النطق من قائليه طوعًا ولا يكذِّبوا أنفسهم فيه إذا خلا بعضهم إلى بعض. ثم يقولون: إن المنافقين الذين كانوا في عهد النبي ﷺ كانوا ينطقون تقيةً ويكذبون أنفسهم إذا خلوا، فهذا هو النفاق. فأما من يقول طوعًا ولا يكذب نفسه إذا خلا، فهو مؤمن وإن كان في نفسه شاكًّا مرتابًا، بناءً على جحدِهم اشتراطَ الاعتقاد في الإيمان. وأهل السنة يقولون: هذا نفاق، إذ شرط الإيمانُ عندهم الاعتقاد.
وبالجملة، فلا أرى عاقلًا لقوله يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إلا على أحد أوجه:
الأول: أن يكون يخصُّ لفظَ الإيمان القلبي بالتصديق الذي لا يعتدُّ بما دونه، فهو بمنزلة النصاب. فكما أن نصاب الذهب في حق الأغنياء بالذهب واحد لا يزيد ولا ينقص وإن تفاوتوا في الغنى بالذهب، فكذلك يقول هذا: إن الإيمان الذي هو نصاب التصديق لا يزيد ولا ينقص، وإن تفاوت الخلق في التصديق. أو قل: إنه بمنزلة زكاة الفطر، وهي صاع لا يزيد ولا ينقص، وإن كان من الناس من يعطي صاعين أو مائةً أو ألفًا أو أكثر من ذلك.
الثاني: أن يكون عنده أن الإيمان قول فقط. وهذا إن فسَّر القول بالشهادتين وقال: إنه لا يكفي للنجاة، فهو قول الكرامية. وإن فسَّره بهما وقال: إنه يكفي، فهو قول غلاة المرجئة. وإن فسَّره بالاعتراف اللساني بربوبية الله ، وقال: إنه لا يكفي للنجاة ولجريان أحكام الإسلام، فهو قريب من الأول. وإن قال: إنه يكفي لذلك فهو أشدُّ من قول غلاة المرجئة.
[٢/ ٣٧٣] الثالث: أن يزعم أن الإيمان هو القول والاعتقاد الذي لا يقينَ فوقه. ولا أرى هذا إلا قاضيًا على نفسه وغالب الناس بعدم الإيمان. والله المستعان.
стр. 1472
قول: أنا مؤمن إن شاء الله
جاء عن بعض السلف كراهيةُ أن يقول الرجل: «أنا مؤمن حقًّا» والأمرُ بأن يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»؛ وكذلك كانوا يقولون. وقال البخاري في كتاب الإيمان من «صحيحه» (١): «باب خوف المؤمن من أن يَحْبَطَ عملُه وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التيمي: ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيتُ أن أكون مكذِّبًا. وقال ابن أبي مليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي ﵌ كلُّهم يخاف النفاقَ على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويُذكر عن الحسن (البصري): ما خافه إلا مؤمن، وما أمِنَه إلا منافق ... ».
وفي «فتح الباري» (٢) أن مقالة الحسن صحيحة من طرق، وأن في رواية المعلَّى بن زياد: «سمعتُ الحسنَ يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يَخَفِ النفاقَ فهو منافق». وفي رواية هشام: «سمعت الحسن يقول: والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق، ولا أمِنَه إلا منافق».
واقتبس البخاري أول الترجمة من قول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
стр. 1473
لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أول الحجرات.
والمؤمن لا تحبط أعماله. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].
[٢/ ٣٧٤] وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢].
وإنما تحبط أعمال الكافر. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].
واقرأ من آل عمران: ٢٢، والأنعام: ٨٨، والأعراف: ٧٧، والتوبة: ١٧، و ٦٩، وإبراهيم: ١٨، والكهف: ١٠٥، والفرقان: ٢٣، والزمر: ٦٥، والقتال: ٣٢ - ٣٤.
وقد قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].
