرح والتعديل, ولا نجد بعد الحافظين الذهبي وابن حجر من تكلم في هذه الموضوعات مثل المعلمي الذي راعى الجانب النظري والتطبيقي, وتتبع كلام أئمة الحديث والجرح والتعديل وصنيعهم في الحكم على الأحاديث والرجال, وذكر من الأدلة والشواهد على ما قاله ورجحه ما يقنع الباحث المنصف.
ومما يدل على أهمية الكتاب أن فيه ردًّا على شبهات أهل الكلام وأهل الرأي التي يرددونها دائمًا في كتب الكلام والأصول, وقد أطال المؤلف فيه مناقشتهم, ونقل كلام أئمتهم وعقب عليه بما يبطله ويبين وهاءه. وفي القسم الرابع من الكتاب (القائد) وغيره أمثلة من هذه الردود والمناقشات للدفاع عن منهج أهل الحديث لا توجد بعد شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم بمثل هذه القوة إلا عند المؤلف.
وفي الكتاب حل مشكلات في علوم الحديث والفقه والأصول والعقيدة والجرح والتعديل, وتفسير بعض الآيات القرآنية, وتحقيق الكلام على بعض الأحاديث, مما لا يوجد مثله في المصادر المعروفة, وأغلبه من بنات فكر المؤلف واجتهاده. وبعضه استدراك وتعقيب على كلام الآخرين.
ونجد في «القائد» تأصيل منهج أهل الحديث في مسائل الاعتقاد, ونقد مناهج المتكلمين والفلاسفة بسلاحهم, وبيان تناقضهم وتهافتهم, والكلام على مآخذ العقائد ومراتبها, وهي الفطرة والشرع عند السلف وأهل
стр. 27
الحديث, والنظر العقلي المتعمَّق فيه والكشف التصوفي عند الخلف من المتكلمين والفلاسفة والصوفية, وموقفهم من الاحتجاج بالنصوص الشرعية في العقائد, ونقد أقطاب الفلسفة والكلام (مثل ابن سينا والغزالي والرازي والعضد وغيرهم) في هذا الباب، والاحتجاج لصحة عقيدة السلف ودراسة بعض المسائل منها.
أما معالجته للقضايا الفقهية فقد توسع في الكلام على بعضها, ودراسة الأحاديث الواردة فيها وتخريجها, ودفع إيرادات الكوثري وغيره عليها, والنظر في أدلة الحنفية والكلام عليها.
وللمؤلف نفس حديثي وفقهي, فكما أنه يتكلم على الأحاديث والآثار الواردة في الباب, ينظر في تعليل وتوجيه المسائل عند الفقهاء ويبين سبب الخلاف بينهم, مع الاحترام للجميع.
والكتاب أكبر شاهد على تعدد معارف المؤلف وسعة اطلاعه على المكتبة الإسلامية في كافة الفنون, وعدم اقتصاره على النقل منها, بل الاستدراك عليها والإضافة إليها من فكره واجتهاده, ويظهر ذلك بمقارنة ما عند المؤلف هنا بغيره من الكتب, فهو يبحث الجوانب التي لم يفصل فيها السابقون, ويناقش المؤلفين فيما ذهبوا إليه ويعقِّب عليهم.
ومن أهمِّ ما يميِّز الكتاب والمؤلف أيضًا: الأسلوب العلمي القائم على الأدلة والبراهين, دون تجريح شخص أو القدح في آخر. وقد كان المؤلف يرد على الكوثري الذي عُرِف بعدائه لأهل الحديث والطعن فيهم بشتى الطرق, ولكن المؤلف التزم المنهج العلمي في مناقشته وبيان تناقضه, ولم
стр. 28
يقدح في شخصيته, فاحتار الكوثري في «الترحيب» كيف يرد على المعلمي, الذي هدم كل ما بناه في «التأنيب» بإظهار تناقضه وبيان تدليسه وإيهام القراء خلاف الحق والصواب, دون أن يمسَّ ذاته وشخصه.
