أفلا يكون في موافقة الشرع لعقولهم على تلك القضايا ما يَجبُر ما عسى أن يكون عندهم من الشعور بأنَّ جزم عقولهم بها ليس بغاية الوضوح؟
هذا كلُّه إبلاغٌ في إقامة الحجة، وإلا فمن المعلوم أن الذي يصلح قرينةً إنما هو الامتناع العقلي الذي من شأنه أن يدركه المخاطب.
فأما قول الرازي: «إن الله إنما يكون مُلَبِّسًا على المكلَّف لو أسمعه كلامًا يمتنع عقلًا أن يريد به إلا ما أشعَرَ به ظاهرُه»، فجوابه يُعلَم مما يأتي:
اعلم أن للمتكلم إرادتين تتفقان تارة، وتختلفان أخرى.
فالأولى: إرادة أن يكون خبره بحسب تركيبه مع قرائنه، حقُّه أن يَفهم منه المخاطبُ [٢/ ٣٢٣] هذا المعنى. فإذا لم يكن من المتكلم جهل ولا خطأ ولا عجز، فلا بد أن يجيء خبره مطابقًا لهذه الإرادة.
الإرادة الثانية: إرادة المعنى، كمَن يقول: «رأيت أسدًا» فقد يريد في نفسه أسدًا حقيقيًّا، وقد يريد رجلًا شجاعًا، فإذا لم يقصد المتكلم الكذب والتلبيس فإنما يريد بهذه الإرادة ذاك المعنى الذي حقُّ الخبر أن يُفهمَ منه، فلا يختلف المعنى في الإرادتين إلا في الكذب والتلبيس، فاعرف ذلك.
فإن عنى الرازي بقوله: « ... أن يريد به ... » الإرادة الأولى، أو الثانية مع تسليم أنها لا تكون في كلام الله تعالى إلا موافقة للأولى، فمآل عبارته أن المكلَّف لا يمكنه القطعُ بأن المعنى الذي فهمه من الخبر هو الذي حقُّه أن يُفهَم منه.
فأقول: الرازي يخص هذه الدعوى بمطلبه الثالث حيث يحتمل الامتناع العقلي، ويعترف بحصول القطع في مطلبه الثاني، فأولى من ذلك حصوله في
стр. 1402
مطلبه الثالث حيث يكون العقل موافقًا للشرع.
إذا تقرر هذا، فالمخاطبون الأولون كانوا يعتقدون فيما اختص بإنكاره المتعمِّقون من معاني النصوص وجوبَ بعضه عقلًا، فيحصل لهم باعتراف الرازي القطعُ في ذلك. فإما أن يلزم باعتراف الرازي الكذبُ والتلبيسُ، وإما أن تكون تلك المعاني حقًّا، وهو الحق المطلوب.
فإن قال: إنما عنيتُ بالعقل: العقل الصحيح، والمخاطبون الأولون إن اعتقدوا الوجوب العقلي أو الجواز فيما أقول بامتناعه عقلًا أو احتماله الامتناع عقلًا، فذاك خطأ منهم.
قلت: المانع عندك من القطع إنما هو احتمال الامتناع، فمن انتفى عنده احتمال الامتناع حصل له القطع. والله قد ارتضى عقول المخاطبين الأولين وكلَّفهم بحسبها، ولم يرشدهم الشرع إلى التعمق في المعقول فيما يتعلق بالدين، بل كره لهم ذلك. فعلى فرض أنهم أخطأوا لعدم تعمقهم، فذاك خطأ لا تبِعةَ عليهم فيه البتة، بل على فرض بطلان تلك المعاني تكون التبعة على من خاطبهم خطابًا يعلم أنَّ من حقِّه بالنظر إليهم أن يفهموا منه الباطل ويقطعوا به بدون تقصير منهم.
[٢/ ٣٢٤] وهَبْ أن القطع لا يحصل في كل خبر، فالرازي معترف بحصول الظن القوي، وذلك اعتراف بأن تلك النصوص أو أكثرها مِنْ حقِّها أن يفهم المخاطبون الأولون منها تلك المعاني التي ينكرها المتعمقون. فإنَّه من الممتنع عادةً أن يخطئ المخاطبون الأولون ومن كان مثلهم في فهم تلك النصوص كلِّها خلافَ ما حقُّها أن يفهموه منها. وإذا ثبت هذا ثبت أن القول ببطلان تلك المعاني تكذيب لله ، ولا بدَّ.
стр. 1403
وأيضًا فالإيقاعُ في ظن الباطل قريبٌ من الإيقاع في القطع به. ألا ترى أن الإنسان إذا أخبر صاحبَه بخبرٍ إنما يحصل لصاحبه الظنُّ لاحتمال أن يكون غلِطَ أو أخطأ أو جهِلَ أو عجَزَ أو تعمَّد الكذبَ، ومع ذلك فإنه إذا كذبَ فعليه تبعةُ الكذب.
وإن عنى الرازي بقوله: « ... أن يريد به ... » الإرادة الثانية على زعم أنها قد تخالف في كلام الله تعالى الأولى، فحاصل عبارته على هذا: أن الله تعالى لا يكون مُلَبِّسًا إلا إذا امتنع عقلًا أن يكون مُلَبِّسًا، وهذا لا يظهر له معنى إلا أن يكون مغزاه أن الله تعالى إنما يكون مُلبِّسًا إذا امتنع عقلًا أن يكذب. فأما إذا لم يمتنع عقلًا أن يكذِبَ فالمصدِّق له هو المقصِّر، فعلى هذا تكون منزلةُ ربِّ العالمين عند الرازي منزلةَ الرجل الذي ديدنُه الكذب. فإذا كذب على قوم، فبنَوا على خبره، فنالهم ضرر، فلاموه= كان لغيره أن يقول لهم: هذا رجلٌ من عادته الكذب، فأنتم المقصِّرون إذْ عملتم بخبره، فإن لم تعرفوا عادته فقد كان عليكم أن تتثبتوا! والرازي لا يرضى هذا المثل لنفسه، ولا لأقلِّ أصحابه، بل لا يرضى به إنسان لنفسه! ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].
وبَّخ اللهُ تعالى بهذا المشركين على قولهم: إن له سبحانه بنات، مع كراهيتهم أن تكون لهم بنات، ولا أرى المقالة السابقة إلا أكبر من هذه.
وقال تعالى في الذين قالوا: إن له سبحانه ولدًا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
وقال سبحانه لقائلي ذلك: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ
стр. 1404
السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٨٩ - ٩٠].
[٢/ ٣٢٥] وقد اتفق المسلمون على أنه يمتنع عقلًا أن يقع من الله تعالى كذبٌ. غاية الأمر أن أكثر الأشاعرة زعموا أن الامتناع إنما هو بواسطة إخبار الرسول به، مع امتناع أن يكذب الرسولُ.
هذا، وقد رجع الرازي ــ ولله الحمد ــ إلى الاحتجاج بالنصوص كما تقدم في الباب الأول. وإنما أشبعتُ الكلام لأن كثيرًا من الناس تبعوه في مقالاته، ولم يلتفتوا إلى رجوعه، كما يأتي عن العضد وغيره. والله المستعان.
* * * *
стр. 1405
قول العضد وغيره
كلام العضد وغيره في هذه المسألة تلخيص لكلام الرازي الذي تقدَّم نقلُ بعضه عن «مختصر الصواعق»، مع مخالفة يسيرة ستراها إن شاء الله تعالى.
قال العضد في أواخر الموقف الأول من «المواقف» (١):
«المطالب ثلاثة أقسام:
أحدها: هو ما يمكن، أي لا يمتنع عقلًا إثباته ولا نفيه، نحو جلوس غرابٍ الآن على منارة الإسكندرية، فهذا لا يمكن إثباته إلا بالنقل.
الثاني: ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة محمد، فهذا لا يثبت إلا بالعقل، إذ لو ثبت (٢) بالنقل لزم الدور.
الثالث: ما عداهما نحو الحدوث إذ يمكن إثبات الصانع دونه، والوحدة، فهذا يمكن إثباته بالعقل، إذ يمتنع خلافه عقلًا بالدليل الدال عليه، وبالنقل لعدم توقفه عليه».
