أوائل سنة ثمان أن ابن عيينة أخطأ في حديثين، فعَدَّ ذلك تغيُّرًا، وأطلق كلمة
«اختلط» على عادته في التشديد.
وقد كان ابن عيينة أشهر من نار على عَلَم، فلو اختلط الاختلاط الاصطلاحيّ لسارت بذلك الركبان، وتناقله كثيرٌ من أهل العلم وشاع وذاع. وهذا «جزء محمد بن عاصم» سمعه من ابن عيينة في سنة سبع، ولا نعلمهم انتقدوا منه حرفًا واحدًا. فالحق أن ابن عيينة لم يختلط، ولكن كبر سنُّه، فلم يبق حفظُه على ما كان عليه، فصار ربما يخطئ في الأسانيد التي لم يكن قد بالغ في إتقانها، كحديثه عن أيوب. والذي يظهر أن ذلك خطأ هيِّن، ولهذا لم يعبأ به أكثر الأئمة، ووثَّقوا ابن عيينة مطلقًا.
ومع هذا فالحكاية التي تكلَّم فيها الأستاذ، هي واقعة جرَتْ لابن عيينة أخبر بها، وليس ذلك من مظان الغلط. وراويها عنه إبراهيم بن بشار الرمادي من قدماء أصحابه. قال أبو عَوانة في «صحيحه» (ج ١ ص ٣٦٥): «كان ثقة من كبار أصحاب سفيان وممن سمع قديمًا منه».
ومناقب ابن عيينة في الكتب المشار إليها في ترجمة الثوري وغيرها (١). ومن ذلك: قال ابن وهب صاحب الإمام مالك: «ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله من ابن عيينة». وقال الشافعي: «ما رأيت أحدًا من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحدًا أكفَّ عن الفُتْيا منه». وقال أحمد: «ما رأيت أحدًا أعلمَ بالقرآن والسنن منه».
стр. 492
١٠٠ - سفيان بن وكيع:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٩ [٣٨٧]) عنه قال: «جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة، فجلس إلينا فقال: سمعت أبي حمادًا يقول: بعث ابنُ أبي ليلى إلى أبي حنيفة فسأله عن القرآن فقال: مخلوق ... ».
قال الأستاذ (ص ٥٧): «كان ورَّاقه كذَّابًا يُدخِل في كتبه ما شاء من الأكاذيب فيرويها هو, فنبَّهوه على ذلك، وأشاروا عليه أن يغيِّر ورَّاقه، فلم يفعل؛ فسقط عن مرتبة الاحتجاج عند النقاد».
أقول: حسَّن الترمذي بعضَ أحاديثه، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١)، وقال: «كان شيخا فاضلًا صدوقًا إلا أنه ابتلي بورَّاقِ سَوءٍ .... وهو من الضرب الذين لَأَنْ يخِرَّ أحدُهم من [١/ ٢٦٥] السماء أحبُّ إليهم من أن يكذبوا على رسول الله ﷺ ». وذكر له ابن عدي (٢) خمسة أحاديث معروفة إلا أن في أسانيدها خللًا ثم قال: «إنما بلاؤه أنه كان يتلقَّن. يقال: كان له ورَّاق يُلقِّنه من حديثٍ موقوفٍ فيرفعه، أو مرسلٍ يُوصله، أو يبدِّل رجلًا برجل». والحكاية التي ساقها الخطيب ليست من مظنة التلقين، ولا من مظنة الإدخال في الكتب. فإذا صحَّ أن هذا الرجل صدوق في نفسه لم يكن في الطعنِ فيه بقصة الوراق فائدة هنا. وأكبرُ ما في الحكاية قولُ أبي حنيفة
стр. 493
المقالةَ المذكورة، والأستاذ يُثبت ذلك ويتبجَّح به.
١٠١ - سلَّام بن أبي مُطيع:
مرَّت الإشارة إلى روايته في ترجمة سعيد بن عامر (١).
قال الأستاذ (ص ١٠٩): «قال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج بما ينفرد به. وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة وسوء الحفظ».
أقول: هذا رجل من رجال «الصحيحين» منسوب إلى العقل، لا إلى الغفلة؛ فكأنَّ الحاكم صحَّف (٢). قال أبو داود: «كان يقال: هو أعقل أهل البصرة». وقال البزَّار: «كان من خيار الناس وعقلائهم». وقال أحمد وأبو داود: «ثقة». وقال ابن عدي: «لم أر أحدًا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة، وهو مع ذلك كلِّه عندي لا بأس به».
فكأنَّ ابن حبان رأى بعض حديثه عن قتادة غريبًا، فأطلق. وروايته هنا ليست عن قتادة، وإنما هي قصةٌ جرت لأيوب شهدها سلَّام. وليس ذلك من
стр. 494
مظنة الغلط. راجع (ص ٩) (١).
١٠٢ - سلامة بن محمود القيسي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٤ [٣٨٠]) عنه: «حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو قال: سمعتُ أبا مُسْهِر يقول: كان أبو حنيفة رأس المرجئة».
قال الأستاذ (ص ٤٥): «من الزهاد المستثنِين في كل شيء إلا في مثل هذا»!
أقول: يعني أن الرجل منهم كان إذا قال: أنا مؤمن، قال: إن شاء الله. وليس هذا بقادح، وقد ذكرتُ هذه المسألة في قسم الاعتقاديات (٢). (٣)
١٠٣ - سلمة بن كُلْثوم:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٧ [٤١٨]): من طريق أبي توبة: «حدثنا [١/ ٢٦٦] سلمة بن كلثوم، وكان من العابدين، ولم يكن في أصحاب الأوزاعي أحيا منه. قال: قال الأوزاعي لما مات أبو حنيفة: الحمد لله، إن كان لينقضُ الإسلامَ عروةً عروةً».
قال الأستاذ (ص ١٠٩): «يقول عنه الدارقطني: كثير الوهم».
стр. 495
أقول: عبارة الدارقطني على ما في «التهذيب» (١): «يهم كثيرًا». وليست حكايته هذه مظنة للوهم، وقد توبع عليها. وراجع (ص ٩) (٢). وقال أبو اليمان: «كان يقاس بالأوزاعي». (٣)
١٠٤ - سليمان بن عبد الله:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٢ [٣٩٢]) من طريق: «أحمد بن مهدي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني سَلْم (وفي طبعة الهند: سليمان) بن عبد الله، حدثنا جرير، عن ثعلبة ... ». وفيه: (١٣/ ٣٩٨ [٤١٩]) مثل هذا السند، وفيه «سليمان بن عبد الله» باتفاق النسخ.
قال الأستاذ (ص ٦٥): «واه إن كان سَلْمَ بن عبد الله الزاهد. وليس بشيء إن كان سليمانَ بن عبد الله الرَّقِّي. وإن كان غيرَهما، فمجهول». وقال (ص ١١٠): «هو أبو الوليد الرَّقِّي. قال ابن معين: ليس بشيء».
أقول: ذكر الذهبي في «الميزان» (٤) سليمان بن عبيد الله أبا أيوب الرَّقِّي، وذكر قول ابن معين: «سليمان بن عبيد الله الرَّقِّي ليس بشيء». وذكر قبله (٥) بتراجم: «سليمان بن عبد الله أبو الوليد الرقي، قال ابن معين: ليس
стр. 496
بشيء». تعقبه ابن حجر في «اللسان» (١) في هذا، فقال: «ما أعلم أن هذا غير أبي أيوب أم لا؟ بل لعله هو، فقد ذكر المؤلف في ترجمته قول ابن معين هذا». وابن حجر واسع الاطلاع، وقد استدرك على الذهبي عدة أوهام. ويظهر أن الذهبي كان إذا ظفر باسم في مطالعاته قيَّده في مذكِّرته ليلحقه في موضعه من «الميزان». فقد يقع التصحيف والوهم إما من المأْخَذ الذي نقل عنه الذهبي، وإما من سرعة كتابة الذهبي في مذكرته.
وعلى كل حال، فقد جازف الأستاذُ بجزمه أنَّ الواقعَ في السند هو هذا الذي ذكره الذهبي؛ لأنه إن كان هذا الذي ذكره الذهبي لا وجود له فواضح، وإن كان موجودًا فلا يُدرَى في أيِّ عصر كان، وعمَّن روى، ومن روى عنه؟ وليس هو من بلد أحمد بن إبراهيم، ولا من [١/ ٢٦٧] بلد جرير.