ومما يتصل بالأمر السابق الإنصاف في البحث, والأمانة العلمية, ونسبة كل قول إلى قائله, وعدم تقويله ما لم يقله, ودون تحوير الكلام وتحريف معناه (كما هو صنيع الكوثري). كان غرض المؤلف دائمًا أن يصل إلى الحق, ويبين ما في كلام الخصم من الخطأ والصواب مع ذكر الأدلة والقرائن على ذلك, وقد يعذره إذا خفي عليه الأمر. والقسم الثاني الخاص بالتراجم شاهد لما ذكرناه, ومن الخير للباحثين في الجرح والتعديل أن يضمُّوا كلام المؤلف على هؤلاء الرجال (الذين عددهم ٢٧٣ شخصًا) إلى مصادر ترجمتهم, لتتم الفائدة المرجوة, ولا يغتروا ببعض الأقوال فيهم, ويفهموها على حقيقتها.
هذه بعض الجوانب المضيئة للكتاب, تبين أهميته ومكانته بين الكتب التي ألفت في بابه, ويكفي أن المؤلف قَصَد من كتابه هذا بما فيه من تحقيق وتحرير: أن يعين على التبحّر في العلم، كما نص عليه في «الطليعة» وحسبك بهذه الكلمة من مثل المعلمي ﵀.
* الكتب التي لها علاقة بالتنكيل
١ - «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب»
ألَّف الشيخ محمد زاهد الكوثري (ت ١٣٧١ هـ) كتابًا عنونه بـ «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب» انتقد فيه ما ساقه
стр. 29
الحافظ الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في ترجمة أبي حنيفة من كتابه «تاريخ بغداد» من المثالب عن السالفين. وطبع كتابه في مصر عام ١٣٦٠ هـ. في ١٨٩ صفحة، ثم طبع طبعات أخرى فيها تصحيحات وتعليقات للكوثري كان علّقها على نسخته، وتعليقات لتلميذه أحمد خيري.
فلما اطلع عليه المؤلف بطلب من أحد الأفاضل ــ بعد أن اعتذر أول مرة من عدم النظر فيه ــ رأى أنه بحاجة إلى جوابٍ مفصّل عما وقع فيه الكوثري من الأخطاء العلمية والطعن في أئمة السنة ورواتها، فألف كتابًا ــ وهو في الهند ــ سماه «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» وقسمه إلى أربعة أقسام: قسم القواعد، وقسم الرواة، وقسم الفقهيّات، وقسم العقائد.
٢ - «طليعة التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل»
ولما كان كتاب «التنكيل» على وشك التمام رأى المؤلف أن يقتضب منه نموذجًا يذكر فيه أهم ما وقع فيه الكوثري من الأخطاء، وسماه «طليعة التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل». طُبع لأول مرة بمصر سنة ١٣٦٨ هـ في نحو ١٠٠ ص من القطع المتوسط. بيّن فيه مغالطات الكوثري فيما يتعلّق برواة الحديث خاصةً، وجعلها أنواعًا ثمانية، ذكرناها بالتفصيل عند التعريف بموضوعات الكتاب ص ١٣ - ١٤.
وقد طبع الكتاب والمؤلف في الهند فلم يطلع على بروفاته الأخيرة، فوقعت فيه جملة من الأخطاء المطبعية، وتصرف وزاد المعلِّق عليه الشيخُ محمد عبد الرزاق حمزة بعض العبارات القاسية نكاية بالكوثري، فلم يرتضها المؤلف، واستغلّها الكوثري في نقده الآتي ذكره.
стр. 30
٣ - «الترحيب بنقد التأنيب»
فلما اطلع الكوثري على «الطليعة» كتب ردًّا عليها سماه «الترحيب بنقد التأنيب» وهو جزء لطيف، بناه على أمرين:
الأول: الطعن في قصد المؤلف، واتهامه بالطعن في أبي حنيفة، والتعليق على عبارات قاسية وردت في متن الكتاب وتعليقاته.
الثاني: ناقش ما أورده الشيخ من أمثلة وحاول أن يتملّص من عُهدة التغيير والتبديل التي أثبتها المؤلف عليه.
وقد أُلْحِق فيما بعد بكتاب «التأنيب» في طبعة تلميذه أحمد خيري.
٤ - «تعزيز الطليعة»
فما كان من المعلمي حين وقف على «الترحيب» إلا أن أردف «الطليعة» برسالتين يجيب فيهما عما أورده الكوثري، وهما: «تعزيز الطليعة» و «شكر الترحيب» ولم يطبعا في حياة المؤلف ولا بعد ذلك.
