← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الشهادات من «صحيحه»، باب سؤال الحاكم المدعي: ألك بينة؟ ونحوه في «صحيح مسلم» (١) و «مسند أحمد» (ج ٥ ص ٢١١) (٢) من طريق أبي معاوية ووكيع عن الأعمش ــ إلى غير ذلك. فلا ندري ما هو اللفظ الذي نطقَ به النبي ﵌، لكنْ أجلُّ مَن روى الحديث عن أبي وائل منصورٌ والأعمش، وأجلُّ مَن رواه عنهما سفيان الثوري، وهو إمام في الإتقان والفقه، وروايته هي الأشبه بآداب القضاء: أن يبدأ القاضي فيسأل المدعي: أله بيِّنة؟ فإن لم يكن له بينة وجَّه اليمينَ على المدعى عليه. والبينة كلُّ ما بيَّن الحق، فتصدق على البينة التامة، وهي ما لا يحتاج معها إلى يمين، وبالبينة (٣) الناقصة وهي ما يحتاج معها إلى يمين. على أنه لو ثبت أن لفظ النبي ﵌: «شاهداك أو يمينه» فدلالةُ هذا على نفي القضاء بشاهد ويمين ليست بالقوية، ودلالة أحاديث القضاء بالشاهد واليمين واضحة. فإن قيل: يقوِّي هذه أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. قلت: فإن ظاهرها يقتضي أن لا تقبل شهادة رجل وامرأتين. فإن قيل: يجوز أن يكون الأشعث قد علم قبولَ رجل وامرأتين. قلت: ويجوز أن يكون قد علم قبول شاهد ويمين. والحق أنه يجوز أن لا يكون قد [٢/ ١٥٢] علِمَ ذا ولا ذاك، وليس هناك محذور؛ لأن من شأن

стр. 1157

المدعي أن يكون حريصًا على إظهار كلِّ ما يؤمِّل أن ينفعه، فلو كان له شاهد وامرأتان، أو شاهد فقط، أو امرأة واحدة، وقيل له: «شاهداك أو يمينه» = لقال: لا أجد شاهدين، ولكني أجد كذا. وقد نازع في تحليف المدعى عليه كما في بقية القصة، فإن فيها «قلت: يا رسول الله ما لي بيمينه؟ وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر». أفتراه ينازع في هذا، ويأخذ بما يُشعِر به قولُ النبي ﵌ إن كان ما قاله «شاهداك»، فلا يقول: لي شاهد واحد، إن كان له؟ وأما الحديث الثاني، فأوله يبيِّن آخره، ويدل على أن محلّ قوله: «اليمين على المدعى عليه» حيث لا يكون للمدعي إلا دعواه فقط. وكما أنه لا يتناول من له شاهدان، لأنه لم يُعطَ بمجرد دعواه، وإنما أُعطِي بدعواه مع شهادة الشاهدين، فكذلك لا يتناول من له شاهد، لأنه إن أُعطِي فلم يُعطَ بمجرد دعواه. وأما ما يقال: إن اختصاص المدعى عليه باليمين أصل من الأصول، فحديثُ القضاء بشاهد ويمين المدعي مخالفٌ للأصول= فتهويل. ويمكن دفعه بأن المدعي لما أقام شاهدًا عدلًا صار الظاهر بيده، فإذا أصرَّ المدعى عليه على الإنكار فهو مدّعٍ لبطلان ذاك الظهور، فقد صار المدعي في معنى المدعى عليه، وصار المدعى عليه في معنى المدعي. ويمكن معارضته بأصل آخر، وهو: أنه لا يحلَّف المدعى عليه مع وجود بينة للمدعي. فإن قيل: ذاك إذا كانت بينة تامة. قلت: لنا أن نمنع هذا. ويتحصل من ذلك أن المتفق عليه أنه لا يمين للمدعي حيث لا شاهد له، ولا يمين للمدعى عليه مع وجود بينة تامة. ويبقى ما إذا كان للمدعي شاهد واحد مترددا بين هذين الأصلين، فيؤخذ فيه بالدليل

стр. 1158

الخاص به، وقد ثبت الحديث بتحليف المدعي، فإن حلف صارت البينة في معنى التامة، وإن أبى صار في معنى من لا شاهدَ له أصلا. والله الموفق. وأما الانقطاع الثاني (١) وهو بين قيس وعمرو، فلا وجه له، ولم يقله من يُعتَدُّ به. وقد تقدم أن البخاري كأنه استبعد صحة الحديث، ثم لم يكن عنده إلا أنه حدس أن عمرًا لم يسمعه [٢/ ١٥٣] من ابن عباس، وقد تقدم الكلام معه في ذلك. وهو الذي يشدِّد في اشتراط العلم باللقاء، فلو كان هناك مجال للشك في سماع قيس من عمرو لما تركه البخاري والتجأ إلى ذاك الحدس الضعيف الذي لا يُجدِي. وقيس وُلِدَ بعد عمرو، ومات قبله. وكان معه بمكة، وسمع كلٌّ منهما من عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم. وكان عمرو لا يدع الخروج إلى المسجد الحرام والقعود فيه إلى أن مات، كما تراه في ترجمته من «طبقات ابن سعد» (٢). وكان قيس قد خلف عطاء في مجلسه كما ذكره ابن سعد أيضًا (٣). وسمع عمرو من ابن عباس وجابر وابن عمر وغيرهم، ولم يدركهم قيس. فهل يُظَن بقيس أنه لم يلقَ عمرًا، وهو معه بمكة منذ ولد قيس إلى أن مات؟ أو لم يكونا يصلّيان معًا في المسجد الحرام الجمعة والجماعة؟ أو لم يكونا يجتمعان في حلقة عطاء وغيره في المسجد؟ ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين عن الأخرى إلا بضعة أذرع. أوَ يُظنُّ بقيس أنه استنكف عن (٤)

стр. 1159

السماع من عمرو لأنه قد شاركه في صغار مشايخه، ثم يرسل عنه إرسالًا؟ وقد قاتل الأستاذ أشدَّ القتال لمحاولة دفع قولهم: إن أبا حنيفة الذي ولد سنة ثمانين بالكوفة ونشأ بها مُعرضًا عن سماع الحديث لم يسمع من أنس الذي عاش بالبصرة وتوفي بها سنة إحدى وتسعين، وقيل: بعدها بسنة أو سنتين. وليس بيده إلا أنه قد قيل: إن أبا حنيفة رأى أنسًا! وقد تعرضت لذلك في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت من قسم التراجم. ثم ترى الأستاذ هنا يجاري أصحابه في توهمهم الباطل مع وضوح الحال. وسبب الوهم في هذا أن الطحاوي ذكر هذا الحديث فقال (١): «وأما حديث ابن عباس فمنكر، لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدِّث عن عمرو بن دينار بشيء». فتوهم جماعة ــ من آخرهم الأستاذ الكوثري ــ أن الطحاوي قصد بهذا أن قيسًا عن عمرو منقطع، لعدم ثبوت اللقاء، بناءً على القول باشتراط العلم به، القول الذي ردَّه مسلم في مقدمة «صحيحه»، ونقل إجماع أهل العلم على خلافه. وعبارة الطحاوي لا تعطي ما توهَّموه، فإنه ادعى أن الحديث منكر، ثم وجَّه ذلك بقوله: «لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدِّث عن عمرو بن دينار بشيء»، ولم يتعرَّض لسماعه منه ولقائه له [٢/ ١٥٤] بنفي ولا إثبات. ولا ملازمة بين عدم التحديث وعدم اللقاء أو السماع، فإن كثيرًا من الرواة لقوا جماعة من المشايخ وسمعوا منهم، ثم لم يحدِّثوا عنهم بشيء. فإن قيل: إنما ذاك لاعتقادهم ضعف أولئك المشايخ، وعمرو لم يستضعفه أحد.

