← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

أن يكونوا غلِطوا وأخطأوا؟ وعلى كلِّ حال، فليسوا إلا أفرادًا من المسلمين وقد اختلف المسلمون. وفي الفرق الأخرى أئمة وأكابر إن [٢/ ٣٤٧] لم يكونوا أفضل من آبائنا وأشياخنا، فلم يكونوا دونهم. وإذا راجعتَ نفسك علمتَ أنك لست بأحقَّ من مخالفِك بالقناعة بما مضى عليه الآباء والأشياخ، وأنه كما يحتمل أن يكون آباؤه وأشياخه هم المُبطلين عمدًا أو خطأ، فمن المحتمل أن يكونوا هم المحقِّين. بل الحق أنه لا حقَّ لك ولا له في التضحية بالنفس والدين في سبيل التعصب الفارغ الذي يعود بالخسران المبين، وبالضرر على الآباء والأشياخ أنفسهم، كما مرَّ في أوائل الرسالة. فدع الآباء والأشياخ، والتمِس الحق من معدنه، ثم إن شئت فاعرِضْ عليه مقالةَ آبائك وأشياخك، فما وافقه حمدتَ الله تعالى على ذلك، وما خالفه التمستَ لهم العذر، برجاء أن يكونوا لم يتعمَّدوا (١) الباطل، ولم يقصِّروا تقصيرًا لا يسَعُه عفوُ الله ﵎. بل قد ثبت رجوعُ بعض أكابرهم، كما مرَّ في الباب الأول، ولعل غيرهم قد رجع وإن لم يُنقَل. فإذا سلكتَ هذه الطريق فقد هُديتَ، وإن أبيت إلا التعصبَ لآبائك وأشياخك، والجمودَ على اتباعهم، فقد قامت عليك الحجة. والله المستعان. * * * *

стр. 1437

الأينية، أو الفوقية، أو كما يقولون: الجهة أطلقتُ أنا «الأينية»، لما ثبت عن النبي ﵌ من قوله للسوداء: «أين الله؟» قالت: في السماء. وفي آخر الحديث قولُه ﵌ لسيِّدها: «أعتِقْها فإنها مؤمنة» (١). وفي حديث أبي رزين العقيلي (٢) قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربُّنا قبل أن يَخلُق خلقَه؟ قال: «كان في عَماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وخَلَق عرشَه على الماء». وفي الأثر عن عثمان (٣) أنه قال لرجل ظنَّه أعرابيًّا: «يا أعرابي أين ربُّك؟». [٢/ ٣٤٨] وأرى أن أسوق هنا عبارة الشيخ أبي الحسن الأشعري في كتابه «الإبانة» (٤) تأنيسًا للمنتسبين إليه وغيرهم؛ لأنه أشهر المتبوعين في المقالات التعمقية، وفي «روح المعاني» (٥) وغيره أن كتاب «الإبانة» آخر مصنفاته.

стр. 1438

قال (١): «باب ذكر الاستواء على العرش: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقد قال الله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال حكاية عن فرعون: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] كذَّبَ موسى ﵇ في قوله: إن الله فوق السماوات. وقال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات ... ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات ... (سؤال) وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية: إن قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ إنه استولى وملك وقهر، وإن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة. ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض ... وزعمت المعتزلة

стр. 1439

والحرورية والجهمية أن الله في [٢/ ٣٤٩] كل مكان، فلزمهم أنَّه في بطن مريم، وفي الحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم ... ». ثم ساق الكلام، وذكر حديث: «ينزل الله كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا ... » (١) من طرق، ثم قال: «دليل آخر: وقال الله : ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] فكلُّ ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستوٍ على عرشه ... دليل آخر: وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ٨ - ١٨]، وقال لعيسى بن مريم ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا

стр. 1440

(١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]. وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء. ومِنْ دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم يقولون جميعًا: يا ساكن العرش. ومن حَلِفهم جميعًا: لا والذي احتجب بسبع سماوات ... دليل آخر: وقال : ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، وقال : ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] ... فلم يُثْبتوا (١) له في وصفهم حقيقة، ولا أوجب له الذي يُثبتون له بذكرهم إياه وحدانية، إذ كلُّ كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي أو التعطيل، .... وروت العلماء عن عبد الله بن عباس أنه قال (٢): [٢/ ٣٥٠] «تفكَّروا في خلق الله ، ولا تفكَّروا في الله ، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله فوق ذلك». دليل آخر: وروت العلماء عن النبي ﷺ أنه قال (٣): «إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله حتى يسأله عن عمله». وروت العلماء أن رجلًا

стр. 1441

أتى النبي ﷺ بأَمة سوداء، فقال: يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها؟ فقال لها النبي ﷺ : «أين الله؟ » قالت: في السماء، قال: «فمن أنا؟ » قالت: أنت رسول الله. فقال النبي ﷺ : «أعتِقْها فإنها مؤمنة» (١). وهذا يدل أن الله على عرشه فوق السماء». يعلم من عبارة الأشعري وغيرها أن الأمة كانت مجمعة على إثبات الأينية، غير أن السلف يثبتون الفوقية، والجهمية تقول بالمعية، أي أنه تعالى في كل مكان. وثبت السلفيون على قول السلف على الحقيقة، ووافقهم على ذلك في الجملة فِرَقٌ قد انقرضت. وصار المتعمقون إلى فرقتين: الأولى تدَّعي موافقةَ السلف، والأخرى تُنمَى إلى الجهمية. واتفقت الفرقتان على نفي الأينية، لكن الأولى تُطلق ما يظهر منه الفوقية، وتتأول ذلك بالفوقية المعنوية، والثانية: تطلق أنه تعالى في كل مكان، وتتأول ذلك بالعلم والقدرة، وغرضهما التمويه والتمهيد لتأويل النصوص وأقوال من سبق. وعلى كل حال، فعبارة الأشعري التي سقناها صريحة واضحة في أنه يثبت الفوقية الذاتية على الحقيقة، والمنتسبون إليه يواربون محتجِّين بأنه ينفي الجسمية. فيقال لهم: إن كان صرَّح بنفي الجسمية، فيحتمل حالُه أوجهًا: الأول: أن يكون رجع عن ذلك، وقد تقدَّم أن «الإبانة» آخر مصنفاته. الثاني: أن يكون إنما ينفي الجسمية المستلزمة للمحذور، على حد قول جماعة: «جسم لا كالأجسام».

стр. 1442

[٢/ ٣٥١] الثالث: أن يكون يخص اسمَ الجسم بما يستلزم المحذور، ويرى أن ما ثبت لله بما ذكره في عبارته السابقة من الفوقية والنزول كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة، وغير ذلك= لا يقتضي أنْ يسمَّى جسمًا، وإن كان يستلزم ما يسمِّيه غيرُه جسمية. وأيًّا ما كان فلنَدَع الأشعري، وننظر في أصل القضية. احتجَّ مثبتو الأينية مع النصوص الشرعية وإجماع السلف بأنه لا يُعقل الوجودُ بدونها. وهذا من أجلى البديهيات وأوضح الضروريات. أجاب المتعمقون بأن هذه بديهية وهمية. قال الغزالي في «المستصفى» (ج ١ ص ٤٦): «السادس: الوهميات. وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشارًا إلى جهته، فإنَّ موجودًا لا متصلًا بالعالم ولا منفصلًا عنه، ولا داخلًا ولا خارجًا= مُحالٌ، وأن إثباتَ شيء مع القطع بأن الجهات الستَّ خالية عنه مُحالٌ ... ومن هذا القبيل: نفرةُ الطبع عن قول القائل: ليس وراء العالم خلاء ولا ملأ (١). وهاتان قضيتان وهميتان كاذبتان. والأولى منهما ربما وقع لك الأنسُ بتكذيبها لكثرة ممارستك للأدلة العقلية الموجبة إثباتَ موجودٍ (٢) ليس في جهة ... وهذه القضايا مع أنها وهمية، فهي في النفس لا تتميز عن الأوليات القطعية ... بل يشهد به أول الفطرة كما يشهد بالأوليات العقلية». قال المثبتون: أما أن القضية بديهية فطرية، فحقٌّ لا ريب فيه. وأما زعمُ

