← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كلمة: "ثقة"، ورفع يده وشدَّها، بحيث فهم ابن مهدي أنه يريد أعلى الدرجات، فأجابه بحسب ذلك. فقوله: "الثقة شعبة وسفيان" أراد به الثقة الكامل الذي هو أعلى الدرجات. وذلك لا ينفي أن يقال في مَن دون شعبة وسفيان: "ثقة" على المعنى المعروف. وهذا بحمد الله تعالى ظاهر، وإن لم أر مَن نبَّه عليه. وقريب منه أن المرُّوذي (١) قال: "قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ فقال: ما تقول؟ إنما الثقة يحيى القطان". وقد وثَّق أحمد مئات من الرواة يعلم أنهم دون يحيى القطان بكثير. الخامسة: أن قيام الدليل على إطلاق بعضهم في بعض المواضع كلمة: "ثقة" ــ كما قدمت أنا أمثلته ــ لا يسوِّغ أن تحمل على ذلك المعنى حيث لا دليل. العاشر: إذا (٢) جاء في الراوي جرح وتعديل فينبغي البحث عن ذاتِ بينِ الراوي وجارحه أو معدِّله من نُفرة أو محبة. وقد مرَّ إيضاح ذلك في القاعدة الرابعة (٣). * * * *

стр. 177

[١/ ٧٣] ٧ - إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل ؟ قد ينقل في راو جرح وتعديل، ولكننا إذا بحثنا بمقتضى القاعدة السابقة سقط أحدهما، أو تبين أنه إنما أريد به ما لا يخالف الآخر، فهاتان الصورتان خارجتان عن هذه القاعدة. فأما إذا ثبت في الرجل جرح وتعديل متخالفان، فالمشهور في ذلك قضيتان: الأولى: أن الجرح إذا لم يبيَّن سببه فالعمل على التعديل. وهذا إنما يطرد في الشاهد، لأن معدِّله يعرف أن القاضي إنما يسأله ليحكم بقوله، ولأن شرطه معرفته بسيرة الشاهد معرفة خبرة، ولأن القاضي يستفسر الجارح كما يجب؛ فإذا أبى أن يفسِّر كان إباؤه موهنًا لجرحه. فأما الراوي فقد يكون المثني عليه لم يقصد الحكم بثقته، وقد يكون الجرح متعلقًا بالعدالة مثل: "هو فاسق". والتعديل مطلق، والمعدِّل غير خبير بحال الراوي، وإنما اعتمد على سبر ما بلغه من أحاديثه. وذلك كما لو قال مالك في مدني: "هو فاسق"، ثم جاء ابن معين فقال: "هو ثقة". وقد يكون المعدِّل إنما اجتمع بالراوي مدة يسيرة، فعدَّله بناء على أنه رأى أحاديثه مستقيمة؛ والجارح من أهل بلد الراوي. وذلك كما لو حجَّ رازيّ، فاجتمع به ابن معين ببغداد، فسمع منه مجلسًا، فوثَّقه، ويكون أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان قد قالا فيه: "ليس بثقة ولا مأمون". ففي هذه الأمثلة لا يخفى أن الجرح أولى أن يؤخذ به. فالتحقيق أن كلًّا من التعديل والجرح الذي لم يبيَّن سببُه يحتمل وقوع الخلل فيه. والذي ينبغي أن يؤخذ به منهما هو ما كان احتمال الخلل فيه أبعد

стр. 178

من احتماله في الآخر، وهذا يختلف ويتفاوت باختلاف الوقائع. والناظر في زماننا لا يكاد يتبين له الفصل في ذلك إلا بالاستدلال بصنيع الأئمة، كما إذا وجدنا البخاري ومسلمًا قد احتجّا أو أحدُهما براو سبق ممن قبلهما فيه جرحٌ غير مفسَّر، فإنه يظهر لنا رجحان التعديل غالبًا، وقس على ذلك. وهذا تفصيل ما تقدم في القاعدة الخامسة (١) عن ابن الصلاح وغيره. لكن ينبغي النظر في كيفية رواية الشيخين عن الرجل، فقد يحتجّان أو أحدُهما بالراوي في شيء دون شيء، وقد لا يحتجان به، وإنما يُخرِّجان له ما توبع عليه. ومن تتبع ذلك وأنعم فيه النظر علم أنهما في الغالب لا يهملان الجرح البتة، [١/ ٧٤] بل يحملانه على أمر خاص، أو على لينٍ في الراوي لا يحطه عن الصلاحية به فيما ليس مظنة الخطأ، أو فيما توبع عليه ونحو ذلك. راجع الفصل التاسع من "مقدمة فتح الباري" (٢). القضية الثانية: أن الجرح إذا كان مفسَّرًا، فالعمل عليه. وهذه القضية يُعرَف ما فيها بمعرفة دليلها، وهو ما ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص ١٠٥) (٣) قال: "والعلةُ في ذلك أن الجارح يخبر عن أمر باطن قد عَلِمه، ويصدِّق المعدّل، ويقول له: قد علمتَ من حاله الظاهرة ما علمتَها، وتفردتُ بعلمٍ لم تعلمه من اختبار أمره. وإخبارُ المعدِّل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح ...

стр. 179

ولأن مَن عمل بقول الجارح لم يتهم المزكِّي، ولم يخرجه بذلك عن كونه عدلًا. ومتى لم نعمل بقول الجارح كان في ذلك تكذيب له ونقض لعدالته، وقد علم أن حاله في الأمانة مخالفة لذلك". أقول: ظاهر كلام الخطيب أن الجرح المبيَّن السبب مقدَّم على التعديل، بل يظهر مما تقدم عنه في القاعدة الخامسة (١) من قبول الجرح المجمل إذا كان الجارح عارفًا بالأسباب واختلاف العلماء أنَّ الجارح إذا كان كذلك قُدِّم جرحُه الذي لم يبيِّن سببَه على التعديل، لكن جماعة من أهل العلم قيدوا الجرحَ الذي يقدَّم على التعديل بأن يكون مفسّرًا. والدليل المذكور يرشد إلى الصواب، فقول الجارح العارف بالأسباب والاختلاف: "ليس بعدل"، أو "فاسق"، أو "ضعيف"، أو "ليس بشيء"، أو "ليس بثقة"، هل يجب أن لا يكون إلا عن علم بسببٍ موجِب للجرح إجماعًا؟ أوَ لا يحتمل أن يكون جهِلَ، أو غفل، أو ترجح عنده ما لا نوافقه عليه؟ أوَ ليس في كلّ مذهب اختلافٌ بين فقهائه فيما يوجب الفسق؟ فإن بيَّن السبب فقال مثلًا: "قاذف"، أو قال المحدث: "كذاب"، أو "يدعي السماع ممن لم يسمع منه"، أفليس إذا كان المتكلَّم فيه راويًا قد لا يكون المتكلِّم قصد الجرحَ، وإنما هي فلتة لسان عند ثورة (٢) غضب، أو كلمة قصد بها غير ظاهرها بقرينة الغضب؟ أوَ لم يختلف الناس في بعض الكلمات أقَذْفٌ هي أم لا؟ حتى إن فقهاء المذهب الواحد قد يختلفون في بعضها. أوَ ليس قد يستند الجارح إلى شيوع خبر قد يكون أصله كذبة فاجر

