← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

فنستطيع أن نفهم من هذا كله أن الله ﵎ اقتضى كمالُ جوده أن يجود بالكمال إلى الحدِّ الممكن، ولا يفي بهذا أن يخلق خلقًا كاملين، فإنما ذلك بمنزلة خلقهم حِسان الصور، وذاك كمالٌ يتمحَّض فيه الحمد للخالق من كل وجه، ولا يُحْمد عليه المخلوق البتة، فلا يُعتدّ به كمالًا له. وكذلك أن يخلقهم غير كاملين ويجبرهم على الكمال، فإنما الحمد منوط بالاختيار. وقريبٌ من هذا أن يخلقهم غير كاملين ولا مجبورين، ويُيسِّر لهم اختيارَ الكمال بحيث لا يكون فيه مشقّة عليهم، فإن المخلوق إنما يُحْمَد على اختياره الكمال حيث يكون عليه فيه مشقة، وكلما كانت المشقّة أشدّ، كان الحمد أحقَّ، والكمال أعظم (١). * * * *

стр. 1192

[٢/ ١٧٧] ١ - فصل لنا أن نقول: إن مدار كمال المخلوق على حبّ الحق وكراهية الباطل، فخَلَق الله تعالى الناس مفطورين على ذلك، وقدَّر لهم ما يؤكد تلك الفطرة، وما يدعوهم إلى خلافها، ليكون عليهم في اختيار الكمال ــ وهو مقتضى الفطرة ــ مشقةٌ وتعب وعناء، ولهم في خلاف ذلك شهوة وهوى. فمن اختار منهم مقتضى الفطرة، وصبر على ما فيه من المشقة والعناء، وعمَّا في خلافه من الراحة العاجلة واللذة= استحق أن يُحمَد، فاستحقَّ الكمالَ، فناله. ومن آثر الشهوةَ واتبع الهوى استحقَّ الذمَّ، فسقط. وفي "صحيح مسلم" (١) من حديث أبي هريرة وأنس عن النبي ﵌ قال: "حُفّت الجنة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات". وهو في "صحيح البخاري" (٢) من حديث أبي هريرة بنحوه. وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم (٣) من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريلَ إلى الجنة، فقال: انظر إليها. قال: فرجع إليه فقال: وعزّتِك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. فأمر بها، فحُفَّت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فرجع، فقال: وعزَّتِك لقد خِفْتُ أن لا يدخلها أحد. قال: اذهب إلى النار، فانظر إليها. فرجع، فقال: وعزِّتِك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها،

стр. 1193

فحُفَّت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع، فقال: وعزتك لقد خشيتُ أن لا ينجو منها أحد". راجع "فتح الباري" (١): كتاب الرقاق. وقال الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. [٢/ ١٧٧] وقال قبل ذلك: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٣ - ١٥٧]. والمقصود بالابتلاء هو أن يتبين حالُ الإنسان، فيفوز من صَبَر على تحمُّل المشاق، ثابتًا على الحق، معرضًا عما يراه في الباطل من المخارج التي تُخلِّص من تلك المشاقّ أو تخفِّفها، عالمًا أن الدنيا زائلة، وأن الذي يستحق العناية هو أمر الآخرة، ويخسر من يلجأ إلى الباطل فرارًا من تلك المشاقّ أو من شدّتها.

стр. 1194

ولا يقتصر الابتلاء على الشدائد، بل قال الله : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وذلك من وجهين: الأول: أن الإنسان كما يشُقُّ عليه الثباتُ على الحق عند الشدائد، فكذلك عند النعيم والرخاء؛ لأن النعيم يدعو إلى التوسّع في اللذّات والاستكثار من الشهوات، والتكاسل عن الطاعات، والتكبّر على الناس، وغير ذلك. وفي الصبر عن ذلك ما فيه من المشقّة. الوجه الثاني: أن من استحوذ عليه إيثار الباطل تكون الدنيا أعظمَ همِّه. فهو من جهةٍ إذا توفّرتْ له نِعمُ الدنيا ولم تنَلْه مصائبها رضي عن ربه ودينه، وإذا أصابته المصائب سَخِط. ومن جهةٍ أخرى يعُدُّ نِعَم الدنيا ومصائبها أعظم دليل على رضا الله وسخطه، فإذا يُسِّرت له نعمُ الدنيا ولم تنله مصائبها زعم أن الله راضٍ عنه وعن دينه وعن عمله، وإلا زعم أن الله ساخط عليه وعلى دينه وعلى عمله! وهذه كانت شبهةَ فرعون كما بينته في "كتاب العبادة" (١). وقال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ [٢/ ١٧٩] وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ

стр. 1195

عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ٩ - ١١]. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٤٩ - ٥١]. وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]. واقرأ من سورة الفرقان: [٧ - ١١] ومن سورة الزخرف: [٣١ - ٣٥]. والإنسان لا يكره الحقّ من حيث هو باطل، ولكنه يحب الحق بفطرته، ويحب الباطل لهواه وشهوته، ومدار الفوز أو الخسران على الإيثار. قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]. ولك أن تقول: إن الله ﵎ في جانب، والهوى في جانب. وقد قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣ - ٤٤]. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ

стр. 1196

عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وفي الحديث: "حُبُّكَ الشيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ" (١). وقال البُريق الهذلي (٢): [٢/ ١٨٠] أبِنْ لي ما ترى، والمرءُ تأبى ... عزيمتُه، ويَغلِبُه هواه فيَعْمَى ما يَرى فيه عليه ... ويَحسِبُ ما يراه لا يراه * * * *

стр. 1197

٢ - فصل الدين على درجات: كَفٌّ عما نُهي عنه، وعملٌ بما أُمر به، واعترافٌ بالحق، واعتقادٌ له وعلمٌ به. ومخالفة الهوى للحق في الكف واضحة، فإنّ عامة ما نُهي عنه شهوات ومستلذات، وقد لا يشتهي الإنسان الشيء من ذلك لِذاته، ولكنه يشتهيه لعارض. ومخالفة الهوى للحق في العمل واضحة لما فيه من الكلفة والمشقة. ومخالفة الهوى للحق في الاعتراف بالحق من وجوه: الأول: أن يرى الإنسان أنَّ اعترافَه بالحق يستلزم اعترافَه بأنه كان على باطل. فالإنسان ينشأ على دين أو اعتقاد أو مذهب أو رأي يتلقَّاه من مربِّيه ومعلِّمه على أنه حقٌّ، فيكون عليه مدةً، ثم إذا تبين له أنه باطل شقَّ عليه أن يعترف بذلك. وهكذا إذا كان آباؤه أو أجداده أو متبوعه على شيء، ثم تبيَّن له بطلانه. وذلك أنه يرى أن نقصَهم مستلزمٌ لنقصه، فاعترافه بضلالهم أو خطئهم اعتراف بنقصه. حتى إنك لترى المرأة في زماننا هذا إذا وقفتْ على بعض المسائل التي كان فيها خلاف بين أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة أخذت تُحامي عن قول عائشة، لا لشيء إلا لأن عائشة امرأة مثلها، فتتوهم أنها إذا زعمت أن عائشة أصابت وأن مَن خالفها من الرجال أخطأوا، كان في ذلك إثبات فضيلة لعائشة على أولئك الرجال، فتكون تلك فضيلةً للنساء على الرجال مطلقًا، فينالها حظٌّ من ذلك. وبهذا يلوح لك سرُّ تعصُّبِ العربي للعربي، والفارسي للفارسي، والتركي للتركي، وغير ذلك. حتى لقد يتعصب الأعمى (١) في عصرنا هذا للمعرِّي!