وهذا الاسم «سليمان بن عبد الله» ليس بغريب حتى يقِلَّ الاشتراك فيه. أرأيت لو قال قائل: بل المذكور في السند هو سليمان بن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني، لأنه موجود قطعًا، وكان في تلك الطبقة قطعًا؛ ألا يكون هذا أقرب من قول الأستاذ بكثير؟
وحينئذ يضِجُّ الأستاذ ويقول: هذا سَعْيٌ في تصحيح المثالب التي يأبى العقلُ صحتها. فنقول له: إن كان العقل الذي يعرفه الناس، فلا يضرُّك معه أن يكون هذا الواقع في السند هو الحرَّاني أو مَن هو أثبت منه؛ لأن الخبر المخالف للعقل لا يُقبل ولو من الثقة، كما ذكرتَه أنت في «الترحيب»، وإذا
стр. 497
تفرد الثقة بما لا يُقبل حُمِلَ على الخطأ واسترحتَ منه.
وإن كان المراد بالعقل ما يسمِّيه الناس «الهوى»، فليس لك أن تتبعه. فإن لم تستطع إلا اتباعه، فعلى الأقل لا تَرْمِ بِدائك مَن هو أقربُ إلى الحق منك. فإن صحَّ أن له هوى مضادًّا لهواك، فليس لك أن تلومه. هَبْ أن الناس أعطوك حكمَك أنَّ لك أن تتَّبِعَ هواك، وتُنكِرَ على من خالفك، فهل يبلغ من ذلك أن يَدَعُوك تنكر على مخالفك ما هو حقٌّ لا شبهة فيه، ولا يمكنك أن تجحده بقلبك وإن جحدتَه بلسانك، كأن يقال: أن المتنَين المرويَّين بهذا السند قد رُويا وما في معناهما من طرق أخرى قوية، قد ذكرتَها أنت أو بعضها في «تأنيبك»؛ بل لعل أحدهما متواتر التواترَ في اصطلاح أهل العلم، لا في اصطلاحك الخاصِّ إنْ حَسَّنَّا الظن بك؛ فإنك تطلق كلمة «متواتر» على ما يشتهر في كتب المناقب، وإن كان أصله مما لا تقوم به الحجة!
١٠٥ - سليمان بن عبد الحميد البَهْراني:
ذكر الخطيب من طريقه حكايةً في ترجمة محمد بن الحسن، فقال الأستاذ (ص ١٨٦): «مختلف فيه. يقول النسائي عنه: كذاب ليس بثقة».
أقول: قد أحسن الأستاذ بقوله: «مختلف فيه»، فإن سليمان هذا وثَّقه مَسْلمة. وقال ابن أبي حاتم (١): «هو صديق أبي كتب عنه، وسمعتُ منه بحمص، وهو صدوق». وروى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم (٢). وذكره ابن حبان في
стр. 498
«الثقات» (١) وقال: «كان ممن يحفظ الحديث ويتنصَّب». والنسائي ﵀ نُسِب إلى طرف [١/ ٢٦٨] من التشيُّع، وهو ضد التنصُّب؛ فلعله سمع سليمان يحكي بعض الكلمات الباطلة التي كان يتناقلها أهل الشام في تلك البدعة التي كانت رائجة عندهم، وهي النصب. وقد قال الأستاذ (ص ١٦٣): «فلا يُعتدُّ بقول من يقول: فلان يكذِب. ما لم يفسِّر وجهَ كذبه ... »!
١٠٦ - سليمان بن فُليَح:
تقدمت من طريقه حكاية في ترجمة خالد القَسْري (٢). وفي «تاريخ بغداد» (١٤/ ٢٥٦) من طريق: «هارون بن موسى الفَرْوي، حدثني أخي عمران بن موسى قال: حدثني عمّي سليمان بن فُلَيح قال: حضرت مجلس هارون الرشيد ... ».
قال الأستاذ (ص ٦٢): «قال أبو زرعة: لا أعرفه، ولا أعرف لفليح ولدًا غير محمد ويحيى». وذكر نحو ذلك (ص ١٧٥)، وزاد: «قلت: وله أيضًا موسى إلا أنه في عداد المجاهيل. وأما ما يقوله ابن حجر في «اللسان» من احتمال كون الاسم مقلوبًا عن فليح بن سليمان، فبعيد عن القبول والاحتمال ... فسليمان بن فليح مجهول على كل حال. فمجردُ تصوُّرِ شخص يغشى مجلس الرشيد ويردُّ على مثل أبي يوسف ولا تكون شخصيته معلومة عند أهل العلم سلفًا وخلفًا كافٍ في معرفة أن الخبر مختلَق، والسند مركَّب».
أقول: في «الأغاني» (ج ١٨ ص ٧٣) من طريق: «أبي محمد اليزيدي
стр. 499
قال: كان الرشيد جالسًا في مجلسه، فأُتي بأسير من الروم، فقال لذُفَافة العبسي: قم فاضرب عنقه. فضربه، فنبا سيفه. فقال لابن فليح المدني: قم فاضرب عنقه. فضربه، فنبا سيفه أيضًا. فقال: أصلح الله أمير المؤمنين تقدَّمَتْني ضَرْبة عَبَسية ... ».
وفيها (ج ١٤ ص ٥٩): «أخبرني الحَرَمي ابن أبي العلاء، ثنا الزبير بن بكَّار، عن عمه، عن فليح بن سليمان قال: مررنا يومًا مع خالصة (جارية للرشيد) في موكبها ... » (١).
стр. 500
وفليح بن سليمان المشهور توفي سنة ١٦٨ قبل ولاية الرشيد الخلافة، ولا أحسبه دخل بغداد، ولو دخلها لما كان له شأن بمروره مع خالصة في موكبها، ومع ذلك فليس هو من آل أبي فروة. وهارون وعمران ابنا موسى لم أعرفهما. والأشبه ــ والله أعلم ــ أنه كان لفليح بن سليمان المعروف أربعة أبناء: محمد ويحيى وموسى وسليمان، وجهل أبو زرعة سليمان كما جهل موسى. ثم كان لموسى ابنان: هارون وعمران المذكوران في السند. فسليمان أخو محمد كما قال محمد، وعمُّ عمران كما قال عمران. وهو ابنُ فليح الذي ذكره اليزيدي. و (١) الواقع في [١/ ٢٦٩] رواية «الأغاني» الثانية باسم «فليح بن سليمان» إما أن يكون انقلب، وإما أن يكون الأصل «ابن فليح بن سليمان»، فسقطت كلمة «ابن».
ولم يكن لسليمان هذا اعتناء برواية الحديث، فيعرفه أهل الحديث، وإنما كان كما قال أخوه: «علَّامة بالناس»، يعني: بأخبارهم، ويشهد لذلك قوله في رواية اليزيدي: «تقدمتني ضربة عَبَسية». يشير إلى قصة وَرْقاء بن زهير العبسي التي ذكرها الفرزدق في قوله:
فسيفُ بني عبسٍ وقد ضَرَبوا به ... نبا بيدَيْ ورقاءَ عن رأسِ خالدِ (٢)
وكان منقطعًا إلى خدمة الرشيد وآله، وكثير من هذا الضرب وممن هو أولى بالاشتهار منه لا نكاد نعرف عنهم شيئًا، كما يأتي في ترجمة
стр. 501
أبي جزي (١). ومثلُ هذا لا مانع أن تكون له دالَّة تُجَرِّئه على الكلام في مجلس الرشيد. وعلى كل حال فليس هو ممن يثبت بروايته خبر، فإن كان هناك ما يدفع صحة خبره ــ كما يقول الأستاذ ــ فالحمل عليه، ولا مسوِّغ للحكم على السند بأنه مركب، كما زعم الأستاذ. وراجع «الطليعة» (ص ٢٧ - ٢٨ و ٩٣ - ٩٤) (٢).
١٠٧ - سُنَيد بن داود .
مرَّت حكايته وكلام الأستاذ فيه والجواب عن بعضه في ترجمة حجاج بن محمد (٣). وبقي قول النسائي: «غير ثقة» وقول أبي داود: «لم يكن بذلك» وقول أبي حاتم: «ضعيف». كذا في كتاب ابنه (٤). وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (٥)، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤١٦) (٦). وقال الخطيب: «كان له معرفة بالحديث، وما أدري أي شيء غَمَصوا عليه؟ وقد ذكره أبو حاتم في شيوخه الذين يروي عنهم فقال: بغدادي صدوق». قال الخطيب: «كان له
стр. 502
معرفة بالحديث وضبطه».
أقول: ما أراهم غَمَصوا عليه إلا ما تقدَّم في ترجمة حجاج. ولعل من شدَّد لم يتدبر القصة، وقد تقدَّم الجواب الواضح عنها، وكفى بقول حاكيها نفسِه وهو الإمام أحمد: «كان سنيد لزم حجاجًا قديمًا، وقد رأيت حجاجًا يملي عليه، وأرجو أن لا يكون حدَّث إلا بالصدق».
