عامر بن واثلة ــ عن شيء من ذلك، فأراد أن يخبر، وكانت امرأته تسمع، فذكَّرتْه بهذا الحديث، فكفَّ (١). فكذلك ينبغي لأهل العلم أن لا ينقلوا كلمات العلماء عند الغضب، وأن يراعوا فيما نُقل منها هذا الأصل.
بل قد يقال: لو فُرض أن العالم قصد عند غضبه الحكم لكان ينبغي أن لا يعتدَّ بذلك حُكْمًا. ففي "الصحيحين" (٢) وغيرهما عن النبي ﵌ أنه قال: "لا يقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان" لفظ البخاري. والحكم في العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبُّر وتثبُّت أشدَّ مما يحتاج إليه الحكم في كثير من الخصومات. فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم، فلا يخشى من الحكم فيها عند الغضب إلا تفويت عشرة [١/ ٥٤] دراهم. فأما الحكم على العالم والراوي، فيخشى منه تفويت علم كثير، وأحاديث كثيرة، ولو لم يكن إلا حديثًا واحدًا لكان عظيمًا.
ومما يخرج مخرج الذم لا مخرج الحكم: ما يقصد به الموعظة والنصيحة. وذلك كأن يبلغ العالِمَ عن صاحبه ما يكرهه له، فيذمه في وجهه أو بحضرة من يبلغه، رجاء أن يكفَّ عما كرهه له. وربما يأتي بعبارة ليست بكذب، ولكنها خشنة موحشة، يقصد الإبلاغ في النصيحة، ككلمات الثوري في الحسن بن صالح بن حيّ (٣)، وربما يكون الأمر الذي أنكره أمرًا لا بأس
стр. 142
به، بل قد يكون خيرًا، ولكن يخشى أن يجرَّ إلى ما يكره، كالدخول على السلطان، وولاية أموال اليتامى، وولاية القضاء، والإكثار من الفتوى. وقد يكون أمرًا مذمومًا، وصاحبه معذور، ولكن الناصح يحب لصاحبه أن يعاود النظر أو يحتال أو يخفي ذاك الأمر. وقد يكون المقصود نصيحة الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر؛ إذ قد يكون لمن وقع منه أولًا عذر ولكن يخشى أن يتبعه الناس فيه غير معذورين. ومن هذا: كلمات التنفير التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل الثاني (١).
وقد يتسمَّح العالم فيما يحكيه على غير جهة الحكم، فيستند إلى ما لو أراد الحكم لم يستند إليه، كحكاية منقطعة، وخبر من لا يُعَدُّ خبرُه حجة، وقرينة لا تكفي لبناء الحكم ونحو ذلك. وقد جاء عن إياس بن معاوية التابعي المشهور بالعقل والذكاء والفضل أنه قال: "لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك" (٢). وكلام العالم ــ إذا لم يكن بقصد الرواية، أو الفتوى، أو الحكم ــ داخل في جملة عمله الذي ينبغي أن لا يُنظر إليه. وليس معنى ذلك أنه قد يعمل ما ينافي العدالة، ولكن قد يكون له عذر خفي، وقد يترخَّص فيما لا ينافي العدالة، وقد لا يتحفظ ويتثبت، كما يتحفظ ويتثبت في الرواية والفتوى والحكم.
هذا، والعارف المتثبت المتحرِّي للحق لا يخفى عليه ــ إن شاء الله تعالى ــ ما حقُّه أن يُعَدَّ من هذا الضرب، مما حقُّه أن يعَدَّ من الضرب الآتي.
стр. 143
وأن ما كان من هذا الضرب، فحقه أن لا يُعتدَّ به على المتكلَّم فيه ولا على المتكلِّم. والله الموفق.
الوجه الثاني: ما يصدر على وجه الحكم فهذا إنما يُخشى فيه الخطأ. وأئمة الحديث عارفون، [١/ ٥٥] متبحرون، متيقظون يتحرَّزون من الخطأ جهدهم، لكنهم متفاوتون في ذلك. ومهما بلغ الحاكِم من التحري فإنه لا يبلغ أن تكون أحكامه كلها مطابقة لما في نفس الأمر. فقد تسمع رجلًا يخبر بخبر، ثم تمضي مدة، فترى أن الذي سمعت منه هو فلان، وأن الخبر الذي سمعته منه هو كيت وكيت، وأن معناه كذا، وأن ذاك المعنى باطل، وأن المخبِرَ تعمَّد الإخبار بالباطل، وأنه لم يكن له عذر، وأن مثل ذلك يوجب الجرح. فمن المحتمل أن يشتبه عليك رجل بآخر، فترى أن المخبر فلان، وإنما هو غيره. وأن يشتبه عليك خبر بآخر، إنما سمعت من فلان خبرًا آخر، فأما هذا الخبر فإنما سمعته من غيره. وأن تخطيء في فهم المعنى، أو في ظن أنه باطل، أو أن المخبر تعمَّد، أو أنه لم يكن له عذر، أو أن مثل ذلك يوجب الجرح، إلى غير ذلك.
وغالب الأحكام إنما تُبنى على غلبة الظن، والظن قد يخطئ، والظنون تتفاوت. فمن الظنون المعتدّ بها: ما له ضابط شرعي، كخبر الثقة. ومنها: ما ضابطه أن تطمئن إليه نفسُ العارف المتوقي المتثبت بحيث يجزم بالإخبار بمقتضاه طيّبَ النفس منشرحَ الصدر. [والنفوس تختلف في المعرفة والتوقي والتثبُّت] (١) فمن الناس من يغتر بالظن الضعيف، فيجزم. وهذا هو الذي يطعن
стр. 144
أئمة الحديث في حفظه وضبطه، فيقولون: "يحدث على التوهم ــ كثير الوهم ــ كثير الخطأ ــ يهم ــ يخطئ". ومنهم المعتدل، ومنهم البالغ التثبُّت.
كان في اليمن في قَضاء الحُجَرية قاض كان يجتمع إليه أهل العلم ويتذاكرون، وكنت أحضر مع أخي، فلاحظتُ أن ذلك القاضي ــ مع أنه أعلم الجماعة فيما أرى ــ لا يكاد يجزم في مسألة، وإنما يقول: "في حفظي كذا، في ذهني كذا" ونحو ذلك. فعلمت أنه ألزم نفسه تلك العادة حتى فيما يجزم به، حتى إذا اتفق أن أخطأ كان عذره بغاية الوضوح.
وفي ثقات المحدّثين مَن (١) هو أبلغ تحرّيًا مِن هذا ولكنهم يعلمون أن الحجة إنما تقوم بالجزم، فكانوا يجزمون فيما لا يرون للشكِّ فيه مدخلًا، ويقفون عن الجزم لأدنى احتمال.
روي أن شعبة سأل أيوب السختياني عن حديث فقال: أشكُّ فيه. فقال شعبة: شكُّك أحبُّ إليَّ من يقين غيرك (٢).
وقال النضر بن شُميل عن شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثًا يقول فيه: "أظن أني سمعته" أحبُّ إليَّ من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت (٣). وعن شعبة قال: "شكُّ ابنِ عون وسليمانَ التيمي يقين" (٤).
وذكر يعقوبُ بن سفيان حمادَ بن زيد، فقال: معروف بأنه يقصر في
стр. 145
الأسانيد، ويوقف المرفوع، [١/ ٥٦] كثير الشك بتوقّيه، وكان جليلًا. لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه (١).
وبالغ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب فكان إذا سئل عن شيء لا يجيب حتى يرجع إلى الكتاب. قال أبو طاهر السِّلَفي: سألت أبا الغنائم النَّرْسي عن الخطيب فقال: "جبل، لا يُسأل عن مثله، ما رأينا مثله. وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه" (٢).
وإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر ــ وإن كان ضعيفًا عنده ــ ثم اطلع على ما يحتمل موافقة ذلك السابق ويحتمل خلافه، فإنه يترجح في نفسه ما يوافق السابق، وقد يقوَى ذلك في النفس جدًّا وإن كان ضعيفًا. وهكذا إذا كانت نفس الإنسان تهوى أمرًا فاطلع على ما يحتمل ما يوافقه وما يخالفه، فإن نفسه تميل إلى ما يوافق هواها. والعقل كثيرًا ما يحتاج عند النظر في المحتملات والمتعارضات إلى استفتاء النفس لمعرفة الراجح عندها. وربما يشتبه على الإنسان ما تقضي به نفسه بما يقضي به عقله. فالنفس بمنزلة المحامي عند ما تميل إليه، ثم قد تكون هي الشاهد، وهي الحَاكم.
والعالم إذا سخط على صاحبه، فإنما يكون سخطه لأمر ينكره، فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار، وتهوى ما يناسبه، ثم تتبع ما يشاكله، وتميل عند الاحتمال والتعارض إلى ما يوافقه. فلا يؤمَن أن يقوَى عند العالم جرحُ مَن
стр. 146
هو ساخط عليه لأمرٍ، لولا السخط لَعلِمَ أنه لا يُوجب الجرح. وأئمة الحديث متثبتون، ولكنهم غير معصومين عن الخطأ.
وأهل العلم يمثِّلون لجرح الساخط بكلام النسائي في أحمد بن صالح (١). ولَمَّا ذكر ابن الصلاح ذلك في "المقدمة" (٢) عقَّبه بقوله: "قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نُسِب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أنّ عين السُّخْط تبدي مساوئ، لها في الباطن مخارج صحيحة تَعْمى عنها بحجاب السُّخْط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمّدًا لقدح يعلم بطلانَه".
وهذا حق واضح، إذ لو حُمل على التعمّد سقطت عدالة الجارح، والفرض أنه ثابت العدالة. هذا، وكلّ ما يُخشى في الذمّ والجرح يخشى مثله في الثناء والتعديل. فقد يكون الرجل ضعيفًا في الرواية، لكنه صالح في دينه، كأبان بن أبي عياش، أو غيور على السنة كمؤمَّل بن إسماعيل، أو فقيه كمحمد بن أبي ليلى؛ فتجد أهل العلم ربما يثنون على الرجل من هؤلاء، غير قاصدين الحكم [١/ ٥٧] له بالثقة في روايته. وقد يرى العالم أن الناس بالغوا في الطعن، فيبالغ هو في المدح، كما يروى عن حماد بن سلمة أنه ذُكِر له طعن شعبة في أبان بن أبي عياش، فقال: أبان خير من شعبة (٣).
وقد يكون العالم وادًّا لصاحبه، فيأتي فيه نحو ما تقدم، فيأتي بكلمات الثناء التي لا يقصد بها الحكم، ولاسيما عند الغضب، كأن تسمع رجلًا يذمّ صديقك أو شيخك أو إمامك، فإن الغضب قد يدعوك إلى المبالغة في إطراء
стр. 147
من ذمه، وكذلك يقابل كلمات التنفير بكلمات (١) الترغيب. وكذلك تجد الإنسان إلى تعديل من يميل إليه ويُحسِن به الظن أسرع منه إلى تعديل غيره. واحتمالُ التسَمُّح في الثناء أقرب من احتماله في الذمّ، فإن العالم يمنعه من التسمُّح في الذمّ الخوفُ على دينه لئلّا يكون غيبة، والخوفُ على عرضه، فإن مَن ذمَّ الناس فقد دعاهم إلى ذمِّه.
ومن دعا الناسَ إلى ذمِّه ... ذمُّوه بالحقّ وبالباطل (٢)
ومع هذا كله، فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب، وإنما يحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرح. ولا يسوغ ترجيح التعديل مطلقًا بأن الجارح كان ساخطًا على المجروح، ولا ترجيح الجرح مطلقًا بأن المعدِّل كان صديقًا له، وإنما يستدل بالسخط والصداقة على قوَّة احتمال الخطأ إذا كان محتملًا. فأما إذا لزم من اطراح الجرح أو التعديل نسبةُ مَن صَدَر منه ذلك إلى افتراء الكذب أو تعمّد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع مثله مِنْ مثله، فهذا يحتاج إلى بيِّنة أخرى، لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطًا أو محبًّا.
وفي "لسان الميزان" (ج ١ ص ١٦) (٣):
"وممن ينبغي أن يُتوقَّف في قبول قوله في الجرح: مَن كان بينه وبين مَن
стр. 148
جرحه عداوة، سببُها الاختلاف في الاعتقاد. فإن الحاذق إذا تأمل ثَلْبَ أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب! وذلك لشدّة انحرافه في النّصْب، وشهرة أهلها بالتشيع. فتراه لا يتوقف في جرح مَن ذَكَره منهم بلسان ذَلْق (١) وعبارة طَلْقة، حتى إنه أخذ يليِّن مثلَ الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية. فهذا إذا عارضه مثلُه أو أكبرُ منه، [١/ ٥٨] فوثَّق رجلًا ضعَّفه قُبِلَ التوثيق.
ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش المحدّث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة بل نُسِب إلى الرفض، فيُتأنَّى في جرحه لأهل الشام؛ للعداوة البينة في الاعتقاد. ويلتحق بذلك ما يكون سببُه المنافسةَ في المراتب، فكثيرًا ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين [لهذا] (٢) وغيره. فكلُّ هذا ينبغي أن يُتأنَّى فيه ويُتأمَّل".
أقول: قول ابن حجر: "ينبغي أن يتوقف" مقصوده ــ كما لا يخفى ــ التوقّف على وجه التأنّي والتروِّي والتأمل. وقوله: "فهذا إذا عارضه مثله ... قبل التوثيق" محلّه ما هو الغالب من أن لا يلزم من اطراح الجرح نسبةُ الجارح إلى افتراء الكذب، أو تعمّدِ الحكم بالباطل، أو الغلطِ الفاحش الذي يندر وقوعُه. فأما إذا لزم شيء من هذا، فلا محيص عن قبول الجرح، إلا أن تقوم بينة واضحة تثبت تلك النسبة.
وقد تتبّعتُ كثيرًا من كلام الجوزجاني في المتشيِّعين، فلم أجده
стр. 149
متجاوزًا الحدَّ. وإنما الرجل ــ لما فيه من النَّصْب ــ يرى التشيُّع مذهبًا سيئًا، وبدعةَ ضلالةٍ، وزيغًا عن الحقّ وخذلانًا؛ فيطلق على المتشيِّعين ما يقتضيه اعتقاده، كقوله: "زائغ عن القصد ــ سيِّئ المذهب"، ونحو ذلك.
وكلامه في الأعمش ليس فيه جرح، بل هو توثيق، وإنما فيه ذمّ بالتشيع والتدليس. وهذا أمر متفق عليه: أن الأعمش كان يتشيَّع ويدلّس، وربما دلس عن الضعفاء، وربما كان في ذلك ما يُنْكَر. وهكذا كلامه في أبي نعيم. فأما عُبيد الله بن موسى فقد تكلم فيه الإمام أحمد وغيره بأشدّ من كلام الجوزجاني.