стр. 1198

الوجه الثاني: أن يكون قد صار له في الباطل جاه وشهرة ومعيشة، فيشقُّ عليه أن يعترف بأنه باطل، فتذهب تلك الفوائد. الوجه الثالث: الكِبْر. يكون الإنسان على جهالة أو باطل، فيجيء آخر فيبيِّن له الحجة، [٢/ ١٨١] فيرى أنه إن اعترف كان معنى ذلك اعترافه بأنه ناقص، وأن ذلك الرجل هو الذي هداه. ولهذا ترى من المنتسبين إلى العلم مَن لا يشقُّ عليه الاعترافُ بالخطأ إذا كان الحقُّ تبيَّن له ببحثه ونظره، ويشقُّ عليه ذلك إذا كان غيرُه هو الذي بيَّن له. الوجه الرابع: الحسد. وذلك إذا كان غيرُه هو الذي بيَّن الحق، فيرى أن اعترافه بذلك الحقِّ يكون اعترافًا لذلك المبيِّن بالفضل والعلم والإصابة، فيَعْظُم ذاك في عيون الناس، ولعله يتبعه كثير منهم. وإنك لتجد من المنتسبين إلى العلم مَن يَحرِص على تخطئة غيره من العلماء ولو بالباطل، حسدًا منه لهم، ومحاولةً لحطِّ منزلتهم عند الناس. ومخالفةُ الهوى للحقِّ في العلم والاعتقاد قد تكون لمشقَّة تحصيله، فإنه يحتاج إلى البحث والنظر، وفي ذلك مشقّة. ويحتاج إلى سؤال العلماء والاستفادة منهم، وفي ذلك ما مرَّ في الاعتراف. ويحتاج إلى لزوم التقوى طلبًا للتوفيق والهدى، وفي ذلك ما فيه من المشقة. وقد تكون لكراهية العلم والاعتقاد نفسه، وذلك من جهات: الأول: ما تقدم في الاعتراف. فإنه كما يشقُّ على الإنسان أن يعترف

стр. 1199

ببعض ما قد تبيَّن له، فكذلك يشقُّ عليه أن يتبيَّن له، فيشقُّ عليه أن يتبيَّن بطلانُ دينه، أو اعتقاده، أو مذهبه، أو رأيه الذي نشأ عليه، واعتزَّ به، ودعا إليه، وذَبَّ عنه، أو بطلانُ ما كان عليه آباؤه وأجداده وأشياخه، ولاسيّما عندما يلاحظ أنه إن تبيَّن له ذلك تبيَّن أن الذين يُطريهم ويعظِّمهم، ويُثني عليهم بأنهم أهل الحق والإيمان والهدى والعلم والتحقيق، هم على خلاف ذلك، وأن الذين يحقِرهم ويذمُّهم ويسخَر منهم وينسبُهم إلى الجهل والضلال والكفر هم المُحِقُّون. وحسبك ما قصَّه الله من قول المشركين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. فتجد ذا الهوى كلَّما عُرِضَ عليه دليل لمخالفيه أو ما يُوهن دليلًا لأصحابه شقَّ عليه ذلك، واضطرب، واغتاظ، وسارع إلى الشغب. فيقول في دليل مخالفيه: هذه شبهة باطلة مخالفة للقطعيات، وهذا المذهب مذهب باطل لم يذهب إليه إلا أهل الزيغ والضلال .... ويؤكد ذلك بالثناء على مذهبه وأشياخه، ويعدِّد المشاهير منهم، ويُطريهم [٢/ ١٨٢] بالألفاظ الفخمة، والألفاظ الضخمة، ويذكر ما قيل في مناقبهم ومثالب مخالفيهم، وإن كان يعلم أنه لا يصح، أو أنه باطل! ومن أوضح الأدلة على غلبة الهوى على الناس أنهم ــ كما تراهم ــ على أديان مختلفة، ومقالات متباينة، ومذاهب متفرقة، وآراء متدافعة؛ ثم تراهم كما قال الله ﵎: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]. فلا تجد من ينشأ على شيء من ذلك ويثبُت عليه يرجع عنه إلا القليل.

стр. 1200

وهؤلاء القليل يكثُر أن يكون أولَ ما بعثهم على الخروج عما كانوا عليه أغراض دنيوية. ومن جهات الهوى أن يتعلق الاعتقاد بعذاب الآخرة، فتجد الإنسان يهوى أن لا يكون بعثٌ لئلا يؤخذ بذنوبه، فإن علِمَ أنه لا بد من البعث هَوِي أن لا يكون هناك عذاب، فإن علِمَ أنه لا بد من العذاب هَوِي أن لا يكون على مثله عذاب كما هو قول المرجئة، فإن علِمَ أن العصاة معذَّبون هَوِي التوسُّعَ في الشفاعة، وهكذا. ومن الجهات أنه إذا شقَّ عليه عملٌ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هَوِي عدمَ وجوبه، وإذا ابتُلِي بشيء يشقُّ عليه أن يتركه كشرب المسكر هَوِي عدم حرمته. وكما يهوى ما يخفُّ عليه، فكذلك يهوى ما يخفُّ على من يميل إليه، وما يشتد على من يكرهه؛ فتجد القاضي والمفتي هذه حالهما. ومن المنتسبين إلى العلم من يهوَى ما يُعجِب الأغنياء وأهل الدنيا، أو ما يُعجب العامة، ليكون له جاه عندهم، وتُقْبِل عليه الدنيا. فما ظهرت بدعة، وهَوِيها الرؤساء والأغنياء وأتباعهم إلا هوِيَها وانتصر لها جمعٌ من المنتسبين إلى العلم. ولعل كثيرًا ممن يخالفها إنما الباعث لهم على مخالفتها هوًى آخر وافق الحقَّ. فأما من لا يكون له هوى إلا اتباع الحق فقليل، ولاسيّما في الأزمنة المتأخرة، وهؤلاء القليل يقتصرون على أضعف الإيمان، وهو الإنكار بقلوبهم والمسارَّة به فيما بينهم، إلا من شاء الله. فإن قيل: فلماذا لم يجعل الله جميع حجج الحق مكشوفةً قاهرةً لا تشتبه على أحد، فلا يبقى إلا مطيع يعلم هو وغيرُه أنه مطيع، وإلا

стр. 1201

عاصٍ يعلم هو وغيرُه أنه عاصٍ، [٢/ ١٨٣] ولا يتأتى له إنكار ولا اعتذار (١)؟ قلت: لو كان كذلك لكان الناس مجبورين على اعتقاد الحق، فلا يستحقُّون عليه حمدًا ولا كمالًا ولا ثوابًا، ولكانوا مُكرَهين على الاعتراف، كمن كان في مكان مظلم، فزعم أن ذاك الوقت ليل، وراهن على ذلك، ففُتحت الأبواب، فإذا الشمس في كبد السماء. ولكانوا قريبًا من المُكرَهين على الطاعة من عملٍ وكفٍّ، لفوات كثير من الشبهات التي يتعلل بها من