стр. 1160

قلت: بل قد يكون لسبب آخر، كما امتنع ابن وهب من الرواية عن المفضَّل بن فَضالة القِتْباني لأنه قضى عليه بقضية، وامتنع مسلم من الرواية عن محمد بن يحيى الذهلي لما جرى له معه في شأن اختلافه مع البخاري. فكأن الطحاوي رأى أن قيسًا لو كان يروي عن عمرو لجاء من روايته عنه عدة أحاديث، لأن عمرًا كان أقدم وأكبر وأجلّ، وقد سمع من الصحابة، وحديثه كثير مرغوب فيه، وكان قيس معه بمكة منذ ولد. فحدَسَ الطحاوي أن قيسًا كان ممتنعًا من الرواية عن عمرو، فلما جاء هذا الحديث استنكره، كما قد نستنكر أن نرى حديثًا من رواية ابن وهب عن المفضل، أو من رواية مسلم عن محمد بن يحيى. فإن قيل: فقد يكون لاستنكاره خشي انقطاعه. قلت: كيف يُبنَى على ظنِّ امتناع قيسٍ من الرواية عن عمرو نفسه أن يُحمَل هذا الحديث على أنه أرسله عنه؟ بل المعقول أنه إذا امتنع من الرواية عنه نفسِه كان أشد امتناعًا من أن يروي عن رجل عنه، فضلًا عن أن يُرسِل عنه، أو بعبارة أخرى يدلِّس، وقيس غير مدلّس. فإن قيل: فعلى ماذا يُحمل؟ قلت: أما الطحاوي، فكأنه خشي أن يكون سيف ــ وهو راوي الحديث عن قيس ــ أخطأ في روايته عن قيس عن عمرو. فإن قيل: فهل تقبلون هذا من الطحاوي؟ قلت: لا، فإن أئمة الحديث لم يُعرِّجوا عليه. هذا البخاري مع استبعاده لصحة الحديث ــ فيما يظهر ــ إنما حدسَ أن عمرًا لم يسمعه من ابن عباس،

стр. 1161

وذلك يقضي أن الحديث عنده ثابت عن عمرو. وهذا مسلم أخرج الحديث في «صحيحه» (١)، وثبَّته النسائي (٢) وغيره. وليس هناك مظنة للخطأ. وسيف ثقة ثبت، لو جاء عن مثله عن ابن وهب عن المفضل بن فضالة، أو عن مسلم [٢/ ١٥٥] عن محمد بن يحيى، لوجب قبوله؛ لأن المحدِّث قد يمتنع عن الرواية عن شيخ، ثم يُضطرُّ إلى بعض حديثه. هذا على فرض ثبوت الامتناع، فكيف وهو غير ثابت هنا؟ بل قد جاء عن قيس عن عمرو حديث آخر، روى وهب بن جرير عن أبيه قال: «سمعت قيس بن سعد يحدِّث عن عمرو بن دينار ... » ووهب وأبوه من الثقات الأثبات. ذكر البيهقي ذلك في «الخلافيات»، ثم قال: «ولا يبعد أن يكون له عن عمرو غير هذا». نقله ابن التركماني في «الجوهر النقي» (٣)، ثم راح يناقش البيهقي بناءً على ما توهموه أن مقصود الطحاوي الانقطاع، ودعوى أنه لم يثبت لقيس لقاء عمرو، وقد مرَّ إبطال هذا الوهم. والطحاوي أعرف من أن يدّعي ذلك، لظهور بطلانه، مع ما يلزمه من اتهام قيس بالتدليس الشديد الموهِم للقاء والسماع، على فرض أن هناك مجالًا للشك في اللقاء. وقد بيَّنا أن الطحاوي إنما حام حول الامتناع، والحق أنه لا امتناع،

стр. 1162

ولكن قيسًا عاجله الموت. ولما كان يحدِّث في حلقته في المسجد الحرام كان عمرو حيًّا في المسجد نفسه، ولعل حلقته كانت بالقرب من حلقة عمرو، فكان قيس يرى أن الناس في غنى عن السماع منه عن عمرو، لأن عمرًا معهم بالمسجد. فكان قيس يحدِّث بما سمعه من أكابر شيوخه، فإن احتاج إلى شيء من حديث عمرو في فتوى أو مذاكرة فذكره، قام السامعون أو بعضهم فسألوا عمرًا عن ذاك الحديث، فحدَّثهم به، فرووه عنه، ولم يحتاجوا إلى ذكر قيس. واستغنى سيف في هذا الحديث، وجرير في الحديث الآخر بالسماع من قيس، لأنه ثقة ثبت؛ ولعله عرض لهما عائق عن سؤال عمرو. هذا، وقد تابع قيسًا على رواية هذا الحديث عن عمرو بن دينار محمدُ بن مسلم بن سَوسَن الطائفي. ذكر أبو داود في «السنن» (١) حديث سيف، ثم قال: «حدثنا محمد بن يحيى وسلمة بن شبيب، قالا: ثنا عبد الرزاق، نا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار ــ بإسناده ومعناه. قال سلمة في حديثه: قال عمرو: في الحقوق». وأخرجه البيهقي في «السنن» (ج ١٠ ص ١٦٨) من طريق عبد الرزاق ومن طريق أبي حذيفة، كلاهما عن الطائفي. والطائفي استشهد به صاحبا «الصحيح»، ووثقه ابن معين وأبو داود والعجلي ويعقوب بن سفيان وغيرهم. وقال [٢/ ١٥٦] ابن معين مرة: «ثقة لا بأس به، وابن عيينة أثبت منه. وكان إذا حدَّث من حفظه يخطئ، وإذا حدَّث من كتابه فليس به بأس. وابن عيينة أوثق منه في عمرو بن دينار، ومحمد بن مسلم أحب إليَّ من داود العطار في عمرو». وداود العطار هذا هو داود بن

стр. 1163

عبد الرحمن، ثقة متفق عليه، وثَّقه ابن معين وغيره. وقال عبد الرزاق: «ما كان أعجب محمد بن مسلم إلى الثوري». وقال البخاري عن ابن مهدي: «كتبه صحاح». وقال ابن عدي: «لم أر له حديثًا منكرًا». وضعَّفه أحمد، ولم يبيِّن وجه ذلك، فهو محمول على أنه يخطئ فيما يحدِّث به من حفظه. فأما قول الميموني: «ضعَّفه أحمد على كل حال، من كتاب وغير كتاب»، فهذا ظن الميموني، سمع أحمد يطلق التضعيف، فحمل ذلك على ظاهره. وقد دل كلام غيره من الأئمة على التفصيل، ولا يظهر في هذا الحديث مظنة للخطأ، وقد اندفع احتماله بمتابعة سيف (١). هذا، وللحديث شواهد. منها حديث ربيعة الرأي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة (٢): «أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد». كان سهيل أصيب بما أنساه بعضَ حديثه، ومن ذلك هذا الحديث، فكان سهيل بعد ذلك يرويه عن ربيعة ويقول: «أخبرني ربيعة ــ وهو عندي ثقة ــ أني حدَّثته إياه، ولا أحفظه». والنسيان علة غير قادحة. وقد رواه يعقوب بن حميد (٣) عن محمد بن عبد الله العامري «أنه سمع سهيل بن أبي صالح يحدِّث عن أبيه، فذكره».