وتكلم الجوزجاني في عاصم بن ضَمْرة. وقد تكلم فيه ابن المبارك وغيره، واستنكروا من حديثه ما استنكره الجوزجاني. راجع "سنن البيهقي" (ج ٣ ص ٥١). غاية الأمر أن الجوزجاني هوَّل، وعلى كلِّ حال فلم يخرج من كلام أهل العلم. وكأنّ ابن حجر توهّم أن الجوزجاني في كلامه في عاصم (١) يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء (٢). وهذا تخيّل لا يُلتفت إليه.
وقال الجوزجاني في يونس بن خباب: "كذاب مفتر" (٣). ويونس وإن وثقه ابن معين، فقد قال البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي مع ما
стр. 150
عرف عنه: "ليس بثقة". واتفقوا على غلوّ يونس، ونقلوا عنه أنه قال: إن عثمان بن عفان قتل ابنتي النبي ﵌؛ وأنه روى حديث سؤال القبر ثم قال: ههنا كلمة أخفاها الناصبة. قيل له: ما هي؟ قال: إنه ليسأل في قبره: مَن وليّك؟ فإن [١/ ٥٩] قال: عليٌّ، نجا! فكيف لا يُعذر الجوزجاني مع نَصْبه أن يعتقد في مثل هذا أنه كذاب مفتر؟
وأشدُّ ما رأيته للجوزجاني ما تقدم عنه في القاعدة الثالثة من قوله: "ومنهم زائغ عن الحق ... " (١). وقد تقبل ابن حجر ذلك، على ما فهمه من معناه، وعظَّمه، كما مرَّ، وذكر نحو ذلك في "لسان الميزان" نفسه (ج ١ ص ١١) (٢). وإني لأعجب من الحافظ ابن حجر ﵀ يوافق الجوزجاني على ما فهمه من ذلك، ويعظمه، مع ما فيه من الشدة والشذوذ ــ كما تقدم ــ ويشنِّع عليه ههنا ويهوِّل فيما هو أخفُّ من ذلك بكثير عندما يتدبر! والله المستعان.
* * * *
стр. 151
٥ - هل يشترط تفسير الجرح ؟
اعلم أن الجرح على درجات:
الأولى: المجمل وهو ما لم يبيَّن فيه السبب كقول الجارح: "ليس بعدل"، "فاسق". ومنه ــ على ما ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص ١٠٨) عن القاضي أبي الطيب الطبري ــ: قول أئمة الحديث: "ضعيف"، أو "ليس بشيء". وزاد الخطيب قولهم: "ليس بثقة".
الثانية: مبيَّن السبب، ومثَّل له بعض الفقهاء بقول الجارح: "زان"، "سارق"، "قاذف".
ووراء ذلك درجات بحسب احتمال الخلل وعدمه. فقوله: "فلان قاذف" قد يحتمل الخلل من جهة أن يكون الجارح أخطأ في ظنه أن الواقعَ قَذْف، ومن جهة احتمال أن يكون المرمي مستحقًّا للقذف، ومن جهة احتمال أن لا يكون الجارح سمع ذلك من المجروح وإنما بلغه عنه، ومن جهة أن يكون إنما سمع رجلًا آخر يقذف فتوهَّم أنه الذي سمّاه، ومن جهة احتمال أن يكون المجروح إنما كان يحكي القذف عن غيره، أو يفرض أن قائلًا قاله فلم يسمع الجارح أول الكلام، إلى غير ذلك من الاحتمالات. نعم إنها خلاف الظاهر، ولكن قد يقوى المعارض جدًّا فيغلب على الظن أن هناك خللًا وإن لم يتبين.
واختلف أهل العلم في الدرجة الأولى ــ وهي الجرح المجمل ــ إذا صدر من العارف بأسباب الجرح، فمنهم مَن قال: يجب العمل به، ومنهم من قال: لا يعمل به؛ لأن الناس اختلفوا في أشياء يراها بعضهم فسقًا ولا
стр. 152
يوافقه غيره.
وفصَّل الخطيبُ ــ فيما نقله عنه العراقي والسخاوي (١) ــ قال: "إن كان الذي يرجع إليه [في الجرح] عدلًا مرضيًّا في اعتقاده وأفعاله، عارفًا بصفة العدالة والجرح [١/ ٦٠] وأسبابهما، عالمًا باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك؛ قُبِلَ قوله فيمن جَرَحه مجملًا، ولا يُسأل عن سببه" (٢). يريد أنه إذا كان عارفًا باختلاف الفقهاء، فالظاهر أنه لا يُجرَح إلا بما هو جرح باتفاقهم.
وأقول: لا بدّ من الفرق بين جرح الشاهد وجرح الراوي، وبين ما إذا كان هناك ما يخالف الجرح، وما إذا لم يكن هناك ما يخالفه. فأما الشاهد فله ثلاث أحوال:
الأولى: أن يكون (٣) قد ثبتت عدالتُه في قضية سابقة وقضى بها القاضي، ثم جُرح في قضية أخرى.
الثانية: أن لا يكون قد ثبتت عدالتُه، ولكن سئل عنه عارفوه، فمنهم من عدَّله، ومنهم من جَرّحه.
الثالثة: أن لا يكون قد ثبتت عدالته، وسئل عنه عارفوه، فجرَّحه بعضهم، وسكت الباقون.
стр. 153
فأما الثالثة: فإن كان القاضي لا يقبل شهادة من لم يعدَّل، فأي فائدة في استفسار الجارح؟ وإن كان يقبلها فلضعفها يكفي الجرح المجمل.
وأما الثانية: فقد يكثر الجارحون فيغلب على الظن صحة جرحهم وإن أجملوا، وقد لا تحصل غلبة الظن إلا بالدرجة الثانية من الجرح وهي بيان السبب، وقد لا تحصل إلا بأزيد منها مما مر بيانه. وإذا كان القاضي متمكِّنًا من الاستفسار لحضور الجارح عنده، أو قُرْبه منه، فينبغي أن يستوفيه على كل حال؛ لأنه كلما كان أقوى كان أثبت للحجة وأدْفَع للتهمة.
وأما الأولى: فينبغي أن لا يكفي فيها جرح مجمل ولو مع بيان السبب، بل يحتاج إلى بيان المستند بما يدفع ما يحتمل من الخلل.
وأما الراوي فحاله مخالفة للشاهد فيما نحن فيه من أوجه:
الأول: أن الذين تكلّموا في الرواة أئمة أجلّة، والغالب فيمن يجرح الشاهد أن لا يكون بتلك الدرجة ولا ما يقاربها.
الثاني: أن الذين تكلموا في الرواة منصبهم منصب الحكّام، وقد قال الفقهاء: إن المنصوب لجرح الشهود يُكتفى منه بالجرح المجمل.
الثالث: أن القاضي متمكّن من استفسار جارح الشاهد كما مرّ، والذين جرحوا الرواة [١/ ٦١] يكثر في كلامهم الإجمال، وأن لا يستفسرهم أصحابهم، ولم يبقَ بأيدي الناس إلا نقل كلامهم، ولم يزل أهل العلم يتلقّون كلماتهم ويحتجون بها.
وبعد أن اختار ابن الصلاح اشتراط بيان السبب قال: "ولقائل أن يقول:
стр. 154
إنما يعتمد الناس في جرح الرواة وردِّ حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث ... وقلَّما يتعرّضون [فيها] لبيان السبب، بل يقتصرون على ... "فلان ضعيف"، و"فلان ليس بشيء" ونحو ذلك ... ، فاشتراط بيان السبب يُفضي إلى تعطيل ذلك، وسدِّ باب الجرح في الأغلب الأكثر. وجوابه: أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقَّفْنا عن قبول حديث مَن قالوا فيه مثل ذلك، بناءً على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبةً قويةً يُوجِب مثلُها التوقّف. ثم مَن انزاحت عنه الريبة منهم ببحْثٍ عن حاله أوجبَ الثقة بعدالته قبِلنا حديثه، ولم نتوقف؛ كالذين احتج بهم صاحبا "الصحيحين" وغيرهم (١) ممن مسَّهم مثل هذا الجرح من غيرهم. فافهم ذلك، فإنه مَخْلَص حسن" (٢).