١٠٨ - شريك بن عبد الله النخعي القاضي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٢ [٣٧٦]) عنه: «كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى ... » وفيه (١٣/ ٣٨١ [٣٨٩]) عن أحمد بن إبراهيم قال: [١/ ٢٧٠] «قيل لشريك: استتيب أبو حنيفة؟ قال: قد علم ذلك العواتقُ في خدورهنّ». وعن يحيى بن آدم: «سمعت شريكًا يقول: استتبتُ أبا حنيفة مرتين». وعن يحيى بن حمزة: «حدثني شريك بن عبد الله قاضي الكوفة أن أبا حنيفة استتيب من الزندقة مرتين». وعن أبي معمر (إسماعيل بن إبراهيم بن معمر) قال: «قيل لشريك: ممَّ استتبتم أبا حنيفة؟ قال: من الكفر». وفيه (٣/ ٣٩٧ [٤١٧]) عن شريك: «لو كان في كلِّ رُبْعٍ من أرباع الكوفة خمَّار يبيع الخمر كان خيرًا من أن يكون فيه من يقول بقول أبي حنيفة».
قال الأستاذ (ص ٤٠): «معروف أن شريكًا كان له لسان ذلق لا واخذه الله. وتشنيعه هذا تشنيع من لا يفرِّق بين مدلولَي الدين والإيمان، ولا يهتدي إلى وجه الجمع بين الظواهر المتضاربة في ذلك، وتَابعَ الخوارج أو المعتزلة من حيث لا يعلم».
وقال (ص ٦١): «والتحقيق أن شريكًا ثقة في الحديث لكنه طويل اللسان في الناس».
стр. 503
وقال (ص ٦٤): «الخبر كذب ملفَّق، وخاصةً بهذا اللفظ (استتبت أبا حنيفة) لأن شريكًا إنما ولي القضاء بعد وفاة أبي حنيفة بخمس سنين». وقال بعد ذلك: «وشريك يكاد (١) يكون ممن لا يعرف ما هي الزندقة؟ ».
وقال (ص ١٠٨): «ولو فرضنا أن شريكًا قال هذا لكان آذى نفسه ... لأن أبا حنيفة وأصحابه على قولهم المعروف في الأشربة غير الخمر، كانوا يمنعون الناس من احتسائها بخلاف شريك ... فيكون شريك كأنه ما كان يعجبه منعُ أصحاب أبي حنيبفة من احتساء النبيذ، حتى تمنّى أن يكون في كل حيّ من الأحياء خمَّار لينتشي كما يشاء ... وشريكٌ ممن عُرِف بطول اللسان، وقد اضطربت أقواله في أبي حنيفة بين مدح وقدح، وقولُ أهل النقد فيه معروف، وحسابُه على الله».
أقول: أما القضية الأولى وهي في الإرجاء، فقد ذكرت المسألة في قسم الاعتقاديات (٢).
وأما حال شريك في نفسه، فمن أجلَّة العلماء وأكابر النبلاء. فأما في الرواية، فكثير الخطأ والغلط والاضطراب، فلا يُحتجُّ بما ينفرد به أو يخالف. ونَسَبه الدارقطني وابن القطان وعبد الحق إلى التدليس.
وأما قوله: «استتبت أبا حنيفة»، وقولهم له: «استتبتم أبا حنيفة؟ » فلا مانع من صحته. وقد جاء نحو ذلك عن سفيان الثوري. وحقيقة الاستتابة أن يقال للرجل: «تُبْ». فقد يقول العالم وإن لم يكن قاضيًا ولا أميرًا ذلك لغيره، وقد يجتمع عالمان أو أكثر على [١/ ٢٧١] واحد، فيقولون له: «تُبْ»، وقد يهدِّدونه بأنه إذا لم يتب رفعوه إلى الحاكم، وقد يُحضر الحاكمُ بعضَ
стр. 504
العلماء ويتساورهم (١) في رجل، فيستتيبونه بحضرته. وهذا واضح جدًّا.
وأما ما قاله الأستاذ في قضية الأشربة فعبث، ومقصود شريك واضح (٢)، والنبيذ عند أهل العراق الذين يرخِّصون فيه ليس بخمر عندهم، وشريك إنما ذكر الخمَّار لا النبَّاذ. ولو ذكر الأستاذ ما عنده عن شريك في المدح ــ كما أشار إليه ــ لكان أولى ممَّا ذكره هنا، بشرط أن يكون في روايته بعض القوة، ولكن الأستاذ يعرف بضاعته!
١٠٩ - صالح بن أحمد:
راجع «الطليعة» (ص ١٢ - ١٨) (٣). ووقع في آخر السطر السابع من صفحة (١٣) «أن»، والصواب «ألَّا». ويزاد بعد السطر الثالث عشر هذه العبارة: «والظاهر أنه جيء به إلى بغداد طفلًا أو وُلِد بها فإن في ترجمته من «تاريخ بغداد» ذكر جماعة من شيوخه، وكلُّهم عراقيون من أهل بغداد والبصرة ونواحيها، أو ممن ورد على بغداد، وسماعُه منهم قديم. فمن شيوخه البغداديين: يعقوب الدَّورقي المتوفى سنة ٢٥٢ (٤)، ويوسف بن موسى القطان المتوفى سنة ٢٥٣. ومن البصريين: محمد بن يحيى بن أبي حزم القِطَعي المتوفى سنة ٢٥٣. وصرَّح الخطيب في ترجمة فَضْلَك الرازي بأن ابن أبي مقاتل بغدادي، فلا شأن له من جهة السماع بهمذان ولا بهراة».
стр. 505
ويبدل السطر السادس عشر بلفظ: «بمائة وأربع عشرة سنة». وتبدل كلمة «بنيف وثلاثين» في السطر الرابع من صفحة (١٥) بكلمة «بست وأربعين»، فإنّ محمد بن عيسى بن عبد العزيز قُتل سنة ٤٣٠ كما في ترجمته من «تاريخ بغداد» (ج ٢ ص ٤٠٦). وسقط هناك لفظ «عبد» خطأً كما لا يخفى، وإن حاول الأستاذ أن يشكِّك فيه لإفلاسه. وفي «تاريخ بغداد» (١/ ٢١٤): «أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزَّاز بهمذان قال: سمعت أبا الفضل صالح بن أحمد بن محمد التميمي الحافظ يقول ... ».
ووقعت في الترجمة من «الطليعة» (١) أخطاء مطبعية لابأس بأن أشير إليها هنا:
ص ١٢ س ٤: ١، و ٢٠. س ١٠: ابن أبي مقاتل. س ١٤: بصره كما قاله. س ١٦: بمثل السند.
ص ١٣ س ٤: همذاني - همذانيان. س ٧: العادة إلا. س ١٢: همذاني.
[١/ ٢٧٢] ص ١٤ س ١١: أبو الفضل. س ١٤: عنها) ... وكان. س ١٥: ثبتا ... ».
ص ١٥ س ١: ٥٩٢. س ٣: بست وأربعين.
ص ١٦ س ٥: الحذاء ... روى عنه. س ٦: الحافظ ... قال.
ص ١٧ س ١١: باثنتين.
стр. 506
هذا ولما كانت قضية صالح بن أحمد وما معها أول انتقاد أتى في «الطليعة» رأى الأستاذ أنه لا يجدر به السكوت عليها مهما كلَّفه الكلامُ من التعسُّف والتعجرف. وكنت ذكرت في «الطليعة» (١) سبعة أوجه تُبيِّن أن صالح بن أحمد في السند هو أبو الفضل التميمي الهَمَذاني الحافظ الثقة المأمون، لا ابن أبي مقاتل القيراطي المطعون فيه؛ فحاول الأستاذ في «الترحيب» الاعتراض على الثلاثة الأوجه الأولى بما حاصله أن كلًّا منها لا يقتضي البتَّ.
فأقول: ما منها إلا ما لو بنيتُ الحكم عليه وحده لصحَّ، راجع «فتح المغيث» للسخاوي (ص ٤٤٩) (٢) طبعة الهند، فكيف بسبعة أوجه لعل تلك الثلاثة أضعَفُها! وقد قدمت هنا ما يؤيد تلك الأوجه.