стр. 1443

أنها وهمية، فباطل، فإن القضايا الوهمية من شأنها أن ينكشف حالها بالنظر انكشافًا واضحًا، ومن شأن الشرع إذا كانت ماسَّةً بالدين كهذه أن يكشف عنها؛ وكِلا هذين منتفٍ. أما الشرع فإنما جاء بتقرير هذه القضية وتثبيتها وتأكيدها بنصوص صريحة تفوق الحصر، بل أصلُ بناء الشرائع على نزول المَلَك من عند الله بالوحي على أنبيائه. وأما النظر، فقد اعترف الغزالي بأن أقصى ما يمكن من مخالفته لهذه القضية أنه ربما حصل الأنس بتكذيبها لمن كثرت ممارسته للأدلة العقلية ... ، ففي هذا أن تلك الأدلة كلَّها ــ فضلًا عن بعضها ــ لا تُثمِر اليقين، ولا ما يقرب منه، ولا ما يشبهه. وإنما غايتها أنه ربما حصل الأنس لمن كثرت ممارسته لها. [٢/ ٣٥٢] وقد شرح الغزالي نفسه في «المستصفى» (ج ١ ص ٤٣) يقين النفس بقوله: «أن تتيقن وتقطع به، وينضاف إليه قطع ثان، وهو أن تقطع بأن قَطْعَها به صحيح، وتتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس؛ فلا يجوز الغلط في يقينها الأول، ولا في يقينها الثاني، ويكون صحة يقينها الثاني كصحة يقينها الأول، بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ؛ بل حيث لو حُكي لها عن نبي من الأنبياء أنه أقام معجزةً وادعى ما يناقضها، فلا تتوقف في تكذيب الناقل، بل تقطع بأنه كاذب، أو تقطع بأن القائل ليس بنبيّ، وأن ما ظن أنَّه معجزة فهي مخرقة، فلا يؤثر هذا في تشكيكها، بل تضحك من قائله وناقله. وإن خطر ببالها إمكانُ أن يكون الله قد أطْلعَ نبيًّا على سرٍّ به انكشف له نقيضُ اعتقادها، فليس اعتقادها يقينًا. مثاله قولنا: الثلاثة أقل من الستة ... ».

стр. 1444

فأنت إذا عرضتَ قوله: «ربما حصل لك الأنس ... » على هذا اليقين الذي شرحه علمتَ أن بينهما كما بين السماء والأرض. فثبت أنَّ ما سمَّاه أدلةً عقليةً موجبةً إثباتَ موجودٍ ليس في جهة، ليس معنى إيجابها ذلك إثمارَ اليقين ولا ما يقاربه ولا ما يشبهه. فإذ كانت كذلك، فكيف يسوغ أن تعارض بها القضية البديهية الواضحة؟ فإن قيل: لكنها تزلزل اليقين بتلك القضية، فلا تبقى يقينية. قلت: أما زلزلة اليقين في جميع النفوس فممنوع. وأما زلزلته في بعض النفوس فلا يقدح. ألا ترى أن من العقلاء من شكَّ في البديهيات كلِّها وقدح فيها، كما مرَّ في الباب الأول؟ أَوَلا ترى أن الغزالي نفسه صرَّح في كتابه «المنقذ من الضلال» بأنه نفسه كان يشك في الحسِّيَّات والبديهيات، وأنه بقي على ذلك نحو شهرين. وقد تقدَّم حكاية ذلك في الباب الأول (١). فالحق أن اليقين قد يطرأ عليه التفاتٌ إلى الشبهات ورعبٌ منها إذا حُكِيتْ عن جماعة اشتهروا بالتحقيق والتدقيق، وأنهم اعتمدوها، فيعرض التشكك، وهذا هو الذي ربما يعرض هنا، بما ذكره الغزالي من كثرة الممارسة. وقد تقدَّم في الباب الأول أن القادحين في البديهيات احتجوا بقولهم: «من مارس مذهبًا من المذاهب برهةً من الزمان ونشأ عليه، فإنه [٢/ ٣٥٣] يجزم بصحته وبطلان ما يخالفه» (٢). ولم يُجِب مخالفوهم إلا بقولهم: «الجواب أنه لا يدل على كون الكل كذلك». فإذا كانت كثرة الممارسة للباطل قد تُورِث الجزمَ ببطلان ما

стр. 1445

يخالفه، فكيف لا تُورث ما ذكره الغزالي هنا بقولَه: «ربما حصل لك الأنس»؟ وإذا وجب أن لا يُعْتَدَّ بالجزم الحاصل عن طول الممارسة، فكيف يُعتدُّ باحتمال حصول الأنس؟ ولو كان هذا كافيًا للتشكيك في البديهيات، وخشية أن تكون وهمية لثبَتَ القدحُ في عامة البديهيات، وطُوِي بساط العقل، وحقَّت السفسطة. وقد تقدَّم في الباب الأول قولُهم في الجواب عن شبهات القادحين في البديهيات: «ولا نشتغل بالجواب عنها، لأن الأوليات مستغنية عن أن يُذَبَّ عنها، وليس يتطرق إلينا شكٌّ فيها بتلك الشبه التي نعلم أنها فاسدة قطعًا، وإن لم يتيقن عندنا وجهُ فسادها» (١). أفلا يكفي مثبتي الأينية أن يجيبوا عما سمَّاه الغزالي «أدلة» بمثل هذا؟ فإن قيل: إن من تلك الأدلة البراهينَ على وجود واجب الوجود، لأنه لا يصح كونُه واجبَ الوجود إلا إذا لم يكن له أين، فجمودكم على تلك القضية يقتضي نفيَ وجودِ واجبِ الوجود. قلت: البراهين الصحيحة على وجوده لا تقيِّد بعدم الأين، بل منها ما يقضي بوجوده مع ثبوت الأين له. فأما المقاييس التي يتشبث بها النفاة فهي من الشبهات التي نتيقن فسادها، وإن فُرِض أنه لم يتعيَّن لنا وجهُه. أقول: وفي هذا مع الأدلة الشرعية ما يكفي الراغبَ في الحق الخاضعَ له، فلا حاجة بنا إلى التشاغل بتلك الشبهات. ولكن أشير هاهنا إلى نكات: الأولى: المتعمقون يقولون: إنَّ ذات البارئ مجردة، ثم منهم من يُثبت ذواتٍ كثيرة مجردة حتى عدُّوا منها الملائكة وأرواح الخلق، ومنهم

стр. 1446

من يقتصر على تجويز ذلك، وردُّوا على من نفى ذلك محتجًّا بأنه لو وُجدت ذات أخرى مجردةٌ لكانت مماثلةً لذات الله ، بأن المشاركة في التجرد لا تقتضي المماثلة التي تستلزم اشتراكَ الذاتَيْن فيما يجب ويجوز ويمتنع. [٢/ ٣٥٤] وأنت إذا تدبرت علمتَ ما في هذا القول، كما مرَّ في الباب الثالث (١). فإن قيل: الإنصافُ أنَّ مَن أثبت المشاركةَ في أمرٍ ما فقد أثبت المثل في مطلق ذاك الأمر، ولزومُ التساوي في الأحكام إنما هو بالنظر لذاك الأمر، فالمُثبِتُ الشريكَ في الوجود يلزمه تساوي الذاتين في أحكام مطلق الوجود. وهكذا يقال في التجرد والجسمية والأينية وغيرها، وليس المحذور هنا إثباتَ مثلٍ في أمرٍ ما، ولا إثباتَ مساوٍ في أحكام أمرٍ ما، وإنما المحذور لزوم حكم باطل. قلت: فهذا يوضِّح سقوطَ تشبُّثِهم بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ويبيِّن ما قدَّمناه في ذلك في الباب الثالث. ولله الحمد. ثم أقول: التجرد المزعوم إنما حاصله عند العقول الفطرية: العدمُ، وذلك منافٍ للوجود، فضلًا عن الوجوب. وعلى فرض أنه لا ينافي الوجود، فأيُّ فرق يُعقَل بين ذاتين مجردتين حتى تكون هذه روح بعوضة، وتلك ذات رب العالمين؟ فأما ذاتان مشتركتان في مطلق الأينية، فإن معقولية الفرق بينهما