فإذا كانت هذه حال هؤلاء، فما الظن بحال من قد آمن واستقرَّ الإيمانُ في قلبه؟
فأما قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]، فهي في سياق الكلام
стр. 1474
في الكفار، فهي واردة فيهم، ويدخل فيهم المنافقون. وللمؤمنين المخلصين في بعض أعمالهم المرائين في بعضها نصيبٌ من الآية بالنظر إلى ما وقع فيه الرئاء دون غيره.
وأما قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢].
فالفريق الأول هم الذين يكون جميع دعائهم وعبادتهم لطلب الدنيا فقط ولا شأن لهم بالآخرة، وهذا إنما يكون ممن لا يؤمن بالآخرة إيمانًا صادقًا، ومن لا يؤمن بها فليس بمؤمن. فأما المؤمن فإنه لا بد أن يهتم بالآخرة، فالمؤمن لا يحبط عمله حتى دعاؤه لطلب حاجاته المباحة [٢/ ٣٧٥] من الدنيا، فإنه قد لا يقضي الله له بعض تلك الحوائج، ولا يعوِّضه في الدنيا، بل يدَّخر له ثواب دعائه في الآخرة، كما ورد في أحاديث تفسير استجابة الدعاء. وقد اتفقت الأمة فيما أعلم على أن المؤمن لا تحبط أعماله التي أخلص فيها واستمرَّ على إخلاصه. ومن قال من المعتزلة: إن الكبيرة تُحبِط الأعمال، هم الذين يقولون: إن ارتكاب الكبيرة يُبطل الإيمان.
وروى الخطيب (١) بسنده إلى محمود بن غيلان «حدثنا وكيع قال: سمعت الثوري يقول: نحن المؤمنون، وأهل القبلة عندنا مؤمنون في
стр. 1475
المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار، ولنا ذنوب، ولا ندري ما حالنا عند الله؟ قال وكيع: وقال أبو حنيفة: من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شاكٌّ، نحن المؤمنون هنا وعند الله حقًّا. قال وكيع: ونحن نقول بقول سفيان، وقول أبي حنيفة عندنا جرأة».
وذكر الكوثري في «تأنيبه» (ص ٣٤) هذه الرواية، ثم ذكر عن كتاب ابن أبي العوَّام بسنده إلى عبيد بن يعيش قال: «حدثنا وكيع قال: كان سفيان الثوري إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: نعم. فإذا قيل له: عند الله؟ قال: أرجو. وكان أبو حنيفة يقول: أنا مؤمن هنا وعند الله. قال وكيع: قول سفيان أحبُّ إلينا».
وقال الكوثري (ص ٦٧): «لكن الإيمان الشرعي إنما يتحقق عند تحقُّق الجزم المنافي لتجويز النقيض. فمن يقول: أنا مؤمن، ولا أدري ما حالي عند الله، أو: أنا مؤمن إن شاء الله، فإن كان مراده بذلك أن الخاتمة مجهولة وأرجو الله أن يُختَم لي بخير، فليس ذلك من منافاة الجزم في شيء. وأما إن كان مراده بذلك القول أنا مؤمن هنا ولا أدري ما إذا كان ما أعتقده إيمانًا هنا، إيمانًا عند الله، فهو شاكٌّ غيرُ جازم؛ بل جوَّز بتلك الإرادة أن يكون الإيمان خلاف ما يعتقده، فهو ليس من الإيمان في شيء؛ لأنه ليس من اليقين على شيء. فتبين من هذا البيان أنه لا يُتصور تفاوتٌ أصلًا بين إيمان المؤمنين من جهة الجزم، ويكون النقص عن مرتبه اليقين كفرًا».
أقول: مسألة الزيادة والنقصان قد سلف النظير فيها.
فأما المسألة الأخرى، فتحريرها أن هناك ثلاث قضايا:
[٢/ ٣٧٦] الأولى: اعتقادُك ثبوتَ كل أمر من الأمور التي ترى أن اعتقاد ثبوت جميعها هو الإيمان الذي لا بد منه.
стр. 1476
الثانية: اعتقادك أنك جازم بكل واحد من تلك الأمور الجزمَ الكافي عند الله .
الثالثة: اعتقادك أنك وافٍ بجميع الأمور الضرورية للإيمان في نفس الأمر، من اعتقاد وقول وفعل وترك.