أقول: هذه هي مطالب الرازي، وإنما اختلف الترتيب. قال السيد الجرجاني (٣) في شرحه للمطلب الأول، وهو في ترتيب الرازي الثاني: «لأنه ــ يعني جلوس غراب على منارة الإسكندرية ونحوه ــ لمَّا كان غائبًا عن العقل
стр. 1406
والحس معًا استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق، ومن هذا القبيل تفاصيل أحوال الجنة والنار والثواب والعقاب ... ».
أقول: هذا يدل على ما قدَّمتُه من أن فرار المتكلمين إلى هذا التقسيم إنما هو محاولة للتخلص من إلزام ابن سينا، وقد مرَّ ما فيه.
ثم قال العضد (١): [٢/ ٣٢٦] «الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ قيل: لا، لتوقُّفه على العلم بالوضع والإرادة، والأول إنما يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف، وأصولُها تثبت برواية الآحاد، وفروعها بالأقيسة، وكلاهما ظنِّيان. والثاني يتوقف على عدم النقل والاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير، والكلُّ لجوازه لا يُجزَم بانتفائه، بل غايته الظن. ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وُجِد لَقُدِّمَ على الدليل النقلي قطعًا، إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضهما. وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع، وفيه إبطال للفرع، وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه فكان باطلًا. لكن عدم المعارض العقلي غير يقيني (٢)، إذ الغاية عدم الوجدان، وهو لا يفيد القطع بعدم الوجود. فقد تحقق أن دلالتها تتوقف على أصول ظنية؛ لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة. والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، فإنا نعلم استعمال لفظ الأرض والسماء ونحوهما في زمن الرسول في معانيها (٣) التي تراد منها الآن، والتشكيك فيه سفسطة. نعم، في إفادتها اليقين في العقليات
стр. 1407
نظر؛ لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي؟ وهل للقرينة مدخلٌ في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه».
أقول: أصل التشكيك كله للرازي، كما يُعلَم من بعض كتب أصول الفقه (١).
وأقول: أما نقل اللغة والنحو والصرف، فلا ريب أن هناك ألفاظًا يتفرد بنقلها بعض أهل اللغة، وأوجهًا من النحو والصرف يتفرد بحكايتها بعض أهل العربية، لكن الأعم الأغلب من نقل اللغة والصرف والنحو التواتر، ومحاولة القدح في الجميع بأن البعض ظني مع العلم بأن الأكثر قطعي صنيعٌ أخسُّ من أن يُسمَّى سفسطة، كما يعلم من الموازنة بينه وبين ما تقدم عن السوفسطائية في الباب الأول.
وأما النقل ــ والمراد به هنا نقلُ الشارع الكلمةَ عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي ــ فقد وصف الله ﵎ كتابه بأنه ﴿مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] وأنه ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وأنه ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]. وأوجب على الناس تدبُّره وتصديقَه والعملَ به، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ولا شبهة أنه ليس المراد حفظ ألفاظه فقط، وإنما المقصود [٢/ ٣٢٧] بحفظه بقاءُ الحجةِ قائمةً والهدايةِ دائمةً إلى قيام الساعة. وبهذا يعلم يقينًا أن الشارع لو نقل كلمةً عن معناها اللغوي إلى معنى آخر لبَيَّنَ ذلك للناس بيانًا واضحًا، ولو بيَّنَ لَنُقِلَ بيانُه، لِتكفُّل الله بحفظ الدين، ولِما يلزم من
стр. 1408
انقطاع ذلك أن تنقطع الحجة والهداية، فتقوم الساعة أو يُبعَث نبي آخر، وقد علمنا أن الدنيا باقية، وأن محمدًا ﵌ خاتم النبيين. وقد تقرر في الأصول أن من الأخبار المقطوع بكذبها ما نُقِل آحادًا والعادة تقضي أنه لو وقع لنُقِل متواترًا، فما لم يُنقل آحادًا من ذلك فالقطع بعدم وقوعه أوضح.
وفوق هذا فإن السياق كثيرًا ما يعيِّن معنى الكلمة حتى لمن يجهل أصل معناها. وكثير من الكلمات تتكرر في الكتاب والسنة ويدل السياق في كثير من تلك المواضع أو أكثرها على معنى الكلمة، وهكذا يكثر استعمالها على ألسنة حملة الشرع من الصحابة والتابعين. بل كثيرًا ما يدل السياق في الكلمة التي قد ثبت أن الشارع نقلها على أنها في ذلك الموضع ليست بالمعنى المنقولة إليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]، وغير ذلك (١)،
فما بالك بما لم يأتِ أنه نُقِلَ إلى معنى آخر؟
ونحو هذا يأتي في الاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم
стр. 1409
والتأخير. وقد تقرر أن الظاهر حجة، وأن من استعمل الكلمة في غير المعنى الظاهر منها كان عليه أن ينصب قرينةً، وإلا كان الكلام كذبًا. واحتمالُ قرينةٍ لم تُنقَل يردُّه ما تقدَّم من تكفُّل الله بالبيان وبحفظ الشريعة، وقضاءِ العادة بأنها لو كانت هناك قرينة لنُقِلت. وكثيرًا ما تقوم الحجة القاطعة على أن الكلام على ظاهره، إما من الكلام نفسه بتركيبه وسياقه، وإما بمعونة نظائره في الكتاب والسنة. وقد أخطأ أفراد من الصحابة في فهم قوله تعالى: ﴿ ... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، مع أن خطأهم إنما كان لغفلتهم [٢/ ٣٢٨] عن السياق والقرائن، كما أوضحتُه في رسالة «أحكام الكذب»، ومع ذلك كان خطأ أولئك الأفراد سببًا لإنزال الله بقية الآية زيادة في البيان والإيضاح، فكيف يُعقَل أن يكون النص في العقائد، ثم تخفى القرينة على جميع الصحابة ثم لا يبيِّن الله لهم، أو يعرفها جماعة منهم ثم لا يبالون بنقلها، ولا يبعثهم الله تعالى على نقلها نقلًا متواترًا يصل إليه علماء الرواية فيشيعونه ويذيعونه؟! ولا ريب أنه كما كان الصحابة مخاطبين بالنصوص فكذلك مَن بعدهم، وكما تترتب المفسدة الشديدة على جهل الأولين بالقرينة فكذلك من بعدهم. غاية الأمر أن القرينة وإن كانت في حق المخاطبين الأولين لا بد أن تقترن بالنص فقد يجوز أن يستغني بعض النقلة باشتهارها فلا ينقلها مع النص. لكن لا يلزم من هذا أن لا تُنقَل، بل لا بد من النقل لما تقدَّم. فإذا طلبها العلماء في مظانِّها فلم يجدوها، وحقُّها أن تُنقَل نقلًا متواترًا تواترًا يناله العلماء= قطعوا بأنها لم تُنقَل كذلك، فقطعوا بعدمها، فقطعوا بأن النص على ظاهره.
وليس الحال فيما يتعلق بالعقائد كالحال فيما يتعلق بالأحكام، فإن
стр. 1410
الأحكام يجوز فيها أن تنقل القرينة آحادًا فقط؛ لأن الخطأ في ذلك أمر هيِّن. وقد يكون الخطأ بالنظر إلى النصوص في الأحكام صوابًا بالنظر إلى الحكمة، فإن القوانين الشرعية تبنى على الأغلب في الحكمة، ولكن الله ﵎ يتولى تطبيق الحكمة بقضائه وقدره. فكما فرض الله تعالى الحكمَ بشهادة العدلين، وقد يتفق أن يخطئ عدلان، لكن الله ﵎ يتولَّى في مثل هذا تطبيق الحكمة بقضائه وبقدره؛ فكذلك قد يعرف القاضي دليلًا عامًّا فيقضي به، وهناك مخصِّص له لم يقف عليه، فهذا القضاء وإن كان خطأً بالنظر إلى نفس الأمر بحسب الدلائل، فلعله صواب عند الله بمقتضى الحكمة في تلك القضية. فأما العقائد فعلى خلاف هذا، إذ لا يُعقَل تغيُّر الحكمة فيها، وكما يضرُّ فيها القطعُ بالباطل فقريب منه الظن. فهَبْ أن العالم إذا بحث فلم يجد قرينة لم يقطع بظاهر النص، فلا بد أن يظنه، ولا يستطيع أن يدفع الظن عن نفسه، ومع الظن فلا بد أن يَحمد من أصحاب المقالات من يوافق ذاك الظن، ويذم من خالفه لغير حجة صحيحة.