стр. 1447

بغاية الوضوح، بل يجيء ذلك في الجسمية وإن كنا لا نقول إنه جسم. فأما زعمهم أن في أحكام مطلق الأينية ما ينافي الوجود، فإنما مستندهم فيه تلك الشبهات التي تقدَّم أنه لا يلزمنا التشاغل بها للعلم ببطلانها، مع اعتراف أشدِّ أنصارها تحمُّسًا ومجازفةً بأن غايتها أنها ربما تُورث مَنْ طالت ممارسته لها الأنس بمقتضاها. ومن تدبَّر تلك الشبهات علم وَهْنَها. [الثانية:] (١) يقول الفلاسفة: إن ذات الله تعالى وجود، ومال إلى هذا كثير من متأخري المتكلمين. وأُورِد عليهم أن الوجود عندهم أمر عدمي، فأجابوا بأنه لا مانع من تفاوت الأفراد، فيكون هذا الفرد المعروف من الوجود أمرًا عدميًّا، وفرد آخر منه واجب الوجود لذاته. ومن العجب أن يزعموا معقولية هذا، وينكروا معقولية التفاوت في الأينية، أو قل في الجسمية. [٢/ ٣٥٥] الثالثة: القائلون: «جسم لا كالأجسام» يقولون: لا حاجة لأن تُلزِمونا ذلك بإثباتنا الفوقية، بل نحن نُلزِمكم ذلك بما اعترفتم به أنه سبحانه موجود قائم بنفسه، بل ذلك هو معنى القيام بالنفس، وهذه من أجلى البديهيات. وذكروا أن بعضهم أورد هذا على أبي إسحاق الإسفرائني (٢) ففرَّ إلى قوله: إنما أعني بقولي: «قائم بنفسه» أنه غير قائم بغيره. وهذا عجب! فإنه إذا كان موجودًا، والموجود إما قائم بنفسه، وإما قائم بغيره، فقوله: «غير قائم بغيره»، إنما حاصله أنه قائم بنفسه، فحاصل جوابه إنما يعني بقوله: «قائم

стр. 1448

بنفسه» أنه قائم بنفسه! أقام يُعْمِلُ أيامًا رَوِيَّتَه ... وشبَّه الماء بعد الجهد بالماء (١) الرابعة: في عبارة الغزالي ذكر قضية الخلاء والملأ. فالفلاسفة ومن تبعهم يقولون: إنه ليس وراء العالم خلاء ولا ملأ، والعقول الفطرية تُنكِر ذلك، وأورد عليهم أنا إذا فرضنا إنسانًا على طرف العالم فمدَّ يده إلى خارجه، فإن امتدت فثَمَّ خلاء، وإلا فثم ملأ، فأجابوا باختيار أنها لا تمتد، لكن لا لوجود ملأ، بل لعدم شرط الامتداد، وهو الخلاء. أقول: وهذه القضية قريبة من سابقتها، فإن الفطر قاضية بأن الخلاء والملأ إذا فُقد أحدهما وُجِد الآخر، وعلى هذا ففقدُ الخلاء معناه وجود الملأ. الخامسة: مذهب المتكلمين أن الخلاء أمر عدمي، والأعدام قديمة. واستدل الفلاسفة على أنه أمر وجودي بأنه يشار إليه ويتقدر. ومما يدفع ذلك أنهم يقولون: ليس وراء العالم خلاء ولا ملأ. فلنفرض أن الله خلق وراء العالم جدرانًا، وخلق لها خلاءً (٢) تقوم فيه، وتكون بحيث يأتلف منها بناءٌ مربَّع يبقى جوفُه على ما كان عليه، فإن ذاك الجوف يكون مشارًا إليه متقدرًا، مع أنه بات على ما كان عليه. والعقول الفطرية يمكنها أن تتصور أن [٢/ ٣٥٦] يكون الكون كلّه جسمًا واحدًا مثلًا، وأن تتصور عدم الأجسام، وأن يكون الكون كله خلاءً؛ ولا تتصور ارتفاع الأمرين. وهذا يقضي بأن الخلاء

стр. 1449

أمر عدمي، فإنه يُعقل ارتفاعُ العدم بالوجود، وارتفاعُ الوجود بالعدم، ويستحيل ارتفاعهما معًا. وظواهر النصوص الشرعية توافق هذا، فإنها تعرضت لخلق العالم في الخلاء، ولم تتعرض لخلق الخلاء، بل في عدة نصوص ما يقتضي أن الخلاء لم يكن مرتفعًا (١) قطّ (٢) قبل وجود الملأ. ولا أعلم من سلف المسلمين قائلًا بأن الخلاء أمر وجودي، وأنه لم يكن خلاء ولا ملأ حتى خلق الله تعالى ذلك. وقال لي قائل: هَبْ أن زاعمًا زعم أن الخلاء وجودي، وأنه قديم فأيُّ محذور في هذا؟ فإن الخلاء أمر لا يصلح أن يكون منه تخليق ولا تدبير، فلا يتوهم أن يكون هو ربَّ العالمين أو مغنيًا عنه أو شريكًا له. وقضيةُ الافتقار إليه على فرض كونه واجبًا لا تنافي الوجود، ولا تزيد عن الافتقار إليه على فرض أنه أمر عدمي، وعلى الافتقار إلى عدم المانع نحو ذلك. وأقول: خيرٌ لمن يَعرِض له مثلُ هذا أن يُعرِض عن التفكير، ويستغني بما ثبت بالقواطع. وسيأتي لهذا مزيد. والله الموفق. السادسة: من تدبَّر عبارة الغزالي علِمَ أنه يعترف أن العرب والصحابة والتابعين وكلَّ من لم تطُل ممارستُه لمزاعم الفلاسفة في التجرد، إذا أيقن أحدهم بوجود الله فإنه يوقن بثبوت الأينية له ولابدَّ. وإذ كانت الفِطَر قاضيةً بأنه سبحانه فوق سماواته، فإنهم يوقنون بذلك على ظاهره وحقيقته، فإذا سمعوا النصوص الشرعية الموافقة لذلك، فإنما يفهمون منها [٢/ ٣٥٧] تلك المعاني الموافقة، وليس في وسع أحد منهم أن يتوقف عن فهم ذلك

стр. 1450

منها. وعلى فرض أن في النصوص ما يُشعر بخلاف ذلك، فإنهم يحملونه على خلاف ما يُشعر به. وبهذا تعلم أن من ينكر تلك المعاني فإنه ينسب النصوص إلى الكذب البتة. ولعل للغزالي عباراتٍ أصرحَ مما ذكر. وفيما ذكر كفاية، فإن الأمر واضح جدًّا. وكذلك غيرهُ من المتعمقين يلزمهم ذلك، ويظهر من حالهم أنهم يعرفونه ويعترفون به. ومن آخرهم السعد التفتازاني، قال في «شرح المقاصد» (١): «فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفَى الحيز والجهة، فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مُشعرة في مواضع لا تُحصى بثبوت ذلك، مِن غير أن يقع في موضع واحد منها تصريحٌ بنفي ذلك وتحقيق؛ كما كررت الدلالة على وجود الصانع ووحدته وعلمه وقدرته وحقيقة المعاد وحشر الأجساد في عدة مواضع وأكدت غاية التأكيد، مع أن هذا أيضًا حقيقٌ بغاية التأكيد والتحقيق لما تقرَّر في فطرة العقلاء ــ مع اختلاف الأديان والآراء ــ من التوجه إلى العلو عند الدعاء ومدِّ الأيدي إلى السماء؟ أجيب: بأنه لمَّا كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة، حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة، كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحقِّ ما يكون ظاهرًا في التشبيه وكون الصانع في أشرف الجهات، مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عمَّا هو من سمة الحدوث». أقول: تدبَّرْ عبارةَ هذا الرجل، وانظر ما فيها من التلبيس والتدليس! أولًا: قوله: «الدين الحق». وكلُّ مسلم يعلم ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ

стр. 1451

الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والإسلامُ باعتراف هذا الرجل جاء بنقيض ما زعم أنه الدين الحق، وكذلك جميع أديان الأنبياء. فكيف يقول مسلم إن الدين الحق نقيض ما جاء به الأنبياء؟ ثم ما الذي جعله حقًّا، وهو مع مخالفته للكتاب والسنة وسائر كتب الله تعالى وأنبيائه منابذٌ لبدائه العقول؟ ! ثانيًا: قوله: «مُشعرة». ومن عرف الكتاب والسنة علم يقينًا أن نصوصهما بغاية الصراحة في الإثبات. [٢/ ٣٥٨] ثالثًا: قوله: «تقصر عنه عقول العامة». والحق أن العقول كلَّها تنبذه البتة، إلا أن من أرعبته شُبَهُ المخالفين لعظمتهم في وهمه، وطالت ممارسته لها، قد يأنس بالنفي الساقط كما تقدم. وهذا الأنس إنما هو ضربٌ من الحيرة، بل هو ضربٌ من الجنون! افرض أنك خرجت من بيتك، وعلى رأسك عمامة، فيلقاك رجل، فيقول لك: لِمَ خرجتَ بلا عمامة؟ فترى أنه يمازحك، ثم يلقاك آخر فيقول لك نحو ما قال الأول، ثم يلقاك ثالث ثم رابع ثم خامس وهكذا= كلٌّ منهم يقول لك نحو مقالة الأول، ألا ترتاب في نفسك وتخاف أن تكون قد جُنِنتَ، حيث تعتقد أن على رأسك عمامة تراها، وتلمسها، وتُحِسُّ بثقلها؛ وهؤلاء كلهم ينفون ذلك. وقد ينتهي بك الحال إلى أن تحاول أن تُقِنعَ نفسك بأنه ليس على رأسك عمامة، وتتقي أن تخبر أحدًا بأنك تعتقد أن على رأسك عمامة. بل قد ترى الأَوْلَى أن ترمي العمامة عن رأسك حتى يتفق اعتقادك واعتقاد الناس. ولكن افرض أنك رميتَ بها واعتقدتَ أنه ليس على رأسك عمامة، فلقيك رجل، فقال لك: عمامتك هذه كبيرة، ثم لقيك آخر فقال: عمامتك هذه وسخة، ثم ثالث ثم رابع ثم خامس وهلم جرًّا= كلٌّ منهم يُثبت لك أن على رأسك عمامة، فماذا يكون حالك؟