فمن قيل له: أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو، أو: إن شاء الله؛ فهذا يتعلق بالقضية الثالثة كما لا يخفى. ولا يجب تعلقه بالثانية، فأما الأولى فبعيد عنها.
وقد دلَّت آيات الحجرات السابقة على أن المؤمن قد يزول إيمانه وهو لا يشعر، فكيف يسوغ ذلك مع هذا (١) أن تجزم بالقضية الثالثة فتقول: أنا عبد الله مؤمن حقًّا؟ اللهم إلا أن تريد بالإيمان معنى خاصًّا، كمجرد النطق بالشهادتين، أو مجرد الاعتراف اللساني بربوبية الله .
وتدبَّرْ آيات الحجرات، وتأمَّلْ معاملتك للنصوص الشرعية التي تخالفها في العقائد والإيمان والفقه زاعمًا أنك تخالف ظواهرها، وأنعِمِ النظرَ في ذلك، ألا تخشى أن يكون في معاملتك لها ما هو تقديمٌ بين يدي الله ورسوله، ورفعٌ لصوتك خلاف صوته، وجهرٌ له بالقول كما تجهر لمخالفيك ودون جهرك لأئمتك في الكلام والفقه بكثير؟ !
وتدبَّرْ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
стр. 1477
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٥٩ - ٦٥].
وانظر أين أنت منها؟ ففي هذا الإجمال كفاية، وبه يتضح ما في عبارة الكوثري من المغالطة؛ فإنها توهِم أن قول القائل: أرجو أو إن شاء الله، ينافي الجزم بما في القضية الأولى. فإن قول الكوثري في تفسير ذلك: «ولا أدري ما إذا كان ما أعتقده إيمانًا هنا، إيمانًا عند الله» يصدُق بأن تكون الإشارة إلى الإيمان بما في القضية الأولى، كأنه قال: [٢/ ٣٧٧] لا أدري هل الإيمان بنبوة محمد إيمان عند الله؟ وهكذا في بقية الأمور. وقول الكوثري: «بل جوَّز بتلك الإرادة أن يكون الإيمان خلافَ ما يعتقده» كالصريح فيما ذكر من الإيهام.
فإن قلت: إذا كان الرجل جازمًا بوجود الله تعالى وربوبيته وتفرده بالألوهية ونبوة محمد وغير ذلك من أمور الإيمان التي تتضمنها القضية الأولى، فما الذي يشكِّكه في القضية الثانية، أي في أنه جازم بتلك الأمور؟ ثم ما الذي يشكِّكه في الثالثة، أي في أنه عند الله تعالى مؤمن حقًّا؟
قلت: قد مرَّ ما يكفي لو تدبرته، وأزيده إيضاحًا:
تقدم في المسألة السابقة أن الجزم يتفاوت، فإذا ثبت ذلك ولم يكن عندك برهان واضح على أن القدر الذي عندك منه كافٍ عند الله تعالى، فمن أين يتهيأ لك أن تجزم بذلك؟ وهَبْ أن الجزم الأول لا يتفاوت، فمن أين لك أن تجزم بأن جزمك مساوٍ لجزم جبريل ومحمد ﵉؟ فإن مَنَّتْك نفسُك ذلك، فانظر إن كنت من أتباع المتكلمين في النصوص المصرِّحة بأن الله تعالى في السماء فوق سماواته على عرشه، والنصوص
стр. 1478
الدالة على أنه سبحانه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وأنه يجيء يوم القيامة، وغير ذلك مما خالفتَ فيه السلفيين، ثم تأمَّلْ في جزمك بأن محمدًا رسول الله صادقٌ في كلِّ ما أخبر به عن الله، واستحضِرْ ما تقدَّم عن أئمتك في مسألة الجهة وفي الباب الثالث= فإنْ زعمتَ أنك جازم، فوازنْ بين ذيَّاك الجزم وبين جزمك بأن الثلاثة أقل من الستة.