أما تعزيز الطليعة: فقد شرح المؤلف في أولها سبب تأليفها، وبيَّن الظروف التي طبعت فيها «الطليعة» مما أدى إلى وقوع بعض الأخطاء المطبعية، وزيادات في المتن والتعليقات ليست منه وإنما ممن قام على طبع الرسالة.
وقسّم الرسالة إلى بابين:
الباب الأول: مطالب متفرّقة. وفيه أربعة فصول:
الأول: شرح فيه أمورًا تتعلق بكتاب «التنكيل» وخطورة ما فعله
стр. 31
الكوثري على السنة.
الثاني: تعليقه على محاولة الكوثري التبرُّؤ مما نسبه إليه.
الثالث: تكلم على مسألة الغلو في الأفاضل.
الرابع: في تفريق الكوثري الأمة إلى حنفية وعامة المسلمين ثم خلص إلى تحرير قاعدة التهمة.
ثم دلف إلى عدة قواعد خلّط فيها الكوثري، ومع أنه لم يعنونها ــ سهوًا كما أظن ــ إلا أنها هي الباب الثاني من الكتاب، وما زال يشير إليها في مواضع عدة بالقواعد، ولذا فقد وضعت لها عنوانًا بين معكوفين هكذا:
[الباب الثاني: في قواعد خلّط فيها الكوثري]، وذكر فيه أربع قواعد:
١ - رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي.
٢ - التهمة بالكذب.
٣ - رواية المبتدع.
٤ - قدح الساخط ومدح المحب.
ويلاحظ هنا أن المؤلف قد ذكر جميع هذه القواعد في التنكيل، لكنه صرح بأنه أعادها هنا للحاجة إليها، قال (ص ٣٣): «فالنظر في شأنهم يتوقف على تحرير قاعدة التهمة، وقد كنت بسطته في «التنكيل» ثم دعت الحاجة إلى تلخيصه هنا». وكذلك في (ص ٣٨) وضرب عليها.
стр. 32
٥ - «شكر الترحيب».
وقد بدأه المؤلف بمقدمة شرح فيها سبب تأليف «التنكيل»، وأنه لخص نموذجًا منه وطبعَه، ثم رأى رسالة الكوثري في الرد عليها، ثم شرح ما وقع من ملاحظات على طبعة «الطليعة» في ثلاث نقاط.
وقد جعل الرسالة في بابين:
[الباب الأول] (١): النظر في خطبة الكتاب وما للكوثري فيها من الوهم.
الباب الثاني: النظر في أجوبة الكوثري على ما أورده في الطليعة، وذكر ما وقع في كل فرع على حدة.
٦ - «حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه»
وهو كتاب لطيف ألفه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ﵀ رد فيه على كتاب الكوثري «الترحيب ... »، وناقشه في عشر مسائل رئيسة، غالبها في قضايا الاعتقاد، أو ما أخذَه الكوثريُّ على الشيخ المعلمي في «الطليعة». وقد طبعت طبعته الأولى في حياة مؤلفه، ثم طبعها وعلق عليها تلميذه عبد الله بن صالح المدني بعد وفاته سنة ١٣٩٣ هـ، عن مكتبة العلوم. واختار لها أحد العنوانين اللَّذين اختارهما المؤلف، وهو «المقابلة بين الهدى والضلال (ثم بخط أصغر) حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه».
فائدة: صرح مؤلف الكتاب (ص ٨٥ - ٨٧) أن الألفاظ الجارحة الواقعة
_________
(١) ذهل المؤلف عنه فأضفناه.
стр. 33
في الطبعة الأولى من «الطليعة» هو الذي زادها وليست من المؤلف ولا من الطابع، وذَكَر أن غرضه من ذلك: أن يلفتَ الكوثري عن أعراض الأئمة الكبار الحفاظ، فيشتغل الكوثري بالرد عليه وتتوفّر أعراض الأئمة التي يبيح فيها عرضَه من أجل أن تُصان أعراضُهم.