وبالجملة فمَن تدبَّر القرآن والسنة وآثار السلف لم يخفَ عليه الحقُّ في كثير منها، وأنه [٢/ ٣٢٩] لا يمنعه عن القطع والاستيقان ــ إن منعه ــ إلا الشبهات المحدَثة المبنية على التعمق. فأما من يقوى إيمانه ولا يبالي بتلك الشبهات، فإنه يقطع بدلالة كثير من تلك النصوص ويؤمن بها. وأما من لا إيمان له، وهو مفتون بالشبهات، فإنه [لا] يقطع بتلك الدلالة، ويكفر بها.
وأما الذين يكونون كما قال الله : ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] فقد عرفتَ حالَهم. ووراء ذلك أقوام يجهلون ما عليه العقولُ الفطريةُ كعقول المخاطبين الأولين أو يتجاهلون!
стр. 1411
ويغفلون عن قوانين البيان أو يتغافلون! ولا يعرفون وهَنَ النظر المتعمَّق فيه، أو يعرفون وينكرون! ولا يتدبَّرون النصوص، فيعرفوا دلائلها القواطع، أو يتدبَّرون ويجحدون! ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤].
وبالجملة، فأسلافنا على ثلاث طبقات:
الأولى: من وَضَحَ لنا اعتصامُه بالكتاب والسنة، فهؤلاء الذين نتولاهم.
الثانية: من وضَح لنا تهاونُه بالكتاب والسنة، فعلينا أن نتبرأ منهم.
الثالثة: قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يعفو عنهم ويعذرهم. وعلينا أن نحمدهم فيما أصابوا فيه، ونبرأ مما أخطأوا فيه. والله المستعان.
فأما ما ذكره العضد من المعارض العقلي، فقد علمت حاله في الكلام مع الرازي. وقوله: «والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة»، ففيه قصور شديد، بل قد تفيد اليقين من أوجه أخرى كما سلف.
ثم نُكِسَ، فقال: «نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر، لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي؟ وهل للقرينة مدخل في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه».
أقول: لا ريب أنه من المتيسِّر في كثير من الكلام ــ إن لم نَقُل في أكثره ــ أن يحصل القطع بالمعنى الذي حقُّه أن يُفهَم منه. وإنكار هذا مكابرة. ثم إذا حصل القطعُ بهذا في كلام من يمتنع عليه قطعًا الغلطُ، حصل القطع بأنه أراد أن يكون الكلام كذلك، أي حقُّه [٢/ ٣٣٠] أن يُفهَم منه ذاك المعنى. فإذا كان ممتنعًا عليه قطعًا أن يكذب خطأ ولا عمدًا حصل القطعُ بصحة ذاك المعنى،
стр. 1412
فيحصل القطع باستحالة أن يوجد دليل عقلي صحيح على بطلان ذاك المعنى. فمن زعم أن النصوص لا يحصل بها القطع بعدم المعارض العقلي، فإما أن يكون جاهلًا بقوانين الكلام، وإما أن يكون يُكذِّب المتكلِّمَ بالنصوص. فإذا زاد على هذا، فرَدَّ بعضَ تلك النصوص أو حرَّفها إلى غير المعاني التي يعلم أن حقَّها بحسب قانون الكلام أنْ تُفهَم منها، فهو مكذِّب للمتكلِّم بها، ولابد.
ومن وقف عن نفي حصول القطع وإثباته مع معرفته بقوانين الكلام، فإن كان واقفًا في المسائل التي يختلف فيها السلفيون وغيرهم أو غالبها، فهو غير جازم بتصديق المتكلِّم بالنصوص. وإن كان يردُّ كثيرًا من تلك النصوص أو يحرِّفها، فلا معنى لوقفه بل هو مكذِّب البتة.
فإن قيل: قد يخطئ في فهم النصوص التي خالفها.
قلت: إنما يتجه الحملُ على الخطأ حيث يقلُّ ويكون الغالب الصواب، ومع ذلك فهذا إنما يفيد الجازم بالتصديق، فأما المرتاب فسواء أخطأ أم تعمد.
فأما القرائن فهي على ضربين:
الضرب الأول: ما هو كالجزء من الكلام بأن ينصبه المتكلم أو يلاحظه تتميمًا لمقصود الكلام وهو الإفهام. فتارةً تكون فائدتها تأسيسية وذلك حيث يتوقف عليها الفهم أو تعيين المراد أو تبيينه، وتارةً تكون تأكيدية وذلك حيث توافق ما يدل عليه الكلام.
الضرب الثاني: العلامات والأمارات الدالة على بعض الأمور، كأن نعلم أن القاضي مريض مرضًا خطرًا ثم نسمع البكاء من بيته، ويُدعَى الغسَّالون والحفَّارون ويحضر العلماء والأمراء، ثم تخرج من بيت القاضي جنازة على
стр. 1413
هيئة جنائز العلماء، فيتسابق أهل العلم والفضل إلى حملها، ومعها أبناء القاضي بهيئة الغم والحزن، ثم توضع للصلاة، فيقدمون للإمامة أكبرَ أبناء القاضي، فيتقدم ويقوم حيث يقوم الإمام من جنازة الرجل، ثم يُذهب بها، فيُدفن الميِّت في قبر بجانب قبر والد القاضي، ثم نرى الناس يتقدمون إلى أبناء القاضي على هيئة ما جرت به العادة في التعزية، إلى غير ذلك مما يدلنا على أن القاضي مات ولو لم نشاهد موته، ولم نسمع [٢/ ٣٣١] مخبرًا يخبر بموته. وهذه الأمارات قد تقوى وتكثر حتى يحصل القطع بموت القاضي، وذلك حيث يستحيل في العادة أن يتفق اجتماع مثلها لغير موته.
فإذا فرضنا أنه عندما سمعنا البكاء من بيت القاضي خرج طبيب كان قد دُعي قبل ساعة، فسئل، فقال: مات القاضي؛ فهذا الخبر قد يحصل به وبتلك الأمارات القطعُ حتى على فرض عدم الخبر.
وهذا الضرب قد تحتاج إليه أخبار الناس لوجهين:
الأول: تثبيت صدق المخبِر.
الثاني: الدلالة على معنى الخبر حيث لم يكن صريحًا، كما لو كان الطبيب لما سئل قال: «مات رجل كبير».
فأما الشرع، فإنه غنيٌّ عن تثبيت صدق أخباره، وإنما الشأن في ثبوت أنه أخبر، ثم في معنى الخبر، وكلا الضربين يدخل فيما يتعلق بالعقليات، كما يدخل في غيره.
وجَارَى السيد الجرجاني في «شرح المواقف» المتن، ثم قال (١): «وقد
стр. 1414
جزم الإمام الرازي بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية ... ».
أقول: قد رجع الرازي كما تقدَّم، ولله الحمد. والسيد هذا هو المصرِّح في البيان كما في بحث الاستعارة من «حواشي عبد الحكيم على المطول» (١) بأن الكذب العمد لا ينصب صاحبه قرينةً، «بل يروج ظاهره لكن لا مانع من قصد التأويل في ذهنه».
وجاراهما المحشي عبد الحكيم (٢)، ثم قال: «هاهنا بحث مشهور، وهو أن المبنى لعدم المعارض العقلي في الشرعيات صدقُ القائل، وهو قائم في العقليات أيضًا، وما لا يحكم العقل بإمكانه ثبوتًا وانتفاءً لا يلزم أن يكون من الممتنعات، لجواز إمكانه الخالي من العقل. فينبغي أن يُحمل كلُّ ما عُلِم أن الشرعَ نطق به على هذا القسم، لئلا يلزم كذبه وإبطالُ قطع العقل بصدقه. فالحق أن النقلي أيضًا يفيد القطع في العقلي أيضًا، ولا يفيد ما ذكره الشارح. ولا مَخلصَ إلا بأن يقال: مراده أن النظر في الأدلة [٢/ ٣٣٢] أنفسها والقرائنِ في الشرعيات يفيد الجزم بعدم المعارض؛ لأجل إفادته الإرادةَ من القائل الصادق جزما. وفي العقليات إفادته الجزمَ بعدمه محلُّ نظرٍ، بناءً على أنَّ إفادته الإرادة (٣) محل له، لا أنه (٤) بعد ما عُلم مراد الشارع يقينًا في العقلي والنقلي يحصل الجزم بعدم المعارض في الثاني دون الأول، فإنه غير مسلم».