стр. 1202

يضعف حُبُّه للحق، فيغالط بها الناسَ ونفسه أيضًا. فإن قيل: فإن المؤمن إذا كان مُوقنًا كانت الحجة في معنى المكشوفة عنده، أفلا يكون مُثابًا على إيمانه واعترافه وطاعته؟ قلت: ليس هذا من ذاك في شيء. أما الاعتقاد فمن وجهين: الأول: أن الحجة لم تكن كلها مكشوفةً للمؤمن من أول الأمر، وإنما بلغ تلك الدرجة بنَظَره وتدبُّره ورغبته في الحق ومخالفته الهوى. وبهذا ثبت صدقُ حبه للحق وإيثاره [٢/ ١٨٤] على الهوى، فيستمرُّ له حكم ذلك بعد انكشاف الحجة. وهو بمنزلة الظمآن الذي يطلب الماء حتى ظفر به، فأراد أن يشربَ فقال له مسلِّط: إن لم تشرب ضربتُك أو سجنتُك. فمثل هذا لا يقال إذا شرب: إنه إنما شرب مكرهًا. الوجه الثاني: أن وضوح الحجة للمؤمن لا يستمرُّ بدون جهاد، لأن الشبهات لا تزال تحوم حول المؤمن لتحجبَ عنه الحجة وتُشكِّكه فيها، والشهوات تساعدها، فثباتُه على الإيمان برهانٌ على دوام صدق محبته للحق، وإيثاره على الهوى. وأما الاعتراف، فالأمر فيه واضح. فإنّ وضوح الحجة عند المؤمن لا يكون مكشوفًا لغيره، فليس في معنى المكره على الاعتراف، بل إنه إذا ذكر (١) أن الحجة واضحة عنده وَجَدَ كثيرًا من الناس يكذِّبونه أو يرتابون في دعواه. وهكذا حاله في الطاعة من عملٍ وكفٍّ، فإن انكشاف الحجة في الإيمان الاعتقادي لا يستلزم انكشاف الحجج الأخرى التي تترتب عليها

стр. 1203

الطاعات. وهَبْ أن هذه انكشفت له أيضًا، فقد بقيت شُبهات أخرى، لولا صِدْقُ حبه للحق وإيثارُه على الهوى لأمكنه التشبث بها، كأن يقول: ينبغي أروِّح (١) عن نفسي فإنّ لي حسنات كثيرة لعلها تغمُر هذا التقصير، أو لعلها تنالني شفاعة الشافعين، أو لعل الله يغفر لي، أو أتمتع الآن ثم أتوب. وقال الله ﵎: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وفي "الصحيحين" (٢) وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﵌: "لا تقوم الساعة حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون. وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها"، ثم قرأ الآية. ونحوه من حديث أبي ذر (٣)، وابن مسعود (٤)، وأبي سعيد الخدري (٥)، وصفوان بن عسَّال (٦)، وعبد الرحمن بن عوف (٧)،

стр. 1204

وعبد الله بن عباس (١)، وعبد الله بن عَمْرو بن العاص (٢)، وغيرهم (٣). والأخبارُ بأن الشمس سوف تطلع من مغربها متواترةٌ عن النبي ﵌. ومعنى ذلك أن ما يشاهَد الآن من سيرها ينعكس. فسكَّان هذا الوجه الذي كان فيه النبي [٢/ ١٨٥] ﵌ يرونها تغرُب في مغربها على العادة، ثم يرونها في اليوم الثاني طالعةً من مغربها. وأما سكان الوجه الآخر فإنها تطلع عليهم من مشرقهم على عادتها، ثم يرونها تسير إلى مغربها ما شاء الله تعالى، ثم ترجع القهقرى حتى تغرب في مشرقهم. وعلى زعم (٤) أن الأرض هي التي تدور، فإن دورة الأرض تنعكس، فيكون ما ذكر. فأما إيمان الناس جميعًا، فوجهه ــ والله أعلم ــ أن النفوس مفطورة على اعتقاد وجود الله وربوبيته، ومن شأن ذلك أن يسوق إلى بقية فروع الإيمان. وآيات الآفاق والأنفس تؤكّد ذلك، ولكن الشبهات والأهواء تغلب على أكثر الناس حتى يرتابوا فيتبعوا أهواءهم. فإذا طلعت الشمس من مغربها لحقهم من الذُّعْر والرعب لشدة الهول ما يمحق أثرَ الشبهات والأهواء، وتفزع النفوس إلى مقتضى فطرتها. قال الله تعالى في ركاب البحر: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ

стр. 1205

فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]. فتلك الآية في حقّ مَن يكون قد بلغه أن محمدًا ﵌ أخبر بها= حجة مكشوفة قاهرة، وكذلك هي في حقِّ من لم يبلغه لكن بمعونة الرعب والفَزَع وشدة الهول. وقد دلت الآية على أنَّ من لم يكن آمن قبل تلك الآية لا ينفعه إيمانُه عندها، ومن لم يكن من المؤمنين قبلها يكسب الخير لا ينفعه كسبُ الخير عندها. وفُهِم من ذلك أن من كان مؤمنًا قبلها ينفعه الإيمان عندها، ومن كان من المؤمنين يكسب الخير قبلها ينفعه كسبُ الخير عندها. والنظر يقتضي أنه إنما ينفعه من كسبِ الخير عندها ما كان عادة له. وفي "صحيح البخاري" (١) وغيره من حديث أبي موسى عن النبي ﵌ قال: "إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا". وجاء نحوه من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص (٢)، وأنس (٣)، وعائشة (٤)، وأبي هريرة (٥). وأشار إليها ابن حجر في

стр. 1206

"الفتح" (١). [٢/ ١٨٦] فمن كان معتادًا للعمل من أعمال الخير مواظبًا عليه، ثم طرأ عليه بغير اختياره أو باختياره مأذونًا له عارضٌ يعجز معه عن ذاك العمل، أو يُشرَع له تركُه، أو يدَعُه وهو نفل لاشتغاله عنه أو لزيادة المشقة فيه= فقد ثبت باعتياده أنه لولا ذاك العارض ــ وهو غير مقصِّر فيه ــ لاستمرَّ على عادته، فلذلك يكتب له ثواب ذاك العمل. فأولى من هذا من كان معتادًا لعمل، ثم عرض باعث آخر على ذاك العمل، واستمرَّ العامل على عادته. وقال الله في قصة نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٧ - ٢٨]. يريد ــ والله أعلم ــ أن كراهيتكم للحق وهواكم أن لا يكون ما أدعوكم إليه حقًّا يحول بينكم وبين أن يحصل لكم العلم واليقين بصحته. وفي "تفسير ابن جرير" (١٢/ ١٧) (٢) عن قتادة قال: "أما والله لو استطاع نبيُّ الله ﷺ لألزمها قومَه، ولكن لم يَمْلك ذلك، ولم يُمَلَّكْه". والرسول لا يحرص على أن يُكره قومه إكراهًا عاديًّا على إظهار قبول الدين،

стр. 1207

فإنه يعلم أن هذا لا ينفعهم بل لعله أن يكون أضرَّ عليهم، وإنما يحرص على أن يقبلوه مختارين. ولذلك يحرص هو وأصحابه على أن يُظهِر الله تعالى الآياتِ على يده أملًا أن يحصل للكفّار العلمُ إذا رأوها، فيقبلوا الدين مختارين. ويزداد الحرص على هذا عندما يطالب الكفار بالآيات. وهذه كانت حال محمد ﵌ وأصحابه. فبيَّن الله تعالى لهم في عدة آيات أنه ليس على الرسول إلا البلاغ، وأن الهداية بيد الله، وأن ما أوتِيَه من الآيات كافٍ لأن يؤمن مَن في قلبه خير، وأن الله لو شاء لهدى الناس جميعًا، لكن حكمته إنما اقتضت أن يهديَ من أناب بأن كان يحبُّ الهدى، ويؤثره على الهوى. فأما من كره الحق واستسلم للهوى، فإنما يستحق أن يزيده الله تعالى ضلالًا. قال الله : ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ [٢/ ١٨٧] أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٢٧ - ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].