стр. 180

أو قرينة واهية كما في قصة الإفك؟ وقد يستند المحدِّث إلى خبر واحد يراه ثقة، وهو عند غيره غير ثقة. أوَ ليس قد يبني المحدِّث كلمة: "كذاب"، أو "يضع الحديث"، أو "يدعي السماع ممن لم يسمع منه" على اجتهاد يحتمل الخطأ؟ فإن فصَّل الجارحُ القذفَ [١/ ٧٥] أفليس قد يكون القذف لمستحقه؟ أوَ ليس قد يكون فلتة لسان عند سورة غضب، كما وقع من محمد بن الزبير، أو من أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرُس على ما رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة (١)، وكما وقع من أبي حصين عثمان بن عاصم فيما ذكره وكيع وإن كانت الحكاية منقطعة؟ (٢). إذا تدبرتَ هذا علمتَ أنه لا يستقيم ما استدل به الخطيب إلا حيث يكون الجرح مبيَّنًا مفسَّرًا مثبتًا مشروحًا بحيث لا يظهر دفعه إلا بنسبة الجارح إلى تعمّد الكذب، ويظهر أن المعدِّل لو وقف عليه لما عدَّل. فما كان هكذا، فلا ريب أن العمل فيه على الجرح، وإن كثر المعدِّلون. وأما ما دون ذلك فعلى ما تقدم في القضية الأولى. * * * *

стр. 181

٨ - قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ... قال البخاري في "جزء القراءة" (١): "والذي يُذكر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يبين ... ولو صح ... فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء واحد، ولا يتهمه في الأمور كلها. وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فُليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما في "الموطأ"، وهما مما يحتج بحديثهما. ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم نحو ما يُذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمن كان قبلهم، وتأويل بعضهم في العرض والنفس. ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيانٍ وحجة، ولم يسقط عدالتهم إلا ببرهان (٢) وحجة ... وقال بعضُ أهل المدينة: إن الذي يذكر عن هشام بن عروة قال: كيف يدخل ابن إسحاق على امرأتي؟ لو صح عن هشام جائز أن تكتب إليه ... وجائزٌ أن يكون سمع منها وبينهما حجاب، وهشام لم يشهد". وفي "فتح المغيث" للسخاوي (ص ١٣٠) (٣) عن محمد بن نصر المروزي: "كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبيِّن ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير جرحة". وفي ترجمة عكرمة من "مقدمة فتح الباري" (٤) عن ابن جرير: "من

стр. 182

ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن وبقول فلان لمولاه: [١/ ٧٦] "لا تكذب عليَّ"، وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجَّهه إليه أهل الغباوة". وقال ابن عبد البر (١): "الصحيح في هذا الباب: أن مَن صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته (٢)، وبانت ثقته وعنايته بالعلم؛ لم يُلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته ببيّنة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها (٣) من المشاهدة والمعاينة". قال السخاوي في "فتح المغيث" (٤): " .. ليس المراد إقامة بينة على جرحه، بل المعنى أنه يستند في جرحه إلى ما يستند إليه الشاهد في شهادته، وهو المشاهدة ونحوها". قد يقال: إن كان المراد بثبوت العدالة أن يتقدم التعديل والحكم به والعمل بحسبه على الجرح، فهذا إنما يكثر في الشهود. وإن كان المراد بثبوتها حصول تعديل على أيِّ حالٍ كان، فهذا لا وجه له. فقد تقدم في القاعدة السادسة (٥) ما يعلم منه أن التعديل يتفاوت، ويحتمل كثير منه الخلل، كما يحتمله الجرح الذي لم يُشرح كل الشرح، أو أشد. ومن تتبع

стр. 183

صنيع أهل العلم تبين له أنهم كثيرًا ما يقدّمون الجرح الذي لم يُشرح كل الشرح على التوثيق، كما في حال إبراهيم بن أبي يحيى والواقدي وغيرهما. وكثيرًا ما يقع للبخاري وغيره القدحُ فيمن لم يدركوه، وقد سبق أن عدَّله معدِّل أو أكثر، ولم يسبق أن جرحه أحد. فأقول: الذي يتحرر أن للعدالة جهتين: الأولى: استقامة السيرة. وثبوت هذا بالنظر إلى هذه القاعدة يظهر (١) فيمن تظهر عدالته، ويعدَّل تعديلًا معتمدًا، وتمضي مدة، ثم يجرح. فأما ما عدا ذلك فالمدار على الترجيح، وقد مرَّ في القاعدة السابقة. الجهة الثانية: استقامة الرواية. وهذا يثبت عند المحدِّث بتتبعه أحاديثَ الراوي، واعتبارِها، وتبيُّنِ أنها كلّها مستقيمة تدل على أن الراوي كان من أهل الصدق والأمانة. وهذا لا يتيسر لأهل عصرنا، لكن إذا كان القادحون في الراوي قد نصوا على ما أنكروه من حديثه، بحيث ظهر أن ما عدا ذلك من حديثه مستقيم، فقد يتيسر لنا أن ننظر في تلك الأحاديث؛ فإذا تبين أن لها مخارج قوية تدفع التهمة عن الراوي فقد ثبتت استقامة روايته. وقد حاولتُ العمل بهذا [١/ ٧٧] في بعض الآتين في قسم التراجم كالحارث بن عمير والهيثم بن جميل (٢). فأما ما عدا هذا، فإننا نحتاج إلى الترجيح، فقد يترجح عندنا استقامة رواية الرجل باحتجاج البخاري به في "صحيحه"؛ لظهور أن البخاري إنما احتجَّ به بعد أن تتبع أحاديثه وسَبَرها

стр. 184

وتبيّن له استقامتها. وقد علمنا مكانة البخاري، وسعة اطلاعه، ونفوذ نظره، وشدّة احتياطه في "صحيحه". وقس على ذلك، وراجع ما تقدم في القواعد السابقة. والله الموفق. هذا وقد تعرَّض ابنُ السبكي في ترجمة أحمد بن صالح من "طبقات الشافعية" (١) لهذه القاعدة، وزاد فيها فقال: "فنقول مثلًا: لا يُلتفت إلى كلام ابن أبي ذئب في مالك، وابن معين في الشافعي، والنسائي في أحمد بن صالح؛ لأن هؤلاء أئمة مشهورون، صار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صحَّ لتوفرت الدواعي على نقله، وكان القاطع قائمًا على كذبه ... ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما: أصل عدالة الإمام المجروح ... ، وأصل عدالة الجارح ... فلا نلتفت إلى جرحه، ولا نجرحه بجرحه. فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات ... فنحن نقبل قول ابن معين ... ولا نقبل قوله في الشافعي، ولو فسَّر وأتى بألف إيضاح؛ لقيام القاطع على أنه غير مُحِقٍّ بالنسبة إليه". أقول: هوَّل على عادته، والإنصاف أن الشافعي لم يكن معصومًا، ولم يقم القاطعُ اليقينيُّ على أنه لم يقع منه ما إذا وقع من الرجل صح أن يُجرح به. ولم يكن الشافعي طول عمره في جميع أحواله لا يزال بحضرته جمٌّ غفير، تقضي العادةُ حتمًا بأنه لو وقع منه شيء مما ذُكِر لتوفّرت الدواعي على نقله. نعم، لو فرضنا أن الجارح ذكر أمرًا يصح أن يقال فيه: لو وقع لتوفرت الدواعي على نقله تواترًا، ولم يكن ذلك، فإنه لا يقبل منه. ولو أن السبكيَّ