стр. 1415
أقول: لا شك أن هذا الذي زعمه مَخْلصًا هو مرادهم، لكنه لا يفيدهم شيئًا؛ لأن ذاك النظر لا يستند إلى شيء سوى أنهم وجدوا الشبهات التعمقية تخالف بعض النصوص، فلم يكن عندهم من قوة الإيمان ما يحملهم على اطِّراح تلك الشبه وتصديق الشرع، وكبُر عليهم أن يصرِّحوا بتكذيب الشرع، فحاولوا أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا، وهيهات!
وكذلك السعد التفتازاني جرى في «المقاصد» و «شرحها» (١) على أن النصوص لا يُحتج بها في مقابل تلك الشبه، وجَمْجَمَ في ذاك الموضع جمجمةً ينكشف حالها في كلامه في موضع آخر، كما يأتي في مسألة الجهة إن شاء الله تعالى.
وقد أوضحت في رسالة «أحكام الكذب» (٢) اتفاقَ البيانيين ــ ومنهم التفتازاني والجرجاني وعبد الحكيم ــ أن الكلام إذا كان حقُّه أن يُفهَم منه مع ملاحظة قرينة ــ إن كانت ــ خلافُ الواقع، لم تخرجه الإرادةُ التي هي التأويل الذهني عن كونه كذبًا. وتقدَّم بعضُ ما يتعلق بذلك، ومرَّت عبارة الجرجاني قريبًا. فمتى تحقق في النص أنه ظاهر بيِّن في معنًى، ولا قرينةَ تصرِف عنه، ففرضُ بطلان ذاك المعنى مستلزمٌ أن الكلام كذب، وأن المتكلم كاذب ولابد. ويتأكد ذلك إذا كان الكلام بعيدًا جدًّا عن احتمال غير ذاك المعنى، فإنه يتحقق حينئذٍ عدم العلاقة مع عدم القرينة.
وزعم الجرجاني في «شرح المواقف» (٣) أن القول بأن الأدلة النقلية لا
стр. 1416
تفيد اليقين هو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة. فإن صح هذا، فهو بالنظر إلى متأخري الطائفتين، فأما المتقدمون فلا يُظَن بهم هذا. نعم، إنهم يخالفون بعض النصوص، ولكن قد يكون ذلك لاشتباه ما توهَّموا أنه دليل عقلي بالدليل العقلي الصحيح الذي من شأنه أن لا يخفى على المخاطبين الأولين، فتوهموا أنه قرينة صحيحة؛ أو لاشتباه معاني بعض الآيات عليهم، فظنوا أنها صريحة [٢/ ٣٣٣] فيما ذهبوا إليه، وأنها لذلك قرينة صحيحة تُوجب تأويلَ ما يخالفها. وقلَّ عالمٌ إلا وقد خالف بعضَ النصوص، وكما لا يلزم من ذلك إنكارُ أن تكون النصوص حجة، فكذلك لا يلزم إنكارُ أنها قد تفيد اليقين. بلى، إذا كثرت المخالفة وفَحُشَت فقد يتجه الحكم. والله أعلم.
* * * *
стр. 1417
المحكم والمتشابه
كثير من المتعمقين يسترون تكذيبهم للنصوص بدعوى أن ما يخالفونه منها هو من المتشابه المنهي عن اتباعه. وقد كثر الكلام في المحكم والمتشابه، وسألخِّص ما بان لي راجيًا من الله تعالى التوفيق.
المعنى المتبادر من كلمتي «محكم» و «متشابه» أن المحكم هو المتقَن الذي لا خللَ فيه، والمتشابه هو الذي يشبه بعضه بعضًا. والقرآن كلام رب العالمين، أحكم الحاكمين، العليم القدير؛ فلابد أن يكون كلُّه محكمًا. وينبغي أن يُعلَم أنَّ إحكام الشيء يختلف باختلاف ما أُعِدَّ له، ففي البناء يختلف الإحكام في الحصن ودار السكنى وقصر النزهة. وهكذا يختلف الإحكام في حُجَر الدار الواحدة كالمجلس والمخزن والمطبخ والحمام. ويختلف المُعَدُّ لغرض واحد باختلاف الأحوال، فالمجلس الذي يصلح للشتاء قد لا يصلح للصيف، والذي يصلح للصيف في بلد لا تكون فيه السَّموم قد لا يصلح في بلد تكون فيه. وهكذا الكلام، كما يقوله البيانيون في تفسير البلاغة. فمهما يكن في بعض الآيات مما يزعمه بعضُ الناس خللًا، فهو بالنظر إلى ما أُعِدَّتْ له الآية عين الإحكام.
وهناك صفات تشترك فيها آيات القرآن، كالإحكام والصدق وغير ذلك من الصفات المحمودة. فيصح أن يقال: إن القرآن كلَّه متشابه، كما أنه كلَّه محكم. وقد وصفه الله تعالى [٢/ ٣٣٤] بهذين الوصفين، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [فاتحة سورة هود].
وقال : ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [فاتحة سورة يس].
стр. 1418
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].
فيبقى النظر في قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ... ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فواتح سورة (آل عمران).
دل هذا أن منه آيات محكمات غير متشابهات، وآيات متشابهات غير محكمات، فلابد أن يكون الإحكام والتشابه هنا بمعنى غير الأول، فما هو؟
أشهر ما روي عن السلف في ذلك قولان:
الأول: أن المحكم ما يَنسخ. والمتشابه المنسوخ.
الثاني: أن المحكم: ما للناس سبيل إلى معرفة تأويله، كآيات الحلال والحرام. والمتشابه: ما لا يعلم تأويله إلا الله، كوقت قيام الساعة. وقد عُرف من عادة السلف أنهم يفسِّرون الآية ببعض ما تتناوله، وذلك على سبيل التمثيل، وأنهم كانوا يطلقون النسخ على ما يشمل البيان بالتخصيص ونحوه، فيمكن أن يُشرح ذانك (١) القولان على ما يأتي:
القول الأول: أن المحكمات هي كل آية بينة بنفسها، والمتشابهات ما تحتاج إلى أن يبيِّنها غيرُها، كالمنسوخ والمجمل بنوعيه.
стр. 1419
القول الثاني: أن المحكمات كل آية يتهيأ للسامع مع معرفة معناها الذي سيقت لبيانه أن [٢/ ٣٣٥] يعرف ما تتوق إليه نفسه مما يتعلق بما اشتملت عليه. والمتشابهات ما عدا ذلك. فالآيات المنذرة بقيام الساعة إنما سيقت لإعلام العباد أن لهم بعد هذه الحياة الدنيا الفانية حياةً خالدة يحاسَبون فيها على ما قدَّموه في الدنيا ويُجزَون به، ليستعدُّوا لها بالإيمان والعمل الصالح والاستكثار منه، واجتناب الكفر والظلم والفسوق والعصيان. فهذا هو المقصود، ولكن كثيرًا من النفوس تَخَطَّاه متعطشةً إلى معرفة وقت قيام القيامة. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: معنيٌّ بالسؤال عن وقتها حتى علمتَه. فردَّ الله تعالى عليهم بأن رسوله ليس مثلهم في الحرص على معرفة ذلك، لأنه يعلم أن المهم هو الاستعداد لها، فهو مستعدٌّ، فلا يهمُّه أن تقوم بعد لحظة أو بعد ألوف القرون. وفي القرآن عدة آيات أخرى في هذا المعنى.
وفي «الصحيحين» (١) عن أنس «أن رجلًا قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «ويلك! وما أعددتَ لها؟ » قال: ما أعددتُ لها إلا أني أحب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببتَ». قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرَحَهم بها». عدل به النبيُّ ﵌ إلى المهم، ونبَّهه على أن المحبة تقتضي المعيَّة. فمن صدقَ حبُّه لله ورسوله كان
стр. 1420
معهما في الدنيا بالإيمان والطاعة والاتباع، فيحبُّه الله، فيُنيله المعيةَ في الآخرة بالنجاة والدرجات. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وتفاوتُ المعية في الدنيا دليل تفاوت المحبة، وقضية ذلك تفاوت المعية في الآخرة، ويزيد الله تعالى من شاء من فضله.