стр. 1208

وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١ - ١٠٢]. وقال تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٢ - ١٤]. فلما تبيَّن لموسى وهارون أن فرعون وقومه قد استحكم كفرهم انتهى مقتضى الحرص على أن يهتدوا، واقتضى حبُّهما للحق أن يحبَّا أن لا يهديهما الله. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]. [٢/ ١٨٨] وفي القرآن آيات كثيرة في أن الله تعالى لا يهدي الكافرين، والمراد بهم من استحكم كفرُهم. وليس كلُّ كافر كذلك، فقد هدى الله تعالى ويهدي من لا يُحْصَى من الكفار، وإنما الحق أن لا يهدي الله تعالى من استحكم كفرُه.

стр. 1209

٣ - فصل وكما اقتضت الحكمة أن لا تكون حجج الحق مكشوفةً قاهرةً، فكذلك اقتضت أن لا تكون الشبهات غالبة. قال الله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. وذلك أنه لو كان كلُّ من كفر بالله خصَّه الله تعالى بذلك النعيم دون المؤمنين، لكانت تلك شبهة غالبة توقع الناسَ كلهم في الكفر. فتلَخَّص أن حكمة الحق في الخلق اقتضت أن تكون هناك بينات وشبهات، وأن لا تكون البينات قاهرة، ولا الشبهات غالبة. فمن جرى مع فطرته مِن حبِّ الحق، وربَّاها ونمَّاها وآثر مقتضاها، وتفقَّد مسالك الهوى إلى نفسه فاحترس منها، لم تزل تتجلَّى له البينات، وتتضاءل عنده الشبهات، حتى يتجلَّى له الحق يقينًا فيما يُطْلَب فيه اليقين، ورجحانًا فيما يكفي فيه الرجحان. وبذلك يثبت له الهدى، ويستحق الفوز والحمد والكمال على ما يليق بالمخلوق. ومن اتبع الهوى وآثر الحياة الدنيا، تبرقعت دونه البينات، واستهوته الشبهات، فذهبت به "إلى حيثُ ألقَتْ رَحْلَها أمُّ قَشْعَمِ" (١).

стр. 1210

٤ - فصل إن قيل: لا ريب أن الانسان ينشأ على دين واعتقاد ومذهب وآراء يتلقاها من مربِّيه [٢/ ١٨٩] ومعلِّمه، ويتبع فيها أسلافه وأشياخه الذين تمتلئ مسامعه بإطرائهم وتأكيدِ أن الحقَّ ما هم عليه، وبِذَمّ مخالفيهم وثلبهم، وتأكيدِ أنهم على الضلالة. فيمتلئ قلبه بتعظيم أسلافه، وبُغْض مخالفيهم، فيكون رأيه وهواه متعاضِدَين على اتباع أسلافه ومخالفة مخالفيهم. ويتأكد ذلك بأنه يرى أنه إن خالف ما نشأ عليه رماه أهله وأصحابه بالكفر والضلال، وهجروه وآذوه وضيَّقوا عليه عِيشته. ولكن هذه الحال يشترك فيها من نشأ على باطل، ومن نشأ على حق. فإذا دعونا الناس إلى الاستيقاظ للهوى، وبينَّا لهم أثره وضرره، فمن شأن ذلك أن يُشكّكهم فيما نشأوا عليه. وهذا إنما ينفع من نشأ على باطل. فأما من نشأ على حق، فإن تشكيكه ضرر محض؛ لأن غالب الناس عاجزون عن النظر. قلت: المطالب على ثلاثة أضرب: الأول: العقائد التي يُطْلَب الجزمُ بها ولا يسع جهلُها. الثاني: بقية العقائد. الثالث: الأحكام. فأما الضرب الأول، فسنبيِّن إن شاء الله تعالى أن النظر فيه ميسَّر لكلِّ أحد، وأن النظر العقلي المتعمَّق فيه لا حاجة إليه، وهو مَثار الشبهات، وملجأ الهوى (١)، ومنشأ الضلال، كما سيتضح ذلك إن شاء الله تعالى. فمن استجاب

стр. 1211

لتلك الدعوة، فإنما تدعوه إلى النظر الفِطْري الشرعي مخلصًا من شوائب الهوى. فإن كان الناظر سابقًا على حقٍّ، فإنه يتبين له بهذا النظر أنه حقٌّ، فيلزمه وقد صفا له وخلص، ونجا من اتباع الهوى، وصَفَتْ له الطُّمأنينة. وأما الضرب الثاني، فمن كان قائلًا بشيء منه عن حجة صحيحة فإن الاستجابة لتلك الدعوة لا تزيد تلك الحجة إلا وضوحًا مع الخلاص عن الهوى، وإلا فالجهلُ بهذا الضرب خير من القول فيه بغير حجة، وإن صادف الحق. وأما الضرب الثالث، فالمتواتر منه والمُجْمَع عليه لا يختلف حكمُه، وما عداه قضايا اجتهادية يكفي فيها بذلُ الوسع لتعرُّف الراجح أو الأرجح أو الأحوط فيؤخذ به. وإنما يجيء البلاء فيها من أوجه: الأول: التقصير في بذل الوسع. [٢/ ١٩٠] الثاني: التمسُّك بما ليس من الحق. الثالث: الاعتداد بترجيح النفس الذي يكون منشؤه الهوى. الرابع: عدم الرجوع عما يتبين أن غيره أولى بالحق منه. الخامس: معاداة المخالف مع احتمال أنه هو المصيب، وظهور أنه إن كان مخطئًا فهو معذور. فمن شأن تلك الاستجابة لتلك الدعوة أن تدفع هذه المفاسد. * * * *

стр. 1212

٥ - فصل هذه أمور ينبغي للإنسان أن يقدّم التفكُّر فيها ويجعلها نُصْبَ عينيه. ١ - يفكِّر في شرف الحق وضَعَةِ الباطل. وذلك بأن يفكِّر في عظمة الله وأنه رب العالمين، وأنه سبحانه يحب الحق ويكره الباطل، وأن من اتبع الحق استحقَّ رضوانَ رب العالمين، فكان سبحانه وليَّه في الدنيا والآخرة، بأن يختار له كلَّ ما يعلمه خيرًا له وأفضل وأنفع وأكمل وأشرف وأرفع، حتى يتوفَّاه راضيًا مرضيًّا، فيرفعه إليه ويقرِّبه لديه، ويُحِلَّه في جواره مكرمًا منعَّمًا في النعيم المقيم، والشرف الخالد، الذي لا تبلغ الأوهامُ عظمتَه؛ وأن من أخلد إلى الباطل استحقَّ سخطَ ربِّ العالمين وغضبه وعقابه. فإن آتاه شيئًا من نعيم الدنيا، فإنما ذلك لهوانه عليه، ليزيده بُعْدًا عنه، وليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد الذي لا تبلغ الأوهام شدَّته. ٢ - يفكِّر في نِسْبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة، ونسبة بؤس الدنيا إلى سخط رب العالمين وعذاب الآخرة، ويتدبر قول الله : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٥].