هذا، وشيوخ القيراطي قدماء كما مرَّ، وهو مرميٌّ بسرقة الحديث، والباعث على سرقة الحديث هو الغرام بدعوى العلوّ. فمن حمله غرامُه بالعلو على الكذب، فكيف بعد سماعه من الذين توفوا سنة ٢٥٢ ينزل إلى الرواية عمن كان في تلك السنة طفلًا أو لم يولد، وهو القاسم بن أبي صالح المتوفى سنة ٣٣٨؟ فإنّ أقدم مَن سُمِّي من شيوخ القاسم: أبو حاتم الرازي المتوفى سنة ٢٧٧. بل لو روى القيراطي عن محمد بن أيوب شيخ القاسم في تلك الحكاية لكان نزولًا، فإن محمد بن أيوب توفي سنة ٢٩٤.
ثم ذكر الأستاذ في «الترحيب» (ص ٢٦) أنه قد سبقه إلى القول بأن
стр. 507
صالح بن أحمد الواقع في السند هو القيراطي، الملِكُ عيسى، واللجنة الأزهرية التي علقت على الطبعة الثانية للمجلد الثالث عشر من «تاريخ بغداد».
فأقول: أما أنا، فلم أكن وقفتُ على ذلك. وليس للأستاذ في ذلك عذر، إذ ليس هو ممن يقلِّد مثلَ مَنْ ذكره في هذه المواضع، وكلامه يدل على أنه لم يقلِّد، بل بحَثَ ونَظَر، فغاية الأمر أن يكون جرَّأه الغلطُ على التغالط، فيلحق ذلك بنظائره في «الطليعة» (ص ٥٢ - ٦٦) [١/ ٢٧٣]. وقد ردَّ على عيسى واللجنة حيث لم يكن له هوًى في الموافقة، وذلك قوله (ص ٥٦) من «التأنيب»: «وأبو مسدد قَطَن بن إبراهيم ... وليس المراد قَطَن بن نُسَير كما ظن ذلك الملك المعظَّم، وما وقع في كتاب الملك المعظم المطبوع من ذكر (بشير) بدل (نسير) تصحيف. وكذلك ما وقع في تعليق الطبعة الثانية (١) من ذكر (بشر) بدل (نسير) تصحيف آخر ومتابعة للواهم في (قطن)».
ثم قال الأستاذ في «الترحيب» (ص ٢٨): «ومع هذا لا مانع من قبول تحقيق الأستاذ اليماني في عدّ صالح بن أحمد في السند هو الموثَّق مقدِّرًا بحثه ... ». ثم عاد فأقام الحجة على أن في نفسه مانعًا أيَّ مانع فقال: «على أن صالح بن أحمد المضعَّف ... ». وذكر في (ص ٢٩) أنه لا يبعد أن يكون بين محمد بن عيسى وبين صالح بن أحمد اسمُ راوٍ سقط من الأصل. يعني: فيكون محمد بن عيسى روى عن رجل عن صالح بن أحمد، وسقط اسم الرجل.
стр. 508
أقول: هذا التجويز يدلّ على مبلغ اضطرار الأستاذ. وإنني لأعجب من عقليته الجبّارة كيف يجمع بين هذا وأمثاله وبين التألُّم ممَّا فهمه من «الطليعة» من نسبته إلى تعمّد المغالطة! على أن هذا التجويز الذي استروح إليه لا يقتصر الحال على أنه لا دليل عليه، بل الدلائل قائمة على خلافه، كما يُعلم بتدبر ما في «الطليعة» وما هنا.
وتعرَّض الأستاذ لما ذكرته في «الطليعة» (ص ١٩ - ٢٠) (١) من أن الحكاية ثابتة أيضًا من وجه آخر عن إبراهيم بن بشار يعرفه الأستاذ، فقال (ص ٢٥) من «الترحيب»: «ولم يدر المسكين أن ذلك الخبر في السقوط بحيث لا يمكن أن يقوم على قدم، فضلًا عن قدمين، لاستحالة المتن». كأن القيام على قدم أيسر عند الأستاذ من القيام على قدمين، وثبوتَ الخبر بسند أقوى من ثبوته بسندين! أما الاستحالة، فقد مرَّ الكلام عليها في الفصل الثاني من المقدمة (٢)، وتقدَّم الإشارة إليها قريبًا في ترجمة سليمان بن عبد الله (٣).
ثم ذكر أن ابن أبي خيثمة نُسِب إلى القدر، وكان مختصًّا بعلي بن عيسى، وأن إبراهيم بن بشّار متكلَّم فيه، وأن سفيان بن عيينة اختلط بأخَرَة.
فأقول: أما إبراهيم وسفيان فقد تقدمت ترجمتاهما (٤). وأما ابن أبي
стр. 509
خيثمة، فقال الدارقطني: [١/ ٢٧٤] «ثقة مأمون»، وقال الخطيب: «كان ثقة عالمًا متقنًا حافظًا». هكذا في «تذكرة الحفاظ» (١) و «لسان الميزان» (٢). ووقع في «تاريخ بغداد» (٣): «متفننًا» بدل «متقنًا». وقال الذهبي في «تذكرة الحفاظ»: «الحافظ الحجة الإمام».
فأما القَدَر فلو ثبت عنه لم يضرَّه، كما سلف في القواعد (٤)، فكيف وهو غير ثابت! إذ لا يُدرى مَن الناس الذين نسبوه إليه وما مستندهم في تلك النسبة؟ وقد قال الأستاذ (ص ٥٦) في قول الحِمَّاني: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق. فقال الأستاذ: «قول الراوي: سمعت الثقة يُعَدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات».
وأما اختصاصه بعلي بن عيسى، فالظاهر أن الفرغاني لم يذكرها على جهة الذم، إذ ليس فيها ما يقتضيه. فإنّ علي بن عيسى الوزير كان من خيار الوزراء مع مشاركته في العلم وعنايته بالعلماء. واختصاصُ ابن أبي خيثمة به إنما كان لِعُلْقة العلم.
١١٠ - صالح بن محمد التميمي الحافظ الملقب «جَزَرة»:
ذكر الأستاذ (ص ١٨٧) قول صالح في الحسن بن زياد اللؤلؤي: «ليس بشيء، لا هو محمود عند أصحابنا ولا عندهم، يُتهم بداء سوء، وليس
стр. 510
هو في الحديث بشيء». فقال الأستاذ: «جَزَرة على سعة علمه في الحديث كان بذيء اللسان مداعبًا أسوأ مداعبة. وهو القائل لمن رأى سوأته قد انكشفت: لا تَرْمَدْ عيناك أبدًا، بدل أن يخجل ويستتر. وقد قال مرة لمن سأله عن الثوري: كذَّاب. فكتب السائل قوله، فخاطبه أحدُ جلسائه مستنكرًا صنيعه: لا يحلُّ لك هذا، فالرجل يأخذه على الحقيقة فيحكيه عنك. فقال: أما أعجبَكَ؟ مَن يسأل مثلي عن مثل سفيان الثوري، يفكَّر فيه أنه (١) يحكي أو لا يحكي؟ كما في «تاريخ الخطيب» ٩/ ٣٢٦ و ٣٢٧. فيفيد جوابه هذا [١/ ٢٧٥] أنه ممن لا يُقبل قولُه في الأئمة، لضياع كلامه بين الهزل والجد. والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يُتصوَّر قيامُ الحجة فيه، مع علمهم بحكم الله في القَذَفة. ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل».
أقول: قوله «بذيء اللسان» كلمة شنيعة لا مبرِّر لها. وقوله: «مداعبًا أسوأ مداعبة» إسراف لا مسوِّغ له، وقد ذكر أشهر ما يُحكى من مداعبة صالح، فليزِنْها القارئ وَلْيحكم أهي مما يسوغ لمثل الكوثري أن يقول في هذا الرجل الجليل: «بذيء اللسان مداعبًا أسوأ مداعبة»؟ ولفظ القصة: «كُنَّا نقرأ على صالح جزرة، وهو عليل، فتحرَّك، فبدت عورته، فأشار إليه بعض أهل المجلس بأن يجمع عليه ثيابه، فقال: رأيتَه؟ لا تَرْمَدْ عيناك أبدًا! » فلا يشك عاقل أنه بادر فاستتر، ولوضوح ذلك لم يحتج الراوي إلى ذكره. فأما الخجل فهو حال نفسية ليس في القصة دليل على عدمه، على أن الذين حضروا وثقَّلوا عليه في مرضه بطلب السماع أولى بأن يخجَلوا. فأما هو، فمريض معذور.