* مبيضة الكتاب ومسوَّداته
طُبع الكتاب بالاعتماد على مبيضة المؤلف التي كانت شاملةً للأقسام الأربعة، والتي قرأ القسم الرابع منها الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة وعلَّق على مواضع منه، وفرغ من قراءته بالطائف في ٢٥ ذي الحجة سنة ١٣٧٠، كما هو مثبت في آخر المطبوع (٢/ ٣٩٣). ثم نظر المؤلف في تعليقاته، وعقَّب عليه في مواضع لتوضيح المراد. وهذه المبيضة هي التي اعتمد عليها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني سنة ١٣٨٦ في إخراجه للكتاب والتعليق عليه برغبة من فضيلة الشيخ محمد نصيف. ولم نعرف مصير هذه النسخة (الأصل) بعد طباعة الكتاب، فلا وجود لها في مكتبة الشيخ محمد نصيف التي آلت إلى مكتبة الملك عبد العزيز بجدة، ولا في مكتبة الشيخ الألباني التي آلت إلى مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ولا عند الشيخ زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي الذي قام بنشره لأول مرة، وكنّا قد راسلنا الشيخ زهير الشاويش عن مصير هذه النسخة، فأجاب بأنه أعادها إلى الشيخ محمد نصيف ولم يدرِ مِن خبرها بعد ذلك شيئًا، فالله أعلم أين وُضِعت هذه النسخة فاختفت عن الأنظار.
وقد بقي من الكتاب مسوَّدات وقِطع بخط المؤلف في مكتبة الحرم
стр. 34
المكي، تختلف عن المطبوع اختلافًا كثيرًا في السياق والترتيب والزيادة والنقص، وفيما يلي وصفها وبيان محتوياتها:
١) قطعة في دفتر كبير في ١٩٤ ورقة برقم [٤٧١٠]، تمثّل الإخراج الأول للكتاب، وقد كشفت لنا هذه المسودة أمرًا مهمًّا عن الكتاب، وهو أن المؤلف كان قد قسم «التنكيل» إلى خمسة أقسام، الأقسام الأربعة المعروفة، أما القسم الخامس (وهو الأول في هذه المسودة) فهو ما طبعه المؤلف في حياته كمقدمة وتمهيد وسماه «طليعة التنكيل». وهذه القطعة تحتوي على ثلاثة أقسام من خمسةٍ كان المؤلف قد قسّم الكتابَ إليها على هذا النحو:
الباب الأول: في تقييد أبوابده من المغالطة والتجاهل ونحوهما. (ق ١ - ٥٧). وقد تبيّن بالمقارنة أن هذا الباب هو ما أفرده المؤلف وطبعه باسم «طليعة التنكيل».
الباب الثاني: في تحرير القواعد التي بنى عليها الكلام في جماعة منهم. (ق ٤٩ - ١١٠). ذكر في هذا الباب سبع قواعد، وفي المبيضة ذكر تسع قواعد، وقد توسّع في المسوّدة في مسألة الاتصال والانقطاع أكثر من المبيضة.
الباب الثالث: في المسائل الفقهية التي تعرّض الأستاذ للبحث فيها. (ق ١١١ - ١٩٤) وهذا القسم أكثر الأقسام ضربًا وتغييرًا.
الباب الرابع: في نظم فرائد التراجم على ترتيب الحروف.
ثم ختم بتقرير العقائد التي طعن باعتقادها في جماعة من أئمة السنة.
стр. 35
٢) قطعة من قسم التراجم برقم [٤٦٦١] في ١٧٣ ورقة، كتب عليها المفهرس «تحقيقات في بعض مرويات الأحاديث»! في أولها ثلاث صفحات تحتوي على فهرس للرجال المتكلم فيهم مع ذكر الصفحة، ثم شطب الشيخ على كل واحدٍ منها.
ولما تأملنا فيها وجدنا أنها إشارة إلى صفحات «تأنيب الخطيب»، والشطب يدلُّ على أن الشيخ فرغ من الكلام على ذلك الرجل ومناقشة الكوثري فيه في هذه المسوَّدة.
وفي هذه الصفحات إشارة أيضًا إلى موضوعات أخرى غير التراجم، مثل:
- ص ٥٣ مسألة القرآن وزعم تحقيقها (لم يشطب عليها الشيخ لأنه لم يكتب في هذا الموضوع في هذه المسودة، وتكلم عليها في «القائد»).
- ص ١٨١ حملة شديدة على الخطيب.
- نسب الشافعي ص ١٠١.