стр. 1213

ويُفْهَم من ذلك أنه لولا [٢/ ١٩١] أن يكون الناسُ أمةً واحدةً لابتلى الله المؤمنين بما لم تجرِ به العادة من شدّة الفقر والضرّ والخوف والحزن وغير ذلك. وحسبك أن الله ابتلى أنبياءه وأصفياءه بأنواع البلاء. وفي "الصحيحين" (١) من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول الله ﵌: "مَثَلُ المؤمنِ كمثل الخامة من الزرع تُفِيئُها الرياحُ، تَصْرعُها مرةً وتَعدِلها أخرى حتى يأتي أجله. ومَثَلُ المنافق كمثل الأَرْزة المُجْذِية التي لا يُصيبها شيء حتى يكون انْجعافُها مرةً واحدة". وفي "الصحيحين" (٢) أيضًا نحوه من حديث أبي هريرة. ومعنى الحديث ــ والله أعلم ــ أن هذا من شأن المؤمن والمنافق، فلا يلزم منه أن كل منافق تكون تلك حاله لا يناله ضرر ولا مصيبة إلا القاضية. والمقصود من الحديث تهذيب المسلمين، فيأنس المؤمن بالمتاعب والمصائب، ويتلقَّاها بالرضا والصبر والاحتساب، راجيًا أن تكون خيرًا له عند ربه . ولا يتمنى خالصًا من قلبه النعمَ، ولا يحسد أهلها، ولا يسكن إلى السلامة والنعم ولا يركن إليها، بل يتلقَّاها بخوف وحذر وخشية أن تكون إنما هُيِّئت له لاختلال إيمانه، فترغب نفسه إلى تصريفها في سبيل الله ، فلا يُخْلِد إلى الراحة ولا يبخل، ولا يُعجَب بما أوتِيَه ولا يستكبر ولا يغترّ. ولم يتعرَّض الحديث لحال الكافر، لأن الحجة عليه واضحة على كل حال.

стр. 1214

وأخرج الترمذي (١) وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص قال: سُئل النبي ﵌: أي الناس أشدّ بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل. يُبْتَلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّةٌ هُوِّن عليه ... " الحديث. قال الترمذي: "حسن صحيح". وقد ابتلى الله تعالى أيوب بما هو مشهور. وابتلى يعقوب بفقد ولدَيْه وشدَّد أثر ذلك على قلبه، فكان كما قصَّه الله في كتابه: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]. وابتلى محمدًا عليه وعليهم الصلاة والسلام بما تراه في أوائل السيرة. فكلَّفه أن يدعو قومه إلى ترك ما نشأوا عليه تبعًا [٢/ ١٩٢] لآبائهم من الشرك والضلال، ويُصارِحَهم بذلك سرًّا وجهارًا، ليلًا ونهارًا، ويدورَ عليهم في نواديهم ومجتمعاتهم وقراهم. فاستمرَّ على ذلك نحو ثلاثَ عشرة سنة، وهم يؤذونه أشدّ الأذى، مع أنه كان قد عاش قبل ذلك أربعين سنة أو فوقها ولا يعرف أن يؤذَى، إذ كان من قبيلة شريفة محترمة موقَّرة، في بيتٍ شريف محترم موقَّر، ونشأ على أخلاقٍ كريمة احترمه لأجلها الناسُ ووقّروه. ثم كان مع ذلك على غاية الحياء والغيرة وعزَّة النفس. ومن كانت هذه حاله يشتدّ عليه غاية الشدة أن يؤذَى، ويشقّ عليه غاية المشقة الإقدامُ على ما يعرِّضه لأن يؤذَى. ويتأكد ذلك في جنس ذاك الإيذاء: هذا يسخر منه، وهذا يسبُّه،

стр. 1215

وهذا يبصُق في وجهه ــ بأبي هو وأمي ــ، وهذا يحاول أن يضع رجليه على عنقه إذا سجد لربه، وهذا يضع سَلَى (١) الجَزور على ظهره وهو ساجد، وهذا يأخذ بمجامع ثوبه ويخنُقه، وهذا ينخُس دابته حتى تُلقيه (٢). وهذا عمُّه يتبعه أنَّى ذهب، يؤذيه ويُحذِّر الناسَ منه ويقول: إنه كذَّاب، وإنه مجنون. وهؤلاء يُغْرون به السفهاء، فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دمًا. وهؤلاء يحصرونه وعشيرته مدة طويلة في شِعْب ليموتوا جوعًا. وهؤلاء يعذِّبون من اتبعه بأنواع العذاب، فمنهم من يُضْجِعونه على الرمل في شدة الرمضاء ويمنعونه الماء، ومنهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا وَدَكُ ظهره، ومنهم امرأةٌ عذَّبوها لترجع عن دينها، فلما يئسوا منها طعنها أحدُهم بالحربة في فرجها، فقتلها (٣). كلُّ ذلك لا لشيء إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، [٢/ ١٩٣] ومن الفساد إلى الصلاح، ومن سخط الله إلى

стр. 1216

رضوانه، ومن عذابه الخالد إلى نعيمه الدائم. ولم يلتفتوا إلى ذلك مع وضوح الحُجّة، وإنما كان همُّهم أنه يدعوهم إلى خلاف هواهم. ومن وجه آخر ابتلى الله نبيَّه ﵌ بأن قَبَض أبويه صغيرًا، ثم جدَّه، ثم عمَّه الذي كان يحامي عنه، ثم امرأتَه التي كانت تؤنسه، وتُخفِّف عنه. ثم لم يزل البلاء يتعاهده ﵌، وتفصيل ذلك يطول. وهذا وهو سيدُ ولد آدم وأحبُّهم إلى الله . فتدبرْ هذا كلَّه لتعلم حقَّ العلم أنَّ ما نتنافس فيه ونتهالك عليه من نعيم الدنيا وجاهها ليس هو بشيء في جانب رضوان الله والنعيم الدائم في جواره؛ وأنَّ ما نفرُّ منه من بؤس الدنيا ومكارهها ليس هو بشيءٍ في جانب سخط الله وغضبه والخلود في عذاب جهنم. وفي "الصحيح" (١) من حديث أنس قال: قال رسول الله ﵌: "يؤتَى بأنعَمِ أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيُصْبَغ في النار صَبغةً، ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قطّ؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ. ويؤتَى بأشدِّ الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيُصْبَغ صَبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيتَ بؤسًا قط، وهل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ ما مرَّ بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط". ٣ - يفكِّر في حاله بالنظر إلى أعماله من الطاعة والمعصية . فأما المؤمن فإنه يأتي الطاعةَ راغبًا نشيطًا لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة. فإن عرضت له رغبة في الدنيا، فإلى الله تعالى فيما يرجو معونته على السعي