стр. 511
وأما قوله لمن سأله عن الثوري، فكان السائل ــ كما في القصة ــ «من أهل الرُّستاق» وفي ذلك مع جواب صالح ما يُعْلَم منه أن السائل كان جاهلًا مغفَّلًا، وثقَّل على صالح بالسؤال عن المحدثين حتى بلغ من جهله أن يسأل عن سفيان الثوري المجمَع على إمامته وجلالته إجماعًا صادقًا لا يخفى عن طالب العلم في تلك الأزمنة، وكان الحاضرون غير ذاك الجاهل يعرفون عادة صالح في التنكيت، ويشاهدون جهل السائل وتثقيله، ويعرفون اعتقاد صالح في الثوري، فتجوَّز صالح في تلك الكلمة عالمًا بأن الحاضرين سينبِّهون السائل على الحقيقة، ولو لم ينبِّهوه لنبَّهه صالح في المجلس. وما وقع في القصة «أمَا أعجبك» صوابه «ما أعجبك! » (١) كما يوضِّحه السياق. وقوله «من يسأل مثلي ... » يريد به أن الرجل مغفَّل، فلو فُرِض أنه لم ينبَّه في المجلس وذهب يحكي عن صالح أنه قال لمَّا سأله عن الثوري: «كذاب» لَمَا قَبِل منه ذلك أحد، ولا التفتوا إليه لظهور تغفيله، فضلًا عن العلم بحال الثوري وعقيدة صالح فيه.
قول الأستاذ: «فيفيد جوابه هذا أنه ممن لا يُقبل قولُه في الأئمة»، إن أراد به أنه إذا حكى بعض المغفَّلين عن صالح مثل تلك الكلمة أنه قالها في مثل [١/ ٢٧٦] الثوري فيما تقدَّم، لم يُلتفت إلى تلك الحكاية= فحقٌّ، وإن كنا لا نعلم شيئًا من هذا القبيل غير ما تضمنته تلك الحكاية.
قوله: «لضياع قوله بين الهزل والجد» باطل. وأي شيء له من الهزل في هذا الباب غير تلك الحكاية الفذَّة التي مرَّ توجيهها؟ أما جِدُّه في هذا الباب ــ
стр. 512
أعني كلامه في الرواة جرحًا وتعديلًا ــ فأكثر من أن يحصى. وهو في قبول ذلك منه كغيره من أئمة الحديث بإجماع أهل العلم.
قوله: «والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار ... » إن أراد به قول صالح في الحسن بن زياد: «يتهم بداء سوء»، فليس بقذف، كما لا يخفى على ذي فقه.
أولًا: لأن صالحًا لم يُثبت، وإنما ذكر أن الحسن يُتَّهم، أي: يتهمه بعض الناس. وفي كتب الحنفية أنفسهم: «إن قال: قد أُخْبِرْتُ بأنك زانٍ لم يكن فيه حد» (١).
ثانيًا: لأنه لم يُثبت الفعل، وإنما أثبت اتهامَ بعض الناس.
ثالثًا: لم يذكر صريح الزنا، وإنما قال: «بداء سوء»، وأدواء السوء كثيرة؛ بل لعل تلك الكلمة لا تعريض فيها بموجِب الحد، وإنما المراد بداء السوء ما دون الفاحشة. ولم تقتصر حال اللؤلؤي على التهمة بما دون الفاحشة، بل شهد عليه الأئمة الأثبات بفعله في الصلاة، كما سلف في ترجمة الخطيب (٢)، وتراه في ترجمة اللؤلؤي من «لسان الميزان» (٣) وغيره. وصالح مكلَّف شرعًا بإخبار سائله عن اللؤلؤي بحاله فيما يقتضي عدالتَه أو جرحَه. وقد نصَّ جماعة من أهل العلم على أن قاصد الجرح إذا قال في
стр. 513
المسؤول عنه: «هو زانٍ» لم يكن قذفًا محرمًا، وإنما هو شهادة وجب عليه أداؤها فأدَّاها. فتدبَّرْ ما تقدَّم، ثم انظُرْ هل هناك كلمة يؤدي بها صالحٌ ما وجب عليه أعفُّ وأطهَرُ من قوله: «يتهم بداء سوء»؟
وقد حكى الحنفيّةُ أنفسُهم عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة كلمةً شنيعة قالها وليس في صدد جرح، بل في صدد مدح نفسه، وذمِّ مَنْ كان ينازعه في ولاية القضاء (١). وسبق في ترجمة الخطيب كلماتُ الكوثري في حقِّه. فالأستاذ يستحلُّ لنفسه ولأصحابه ما لا يكاد يحِلُّ لمن رُفِعَ عنه القلم، ويحاول التشنيع على هذا الحافظ المجمَع على ثقته وأمانته بكلمةٍ، هي أعفُّ وأطهرُ ما يمكنه أن يؤدِّي بها ما أوجب الله تعالى عليه؛ ثم يضِجُّ [١/ ٢٧٧] ويعِجُّ من مخالفيه إذا نسبوه إلى تعمُّد المغالطة. وسيأتي شيء من حال اللؤلؤي في الرواية في ترجمة محمد بن سعد العوفي (٢).
١١١ - الصقر بن عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣٢) «أخبرني البَرْقاني، أخبرنا محمد بن العباس الخزاز، حدثنا عمر بن سعد، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثني أبو مالك بن أبي بَهْز البجَلي، عن عبد الله بن صالح عن أبي يوسف ... ».
قال الأستاذ (ص ٢٩): «أبو مالك هو محمد بن الصقر بن عبد الرحمن ابن بنت مالك بن مِغْوَل المعروف بابن مالك بن مِغْول، فالصقر وعبد الرحمن من
стр. 514
الكذابين المعروفين ... ».
أقول: الصقر وعبد الرحمن لا شأن لهما بهذه الحكاية، ولا تزر وازرة وزر أخرى. والصقر ذكره أبو حاتم فقال: «صدوق» (١)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢) في موضعين سمَّاه في الأول «سقر» وقال: «يخطئ ويخالف»، وسماه في الثاني «صقر» وقال: «في قلبي من حديثه ما حدثنا أبو يعلى ثنا الصقر ... » فذكر حديثًا قد أنكره غيرُه على الصقر حتى رماه بعضهم لأجله بالكذب ووضع الحديث. وذاك الحديث رواه الصقر عن عبد الله بن إدريس أحد الثقات الأثبات عن المختار بن فُلْفُل. قال ابن حجر في «لسان الميزان» (٣): «لم ينفرد الصقر بهذا، فقد رواه إبراهيم بن زياد السكوني عن بكر بن المختار بن فُلْفُل عن أبيه، وتقدم في ترجمة بكر. ورواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» عن عبد الأعلى بن أبي المساور عن المختار بن فُلْفُل، مثله، لكن ابن أبي المساور واهٍ، فالظاهر أن الصقر سمعه من عبد الأعلى أو بكر، فجعله عن عبد الله بن إدريس ليرُوْج له، أو سها».
أقول: قد بان بصنيع أبي حاتم الرازي وأبي حاتم ابن حبان أنه لم يُنْكَر على الصقر إلا هذا الحديث، وأن بقية أحاديثه مستقيمة، فالحَمْل على السهو والغلط هو الأقرب. وكم من رجل وثَّقوه، وقد وقع له ما يشبه هذا. فأما عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل، فتالف. والله أعلم.
стр. 515
١١٢ - ضِرَار بن صُرَد:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٠ [٣٨٨]) من طريق «محمد بن يونس، ثنا ضرار بن صرد قال: حدثني سُلَيم ... » فذكر الحكاية. ومن طريق «عبد الأعلى بن واصل، ثنا أبو نعيم ضرار بن صرد قال: سمعت سُلَيم بن عيسى ... » فذكرها.
وقال [١/ ٢٧٨] البخاري في ترجمة سليم من «التاريخ الكبير» (١): «قال لي ضرار بن صرد: حدثنا سليم سمع سفيان: قال لي حماد بن أبي سليمان: أبلِغْ أبا حنيفة المشرك أني بريء منه. قال: وكان يقول: القرآن مخلوق». وفي رواية الخطيب الثانية: «قال سليم: كان يزعم أن القرآن مخلوق» وفي الرواية الأولى: « ... إني بريء منه حتى يرجع عن قوله في القرآن». وكأنَّ ذلك من تخليط محمد بن يونس الكُدَيمي.
قال الأستاذ (ص ٦٠): «ضرار بن صرد هو أبو نُعَيم الطحان الذي يقول عنه ابن معين: كذاب ... ».
أقول: قال علي بن الحسن الهِسِنْجاني عن ابن معين: «بالكوفة كذابان: أبو نُعَيم النخعي، وأبو نُعَيم ضِرار بن صُرَد». وظاهر هذا تعمُّد الكذب، لكن قال الأستاذ (ص ١٦٣): «الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم، فمن غلط أو وهم في شيء يمكن عدُّه كاذبًا على هذا الرأي ... فلا يُعتَدُّ بقول من يقول: فلان يكذب، ما لَم يفسِّر وجهَ كذبه. ولذا عُدَّ عند كثير من أهل النقد قولُ القائل: كذب فلان، من الجرح غير المفسَّر ... ».