وتبعه النووي في "التقريب" (٣) و"شرح صحيح مسلم" (٤) ولفظه هناك: "على مذهب من اشترط في الجرح التفسيرَ نقول: فائدة الجرح فيمن جُرِحَ مطلقًا أن يتوقّف عن الاحتجاج به إلى أن يبحث عن ذلك الجرح ... ".
وذكر العراقي في "ألفيته" و"شرحها" (٥) بعض الذين أشار ابن الصلاح إلى أن صاحبي "الصحيحين" احتجَّا بهم وقد جُرِحوا، فذكر ممن روى له البخاري: عكرمةَ مولى ابن عباس، وعمرو بن مرزوق الباهلي، وممن روى
стр. 155
له مسلم: سويدَ بن سعيد. وهؤلاء قد سبق جرحهم ممن قَبْل صاحبي "الصحيح"، وكذلك سبق تعديلهم أيضًا. فهذا يدل أن التوقف الذي ذكره ابن الصلاح والنووي يشمل مَن اختُلف فيه، فعدَّله بعضهم، وجَرَحه غيره جرحًا غير مفسر. وسياق كلامهما يقتضي ذلك، بل الظاهر أن هذا هو المقصود؛ فإن مَن لم يعدَّل نصًّا أو حُكمًا ولم يُجرح يجب التوقف عن الاحتجاج به، ومَن لم يعدَّل وجُرح جرحًا مجملًا فالأمر فيه أشدّ من التوقف والارتياب.
فال تحقيق: أن الجرح المجمل يثبت به جرحُ مَن لم يعدَّل نصًّا ولا حُكمًا، ويوجب التوقُّف فيمن قد عدِّل، حتى يسفر البحث عما يقتضي قبوله أو ردّه. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى (١).
* * * *
стр. 156
[١/ ٦٢] ٦ - كيف البحث عن أحوال الرواة ؟
مَن أحبّ أن ينظر في كتب الجرح والتعديل عن حال رجل وقع في سند، فعليه أن يراعي أمورًا:
الأول: إذا وجد ترجمة بمثل ذاك الاسم فليتثبّت حتى يتحقق أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل، فإن الأسماء كثيرًا ما تشتبه، ويقع الغلط والمغالطة فيها، كما يأتي في الأمر الرابع. وراجع "الطليعة" (ص ١١ - ٤٣) (١).
الثاني: لِيستوثقْ من صحة النسخة ولْيراجعْ غيرها ــ إن تيسَّر له ــ ليتحقق أن ما فيها ثابت عن مؤلف الكتاب. راجع "الطليعة" (ص ٥٥ - ٥٩) (٢).
الثالث: إذا وجد في الترجمة كلمة جرح أو تعديل منسوبة إلى بعض الأئمة، فلينظر: أثابتة هي عن ذاك الإمام أم لا؟ راجع "الطليعة" (ص ٧٨ - ٨٦) (٣).
الرابع: ليستثبِتْ أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة، فإن الأسماء تتشابه. وقد يقول المحدّث كلمة في راو، فيظنها السامع في آخر، ويحكيها كذلك. وقد يحكيها السامع فيمن قيلت فيه، ويخطئ بعض من
стр. 157
بعده فيحملها على آخر.
ففي الرواة: [المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عيَّاش المخزومي، و] (١) المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام الحِزَامي، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عوف الأسدي. حكى عبّاس الدوري (٢) عن يحيى بن معين توثيق الأول وتضعيف الثالث. وحكى (٣) ابن أبي حاتم (٤) عن الدوري عن ابن معين توثيق الثاني، ووهَّمه المزي (٥). ووثَّق أبو داود الثالث وضعَّف الأول، فذُكِرَت له حكاية الدوري عن ابن معين فقال: غلط عباس (٦).
وفي الرواة: محمد بن ثابت البناني، ومحمد بن ثابت العبدي وغيرهما. فحكى ابن أبي حاتم (٧) عن ابن أبي خيثمة، عن ابن معين أنه قال في الأول: "ليس بقوي ... ". وذكر ابن حجر (٨) أن الذي في "تاريخ ابن أبي
стр. 158
خيثمة" حكاية تلك المقالة في الثاني. وحكى عثمان الدارمي (١) عن ابن معين في الثاني أنه ليس به بأس. وحكى معاوية بن صالح عن ابن معين أنه يُنكَر على الثاني [١/ ٦٣] حديث واحد (٢). وحكى الدوري (٣) عن ابن معين أنه ضعَّف الثاني، وقال الدوري: "فقلت له: أليس قد قلت مرة: ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط".
وفي الرواة: عمر بن نافع مولى ابن عمر، وعمر بن نافع الثقفي. حكى ابن عدي (٤) في ترجمة الأول عن ابن معين أنه قال: "ليس حديثه بشيء" فزعم ابن حجر (٥) أن ابن معين إنما قالها في الثاني.
وفي الرواة: عثمان البَتِّي، وعثمان البُرِّي. حكى الدوريّ (٦) عن ابن معين في الأول: "ثقة". وحكى معاوية بن صالح عنه فيه: "ضعيف" (٧). قال النسائي: "وهذا عندي خطأ، ولعله أراد عثمان البُرِّي".
وفي الرواة: أبو الأشهب جعفر بن حيّان، وأبو الأشهب جعفر بن الحارث. وثَّق الإمام أحمد الأول، فحكى ابن شاهين ذلك في الثاني، كما
стр. 159
في نبذة من كلامه طبعت مع "تاريخ جرجان" (١). وضعَّف جماعة الثاني، فحكى ابن الجوزي (٢) كلماتهم في ترجمة الأول.
وفي الرواة أحمد بن صالح ابن الطبري الحافظ، وأحمد بن صالح الشُّمومي. حكى النسائي (٣) عن معاوية بن صالح عن ابن معين كلامًا عدَّه النسائي في الأول، فذكر ابن حبان (٤): إنما قاله ابن معين في الثاني.
وفي الرواة: معاذ بن رفاعة الأنصاري، ومُعان بن رفاعة السلَامي. نقل الناسُ عن الدوريّ (٥) أنه حكى عن ابن معين أنه قال في الثاني وهو معان: "ضعيف". ونقل أبو الفتح الأزدي (٦) عن عباس أنه حكى عن ابن معين أنه قال في الأول وهو معاذ: "ضعيف". فكأنه تصحَّف على الأزدي.
وفي الرواة: القاسم العمري، وهو ابن عبد الله بن عمر بن حفص؛ والقاسم المعمري، وهو ابن محمد. فحكى عثمان الدارمي (٧) عن ابن معين
стр. 160
أنه قال: "قاسم المعمري كذاب خبيث". قال الدارمي: "وليس كما قال يحيى". والمعمري قد وثَّقه قتيبة. أما العمري فكذَّبه الأمام أحمد، وقال الدوري (١) عن ابن معين: "ضعيف ليس بشيء". فيشبه أن يكون ابن معين إنما قال: "قاسم [١/ ٦٤] العمري كذاب خبيث" فكتبها عثمان الدارمي، ثم بعد مدَّة راجعها في كتابه، فاشتبه عليه، فقرأها: "قاسم المعمري ... ".
وفي الرواة: إبراهيم بن أبي حَرّة، وإبراهيم بن أبي حيَّة. روى ابن أبي حاتم (٢) من طريق عثمان الدارمي عن (٣) ابن معين توثيق الثاني. ومن تدبَّر الترجمتين كاد يجزم بأن هذا غلط على ابن معين، وأنه إنما وثَّق الأول.