стр. 185

ترك أن يفرض ما لم يقع، واعتنى بما وقع في الأمثلة التي ذكرها، وبيَّن وجوهها؛ لأجاد وأفاد. وقد تعرضتُ لما وقفت عليه من ذلك في تراجم أولئك الثلاثة من قسم التراجم (١)، ولله الحمد. * * * *

стр. 186

[١/ ٧٨] ٩ - مباحث في الاتصال والانقطاع المبحث الأول: في رواية الرجل بصيغة محتملة للسماع عمن عاصره، ولم يثبت لقاؤه له . ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" (١) عن بعض أهل عصره: أنه شَرَط أن يثبت لقاء الراوي للمروي عنه ولو مرة، فإن لم يثبت لم يُحكم لما يرويه عنه بالاتصال. وذكروا أن الذي شَرَط ذلك هو البخاري وشيخه عليُّ بن المديني (٢). وحكى مسلم إجماعَ أهل العلم سَلَفًا وخَلَفًا على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفَه أن لا يَحكم بالاتصال فيما لم يصرِّح فيه الراوي بالسماع، وإن ثبت اللقاء في الجملة، ولم يكن الراوي مدلسًا. وتوضيح هذا الإلزام: أنه كما أن الراوي الذي [لم] (٣) يُعرَف ويشتهر بالإرسال عمن عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك، فكذلك الراوي الذي لم يُعرَفْ ويشتهِرْ بالإرسال عمن لقيه وسمع منه قد يقع له شيء من ذلك. فإن كان ذلك الوقوع يوجب التوقف عن الحكم بالاتصال في الأول، فلْيوجِبْه في الثاني. وإن لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في الأول. أجاب النووي (٤) بما إيضاحه: أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن

стр. 187

قد لقيه وسمع منه، الظاهر منها السماع، والاستقراء يدلّ أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع إلا المدلِّس. أقول: فمُسْلِم يقول: الحال هكذا أيضًا في رواية غير المدلس عمن عاصره. والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليسٌ أيضًا عند الجمهور، ومَن لم يطلق عليها ذلك لفظًا لا ينكر أنها تدليس في المعنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه. هذا، وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام. ويوافقه ما في "الكفاية" للخطيب (ص ٣٥٧). وذَكَر مسلم (١) أمثلةً فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه، ولم تُعَدَّ تدليسًا ولا عُدُّوا مدلسين. ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الرواية تدفع ظهور الصيغة في السماع. وقد كنتُ بسطتُ ذلك، ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه. ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن [١/ ٧٩] الشافعي أن التدليس يثبت بمرة (٢)، لأنا نقول: هذا مسلَّم، ولكن محلّه حيث تكون تلك المرة تدليسًا بأن تكون بقصد الإيهام. والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك، بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين.

стр. 188

وزعم النووي في "شرح صحيح مسلم" (١) أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في "صحيحه" بقوله المذكور. وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديثَ كثيرة زعم أنه لم يُصرَّح فيها بالسماع ولا عَلِمَ اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء "صحيحه" تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه، ومنها ستة في "صحيح البخاري" كما ذكره النووي أيضًا. هذا، ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلّا بأن نفيَ مسلمٍ العلمَ باللقاء لا يستلزم عدم علم غيره. وهذا ليس بجواب عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله: إنها عند أهل العلم صحاح. وقد دفعه بعض علماء العصر (٢) بأنه لا يكفي في الردّ على مسلم، مع العلم بسعة اطلاعه. أقول: قد كان على المجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في "صحيح البخاري". وكنتُ أظنهم قد بحثوا، فلم يظفروا بما هو صريح في ردّ دعوى مسلم، فاضطروا إلى الاكتفاء بذاك الجواب الإجمالي. ثم إنني بحثتُ، فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء، بل ثبت في بعضها السماع، بل في "صحيح مسلم" نفسه التصريح بالسماع في حديث منها (٣). وسبحان من لا يضل ولا

стр. 189

ينسى! وأما بقية الأحاديث، فمنها ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك. وزعم بعضُ علماء العصر (١) أن اشتراط البخاري العلم باللقاء إنما هو لما يخرِّجه في "صحيحه" لا للصحة في الجملة. كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدّة من كتبه ك "جزء القراءة" وغيره ما يدفع هذا. والله الموفق. المبحث الثاني: في ضبط المعاصرة المعتدّ بها على قول مسلم. ضَبَطها مسلم بقوله: "كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكن له لقاؤه والسماعُ منه لكونهما كانا في عصر واحد ... " (٢). وجمعُه بين "جائز وممكن" يُشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب [١/ ٨٠] في العادة، والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك. والمعنى يؤكِّد هذا، فإنه قد ثبت أن الصيغة بحسب العُرف ــ ولاسيما عُرف المحدّثين وما جرى عليه عملهم ــ ظاهرة في السماع. فهذا الظهور يحتاج إلى دافع، فمتى لم يُعلم اللقاء، فإن

стр. 190

كان مع ذلك مستبعدًا، الظاهر عدمه، فلا وجه للحمل على السماع؛ لأن ظهور عدم اللقاء يدافع ظهور الصيغة. وقد يكون الراوي عدَّ ظهورَ عدم اللقاء قرينةً على أنه لم يُرد بالصيغة السماع. وإن احتمل اللقاء احتمالًا لا يترجّح أحدُ طرفيه، فظهور الصيغة لا معارض له. فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهرًا بينًا، فلا محيص عن الحكم بالاتصال، وذلك كمدني روى عن عمر، ولم يُعلم لقاؤه له نصًّا، لكنه ثبت أنه ولد قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلًا، فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة عمر في المسجد مرارًا. فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا، كرواية قيس بن سعد المكي عن عمرو بن دينار، فإنه يُحكم باللقاء حتمًا. والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشاميٍّ روى عن يمانٍ، لمجرّد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع. وانظر ما يأتي في الفقهيّات في مسألة القضاء بالشاهد واليمين (١). المبحث الثالث: لا يكفي احتمال المعاصرة ، لكن إذا كان الشيخ غير مسمًّى، ففي كلامهم ما يدلّ على أنه يحكم بالاتصال. وذلك فيما إذا جاءت الرواية عن فلان التابعي "عن رجل من أصحاب النبي ﵌ .. " ونحو ذلك. راجع "فتح المغيث" (ص ٦٢) (٢). والفرق بين التسمية والإبهام: أن ظاهر الصيغة السماع. والثقةُ إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينة، فالمدلّس يعتدّ بأنه قد عُرِف منه

стр. 191

التدليس قرينة. وأما غيره فإذا سمّى شيخًا، ولم يثبت عندنا معاصرته له، فمن المحتمل أنه كان معروفًا عند أصحابه أنه لم يدركه، فاعتدَّ بعلمهم بذلك قرينةً. وأهلُ العلم كثيرًا ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان مَن حدّث عنهم ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف كـ"مراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعتنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته، فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة. فأما إذا أبهم، فلم يسمِّ، فهذا الاحتمال منتف؛ لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عينَ ذلك الصحابي، فكيف يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟ ففي هذا تنتفي القرينة، وإذا انتفت ظهر السماع، وإلا لزم التدليس، والفرضُ عدمُه. هذا ما ظهر لي، وعندي فيه توقّف. [١/ ٨١] المبحث الرابع: اشتراط العلم باللقاء أو بالمعاصرة، إنما هو بالنظر إلى من قُصدت الرواية عنه. فأما من ذُكر عَرَضًا، فالظاهر أنه يكفي فيه الاحتمال. فإذا كان غير مسمّى فالأمر أوضح، لما مرَّ في المبحث السابق، وذلك كما في حديث "الصحيحين" (١) من طريق عبد العزيز بن صُهيب قال: سأل رجل أنس بن مالك: ما سمعتَ نبيَّ الله ﵌ يذكر في الثوم؟ فقال: قال النبي ﵌ ... " لفظ مسلم. ولفظ البخاري: "سئل أنس عن الثوم، فقال: قال النبي صلى الله عليه ... " عبد العزيز معروف بصحبة أنس، ولا ندري مَن السائل؟ ومِن ذلك ما في "صحيح مسلم" (٢) من طريق حنظلة قال: "سمعت