ويدخل في المتشابه على القول الثاني الآيات المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته وغيبه، كقوله تعالى فيما قصَّه من خطابه لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].
فالآيات سيقت لِحضِّ بني آدم على مخالفة الشيطان وتحذيرهم من طاعته أو فعل مثل فعله، وبيان عداوته لهم، وبيان إقامة الله الحجة عليه، وبيان أن الله تعالى شرَّف أباهم بأن خلقه بيديه سبحانه، وبيان أن له سبحانه يدين كما يليق بعظمته. وهذه المعاني ظاهرة لا لبس [٢/ ٣٣٦] فيها، لكن النفس قد تتخطاها إلى الخوض في كُنْهِ اليدين وكيفيتهما.
فعلى كلا القولين تكون تلك الآيات محكمةً، أي متقنةً على ما اقتضته الحكمة. وفي بقاء المنسوخ بعيدًا عن ناسخه، والإتيان بالمجمل بنوعيه ابتلاءٌ من الله لعباده، فيكون عليهم مشقة وعناء في استنباط الأحكام؛ لاحتياج ذلك إلى الإحاطة بنصوص الكتاب والسنة واستحضارها. وفي ذكر ما لا سبيل للعباد إلى معرفة كنهه وكيفيته، مع ما يتعلق بذلك من المعاني الظاهرة، ابتلاءٌ لهم ليمتاز الزائغ عن الراسخ. وقد تقدمت حكمة الابتلاء في أوائل الرسالة.
ويبقى النظر في وجه تسمية تلك الآيات متشابهات . والذي يظهر أنه
стр. 1421
ليس المراد أنها يشبه بعضها بعضًا، بل المراد ــ والله أعلم ــ أن كل آية منها متشابهة، أي يمكن أنْ تُحمَل على معان متشابهة في أنه لا يترجح بعضها على بعض رجحانًا بيِّنًا.
وفي حديث «الصحيحين» (١): «الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشبَّهات ... ». وفي «فتح الباري» (٢): «في رواية الأصيلي: «مشتبهات» ... وهي رواية ابن ماجه (٣)، وهو لفظ ابن عون ... ورواه الدارمي (٤) عن أبي نعيم شيخ البخاري بلفظ: «وبينهما متشابهات» ... ».
واشتبهوا وتشابهوا يأتيان بمعنى واحد، شأنَ افتعل وتفاعل في كثير من الكلام. فالأمر الذي بين الحلال والحرام متشابه الحل والحرمة في الاحتمال، يحتمل كلًّا منهما كما يحتمل الآخر، لا يترجَّح فيه ذا ولا ذاك. فهكذا ــ والله أعلم ــ تكون الآية المتشابهة يتشابه فيها معنيان فأكثر. وانطباقُ هذا على المجمل الذي لا ظاهرَ له واضح، فأما الذي له ظاهر فإنما يقع حيث تكون هناك قرينة تُقاوِم ظهوره، كما أوضحته في رسالتي في «أحكام الكذب». وبذلك يصير في حكم الأول، هذا بالنسبة إلى الصحابة.
فأما مَن بعدهم، فقد علم المسلمون أن في النصوص ما هو منسوخ نسخه نصٌ آخر بعيد عنه، وما هو عامٌّ خصَّصه نصٌّ آخر، وما هو مطلَق قيَّده
стр. 1422
نصٌّ آخر، وهكذا. فمن لم يستقرئ النصوص ويتدبرها، فإنه عندما يقف على ما هو في نفس الأمر منسوخ ولم يعلم ذلك، يكون [٢/ ٣٣٧] محتملًا في حقه أن يكون حكمه باقيًا، وأن يكون منسوخًا. وقِسْ على هذا حال الباقي، فثبت التشابه.
وأما ما لا سبيل إلى علم تأويله، أو قل: كُنهه وكيفيته، كاليدين في قوله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فإنه لا يبقى إلا التخرُّص، ولا حدَّ له، فقد يتخرص الإنسان وجهين أو أكثر، ومعلوم أنه لا يتبين واحد من ذلك بيانًا واضحًا، فثبت التشابه.
وكلا القولين يمكن تطبيقه على السياق.
أما القول الأول فأهل الزيغ يتبعون المنسوخ والمجمل، فتارةً يعيبون القرآن بالتناقض ــ زعموا ــ وبعدم البيان. وتارةً يتشبثون بذلك لتقوية أهوائهم كما فعل النصارى، إذ تشبثوا بما في القرآن من إطلاق الكلمة والروح على عيسى، وكما فعل المشركون عندما سمعوا قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وتارةً يبتغون تأويله مع عدم تأهلهم لذلك وعدم رجوعهم إلى الراسخين، كما فعل الخوارج في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]، ونحو ذلك.
وأما القول الثاني فأهل الزيغ يتبعون تلك النصوص، تارةً ابتغاءَ الفتنة، بأن يعيبوا القرآن والإسلام بزعم أنه جاء بالباطل، فيزعمون أن لفظ ﴿بِيَدَيَّ﴾ معناه أن لله سبحانه يدين مماثلتين ليدي الإنسان يجوز عليهما ما يجوز على
стр. 1423
يدي الإنسان، ثم يقولون: وهذا باطل، ثم يوجِّه كلٌّ منهم ذلك إلى هواه. فمنهم من يستدل بذلك على أن القرآن ليس من عند الله، وأن محمدًا ليس بنبي، ومنهم من يستدل بذلك على أن القرآن جاء بالباطل مجاراةً لعقول الجمهور، إلى غير ذلك. وتارةً ابتغاءَ تأويله، فمنهم من يذهب يتخرَّصُ تخرُّصَ هشام بن الحكم وأصحابه وغيرهم من المشبِّهة الضالة، ومنهم من يحرِّف تلك النصوص بحملها على معاني بعيدة، كقول بعضهم: إن اليدين هما القدرة والإرادة وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ينطبق على كلٍّ من القولين، إلا أنه على القول الأول يكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ عطفًا، والمعنى أن الراسخين يعلمون تأويله أيضًا. وعلى القول الثاني يكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ استئنافًا، [٢/ ٣٣٨] فهم لا يعلمون تأويله، وإنما امتازوا بأنهم لا يتبعونه اتباعَ الزائغين، بل يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ الآية.
ويدل على تصحيح كلا القولين أن من الناس من وقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، ومنهم من لم يقف، وأنه صح عن ابن عباس أنه ذكر الآية، ثم قال: «أنا ممن يعلم تأويله» (١). وصح عنه أنه قرأ: «ويقول الراسخون» (٢).
والتأويل على القول الأول بمعنى التفسير، وعلى الثاني بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها اللفظ. ففي قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ تأويل اليدين:
стр. 1424
حقيقتهما وكنههما على ماهما عليه.
واعلم أن التأويل يكون للفعل، كخرق صاحب موسى سفينة المساكين، وقتله الغلام، وإقامته الجدار؛ ويكون للرؤيا، ويكون للكلام. فتأويل الفعل إما مآله أي ما يؤول إليه، وهو المقصود من فعله، كسلامة السفينة من غصب الملك، وسلامة أبوَيِ الغلام من إرهاقه، وسلامة كنز اليتيمين؛ وإما بيان أن الفعل يؤول إلى ذلك المآل. قال الله تعالى فيما قصَّه عن صاحب موسى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]، ثم أخبره بأن القصد من تلك الأفعال أن تؤول ذاك المآل، ثم قال: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩، الإسراء: ٣٥].
وتأويل الرؤيا: إما مآلها، وهو الواقع في نفس الأمر الذي هي تمثيل له، كسجود إخوة يوسف وأبويه له، فقال يوسف فيما قصَّه الله تعالى عنه: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وإما بيان ما تؤول إليه، وذلك تعبيرها. ومنه ما قصَّه الله تعالى من قول يعقوب [٢/ ٣٣٩] ليوسف: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]، ثم قال تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢١]، ثم قول يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١].
ويحتمل المعنيين ما قصَّه الله تعالى من قول صاحبي السجن ليوسف: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]، وقوله لهما: ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧]،
стр. 1425
وقول الناجي منهما للملك ومن معه: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥] بعد قول أصحاب الملك: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
وتأويل الكلام: إما مآله الخارجي، وهو الواقع في نفس الأمر إذا كان الكلام خبرًا، والفعل المأمور به إذا كان أمرًا، وقِسْ على ذلك. قصَّ الله في سورة (الأعراف) حالَ القيامة والجنة والنار، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٢ - ٥٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٩].