وحكى أبو داود الطيالسي قصة لأبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي (٤)، وحكى هو عن شعبة قصّةً نحو تلك لمحمد بن الزبير التميمي البصري (٥). وأخشى أن يكون الطيالسي وهِم في أحدهما.
وذكر ابن أبي خيثمة في كلامه في فِطْر بن خليفة ما لفظه: "سمعت قُطْبة بن العلاء يقول: تركت فطرًا، لأنه روى أحاديث فيها إزراء على عثمان" (٦).
стр. 161
وذكر هو في كلامه في فُضيل بن عياض: "سمعت قُطبة بن العلاء يقول: تركتُ حديث فضيل، لأنه روى أحاديث فيها إزراء على عثمان" (١).
وأخشى أن تكون كلمة قُطبة إنما هي في "فِطْر"، فحكاها ابن أبي خيثمة مرة على الصواب، ثم تصحّفت عليه "فطر" بـ"فضيل" فحكاها في فضيل بن عياض.
وحكى محمد بن وضَّاح القرطبي أنه سأل ابن معين عن الشافعي فقال: "ليس بثقة" (٢). فحكاها ابن وضَّاح في الشافعي الإمام، فزعم بعض المغاربة أن ابن معين إنما قالها في أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز الأعمى المشهور بالشافعي، فإنه كان ببغداد، وابن وضَّاح لقي ابن معين ببغداد، فكأنه سأل ابنَ معين عن الشافعيّ ــ يريد ابن وضَّاح الإمام ــ فظنّ ابن معين أنه يريد أبا عبد الرحمن لأنه كان حيًّا معهما في البلد. وفي ترجمة والد أبي عبد الرحمن من "التهذيب" (٣) أن ابن معين قال: " .. ما أعرفه، وهو والد الشافعي الأعمى".
الخامس: إذا رأى في الترجمة "وثَّقه فلان"، أو "ضعَّفه فلان"، أو "كذَّبه فلان" فليبحث عن عبارة فلان، فقد لا يكون قال: "هو ثقة" أو "هو ضعيف"،
стр. 162
أو "هو كذاب". ففي "مقدمة الفتح" (١) في ترجمة إبراهيم بن سويد بن حيّان المدني: "وثَّقه ابن معين وأبو زرعة". [١/ ٦٥] والذي في ترجمته من "التهذيب" (٢): "قال أبو زرعة: ليس به بأس".
وفي "المقدمة" (٣) في ترجمة إبراهيم بن المنذر الحزامي: "وثَّقه ابن معين ... ، والنسائي". والذي في ترجمته من "التهذيب" (٤): "قال عثمان الدارمي: رأيتُ ابنَ معين كتب عن إبراهيم بن المنذر أحاديث ابن وهب، ظننتها المغازي. وقال النسائي: ليس به بأس".
وفي "الميزان" و"اللسان" (٥) في ترجمة معبد بن جمعة: "كذَّبه أبو زرعة الكَشّي". وليس في عبارة أبي زرعة الكَشّي ما يعطي هذا، بل فيها أنه ثقة في الحديث (٦). وقد شرحتُ ذلك في ترجمة معبد من قسم التراجم (٧).
السادس: أصحاب الكتب كثيرًا ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار، أو غيره؛ وربما يخلّ ذلك بالمعنى، فينبغي أن يراجع عدة كتب، فإذا وجد اختلافًا بحث عن العبارة الأصلية ليبني عليها.
стр. 163
السابع: قال ابن حجر في "لسان الميزان" (ج ١ ص ١٧) (١): "وينبغي أن يتأمل أيضًا أقوال المزكّين ومخارجها ... فمن ذلك أن الدوريّ قال: [سُئل ابن معين عن محمد بن إسحاق فقال: ثقة، فحكى غيره] (٢) عن ابن معين أنه سئل عن ابن (٣) إسحاق، وموسى بن عبيدة الرَّبَذي: أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة. وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده فقال: صدوق وليس بحجة. ومثله أن أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك: يونس، أو عُقيل؟ فقال: عُقيل لا بأس به، وهو يريد تفضليه على يونس. وسئل عن عُقيل، وزَمْعة بن صالح، فقال: عُقيل ثقة متقن. وهذا حكم على (٤) اختلاف السؤال. وعلى هذا يُحْمل أكثر ما ورد من اختلاف أئمة الجرح (٥) والتعديل ممن وثَّق رجلًا في وقت، وجرَّحه في وقت آخر ... " (٦).
أقول: وكذلك ما حكوا من كلام مالك في ابن إسحاق (٧)، إذا حُكِيت القصة على وجهها تبيَّن أن كلمة مالك فلتةُ لسان عند سَورة غضب، لا يقصد بها الحكم. وكذلك ما حكوه عن ابن معين أنه قال لشجاع بن الوليد: "يا
стр. 164
كذاب". فحملها ابن حجر على المزاح (١).
ومما يدخل في هذا أنهم قد يضعِّفون الرجل بالنسبة إلى بعض شيوخه، أو إلى بعض الرواة [١/ ٦٦] عنه، أو بالنسبة إلى ما رواه من حفظه، أو بالنسبة إلى ما رواه بعد اختلاطه؛ وهو عندهم ثقة فيما عدا ذلك. فإسماعيل بن عياش ضعَّفوه فيما روى عن غير الشاميين (٢). وزهير بن محمد ضعَّفوه فيما رواه عنه الشاميون (٣). وجماعة آخرون ضعَّفوهم في بعض شيوخهم، أو فيما رووه بعد الاختلاط.
ثم قد يُحكى التضعيف مطلقًا، فيتوهَّم أنهم ضعَّفوا ذلك الرجل في كل شيء. ويقع نحو هذا في التوثيق. راجع ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود (٤). قال أحمد مرة: ثقة. وكذا قال ابن معين. ثم بيَّن كلٌّ منهما مرة أنه اختلط. وزاد ابن معين، فبيَّن أنه كان كثير الغلط عن بعض شيوخه، غير صحيح الحديث عنهم.
ومن ذلك أن المحدِّث قد يُسأل عن رجل، فيحكم عليه بحسب ما عَرف من مجموع حاله. ثم قد يسمع له حديثًا، فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في ذاك الحديث. ثم قد يسمع له حديثًا آخر، فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في هذا الحديث الثاني. فيظهر بين كلامه في هذه
стр. 165
المواضع بعض الاختلاف. وقع مثل هذا للدارقطني في "سننه" (١) وغيرها، وترى بعض الأمثلة في ترجمة الدارقطني من قسم التراجم (٢). وقد يُنْقَل الحكم الثاني أوالثالث وحده، فيتوهم أنه حكمٌ مُطْلق.
الثامن: ينبغي أن يُبْحَث عن معرفة الجارح أو المعدِّل بمن جرَّحه أو عدَّله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستُهم له وتمكَّنت معرفتُهم به، بل قد يتكلم أحدُهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيءٌ من حديثه، وفيمن كان قبله بمدّة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه، ومنهم من يجاوز ذلك.
فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاريَّ سمَّاه في "تاريخه" من القدماء وإن لم يَعرف ما روى، وعمّن روى، ومَن روى عنه. ولكن ابن حبان يشدّد، وربما تعنَّت فيمن وجد في روايته ما استنكره، وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا. والعجليُّ قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد.