стр. 192

عكرمة بن خالد يحدث طاوسًا أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر: ألا تغزو؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه ... ". وأخرجه البخاري (١) من طريق حنظلة: "عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ... ". وقد يأتي شبه هذا، ويكون المبهَم هو الراوي نفسه، وإنما كنّى عن نفسه لغرض؛ كحديث "الصحيحين" (٢) عن معاذة: "أن امرأة قالت لعائشة: أتُجْزي (٣) إحدانا صلاتُها إذا طهرت؟ فقالت: أَحَرُوريّة أنت؟ ... " لفظ البخاري. وفي "الفتح" (٤): "بيَّن شعبةُ في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية. أخرجه الإسماعيلي من طريقه، وكذا لمسلم من طريق عاصم وغيره عن معاذة (٥) ". أقول: في "صحيح مسلم" (٦) من طريق يزيد الرِّشْك: "عن معاذة أن امرأة سألَتْ ... ". ومن طريق عاصم عن معاذة قالت: "سألتُ عائشة فقلتُ ... ". وقد يجيء نحو ذلك، والراوي لم يشهد القصة، ولكنه سمعها بتمامها

стр. 193

ممن قصد الرواية عنه؛ كما في حديث البخاري (١) من طريق علقمة قال: "كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا نزلت (٢)! فقال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه ... ". ورواه مسلم (٣) من وجه آخر عن علقمة: "عن عبد الله قال. كنتُ بحمص، فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأتُ عليهم قال: فقال لي رجل من القوم: والله ما هكذا أنزلت ... ". فإن لم يكن التصرف من الرواة، فالجمع بين الروايتين: أن علقمة كان مع عبد الله بن مسعود بحمص، ولكنه لم يشهد القصة، وإنما سمعها من عبد الله؛ ولما كان المقصود الرواية عنه هو [١/ ٨٢] عبد الله لم يلتفت إلى ما وقع في الرواية الأولى من إيهام شهود علقمة للقصة. وهكذا ما في قول معاذة: "أنّ امرأة سألَتْ ... " من إيهام أن السائلة غيرها، فإن مثل ذلك لا يضع حكمًا ولا يرفعه. والسرُّ في حمل تلك الأمثلة على السماع ما قدمناه. ومَن شكّ في هذا لزمه أن يشكّ في اتصالِ قولِ ثقةٍ غيرِ مدلِّس قد عُرف بصحبة ابن المبارك: "طار غراب، فقال ابن المبارك ... "، أو "هبت ريح، فقال ابن المبارك ... "، وهذا لا سبيل إليه، فكذا ذاك. والله الموفق. المبحث الخامس: اشتهر في هذا الباب "العنعنة"، مع أن كلمة "عن" ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها، بل هي لفظ مَن دونه. وذلك

стр. 194

كما لو قال هَمَّام: "حدثنا قتادة عن أنس" فكلمة "عن" من لفظ همام، لأنها متعلقة بكلمة "حدثنا"، وهي من قول همّام. ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدئ الشيخ فيقول: " عن فلان" وإنما يقول: حدثنا أو أخبرنا أو قال أو ذَكَر أو نحو ذلك. وقد يبتدئ فيقول: "فلان .. " كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من "فتح المغيث" (١) وغيره. ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات "قال" في أثناء الإسناد قبل "حدثنا" و"أخبرنا". وذلك في نحو قول البخاري: "حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا يحيى بن سعيد". وكثيرًا ما تُحذَف، فيزيدها الشرّاح أو قرّاء الحديث، ولا تثبت قبل كلمة "عن". وتصفَّح إن شئت "شرح القسطلاني على صحيح البخاري" فبهذا يتضح أنه في قول همام: "حدثنا قتادة عن أنس" لا يُدرَى كيف قال قتادة، فقد يكون قال: "حدثني أنس"، أو "قال أنس"، أو "حدَّث أنس"، أو "ذكر أنس"، أو "سمعتُ أنسًا"، أو غير ذلك من الصِّيَغ التي تصرِّح بسماعه من أَنَس أو تحتمله. لكن لا يحتمل أن يكون قال: "بلغني عن أنس"، إذ لو قال هكذا لزم همامًا أن يحكي لفظه أو معناه كأن يقول: "حدثني قتادة عمن بلغه عن أنس"، وإلا كان همام مدلّسًا تدليس التسوية، وهو قبيح جدًّا، وإن خفَّ أمره في هذا المثال؛ لما يأتي في قسم التراجم في ترجمة الحجاج بن محمد (٢). والمقصود هنا أنه لو قال راوٍ لم يُعرف بتدليس التسوية: "حدثني

стр. 195

عبد العزيز بن صهيب عن أنس" كان متصلًا، لثبوت لقاء عبد العزيز لأنس وأنه غير مدلّس، مع أننا لا ندري كيف قال [١/ ٨٣] عبد العزيز، فقد يكون قال: "قال أنس"، أو "ذكر أنس"، أو "حدَّث أنس"، أو ابتدأ فقال: "أنس". فالحمل على السماع في العنعنة يستلزم الحمل على السماع في هذه الصيغ وما أشبهها. وقد صرَّحوا بذلك كما تراه في "فتح المغيث" (ص ٦٩) (١) وغيره. وما ذكروه (٢) من الخلاف في كلمة "أنّ" إنما هو في نحو أن يجيء "عن عبد العزيز أنّ أنسًا سأل النبيَّ ﵌". ومعلوم أن عبد العزيز لم يدرك ذلك. ومَن حَمَله على السماع إنما مال إلى أن الظاهر أن عبد العزيز سمع القصة من أنس، فكأنه قال: "حدثني أنس أنه سأل النبيَّ ﵌ .. ". وفي هذا المثال لا مزيَّة لكلمة "أن"، بل لو قال عبد العزيز: "سأل أنسٌ النبيَّ صلى الله عليه .. " لكان هذا كقوله: "عن عبد العزيز أن أنسًا سأل ... ". بل إن كلمة "أنّ" في المثال ليست من لفظ عبد العزيز، وإنما هي من لفظ الراوي عنه، فقوله: "حدثني عبد العزيز أنّ أنسًا سأل" إنما تقديره: "حدثني عبد العزيز بأن أنسًا سأل"، وقد يكون عبد العزيز قال: "سأل أنس"، وقد يكون قال غير ذلك. والله أعلم. انتهى القسم الأول ويليه القسم الثاني في التراجم.