стр. 1452

وقد وقع ما يشبه هذا، فكانت نتيجته الجنون! أُخبِرتُ أنه كان في هذه البلدة امرأة من نساء كبار الأمراء، وكان لها ولدٌ يعارضها ويمانعها عما تريد، واشتدت مضايقته لها، حتى عمدت إلى جماعة أعدَّتْهم لمجالسة ولدها وصحبته وأن يتعمَّدوا مخالفته وإظهارَ التعجب منه في أشياء كثيرة. كانوا يقولون في الحُلْو: إنه حامض، وفي الأصفر: إنه أحمر، ونحو ذلك. ففعلوا ذلك وألحُّوا فيه حتى تشكك الولد وجُنَّ! وأُخبرت أنه كان لرجل من كبار الوزراء ابنٌ وابن أخ أو قريب آخر، وكان القريب عاقلًا ذكيًّا فطنًا مهذبًا نبيل الأخلاق، وكان الابن دون ذلك. فخاف الوزير أن يموت، فيتولى الوزارةَ قريبُه دون ابنه، فأعدَّ جماعةً لمجالسة قريبه، وأمرهم بمخالفته وتشكيكه. ففعلوا ذلك حتى جُنَّ المسكين. [٢/ ٣٥٩] رابعًا: قوله: «حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة». والحق الواضح أنها تجزم بذلك كلَّ الجزم، إلا أن يُبتلى بعضُها بالتشكك، كما مرَّ. خامسًا: قوله: «مع تنبيهات دقيقة». إن أراد بالتنبيهات قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ونحوها فقد تقدم الجواب. وإن أراد الدلائل على وجوب الوجود والغنى، فقد تقدَّم الكلامُ فيها. وعلى كل حال، فليس في العقول الفطرية ولا النصوص الشرعية ما يصح أن يُعَدَّ قرينةً صارفة للنصوص عن المعاني التي زعم التفتازاني أنها مناقضة للدين الحق، فقد لزمه ونظراءه لزومًا واضحًا تكذيبُ النصوص ولابد. وقد حكى بعضُ المحشِّين على «المواقف» عبارة التفتازاني المذكورة، ثم تعقبَّها بقوله: «فيه فتحُ بابِ الباطنية، لأنه كما جاز إظهارُ الباطل حقًّا في

стр. 1453

آيات كثيرة وتقريرُه في عقول عامة المسلمين لقصور دركهم جاز مثلُه في سائر الأحكام كخلود العذاب الجسماني والجنة الجسمانية والصراط الأدقِّ من الشعر، لأن الصرف عن الظاهر لا يتوقف على استحالته، بل الاستبعادُ كافٍ، نحو رأيت الأسد في الحمام. فالحق أن تأويل تلك الآي بظهور المجرد في صورة الجسماني». أقول: حاصل هذا التعقب موضَّحًا أن الاستحالة المزعومة لم تكن تدركها عقول المخاطبين، فلا يصح عدُّها قرينةً تدفع الكذب. فإن زعمتم أنه اقتضت المصلحةُ التسامحَ في هذا، والاكتفاءَ بجواز الكذب من الله ورسله، والتكذيب منكم بأن هناك ما لو علمه المخاطبون لكان قرينةً، وهو الاستحالة العقلية= كان للباطنية أن يعتذروا بنحو عذركم عن تأويلاتهم لغالب العقائد والأحكام متشبِّثين بدعوى الاستبعاد، كما تشبثتم بدعوى الاستحالة. والحاصل أنكم تشبثتم باقتضاء المصلحة ودعوى وجود ما لو علمه المخاطبون لكان قرينة، وهذه حال الباطنية أيضًا. ثم أقول: الاستحالة مدفوعة، وكثير من النصوص صريح لا يحتمل غير ذاك المعنى الذي [٢/ ٣٦٠] ينكره المتعمقون. والكلام الذي يحتمل غير الظاهر احتمالًا قريبًا لا يُصرف عن ظاهره إلا بقرينة، ومن شرط القرينة أن يكون من شأنها أن لا تخفى على المخاطب. فإن لم يحتمل غيرَ ظاهره أو احتمله ولا قرينةَ، فزعمُ أن ظاهره باطل تكذيبٌ له ولابد. ومعلوم من الدين بالضرورة استحالةُ أن يقع كذب من الله تعالى أو من رسوله فيما يخبر به عنه، والله تعالى أجلُّ وأعظمُ من أن يكذب لمصلحة، والمصلحة المزعومة قد مرَّ إبطالها في الباب الثالث، ومرَّ هناك ما يكفي ويشفي.

стр. 1454

فأما ظهور المجرد في صورة الجسماني، فالتجرد المزعوم لا حقيقة له، وإنما المعروف تمثُّل الملك بشرًا، ولا يلزم من جواز ذلك في المخلوق جوازُه أو نحوُه في الخالق جل وعلا. ومع ذلك فتلك حال عارضة، والنصوص صريحة في حال مستقرة مستمرة، وبدائهُ العقول تقضي بذلك كما لا يخفى. والله الموفق. السابعة: المباحث التي تتعلق بالتدقيق في شأن وجود الله ، يلتبس فيها الأمر، فيزلُّ النظر من الوجود الواجب الذاتي الذي لم يزل إلى الوجود الممكن والحادث، كما تقدَّم في الباب الثالث (١)، وتقدم هناك المخلص من أمثال ذلك. وامتثالًا لذلك نقول: إننا لا نطلق ما لم يطلقه الشرع ولا وضح به الحق، وإنما ندين بما ثبت بالمأخذين السلفيين، عالمين أنه لا يلزم الحقَّ إلا حقٌّ. فكلُّ ما ثبت بالمأخذين السلفيين فهو حق، وما أُورد عليه من الإلزامات التعمقية لم يخل الحال أن يكون اللزوم باطلًا، أو يكون اللازم حقًّا لا ينافي ما ثبت بالمأخذين السلفيين. اللهم يا مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلوبَنا على دينك، واهدنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنه لا حول ولا قوة إلا بالله. * * * *

стр. 1455

القرآن كلام الله غير مخلوق هذه القضية كانت بغاية الوضوح في عهد السلف، ثم جحدها الزائغون، ثم التبس الأمر فيها على بعض الناس. وقد كفى فيها وشفى ما بيَّنه إمامُ السنة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، [٢/ ٣٦١] ثم ما حرَّره الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ثم ما حقّقه ونقّحه شيخُ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية. ولكن لا أخلي هذه الرسالة عن إشارة إلى ذلك، فأقول: العقول الفطرية قاضية بأن لله تعالى الكمال المطلق والقدرة التامة، وأنه متى شاء أن يتكلم الكلام الحقيقي المعروف بعبارة وحرف وصوت تكلَّم كيف شاء. ثم جاءت كتب الله تعالى ورسله بإثبات أنه سبحانه تكلَّم ويتكلَّم، وكلَّم ويكلِّم، وقال ويقول، ونادى وينادي، وأن القرآن هذا المعروف كلامُ الله على الحقيقة الحقة. وقد أخبر الله تعالى أن الجمادات قد تتكلَّم كلامًا حقيقيًّا، وأن أعضاء الإنسان تنطق يوم القيامة فتشهد عليه. وأخبر النبي ﵌ أنه كان يسمع تسليم الحجر والشجر عليه، وأسمَعَ أصحابَه تسبيحَ الحصى. فكان من المعلوم عند الناس أن التكلُّم بالعبارة والحرف والصوت ليس موقوفًا على الآلات التي يتكلم بها الإنسان، بل قد يتكلم المخلوق بغيرها، فكيف الخالق ؟ فلم يلزم من تكلُّم الله أن يكون له جوف أو غيرُ ذلك مما هو منزَّه عنه. ثم جحد الزائغون كلام الله ، وحاولوا تحريف معاني النصوص التي لا تحصى تحريفًا ليس بخير من التكذيب الصريح، بل لعله شرٌّ منه. ثم حاول بعض الناس التلبيسَ، فحمل النصوص على كلام نفسي ليس بعبارة ولا حرف ولا صوت، بل زاد أنه معنى واحد لا تنوُّع فيه ولا تعدُّد، فلا أمر فيه ولا