стр. 1217

للآخرة. فإن كان ولا بد، ففيما يغلب على ظنه أنه لا يثبِّطه عن السعي للآخرة. وهو على كل حال متوكِّلٌ على الله، راغبٌ إليه سبحانه أن يختار له ما هو خير وأنفع. ثم يباشر الطاعة خاشعًا خاضعًا مستحضرًا أن الله يراه ويرى ما في نفسه، ويأتي بها على الوجه الذي شرعه الله . وهو مع ذلك كما قال الله تعالى: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فهو يخاف ويخشى أن لا تكون نيته خالصة. وذلك أن النية الصالحة قد تكون من قوي الإيمان، وقد تكون من ضعيفه الذي إنما يطيع احتياطًا، وقد لا تكون خالصةً بل يمازجها رغبةٌ في ثواب الدنيا لأجل الدنيا، أو رغبةٌ في الآثار الطبيعية ككسر الشهوة حيث لا يشرع، وكتقوية النفس. كالذي [٢/ ١٩٤] يصوم ويقوم ليكون من أهل الكشف، فيطلع على العجائب والمُغَيَّبات، فيلتذّ بذلك، ويعظُم جاهه بين الناس. وكذلك [من] يتعبد ليحصل له الكشف، فيصفو إيمانه، ويستريح من الوسوسة ومدافعة الشبهات. فإنَّ هذه الطريقة غير مشروعة، ومن شأنها أن تجرّ إلى تعاطي الأسباب الطبيعية لتقوية النفس، وإن كانت منهيًّا عنها في الشرع، كما هو معروف في بدع المتصوِّفة. ومن حَصَل له الكشف بهذه الطريق، فهو مظنة أن يضْعُف إيمانُه أو يزول عقوبةً له على سلوكه غير السبيل المشروع، حتى لو كُشِف له عن شيء مما يجب الإيمان به فشاهَدَه لم ينفعه هذا الإيمانُ كما يُعلم مما تقدَّم. وإنما المشروع أن يجاهد نفسه، ويصرفها عن الشبهات والوساوس، مستعينًا بطاعة الله تعالى والوقوف عند حدوده، مبتهلًا إليه أن يثبِّت قلبه بما شاء سبحانه، فهذا إنما يحمل على اتباع الشرع والاهتداء بهداه.

стр. 1218

وكمنفعة البدن، كالذي يصوم ليصحَّ، ويصلِّي التراويح لينهضم طعامه. وكموافقة الإلف والعادة كمن اعتاد الصلاة من صباه، فيجد نفسَه تُنازِعه إلى الصلاة فلا تستقرّ حتى يصلي؛ فإن هذا قد يكون كالذي اعتاد العبث بلحيته، فيجد نفسَه تنازعه إلى ذلك، حتى لو كفَّ عن ذلك أو مُنِع منه شقَّ عليه. وكحبِّ الترويح عن النفس، كالذي يأتي الجمعة ليتفرج، ويلقى أصحابه، ويقف على أخبارهم. وكمراعاة الناس لكي يمدحوه ويُثنوا عليه، فيعظُم جاهه، ويصل إلى أغراضه، ولا يمقتوه، إلى غير ذلك من المقاصد، كالمرأة تتزين وتتعطر وتخرج إلى الصلاة لتشاهد الرجالَ وتلفتَهم إليها. وكالعالم يريد أن يراه الناس ويعظِّموه ويستفتوه، فيشتهر علمه، ويعظم جاهه. وكالمنتسب إلى الصلاح يريد أن يعظِّمه الناس ويقبِّلوا يديه ورجليه، ويشتهر ذكره، ويتساقط الناس في شبكته. وكالحاكم النابه يريد أن يتطاول الناس إلى رؤيته، ويتزاحموا، وترتفع أصواتهم بمدحه وغير ذلك. والمؤمن ولو خَلَصت نيته في نفس الأمر لا يستطيع أن يستيقن ذلك من نفسه. [٢/ ١٩٥] والمؤمن يخاف ويخشى أن لا يكون أتى بالطاعة على الوجه المشروع، وذلك من أوجه: منها: أن للصلاة مثلًا شرائط وأركانًا وواجباتٍ قد اختُلِف في بعضها، والمجتهدُ إنما يراعي اجتهاده، فيخشى أن يكون قصَّر في اجتهاده أو استزلَّه الهوى. والعامّيُّ إنما يتبع قول مفتيه أو إمامه أو بعض فقهاء مذهبه، فيخشى أن يكون قصَّر أو تبع الهوى في اختيار قول ذاك المفتي، أو في الجمود على مذهب إمامه في بعض ما اختُلِف فيه.

стр. 1219

ومنها: أن روح الصلاة الخشوع، والنفسُ تتنازعها الخواطرُ فلا يثق المؤمن بأنه خشَع كما يجب. فإن حاولت نفسُ المؤمن أن تُقنِعه بإخلاصها في نيتها واجتهادها وخشوعها خشي على نفسه أن يكون مغرورًا مسامحًا لنفسه. وهكذا تستمرُّ خشيةُ المؤمن بالنظر إلى طاعاته السالفة، يرجو أن يكون قَبِلها الله تعالى بعفوه وكرمه، ويخشى أن تكون رُدَّت لخللٍ فيها، وإن لم يشعر به، أو لخلل في أساسها وهو الإيمان. هذه حال المؤمن في الطاعات، فما عسى أن تكون حاله في المعاصي؟ وقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١ - ٢٠٢]. فالمؤمن يتصارع إيمانه وهواه. فقد يُطيف به الشيطان، فيُغفِله عن قوة إيمانه، فيغلبه هواه، فيصرعه. وهو حالَ مباشرة المعصية ينازع نفسَه، فلا تصفو له لذتها، ثم لا يكاد جنبُه يقع على الأرض حتى يتذكَّر، فيستعيد قوة إيمانه، فيثِبُ يعَضُّ أناملَه أسفًا وحزنًا على غفلته التي أعان بها عدوَّه على نفسه، عازمًا على أن لا يعود لمثل تلك الغفلة. وأما إخوان الشياطين، فَتمُدُّهم الشياطين في الغيِّ، فيمتدُّون فيه، ويمنُّونهم الأماني فيقنعون. فمِنَ الأماني أن يقول: اللهُ قدَّره عليَّ، فما شاء فعل. قد اختلف العلماء في حُرمة هذا الفعل. قد اختلفوا في كونه كبيرة، والصغائر أمرها هَيِّن. لي حسنات كثيرة تغمر هذا الذنب. لعل الله يغفر لي. لعل فلانًا يشفع لي. سوف أتوب! وأحسنُ حاله أن يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، ويرى أنه قد تاب ومُحِيَ ذنبه.

стр. 1220

قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ [٢/ ١٩٦] خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١١٩ - ١٢٤]. وقال : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. وفي "مسند أحمد" و"المستدرك" (١) وغيرهما من حديث شدّاد بن أوس عن النبي ﵌ قال: "الكيِّسُ من دان نفسَه وعَمِل لما بعد الموت. والعاجزُ مَن أتبَعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني". وفي "الصحيحين" (٢) عن عبد الله بن مسعود قال: "إن المؤمن يرى

стр. 1221

ذنوبه كأنه قاعدٌ تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وان الفاجر يرى ذنوبه كذُبابٍ مرَّ على أنفه، فقال به هكذا ــ أي بيده ــ فذبَّه عنه". ٤ - يفكر في حاله مع الهوى . افرِضْ أنه بلغك أنَّ رجلًا سبَّ رسولَ الله ﵌، وآخرَ سبَّ داود ﵇، وثالثًا سبَّ عمرَ أو عليًّا ﵄، ورابعًا سبَّ إمامك، وخامسًا سبَّ إمامًا آخر. أيكون سخطك عليهم وسعيك في عقوبتهم وتأديبهم أو التنديد بهم موافقًا لما يقتضيه الشرع، فيكون غضبُك على الأول والثاني قريبًا من السواء وأشدَّ مما بعدهما جدًّا، وغضبُك على الثالث دون ذلك وأشد مما بعده، وغضبك على الرابع والخامس قريبًا من السواء ودون ما قبلهما بكثير؟ افرضْ أنك قرأت آيةً، فلاحَ لك منها موافقةُ قولٍ لإمامك، وقرأتَ أخرى، فلاحَ لك منها [٢/ ١٩٧] مخالفة قول آخر له. أيكون نظرُك إليهما سواء، لا تبالي أن يتبيَّن منهما بعد التدبُّر صحةُ ما لاح لك أو عدم صحته؟ افرِضْ أنك وقفتَ على حديثين لا تعرف صحتهما ولا ضعفهما، أحدهما يوافق قولًا لإمامك، والآخر يخالفه. أيكون نظرك فيهما سواء، لا تبالي أن يصحَّ سندُ كلٍّ منهما أو يضعف؟ افرِضْ أنك نظرت في مسألةٍ قال إمامُك فيها قولًا، وخالفه غيره. ألا يكون لك هوًى في ترجيح أحد القولين، بل (١) تريد أن تنظر لتعرف الراجح منهما، فتبيِّن رجحانَه؟ افرِضْ أن رجلًا تحبه وآخر تبغِضه تنازعا في قضية، فاسْتُفْتِيتَ فيها ولا