стр. 196

القسم الثاني في التراجم

стр. 197

[١/ ٨٤] القسم الثاني في التراجم أسوقُ في هذا القسم ــ على الحروف ــ تراجم الأئمة والرواة الذين تكلّم فيهم الأستاذ في «التأنيب»، وربما ذكرتُ غيرَهم لاقتضاء الحال. فأذكر في كلّ ترجمة كلامَ الأستاذ وما له وما عليه متحرّيًا إن شاء الله تعالى الحقَّ. فما لم أنسبه من أقوال أئمة الجرح والتعديل إلى كتاب فهو من «تهذيب التهذيب» أو «لسان الميزان» (١)، وعادةُ مؤلّفهما أن لا يجزم بالنقل فيما لم يثبت عنده (٢)، فإن تبين لي خلاف ذلك نبَّهتُ عليه؛ وما عدا ذلك فإني أسمّي الكتاب وأبيّن الجلد والصفحة غالبًا إن كان مطبوعًا. وأعوذ بالله من شرِّ نفسي وسيِّئ عملي، وأسأله التوفيق، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. ١ - أَبان بن سفيان . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٩ [٤٢٠] (٣)): « ... علي بن حرب، حدثنا أبان بن سفيان، حدثنا حماد بن زيد ... ». قال الأستاذ في «التأنيب» (ص ١١٣): «في سنده أبان بن سفيان، قال ابن

стр. 198

حبان: يروي عن الثقات أشياءَ موضوعة. وقال الدارقطني: متروك». أقول: في «الميزان» و «اللسان» (١) ذكر رجلين يقال لكلٍّ منهما: أبان بن سفيان. أحدهما بصريّ نزل الموصل من بلاد الجزيرة، روى عن أبي هلال محمد بن سُليم البصري. قال فيه الدارقطني: «جَزَريّ متروك». والثاني مقدسيّ، روى عن الفُضيل بن عياض وعبيد الله بن عمر. روى عنه محمد بن غالب الأنطاكي. قال فيه ابن حبان: «روى أشياء موضوعة» وأورد له حديثين وقال: «هذان موضوعان». وناقشه الذهبيُّ في «الميزان»، ثم استظهر الذهبيّ أن الرجلين واحد. وذكر ابن حجر أن النَّباتي فرَّق بينهما. أقول: والفرق هو الظاهر. فأما الذي في سند الخطيب فإن كان غير هذين فلا نعرفه، وإن كان أحدهما فالظاهر أنه الأول؛ فإن حماد بن زيد بصريّ من طبقة محمد بن سُليم، وعليُّ بن حرب موصلي. والله أعلم. ٢ - [١/ ٨٥] إبراهيم بن بشّار الرمادي . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٩ (٢) [٤٠٥]): « ... إبراهيم بن بشّار

стр. 199

الرمادي، حدثنا سفيان بن عُيينة ... ». قال الأستاذ (ص ٨٢): «عنه يقول ابن أبي حاتم: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إليَّ قال: سمعت أبي وذكر إبراهيم بن بشّار الرمادي فقال: كان يحضر معنا عند سفيان، ثم يملي على الناس ما سمعوه من سفيان، وربما أملى عليهم ما لم يسمعوا ــ كأنه يغيِّر الألفاظ، فتكون زيادة ليس في الحديث ــ فقلت له: ألا تتقي الله؟ تملي عليهم ما لم يسمعوا! وذمَّه في ذلك ذمًّا شديدًا». أقول: وقال ابن معين: «ليس بشيء، ولم يكتب عند سفيان، وكان يملي على الناس ما لم يقله سفيان». وقال النسائي: «ليس بالقوي». وقال أبو حاتم: «صدوق». وقال أبو عوانة في «صحيحه»: «ثقة من كبار أصحاب ابن عيينة وممن سمع منه قديمًا». وقال الحاكم: «ثقة مأمون من الطبقة الأولى من أصحاب ابن عيينة». وقال يحيى بن الفضل: «كان والله ثقة». وقال ابن حبان في «الثقات» (١): «كان متقنًا ضابطًا، صَحِب ابنَ عيينة سنين كثيرة، وسمع أحاديثه مرارًا ... ولقد (٢) حدثنا أبو خليفة، ثنا إبراهيم بن بشار

стр. 200

الرمادي قال: حدثنا سفيان بمكة وعبَّادان، وبين السماعَين أربعون سنة. سمعت أحمد بن زنجويه يقول: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كان الحُمَيدي لا يكتب عند سفيان بن عيينة، وإبراهيمُ بن بشار أحفظهما». أقول: يتحصَّل من مجموع ما ذُكر أن إبراهيم كان قد سمع من سفيان بن عُيينة قديمًا، ثم كان يحضر مجالسه، فربما حدَّث سفيانُ ببعض تلك الأحاديث، فربما أبدل كلمة بأخرى أو نحو ذلك ــ على ما هو معروف من عادة سفيان في الرواية بالمعنى ــ وكان بعض الحاضرين لا يتمكَّنون من الحفظ أو الكتابة وقت السماع، فإذا فرغ المجلس رغبوا إلى إبراهيم فيملي عليهم ذاك المجلس، فربما أملى عليهم كما حفظ سابقًا، ويكون في ذلك ألفاظ مغايرة للألفاظ التي عبَّر بها سفيان في ذاك المجلس. فذاك [١/ ٨٦] الذي أنكره عليه أحمد ويحيى. وقد يقال: إن كان إبراهيم لم يشعر بالاختلاف، فالخَطْب سهل، وإن شعر به فغايته أن يكون استساغ للجماعة أن يذهب أحدهم فيروي عن سفيان كما حدَّث سفيان قديمًا، وإن كان هو إنما سمعه بتغييرٍ ما في الألفاظ؛ كما ساغ لسفيان أن يروي ما سمعه تارة كما سمعه، وتارة بتغييرٍ ما في الألفاظ؛ بل هذا أسوغ، فإن اللفظين كلاهما صحيح عن سفيان. وبالجملة فهذا توسُّعٌ في الرواية بالمعنى لا يوجب جرحًا. وظاهر قول أحمد: «كأنه يغير الألفاظ» أنه جوَّز أن إبراهيم يغيِّر الألفاظ من عنده، وذلك أشدّ. وهكذا ما يُروى عن ابن معين أنه قال في إبراهيم: «رأيته ينظر في كتاب ــ وابن عيينة يقرأ ــ ولا يغيِّر شيئًا، ليس معه ألواح ولا دواة». فالكتاب الذي

стр. 201

كان ينظر فيه سماعُه القديم من ابن عيينة، فكان يعيد سماعه ليتثبت. وقد عَرَف عادة ابن عيينة في الرواية بالمعنى، فلم يكن يلتفت إلى اختلاف بعض الألفاظ، ولعله لو رأى اختلافًا معنويًّا لراجع ابن عيينة إما في المجلس وإما بعده. وقد جاء عن يحيى القطان أنه ذكر لابن عيينة ما قد يقع في حديثه من الاختلاف، فقال ابن عيينة: «عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت». كما في «فتح المغيث» (ص ٤٩٢) (١). وفي «التهذيب» (٢): «وقال أحمد: كأنَّ سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار ليس هو سفيان بن عيينة. يعني: مما يُغرِب عنه، وكان مكثرًا عنه». أقول: وحق لمن لازم مثل ابن عيينة في كثرة حديثه عشرات السنين أن يكون عنده عنه ما ليس عند غيره ممن صحبه مدة قليلة. نعم قال البخاري (٣) في إبراهيم: «يهم في الشيء بعد الشيء، وهو صدوق». وأورد له حديثًا رواه ابن عيينة مرفوعًا، وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلًا (٤). قال ابن عدي: «لا أعلم أُنكِر عليه إلا هذا الحديث الذي ذكره البخاري، وباقي حديثه مستقيم، وهو عندنا من أهل الصدق» (٥).