وانظر ــ إن كنت فقيهًا ــ في الأحاديث التي اشتهر أن إمامك يخالفها، وتفكَّرْ فيما تعاملها به، وانظر هل تقع منك تلك المعاملة وأنت جازم بأن محمدًا رسول الله صادقٌ في كُلِّ ما أخبر به عن الله، وأنك محكِّم له فيما وقع فيه الاختلاف، مسلِّم لحكمه تسليمًا لا تجد في نفسك حرجًا مما قضى؟
وانظر، وانظر، وأعمُّ [من] ذلك أن تنظر في عملك أعَمَلُ من يوقن بأن محمدًا رسول الله [٢/ ٣٧٨] صادقٌ في كل ما أخبر به من التكليف والحساب والجزاء والجنة والنار؟ وهل عملُك مساوٍ أو مقاربٌ لعمل النبي ﵌ وأفاضل أصحابه وخيار التابعين؟
وأما القضية الثالثة: فإنك إن تدبرتَ وجدتَ شأنها أوضح، فإن الأمة اختلفت في أمور الإيمان، فمن الناس من يشترط الجزم بثبوت بعض ما تنفيه أنت أو ينفي بعض ما تُثبته، أو يعدُّ منها ما لا تعدّه.
ومن أهل السنة من يشترط المحافظة على الصلوات المكتوبة، والمعتزلة والخوارج يشترطون المحافظة على الفرائض والسلامة من الكبائر، وليس جزمُك بخطأ هؤلاء في جميع ما يخالفونك فيه كجزمك بأن الثلاثة أقل من الستة. أفلا تخشى أن يكون من أقوالهم ما هو حق في نفس الأمر، وتكون أنت مقصِّرًا تقصيرًا لا تُعذَر فيه؟ !
стр. 1479
وقد اختلف الفقهاء في كثير من أحكام الصلاة، فلعل كثيرًا من صلواتك يقول بعض مخالفيك: إنها باطلة، فلعلك غير معذور في مخالفته، فيكون حكمُك حكمَ مَن ترك تلك الصلوات. ولعل فيما تُسامِح نفسَك بتركه ما يكون فريضةً في نفس الأمر، وفيما تُسامِح نفسَك بفعله ما يكون كبيرةً في نفس الأمر، ولعلك لا تستحق عذر الجاهل أو المخطئ.
وأشدُّ من ذلك أن رأس أمور الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، فهل حقَّقْتَ معنى الألوهية؟ أفلا تخشى أن يكون في اعتقاداتك وأعمالك ما هو تأليهٌ وعبادة لغير الله ، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وقال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؟
وفي الحديث: «اتقو الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل» (١). ذكرتُ طرقه في كتاب «العبادة» (٢)، وأوضحت أنه على ظاهره. وبسطُ هذا المطلب في ذاك الكتاب.
وبالجملة، فمن تدبَّر علِمَ أنه لا يمكنه أن يجزم غير مجازف أنه عند الله مؤمن حقًّا إلا أن يريد بقوله «مؤمن» معنى ناطق بالشهادتين وإن لم يعرف
стр. 1480
معناهما تحقيقًا، ولا التزم مقتضاهما تفصيلًا، بل قد يكون مصرًّا على بعض ما ينافيهما، ولاحول ولا قوة إلا بالله.
* * * *
стр. 1481
[٢/ ٣٧٩] الخاتمة
فيما جاء في ذم التفرق وأنه لا تزال طائفة قائمة على الحق
وما يجب على أهل العلم في هذا العصر
قال الله ﵎: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٣ - ١٤].
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠٥].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
стр. 1482
وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢].
[٢/ ٣٨٠] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
إن قيل: التفرق والاختلاف يصدق بما إذا ثبت بعضهم على الحق وخرج بعضهم عنه، والآيات تقتضي ذمَّ الفريقين.
قلت: كلَاّ، فإن الآيات نفسها تحضُّ على إقامة الدين، والثبات عليه، والاعتصام به، واتباع السراط؛ بل هذا هو المقصود منها. فالثابت على السراط لم يُحدِث شيئًا، ولم يقع بفعله تفرق ولا اختلاف، وإنما يحدُث ذلك بخروج من يخرج عن السراط، وهو منهيٌّ عن ذلك، فعليه التبِعةُ.