стр. 516
أقول: وقد قال ابن معين لشجاع بن الوليد أبي بدر السكوني: يا كذاب. وقد قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: «شجاع بن الوليد ثقة»، ووثَّقه غيُره، ولكنه يهم ويغلط. فلننظر كلام غير ابن معين في أبي نعيم النخعي ــ واسمه عبد الرحمن بن هانئ ــ ثم في أبي نعيم ضرار بن صرد.
فأما النخعي، فقد قال العجلي: «ثقة». وقال أبو حاتم: «لا بأس به، يكتب حديثه». وروى عنه أبو زرعة ومِن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤١٦) (١). وقال البخاري: «فيه نظر، وهو في الأصل صدوق» (٢). وكلمة «فيه نظر» معدودة من أشد الجرح في اصطلاح البخاري، لكن تعقيبه هنا بقوله: «وهو في الأصل صدوق» يخفِّف من وطأتها (٣).
وأما ضِرار، فروى عنه أبو زرعة أيضًا. وقال البخاري والنسائي: «متروك الحديث». لكن البخاري روى عنه وهو لا يروي إلا عن ثقة كما صرَّح به الشيخ تقي الدين ابن تيمية (٤)، ومرَّ النظر في ذلك في ترجمة
стр. 517
أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن (١). والظاهر التوسط، وهو أن البخاري لا يروي إلا عمن هو صدوق في الأصل يتميَّز صحيحُ حديثهِ مِن سقيمه، كما صرَّح به في رواية الترمذي عنه (٢)، كما تقدم في تلك الترجمة. فقوله في ضرار: [١/ ٢٧٩] «متروك الحديث» محمول على أنه كثير الخطأ والوهم، ولا ينافي ذلك أن يكون صدوقًا في الأصل يمكن لمثل البخاري تمييز بعضِ حديثه. وقال أبو حاتم في ضرار: «صدوق صاحب قرآن وفرائض، يُكتبَ حديثه ولا يحتج به، روى حديثًا عن معتمر عن أبيه عن الحسن عن أنس عن النبي ﷺ في فضيلة بعض الصحابة ينكره أهل المعرفة بالحديث» (٣).
أقول: متنه: «قال لعلي: أنت تبيِّن لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي» أخرجه الحاكم في «المستدرك» (ج ٣ ص ١٢٢)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين». قال الذهبي: «بل هو ــ فيما أعتقده ــ من وضع ضِرار، قال ابن معين: كذاب».
أقول: لا ذا ولا ذاك، والصواب ما أشار إليه أبو حاتم، فإنه أعرف بضِرار وبالحديث وعلله. فكأنَّ ضِرارًا لُقِّن أو أُدخِلَ عليه الحديث أو وهِمَ. فالذي يظهر أن ضِرارًا صدوق في الأصل، لكنه ليس بعمدة، فلا يُحتج بما رواه عنه من لم يُعرف بالإتقان. ويبقى النظر فيما رواه عنه مثلُ أبي زرعة أو
стр. 518
أبي حاتم أو البخاري. والله أعلم. ولضرار رواية في مناقب أبي حنيفة كما في «تاريخ بغداد» (١). (٢)
١١٣ - طريف بن عبيد الله:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٣ [٤٤١]) عنه: «سمعت ابن أبي شيبة ... »
قال الأستاذ (ص ١٤٧): «ضعيف عنده مناكير. قال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو زكريا يزيد بن محمد بن إياس الموصلي في «تاريخه»: لم يكن من أهل الحديث، توفي سنة ٣٠٤».
أقول: لم يتهموه بتعمُّد الكذب، ولكن يظهر أنه كان مغفَّلًا يحدِّث على التوهم. والله أعلم.
١١٤ - طَلْق بن حبيب:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٤ [٣٧٨ - ٣٨٠]) من طريقين عن «سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال: جلست إلى أبي حنيفة, فذكر سعيد بن جبير, فانتحله في الإرجاء، فقلت: يا أبا حنيفة من حدَّثك؟ قال: سالم الأفطس. قال: قلت: سالم الأفطس كان مرجئًا، ولكن حدثني أيوب قال: رآني سعيد بن جبير جلستُ إلى طَلْق فقال: [١/ ٢٨٠] ألم أرك جلستَ إلى طلق؟ لا تجالسه. قال حماد: وكان طلق يرى الإرجاء. قال: فقال رجل لأبي حنيفة: ما كان رأي طلق؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض
стр. 519
عنه، ثم قال: ويحك، كان يرى العدل».
قال الأستاذ (ص ٤٣): «وقع في الطبعات الثلاث: العدل. وهو مصحَّف من: القدر. وتصويبه من «الجواهر المضيئة» ... ولفظ ابن أبي العوام: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر الإمام قال: حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان الحمال قال: حدثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد قال: جلست إلى أبي حنيفة بمكة، فقلت له: حدثنا أيوب قال: رآني سعيد بن جبير قد جلستُ إلى طلق بن حبيب، فقال لي: ألم أرك جلست إلى طلق؟ لا تجالسه. قال أبو حنيفة: كان طلق يرى القدر ... وطلق بن حبيب بصري من أصحاب ابن عباس ... والإرجاء الذي يقول هو به بالمعنى الذي قال به جمهور أهل الحق. وقد أحسن أبو حنيفة صنعًا في تَرَوِّيه في نسبته إلى شيء من البدع الممقوتة على تقدير صحة المحادثة، لأن الواجب على مثله في مثله عدمُ التسرع، ولمَّا اضطُرَّ إلى الجواب بتكرير السؤال أجاب بأنه بصري كان يُنسب إلى القدر كغالب أهل البصرة. فيكون هذا هو السبب لقول سعيد بن جبير السابق لا الإرجاء الذي كان يقول به، فإنه رأي مشترك بينهم. وأبو حنيفة أعرَف بمذهب سعيد بن جبير، لأنه من أهل الكوفة وقد أدركه، بخلاف حماد بن زيد فإنه بصري متأخر».
أقول: «تاريخ بغداد» مطبوع عن أصلين عتيقين جيدين بتصحيح جيِّد، وقد دلَّ اتفاقُ الثلاث الطبعات (١) على أن الكلمة فيها «العدل»، ومن عرف حرص الأستاذ على تقوية ما يقوله، يكاد يجزم بأنه قد راجع الأصلين أو روجعا له. واقتصار الأستاذ على قوله: «وتصويبه من «الجواهر المضيئة»» يجعلنا نشكّ في الواقع في أصل كتاب ابن أبي العوام، فإن كان وقع فيه
стр. 520
«القدر» ــ كما قال الأستاذ ــ فالواقع في «تاريخ بغداد» أثبت. وحال ابن أبي العوام قد أشرتُ إليها في «الطليعة» (ص ٢٧ - ٢٨) (١).
ومؤلف «الجواهر المضيئة» من أهل القرن الثامن ولم يشتهر بالضبط والإتقان (٢)، ولا بيَّن مأْخَذَه، إنما ذكر أن أبا حنيفة قد تكلَّم في الجرح والتعديل، فأورد كلمات، منها أنه قال: «كان طلق يرى القدر» (٣)، وقد يكون أخذ من كتاب ابن أبي العوام. وأصل كتاب «الجواهر المضيئة» وتصحيحه لا يوازي أصلَي «تاريخ بغداد» [١/ ٢٨١] وتصحَيحه (٤). وتحريف كلمة «العدل» إلى «القدر» هو الجاري على طريقة التصحيف والتحريف، فإن القارئ أو الناسخ إنما يعدِل عما لا يعرفه إلى ما يعرفه، وقد شرحتُ طرفًا من ذلك في قسم الفقهيات في مسألة سُهْمان الخيل من الغنيمة (٥).
وقد يفهم بعضهم من قول أبي حنيفة: «كان يرى العدل» أنه أراد بالعدل القدر؛ لأن القدرية يسمُّون أنفسهم أهل العدل، فأبْدَلها ذاك الفاهم بكلمة «القدر»؛ لأنه يرى المعنى واحدًا، وكلمة «القدر» أوضح. وإنما أراد: القول العدل، أي: الحق في زعمه يعني الإرجاء. ومن عرف أبا حنيفة وقوة عارضته جزم أو كاد بأنه لو كان عنده أن طلقًا كان قدريًّا وأن سعيد بن جبير
стр. 521
إنما نهى عن مجالسته لذلك لَبادَرَ إلى ذكر ذلك دفعًا لحجة خصمه.