стр. 202

أقول: فإن كان وَهِم في هذا، فهو وهمٌ يسير في جانب ما روى. فالرجل ثقة ربما وَهِم. والسلام. هذا، وقد توبع إبراهيم على الرواية التي ساقها الخطيب، وذكر الأستاذ نفسه متابعةَ عليِّ ابن المديني له. غاية الأمر أن بين اللَّفظين اختلافًا ما، وجهه أن ابن عيينة قال مرة كما ذكره إبراهيم، ومرة كما ذكره ابن المديني. راجع (ص ٤) (١) والله أعلم. ٣ - [١/ ٨٧] إبراهيم بن الحجاج . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٢ [٤١٠]). « ... الحسن بن سفيان عن إبراهيم بن الحجاج عن حماد (٢) بن زيد ... ». قال الأستاذ (ص ٩٤): «قدري، ففي قبول قوله في أئمة السنة وقفة». أقول: في ترجمة إبراهيم بن الحجاج السامي من «تهذيب المزي» (٣) أنه يروي عن حماد بن زيد، ويروي عنه الحسن بن سفيان. وكذا في ترجمة إبراهيم بن الحجاج النيلي (٤)، وكلاهما موثَّق. ولم أجد نسبة أحدهما إلى القَدَر، وليس كل بصريٍّ قدريًّا، ولا غالبهم قدرية؛ بل غالبهم غير قدرية كما

стр. 203

يأتي في ترجمة طلق بن حبيب (١). وعلى فرض أن الرجل قدري، فلم يكن داعيةً، والمخالفةُ في المذهب لا تخدش في الرواية، كما مرَّ في القواعد (٢). والله الموفق. ٤ - إبراهيم بن راشد الأَدَمِيّ . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٦ [٤٣٢]): « ... إبراهيم بن راشد الأدميّ قال: سمعت أبا ربيعة فهد (٣) بن عوف ... ». قال الأستاذ (ص ١٢٩): «المتهم عند ابن عدي، كما ذكره الذهبي». أقول: تعقّبه ابن حجر في «اللسان» (٤) قال: «لم أر في «كامل ابن عدي» ترجمته». وقد قال ابن أبي حاتم: «صدوق». وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: «كان من جلساء يحيى بن معين». وفي ترجمة علي بن صالح الأنماطي من «الميزان» (٥) حديث ساقه الذهبي من طريق أبي نعيم الأصبهاني: «أنا عمر بن شاهين، ثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، ثنا إبراهيم بن راشد الأدمي، ثنا علي بن صالح الأنماطي ... » استنكره الذهبي وقال: «المتهم بوضعه علي، فإن الرواة ثقات سواه». تعقَّبه ابن حجر في

стр. 204

«اللسان» (١) بأن عليًّا ذكره ابن حبان في «الثقات» (٢) وقال: «مستقيم الحديث». قال ابن حجر: «وينظر فيمن دون صاحب الترجمة». أقول: أخاف أن يكون هذا من بلايا الإجازة، فإن أبا نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ربما تكون له إجازة عامة من شيخ، ثم يسمع الشيء ويرويه رجل عن ذاك الشيخ، فيرويه أبو نعيم عن الشيخ نفسه بلفظ «أخبرنا» على اصطلاحه في الإجازة ــ كما يأتي شرحه في ترجمته (٣) ــ فيكون البلاء في هذا الحديث من الرجل الذي بين أبي نعيم وابن شاهين، ويبرأ غيره. والله أعلم. ٥ - إبراهيم بن سعيد الجوهري . راجع «الطليعة» (ص ٦٦ - ٦٨) (٤). قال الأستاذ [١/ ٨٨] في: «الترحيب» (ص ٥٠): «لا يتصور من مثل ابن الشاعر أن يقع فيه، من غير أن يتكرر ذلك منه». أقول: أما كلمة حجاج فلا تقتضي إلا مرة واحدة، وأما قول ابن خراش: «وكان حجاج يقع فيه»، فإن عنى تلك الكلمة فقد بان حالها. وإن عناها وغيرها، فالوقيعة في الإنسان معناها مطلق الذم، كأن يكون قال مرة تلك الكلمة، وقال مرة: «لم يكن بالذكي»، وقال أخرى: «مغرم بالكتابة عن كل

стр. 205

أحد ليقال: مكثر» ونحو ذلك من الكلمات التي لا توجب جرحًا. ثم مال الأستاذ إلى الإنصاف، فذكر أنه يجب الذب عن إبراهيم بن سعيد، ولكنه جعل الحَمْل على عبد الرحمن بن خراش، وستأتي ترجمته (١). ٦ - إبراهيم بن شَمَّاس . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٤ [٤٤٣]): « ... إبراهيم بن شماس يقول: كنت مع ابن المبارك في الثغر، فقال: لئن رجعت [من هذه] (٢) لأُخرِجنَّ أبا حنيفة من كتبي». وفيه بعد ذلك: « ... إبراهيم بن شماس يقول: سمعت ابن المبارك يقول: اضربوا على حديث أبي حنيفة». قال الأستاذ (ص ١٥٠): «إبراهيم بن شماس ذلك المتعبِّد الغازي ... على علوّ طبقته لم يُخرج عنه أحد من أصحاب الأصول الستة ... بطل مغوار متعبد متعصب ... مِلءُ إهابه التعصّب، على زهده». أقول: أما العبادة والزهد والجهاد والبطولة، فنعم. وأما التعصُّب، فإنما وصفه به بعض مَن لم يدركه، وهو الإدريسي الذي ولد بعد إبراهيم بأكثر من مائة سنة، وإنما قال: «كان شجاعًا بطلًا ثقة ثبتًا متعصبًا لأهل السنة». فأما الذين أدركوه فإنما وصفوه بالسنة. قال الإمام أحمد: «كان صاحب سنة». وقال أحمد بن سَيَّار: «كان صاحب سنة وجماعة، كتب العلم،

стр. 206

وجالس الناس، ورأيت إسحاق بن إبراهيم [ابن راهويه] يعظم من شأنه ويحرِّضنا على الكتابة عنه». وممن روى عنه: الإمام أحمد، وأبو زرعة، والبخاري في غير «الصحيح»، وأحمد لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما يأتي في ترجمة محمد بن أَعْين (١). وأبو زُرعة من عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤١٦) (٢). والبخاري نحو ذلك، كما يأتي في ترجمة أحمد بن عبد الله [١/ ٨٩] أبو عبد الرحمن (٣). ووثَّقه الدارقطني وابن حبان وغيرهما. وتحريض ابن راهويه على الكتابة عنه يدلُّ على مكانته في الصدق والثبت، وقال ابن حبان في «الثقات» (٤): «كان متقنًا ... سمعت عمر بن محمد البحيري يقول: سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول: سمعت إبراهيم بن شماس يقول: رأيت ابن المبارك يقرأ كتابًا على الناس في الثغر، فلما مرَّ على ذكر أبي حنيفة قال: اضربوا عليه. وهو آخر كتاب قرأ على الناس ثم مات». فأما عدم إخراج البخاري عنه في «صحيحه» فكأنَّه إنما لقيه مرة، فإن إبراهيم كان دائبًا في الجهاد، فلم يسمع منه البخاري ما يحتاج إلى إخراجه في «الصحيح»، وقد أدرك البخاريُّ مَن هو أكبر من إبراهيم وأعلى إسنادًا.