فإن قيل: المكلَّف مأمور بالاستقامة على السراط، ولا يمكنه الاستقامة عليه حتى يعرفه، وإنما يعرفه بالبحث والنظر والتدبر، وحججُ الحق ــ كما سلف في المقدمة ــ غير مكشوفة، فالباحث معرَّض للخطأ؛ بل مَن تدبَّر الحجج علِمَ أنه يستحيل في العادة أن لا يختلف الناظرون فيها= فما الجامع بين الأمر باتباع الحجج وهو يؤدي إلى الاختلاف، وبين الزجر عن الاختلاف، وقد قال الله ﵎: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
стр. 1483
[البقرة: ٢٨٦] وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]؟
أقول ــ وأسأل الله ﵎ التوفيق ــ: قولي: «إن حجج الحق غير مكشوفة» إنما معناه ــ كما سلف ــ أنها بحيث يُحتاج في إدراكها إلى عناء ومشقة، ويمكن مَن له هوى في خلافها أن يغالط نفسَه وغيرَه بحيث يتيسَّر له زعمُ أنه إن لم يكن هو المُحِقَّ فهو معذور. واتباعُ الحجج لا يؤدي إلى اختلاف، وإنما المؤدي إليه اتباعُ الشبهات. وإنما الشأن في أمرين:
الأول: تمييز الحجج من الشبهات.
الثاني: معرفة الاختلاف المنهي عنه.
وجماع هذا في أمر واحد هو: معرفة السراط المستقيم. وقد بيَّنه الله تعالى بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]. وقد علمنا أن المنعَم عليهم قطعًا من [٢/ ٣٨١] هذه الأمة هم النبي ﷺ وأصحابه. وقد قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فالسراط المستقيم هو ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه، وقد تقدَّم بيانُ جوامعه في الباب الأول، وأول الباب الرابع. فما اتضح من المأخذين السلفيين بحسب النظر الذي كان متيسِّرًا للصحابة وخيار التابعين، فهو من السراط المستقيم. وما خفي أو تردَّد فيه النظرُ، فالسراط المستقيم هو السكوت عنه. قال الله تعالى لرسوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
стр. 1484
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦].
وفي «الصحيحين» (١) من حديث جندب بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «اقرأوا القرآن ما ائتلفتْ عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه».
فإن كان من الأحكام العملية، والقضيةُ واقعةٌ، ساغ الاجتهاد فيه على الطريق التي كان يجري عليها في أمثال ذلك الصحابةُ وأئمةُ التابعين.
فمن لزم هذه السبيل فهو الثابت على سبيل الحق والصراط المستقيم. ومن لزم ذلك في المقاصد، وخاض في النظر والرأي المتعمَّق فيه لتأييد الحق وكشف الشبهات، وقد تحققت الحاجة إلى ذلك، فلا يُقضَى عليه بالخروج عن السراط ما لم يتبيَّن خروجُه عنه في المقاصد؛ فتلحقه تبعةُ ذلك بحسب مقدار خروجه.
هذا، والاختلاف المنهي عنه، مِن لازمه ــ كما بينته الآيات ــ: التحزب وأن يكونوا شيعًا. وسبيلُ الحق بيِّنة، والدينُ محفوظٌ قد تكفَّل الله تعالى بحفظه، وبأن لا تزال طائفة من الأمة قائمة عليه. فإن أخطأ عالم لم يلبث أن يجد من ينبِّهه على خطائه. فإن لم يتفق له ذلك، فالذي يوافقه أو يتابعه لا بد أن يجد من ينبِّهه. فلا يمكن أن يستولي الخطأ على فرقة من الناس [٢/ ٣٨٢] يثبتُون عليه ويتوارثونه إلا باتباعهم الهوى. ولهذا نجد علماء كل مذهب يرمُون علماءَ المذاهب الأخرى بالتعصب واتباع الهوى، وأكثرُهم صادقون في الجملة، ولكن الرامي يغفُل عن نفسه، وكما جاء في الأثر (٢):
«يرى
стр. 1485
القذاةَ في عين أخيه، وينسى الجِذْعَ في عينه»!