стр. 1456

نهي، ولا خبر ولا ولا. ثم لم يزالوا في تخبيط وتخليط، إلى أن صاروا إلى ما في «روح المعاني» (ج ١ ص ١٥) (١) قال: «الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين كالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى ﵇ سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت، كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغًا لا ينبغي معه تأويل، ولا يناسب معه قال وقيل». ثم ذكر آيات النداء، ثم قال: «واللائق بمقتضى اللغة والأحاديث أن يفسَّر النداءُ بالصوت، بل قد ورد إثباتُ الصوت لله ــ تعالى شأنُه ــ في أحاديث لا تحصى، وأخبار لا تُستقصى. روى البخاري في «الصحيح» (٢): «يحشُر الله العبادَ فيناديهم بصوتٍ يسمعه مَن بَعُدَ كما يسمعه مَنْ قَرُبَ: أنا الملك، أنا الديَّان». ثم ذهب إلى تخليط المتصوفة، إلى أن قال (٣): [٢/ ٣٦٢] «والفرق بين سماعِ موسى ﵇ كلامَ الله تعالى وسماعِنا له على هذا: أن موسى ﵇ سمع من الله بلا واسطة لكن من وراء حجاب، ونحن إنما نسمعه من العبد التالي». وعاد إلى تخليط المتصوفة. فأقول: قد أمر الله ﵎ عباده بتدبر القرآن وتصديقه والإيمان به

стр. 1457

على حسب فطرهم وعقولهم الفطرية، ولم يكلِّفهم تعمُّقَ المتكلمين، فضلًا عن تغلغل المتصوفة، سواء أكان عن تخيُّل أم عن تعقُّل. وفي «الصحيحين» (١) عن ابن عمر «قال رسول الله ﷺ : إنَّا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا (أشار بيديه مبسوطةً أصابعهما) وعقد الإبهامَ على الثالثة. ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا (أشار بهما مبسوطةً أصابعُهما في الثلاث كلها) يعني تمام الثلاثين، يعني مرَّةً تسعًا وعشرين ومرةً ثلاثين». وإذ قد اعترف المتعمِّقون بأن الله ﵎ يتكلم بلا واسطة بعبارة وحرف وصوت، ويُسْمِع كلامَه مَن يشاء من خلقه؛ فهذا هو الذي قامت عليه الحجة، وعليه سلف الأمة وأتباعهم، ولم يبق إلا التنطُّع في البحث عن الكيفية، وهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، ولا يبتغيه إلا أهل الزيغ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧ - ٨]. * * * *

стр. 1458

الإيمان قول وعمل يزيد وينقص اشتهر عن أبي حنيفة أنه كان يقول: ليس العمل من الإيمان، والإيمان لا يزيد ولا ينقص. وروى الخطيب (١) عن جماعة من أهل السنة إنكارَهم ذلك على أبي حنيفة، ونسبتَه إلى الإرجاء. فتكلم الكوثري في تلك الروايات، وحاول التشنيع على أولئك الأئمة، وأسرف وغالط على عادته؛ فاضطررتُ إلى مناقشته دفعًا لتهجُّمه بالباطل على أئمة السنة. قال الكوثري (ص ٤٠) من «تأنيبه»: «يرى أبو حنيفة أن العمل ليس بركن أصلي من الإيمان، بحيث إذا أخلَّ المؤمنُ بعمل يزول منه الإيمان؛ كما يرى أن الإيمان هو العقد الجازم بحيث لا يحتمل النقيض، ومثلُ هذا الإيمان لا يقبل الزيادة والنقص». [٢/ ٣٦٣] وقال (ص ٤٣): «وحيث كان أبو حنيفة وأصحابه لا يرون تخليد المؤمن العاصي في النار، رماهم خصومُهم بالإرجاء، وأعلنوا عن أنفسهم أنهم منحازون إلى الخوارج في المعنى». وقال (ص ٤٤): «والإرجاء بالمعنى الذي هم يقولون به هو محض السنة، ومن عادى ذلك لا بد أن يقع في مذهب الخوارج أو المعتزلة شاعرًا أو غير شاعر». ثم قال: «كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؛ ويرمون بالإرجاء من يرى أن الإيمان هو العقد والكلمة، مع أنه الحق الصُّراح بالنظر إلى حجج الشرع. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٢) [الحجرات: ١٤]. وقال النبي ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه

стр. 1459

ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». أخرجه مسلم عن ابن عمر (١)، وعليه جمهور أهل السنة. وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتمًا، إن كانوا يعدُّون خلاف اعتقادهم هذا بدعة وضلالة؛ لأن الإخلال بعمل من الأعمال ــ وهو ركن الإيمان ــ يكون إخلالًا بالإيمان، فيكون من أخلَّ بعمل خارجًا من الإيمان، إما داخلًا في الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه، بل في منزلة بين منزلتين ــ الكفر والإيمان ــ كما هو مذهب المعتزلة. وهم من أشد الناس تبرؤًا من هذين الفريقين، فإذا تبرَّأوا (٢) أيضًا مما كان عليه أبو حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن يبقى كلامهم متهافتًا غير مفهوم. وأما إذا عدُّوا العمل من كمال الإيمان فقط، فلا يبقى وجه للتنابز والتنابذ، لكنَّ تشدُّدَهم هذا التشددَّ يدل على أنهم لا يعدُّون العمل من كمال الإيمان فحسب، بل يعدُّونه ركنًا منه أصليًّا، ونتيجة ذلك كما ترى ... فإرجاء العمل من أن يكون من أركان الإيمان الأصلية هو السنة، وأما الإرجاء الذي يُعَدُّ بدعة، فهو قول من يقول: لا تضرُّ مع الإيمان معصية، وأصحابنا أبرياء من مثل هذا القول ... ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه للزِم إكفارُ جماهير المسلمين غير [٢/ ٣٦٤] المعصومين، لإخلالهم بعمل من الأعمال في وقت من الأوقات، وفي ذلك الطامة الكبرى». أقول: اختلفت الأمة فيمن كان مؤمنًا ثم ارتكب كبيرة. فقالت الخوارج: يكفر، وقالت المعتزلة: لا يكفر ولكن يزول إيمانه، وإذا مات عن غير توبة دخل النار وخلد فيها مع الكفار. وقالت المرجئة: لا يكفر ولا يزول إيمانه ولا يدخل النار، لا يضرُّ مع الإيمان ذنب، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وقال أهل

стр. 1460

السنة: لا يكفر، ولا يزول إيمانه البتة بمجرد ارتكابه الكبيرة ولكنه يكون ناقصًا. وقال بعض الأئمة: إلا تركَ الصلاة المكتوبة عمدًا فإنه كفر، وحقَّق بعضُ أتباعهم أن الترك نفسه ليس كفرًا، ولكن الشرع قضى أنه لا يكون إلا من كافر. يستدل المرجئة والمعتزلة والخوارج بنصوص ظاهرُها أن المؤمنين لا يعذَّبون، ويستدل المعتزلة والخوارج بنصوص ظاهرُها أن مرتكب الكبيرة لا يبقى مؤمنًا، ويستدل الخوارج بنصوص ظاهرُها أن ارتكاب بعض الكبائر كفر. وأهل السنة يجيبون عن الأولَين بأن المراد الإيمان الكامل، وعن الثالث بأنه كفر دون كفر، فهو كفر يقتضي نقص الإيمان، لا زواله. ويدفع المرجئةُ الجواب المذكور بقولهم: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والأعمال ليست من الإيمان. وهذا القول قد كان أبو حنيفة يقوله، لكن يقول الكوثري: إنه مع ذلك مخالف للمرجئة في أصل قولهم، وهو أنه لا يضر مع الإيمان عمل. ولا غرض في النظر في هذا، وتتبُّع الروايات. بل أقول: تلك الموافقة التي يعترف بها تكفي لتبرير إنكار الأئمة. أما من لم يعرف منهم أن أبا حنيفة وإن وافق المرجئة في ذاك القول فهو مخالف لهم في أصل قولهم، فعذره في إنكاره واضح. وأما من عرف، فيكفي لإنكار القول أنه مخالف للأدلة كما يأتي، وأنه قد يسمعه من يقتدي بأبي حنيفة، ولا يعلم قوله إن أهل المعاصي يعذَّبون، فيغتَرُّ بذلك. وقد يبلغ بعضهم قولاه معًا فلا يلتفتون إلى الثاني، بل يقولون: رأس الأمر الإيمان، فإذا كان إيمان الفجار مساويًا لإيمان الأنبياء والملائكة ففيم العذاب، وقد دلت النصوص على أن