стр. 207

وكم من ثقة ثبت لم يتفق أن يُخرج عنه البخاري في «صحيحه»، وأخرج عمن هو دونه بكثير. فأما بقية الستة، فأبو داود ولد سنة ٢٠٢ فقد أدرك إبراهيم، فإن إبراهيم استشهد سنة ٢٢٠، ولكن لعلّه لم يلقه، وإنما روى في مسائل مالك (١) عن رجل عنه على ما يظهر من «التهذيب». وقد سمع أبو داود جماعةً ممن هو أكبر وأعلى إسنادًا من إبراهيم. ومسلم ولد سنة ٢٠٤، والباقون بعد ذلك. وجامعو الكتب الستة يتحرَّون علوَّ الإسناد والاختصار، ولا ينزلون إلّا لحاجة. والرواية عن إبراهيم قليلة، لاشتغاله بالجهاد، ولأنه لم يعمَّر حتى يحتاج إليه. وقد روى عنه مَن هو أجلّ من أصحاب الكتب الستة، كما مرَّ. وقد ساق الأستاذ في تعليقه على «شروط الأئمة» (٢) كلامًا طويلًا فيه ما فيه، وقال في أواخره: «ومن ظن أن ثقات الرواة هم رواة الستة فقط، فقد ظن باطلًا. وجرَّد الحافظ العلامة قاسم بن قطلوبغا الثقات من غير رجال الستة في مؤلف حافل يبلغ أربع مجلدات».

стр. 208

فأما المخالفة في المذهب والتعصُّب للسنة، فلا يخدش في الرواية، كما مرَّ في القواعد (١). بقي أن الأستاذ قال بعد ما تقدم: «ويقضي على مختَلَقات الخصوم في هذا الكتاب كثرةُ رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة في «المسانيد السبعة عشر» له ... فأنَّى تصح رواية ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة!». أقول: الأستاذ يتذرَّع بهذا إلى الطعن في جماعة من الثقات الأثبات: إبراهيم وغيره، كما يأتي في تراجمهم. وذلك يضطرنا إلى مناقشته هنا، فأقول: [١/ ٩٠] المسانيد السبعة عشر لأبي حنيفة، منها ما جامِعُه مجروح، وما كان جامعه ثقة ففي أسانيده إلى ابن المبارك مجروح أو أكثر، وما عساه يصح إلى ابن المبارك لا يصح (٢) حَمْله على أنه مما حدَّث به ابن المبارك قديمًا، فإنه لا يلزم من تركه الروايةَ عن أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة أن لا يروي الناسُ عنه ما سمعوه قبل ذلك، ولا سيما الذين لم يحضروا أمره بالضرب أولم يعملوا به، والله المستعان. ٧ - إبراهيم بن أبي الليث . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٧ [٤٤٧]): « ... إبراهيم بن أبي الليث قال: سمعت الأشجعي غير مرة ... ». قال الأستاذ (ص ١٦٠): « ... عنه يقول ابن معين: لو اختلف إليه ثمانون كلهم

стр. 209

مثل منصور بن المعتمر ما كان إلا كذابًا. وكذَّبَه غير واحد». أقول: ترجمة إبراهيم هذا في «تاريخ بغداد» (ج ٦ ص ١٩١). فأما هذه الكلمة التي ذكرها الأستاذ، فإنما رواها الخطيب من طريق أحمد بن محمد بن القاسم بن محرِز (١)، وترجمة ابن محرِز هذا في «تاريخ بغداد» (ج ٥ ص ٨٣) ليس فيها تعريف بحاله وإنما فيها: «يروي عن يحيى بن معين. حدث عنه [عبد الله بن] جعفر بن درستويه بن المرزبان الفارسي». وكلمة ابن الدَّورقي المذكورة في «اللسان» (٢) و «التعجيل» (٣) هي في قصة طويلة رواها الخطيب من طريق أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي الحافظ. والأزدي اتهموه، ونحتاج إلى الاعتذار عن ابن حجر في جزمه بها مع أنها من طريق الأزدي (٤). وما في «اللسان» تبعًا لأصله (٥) أن ابن معين قال في إبراهيم: «ثقة، لكنه أحمق» إنما رواها الخطيب من طريق بكر بن سهل عن عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين. وبكر بن سهل هذا إن كان هو الدمياطي المترجَم في «الميزان» و «اللسان» ــ كما بنيتُ عليه في «الطليعة» (ص ٧٨) (٦) وتأتي الإشارة إليه في ترجمة الحسن بن الربيع (٧) ــ ففيه كلام

стр. 210

شديد، وعقَّبها الخطيب بقوله: «وهذا القول من يحيى في توثيقه، كان قديمًا ثم أساء القول فيه بعدُ، وذمَّه ذمًّا شديدًا». والذي يتلخَّص من مجموع كلامهم: أنهم لم ينقموا عليه شيئًا في سيرته، وأنه كانت عنده أصول الأشجعي التي لا شك فيها، وكان يذكر أنه سمعها من الأشجعي إلا مواضع كان يعترف أنه لم يسمعها. فقَصَده الأئمة: أحمد، ويحيى، وابن المديني، وغيرهم؛ يسمعون منه كتب الأشجعي. [١/ ٩١] فكانوا يسمعون منه، ثم حدَّث بأحاديث عن هُشيم وشَريك وغيرهما مِن حِفْظه، فاستنكروا من روايته عن أولئك الشيوخ أحاديث تفرَّد بها عنهم، وكان عندهم أنها مما تفرد به غيرُ أولئك الشيوخ. منها: حديث رواه عن هشيم، عن يعلي بن عطاء. وكان عندهم أنه من أفراد حماد بن سلمة عن يعلى. فتوقف فيه أحمد لهذا الحديث، حتى بان له أن غير حماد قد حدَّث به. وعذَره أحمدُ في بقية الأحاديث. وأما ابن معين فشدَّد عليه، وتبعه جماعة. واختلف عن ابن المديني؛ فقيل: لم يزل يحدِّث عنه حتى مات. وقيل: بل كَفَّ بأَخَرةٍ. وقال أبو حاتم: «كان أحمد يُجْمِل القول فيه، وكان يحيى بن معين يحمل عليه، وعبيد الله القواريري (وهو ثقة عندهم من رجال الصحيحين) أحبُّ إليَّ منه» (١). وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢). وقال أبو داود عن ابن معين: «أفسد نفسه

стр. 211

في خمسة أحاديث» فذكرها. قال ابن حجر في «التعجيل» (١): «وهذا عندي أَعْدَل الأقوال فيه». أقول: قد ظهرت عدالةُ الرجل أولًا، ثم عرضت تلك الأحاديث فاختلفوا فيها، فمنهم مَن عَذَره، ومنهم من رماه بسرقتها. فالذي ينبغي: التوقفُ عن سائر ما رواه عن غير الأشجعي، وقبولُ ما رواه عن الأشجعي، فإن ذلك من أصول الأشجعي باعترافهم جميعًا، ولم ينكروا منها شيئًا. وأحسب أن رواية الإمام أحمد وابنه عبد الله عن إبراهيم، إنما هي مما رواه من كتب الأشجعي. وقد يكون هذا رأي الأستاذ الكوثري، فقد احتجَّ (ص ٩٩): «حدثنا ... قال حدثني إبراهيم ابن أبي الليث قال حدثني الأشجعي ... ». فأما روايته هنا فهي عن الأشجعي، لكنها حكاية لا يظهر أنها كانت من أصول الأشجعي. والله أعلم. ٨ - إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري. في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٣ [٣٧٦]): « ... سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد. قال إبليس: يا رب، وقال أبو بكر الصديق: يا رب ... ». قال الأستاذ (ص ٤٠): «الفزاري كان يطلق لسانه في أبي حنيفة ويعاديه، من جهة أنه كان أفتى أخاه على موازرة إبراهيم القائم في عهد المنصور، فقتل في الحرب ... وحكمُ شهادة العدو في مذهب الشافعي ... معروف ... ويقول ابن سعد