стр. 1164

وذكر ابن التركماني (١) أنه اختُلِف على سهيل. رواه عثمان بن الحكم، عن زهير بن محمد، عن سهيل، عن أبيه، عن زيد بن ثابت. قلت: إن كان هذا مخالفًا لذاك، فذاك أثبت (٢). عثمان مصري، قال فيه أبو حاتم: «ليس بالمتين»، وزهير أنكروا [عليه] الأحاديث التي يرويها عنه غير العراقيين. وروى [٢/ ١٥٧] المغيرة بن عبد الرحمن الحِزامي (٣) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة «أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد». قال ابن التركماني (٤): «مغيرة قال فيه ابن معين: ليس بشيء». أقول: هذا حكاه عباس عن ابن معين. وقد قال الآجري: «قلت لأبي داود: إن عباسًا حكى عن ابن معين أنه ضعَّف مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، ووثَّق (مغيرة بن عبد الرحمن) المخزومي. فقال: غلط عباس». والحزامي احتج به الشيخان وبقية الستة. وقال أبو زرعة: «هو أحبُّ إلي من [ابن] أبي الزناد وشعيب»، يعني في حديث أبي الزناد، كما في «التهذيب» (٥). وشعيب هو ابن أبي حمزة ثقة متفق عليه. قال أبو زرعة:

стр. 1165

«شعيب أشبَهُ حديثًا وأصحُّ من ابن أبي الزناد». وابن أبي الزناد تقدم ذكره في المسألة الثانية. وقد حكى الساجي عن ابن معين أنه قال: «عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة». وحكى البيهقي (١) عن الإمام أحمد أنه قال: «ليس في هذا الباب حديث أصح من هذا». قال ابن التركماني (٢): «قال صاحب «التمهيد»: أصحُّ إسنادٍ لهذا الحديث حديث ابن عباس. وهذا بخلاف ما قال ابن حنبل». أقول: كلاهما صحيح، ولا يفيد الحنفيةَ الاختلافُ في أيهما أصح. وذكر ابن عدي أن ابن عجلان وغيره رووا عن أبي الزناد عن ابن أبي صفية عن شريح قوله (٣). وهذا لا يوهن رواية المغيرة، إذ لا يمتنع أن يكون الحديث عن أبي الزناد من الوجهين، وإنما كان يكثر من ذكر المروي عن شريح لأن شريحًا عراقي، والخلاف في المسألة مع العراقيين، ومن عادتهم أنهم يخضعون للمقاطيع عن أهل بلدهم، ويردون الأحاديث المرفوعة من حديث الحجازيين. ولذلك جاء عن محمد بن علي بن الحسين أنهم سألوه: أقضى النبي ﷺ باليمين مع الشاهد؟ قال: «نعم، وقضى به علي ﵁ بين أظهركم». ذكره البيهقي (ج ١٠ ص ١٧٣).

стр. 1166

وذكر البخاري عن زكريا بن عدي أن ابن المبارك ناظر [٢/ ١٥٨] الكوفيين في النبيذ، «فجعل ابن المبارك يحتج بأحاديث رسول الله ﷺ وأصحاب النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار من أهل المدينة. قالوا: لا، ولكن من حديثنا! قال ابن المبارك ... عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: إذا سكر من شراب، لا يحل له أن يعود فيه أبدًا. فنكَّسوا رؤوسهم. فقال ابن المبارك للذي يليه: رأيتَ أعجبَ من هؤلاء؟ أُحدِّثهم عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه والتابعين فلم يعبؤوا به، وأذكر عن إبراهيم فنكَّسوا رؤوسهم! » حكاه البيهقي في «السنن» (ج ٨ ص ٢٩٨). وروى عبد الوهاب الثقفي (١) ــ وهو ثقة ــ عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد». أعلَّه جماعة بأن جماعة رووه عن جعفر عن أبيه مرسلًا. ونازع في ذلك الدارقطني (٢) ثم البيهقي (٣) (٤). وفي الباب أحاديث أخرى ومراسيل ومقاطيع عند الدارقطني والبيهقي (٥) وغيرهما. والحديث أشهر من كثير من الأحاديث التي يدّعي

стр. 1167

لها الحنفية الشهرة، ويحتجون بها على خلاف القرآن والسنن المتواترة. وأما قول الأستاذ: «مع عدم ظهور دلالته على المتنازع فيه»، فيشير به إلى تأويلات أصحابه. فمنها زعمُ بعضهم في حديث مسلم: «قضى بيمين وشاهد» أن المعنى قضى بيمين حيث لا شاهدين، وقضى بشاهد حيث وجد الشهود، والمراد بـ (شاهد) الجنس. وهذا التأويل كما ترى! أولًا: لأنه خلاف الظاهر. ثانيًا: لأنه يجعل الكلام لا فائدة له، فإنه لا يخفى على أحد أنه يُقضى باليمين حيث لا بينة، ويقضى بالشاهدين حيث وُجدا. ثالثًا: حَمْلُ «شاهد» على الجنس، ثم إخراج الواحد منه لا يخفى حاله. [٢/ ١٥٩] رابعًا: هذا اللفظ رواية زيد بن الحباب عن سيف. وقد رواه عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزومي عن سيف، فقال: «قضى باليمين مع الشاهد». رواه الإمامان الشافعي وأحمد عن عبد الله بن الحارث، كما في «الأم» (ج ٦ ص ٢٧٣) (١) و «مسند أحمد» (ج ١ ص ٣٢٣) (٢). وزاد في رواية الشافعي: «قال عمرو: في الأموال». وفي رواية أحمد: «قال عمرو: إنما ذاك في الأموال». وعبد الله بن الحارث كأنه أثبت من زيد بن الحباب، فإن زيدًا قد وُصِف بأنه يخطئ، ولم يُوصَف بذلك عبد الله، وكلاهما ثقتان من رجال

стр. 1168

مسلم. وهكذا رواه محمد بن مسلم الطائفي (١) عن عمرو، إلا أنه قال: «قال عمرو: في الحقوق». فقوله: «قضى باليمين مع الشاهد» لا يمكن ــ ولو على بُعد بعيد ــ إجراءُ تأويلهم المذكور فيه. وراويه عن ابن عباس ــ وهو عمرو بن دينار ثقة جليل فقيه ــ أقرَّه على المعنى الذي نقول به، ولهذا خصَّه بالأموال. والقضاء باليمين حيث لا شهود قد يكون في غير الأموال، وكذلك القضاء بالشاهدين. وهكذا جاء لفظ هذا الحديث «قضى باليمين مع الشاهد» في حديث أبي هريرة وحديث جابر (٢) وغيرهما. وفي بعض الشواهد والمراسيل والمقاطيع التصريحُ الواضح. ومن التأويلات: قول بعضهم في لفظ «قضى باليمين مع الشاهد»: إن المعنى قضى بيمين المدعى عليه مع وجود شاهد واحد للمدعي. ورُدَّ بأوجه: منها: أنه خلاف الظاهر، فإن الظاهر أن المعية بين اليمين والشاهد، وأنه قضى بهما معًا. ومنها: أن الرواية الأولى تردُّ هذا التأويل. ومنها: أن راويه عن ابن عباس ــ وهو ثقة جليل فقيه ــ أقرَّه على ظاهره كما سلف.