وعلى كل حال، فإن الأمة قد اتبعت سَنَنَ مَنْ قبلها، كما تواترت بذلك الأخبارُ عن النبي ﵌. ومن ذلك، بل من أعظمه، بل أعظمه: أنها فرَّقَتْ دينها، وكانت شيعًا. وقد تواترت الأخبار أيضًا بأنه لا تزال طائفة قائمة على الحق، فعلى أهل العلم أن يبدأ كلٌّ منهم بنفسه، فيسعى في تثبيتها على السّراط، وإفرادِها عن اتباع الهوى، ثم يبحث عن إخوانه، ويتعاون معهم على الرجوعِ بالمسلمين إلى سبيل الله، ونبذِ الأهواء التي فرَّقُوا لأجلها دينَهم وكانوا شيعًا.
ويتلخص العمل في ثلاثة مطالب:
الأول: العقائد . وقد علمتَ أن هناك معدِنًا لحجج الحق، وهو المأخذان السلفيان. ومعدِنًا للشُّبه، وهو المأخذان الخلفيان؛ فطريق الحق في ذلك واضح (١).
стр. 1486
المطلب الثاني: البدع العملية . والأمر في هذا قريب لولا غلبة الهوى، فإن عامة تلك البدع لا يقول أحد من أهل العلم والمعرفة إنها من أركان الإسلام، ولا من واجباته، ولا من مندوباته. بل غالبهم يجزمون بأنها بدع وضلالات، وصرَّح قوم منهم بأن منها ما هو شرك وعبادة لغير الله . وقد شرحتُ ذلك في كتاب «العبادة»، وبحسبك هنا أن تستحضر أن من يزعم من المنتسبين إلى العلم أنه لا يرى ببعضها بأسًا، أو زاد على ذلك أنه [٢/ ٣٨٣] يُرجى منها النفع، فإنه ــ مع مخالفته لمن هو أعلم منه ــ يعترف بأنَّ في الأعمال المشروعة اتفاقًا ما هو أعظم أجرًا وأكبر فضلًا بدرجات لا تحصى. وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وفي «الصحيحين» (١) عن النبي ﵌: «الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشبَّهات لا يعلمهن كثير من الناس. فمن اتقى الشبهاتِ فقد استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمَى يُوشك أن يقع فيه». وفي حديث آخر (٢): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وفي حديث آخر (٣): «إنه لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدعَ ما لا بأس به حذرًا لما به بأس».
стр. 1487
والنظر الواضح يكشف هذا. فإنك لو كنتَ مريضًا فاتفق الأطباء على أشياء أنها نافعة لك، واختلفوا في شيء، فقال بعضهم: إنه سمٌّ قاتل، وقال بعضهم: لا نراه سمًّا، ولكنه ضار، وقال بعضهم: لا يتبين لنا أنه ضارٌّ، وقال بعض هؤلاء: بل لعله لا يخلو من نفع= أفلا يقضي عليك العقلُ ــ إن كنت عاقلًا ــ بأن تجتنب ذاك الشيء؟
أوَ ليس مَن يأمرك ويُلِحُّ عليك أن تصرِفَ وقتك في تناول ذاك الشيء تاركًا ما اتفقوا على نفعه بحقيقٍ أن تَعُدَّه ألدَّ أعدائك؟
وتدبَّرْ في نفسك: أيصح من عاقل محبٍّ للإيمان خائفٍ من الشرك أن يستحضر هذا المعنى، ثم يصرَّ على تلك البدع التي يخاف أن تكون شركًا؟ أوَ ليس مَنْ يُصِرُّ إنما يشهد على نفسه بأنه لا يبالي إذا وافق هواه أن يكون شركًا؟!
المطلب الثالث: الفقهيات . والاختلاف فيها إذا كان سببه غير الهوى أمره قريب، لأنه ــ كما مرَّت الإشارة إليه ــ لا يؤدي إلى أن يصير المسلمون فِرَقًا متنازعةً وشِيَعًا متنابذة، ولا إلى إيثار الهوى على الهدى، وتقديمِ أقوالِ الأشياخ على حجج الله ، والالتجاء إلى تحريف معاني النصوص. وإذْ كان المسلمون قد وقعوا في ذلك، فإنما أوقعهم الهوى، فلا مَخْلَصَ لهم منه إلا أن يستيقظ أهل العلم لأنفسهم فيناقشوها الحساب، ويكبحوها عن الغَيِّ، ويتناسَوا ما استقرَّ [٢/ ٣٨٤] في أذهانهم من اختلاف المذاهب، وليحسبَوها مذهبًا واحدًا اختلف علماؤه، وأنَّ على العالم في زماننا النظرَ في تلك الأقوال وحججها وبيناتها، واختيارَ الأرجح منها.