وابنُ معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثّقون مَن كان من التابعين أو أتباعهم، إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة؛ بأن يكون له فيما يروي متابع أو
стр. 166
شاهد (١)، وإن لم يرو عنه إلّا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث [١/ ٦٧] واحد. فممن وثّقه ابنُ معين مِن هذا الضّرْب: الأسقع بن الأسلع، والحَكَم بن عبد الله البلَوي، ووهب بن جابر الخَيواني وآخرون. وممن وثقه النسائيُّ: رافع بن إسحاق، وزهير بن الأقمر، وسعد بن سمرة وآخرون.
وقد روى العوّام بن حَوشب، عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص حديثًا (٢). ولا يُعرف الأسود وحنظلة إلا في تلك الرواية، فوثَّقهما ابن معين (٣). وروى همام، عن قتادة، عن قدامة بن وَبَرة، عن سمرة بن جندب حديثًا (٤). ولا يُعرف قدامة إلا في هذه الرواية، فوثَّقه ابن معين (٥)، مع أن الحديث غريب وله علل أخرى راجع "سنن البيهقي" (ج ٣ ص ٢٤٨).
ومن الأئمة من لا يوثِّق مَن تقدَّمه حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة، وتكثُر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت مَلَكة لذاك الراوي. وهذا كله يدل على أن جلَّ اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سَبْر حديث الراوي. وقد صرّح ابنُ حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة،
стр. 167
حتى يتبين منهم ما يوجب القدح. نص على ذلك في "الثقات" (١). وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (ج ١ ص ١٤) (٢) واستغربه. ولو تدبَّر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبَّع أحدُهم أحاديثَ الراوي، فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط، ولَم يبلغه ما يوجب طعنًا في دينه= وثَّقه، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف (٣) وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره.
وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا فسمع منه مجلسًا، أو ورد بغدادَ شيخٌ فسمع منه مجلسًا، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة، ثم سئل عن الشيخ= وثَّقه. وقد يتفق أن يكون الشيخ دجالًا استقبل ابنَ معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلَّط قبل ذلك، أو يخلِّط بعد ذلك. ذكر ابن الجنيد (٤) أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي، فقال: "ما كان [١/ ٦٨] به بأس". فحكى له عنه أحاديث تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ
стр. 168
روى هذا فهو كذّاب، وإلا فإني رأيت الشيخ مستقيمًا". وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة وقد كتبت عنه" (١). وقد كذَّبه أحمد، وقال: "أحاديثه موضوعة". وقال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة" (٢).
وهكذا يقع في التضعيف، ربما يجرح أحدهم الراوي لحديث واحد استنكره، وقد يكون له عذر.
ورد ابنُ معين مصر، فدخل على عبد الله بن [عبد] الحكم، فسمعه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان. وعدَّ جماعةً روى عنهم قصة. فقال ابن معين: "حدَّثك بعضُ هؤلاء بجميعه وبعضُهم ببعضه؟ " فقال: "لا، حدثني جميعُهم بجميعه"، فراجعه، فأصرَّ. فقام يحيى، وقال للناس: "يكذب" (٣).
ويظهر لي أن عبد الله إنما أراد أن كلًّا منهم حدَّثه ببعض القصة، فجمع ألفاظهم. وهي قصة في شأن عمر بن عبد العزيز، ليست بحديث، فظن يحيى أن مراده أن كلًّا منهم حدَّثه بالقصة بتمامها على وجهها، فكذَّبه في ذلك. وقد أساء الساجيُّ إذ اقتصر في ترجمة عبد الله على قوله: "كذّبه ابنُ
стр. 169
معين" (١).
وبلغ ابنَ معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوري يحدِّث عن عبد الرزاق بحديث استنكره يحيى، فقال: "من هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدِّث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ " وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا، فقام فقال: "هو ذا أنا". فتبسَّم يحيى، وقال: "أما إنك لست بكذاب ... " (٢).
وقال ابن عمار في إبراهيم بن طهمان: "ضعيف مضطرب الحديث" فبلغ ذلك صالح بن محمد الحافظ الملقب جَزَرة، فقال: "ابن عمار من أين يعرف إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة ... والغلط فيه من غير إبراهيم" (٣).
التاسع: ليبحث عن رأي كلِّ إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه، مستعينًا على ذلك بتتبع كلامه في الرواة، واختلاف الرواية عنه في بعضهم، مع مقارنة كلامه بكلام غيره.
فقد عرفنا في الأمر السابق (٤) رأيَ بعضِ من يوثِّق المجاهيل من
стр. 170
القدماء إذا وَجَد حديثَ الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثًا واحدًا لم يروه عن ذاك المجهول إلا واحد. فإن شئتَ فاجعل [١/ ٦٩] هذا رأيًا لأولئك الأئمة كابن معين، وإن شئت فاجعله اصطلاحًا في كلمة "ثقة"، كأن يُراد بها استقامة ما بلغ الموثِّقَ من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة.
وقد اختلف كلام ابن معين في جماعة، يوثِّق أحدهم تارة ويضعِّفه أخرى. منهم: إسماعيل بن زكريا الخُلقاني، وأشعث بن سوَّار، والجرَّاح بن مليح الرؤاسي، وحَرْب (١) بن أبي العالية، والحسن بن يحيى الخُشَني، والزبير بن سعيد، وزهير بن محمد التميمي، وزيد بن حِبّان الرقي، وسَلْم العلوي، وعافية القاضي، وعبد الله بن (٢) الحسين أبو حَريز، وعبد الله بن عقيل أبو عقيل، وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وعبد الله بن واقد أبو قتادة الحراني، وعبد الواحد بن غياث، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهم.
وجاء عنه توثيق جماعة ضعَّفهم الأكثرون. منهم: تمام بن نجيح، ودَرَّاج بن سمعان، والربيع بن حبيب الملاح، وعبَّاد بن كثير الرملي، ومسلم بن خالد الزَّنْجي، ومسلمة بن علقمة، وموسى بن يعقوب الزَّمْعي، ومؤمَّل بن إسماعيل، ويحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني. وهذا يشعر بأن ابن
стр. 171
معين كان ربما يطلق كلمة "ثقة"، لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمّد الكذب.
وقد يقول ابن معين في الراوي مرة: "ليس بثقة"، ومرة: "ثقة" أو: "لا بأس به"، أو نحو ذلك. (راجع تراجم جعفر بن ميمون التميمي، وزكريا بن منظور، ونوح بن جابر). وربما يقول في الراوي: "ليس بثقة" ويوثقه غيرُه. (راجع تراجم عاصم بن علي، وفُلَيح بن سليمان، وابنه محمد بن فُليح، ومحمد بن كثير العبدي". وهذا قد يشعر بأن ابن معين قد يطلق كلمة "ليس بثقة" على معنى أن الراوي ليس بحيث يقال فيه: "ثقة" على المعنى المشهور لكلمة "ثقة".
فأما استعمال كلمة "ثقة" على ما هو دون معناها المشهور، فيدل عليه ــ مع ما تقدم ــ أن جماعة يجمعون بينها وبين التضعيف. قال أبو زرعة في عمر بن عطاء بن وَرَاز: "ثقة لين" (١). وقال العجلي (٢) في القاسم أبي عبد الرحمن الشامي: "ثقة يُكتب حديثه، وليس بالقوي". وقال ابن سعد في جعفر بن سليمان الضُّبَعي: "ثقة وبه ضعف" (٣). وقال ابن معين في عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم: "ليس به بأس، وهو ضعيف" (٤). وقد ذكروا
стр. 172
أن ابن معين يطلق كلمة: "ليس به بأس" بمعنى "ثقة" (١). وقال يعقوب بن شيبة في ابن أنْعُم هذا: "ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق، [١/ ٧٠] رجل صالح" (٢). وفي الربيع بن صَبيح: "صالح صدوق ثقة، ضعيف جدًّا" (٣).