стр. 1169

ومنها: ما ورد في بعض الشواهد والمراسيل والمقاطيع من التصريح الواضح. وفي «الفتح» (١) عن ابن العربي أن بعضهم حمله على صورة خاصة، وهي أن رجلًا اشترى من آخر عبدًا مثلًا فادعى المشتري أن به عيبًا، وأقام شاهدًا واحدًا. فقال البائع: بعته بالبراءة، فيحلف المشتري أنه ما اشترى بالبراءة، ويردُّ العبد. أقول: حاصل هذا التأويل أن البائع أنكر أولًا العيب، فأقام المدعي وهو المشتري شاهدًا واحدًا، فاعترف المدعى عليه وهو البائع، ولكنه ادّعى دعوى أخرى، وهي أنه باع [٢/ ١٦٠] بالبراءة. فأنكر المشتري، ولم يكن للبائع بينة، فيحلف المشتري. وأنت خبير أن هذه قضيتان: قضى في الأولى بالاعتراف، وفي الثانية باليمين، وذهب الشاهد لغوًا. فكيف يعبِّر الصحابة عن هذا بلفظ «قضى باليمين مع الشاهد»، و «قضى بيمين وشاهد»؟ فإن كلًّا من هاتين العبارتين تعطي أن القضاء وقع باليمين والشاهد معًا. فإن قيل: قد يقال: لم يعترف البائع بل قال: لا عيب، فإن كان فلا يلزمني لأنني بعت بالبراءة. قلت: فعلى هذا إن حلف المشتري على وجود العيب وعدم البراءة، فقد قضى له في القضية الثانية بيمينه فقط، وفي الأولى بشاهده ويمينه وهو الذي تفرُّون منه. وإن حلف على عدم البراءة فقط ومع ذلك قضى له بردِّ العبد، فقد قضى له في الثانية بيمينه فقط، وفي الأولى بشاهد واحد بلا يمين،

стр. 1170

وهو أشدُّ مما تفرُّون منه. على أن الذي ينبغي في هذه الصورة أن لا يُقبَل قولُ البائع: «لا عيب ... »، بل يقال له: إما أن تعترف بوجود العيب، وإما أن تُصِرَّ على إنكارك. فإن اعترف فقد تقدم، وإن أصرَّ على إنكاره، قيل للمشتري: ألك شاهد آخر؟ فإن قال: لا، فعلى قولكم يقال للبائع: احلف، فإن حلف قضي له بيمينه (١) وذهب الشاهد لغوًا، ولم يحتج إلى دعوى البراءة. وإن أبى قضي بوجود العيب لنكول المدعى عليه، وذهب الشاهد لغوًا، وتمَّت القضية الأولى، ثم ينظر في القضية الثانية. وعلى قولنا: يقال للمشتري: احلف مع شاهدك، فإن حلف ثبت العيب بشاهده ويمينه، ثم ينظر في القضية الأخرى. وإن أبى قيل للبائع: احلف أنه لا عيب، فإن حلف قُضي له بيمينه واستُغني عن الدعوى الثانية وذهب الشاهد لغوًا. وإن أبى قيل للمشتري: احلف على وجود العيب (وهذه يمين مردودة ليست هي التي تكون مع الشاهد)، فإن حلف قُضي له بيمينه مع نكول البائع واستُغني عن الشاهد، ثم ينظر في القضية الثانية. وإن أبى سقط حقه واستُغني عن القضية الثانية. فإن قال قائل: أنا أخالفكم في ردِّ اليمين وفي القضاء بالشاهد واليمين إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا كان للمدعي شاهد واحد ونكَلَ المدعى عليه عن اليمين، فيحلف المدعي [٢/ ١٦١] ويستحق، ففي هذه يقضى له بشاهده مع يمينه. قلنا: فأنت تقضي للمدعي الذي لا شاهد له بمجرد نكول خصمه، ولا تقضي للمدعي الذي له شاهد بمجرد نكول خصمه، بل تكلِّفه اليمين فوق

стр. 1171

ذلك. فكأن وجود شاهد للمدعي يوهن جانب المدعي، حتى لو لم يكن له شاهد لكان جانبه أقوى، فهل يقول هذا أحد؟! وأما قول الأستاذ: «والليث بن سعد ردَّ على مالك ردًّا ناهضًا في رسالته إليه». فهذه الرسالة في «إعلام الموقعين» (ج ٣ ص ٨٢) (١) وهي تفيد أن مالكًا كتب إلى الليث يعاتبه في إفتائه بأشياء على خلاف ما عليه جماعة أهل المدينة، فأجابه الليث بهذه الرسالة. فذكر أولًا أنه قد كان في الأقطار الأخرى جماعة من الصحابة، وكان الخلفاء يكتبون إليهم. قال: «ومن ذلك القضاء بشاهدٍ ويمينِ صاحب الحق، وقد عرفت أنه لم يزل يُقضى بالمدينة به ولم يقضِ به أصحابُ رسول الله ﷺ بالشام ولا بحمص ولا بمصر ولا بالعراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. ثم ولي عمر بن عبد العزيز، وكان كما قد علمت في إحياء السنن والجِدِّ في إقامة الدين والإصابة في الرأي والعلم بما قد مضى من أمر الناس. فكتب إليه رُزيق ... إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمين صاحب الحق. فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك، فلا نقضي إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين». مقصود الليث ــ فيما يظهر ــ أن الأحكام على ضربين: منها ما لا يسع فيه الاختلاف، ومنها ما دون ذلك. وأن الخلفاء كانوا يكتبون إلى مَن

стр. 1172

بالأقطار الأخرى من الصحابة في الضرب الأول كيلا يخالفوا فيه، وإذا وقع منهم فيه خلاف كتب إليهم الخلفاء ينهونهم عنه. وأما الضرب الثاني فكانوا يُقِرُّون فيه كلَّ مجتهد على اجتهاده، وأنّ هذه القضية من الضرب الثاني. كان الخلفاء في المدينة يقضون بالشاهد واليمين، وكان مَن بالأقطار التي سمَّاها الليث من الصحابة لا يقضون بذلك فيما يعلمه الليث، ولم يكتب إليهم الخلفاء يأمرونهم بالقضاء به، فدلَّ ذلك أنها عندهم من الضرب الثاني. واستشهد لذلك بما ذكره عن عمر بن عبد العزيز، وأنه لما كان بالمدينة كأن فقهاءها ناظروه فقوي عنده قولهم فكان يقضي به. ثم لما صار بالشام كأن [٢/ ١٦٢] فقهاءها ناظروه، فقوي عنده قولهم فصار إليه. فيرى الليث أن ما كان من الضرب الثاني فليس لمالك أن يجعل عمل أهل المدينة فيه حجةً على الناس كلهم، ولا أن ينكر على من يخالفه فيه. أقول: فهذا معنى معقول مقبول في الجملة، والمدار على الحجة، وإن حُمِل كلامُ الليث على غير هذا المعنى صار زللًا داحضًا لا ردًّا ناهضًا. ونحن لم نَدَّعِ أن القضاء بالشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق من الضرب الأول الذي لا يسع خلافه وينقض قضاء القاضي بخلافه، وإنما ادعينا أنه ثابت بالحجة، وأن المخالف له مخطئ. وليس في رسالة الليث ما يدفع هذا. وأما قول الأستاذ: «حتى إن يحيى الليثي ... »، فمخالفة بعض المالكية والشافعية للإمامين إنما تدل أنه قَوِيَ عند المخالفين أنه لا يُقضى بذلك، وقوته عندهم لا تستلزم قوته في نفس الأمر، والمدار على الحجة وقد أقمناها.