стр. 1222

تستحضر حكمها، وتريد أن تنظر؛ ألا يكون هواك في موافقة الذي تحبه؟ افرِضْ أنك وعالمًا تحبه وآخرَ تكرهه أفتى كلٌّ منكم في قضية، واطلعت على فتويَيْ صاحبيك فرأيتهما صوابًا، ثم بلغك أن عالمًا آخر اعترض على واحدة من تلك الفتاوى وشدَّد النكير عليها. أتكون حالك واحدة، سواء كانت هي فتواك، أم فتوى صديقك، أم فتوى مكروهك؟ افرِضْ أنك تعلم من رجل منكرًا، وتعذُر نفسَك في عدم الإنكار عليه. ثم بلغك أن عالمًا أنكر عليه وشدَّد النكير. أيكون استحسانك لذلك سواءً فيما إذا كان المنكِر صديقَك أم عدوَّك، والمنكَر عليه صديقَك أم عدوَّك؟ فتِّشْ نفسَك تجدْك مبتلًى بمعصية أو نقصٍ في الدين، وتجدْ من تبغضه مبتلًى بمعصية أو نقصٍ آخر ليس في الشرع بأشدّ مما أنت مبتلًى به. فهل تجد استشناعك ما هو عليه مساويًا لاستشناعك ما أنتَ عليه، وتجد مقتَك نفسَك مساويًا لمقتك إياه؟ وبالجملة، فمسالك الهوى أكثر من أن تُحْصى. وقد جَرّبتُ نفسي أنني ربما أنظر في القضية زاعمًا أنه لا هوى لي، فيلوح لي فيها معنى، فأقرِّره تقريرًا يُعجبني. ثم يلوح لي ما يخْدِش في ذاك المعنى، فأجدني أتبرَّم بذلك الخادش، وتُنازعني نفسي إلى تكلُّف الجواب عنه، وغضِّ النظر عن مناقشة ذاك الجواب. وإنما هذا لأني لمَّا قررتُ ذاك المعنى أولًا تقريرًا أعجبني صرتُ أهوَى صحته. هذا مع أنه لم يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنتُ قد أذعتُه في الناس، ثم [٢/ ١٩٨] لاح لي الخدش؟ فكيف لو لم يَلُح لي الخدش، ولكنّ رجلًا آخر اعترض عليّ به؟ فكيف لو كان المعترضُ ممن أكرهه؟ !

стр. 1223

هذا ولم يكلَّف العالِمُ بأن لا يكون له هوى، فإنّ هذا خارج عن الوسع. وإنما الواجب على العالِم أن يفتِّش نفسه عن هواها حتى يعرفه، ثم يحترز منه، ويُمعِنَ النظرَ في الحق من حيث هو حق؛ فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه. وهذا ــ والله اعلم ــ معنى الحديث الذي ذكره النووي في "الأربعين" (١) وذكر أن سنده صحيح، وهو: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به" (٢). والعالِم قد يُقصِّر في الاحتراس من هواه، ويسامح نفسَه، فتميل إلى الباطل، فينصره وهو يتوهّم أنه لم يخرج من الحق ولم يُعادِه. وهذا لا يكاد ينجو منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء، فمنهم من يَكثُر منه الاسترسال مع هواه ويفحُش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمِّد، ومِنهم من يقِلُّ ذلك منه ويخِفُّ. ومن تتبَّعَ كتب المؤلفين الذين لم يُسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأسًا رأى فيها العجب العُجاب، ولكنه لا يتبين له ذلك إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى، أو يكون هواه مخالفًا لما في تلك الكتب، على أنه إذا استرسل

стр. 1224

مع هواه زعم أن موافقيه براء من الهوى، وأن مخالفيه كلَّهم متبعون للهوى. وقد كان من السلف من يبالغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ من الجانب الآخر، كالقاضي يختصم إليه أخوه وعدوّه، فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه. وهذا كالذي يمشي في الطريق، ويكون عن يمينه مزلَّة، فيتَّقيها ويتباعد عنها، فيقع في مزِلَّة عن يساره! ٥ - يستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ عليه باطل، لا يخلو عن أن يكون قد سلف منه تقصير أو لا. فعلى الأول إن استمرّ على ذلك كان مستمرًّا على النقص، ومصرًّا عليه، ومزدادًا منه، وذلك هو نقص الأبد وهلاكه. وإن نظر، فتبيَّن له الحق، فرجع إليه، حاز [٢/ ١٩٩] الكمال، وذهبت عنه معرَّة النقص السابق؛ فإن التوبة تجُبُّ ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وفي الحديث: "كلكم خطَّاؤون وخير الخطَّائين التوابون" (١). وأما الثاني، وهو أن لا يكون قد سبق منه تقصير، فلا يلزمه بما تقدم منه نقصٌ يُعاب به البتة. بل المدار على حاله بعد أن ينبَّه، فإن تنبَّه وتدبَّر فعرف الحقَّ فاتبعه فقد فاز. وكذلك إن اشتبه عليه الأمر، فاحتاط. وإن أعرض ونَفَر، فذلك هو الهلاك. ٦ - يستحضر أن الذي يهمُّه ويُسأل عنه هو حالُه في نفسه. فلا يضرُّه عند

стр. 1225

الله تعالى ولا عند أهل العلم والدين والعقل أن يكون معلِّمه أو مربِّيه أو أسلافه أو أشياخه على نقص. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يَسْلَموا من هذا، وأفضل هذه الأمة أصحاب رسول الله ﵌ ورضي عنهم، وكان آباؤهم وأسلافهم مشركين. هذا مع احتمال أن يكون أسلافك معذورين إذا لم يُنَبَّهوا ولم تقم عليهم الحجة. وعلى فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به، فاتِّباعُك لهم وتعصُّبك لا ينفعهم شيئًا بل يضرُّهم ضررًا شديدًا، فإنه يلحقهم مثل إثمك ومثل إثم من يتبعك من أولادك وأتباعك إلى يوم القيامة. كما يلحقك مع إثمك مثلُ إثم من يتبعك إلى يوم القيامة. أفلا ترى أن رجوعك إلى الحق هو خير لأسلافك على كلِّ حال؟ ٧ - يتدبر ما يُرْجَى لِمُؤْثر الحقِّ من رضوان رب العالمين، وحسنِ عنايته في الدنيا، والفوزِ العظيم الدائم في الآخرة؛ وما يستحقه متبعُ الهوى من سخطه ، والمقتِ في الدنيا والعذابِ الأليم الخالد في الآخرة. وهل يرضى عاقلٌ لنفسه أن يشتري لذَّةَ اتباع هواه بفواتِ حُسنِ عنايةِ ربِّ العالمين وحرمانِ رضوانه والقربِ منه والزُّلْفى عنده والنعيمِ العظيم في جواره، وباستحقاقِ مقتِه وسخطِه وغضبِه وعذابِه الأليم الخالد؟ لا ينبغي أن يقع هذا حتى من أقلِّ الناس عقلًا، سواء أكان مؤمنًا موقنًا بهذه النتيجة، أم ظانًّا لها، أم شاكًّا فيها، أم ظانًّا لعدمها؛ [٢/ ٢٠٠] فإن هذين يحتاطان. وكما أن ذلك الاشتراء متحقِّق ممن يعرف أنه متَّبع هواه، فكذلك من يسامح نفسه، فلا يناقشها ولا يحتاط. ٨ - يأخذ نفسه بخلاف هواها فيما يتبيَّن له، فلا يسامحها في ترك واجب أو ما يقرب منه، ولا في ارتكاب معصية أو ما يقرب منها، ولا في هجوم على مشتبه. ويروضُها على التثبت والخضوع للحق، ويشدِّد عليها في ذلك