وفي «صحيح مسلم» (١) من حديث عائشة: «كان رسول الله ﵌ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحان الله وبحمده اللهم اغفر لي، يتأول القرآن». تريد ــ والله أعلم ــ: يأتي بتأويل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣].
وإما مآله المعنوي كأن يقال: تأويل «رأيت أسدًا يَرْمي»: رأيت رجلًا شجاعًا. وإما بيان أحدهما، وهذا هو المسمى بالتفسير.
ويحتمل هذا والذي قبله قولُ النبي ﵌ في
стр. 1426
ابن عباس: «اللهم فقِّهْه في الدين وعلِّمه التأويل» (١). فعلى الأول يكون المعنى: علِّمه المعاني التي تؤول إليها النصوص، وعلى الثاني يكون المعنى: علِّمه أن يؤوِّل النصوص، أي يبيِّن معانيها التي تؤول إليها.
إذا تقرر هذا، فعلى القول الأول في المتشابه يكون المراد بتأويله: معانيه، وعلى القول الثاني يكون المراد: ما يؤول إليه من الحقائق. فكما أن تأويل الأخبار بالبعث هو البعث نفسه، [٢/ ٣٤٠] فكذلك تأويل الأخبار بأن لله يدين هو اليدان. والعلم الذي ينفرد الله تعالى به في شأن اليدين هو العلم بالكُنْه والكيفية، فأما العلم الإجمالي الذي يتوقف عليه الإيمان بأن لله تعالى يدين على الحقيقة، فهذا يحصل للمؤمنين، وبه يكونون مصدِّقين لخبر الله . وبذلك يخلصون من تكذيبه، ويمتازون عن الزائغين المتبعين له ابتغاءَ الفتنة. وبقناعتهم به يمتازون عن الزائغين المتبعين له ابتغاءَ تأويله.
فإن قيل: فإنَّ للمتعمقين أن يقولوا: الصواب عندنا من القولين المذكورين في المتشابه القول الأول، والنصوص التي تتعلق بالمعقولات كلُّها من المجمل الذي له ظاهر، ولا يمكن الوثوق بأن ذلك الظاهر هو المراد، إلا أن يقوم الدليل العقلي على وجوب ذاك الظاهر أو جوازه. ثم نقول: إن كلَّ نص من تلك النصوص يحتاج إلى بيانين:
الأول: بيان صحة ذاك الظاهر أو بطلانه.
الثاني: بيان المعنى المراد.
стр. 1427
فأما البيان الأول فيحصل بالعقل، ويحصل بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة، فقد بيَّن العقلُ وهاتان الآيتان وغيرهما بطلانَ ظواهر تلك النصوص التي نتأولها، فوجب أن يكون المرادَ بها معانٍ أخرى صحيحة. فأما الزائغون فاتبعوا تلك الظواهر، وهم فريقان:
الأول: الملحدون القائلون: هذه الأمور باطلة قطعًا، فالشرع الذي جاء بها باطل.
الفريق الثاني: الذين يجهلون أو يتجاهلون بطلانَها، فيدينون بإثباتها.
والسلف وأئمتنا أبرياء من الفريقين، غير أن السلف كانوا مع العلم ببطلان تلك الظواهر يمتنعون من الخوض في البيان الثاني، وأئمتنا اصطدموا بالزائغين الزاعمين أن تلك الظواهر هي المعاني المرادة من تلك النصوص، ويبالغون فيدَّعون أن تلك النصوص صريحة في تلك المعاني لا تحتمل التأويل. فاحتاج أئمتنا إلى بيان الاحتمال، فمن لم يجزم منهم بمعنى معيَّن فلم يأتِ (١) بما يُنكَر عليه. ومن جزم بذلك فقد ينكر عليه من يذهب إلى أن الراسخين لا يعلمون ذلك، أي أنهم وإن علموا بطلان الظاهر، وأن المراد غيره، فلا يعلمون التأويل وهو المعنى المراد؛ لاحتمال النص عدةَ معان. لكن قد يقال: إذا كان المعنى الذي جزم به ذلك الجازمُ صحيحًا في نفسه فالخطب يسهل (٢)، [٢/ ٣٤١] وذلك كالقائل: إن المراد باليدين في قوله
стр. 1428
تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] القدرة والإرادة، فإن هذا معنى صحيح في نفسه، للعلم بأن لله تعالى قدرةً وإرادة، وأن لهما تعلقًا بخلق آدم. فإن فُرِضَ أن المراد باليدين في الآية معنى آخر، فليس في الجزم المذكور كبيرُ حرج.
فالجواب عن هذا كُلِّه يُعلَم مما تقدَّم في هذه الرسالة، وألخصه هنا بعون الله :
قولكم: «فلا يمكن الوثوق بأن ذلك الظاهر هو المراد، إلا أن يقوم الدليل العقلي على وجوب ذاك الظاهر أو جوازه» قول باطل مردود عليكم. بل الحق أنه إن دلَّ العقل الصريح ــ الذي يصح أن يكون قرينةً بأن يكون من شأنه أن لا يخفى على المخاطب إذا تدبَّر ــ على امتناع ذاك الظاهر لم يبقَ ظاهرًا، ضرورةَ أن القرينة ركن من الكلام، وإلا كان النص برهانًا على الوقوع فضلًا عن الجواز، ضرورةَ أنه إن لم يكن كذلك كان كاذبًا، وقد قامت البراهين على استحالة أن يقع الكذب من الله تعالى ولا (١) من رسوله.
فإن قيل: لا يلزم من فرض البطلان التكذيب، لجواز تأخير بيان المجمل الذي له ظاهر.
قلت: من أهل العلم مَن يمنع تأخير البيان البتة، فعلى هذا تسقط شبهتكم من أصلها. ومن أجاز التأخير فمحلُّه في مجمل لا ظاهر له، أو له ظاهر بحسب اللفظ لكن تكون هناك قرينة صحيحة تدافع (٢) ذاك الظهور، فيبقى النص في حكم المجمل الذي لا ظاهر له. فعلى هذا إذا كان للنص ظاهر، ولا
стр. 1429
قرينة تدافعه وجب الجزم بأن ذاك الظاهر هو المراد.
وهناك نصوص في الأحكام يمثِّلون بها لما ادَّعوه من جواز أن يكون للنص ظاهر غير مراد، ويتأخر بيانه. ونحن نجيب عنها إجمالًا فنقول:
ما ثبت فيه الظهور، وثبت أنه لم تكن قرينة صحيحة تدافعه، وثبت أنه ورد بعده ما يخالفه؛ فإننا نصحِّح ذلك الظاهر ونقول: إنه هو المراد، وإن ما ورد بعده مخالفًا فهو ناسخ له. فإن ثبت أن المتأخر ورد قبل العمل بالمتقدم اخترنا جواز النسخ قبل العمل، ويكون المقصود من الحكم السابق إنما هو ابتلاء المكلفين ليتبين من يتقبل الحكم بالرضا والعزم على العمل به والاستعداد له.
وعلى ذلك، فهذا إنما يتأتى في النصوص المتعلقة بالأحكام، دون النصوص المتعلقة بالعقائد. [٢/ ٣٤٢] والفرقُ بين النصوص التي قيل إنها كانت من المجمل الذي له ظاهر غير مراد، وهي متعلقة بالأحكام، وبين النصوص المتعلقة بالعقائد التي ينفرد المتعمِّقون بإنكار ظواهرها= من وجوه:
الأول: أن الأولى يُعقَل فيها تأخُّرُ الحاجة، كآية تنزل في شوال، وتتعلَّق بحكمٍ لصيام رمضان. فأما الثانية، فالحكم المقصود منها يتعلق بالاعتقاد، وهو يحصل عقب السماع، فوقتُ الحاجة فيها هو وقتُ الخطاب.
الوجه الثاني: أن الأولى يُعقَل فيها قيامُ قرينةٍ تُدافِع الظهور. وأما الثانية فبعيدة عن ذلك؛ لأن كثيرًا منها أو أكثرها كانت موافقة لعقول المخاطبين، فدلالةُ العقل تَدفع ما قد يحتمل من قرينة، وتُصيِّر النصَّ صريحًا في ظاهره.