стр. 1488
وقد نصَّ جماعة من علماء المذاهب أن العالم المقلِّد إذا ظهر له رجحانُ الدليل المخالف لإمامه لم يجز له تقليدُ إمامه في تلك القضية. بل يأخذ بالحق، لأنه إنما رُخِّص له في التقليد عند ظن الرجحان، إذ الفرض على كل أحد طاعةُ الله وطاعة رسوله. ولا حاجة في هذا إلى اجتماع شروط الاجتهاد، فإنه لا يتحقق رجحانُ خلاف قول إمامك إلا في حكم مختلَف فيه، فيترجَّح عندك قولُ مجتهد آخر، وحينئذ تأخذ بقول هذا الآخر متَّبعًا الدليلَ الراجح من جهة، ومقلِّدًا في تلك القضية لذاك المجتهد الآخر من جهة. والفقهاءُ يجيزون تقليد المقلِّد غيرَ إمامه في بعض الفروع لمجرد احتياجه، فكيف لا يجوز بل يجب أن يقلِّده فيما ظهر أن قوله أولى بأن يكون هو الحق في دين الله؟
وقضية التلفيق إنما شدَّدوا فيها إذا كانت لمجرد التشهِّي وتتبُّع الرخص، فأما إذا اتفقت لمن يتحرَّى الحقَّ وإن خالف هواه فأمرها هيِّن. فقد كان العامة في عهد السلف تَعرِض لأحدهم المسألةُ في الوضوء، فيسأل عنها عالمًا فيفتيه، فيأخذ بفتواه. ثم تعرض له مسألة أخرى في الوضوء أيضًا أو الصلاة، فيسأل عالمًا آخر، فيفتيه، فيأخذ بفتواه، وهكذا. ومن تدبَّر علِمَ أن هذا تعرُّضٌ للتلفيق، ومع ذلك لم ينكره أحد من السلف، فذاك إجماع منهم على أن مثل ذلك لا محذور فيه، إذ كان غيرَ مقصود، ولم ينشأ عن التشهِّي وتتبُّع الرخص.
فالعالم الذي يستطيع أن يروض نفسَه على هذا هو الذي يستحق أن يهديه الله ، ويسوغ له أن يثق بما تبيَّن له، ويسوغ للعامة أن يثقوا بفتواه. نعم، قد غلب اتباعُ الهوى وضعف الإيمان في هذا الزمان، فإذا
стр. 1489
احتيط لذلك بأن يرتَّب جماعةٌ من أعيان العلماء للنظر في القضايا والفتاوى، فينظروا فيها مجتمعين، ثم يُفتوا بما يتفقون عليه أو أكثرهم= لكان في هذا خير كثير وصلاح كبير إن شاء الله تعالى.
فتلخَّص مما تقدَّم أن من اعتمد في العقائد المأخذين السلفيين ووقف معهما، واتقى البدعَ، وجرى في اختلاف الفقهاء على أنها مذهب واحد اختلف علماؤه فتحرَّى الأرجح، وكان مع ذلك محافظًا على الفرائض، مجتنبًا للكبائر، فإن عثر استقال ربَّه وتاب وأناب= فهو من الطائفة [٢/ ٣٨٥] التي أخبر النبي ﵌ أنها لا تزال قائمةً على الحق. فليتعرَّفْ إخوانَه، وليتعاضد معهم على الدعوة إلى الحق، والرجوعِ بالمسلمين إلى سواء السراط. فأما من أبى إلا الجمودَ على أقوال آبائه وأشياخه والانتصار لها، فيوشك أن يدخل في قول الله ﵎: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣].
اللهم يا مقِّلبَ القلوب ثبِّت قلوبَنا على دينك، واهْدِنا لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].