стр. 212

في «الطبقات الكبرى»: [١/ ٩٢] كان كثير الغلط في حديثه. ويقول ابن قتيبة في «المعارف»: إنه كان كثير الغلط في حديثه. ومثله في «فهرست محمد بن إسحاق النديم». لكن ذلاقة لسانه في أبي حنيفة وأصحابه نفعته في رواج رواياته بين أصحاب الأغراض ... مع أن الواجب فيمن كان كثير الخطأ في حديثه الإعراض عن انفراداته ... ». وقال الأستاذ (ص ٧١): «سامح الله أبا إسحاق الفزاري كأنه فَقَد اتزانه من فَقْد أخيه، فأصبح يطلق لسانه في فقيه الملة في كل مجلس ومحفل، حتى في مجلس الرشيد، كما تجد ذلك في «تقدمة الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم .... غاية ما فعل أبو حنيفة أن أفتى أخاه بما أراه الله حين استفتاه». وقال الأستاذ (ص ٧٣): «إنما شأنه في السير والمغازي، ولم يكن ابن سعد يرضاه فيها، ويذكره بكثرة الغلط، وابن سعد ذلك الإمام الكبير في السير والمغازي ... ». وقال (ص ٧٧): «قال ابن سعد في الفزاري: كان ثقة فاضلًا صاحب سنة وغزو، كثير الخطأ في حديثه». أقول: مدار كلام الأستاذ في أبي إسحاق على أمرين: الأول: قوله: إنه كان يعادي أبا حنيفة لإفتائه أخاه بالخروج، فخرج، فقتل. الثاني: كثرة الخطأ. فأما العداوة فيحاول الأستاذ أن يجعلها عداوة دنيوية لأجل الفتوى، مع أن ذكر الفتوى لم يقع إلا في روايةٍ ذُكِرت في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٤ [٣٩٧]) في سندها يزيد بن يوسف الشامي، فتكلم الأستاذ فيها (ص ٧٠):

стр. 213

قال: «يزيد بن يوسف الشامي يقول ابن معين فيه: ليس بثقة. ويقول النسائي: متروك». والكلام فيه أكثر من ذلك، حتى قال ابن شاهين في «الضعفاء» (١): «قال ابن معين: كان كذابًا». وقال ابن حبان: «كان سيئ الحفظ، كثير الوهم، يرفع المراسيل [ولا يعلم]، ويسند الموقوف ولا يفهم. فلما كثر ذلك منه سقط الاحتجاج بأفراده» (٢). فهذه الرواية ساقطة، والثابت رواية أخرى في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٤ [٣٩٨]) فيها عن أبي إسحاق: «قُتل أخي مع إبراهيم الفاطمي بالبصرة، فركبت لأنظر في تركته، فلقيت أبا حنيفة فقال لي: من أين أقبلت؟ وأين أردت؟ فأخبرته أني أقبلت من المَصِّيصة وأردت أخًا [١/ ٩٣] لي قُتل مع إبراهيم، فقال أبو حنيفة: لو أنك قُتِلت مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئتَ منه ... ». وهناك رواية ثالثة في «تقدمة الجرح والتعديل» (٣) هي التي وقع فيها ما أشار إليه الأستاذ من إطلاق اللسان. وفي إسنادها نظر، ولا ذِكْر فيها للفتوى، ولو صحت لكانت أدلّ على عدم الفتوى. فالحاصل أن الثابت أن أبا إسحاق بلغه قتلُ أخيه مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الخارج على المنصور، فقَدِم فلقي أبا حنيفة، فسأله

стр. 214

أبو حنيفة، فأجابه أنه جاء من المَصِّيصة ــ الثغر الذي كان أبو إسحاق يرابط فيه لجهاد الروم ودَفْعهم عن بلاد الإسلام ــ فقال أبو حنيفة: «لو أنك قُتِلْت مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئتَ منه». ومن المعلوم أن أبا إسحاق حَبَس نفسَه غالبَ عمره على المرابطة في الثغر، والتعرّض للشهادة صباح مساء، فلم يكن ليغمَّه قتلُ أخيه إلا لكونه في فتنة، ولا لينقم على من رضي بقتل أخيه إلا لرضاه بما يراه فتنة، ولا ليستعظم قول من قال له: «لو أنك قتلت مع أخيك ... » إلا لما فيه من تفضيل قتال المسلمين في غير كُنْهِه عنده على الرباط والجهاد ودفع الكفار عن بلاد الإسلام. فهذا وغيره ــ مما يوجد في الروايات الأخرى، منها الرواية التي تقدمت أول الترجمة ــ هو الذي أحْفَظ أبا إسحاق على أبي حنيفة. فإن بلغ ذلك أن يسمَّى عداوة، فهي عداوة دينية، لا تُرَدّ بها الرواية بإجماعهم، كما تقدم في القواعد (١). وسواء أكان الصواب استحسان الخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وتفضيله على الجهاد والرباط كما رأى أبو حنيفة، أم خلافه كما كان يعتقده أبو إسحاق؟ فإن أبا إسحاق إما مصيب مشكور، وإما مخطئ مأجور. ولا بأس بالإشارة إلى وجهتي النظر: كان أبو حنيفة يستحبّ أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار؛ وأبو إسحاق ينكر

стр. 215

ذلك. وكان أهل العلم مختلفين في ذلك، فمَنْ كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شقٌّ لعصا المسلمين، وتفريق لكلمتهم، وتشتيت لجماعتهم، وتمزيق لوحدتهم، وشغلٌ لهم بقتل بعضهم بعضًا؛ فتَهِنُ قوتُهم وتقوى شوكةُ عدوهم، وتتعطل ثغورهم فيستولي عليها [١/ ٩٤] الكفار ويقتلون من فيها من المسلمين ويُذِلُّونهم، وقد يستحكم التنازع بين المسلمين فتكون نتيجته الفشل المخزي لهم جميعًا. وقد جرَّب المسلمون الخروج، فلم يروا منه إلا الشرَّ. خرج الناس على عثمان يرون أنهم إنما يريدون الحق، ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساؤهم ومعظّمهم (١) أنهم إنما يطلبون الحق، فكانت ثمرة ذلك بعد اللَّتيا والتي أن انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية. ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه، فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحَرّة، ثم خرج القُرّاء مع ابن الأشعث فماذا كان؟ ثم كانت قضية زيد بن عليّ، وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فأبى، فخذلوه، فكان ما كان. ثم خرجوا مع بني العباس فنشأت دولتهم التي رأى أبو حنيفة الخروجَ عليها. واحتشد الروافض مع إبراهيم الذي رأى أبو حنيفة الخروج معه، ولو كُتب له النصر لاستولى الروافض على دولته، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم! هذا، والنصوص التي يحتجُّ بها المانعون من الخروج والمجيزون له
следующие страницы →