стр. 1430
الوجه الثالث: أن الأولى لا تخلو عن فائدة، فقد ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أن من احتاج إلى عمل، ووجد نصًّا يتعلَّق به إلا أنه يحتمل أن يكون له ناسخ أو مخصِّص أو مقيِّد، ولم يمكنه البحث حالًا= كان عليه العملُ بذلك النص، ثم يبحث. ويشهد لهذا أن استقبال بيت المقدس، نزل نسخُه، وأناسٌ من المسلمين غائبون عن النبي ﵌، فبقي الحكمُ في حقِّهم استقبالُ بيت المقدس حتى بلغهم النسخ. وكذلك تحريمُ الخمر نزل، وأناس من المسلمين غائبون، فبقي الحكم في حقِّهم حِلُّها حتى بلغهم التحريم. هذا مع أن من أولئك الغائبين من غاب بعد أن علِمَ أن النبي ﵌ يتوقع نسخ القبلة وتحريم الخمر.
وعلى هذا فإذا جاز أن تنزل في شوال آيةٌ تتعلَّق بحكم صيام رمضان، وتكون مجملةً لها ظاهرٌ غيرُ مراد، وتكون هناك قرينة تدافع ذاك الظهور، فسمعها بعضُ المسلمين ثم غاب، وطالت غيبته حتى دخل رمضان= كان عليه العملُ بتلك الآية، وإن كان محتملًا عنده أنه نزل بعد غيبته ما يبيِّن أنها على خلاف الظاهر.
فهذا ونحوه إنما يُعقل في الأحكام التي يعقل فيها الاختلاف، فيكون الحكم حقًّا في وقت أو حال، وباطلًا في غيره. فأما الاعتقاديات، فإنما تكون على حال واحدة.
الوجه الرابع: أن الظهور في الأولى ضعيف واحتمال خلافه قوي. وذلك كالعموم، وقد قيل: ما من عامٍّ إلَّا وقد خُصَّ؛ وكالإطلاق وهو قريب من ذلك. والثانية كثير منها [٢/ ٣٤٣] أو أكثرها صريحة في المعاني التي ينكرها المتعمِّقون، وما كان كذلك فلا مجال لتجويز أن يكون ذلك المعنى غير مراد؛
стр. 1431
لأن ذلك يكون تكذيبًا له.
الوجه الخامس: أن الأولى قليلة حتى أنكر جمعٌ كثيرٌ من أهل العلم وقوعَ تأخير البيان، بل أنكروا جوازه. والثانية كثير جدًّا.
الوجه السادس: أن الأولى توجد النصوص المبينة لها صريحةً واضحةً في البيان. والثانية لا يوجد نصٌّ واحدٌ بيِّن في خلافها. وقد مرَّ النظر في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وما معها.
الوجه السابع: أن الأولى لا يكاد يُنقَل من أقوال الصحابة والتابعين ما يتعلَّق بها إلا مع بيانها. والثانية لا يصحُّ عن أحدٍ منهم قولٌ يخالف معانيها التي ينكرها المتعمقون، بل جاء عنهم مما يوافقها ويقرِّر معانيها وما يشبهها الكثير الطيب. وزعمُكم أن السلف كانوا يعتقدون بطلان تلك المعاني، من العجب العجاب. ودونكم الحقيقة.
стр. 1432
[٢/ ٣٤٤] الباب الرابع
في عقيدة السلف وعدة مسائل
من تدبَّر القرآن وتصفَّح السنة والتاريخ علِمَ يقينًا أنه لم يكن بين يدي السلف مأخذ يأخذون منه عقائدهم غير المأخذين السلفيين، وأنهم كانوا بغاية الثقة بهما والرغبة عما عداهما. وإلى ذلك دعاهم الشرع حتى لا تكاد تخلو آية من آيات القرآن من الحضِّ على ذلك. وهذا يقضي قضاء باتًّا بأن عقائدهم هي العقائد التي يُثمرها المأخذان السلفيان، يقطعون بما يفيدان فيه عندهم القطعَ، ويظنُّون ما لا يفيدانِ فيه إلا الظن، ويقفون عما عدا ذلك. وهذا هو الذي تبيِّنه الأخبار المنقولة عنهم، كما تراها في التفاسير السلفية وكتب السنة، وهو الذي نقله أصاغر الصحابة عن أكابرهم، ثم نقله أعلمُ التابعين بالصحابة وأخصُّهم بهم وأتبَعُهم لهم عنهم، ثم نقله صغار التابعين عن كبارهم، وهكذا نقله عن التابعين أعلمُ أتباعِهم بهم وأتبَعُهم لهم، وهلم جرًّا.
وهذا هو قول السلفيين في عقيدة السلف، ويوافقهم عليه أكابر النظَّار. صرَّح بذلك من لم ينصِب نفسَه منصبَ المدافع عن الدين والمحامي عن عقائد المسلمين كابن سينا وابن رشد، وأشار إليه مَن نصَبَ نفسه ذاك المنصب، كما يأتي في مسألة الجهة. وأما مَن دون هؤلاء فمضطربون: فمنهم من يقف، ومنهم من يزعم أن السلف كانوا واقفين في غالب العقائد التي اختلف فيها مَن بعدهم، يُطلقون بألسنتهم ما يوافق ظاهرَ النصوص، غيرَ جازمين بأنه على ظاهره أو على غير ظاهره. ومنهم من ينتحل السلف، فمن أتباع الأشعرية من يقول: كانت عقيدة السلف هي عقيدة الأشعرية نفسها!
стр. 1433
فكانوا يرون بطلان ظواهر النصوص التي يقول الأشعرية ببطلانها، إلا أنهم لم يكونوا يخوضون في بيان معانيها الأخرى. فكانوا يعتقدون أن الله غير مباين للعالم ولا محايث له ولا ولا، ومع ذلك يطلقون أنه تعالى على عرشه فوق سماواته، معتقدين بطلانَ ظاهرِ هذا، ساكتين عن معناه الذي يرونه صحيحًا! وهذا القول الأخير شهره المتعمقون حتى لا يكاد يخلو عنه كتاب من كتب الخلف في أي فنٍّ كان.
ويمكن أن يتشبثوا في الانتصار له بأن يقولوا: لا نزاع أن السلف كانوا أفضل الأمة [٢/ ٣٤٥] وخيرها وأعلمها بالدين وأثبتها على الحق، وكان أسلافنا من المتعمِّقين علماء خيارًا صالحين، يعرفون فضل السلف، فلم يكونوا ليخالفوهم.
فيقال لهؤلاء: إن أسلافكم ذهبوا إلى أنه لا يُحتَجُّ في العقائد بالكتاب ولا السنة ولا أقوال السلف، بل كان المتبوعون منهم من أجهل خلق الله بالسنة وأقوال السلف، وإنما استقوا عقائدهم من النظر العقلي المتعمَّق فيه. ثم اعترض بعضَهم نصوصُ القرآن التي تخالف رأيه ورأي أشياخه من المتعمقين، فحاول صرفَها عن معانيها، مع أنه في مواضع أُخر يقرِّر أنَّ مثلَ ذلك الصرف لا يسوغ، وأن الخبر إذا كان صريحًا في معنًى، أو ظاهرًا فيه، ولا قرينة صحيحة تصرف عنه، فزعمُ أن ذاك المعنى غيرُ واقع تكذيبٌ للخبر، وإن زعم أن المخبِر تأوَّل في نفسه معنًى آخر، كما تقدم إيضاحه غير مرة. وهكذا تصدَّى بعضهم لنصوص السنة التي تخالف رأيه ورأي أشياخه، فردَّ بعضَها زاعمًا أنها مخالفة للعقل، وحاول صرفَ بعضها عن تلك المعاني، كما صنعوا في نصوص القرآن.
стр. 1434
ولِعلمهم بظهور سخافتهم فيما يرتكبونه، يحاولون ترويجه بأمرين:
الأول: زعمُهم أن الملجئ لهم إلى ذلك احتياجُهم إلى الدفاع عن الدين، لئلا يلزم من مجيئه بتلك النصوص بطلانُه!