وراجع تراجم إسحاق بن يحيى بن طلحة، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن عمر بن جعفر بن عاصم، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وعبد السلام بن حرب، وعليّ بن زيد بن جُدعان، ومحمد بن مسلم بن تَدْرُس، ومؤمَّل بن إسماعيل، ويحيى بن يمان.
وقال يعقوب بن سفيان في أجْلَح: "ثقة، حديثه لين" (٤). وفي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، ليِّن الحديث عندهم" (٥).
وأما كلمة "ليس بثقة" فقد روى بشر بن عمر عن مالك إطلاقها في جماعة، منهم صالح مولى التوأمة، وشعبة مولى ابن عباس. وفي ترجمة مالك من "تقدمة الجرح والتعديل" (٦) لابن أبي حاتم عن يحيى القطان أنه سأل مالكًا عن صالح هذا، فقال: "لم يكن من القُرّاء". وسأله عن شعبة هذا
стр. 173
فقال: "لم يكن من القراء". فأما صالح فأثنى عليه أحمد وابن معين وذكر أنه اختلط بأخرة، وأن مالكًا إنما أدركه بعد الاختلاط. وأما شعبة مولى ابن عباس فقال أحمد: "ما أرى به بأسًا". وكذا قال ابن معين. وقال البخاري: "يتكلم فيه مالك ويحتمل منه". قال ابن حجر (١): "قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: قوله: "ويحتمل منه". يعني من شعبة، وليس هو ممن يُترك حديثه. قال: ومالك لم يضعِّفه، وإنما شح عليه بلفظة ثقة. قلت: هذا التأويل غير شائع، بل لفظة: "ليس بثقة" في الاصطلاح توجب الضعف الشديد. وقد قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر".
أقول: ابن حِبّان كثيرًا ما يهوِّل مثل هذا التهويل في غير محلِّه، كما يأتي في ترجمته وترجمة محمد بن الفضل من قسم التراجم (٢). وكلمة: "ليس بثقة" حقيقتها اللغوية نفيُ أن يكون بحيث يقال له: "ثقة". ولا مانع من استعمالها بهذا المعنى، وقد ذكرها الخطيب في"الكفاية" (٣) في أمثلة الجرح غير المفسر. واقتصار مالك في رواية يحيى القطان على قوله: "لم يكن من القراء" يُشعر بأنه أراد هذا المعنى. نعم، إذا قيل: "ليس بثقة ولا مأمون" تعيَّن الجرح الشديد. وإن اقتصر على "ليس بثقة" فالمتبادر جرح شديد، ولكن إذا كان هناك ما يُشعر بأنها اسْتُعملت في المعنى الآخر حُمِلت عليه.
стр. 174
وهكذا كلمة: "ثقة"، معناها المعروف: التوثيق التام، [١/ ٧١] فلا تُصرف عنه إلا بدليل، إما قرينة لفظية كقول يعقوب: "ضعيف الحديث وهو ثقة صدوق" وبقية الأمثلة السابقة. وإما حالية منقولة، أو مستدَلّ عليها بكلمة أخرى عن قائلها، كما مرَّ في الأمر السابع عن "لسان الميزان"، أو عن غيره، ولاسيّما إذا كانوا هم الأكثر.
فتدبَّرْ ما تقدَّم، وقابِلْه بما قاله الكوثري في "الترحيب" (ص ١٥) قال: "وكم من راو يوثّق ولا يحتج به، كما في كلام يعقوب الفسوي. بل كم ممن يوصف بأنه صدوق، ولا يُعَدُّ ثقة، كما قال ابن مهدي: أبو خَلْدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة".
وعلى الأستاذ مؤاخذات:
الأولى: أنه ذكر هذا في معرض الاعتذار، وأنا لم أناقشه فيما قام الدليل فيه.
الثانية: أن كلمة يعقوب التي أشار إليها هي قوله: "كتبتُ عن ألف شيخ وكسر، كلهم ثقات، ما أحد منهم أتخذه عند الله حجة، إلا أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل بالعراق" (١). أوردتها في "الطليعة" (ص ٢١) إلى قوله: "ثقات". ذكرت ذلك من جملة الشواهد على أن شيخ يعقوب في ذاك السند هو أحمد بن الخليل الموثَّق، لا أحمد بن الخليل المجروح، فزعم الأستاذ في "الترحيب" أنني اقتصرت على أول العبارة، لأوهم أن شيخ يعقوب في ذاك السند ثقة يحتج به! وهذا كما ترى:
стр. 175
أولًا: لأن سياق كلامي هناك واضح في أني إنما أردت تعيين شيخ يعقوب، فأما الاحتجاج وعدمه فلا ذِكْر له هناك.
ثانيًا: لأن بقية عبارة يعقوب لا تعطي أن شيوخه كلهم غير الأحمدين لا يحتج بأحد منهم في الرواية. كيف وفيهم أئمة أجلة قد احتج براويتهم الأحمدان أنفسهما، بل قام الإجماع على ذلك؟ وإنما أراد يعقوب بالحجة عند الله مَن يؤخذ بروايته ورأيه وقوله وسيرته.
الثالثة: أن كلمة ابن مهدي لا توافق مقصود الأستاذ، فإنها تعطي بظاهرها أن كلمة "ثقة" إنما تطلق على أعلى الدرجات كشعبة وسفيان. ومع العلم بأن ابن مهدي وجميع الأئمة يحتجون برواية عدد لا يحصون ممن هم دون شعبة وسفيان بكثير، فكلمته تلك تعطي بظاهرها أن من [١/ ٧٢] كان دون شعبة وسفيان فإنه وإن كان عدلًا ضابطًا تقوم الحجة بروايته فلا يقال له: "ثقة"، بل يقال: "صدوق" ونحوها. وأين هذا من مقصود الأستاذ؟
الرابعة: أن كلمة ابن مهدي بظاهرها منتقدة من وجهين:
الأول: أنه وكافة الأئمة قبله وبعده يطلقون كلمة "ثقة" على العدل الضابط، وإن كان دون شعبة وسفيان بكثير.
الثاني: أن أبا خَلْدة قد قال فيه يزيد بن زُرَيع والنسائي وابن سعد والعجلي والدارقطني: "ثقة". وقال ابن عبد البر: "هو ثقة عند جميعهم، وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ".
وأصل القصة: أن ابن مهدي كان يحدِّث فقال: "حدثنا أبو خلدة". فقال له رجل: "كان ثقة؟ " فأجاب ابن مهدي بما مر. فيظهر لي: أن السائل فخَّم
стр. 176
كلمة: "ثقة"، ورفع يده وشدَّها، بحيث فهم ابن مهدي أنه يريد أعلى الدرجات، فأجابه بحسب ذلك. فقوله: "الثقة شعبة وسفيان" أراد به الثقة الكامل الذي هو أعلى الدرجات. وذلك لا ينفي أن يقال في مَن دون شعبة وسفيان: "ثقة" على المعنى المعروف. وهذا بحمد الله تعالى ظاهر، وإن لم أر مَن نبَّه عليه.
وقريب منه أن المرُّوذي (١) قال: "قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ فقال: ما تقول؟ إنما الثقة يحيى القطان". وقد وثَّق أحمد مئات من الرواة يعلم أنهم دون يحيى القطان بكثير.
الخامسة: أن قيام الدليل على إطلاق بعضهم في بعض المواضع كلمة: "ثقة" ــ كما قدمت أنا أمثلته ــ لا يسوِّغ أن تحمل على ذلك المعنى حيث لا دليل.