стр. 1173

وأما قول الأستاذ: «فسَلْ قضاة العصر ... »، فجوابه: أنها إذا روعيت العدالة الشرعية كما يجب لم يكن هناك اختلال يُعتدُّ به، وقد قضى أهل العلم بذلك ويقضُون به إلى اليوم في بعض الأقطار، ولا يدرك اختلال؛ وإنما الاختلال في جواز القضاء بشهادة فاسقَيْن على ما يقوله الحنفية. أوَ رأيتَ لو قال قضاة العصر: قد فسد الزمان، فلا يُقضى بأقل من ثلاثة شهود على شرط أن تكون القرائن مساعدة لشهادتهم؟ وكما أن الفساد يُخشى مِن ادعاء الباطل، فإن أشدَّ منه يُخشَى مِن جحد الحق. فإن شدَّدتَ بالشهادة دفعًا لما يُخشى من ظلم المدعي للمدعى عليه، فقد سهَّلتَ بذلك ظلمَ المدعى عليه للمدعي. وهذا أشدُّ، فإن الغالب أن يكون المطالِب عند الحاكم هو الضعيف الذي لا يمكنه استيفاء الحق من المدعى عليه، فكيف أن يظلمه؟ فالقسطاس المستقيم هو اتباع الشريعة، والله متكفِّل بحفظها، وضامن بقدره أن يسدِّد المتبعَ لها، ويسُدَّ ما قد يقع من الخلل في تطبيق العمل بشرعه على حكمته في نفس الأمر أو يَجْبُرَه. وهو سبحانه اللطيف الخبير، على كل شيء قدير. * * * *

стр. 1174

[٢/ ١٦٣] تتمة يعلم من مناظرة الشافعي لمحمد بن الحسن (١) في هذه المسألة أن محمدًا ــ مع إنكاره أن يقضي بشاهد ويمين، وردِّه الأحاديث في ذلك، وزَعْمه أن ذلك خلاف ظاهر القرآن ــ كان يقول: إنَّ نسبَ الطفل إلى المرأة، وبالتالي إلى صاحب الفراش، مع ما يتبع ذلك من أحكام الرق والحرية والتناكح والتوارث واستحقاق الخلافة وغير ذلك، يثبت بشهادة القابلة وحدها. فاعترضه الشافعي بأن عمدته في ذلك أثر «رواه عن علي ﵁ رجل مجهول يقال له: عبد الله بن نجي، ورواه عنه جابر الجعفي (٢) وكان يؤمن بالرجعة». فحاول الأستاذ الجواب عن ذلك بوجوه: الأول: أن قبول شهادة القابلة إنما هو في استهلال المولود ليصلَّى عليه أو لا يصلَّى. الثاني: أن ابن نجي غير مجهول، فقد روى عنه عدة، ووثَّقه النسائي وابن حبان. الثالث: أن جابرًا الجعفي روى عنه شعبة مع تشدده، ووثَّقه الثوري. الرابع: أنه قد تابعه عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن علي.

стр. 1175

الخامس: أنه قد روى عبد الرزاق بسنده إلى عمر قبول شهادة القابلة، والأسلمي الذي في السند مرضي عند الشافعي. السادس: قال الأستاذ: «محمد بن الحسن استنبط قبول قول المرأة فيما يخصها معرفته من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ووجه دلالته أن الاستهلال مما تشهده النساء دون الرجال عادةً، فإبطالُ شهادتهن ينافي قبول قول المرأة فيما تخصُّها معرفته كما هو المستفاد من الآية». أقول: أما الأول، فالموجود في كتب الحنفية أنه يثبت النسب بشهادة القابلة عند أبي حنيفة وصاحبيه في بعض الصور، وعندهما في صور أخرى. فمن شاء فليراجع كتبهم (١)، وليقل معي: أحسن الله عزاء المسلمين في علم الأستاذ محمد زاهد الكوثري! فأما القبول في الاستهلال ليصلَّى عليه أو لا يصلَّى، فهذا يوافق عليه الشافعي وغيره، وليس بشهادة، وإنما هو خبر لا يترتب عليه أمر له خطر. [٢/ ١٦٤] وأما الثاني، فابن نجي كان مجهول الحال عند الشافعي. وقال البخاري: «فيه نظر». وهذه الكلمة من أشد الجرح عند البخاري، كما ذكره الأستاذ في كلامه في إسحاق بن إبراهيم الحنيني، وتراه في ترجمة إسحاق من قسم التراجم (٢). فأما توثيق ابن حبان فقاعدته توثيق المجاهيل، كما ذكره الأستاذ غير مرة، ومرَّت الإشارة إليها في القواعد، وفي ترجمة

стр. 1176

ابن حبان من قسم التراجم (١). وتوثيق النسائي معارَض بطعن البخاري، على أن النسائي يتوسع في توثيق المجاهيل، كما تقدَّم في القواعد. وأما الثالث، فجابر الجعفي استقرَّ الأمر على توهينه، ثم هو معروف بتدليس الأباطيل، ولم يصرِّح بالسماع. وأما الرابع، فذاك الخبر تفرد به سويد بن سعيد (٢)، وهو إنما يصلح للاعتبار فيما صرَّح فيه بالسماع وحدَّث به قبل عماه، أو بعده وروجع فيه فثبت. وهَبْ أنه يصلح للاعتبار في هذا، فأي فائدة في ذلك، وخبر الجعفي طائح؟ ! وأما الخامس، فالأسلمي هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى هالك، وارتضاء الشافعي له إنما هو فيما سمعه عنه، إما لأنه سمع من أصوله، وإما لأنه كان متماسكًا ثم فسد بعد ذلك (٣)، وهذا الخبر لم يسمعه منه الشافعي. ومع ذلك فشيخه فيه إسحاق بن عبد الله الفَرْوي، وهو هالك باتفاقهم. والزهري عن عمر منقطع. ثم إن كان المراد بالقبول على الاستهلال القبولَ لأجل الصلاة على

стр. 1177

المولود، فليس هذا محل النزاع كما سلف. [٢/ ١٦٥] وأما السادس، فقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الكلام فيه على التوزيع، أي: لا يحل للمرأة أن تكتم ما خلق الله في رحمها. والنهي عن الكتمان يقتضي أنه مظنة أن يقع، وإنما يظن بالمرأة أن تكتم حيث كان لها غرض. فمآل النهي عن الكتمان إلى الأمر بالاعتراف، فغايةُ ما في هذا الدلالةُ على أنه يُقبل منها الاعتراف. فإذا ذكرت أنها قد تمَّت أقراؤها كان هذا اعترافًا بأنه لا نفقةَ لها، وادعاءً لأنه لا رجعةَ للزوج عليها. فيُقبل منها الاعتراف، ويُنظر في الادعاء، فإن قُبِل منها الادعاء أيضًا، فهل تجعلون الولادة من هذا القبيل؟ فإن قلتم: نعم، لزمكم أن تقبلوا قول الأم نفسها: هذا ابني من فلان، وتُثْبِتوا بذلك نسبه وميراثه وغير ذلك. فإن قلتم: إنما موضع الاستنباط أن الآية أشعرتْ بأنه يُقبل قول المرأة في الحيض والحمل، وأن علة ذلك هو أنه يتعسر العلم بذلك إلا من جهتها؛ فقلنا: والولادة يعسر العلم بها إلا من جهة النساء، فأخذنا من ذلك قبول شهادتهن (١) فيها. قلنا: أما قبول قولها وحدها في حيضها وحملها، فهذا مما تختصُّ هي بمعرفته دون غيرها. والولادة ليست كذلك، بل يطلع عليها غيرها من النساء. أفرأيتم إذا أخذتم من ذلك قبول شهادة النساء على الولادة، فمن أين أخذتم أنها تكفي امرأة واحدة؟ فقد تحضر عدة قوابل، وقد تحضر مع القابلة

стр. 1178

عدة نساء، وقد يحيط رجال بالخيمة مثلًا بعد كشفها، والعلمِ بأنه ليس فيها إلا المرأة الحامل، ثم يحرسون الخيمة إلى أن تكشف فلا يكون فيها إلا المرأة وطفل معها، فيشهد الرجال شهادة محققة أنها ولدت ذاك الطفل. دع قضية الرجال فإنها نادرة، ولكن هلَّا (١) قلتم: دلَّت هذه الآية على قبول شهادة النساء في الولادة، ودلت آية الدَّين على اشتراط العدد، فيؤخذ من الآيتين قبول شهادة أربع نسوة كما يقول الشافعي؟ أوَ ليس إذا قبلتم شهادة امرأة واحدة فيما يختص به النساء لزمكم قبول رجل واحد فيما يختص به الرجال، كما يتفق في الجامع يوم الجمعة، بل في كل شيء؟ إلا أنه إذا كفت امرأة واحدة فيما يختص به النساء، ورجل فيما يختص به الرجال، فما لا يختص لا يتجه فيه إلا أحد أمرين: إما أن يكفي الواحد رجلًا كان [٢/ ١٦٦] أو امرأة، وإما أن يشترط رجل أو امرأتان، فقد دلت السنة على هذا فيما يتعلق بالأموال وزادتكم يمينًا. فإن قلتم: لكن الشافعي لا يقول بقبول شهادة المرأتين مع اليمين. قلنا: قد قال بذلك أستاذه مالك، وهو مذهب قوي، كما سلف. والله الموفق.