الثاني: عيب أئمة المؤمنين الذين يصدِّقون الله ورسوله، والسخرية منهم بأنهم لا يعقلون ولا يفهمون، ويسمُّونهم «الحشوية» وغير ذلك من الأسماء المنفِّرة، كما صنع ابن الجويني المدعو «إمام الحرمين» في ردِّه على كتاب «الإبانة» للحافظ أبي نصر السجزي، وذلك قبل أن يرجع ابن الجويني، ويتمنى الموت على دين عجائز نيسابور؛ وكما صنع ابن فورك في كتابه «مشكل الحديث». وإني والله ما آسى على ابن فورك، وإنما آسى على مسحوره البيهقي الذي امتلأ من تهويلات ابن فورك وغيره رعبًا، فاستسلم لهم، وانقاد وراءهم.
وكان عبد الرزاق بن همام الصنعاني قد أخذ عن جعفر بن سليمان الضُّبَعي طرفًا من التشيع، فشنَّعوا عليه بذلك، حتى قال محمد بن أبي بكر المُقدَّمي: فقدتُ عبد الرزاق، ما أفسد جعفرُ بن سليمان غيرَه! [٢/ ٣٤٦] وليت شعري لو كان ابن فورك والبيهقي أدركا المُقدَّمي ما عسى كان يقول فيهما!
فأما ما يعترضهم من كلام السلف، فإنهم يصرِّحون بقلة حياءٍ بأن تلك الأقوال تجسيم، كما صنعوا فيما صحَّ عن كبار أئمة التابعين من تفسير «الصمد» بأنه الذي لا جوف له. وقد مرَّ ذلك في الباب الثالث. فإذا كان أشياخكم يردُّون القرآن والسنة ويُجهِّلون أئمة السلف، فكيف تظنون بهم أنهم لا يخالفون السلف؟
стр. 1435
فإن قيل: حاصل هذا أنهم كانوا يعتمدون النظر العقلي، وعلى هذا فما أثبته العقلُ فهو حقٌّ لا ريب فيه، وإذا كان حقًّا فلن يكون الكتاب والسنة مخالفين له، ولن تكون عقيدة السلف إلا موافقة له؛ لأنهم خير الأمة وأفضلها وأعلمها بالحق وأولاها به.
قلتُ: قد مرَّ في الباب الأول أنَّ كلمة «العقل» وقع فيها التدليس، فهناك العقل الفطري الصريح الذي لا التباس فيه، وهو الذي أعدَّه الله تعالى لِيُبنَى عليه الشرع والتكليف، وهو الذي كان حاصلًا للأمم التي بعث الله تعالى فيها رسلَه وأنزل فيها كتبَه، وهو الذي كان حاصلًا للصحابة ومَن بعدهم من السلف. فهذا هو الذي يسوغ أن يقال: إن ما أثبته قطعًا فهو حقٌّ. ودون ذلك نظرٌ متعمَّق فيه، مبنيٌّ على تدقيق وتخرُّص ومقاييسَ يلتبس فيها الأمر في الإلهيات ويشتبه، ويكثر الخطأ واللغط، ويطول النزاع والمناقضة والمعارضة، على ما أوضحناه في الباب الأول. فهذا هو الذي اعتمده أشياخكم مع اعترافهم بوَهْنِه، ولذلك رجع بعض أكابرهم عنه كما سلف.
فإن قالوا: وكيف يجوز أن يعتمد أولئك الأجلَّة على ما لا يسوغ الاعتماد عليه؟
قلت: لم يكونوا معصومين، وقد اختلفوا، وخالفهم مَن هو مثلُهم وأعرَفُ منهم بالنظر، وبحسبكم أن أكابرهم رجعوا في أواخر أعمارهم، كما مرَّ.
هذا، وما منَّا إلا مَن يعتزُّ بآبائه وأشياخه، ويعِزُّ عليه أن يتبين أنهم كانوا على باطل؛ ولكن أقلُّ ما يجب علينا أن نعلم أن آباءنا وأشياخنا لم يكونوا معصومين. وهَبْ أنه يبعد عندنا جدًّا أن يكونوا تعمَّدوا الباطل، فما الذي يُبعِد
стр. 1436
أن يكونوا غلِطوا وأخطأوا؟ وعلى كلِّ حال، فليسوا إلا أفرادًا من المسلمين وقد اختلف المسلمون. وفي الفرق الأخرى أئمة وأكابر إن [٢/ ٣٤٧] لم يكونوا أفضل من آبائنا وأشياخنا، فلم يكونوا دونهم. وإذا راجعتَ نفسك علمتَ أنك لست بأحقَّ من مخالفِك بالقناعة بما مضى عليه الآباء والأشياخ، وأنه كما يحتمل أن يكون آباؤه وأشياخه هم المُبطلين عمدًا أو خطأ، فمن المحتمل أن يكونوا هم المحقِّين. بل الحق أنه لا حقَّ لك ولا له في التضحية بالنفس والدين في سبيل التعصب الفارغ الذي يعود بالخسران المبين، وبالضرر على الآباء والأشياخ أنفسهم، كما مرَّ في أوائل الرسالة. فدع الآباء والأشياخ، والتمِس الحق من معدنه، ثم إن شئت فاعرِضْ عليه مقالةَ آبائك وأشياخك، فما وافقه حمدتَ الله تعالى على ذلك، وما خالفه التمستَ لهم العذر، برجاء أن يكونوا لم يتعمَّدوا (١) الباطل، ولم يقصِّروا تقصيرًا لا يسَعُه عفوُ الله ﵎. بل قد ثبت رجوعُ بعض أكابرهم، كما مرَّ في الباب الأول، ولعل غيرهم قد رجع وإن لم يُنقَل. فإذا سلكتَ هذه الطريق فقد هُديتَ، وإن أبيت إلا التعصبَ لآبائك وأشياخك، والجمودَ على اتباعهم، فقد قامت عليك الحجة. والله المستعان.
* * * *
стр. 1437
الأينية، أو الفوقية، أو كما يقولون: الجهة
أطلقتُ أنا «الأينية»، لما ثبت عن النبي ﵌ من قوله للسوداء: «أين الله؟» قالت: في السماء. وفي آخر الحديث قولُه ﵌ لسيِّدها: «أعتِقْها فإنها مؤمنة» (١).
وفي حديث أبي رزين العقيلي (٢) قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربُّنا قبل أن يَخلُق خلقَه؟ قال: «كان في عَماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وخَلَق عرشَه على الماء».
وفي الأثر عن عثمان (٣) أنه قال لرجل ظنَّه أعرابيًّا: «يا أعرابي أين ربُّك؟».
[٢/ ٣٤٨] وأرى أن أسوق هنا عبارة الشيخ أبي الحسن الأشعري في كتابه «الإبانة» (٤) تأنيسًا للمنتسبين إليه وغيرهم؛ لأنه أشهر المتبوعين في المقالات التعمقية، وفي «روح المعاني» (٥) وغيره أن كتاب «الإبانة» آخر مصنفاته.
стр. 1438
قال (١):
«باب ذكر الاستواء على العرش: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقد قال الله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال حكاية عن فرعون: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] كذَّبَ موسى ﵇ في قوله: إن الله فوق السماوات. وقال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات ... ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات ... (سؤال) وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية: إن قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ إنه استولى وملك وقهر، وإن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة. ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض ... وزعمت المعتزلة
стр. 1439
والحرورية والجهمية أن الله في [٢/ ٣٤٩] كل مكان، فلزمهم أنَّه في بطن مريم، وفي الحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم ... ».
ثم ساق الكلام، وذكر حديث: «ينزل الله كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا ... » (١) من طرق، ثم قال:
«دليل آخر: وقال الله : ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] فكلُّ ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستوٍ على عرشه ...
دليل آخر: وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ٨ - ١٨]، وقال لعيسى بن مريم ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا
стр. 1440
(١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]. وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء. ومِنْ دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم يقولون جميعًا: يا ساكن العرش. ومن حَلِفهم جميعًا: لا والذي احتجب بسبع سماوات ...
دليل آخر: وقال : ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، وقال : ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] ... فلم يُثْبتوا (١) له في وصفهم حقيقة، ولا أوجب له الذي يُثبتون له بذكرهم إياه وحدانية، إذ كلُّ كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي أو التعطيل، .... وروت العلماء عن عبد الله بن عباس أنه قال (٢): [٢/ ٣٥٠] «تفكَّروا في خلق الله ، ولا تفكَّروا في الله ، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله فوق ذلك».
دليل آخر: وروت العلماء عن النبي ﷺ أنه قال (٣): «إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله حتى يسأله عن عمله». وروت العلماء أن رجلًا