стр. 1226

حتى يصير الخضوعُ للحق ومخالفةُ الهوى عادةً له. ٩ - يأخذ نفسَه بالاحتياط في ما يخالف ما نشأ عليه ، فإذا كان فيما نشأ عليه أشياء يرى أنه لا بأس بها، أو أنها مستحبة، وعلم أن من أهل العلم من يقول: إنها شرك أو بدعة أو حرام، فليأخذ نفسه بتركها حتى يتبيَّن له بالحجج الواضحة صحةُ ما نشأ عليه. وهكذا ينبغي له أن ينصح غيرَه ممن هو في مثل حاله. فإن وجدتَ نفسَك تأبى ذلك، فاعلم أنّ الهوى مستحوِذ عليها، فجاهِدْها. واعلم أنّ ثبوت هذا القدر على المكلَّف ــ أعني أن يثبت عنده أنَّ ما يُدعى إليه أحوطُ مما هو عليه ــ كافٍ في قيام الحجة عند الله . وبذلك قامت الحجة على أكثر الكفّار. فمِنْ ذلك المشركون من العرب، لم يكن في دينهم الذي كانوا عليه تصديق بالآخرة، وإنما يَدْعون آلهتهم ويعبدونها للأغراض الدنيوية، مع علمهم أنَّ مالكَ الضرِّ والنفعِ هو الله وحدَه، ولذلك كانوا إذا وقعوا في شدّةٍ دَعَوا الله وحده. قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]. وكانوا يرون مَن هو على خلاف دينهم لا يظهر تفاوت بينه وبينهم في أحوال الدنيا، وعرفوا فيمن أسلم مثلَ ذلك، ثم عُرض عليهم الإسلام، وعرفوا ــ على الأقل ــ أنه يمكن أن يكون حقًّا، وأنه إن كان حقًّا ولم يتبعوه تعرَّضوا للمضارّ الدنيوية وللخسران الأبدي في الآخرة، فلزمهم في هذه الحال أن يُسْلِموا؛ لأنه إن كان الأمر كما بدا لهم من صحة الإسلام فقد أخذوا منه بنصيب، وإلا فتركهُم لما كانوا عليه لا يضرُّهم كما لا يتضرَّر من

стр. 1227

خالفهم، [٢/ ٢٠١] فلم يمنعهم من الإسلام إلا اتباعُ الهوى. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠]. وتكذيبُهم للحق وإعراضُهم عنه ــ بعد أن قامت الحجة عليهم بأنَّ تصديقه واتباعه أحوطُ لهم وأقربُ إلى النجاة ــ ظلمٌ شديدٌ منهم، استحقُّوا به أن لا يهديهم الله إلى استيقان أنه حق. وهذا كما تقدم في قصة نوح، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١]. ونحوها في سورة يونس [٧٤] وفيها: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾. وقال الله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠]. وفي "تفسير ابن جرير" (٧/ ١٩٤) (١): " ... عن ابن عباس: قوله:

стр. 1228

﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ ... ﴾ قال: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تَثْبُتْ قلوبُهم على شيء، ورُدَّتْ عن كلِّ أمر". وهذا هو الصحيح. الكاف في قوله: "كما" للتعليل. وكذلك هي في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. قال ابن جرير في "تفسيره" (٢/ ١٦٣) (١): "يعني بذلك جلَّ ثناؤه: واذكروا الله أيها المؤمنون عند المشعر الحرام بالثناء عليه والشكر له على أياديه عندكم، وليكن ذكركم له بالخضوع له والشكر على ما أنعم عليكم من التوفيق". وهو الظاهر في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]. [٢/ ٢٠٢] قال ابن جرير (٣/ ٣٣٧) (٢): " ... فاذكروا الله في صلاتكم وفي غيرها بالشكر له والحمد والثناء عليه، على ما أنعم به عليكم من التوفيق لإصابة الحق الذي ضلَّ عنه أعداؤكم". وقد ذكر ابن هشام في "المغني" (٣) هذا المعنى للكاف، فراجعه. وفي "الإتقان" (٤): "الكاف حرف جرّ له معانٍ أشهرها التشبيه ...

стр. 1229

والتعليل نحو: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١]. قال الأخفش: أي لأجل إرسالنا فيكم رسولًا منكم فاذكروني، ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي لأجل هدايته إياكم ... ". ١٠ - يسعى في التمييز بين معدن الحجج ومعدن الشبهات ، فإنه إذا تمَّ له ذلك هان عليه الخَطْب. فإنه لا يأتيه من معدن الحق إلا الحق، فلا يحتاج ــ إن كان راغبًا في الحق قانعًا به ــ إلى الإعراض عن شيء جاء من معدن الحق، ولا إلى أن يتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات. لكن أهل الأهواء قد حاولوا التشبيه والتمويه، فالواجب على الراغب في الحق أن لا ينظر إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملوَّنة، بل ينظر إليه كما كان ينظر إليه أهلُ الحق. والله الموفق.

стр. 1230

[٢/ ٢٠٣] الباب الأول في الفرق بين معدن الحق ومعدن الشبهات وبيان مآخذ العقائد الإسلامية ومراتبها مآخذ العقائد الإسلامية أربعة: سَلَفيَّان، وهما الفطرة والشرع. وخَلَفيَّان، وهما النظر العقلي المتعمَّق فيه، والكشف التصوفي. أما الفطرة، فأريد بها ما يعمُّ الهداية الفطرية، والشعور الفطري، والقضايا التي يسمِّيها أهل النظر: ضروريات وبديهيات، والنظر العقلي العادي، وأعني به ما يتيسَّر للأُميين ونحوهم ممن لم يعرف علم الكلام ولا الفلسفة. وأما الشرع، فالكتاب والسنة. وأما النظر العقلي المتعمَّق فيه، فما يختصّ بعلم الكلام والفلسفة. وأما الكشف التصوفي، فمعروف. فأما المأخذ السلفي الأول، فالهداية والشعور الفطريَّان يتضحان ويتضح علوُّ درجتهما بالنظر في أحوال البهائم والطير والحشرات كالنحل والنمل. وأذكر من ذلك مثالًا واحدًا: لو أنك أخذت فِراخَ حمامٍ عقب خروجها من البَيض، فاعتنيت بحفظها وتغذيتها وتربيتها بعيدةً عن جنسها، لَوجدتَها بعد أن تكبر يأتلف الذكر والأنثى منها، فلا يلبثان أن يبادرا إلى تهيئة موضع مناسب لوضع البيض وحفظه وحضنه، فيختاران موضعًا صالحًا لذلك. ثم يتلمَّسان ما يمهِّدانه به من الحشيش ونحوه، ثم تضع
следующие страницы →