والتروّي الذي ذكره الأستاذ لا وجه له، بل ربما يقال: لو كان أبو حنيفة إنما قال بعد أن ألجئ إلى الجواب: «كان يرى القدر» لكان هذا أطلق للسانِ مَن يعيبه، فإنَّ طلقًا لم يصفه أحد بالقدر، وقد وصفوه بالإرجاء، وهو كالمضاد للقدر. وَصَف طلقًا بالإرجاء حمادُ بن زيد وأبو حاتم وابن سعد, وقال البخاري في «تاريخه الكبير» (ج ٢ قسم ٢ ص ٣٦٠): «حدثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب: «ما رأيت أحدًا أعبدَ من طَلْق بن حبيب، فرآني سعيد بن جبير جالسًا معه، فقال: ألم أَرَكَ مع طَلْق؟ لا تجالس طَلْقًا، وكان يرى الإرجاء».
وهذا السند بغاية الصحة، ويبعد أن لا يبيِّن سعيد لأيوب سبب المنع، إلا وهو يرى أنه لا يعرفه. وكذلك الحال في أيوب وحماد. والذي كان يعرفه حماد أن السبب هو الإرجاء. وشدة أيوب على المرجئة معروفة. وفي «تذكرة الحفاظ» (ج ٢ ص ٧٦) (١) من طريق: «عبد الرحمن بن مهدي عن سلام بن أبي مطيع سمعت أيوب، وعنده رجل من المرجئة، فقال الرجل: أرأيت قوله : ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: (١٠٦)]، أمؤمنون أم كفار؟ قال: اذهب، فاقرأ القرآن. فكلُّ آية فيها ذكر النفاق، فإني أخاف على نفسي».
قول الأستاذ: «قال به جمهور أهل الحق» قد كشفت حاله في
стр. 522
الاعتقاديات (١). وقد هَجَر سعيدُ بن جبير ذرَّ بن عبد الله المُرْهِبي لأجل الإرجاء كما في ترجمة ذر. «التهذيب» (٢).
[١/ ٢٨٢] قوله: «بصري كان يُنسَب إلى القدر كغالب أهل البصرة» مردود عليه، فإن القدر إنما فشا في البصرة بعد سعيد بن جبير بمدة. ومع ذلك، فلم يبلغ أن يكون هو الغالب. وقد ذكر إبراهيم الحربي أبا قطن عمرو بن الهيثم, ثم قال: «ثنا عنه أحمد يومًا فقال له رجل: إن هذا تكلَّم بعدكم في القدر. فقال أحمد: إن ثلث أهل البصرة قدرية». هكذا في ترجمة أبي قطن من «التهذيب» (٣) مع أن كلمة أحمد محتملة للمبالغة لأن المقام يقتضيها.
قوله: «أبو حنيفة أعرف بمذهب سعيد بن جبير ... » مردود عليه أيضًا، فإن سعيدًا أُخرج من الكوفة عقب وقعة ابن الأشعث، وعمر أبي حنيفة سنتان أو ثلاث. وأيوب صحب سعيدًا مُدَّة، فكيف لا يكون أعرَفَ به؟ وحماد أعرَفُ الناس بأيوب، وهما أعرَفُ بطَلْق، فإنه بصري مثلهما، وقد جالسه أيوب.
هذا، وقد عُرِف من القصة أنه لم يكن لأبي حنيفة حجة على نسبة الإرجاء إلى سعيد بن جبير إلا ما ذكر أن سالمًا الأفطس حدَّثه. ولا ندري ما قال سالم عن سعيد، وما الذي سمعه من سعيد، فظنَّه إرجاء؟ والمرجئة
стр. 523
يتمسكون بآيات وأحاديث يحملونها على معاني يخالفهم أهل السنة فيها، فلعل سالمًا سمع من سعيد كلامًا حمله على الإرجاء؟ ولو نقله بنصِّه لبان على خلاف ما حمله عليه. وسالمٌ وثَّقه جماعة (١)، ونسبوه إلى الإرجاء، وقال بعضهم: إنه كان داعية. وقال ابن حبان: «كان ممن يرى الإرجاء، ويقلب الأخبار، وينفرد بالمعضلات. اتُّهِمَ بأمرِ سَوءٍ، فقُتل صبرًا». قيل: اتهم بالممالأة على قتل إبراهيم الإمام.
١١٥ - عامر بن إسماعيل أبو معاذ البغدادي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧١ [٣٧٤]) من طريقه عن مؤمَّل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن عبَّاد بن كَثِير: حكاية.
قال الأستاذ (ص ٣٨): «مجهول الحال، ولم يُخرج له أحد من أصحاب الأصول الستة».
أقول: هو مُقِلٌّ، واغترب عن بغداد. وقد أدرك الأئمةُ الستةُ شيوخَه ومَن هو أكبر منهم. وقد روى الخطيب نحو حكايته من وجه آخر. وراجع ترجمة إبراهيم بن شماس (٢).
١١٦ - عبَّاد بن كَثِير:
تقدم قريبًا الإشارة إلى حكايته. قال الأستاذ (ص ٣٨): [١/ ٢٨٣] «هو الثقفي البصري. كان الثوري يكذِّبه، ويحذِّر الناس من الرواية عنه، فكيف يُتصوَّر أن
стр. 524
يروي الثوري عن مثله؟».
أقول: هناك عبَّاد بن كَثِير آخر، هو الرَّملي (١). وثَّقه ابن معين وغيره، ووهَّنه الأكثرون. ولم يتبيَّن لي أيهما الواقع في السند؟ وتحذير الثوري من الثقفي معروف، فأما تكذيبه له، فإنما حكاه الحاكم وأبو نعيم الأصبهاني، ولا أدري من أين أخذاه. فإن صحَّ، فإنما أراد الوهم والغلط. وقد أثنى على الثقفي بالصلاح جماعة، منهم ابن المبارك وأحمد وابن معين وأبو زرعة والعجلي. ووصفوه مع ذلك بأنه ليس بشيء في الحديث، وأنه يحدِّث بما لم يسمَعْ لبَلَهه وغفلته. فانظر هل يتناول ذلك حكايته المذكورة (٢)، وهي قَوْله: «قلت لأبي حنيفة ... »، فذكر سؤالًا وجوابًا. وقد تقدم أن الخطيب روى نحوها من وجه آخر.
وعلى كل حال فلا مانع أن يحكي الثوري عن عباد ما يظهر له صحته، وفي ترجمة محمد بن السائب الكلبي من «الميزان» (٣): «يعلى بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي. فقيل: فإنك تروي عنه. قال: أنا أعرف صدقه من كذبه».
١١٧ - عبد الله بن أُبيّ القاضي:
في «تاريخ بغداد» [١٣/ ٤٢٥] من طريقه: «سمعت محمد بن حماد يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام ... ».
стр. 525
قال الأستاذ (ص ١٢١): «لم نر أحدًا وثَّقه من رجال هذا الشأن، وإن روى البخاري عنه في «الضعفاء». وأما من ظن أنه روى عنه في «الصحيح» فقد وهم، وليس هو من شرطه. ولم يخرج عنه أحد من أصحاب الأصول الستة».
أقول: ذكره الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ج ٢ ص ٢٠٦) (١) قال: «عبد الله بن أُبَيّ الخوارزمي الحافظ قاضي خوارزم، رحَّال جوَّال مفضال. لحق أحمد بن يونس اليربوعي، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، وسليمان ابن بنت شُرحبيل، وإسحاق بن راهويه، وطبقتهم. حدَّث عنه الإمام أبو عبد الله البخاري في «كتاب الضعفاء» و .... وقد روى البخاري في «صحيحه» (٢): أنا عبد الله عن سليمان بن عبد الرحمن (وهو ابن بنت شرحبيل)، فقيل: إنه هو. مات سنة نيف وتسعين ومائتين عن سن عالية تقارب التسعين ... ».
وفي ترجمته من «التهذيب» (٣) ذكر الحديث المذكور قال: «فقيل: إنه ابن حماد الآمُلي، ويحتمل أن يكون [١/ ٢٨٤] هذا؛ فإنه قد روى البخاري في «الضعفاء» عدة أحاديث عنه عن سليمان بن عبد الرحمن وغيره سماعًا وتعليقًا». وأشار المِزِّي (٤) إلى ذلك في ترجمة عبد الله بن حماد، فذكر ابن حجر (٥) عن جماعة أنهم جزموا بأنه ابن حماد وأنه وقع في بعض النسخ
стр. 526
منسوبًا كذلك. وفي هذا أمران:
الأول: أن البخاري قد روى عنه في «كتاب الضعفاء» عدة أحاديث سماعًا وتعليقًا، وذلك يقضي بأنه عنده ثقة أو صدوق، كما سلف في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي عبد الرحمن (١).