العاشر: إذا (٢) جاء في الراوي جرح وتعديل فينبغي البحث عن ذاتِ بينِ الراوي وجارحه أو معدِّله من نُفرة أو محبة. وقد مرَّ إيضاح ذلك في القاعدة الرابعة (٣).
* * * *
стр. 177
[١/ ٧٣] ٧ - إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل ؟
قد ينقل في راو جرح وتعديل، ولكننا إذا بحثنا بمقتضى القاعدة السابقة سقط أحدهما، أو تبين أنه إنما أريد به ما لا يخالف الآخر، فهاتان الصورتان خارجتان عن هذه القاعدة. فأما إذا ثبت في الرجل جرح وتعديل متخالفان، فالمشهور في ذلك قضيتان:
الأولى: أن الجرح إذا لم يبيَّن سببه فالعمل على التعديل. وهذا إنما يطرد في الشاهد، لأن معدِّله يعرف أن القاضي إنما يسأله ليحكم بقوله، ولأن شرطه معرفته بسيرة الشاهد معرفة خبرة، ولأن القاضي يستفسر الجارح كما يجب؛ فإذا أبى أن يفسِّر كان إباؤه موهنًا لجرحه.
فأما الراوي فقد يكون المثني عليه لم يقصد الحكم بثقته، وقد يكون الجرح متعلقًا بالعدالة مثل: "هو فاسق". والتعديل مطلق، والمعدِّل غير خبير بحال الراوي، وإنما اعتمد على سبر ما بلغه من أحاديثه. وذلك كما لو قال مالك في مدني: "هو فاسق"، ثم جاء ابن معين فقال: "هو ثقة". وقد يكون المعدِّل إنما اجتمع بالراوي مدة يسيرة، فعدَّله بناء على أنه رأى أحاديثه مستقيمة؛ والجارح من أهل بلد الراوي.
وذلك كما لو حجَّ رازيّ، فاجتمع به ابن معين ببغداد، فسمع منه مجلسًا، فوثَّقه، ويكون أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان قد قالا فيه: "ليس بثقة ولا مأمون". ففي هذه الأمثلة لا يخفى أن الجرح أولى أن يؤخذ به.
فالتحقيق أن كلًّا من التعديل والجرح الذي لم يبيَّن سببُه يحتمل وقوع الخلل فيه. والذي ينبغي أن يؤخذ به منهما هو ما كان احتمال الخلل فيه أبعد
стр. 178
من احتماله في الآخر، وهذا يختلف ويتفاوت باختلاف الوقائع. والناظر في زماننا لا يكاد يتبين له الفصل في ذلك إلا بالاستدلال بصنيع الأئمة، كما إذا وجدنا البخاري ومسلمًا قد احتجّا أو أحدُهما براو سبق ممن قبلهما فيه جرحٌ غير مفسَّر، فإنه يظهر لنا رجحان التعديل غالبًا، وقس على ذلك. وهذا تفصيل ما تقدم في القاعدة الخامسة (١) عن ابن الصلاح وغيره. لكن ينبغي النظر في كيفية رواية الشيخين عن الرجل، فقد يحتجّان أو أحدُهما بالراوي في شيء دون شيء، وقد لا يحتجان به، وإنما يُخرِّجان له ما توبع عليه. ومن تتبع ذلك وأنعم فيه النظر علم أنهما في الغالب لا يهملان الجرح البتة، [١/ ٧٤] بل يحملانه على أمر خاص، أو على لينٍ في الراوي لا يحطه عن الصلاحية به فيما ليس مظنة الخطأ، أو فيما توبع عليه ونحو ذلك. راجع الفصل التاسع من "مقدمة فتح الباري" (٢).
القضية الثانية: أن الجرح إذا كان مفسَّرًا، فالعمل عليه. وهذه القضية يُعرَف ما فيها بمعرفة دليلها، وهو ما ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص ١٠٥) (٣) قال: "والعلةُ في ذلك أن الجارح يخبر عن أمر باطن قد عَلِمه، ويصدِّق المعدّل، ويقول له: قد علمتَ من حاله الظاهرة ما علمتَها، وتفردتُ بعلمٍ لم تعلمه من اختبار أمره. وإخبارُ المعدِّل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح ...
стр. 179
ولأن مَن عمل بقول الجارح لم يتهم المزكِّي، ولم يخرجه بذلك عن كونه عدلًا. ومتى لم نعمل بقول الجارح كان في ذلك تكذيب له ونقض لعدالته، وقد علم أن حاله في الأمانة مخالفة لذلك".
أقول: ظاهر كلام الخطيب أن الجرح المبيَّن السبب مقدَّم على التعديل، بل يظهر مما تقدم عنه في القاعدة الخامسة (١) من قبول الجرح المجمل إذا كان الجارح عارفًا بالأسباب واختلاف العلماء أنَّ الجارح إذا كان كذلك قُدِّم جرحُه الذي لم يبيِّن سببَه على التعديل، لكن جماعة من أهل العلم قيدوا الجرحَ الذي يقدَّم على التعديل بأن يكون مفسّرًا. والدليل المذكور يرشد إلى الصواب، فقول الجارح العارف بالأسباب والاختلاف: "ليس بعدل"، أو "فاسق"، أو "ضعيف"، أو "ليس بشيء"، أو "ليس بثقة"، هل يجب أن لا يكون إلا عن علم بسببٍ موجِب للجرح إجماعًا؟ أوَ لا يحتمل أن يكون جهِلَ، أو غفل، أو ترجح عنده ما لا نوافقه عليه؟ أوَ ليس في كلّ مذهب اختلافٌ بين فقهائه فيما يوجب الفسق؟
فإن بيَّن السبب فقال مثلًا: "قاذف"، أو قال المحدث: "كذاب"، أو "يدعي السماع ممن لم يسمع منه"، أفليس إذا كان المتكلَّم فيه راويًا قد لا يكون المتكلِّم قصد الجرحَ، وإنما هي فلتة لسان عند ثورة (٢) غضب، أو كلمة قصد بها غير ظاهرها بقرينة الغضب؟ أوَ لم يختلف الناس في بعض الكلمات أقَذْفٌ هي أم لا؟ حتى إن فقهاء المذهب الواحد قد يختلفون في بعضها. أوَ ليس قد يستند الجارح إلى شيوع خبر قد يكون أصله كذبة فاجر
стр. 180
أو قرينة واهية كما في قصة الإفك؟ وقد يستند المحدِّث إلى خبر واحد يراه ثقة، وهو عند غيره غير ثقة. أوَ ليس قد يبني المحدِّث كلمة: "كذاب"، أو "يضع الحديث"، أو "يدعي السماع ممن لم يسمع منه" على اجتهاد يحتمل الخطأ؟ فإن فصَّل الجارحُ القذفَ [١/ ٧٥] أفليس قد يكون القذف لمستحقه؟ أوَ ليس قد يكون فلتة لسان عند سورة غضب، كما وقع من محمد بن الزبير، أو من أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرُس على ما رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة (١)، وكما وقع من أبي حصين عثمان بن عاصم فيما ذكره وكيع وإن كانت الحكاية منقطعة؟ (٢).
إذا تدبرتَ هذا علمتَ أنه لا يستقيم ما استدل به الخطيب إلا حيث يكون الجرح مبيَّنًا مفسَّرًا مثبتًا مشروحًا بحيث لا يظهر دفعه إلا بنسبة الجارح إلى تعمّد الكذب، ويظهر أن المعدِّل لو وقف عليه لما عدَّل. فما كان هكذا، فلا ريب أن العمل فيه على الجرح، وإن كثر المعدِّلون. وأما ما دون ذلك فعلى ما تقدم في القضية الأولى.
* * * *