وفيها ذكر بعض الأعلام الذين تكلم فيهم الكوثري في صفحات مختلفة من «التأنيب»، ولم يكتب الشيخ فيهم شيئًا في هذه المسودة، ولذا لم يشطب على أسمائهم، مثل:
- الشافعي ٣، ٤، ٢١، ٢٦، ٢٧، ١٠١، ١٣٩.
- أحمد ٦، ٧٦، ١٤١.
- مالك ٢٧، ١٠٠، ١٠٥، ١١٧.
стр. 36
وهذه القطعة هي المسوَّدة الأولى للكتاب، تُبين لنا طريقة تأليف الشيخ له، وقد بدأها بترجمة الدارقطني، ثم أحمد بن الحسن بن خيرون، ثم عثمان بن سعيد الدارمي، ثم ابن أبي داود ... وهكذا بدون ترتيب في الغالب، وأحيانًا بشيء من الترتيب بداخل حرف معين، وآخر ترجمة فيها: ترجمة عمرو بن سعيد بن سالم. وكأن الشيخ كان ينشط للبحث في ترجمة معينة ومراجعتها في المصادر ثم الكتابة عنها، وينتقل إلى ترجمة أخرى، وكلما انتهى من ترجمة رجلٍ شطب على اسمه في فهرس الرجال المتكلم فيهم في «التأنيب». ثم رأى الشيخ أن الكشف عن ترجمة شخص معين في هذه المسوَّدة يصعب، ويحتاج إلى تقليب كثير من الصفحات فيها، فصنع فهرسًا للتراجم على الحروف بقيد الصفحات في آخرها (في تسع صفحات).
ولما أراد تبييض هذه المسوَّدة استفاد منها في الترتيب، وزاد ونقص في كل ترجمة، وصاغها صياغةً جديدة، وأدمج بعض التراجم في بعض، وكتب التراجم التي كان يريد أن يطيل فيها أكثر، مثل ترجمة الإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، ومالك بن أنس، والخطيب البغدادي، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومسعود بن شيبة، وغيرهم، فليس في المسوَّدة من تراجمهم شيء، وكأنه أرجأ الكتابة فيها إلى وقت آخر.
وبعد مقابلة الفهرس الذي صنعه الشيخ بالفهرس في النسخة المطبوعة نجد أن هناك تراجم ذُكرت في المسوَّدة لا توجد في المطبوع، فإما أنها أُدمجت في تراجم أخرى، أو حذفها الشيخ ولم يَرَ داعيًا للكلام فيها عند تبييض المسوَّدة. وهذه التراجم فيما يلي مع ذكر الصفحات:
стр. 37
٣٤ سعد بن مرزوق.
١٤٨ سلم بن سالم.
١٤٨ سلم بن عبد الله.
٤١ سليم بن عيسى.
٣٨ سليمان بن الحسان الحلبي.
٤٣ سوَّار بن عبد الله.
١٥٤ عبد الرحمن بن داور.
١٥٤ عبد الملك بن محمد.
١٥٤ عتيبة الدباب.
١٥٥ عمر بن مطرف.
١٥٥ عمر بن الهيصم.
٤٤ عمرو بن أبي عثمان الشمري.
٨٧ القاسم بن أبي صالح.
١٤٩ محمد بن أحمد بن إبراهيم الحليمي.
٨٩ محمد بن أحمد بن سهل.
١٦٢ محمد بن إسماعيل التمار.
١٦٢ محمد بن أيوب الذارع.
стр. 38
٩٠ محمد بن بشر الرقي.
٩٢ محمد بن حيويه.
١٦٢ محمد بن جعفر الخزاعي.
٩٦ محمد بن سعيد الباهلي.
٩٨ محمد بن شجاع ابن الثلجي.
٤٣ محمد بن عبد الله بن إبراهيم، أبو بكر الشافعي.
٩٩ محمد بن عبد الوهاب الفراء الحافظ.
٧٦ محمد بن علي البلخي.
١٠٢ محمد بن مسلمة.
٥٧ محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني.
١٧٠ نوح بن أبي مريم.
١٧٢ الهيثم بن خلف الحافظ.
٥٠ أبو عاصم العباداني.
١٠٧ أبو محمد.
٣٤ ابن سختويه.
١٣٠ ابن أبي يعلى.