الثاني: أن المزي والذهبي اتفقا على أنه يحتمل أن يكون هو الذي روى عنه في «الصحيح». وهذا يقضي بأنه عندهما أهل لأن يُخرج عنه البخاري في «صحيحه». وأقرَّهما ابن حجر على ذلك، غير أنه رجَّح أن الواقع في «الصحيح» غيره؛ لأنه قد جاء منسوبًا في بعض النسخ، وجزم به جماعة. فأما عدم إخراج البخاري له في «الصحيح» إن صح أنَّ راوي ذاك الحديث غيره، فهذا لا يدل على أنه ليس على شرط الصحيح؛ لاحتمال أن البخاري إنما لم يُخرج له في «الصحيح» لأنه أصغر من البخاري، ولم يَسمع منه حديثًا يُضْطرُّ إلى إخراجه في «الصحيح» بنزول. وقد سمع البخاري من شيوخ هذا الرجل، وممن هو أكبر منهم بكثير.
فأما بقية الستة، فإنما لم يرووا عنه لأنه من أقرانهم، وأصغر من بعضهم، وقد سمعوا من شيوخه وممن هو أكبر من شيوخه. وبلده بعيد، فلم يحتاجوا إلى الرحلة إليه والرواية عنه بنزول. راجع ترجمة إبراهيم بن شماس (٢).
стр. 527
١١٨ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٤ [٤٤٣]) من طريقه عن أبي بكر الأعيَن الحكاية التي تقدمت في ترجمة الحسن بن الربيع (١).
قال الأستاذ (ص ١٥١): «وعبد الله بن أحمد صاحب «كتاب السنة»، وما حواه كتابه هذا كافٍ في معرفة الرجل. ومثلُه لا يُصدَّق في أبي حنيفة وقد بُلي فيه الكذب ... » إلى آخر ما مرَّ في ترجمة أحمد بن عبد الله (٢) الأصبهاني (٣).
أقول: أما «كتاب السنة» فهو من مصنَّفات المحدثين التي لم يُلتزم بها صحةُ كل خبر على حدة. فقد يقع فيه ما في سنده ضعف، وما يكون في الأدلة الثابتة عند أئمة السنة ما يخصِّصه أو يقيِّده أو يبيِّنه ونحو ذلك، وبحسب هذا يكون اعتقاد جامعه وما يريد تثبيته. [١/ ٢٨٥] ومع هذا فلا اعتداد باستنكار من استقى عقيدته من مستنقعات مقالات الراغبين عن السراط المستقيم إلى غيره، فإن هؤلاء يستنكرون معاني القرآن نفسه. وقد أشبعت الكلام في ذلك في قسم الاعتقاديات (٤).
وأما قوله: «لا يصدَّق في أبي حنيفة»، فمن أماني الأستاذ! وأما قوله: «وقد بُلي فيه بالكذب»، فإن كان المراد أنه قد بلي في أبي حنيفة الكذب ــ يعني: أن الناس قد كذبوا في شأنه؛ فجوابه أنه قد بلي فيه الصدق أيضًا،
стр. 528
والحق إنما هو تصديق الصادق وتكذيب الكاذب. فأما ما سلكه الأستاذ من تصديق الكذَّابين كأحمد بن محمد [بن] (١) الصلت بن المغلِّس الحِمَّاني، وتكذيب الصدِّيقين كأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفَزَاري وأضرابه كعبد الله بن أحمد؛ فهذا طريق لا يرضاه مؤمن.
وإن أراد أنه قد بُلي في عبد الله بن أحمد الكذب، أي: أنه قد جُرِّب عليه أنه يكذِب، فهذا من قبيل تكذيب الصدِّيقين، وقد تقدم الكلام في تلك الحكاية في ترجمة أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٢)، واتضح هناك من هو الكاذب! وقد كنتُ أشرت إلى طرف من ذلك في «الطليعة» (ص ٩٢ - ٩٣) (٣) فلم يعرض الكوثري لها في «الترحيب» بشيء! وعبد الله قد أثنى عليه أبوه، ووثَّقه النسائي وابن أبي حاتم والدارقطني والخطيب وغيرهم، وأجمع أهل العلم على الاحتجاج به. والله الموفق.
١١٩ - عبد الله بن جعفر بن دَرَسْتوَيه (٤):
كان يروي «تاريخ يعقوب بن سفيان»، فرواه عنه جماعة. ويروي الخطيبُ عن رجل عنه، فيأخذ الخطيبُ الحكايةَ من «تاريخ يعقوب» ولا ينصُّ على ذلك، بل يسوقها بالسند عن شيخه عن ابن درستويه عن
стр. 529
يعقوب .. إلخ، على ما جرت به عادةُ محدّثي عصره. كما ترى في «سنن البيهقي» يأخذ من «سنن أبي داود» و «سنن الدارقطني» ومؤلفات أخرى كثيرة، فيسوق الحديث بسنده إلى أبي داود، ثم يصله بسند أبي داود، ويكرِّر ذلك في كل حديث. وقد قرَّر أهل العلم أنَّ جُلَّ الاعتماد في مثل هذا على الوثوق بصحة النسخة، فلا يضرُّ أن يكون مع ذلك في الوسائط التي دون مؤلف الكتاب رجلٌ فيه كلام؛ لأنه واسطة سَنَدية فقط، والاعتماد على صحة النسخة.
وهذا كما لو أحبَّ إنسانٌ منَّا أن يسوق بسند له إلى البخاري، ثم يصله بسند البخاري لبعض الأحاديث في «صحيحه»، فإنه بعد ظهور أنه إنما يروي بذلك السند من «صحيح البخاري» لا يكون هناك معنًى لأن يُعترَض [١/ ٢٨٦] عليه بأنَّ في سنده إلى البخاري رجلًا فيه كلام.
والأئمة الأثبات كالبيهقي والخطيب قد عُرف عنهم كمالُ التحرّي والتثبت في صحة النسخ، وتأكَّدَ ذلك بأن مَن كان مِن أهل العلم والنقد في عصرهم وما بعده لم ينكروا عليهم شيئًا مما رووه من تلك الكتب، مع وجود نسخ أخرى عندهم. وكانوا بغاية الحرص على أن يجدوا للمحدِّث زلةً أو تساهلًا، فيشيعوا ذلك ويذيعوه نصيحةً للدين من وجه، وحبًّا للسمعة وللشهرة من وجه آخر، ولِما قد يكون في صدر بعضهم من الحَنَق على الرجل أو الحسد له من وجه ثالث.
وقد كان القدماء كسعيد بن أبي عَروبة ووكيع وغيرهما يروون من حفظهم وتكون لأحدهم كتب ومصنفات لا تحيط بحديثه، فكثيرًا ما يحدِّث
стр. 530
من حفظه بما ليس في كتبه، مع ذلك كان الرجل إذا روى عن أحد هؤلاء ما ليس في كتبه أنكر الناس عليه ذلك قائلين: ليس هذا في كتب ابن أبي عروبة، ليس هذا في كتب وكيع؛ حتى تناول بعضهم يحيى بن معين إذ روى عن حفص بن غياث حديثًا لم يوجد في كتب حفص، كما تقدم في ترجمة حسين بن حميد (١). فما بالك بالمتأخرين الذين إنما يروون من الكتب! فما بالك بمثل الخطيب الذي قد عُرف أنه إنما يروي بذاك السند من كتاب يعقوب!
فإذا لم يطعن أحد في شيء يرويه الخطيب بطريق ابن درستويه عن يعقوب، ولا قال أحد: هذه الحكاية ليست في «تاريخ يعقوب»، ولا: هذا السياق مخالف لما في «تاريخ يعقوب» بزيادة أو نقص أو تغيير= فقد ثبت بذلك وبغيره صحةُ نسخة الخطيب وثبوتُ ذلك عن يعقوب.
وهكذا لم يطعن أحد في شيء رواه ابن درستويه عن يعقوب بأنه ليس في كتاب يعقوب إما البتة وإما بذلك السياق، فظهر بهذا أن كلَّ ما رواه ابن درستويه عن يعقوب فهو ثابت في كتاب يعقوب. وبهذا يتبين أن محاولة القدح في كل الحكايات التي يرويها الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب بمحاولة الطعن في ابن درستويه تعبٌ لا يجدي ولا يفيد، ولا يبدئ ولا يعيد. ومع ذلك فلننظر في حال ابن درستويه.
قال الأستاذ (ص ٣٥): «كان يحدِّث عمن لم يدركه، لأجل دريهمات يأخذها، فادفع إليه درهمًا يصطنع لك ما شئت من الأكاذيب! وروايته عن الدوري ويعقوب