стр. 1179

المسألة السادسة عشرة نكاح الشاهد امرأة شهد زورًا بطلاقها في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧١ [٣٧٣]) من طريق الحارث بن عمير قال: «سمعت أبا حنيفة يقول ... ، قال الحارث بن عمير: وسمعته يقول: لو أن شاهدين شهدا عند قاضٍ أن فلان بن فلان طلَّق امرأته، وعلما جميعًا أنهما شهدا بالزور، ففرَّق القاضي بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين، فله أن يتزوج بها؟ قال: نعم. قال: ثم علم القاضي بعد، أله أن يفرِّق بينهما؟ قال: لا». قال الأستاذ (ص ٣٧): «مسألة نفاذ حكم القاضي ظاهرًا وباطنًا هو مقتضى الأدلة، وإن كان شاهد الزور يأثم إثمًا عظيمًا، لكن لا يحول ذلك دون نفاذ حكم القاضي ظاهرًا أو باطنًا، وإلا لزم إباحة وطئها للزوج الأول في السرِّ فيما بينه وبين الله، وإباحة وطئها للزوج الجديد بحكم الحاكم، وأي قول يكون أقبح وأشنع من هذا؟ يكون لامرأة واحدة زوجان في حالة واحدة، أحدهما يجامعها في السر والآخر في العلانية. ونعترف أن أبا حنيفة لا يمكنه أن يرى مثل هذا الرأي رغم كل تشنيع، بل التشنيع يرتد على مخالفيه ومشنِّعيه كما صوَّرناه. وأبو حنيفة من أبرأ الناس من أن يُحدِث الفوضى في الأحكام، وأما عدم تفريق القاضي بينهما بعد علمه بحال الشاهدين، فليس من مسائل أبي حنيفة، وإنما مذهبه التروِّي في الحكم مطلقًا». أقول: يتفوَّه الأستاذ بالقبح والشناعة، وينسى ما في صنيعه هذا منهما! أما إباحتها لزوجها الحقيقي، فذلك حكم الله ﵎ من فوق سبع سماوات! وأما إباحتها لذلك الشاهد الفاجر، فإنما يقول بها أبو حنيفة. فأما مخالفوه ــ ومنهم: أصحابه أبو يوسف ومحمد وزفر ــ فإنهم قائلون

стр. 1180

[٢/ ١٦٧] بحرمتها عليه أشدَّ التحريم. والحاصل أن أبا حنيفة يقول: هي حرام في حكم الله تعالى على زوجها، مباحة في حكم الله تعالى للشاهد الفاجر! ومخالفوه يقولون بعكس هذا. غاية الأمر أن القاضي لجهله بما في نفس الأمر يحول بينها وبين زوجها، ويسلِّط الشاهد الفاجر عليها، ولا قبح في هذا ولا شناعة. أرأيت إذا ادعى رجل على امرأة أنها زوجته فحكم القاضي بذلك، وكانت المرأة في نفس الأمر أمَّ المدعي أو أختَه أو بنته، والقاضي لا يعلم، أليس يسلِّطه عليها في قول أبي حنيفة وغيره؟ ونظير مسألتنا ما إذا كان لزيد أَمَة، فادعى بكر أنها أَمَته، وأقام شاهدي زور، فقضى له القاضي. فأبو حنيفة يوافق في هذه أن الأَمَة لا تزال في مِلك زيد حلالًا له وحرامًا على بكر، وإن كان القاضي يحول بينها وبين زيد، ويسلِّط عليها بكرًا. وليت الأستاذ كان ذكر الأدلة التي زعم أن نفاذ حكم القاضي ظاهرًا وباطنًا هو مقتضاها فكنت أنظر فيها، وعسى أن تكون في ذلك فائدة، ولكن الأستاذ عدلَ عنها إلى سلاحه الوحيد من المغالطة والتهويل على عادته. ومن العجيب قوله: «وأما عدم تفريق القاضي بينهما بعد علمه ... ». أليس من المعلوم أنه في قول أبي حنيفة إذا علم حقيقة الحال قضى بأنها امرأة ذلك الشاهد الفاجر حلال له ظاهرًا وباطنًا؟ أوَ ليس إذا كان هذا قضاءه لم يكن هناك وجه عنده للتفريق بينهما؟

стр. 1181

[٢/ ١٦٨] المسألة السابعة عشرة القرعة المشروعة في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٠ [٤٠٧]) من طريق يوسف بن أسباط قال: «وكان النبي ﷺ يُقرِع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر، وأقرع أصحابه، وقال أبو حنيفة: القرعة قمار». قال الأستاذ (ص ٨٧): «وأما مسألة القرعة، فقد قصرها أبو حنيفة على موردها وقال: إنما يجري الإقراع عند إرادة السفر بين النساء، وعند القسمة التي ليس فيها إبطال حق ثابت، باعتبار أن القرعة وردت في ذلك على خلاف القياس». أقول: الذي في كتب الحنفية عن أبي حنيفة أنه لا حكم للقرعة، وإنما تُستحبُّ تطييبًا للنفس، ثم لا يلزم العمل بها، فللزوج أن يخرج بأي أزواجه شاء، حتى لو أقرَعَ فخرج سهمُ إحداهن، فله الخروج بغيرها. وهكذا في القسمة يكون حق التعيين للقاضي. وقد بقيت للقرعة موارد أخرى. ودعوى أنها خلاف القياس كأنه أريد بها أنها في الأصل قمار. وسنوضِّح بعون الله بطلان ذلك، ونُثبت أن القرعة في بابها قياس من أعدل الأقيسة وأقومِها وأوفقها بالأصول، وأن جعل التعيين إلى الزوج والقاضي في الفرعين السابقين هو المخالف للأصول. اعلم أن صورة القرعة قد تستعمل في أربعة أبواب: الباب الأول: أن يُقصد بها إبطالُ حقِّ صاحب الحق وجعلُه لمن لا حق له، كأن يقول الرجل لصاحبه: ألقِ خاتمَك، وأُلقي خاتمي، ونقترع عليهما، فأيُّنا خرج سهمُه استحقَّ الخاتمين. أو يقول أحدهما: أُقارِعك على خاتمي

стр. 1182

هذا، فإن خرج سهمك أخذته أنت. أو يتداعيا دارًا في يد أحدهما، فيقال: أقرعوا بينهما، فإنْ خرج سهم المدعي أخذ الدار. الباب الثاني: أن يتنازعا حقًّا يمكن أن يكون لهما معًا، ولا دليل يرجِّح جانب أحدهما، كأن يتنازعا دارًا بيدهما معًا، ولا دليل لأحدهما، وحلف كلٌّ منهما أنها جميعها له، ليس لصاحبه منها شيء. [٢/ ١٦٩] الباب الثالث: أن يختص الحقُّ بأحدهما بعينه، ويتعذَّر تعيينه، كمن طلَّق بائنًا إحدى امرأتيه، وتعذَّر تعيينُها. الباب الرابع: أن يكون الحق في الأصل ثابتًا لكلٍّ منهما، لكن اقتضى الدليل أن يُخَصَّ به أحدُهما، لا بعينه. فأما الباب الأول، فلا نزاع أن القرعة إذا استُعمِلت فيه فهي قمار، وكذلك الباب الثاني. وأما الباب الثالث ففيه نظر، وقد قال بعض الأئمة بصحة القرعة فيه. وأما الباب الرابع، فهو مورد القرعة. والفرق بينه وبين الأبواب الأولى بغاية الوضوح، فإنه إذا اقتضى الدليل أن يُخصَّ به أحدهما لا بعينه فما بقي إلا طلبُ طريقٍ للتعيين لا ميلَ فيه ولا حيفَ، فإذا ظفرنا بطريقٍ كذلك، لم يكن فيه إبطالُ حقٍّ ثابت ولا إثباتُ حقٍّ باطل، فما هو هذا الطريق؟ من كانت له امرأتان واحتاج إلى السفر واستصحابِ إحداهما فقط، فقد ثبت الدليل باعتراف أبي حنيفة أن له ذلك، وبقي التعيين. ومن مات عن ابنين، فقسم القاضي المال نصفين، فقد ثبت الدليل باعتراف أبي حنيفة أنه ينبغي تخصيص أحدهما بأحد النصفين والآخر بالآخر، وبقي التعيين.