стр. 1461

المؤمنين [٢/ ٣٦٥] لا يعذَّبون؟ ويحملهم ذلك على التهاون بالعمل، يقول أحدهم: لِمَ أعذِّب نفسي في الدنيا بما لا يزيد في إيماني شيئًا؟ حسبي أن إيماني مساوٍ لإيمان جبريل ومحمد ﵉! ويحملهم ذلك على احتقار الملائكة والأنبياء والصديقين قائلين: أعظمُ ما عندهم الإيمان، وأفجَر الفجار مساوٍ لهم فيه! وإذا كان أبو حنيفة ــ كما يقول الكوثري ــ يرى أن الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجازم، وأنه لا يزيد ولا ينقص، فقد يبلغ هذا بعضَ الناس فيقول: إذا كنت لا أصير مؤمنًا إلا بأن يكون يقيني مساويًا ليقين جبريل ومحمد ﵉، فهذا ما لا يكون. ففيم إذًا أعذِّب نفسي بالأعمال، فأجمَعُ عليها عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؟ وبعد، فيكفي مسوِّغًا لإنكار ذاك القول مخالفتُه للنصوص الشرعية. أما النصوص على أن الأعمال من الإيمان وأنه يزيد وينقص بحسبها، فمعروفة، حتى اضطُر الكوثري إلى المواربة، فزعم أن أبا حنيفة إنما كان يدفع أن يكون العمل ركنًا أصليًّا، لا أنه من الإيمان في الجملة، كاليدين والرجلين وغيرها من الأعضاء بالنسبة إلى الجسد، هي منه وينقص بفقدها مع بقاء أصله، وإن كان في بعض عبارات الكوثري ما يخالف هذه الدعوى. وأما النصوص على أن الإيمان القلبي يزيد وينقص، فمنها الأحاديث الصحيحة في أنه يخرج من النار مَن قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال شعيرة من إيمان، ثم من قالها وفي قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ثم من قالها وفي قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان. فأما قول الله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا

стр. 1462

وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] فليس فيها ما ينافي أن تكون الأعمال من الإيمان، وإنما غاية ما فيها أن الاعتقاد القلبي ركن ضروري للإيمان، فلا يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا بدونه. [٢/ ٣٦٦] فإن قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ نفيٌ لإيمانهم، ويكفي في نفيه انتفاءُ ركن ضروري عنه كما لا يخفى. وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ لا يقتضي أن الإيمان كلَّه هو الذي يكون في القلب. ألا ترى أنه يصح أن يقال: لم يدخل الإسلام في قلب فلان، أو لم يدخل الدين في قلب فلان، مع الاتفاق أن الإسلام والدين لا يختص بما في القلب. وأما ما في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ... » فقد أجاب عنه البخاري في «كتاب الإيمان» من «صحيحه» (١) قال: «باب سؤال جبريلَ النبيَّ ﵌ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، وبيان النبي ﵌ [له]، ثم قال: «جاء جبريل ﵇ يعلِّمكم دينكم»، فجعل ذلك كله دينًا، وما بيَّن النبي ﵌ لوفد عبد القيس من الإيمان، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]». وقصة وفد عبد القيس التي أشار إليها هي في «الصحيحين» أيضًا وقد أوردها فيما بعد، فأخرج (٢) من طريق ابن عباس في قصة محاورة النبي ﵌ لهم: « ... فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع. أمرهم

стр. 1463

بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ... ». فقد يقال: الإيمان في حديث جبريل منحوٌّ به المعنَى اللغويَّ، لا المعنى الشرعي، ويؤيد ذلك أن السائل في حديث جبريل كان في الظاهر ــ كما يُعلم من الروايات ــ أعرابيًّا لم يجتمع قبل ذلك بالنبي ﵌. فلما ابتدأ فقال: ما الإيمان؟ كان الظاهر أنه إنما يريد بالإيمان ما يعرفه في اللغة، فإذا كان معناه في اللغة التصديق القلبي، فظاهر السؤال: ما الذي يُطلب في الدين التصديقُ القلبي به؟ وأما في قصة عبد القيس، فإن النبي ﵌ هو الذي ابتدأ، فأمرهم بالإيمان ثم فسَّره لهم، فكان المعنى الشرعي للإيمان هو ما جاء في قصة عبد القيس. فإن قيل: فإنه لم يستوعب الأعمال. قلت: هذا السؤال مشترك، ولا قائلَ إن ما ذُكر فيه من الأعمال هي من الإيمان دون [٢/ ٣٦٧] غيرها. ومثل هذا في النصوص كثير، من الاقتصار على الأهم، إما لعلم المخاطب بغيره، وإما اتكالًا على أنه سيعلمه عند الحاجة، وإما لأن في الإجمال ما يدل عليه. وكثيرًا ما يقع الاختصار من بعض الرواة. وبالجملة، فإذا صح قول الكوثري إن أبا حنيفة لا يقول: إن الأعمال ليست من الإيمان مطلقًا، وإنما يقول: إنها ليست ركنًا أصليًّا وإنما الركن الأصلي العقد والكلمة، فالأمر قريب. فلْنَدَع هذا، ولننظر فيما زعمه أن الإيمان القلبي لا يزيد ولا ينقص حتى قال (ص ٦٧): «لأن الإيمان الشرعي إنما يتحقق عند تحقق الجزم المنافي لتجويز النقيض ... لا يتصور تفاوتٌ أصلًا بين إيمان المؤمنين من جهة الجزم والتيقن،

стр. 1464

ويكون النقص عن مرتبة اليقين كفرًا». أقول: تفاوت الإيمان القلبي ثابت نقلًا ونظرًا. أما النقل فمعروف، وقد تقدمت الإشارة إلى حديث الخروج من النار. وأما النظر فإن الإنسان إذا قارن بين اعتقاده أن الثلاثة من حيث العددية أقل من الستة وبين اعتقاداته الدينية التي يجزم أنه موقن بها بَانَ له الفرق. فإن أحبَّ الكوثريُّ فليحكم على نفسه وعلى جمهور الناس بعدم الإيمان، وإن أحبَّ فليُثبِتْ ما نفاه. وقد صرَّح النظار بأن اليقين يتفاوت قوةً وضعفًا كما تراه في «المواقف» (١) وغيرها. وفي «فتح الباري» (٢): «قال الشيخ محيي الدين (٣): «الأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة. ولهذا كان إيمان الصدِّيق أقوى من إيمان غيره بحيث لا تعتريه الشبهة». ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها. وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه: «تعظيم قدر الصلاة» عن جماعة من الأئمة نحوَ ذلك». فإن أحبَّ الكوثريُّ فليحكم على نفسه وعلى جمهور الناس أن أحدهم

стр. 1465

يختلف حاله في حياته، فيكون تارة مؤمنًا وتارة غيرَ مؤمن! وإن أحبَّ فَلْيُثبِتْ ما نفاه. [٢/ ٣٦٨] وفي «صحيح مسلم» (١) وغيره قصة أبي بن كعب ﵁ في اختلاف القراءة. وفيها قوله: «فسُقِطَ في نفسي من التكذيب ولا إذ كنتُ في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﵌ ما قد غشيني ضرَبَ في صدري، ففِضْتُ عَرَقًا، وكأنما أنظر إلى الله فَرَقًا ... ». ولا يرتاب عاقل أن إيمان هذا الصحابي الجليل عند تلك الغشية دون إيمانه قبلها وبعدها. وقد عرض لعمر بن الخطاب وغيره في قصة الحديبية ما يشبه ذلك (٢). وفي حديث الرجل الذي قاتل مع النبي ﵌ أشدّ القتال، وقال النبي ﵌: «هو من أهل النار»، فكاد بعض الناس يرتاب (٣). ولا يرتاب عاقل أن المؤمنين يتفاوتون في التقوى تفاوتًا عظيمًا، وأعظم أسباب ذلك تفاوتهم في اليقين، فإننا نرى أحوالهم في اتقاء الضرر الدنيوي لا يتفاوت ذاك التفاوت. بل إنك تجد من نفسك أنه قد يقوى اعتقادك فترغب نفسك في الطاعة وعن المعصية، وقد يضعف فتتهاون بذلك. وكذلك تجد ذلك عندما تطلع على الأدلة أو الشبهات، فقد يقف العالم على عدة نصوص من الكتاب والسنة فيتبيَّن له أن بعضها يصدِّق بعضًا، وقد يتراءى له أنها تتناقض. وقد يرى نصوصًا في العقائد، فيتبين له أن العقل موافق لها وقد