٧٣ البربهاري.
стр. 39
وعلى كلٍّ فهذه المسوَّدة تفيدنا كيف بدأ الشيخ كتابة قسم التراجم، وما هي التعديلات والزيادات التي قام بإدخالها في المبيضة، وما هي التراجم التي حذفها أو أدمجها في تراجم أخرى. ويمكن الاستئناس بكلامه فيها، والاستفادة منها عند دراسة هذه التراجم، ولا يغني المطبوع عنها.
٣) دفتر برقم [٤٦٨١] كتب عليه أحد المفهرسين «بعض المسائل الفقهية الجنائية»! وهو في الواقع مسوَّدة القسم الثاني من «التنكيل» (البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية) في ١١٥ ورقة، ويختلف ترتيبها ومادتها عن النسخة المطبوعة، وفيما يلي ذِكْر عناوين المسائل من المسودة ورقمها في المطبوع:
١ - أقل ما يقطع سارقه: الورقة ١ - ٧٣ (= رقم ١٤).
٢ - القتل بالمثقّل: الورقة ٩ ب- ٢٣ ب (= رقم ١٢) كتب في صفحات (ب) منها فقط، أما (أ) فالكلام فيها مستمر على المسألة السابقة.
٣ - المحرم لا يجد إزارًا أو نعلين يلبس السراويل والخف، ولا فدية عليه: الورقة ٧٤ (= رقم ٥).
٤ - العقيقة: الورقة ٧٤ (= رقم ١٠).
٥ - الطلاق قبل النكاح: الورقة ٧٦ (= رقم ٩).
٦ - درهم وجوزة بدرهمين: الورقة ٧٩ (= رقم ٦)، وفي آخر الدفتر صفحتان في هذه المسألة، وقد شطب على كثير منهما.
٧ - القضاء بشاهد ويمين: الورقة ٨٢ - ١١١ (= رقم ١٥).
٨ - لا تعقل العاقلة عبدًا: الورقة ١١٢ - ١١٥ (= رقم ١٣).
стр. 40
وبهذا الاستعراض يظهر أن المؤلف لم يتكلم في هذه المسوّدة على جميع المسائل السبع عشرة المذكورة في المطبوع، وإنما تناول ثمانيًا منها، وأطال الكلام في مسألتي أقل ما يقطع فيه السارق، والقضاء بشاهد ويمين. وكثير من صفحات المسوَّدة مضروب عليها، وفي مواضع منها إشارة إلى اللحق والتكملة. وقد كتب الشيخ في أكثر المسائل من جديد، وصاغها صياغةً تختلف اختلافًا كبيرًا عن المسوَّدة بالزيادة والنقص، ولذا ينبغي الاعتماد على ما أقرَّه أخيرًا وطُبع. إلّا أن هذا لم يمنعنا من مراجعة هذه المسوّدة في مواضع عديدة كان فيها خطأ أو خلل في المطبوع، فاستفدنا التصحيح منها ونبَّهنا عليه غالبًا.
٤) قطعة برقم [٤٧٠٦] تحتوي على مباحث البابين الأول والثاني من «القائد»، في أولها سبع ورقات متفرقة من الباب الأول (٢/ ٢١٠ - ٢٣١)، ثم ١٢ صفحة من أول الباب (= ٢/ ٢٠٣ - ٢١٠)، ثم ٧ ورقات (= ٢/ ٢٣٧ - ٢٤٤)، ثم أوراق متفرقة ومتناثرة من البابين (= ٢/ ٢٤٥ - ٢٦١). وفي أثنائها بعض الأوراق التي لا علاقة لها بالكتاب، مثل الورقتين (٢٧ و ٤٨) اللتين من «أصول التصحيح»، والأوراق (٢٨ - ٣١) من «التعقيب على تفسير سورة الفيل للفراهي».
وقد كتب المفهرس في المكتبة عنوان هذه القطعة: «أوراق من كتاب العبادة ورسائل متفرقة»! وهو غلط محض، فلا علاقة لها بكتاب «العبادة».
٥) دفتر برقم [٤٦٧٥] تتعلق عشرون صفحة منه بالقسم الرابع من الكتاب (القائد)، وتشتمل على تمهيد ومقدمة وفصل بعنوان «نصوص
следующие страницы →