стр. 1183

فأبو حنيفة يقول: يعيِّن الزوج والقاضي، ومخالفوه يقولون: الزوج والقاضي منهيَّان عن الميل وعن كل ما يظهر منه الميل، ولا ريب أن تعيينهما برأيهما ميلٌ، أو يظهر منه الميل، والأصل في ذلك التحريم. فإباحتُه لهما مخالف للأصول والقياس، وفتحٌ لباب الهوى، ومنافٍ للحكمة. وإذا عيَّن الزوجُ برأيه إحدى امرأتيه ظنَّت الأخرى أنه إنما عيَّنها ميلًا إلى هواه، فحَزَنها ذلك، وأدَّى ذلك إلى مفاسد. وإذا عيَّن القاضي برأيه أحد النصفين لزيد، وكان بكرٌ يريده لنفسه، ظنَّ بكرٌ أن القاضي إنما مال مع هواه، وساءت ظنون الناس بالقاضي، وجرَّ ذلك إلى مفاسد. فإن قال أبو حنيفة: فما المخلص؟ قالوا: قد بيَّنه الله تعالى ورسوله، وهو القرعة. فإن قال: القرعة قمار. قيل له: إنما تكون قمارًا في غير هذا الباب كما تقدم شرحه. وإذا صحَّ أن أبا حنيفة استحبَّ القرعة، فقد لزمه أنها ليست في هذا الباب بقمار وأنها مشروعة. وإذا اعترف بأنها مشروعة، فما بقي إلا أن يجب العمل بها، أو يجوز تركُها وجعلُ [٢/ ١٧٠] التعيين إلى الزوج والقاضي. والحجة قائمة على منع أن يكون التعيين إلى الزوج والقاضي، لأنه فتحٌ لباب الميل كما تقدَّم، ولا ضرورة إليه ولا حاجة. وقد وردت القرعة في فروع أخرى من الباب الرابع، وبذلك ثبت أنها في ذلك الباب أصل من الأصول الشرعية يقاس عليه ما يشبهه. قال الله ﵎ في قصة مريم: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٣٧ - ٤٤].

стр. 1184

فالقوم ــ وفيهم نبي الله زكريا ﵇ ــ اختصموا في كفالة مريم، ففزعوا إلى القرعة، وظاهرٌ أنهم إنما يرضون بالقرعة عند تساويهم في أصل الاستحقاق واقتضاء مصلحة الطفلة أن يختص بكفالتها أحدهم. فقص الله ﵎ ذلك في كتابه، وأخبر أنه كفَّلها زكريا، أي ــ والله أعلم ــ بأن أخرج سهمه في القرعة، فكان هو القارع. وقال في قصة يونس: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٠ - ١٤٢] ذهب يونس إلى فلك مشحون ــ أي مُوقَر ــ ليركب فيه، فكأنه ــ والله أعلم ــ طلع إلى الفلك هو وجماعةٌ حاجتهم كحاجته، فكأن صاحب الفلك أخبرهم أنه لا يمكنه أن يسافر بهم جميعًا لأن فلكه مشحون أي موقر، وطلب إليهم أن ينزل بعضهم، فتشاحُّوا، فاقترعوا، فطلع سهم يونس في المدحضَين، أي في الذين خرجت القرعة بأن ينزلوا. والظاهر أن الفلك كان لا يزال بالمرفأ، وليس في النزول منه خطر ظاهر، لكن الله قضى على يونس بما قضى. وفي «الصحيحين» (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ... ». وفي «صحيح مسلم» (٢) من حديثه أيضًا مرفوعًا: «لو تعلمون ــ أو يعلمون ــ ما في الصف المقدَّم لكانت قرعةً». أي أنهم يحضرون معًا، ويكثُرون

стр. 1185

ويتشاحُّون، ولا يكون هناك مُرجِّح، فيحتاج إلى القرعة. وفي «صحيح البخاري» (١) وغيره من حديث أم العلاء قالت: «طار لنا عثمان بن مظعون في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين ... ». [٢/ ١٧١] وفيه (٢) من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: «مَثَلُ القائمِ على حدود الله والواقعِ فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة ... ». وفي «صحيح مسلم» (٣) وغيره عن عمران بن حصين: «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرعَ بينهم، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة». ووجه ذلك أن تصرُّفَ المريض مرضَ الموت وصيةٌ يصح منها الثلث فقط، ومن الأصول الشرعية مراعاةُ أن تَعتِق الرقبةُ كاملةً، كما ثبت فيمن أعتق في حال صحته بعضَ مملوكه أنه يَعتِق عليه كلُّه، وفيمن أعتق شركًا له في مملوك أنه إن كان المُعِتقُ موسرًا عتَق المملوك كلُّه وغرِم المعتِقُ قيمةَ ما زاد على نصيبه لشريكه. وإن كان مُعسِرًا فقد قال بعض أهل العلم: يعتق

стр. 1186

المملوك كلُّه، ويسعى في قيمة ما زاد على نصيب المعتِق حتى يدفعها إلى الشريك. وقال آخرون: قد عتَق منه ما عتَق، ويبقى باقيه على الرق. ومن المعنى في مراعاة عتق الرقبة كاملةً أن مقصود العتق هو أن يحصل للمملوك وعليه جميع الحقوق المختصة بالأحرار، ويغني عن المسلمين غناء الحر، وليس المبعَّض كذلك. فإن من حقوق الأحرار ما لا يحصل له ولا عليه منها شيء، ومنها ما يحصل له جزء منه فقط، ومع ذلك يكون التبعيض منشأ نزاع مستمر بين المبعَّض ومالك بعضه، فيلحق الضرر بكلٍّ منهما. ويشتبه الحكم في كثير من الفروع على المفتي والقاضي، كما تراه في أحكام المبعَّض في كتب الفقه. فجاءت السنة بأن يُجزَّأ الستّةُ ثلاثةَ أجزاء، ليَعتقَ اثنان كاملان، فكلُّهم متساوون في أصل الحق، واقتضى الدليل أن يُخَصَّ اثنان منهم، وبقي التعيين. فهذه الصورة من الباب الرابع الذي وردت فيه القرعة. فثبت أن القرعة في ذاك الباب أصل من الأصول الشرعية قرَّره الكتاب والسنة، واقتضاه العدل والحكمة. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1187

القائد إلى تصحيح العقائد وهو القسم الرابع من كتاب "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"