стр. 1466

يتراءى له أنه يخالفها. ويرى نصوصًا في الأحكام فيتبين له أنها موافقة للرأي والنظر والحكمة والقياس، وقد يتراءى له أنها مخالفة لذلك. ويرى نصوصًا في الإخبار عن الجن والشياطين، والأرض والسماء، والشمس والقمر، وغير ذلك، فيتبين له أنها موافقة للواقع، وقد يتراءى له أنها مخالفة له. ويطالع السيرة فيرى فيها أمورًا واضحة الدلالة على النبوة، وقد يرى فيها ما يتراءى له منه خلاف ذلك. ويسمع من الأطباء وغيرهم ما يوافق ما جاء في الشرع، وقد يسمع منهم ما يخالفه. ويطيع النبيَّ ﵌ في بعض الأمور فيناله نفع، وقد يتفق له خلاف ذلك. وهذا كمن يريد سفرًا مع رفقة، فتعزِم الرفقةُ على الخروج يوم الجمعة قبل الصلاة، فيأبى أن يخرج قبل الصلاة للنهي الشرعي عن ذلك (١). وسافر الرفقة فتصيبهم مصيبة [٢/ ٣٦٩] كاصطدام القطار، أو غرق الباخرة أو نحو ذلك؛ وينجو هو لتأخره. وقد يتفق خلاف هذا بأن تسلم الرفقة وتغنم، ويخرج هو بعد الصلاة فيصيبه ضرر. وأشباه هذا كثيرة لا تكاد تمضي ساعة إلا ويقع شيء منها. ولا ريب أن اعتقاد الإنسان بنبوة محمد ﷺ لا يبقى على حال واحدة مع اختلاف الأمور المذكورة، بل يصفو تارة، ويتكدر أخرى، ويقوى تارة، ويضعف أخرى، ويزيد تارة، وينقص أخرى. ولا أرى عاقلًا يتصور حاله وحال الملائكة والأنبياء، ويقول: إن يقينه مثل يقينهم. وقد حاول الكوثري أن يجيب عن هذا فقال (ص ٦٧): «نعم، إن

стр. 1467

إيمان الأنبياء، وإيمان العلماء، وإيمان العوام يتفاوت من جهة ما يحتمل الزوال منها، وما لا يحتمله. واحتمال الزوال أو عدم احتماله ناشئ من أمر خارج، وذلك من تفاوت طرق حصول الجزم عندهم، لا من التفاوت في ذات الإيمان. فالإيمانُ عند الأنبياء لا احتمال لزواله منهم، لأن حصوله عن مشاهدة ووحي قاهر. وإيمانُ العلماء يحتمل الزوال بطروء بعض شبه على أدلة الإيمان عندهم، ولو احتمالًا ضعيفًا. وأما إيمان العوام، فربما يزول بأيسر تشكيك ... فبهذا البيان اتضحت المسألة تمام الاتضاح ــ إن شاء الله تعالى ــ لكل من ألقى السمع وهو شهيد». ونَوَّهَ عن هذا الكلام (ص ١٩٣) بقوله: «تحقيق بديع ... »! أقول: لنا أن نلتمس من الأستاذ الكوثري أن يفكِّر في اعتقاده أن الثلاثة من حيث العددية أقل من الستة، هل يمكن أن يتشكك فيه يومًا ما مع بقاء عقله؟ فإن قال: لا، فليستعرض الاعتقادات الدينية الضرورية للإيمان، التي يرى أنه جازم بها حقَّ الجزم، هل يمكن أن يتشكك في بعضها يومًا ما؟ فإن قال: لا، فقد أخرج نفسه من زمرة العلماء الذين قضى في عبارته السابقة بأن إيمانهم يحتمل الزوال! وإن قال: يجوز ذلك. قيل له: فتجويزك هذا ألا يدل على أن جزمك بتلك العقيدة دون جزمك بأن الثلاثة نصف الستة؟ [٢/ ٣٧٠] فإن قال: قد قلت: إن هذا الأمر خارج. قيل له: هذا الأمر الخارج إنما حاصله قوة الدليل في حق الأنبياء، وكونُه دون ذلك في حق العلماء. أوَ ليس من لازم تفاوُتِ الأدلة في القوة تفاوتُ الجزم بمدلولاتها عند العارف بتفاوتها؟ فالدليل الذي يكون عندك غايةً في

стр. 1468

القوة، يكون جزمُك بمدلوله وانتفاءِ نقيضه أقوى من جزمك بمدلولِ دليلٍ دونه عندك في القوة. فإن قال: ليس هذا بلازم، فإنَّ الجزم قد يقع عن شبهة باطلة. قلت: من جزم عن شبهة باطلة، فإنه لا يراها شبهة، بل يراها دليلًا قاطعًا، وكلامنا إنما هو في العالِم الذي يميِّز بين الأدلة. فإن عاد وقال: تفاوتُ الأدلة مع الجزم بمدلولاتها إنما يكون من جهةِ أن بعضها لا يحتمل أن تعرض شبهةٌ تُشكِّك فيه، وبعضها يحتمل ذلك. قيل له: تسمية العارض شبهةً، فيه شِبهُ مغالطة؛ فإنه مَن جزم بشيء ثم عرَضَ له ما يجزم بأنه شبهة، فإنه لا يتغير جزمه الأول، وإنما يتغير حيث يجوِّز أن العارض دليل. فعلى هذا، إذا كنت الآن تجوِّز في بعض ما تجزم به أن يعرض ما يشكِّكُك فيه ويزيل جزمك، فمعنى ذلك أنك تجوِّز أن يعرض مشكِّكٌ فيه يحتمل أن يكون دليلًا صحيحًا، وأن يكون شبهة. ويوضِّح هذا أن بعض المسائل الحسابية والهندسية اليقينية يجوز لجازم بها بعد أن يحيط بها أن يعرض ما يظهر منه خلافُ ما جزم به. ولكنه يجزم الآن بأنه لو عرض ألفُ عارض من تلك العوارض لما تغيَّرَ جزمُه، وكما يجزم بهذا في حق نفسه، فكذلك يجزم في حق غيره بأن من عرف تلك المسألة كما عرفها، لا يتغيَّر جزمُه ما دام عقله. فهذا هو الذي يصح أن تحكم بأنه جازم أن العارض لا يكون إلا شبهة. فإن قيل: فما قولك أنت؟ قلت: أقول: إن الإيمان يتفاوت، وإن ذلك التجويز المستبعَد إذا كان

стр. 1469

صاحبه ينفر عنه، ويشفق منه، ويستعيذ بالله = فإنه لا يضُرُّ، بل ولا يضرُّه عروضُ الشبهة إذا [٢/ ٣٧١] كان عند عروضها يتألم ويتأذى وتشقُّ عليه، ويبادر إلى طردها عن نفسه مستعيذًا بالله . وإنما يضرُّه أن يأنس بها، وتستقرَّ في نفسه، وتَبِيض، وتُفرخ، حتى يصدق عليه اسم «مرتاب». هذا هو الذي تدل عليه النصوص، والذي لا يسع الناسَ غيرُه، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. و معيارُ الإيمان القلبي: العمل . ولهذا كان السلف يقولون: «الإيمان قول وعمل»، ولا يذكرون الاعتقاد؛ وكانت المرجئة تقول: «الإيمان قول». ثم منهم من يوافق أهل السنة على اشتراط الاعتقاد، ومنهم من لا يشترطه في اسم الإيمان، ولكن يشترطه للنجاة، وهذا قول الكرَّامية. ومنهم من لا يشترطه في اسم الإيمان، ولا في النجاة، وهؤلاء هم الغلاة. وقال الله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٤ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ١ - ٤].

стр. 1470

وفي «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان». وفي رواية مسلم: «أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق». وذكر الله في سورة التوبة المنافقين ثم قال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [١٠٢ - ١٠٥]. وفي «الصحيحين» (٢) من حديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : «آية المنافق ثلاث ــ زاد مسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ــ إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وفيهما (٣) من حديث عبد الله بن عمرو: قال رسول الله ﷺ : «أربع [٢/ ٣٧٢] مَن كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعَها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذبَ، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فَجَر». وفي «تذكرة الحفاظ» (ج ٢ ص ٥٣) (٤): عن سفيان الثوري أنه قال: «خلافُ ما بيننا وبين المرجئة ثلاث: يقولون: الإيمان قول لا عمل، ونقول: قول وعمل. ونقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: إنه لا يزيد ولا ينقص. ونحن نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق». أقول: كأنهم في قولهم: «النطق بالشهادتين هو الإيمان» يشترطون أن يقع

стр. 1471

النطق من قائليه طوعًا ولا يكذِّبوا أنفسهم فيه إذا خلا بعضهم إلى بعض. ثم يقولون: إن المنافقين الذين كانوا في عهد النبي ﷺ كانوا ينطقون تقيةً ويكذبون أنفسهم إذا خلوا، فهذا هو النفاق. فأما من يقول طوعًا ولا يكذب نفسه إذا خلا، فهو مؤمن وإن كان في نفسه شاكًّا مرتابًا، بناءً على جحدِهم اشتراطَ الاعتقاد في الإيمان. وأهل السنة يقولون: هذا نفاق، إذ شرط الإيمانُ عندهم الاعتقاد. وبالجملة، فلا أرى عاقلًا لقوله يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إلا على أحد أوجه: الأول: أن يكون يخصُّ لفظَ الإيمان القلبي بالتصديق الذي لا يعتدُّ بما دونه، فهو بمنزلة النصاب. فكما أن نصاب الذهب في حق الأغنياء بالذهب واحد لا يزيد ولا ينقص وإن تفاوتوا في الغنى بالذهب، فكذلك يقول هذا: إن الإيمان الذي هو نصاب التصديق لا يزيد ولا ينقص، وإن تفاوت الخلق في التصديق. أو قل: إنه بمنزلة زكاة الفطر، وهي صاع لا يزيد ولا ينقص، وإن كان من الناس من يعطي صاعين أو مائةً أو ألفًا أو أكثر من ذلك. الثاني: أن يكون عنده أن الإيمان قول فقط. وهذا إن فسَّر القول بالشهادتين وقال: إنه لا يكفي للنجاة، فهو قول الكرامية. وإن فسَّره بهما وقال: إنه يكفي، فهو قول غلاة المرجئة. وإن فسَّره بالاعتراف اللساني بربوبية الله ، وقال: إنه لا يكفي للنجاة ولجريان أحكام الإسلام، فهو قريب من الأول. وإن قال: إنه يكفي لذلك فهو أشدُّ من قول غلاة المرجئة. [٢/ ٣٧٣] الثالث: أن يزعم أن الإيمان هو القول والاعتقاد الذي لا يقينَ فوقه. ولا أرى هذا إلا قاضيًا على نفسه وغالب الناس بعدم الإيمان. والله المستعان.

стр. 1472

قول: أنا مؤمن إن شاء الله جاء عن بعض السلف كراهيةُ أن يقول الرجل: «أنا مؤمن حقًّا» والأمرُ بأن يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»؛ وكذلك كانوا يقولون. وقال البخاري في كتاب الإيمان من «صحيحه» (١): «باب خوف المؤمن من أن يَحْبَطَ عملُه وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التيمي: ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيتُ أن أكون مكذِّبًا. وقال ابن أبي مليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي ﵌ كلُّهم يخاف النفاقَ على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويُذكر عن الحسن (البصري): ما خافه إلا مؤمن، وما أمِنَه إلا منافق ... ». وفي «فتح الباري» (٢) أن مقالة الحسن صحيحة من طرق، وأن في رواية المعلَّى بن زياد: «سمعتُ الحسنَ يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يَخَفِ النفاقَ فهو منافق». وفي رواية هشام: «سمعت الحسن يقول: والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق، ولا أمِنَه إلا منافق». واقتبس البخاري أول الترجمة من قول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ

стр. 1473

لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أول الحجرات. والمؤمن لا تحبط أعماله. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. [٢/ ٣٧٤] وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. وإنما تحبط أعمال الكافر. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]. واقرأ من آل عمران: ٢٢، والأنعام: ٨٨، والأعراف: ٧٧، والتوبة: ١٧، و ٦٩، وإبراهيم: ١٨، والكهف: ١٠٥، والفرقان: ٢٣، والزمر: ٦٥، والقتال: ٣٢ - ٣٤. وقد قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤]. فإذا كانت هذه حال هؤلاء، فما الظن بحال من قد آمن واستقرَّ الإيمانُ في قلبه؟ فأما قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]، فهي في سياق الكلام

стр. 1474

في الكفار، فهي واردة فيهم، ويدخل فيهم المنافقون. وللمؤمنين المخلصين في بعض أعمالهم المرائين في بعضها نصيبٌ من الآية بالنظر إلى ما وقع فيه الرئاء دون غيره. وأما قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]. فالفريق الأول هم الذين يكون جميع دعائهم وعبادتهم لطلب الدنيا فقط ولا شأن لهم بالآخرة، وهذا إنما يكون ممن لا يؤمن بالآخرة إيمانًا صادقًا، ومن لا يؤمن بها فليس بمؤمن. فأما المؤمن فإنه لا بد أن يهتم بالآخرة، فالمؤمن لا يحبط عمله حتى دعاؤه لطلب حاجاته المباحة [٢/ ٣٧٥] من الدنيا، فإنه قد لا يقضي الله له بعض تلك الحوائج، ولا يعوِّضه في الدنيا، بل يدَّخر له ثواب دعائه في الآخرة، كما ورد في أحاديث تفسير استجابة الدعاء. وقد اتفقت الأمة فيما أعلم على أن المؤمن لا تحبط أعماله التي أخلص فيها واستمرَّ على إخلاصه. ومن قال من المعتزلة: إن الكبيرة تُحبِط الأعمال، هم الذين يقولون: إن ارتكاب الكبيرة يُبطل الإيمان. وروى الخطيب (١) بسنده إلى محمود بن غيلان «حدثنا وكيع قال: سمعت الثوري يقول: نحن المؤمنون، وأهل القبلة عندنا مؤمنون في

стр. 1475

المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار، ولنا ذنوب، ولا ندري ما حالنا عند الله؟ قال وكيع: وقال أبو حنيفة: من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شاكٌّ، نحن المؤمنون هنا وعند الله حقًّا. قال وكيع: ونحن نقول بقول سفيان، وقول أبي حنيفة عندنا جرأة». وذكر الكوثري في «تأنيبه» (ص ٣٤) هذه الرواية، ثم ذكر عن كتاب ابن أبي العوَّام بسنده إلى عبيد بن يعيش قال: «حدثنا وكيع قال: كان سفيان الثوري إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: نعم. فإذا قيل له: عند الله؟ قال: أرجو. وكان أبو حنيفة يقول: أنا مؤمن هنا وعند الله. قال وكيع: قول سفيان أحبُّ إلينا». وقال الكوثري (ص ٦٧): «لكن الإيمان الشرعي إنما يتحقق عند تحقُّق الجزم المنافي لتجويز النقيض. فمن يقول: أنا مؤمن، ولا أدري ما حالي عند الله، أو: أنا مؤمن إن شاء الله، فإن كان مراده بذلك أن الخاتمة مجهولة وأرجو الله أن يُختَم لي بخير، فليس ذلك من منافاة الجزم في شيء. وأما إن كان مراده بذلك القول أنا مؤمن هنا ولا أدري ما إذا كان ما أعتقده إيمانًا هنا، إيمانًا عند الله، فهو شاكٌّ غيرُ جازم؛ بل جوَّز بتلك الإرادة أن يكون الإيمان خلاف ما يعتقده، فهو ليس من الإيمان في شيء؛ لأنه ليس من اليقين على شيء. فتبين من هذا البيان أنه لا يُتصور تفاوتٌ أصلًا بين إيمان المؤمنين من جهة الجزم، ويكون النقص عن مرتبه اليقين كفرًا». أقول: مسألة الزيادة والنقصان قد سلف النظير فيها. فأما المسألة الأخرى، فتحريرها أن هناك ثلاث قضايا: [٢/ ٣٧٦] الأولى: اعتقادُك ثبوتَ كل أمر من الأمور التي ترى أن اعتقاد ثبوت جميعها هو الإيمان الذي لا بد منه.
следующие страницы →