стр. 1188

[٢/ ١٧٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي لا أعلمَ به من نفسه، ولا أصدقَ نبأً عنه من وحيه، ولا آمنَ على دينه من رسله، ولا أولى بالحقّ ممن اعتصم بشريعته ورضي بحكمه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهمّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ورضي الله عمن اختارهم لصُحْبة رسوله، وحِفْظ شريعته، وعن أتباعهم المُقتدين بأنوارهم، المقتفين لآثارهم إلى يوم الدين. أما بعد، فإن صاحب كتاب "تأنيب الخطيب" تعرَّض في كتابه للطعن في عقيدة أهل الحديث، ونبَزَهم بالمُجَسِّمة، والمشبّهة، والحَشوية، ورماهم بالجهل والبدعة والزيغ والضلالة. وخاض في بعض المسائل الاعتقادية كمسألة الكلام والإرجاء، فتجشَّمتُ أن أتعقبه في هذا، كما تعقّبته في غيره، راجيًا من الله ﵎ أن يُثبِّتَ قلبي على دينه، ويهديني لما اختُلِفَ فيه من الحقّ بإذنه، ويتغمَّدني بعفوه ورحمته، إنه لا حول ولا قوة إلا بالله. * * * *

стр. 1189

[٢/ ١٧٥] مقدمة قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. تضافر العقل والشرع على إثبات أن الله ﵎ غنيّ عن العالمين، وأنه سبحانه الحكيم الحميد، فخلقُ اللَّهِ تعالى الخلقَ وتكليفُه لهم لا يكون إلا موافقًا لما ثبت من غناه سبحانه وحمده وحكمته. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وعبادته سبحانه هي طاعته بامتثال ما أمر به ورضِيَه، واجتناب ما نهى عنه وكرهه. ولم يكن الغني الحميد، الحكيم العليم، ليأمر عباده إلا بما هو خير لهم، ولا لينهاهم إلا عمّا هو شرّ لهم. فإن أمرهم أو نهاهم للابتلاء فقط، فطاعته نفسها خير لهم، وعصيانه شر لهم. وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. تقول العرب: لا أرضى منك بكذا، وأرضى منك بكذا، إذا كانت الفائدة للمتكلم. فإذا كانت إنما هي للمخاطَب، ولكن المتكلم بكرمه ورحمته يحبّ الخير ويكره الشر، قالوا: لا أرضى لك كذا، وأرضى لك كذا. وقال تعالى فيما قصَّه عن لقمان: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢]. وفيما قصَّه عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].

стр. 1190

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]. وقال : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]. [٢/ ١٧٦] وفي "صحيح مسلم" (١) وغيره عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﵌ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا. يا عبادي! كلُّكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدِكم. يا عبادي! كُلُّكم جائعٌ إلا مَن أطعمتُه، فاستطعموني أُطْعِمْكم. يا عبادي! كلُّكم عارٍ إلا من كسوتُه، فاستكسوني أكسُكُم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفرْ لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أفجَرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي! لو أن أولكَم وآخركم وإنسكم وجنَّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كل إنسان مسألتَه، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخْيَطُ إذا أُدخِلَ البحرَ. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم، ثم أوفِّيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه".

стр. 1191

فنستطيع أن نفهم من هذا كله أن الله ﵎ اقتضى كمالُ جوده أن يجود بالكمال إلى الحدِّ الممكن، ولا يفي بهذا أن يخلق خلقًا كاملين، فإنما ذلك بمنزلة خلقهم حِسان الصور، وذاك كمالٌ يتمحَّض فيه الحمد للخالق من كل وجه، ولا يُحْمد عليه المخلوق البتة، فلا يُعتدّ به كمالًا له. وكذلك أن يخلقهم غير كاملين ويجبرهم على الكمال، فإنما الحمد منوط بالاختيار. وقريبٌ من هذا أن يخلقهم غير كاملين ولا مجبورين، ويُيسِّر لهم اختيارَ الكمال بحيث لا يكون فيه مشقّة عليهم، فإن المخلوق إنما يُحْمَد على اختياره الكمال حيث يكون عليه فيه مشقة، وكلما كانت المشقّة أشدّ، كان الحمد أحقَّ، والكمال أعظم (١). * * * *

стр. 1192

[٢/ ١٧٧] ١ - فصل لنا أن نقول: إن مدار كمال المخلوق على حبّ الحق وكراهية الباطل، فخَلَق الله تعالى الناس مفطورين على ذلك، وقدَّر لهم ما يؤكد تلك الفطرة، وما يدعوهم إلى خلافها، ليكون عليهم في اختيار الكمال ــ وهو مقتضى الفطرة ــ مشقةٌ وتعب وعناء، ولهم في خلاف ذلك شهوة وهوى. فمن اختار منهم مقتضى الفطرة، وصبر على ما فيه من المشقة والعناء، وعمَّا في خلافه من الراحة العاجلة واللذة= استحق أن يُحمَد، فاستحقَّ الكمالَ، فناله. ومن آثر الشهوةَ واتبع الهوى استحقَّ الذمَّ، فسقط. وفي "صحيح مسلم" (١) من حديث أبي هريرة وأنس عن النبي ﵌ قال: "حُفّت الجنة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات". وهو في "صحيح البخاري" (٢) من حديث أبي هريرة بنحوه. وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم (٣) من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريلَ إلى الجنة، فقال: انظر إليها. قال: فرجع إليه فقال: وعزّتِك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. فأمر بها، فحُفَّت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فرجع، فقال: وعزَّتِك لقد خِفْتُ أن لا يدخلها أحد. قال: اذهب إلى النار، فانظر إليها. فرجع، فقال: وعزِّتِك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها،

стр. 1193

فحُفَّت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع، فقال: وعزتك لقد خشيتُ أن لا ينجو منها أحد". راجع "فتح الباري" (١): كتاب الرقاق. وقال الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. [٢/ ١٧٧] وقال قبل ذلك: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٣ - ١٥٧]. والمقصود بالابتلاء هو أن يتبين حالُ الإنسان، فيفوز من صَبَر على تحمُّل المشاق، ثابتًا على الحق، معرضًا عما يراه في الباطل من المخارج التي تُخلِّص من تلك المشاقّ أو تخفِّفها، عالمًا أن الدنيا زائلة، وأن الذي يستحق العناية هو أمر الآخرة، ويخسر من يلجأ إلى الباطل فرارًا من تلك المشاقّ أو من شدّتها.

стр. 1194

ولا يقتصر الابتلاء على الشدائد، بل قال الله : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وذلك من وجهين: الأول: أن الإنسان كما يشُقُّ عليه الثباتُ على الحق عند الشدائد، فكذلك عند النعيم والرخاء؛ لأن النعيم يدعو إلى التوسّع في اللذّات والاستكثار من الشهوات، والتكاسل عن الطاعات، والتكبّر على الناس، وغير ذلك. وفي الصبر عن ذلك ما فيه من المشقّة. الوجه الثاني: أن من استحوذ عليه إيثار الباطل تكون الدنيا أعظمَ همِّه. فهو من جهةٍ إذا توفّرتْ له نِعمُ الدنيا ولم تنَلْه مصائبها رضي عن ربه ودينه، وإذا أصابته المصائب سَخِط. ومن جهةٍ أخرى يعُدُّ نِعَم الدنيا ومصائبها أعظم دليل على رضا الله وسخطه، فإذا يُسِّرت له نعمُ الدنيا ولم تنله مصائبها زعم أن الله راضٍ عنه وعن دينه وعن عمله، وإلا زعم أن الله ساخط عليه وعلى دينه وعلى عمله! وهذه كانت شبهةَ فرعون كما بينته في "كتاب العبادة" (١). وقال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ [٢/ ١٧٩] وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ

стр. 1195

عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ٩ - ١١]. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٤٩ - ٥١]. وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]. واقرأ من سورة الفرقان: [٧ - ١١] ومن سورة الزخرف: [٣١ - ٣٥]. والإنسان لا يكره الحقّ من حيث هو باطل، ولكنه يحب الحق بفطرته، ويحب الباطل لهواه وشهوته، ومدار الفوز أو الخسران على الإيثار. قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]. ولك أن تقول: إن الله ﵎ في جانب، والهوى في جانب. وقد قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣ - ٤٤]. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ
следующие страницы →