الذهبي في «الميزان» (١): «الدولابي، حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي، حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان حماد بن سلمة لا يُعْرَف بهذه الأحاديث ــ يعني التي في الصفات ــ حتى خرج مرةً إلى (عبَّادان)، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر فألقاها إليه. قال ابن الثلجي: فسمعتُ عبّاد بن صهيب يقول: إنَّ حمادًا كان لا يحفظ، وكانوا يقولون: إنها دُسَّتْ في كتبه، قد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه، فكان يدُسُّ في كتبه». قال الذهبي: «قلت: ابن الثلجي ليس بمصدَّق على حماد وأمثاله، وقد اتُّهِم. نسأل الله السلامة» (٢).
أقول: الدولابي حافظ حنفيّ له ترجمة في «لسان الميزان» (ج ٥ ص ٤١) (٣) وهو بريء من هذه الحكاية ــ إن شاء الله ــ إلا في قبوله لها من ابن الثلجي وروايتها عنه. كان ابنُ الثلجي من أتباع بشر المريسي جهميًّا داعيةً عدوًّا للسنة وأهلها. قال مرة: «عند أحمد بن حنبل كتب الزندقة». وأوصى أن لا يُعطَى من وصيته إلا من يقول: القرآن مخلوق. ولم أر من وثَّقه، بل اتهموه وكذَّبوه. قال ابن عدي: «كان يضع أحاديث في التشبيه، وينسُبُها إلى أصحاب الحديث، يثلِبهم بذلك». وذكر ما رواه عن حَبَّان بن هلال ــ وحبان ثقة ــ عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزِّم، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله خلق الفرس، فأجراها فعرقت؛ ثم خلق نفسَه منها». وكذَّبه أيضًا الساجي والأزدي وموسى بن القاسم الأشيب. فأما ما نُسِب إليه من
стр. 457
التوسع في الفقه [١/ ٢٤٤] وإظهار التعبد، فلا يدفع ما تقدَّم.
وحكايته هذه يلوح عليها الكذب. إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي ولد أبوه سنة ١٣٥، فمتى ترى ولد إبراهيم؟ ومولد ابن الثلجي ــ كما ذكر عن نفسه ــ سنة ١٨١، فمتى تراه سمع من إبراهيم؟ وفي ترجمة قيس بن الربيع من «التهذيب» (١) شيء من رواية ابن المديني عن إبراهيم عن أبيه، وهذا يُشعِر بأنه عاش بعد أبيه، وأبوه مات سنة ١٩٨، فإذا كان إبراهيم مات سنة ٢٠٠، فمتى تراه وُلد؟ وقد قال الخليلي: «مات وهو شاب. لا يُعرف له إلا أحاديث دون العشرة. يروي عنه الهاشمي جعفر بن عبد الواحد أحاديث أنكروها على الهاشمي وهو من الضعفاء». وحماد بن سلمة توفي سنة ١٦٧. ومقتضى ما تقدم أن يكون إبراهيم حينئذ إما صبيًّا صغيرًا وإما لم يولد، فمتى صَحِب حمادَ بن سلمة حتى عَرَف حديثه، وعرف أنه لم يكن يروي تلك الأحاديث حتى خرج إلى «عبَّادان»! وكيف عرف هذا الأمر العظيمَ، ولم يعرفه أبوه وكبار الأئمة من أقران حماد وأصحابه؟ وكلُّهم أبلغوا في الثناء على حماد كما يأتي.
ولا داعي إلى الحمل على إبراهيم لأنه لم يوثقه أحد. وذِكْرُ ابن حبان له في «الثقات» (٢) لا يُجدي، لأنه لم يثبت عنه أحاديث كثيرة يُعرف باعتبارها أثقة هو أم لا؟ ولا إلى أن يقال: لعل إبراهيم سمع ذلك من بعض الهلكى، بل الحملُ على ابن الثلجي كما ذكر الذهبي.
стр. 458
وكذلك ما ذكره عن عباد بن صهيب، مع أن عبَّادًا متروك. وقال عبدان: «لم يكذِّبه الناس، وإنما لقَّنه صهيب بن محمد بن صهيب أحاديثَ في آخر الأمر». فعلى هذا، فعبَّاد هو (١) المبتلى بابن أخيه يُدخِل عليه في حديثه. وفي «الميزان» (٢) أحاديث من مناكيره.
الوجه الرابع: أن حمادًا روى أحاديث سماها الكوثري: «طامات»، وأشار إلى أن أشدَّها حديث رؤية الله في صورة شاب.
والجواب: أن لهذا الحديث طرقًا معروفةً، في بعضها ما يُشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرِّح بذلك. فإن كان كذلك اندفع الاستنكار رأسًا، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف. وفي «اللآلئ المصنوعة» (٣) أن محقق الحنفية ابن الهمام سئل عن الحديث، فأجاب بأن ذلك «حجاب الصورة». وبقية الأحاديث إذا كانت من رواية حماد عن ثابت أو حميد [١/ ٢٤٥] أو مما حدَّث به من أصوله، فهي كما قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: (٨٩)].
ولنختم بطرف من ثناء الأئمة على حماد في حياته وبعد وفاته، ليتبين هل ساءت سمعته في أواخر عمره كما زعم الأستاذ!
قال ابن المبارك: «دخلتُ البصرة فما رأيت أحدًا أشبه بمسالك الأُوَل من حماد بن سلمة». وقال عفان: «قد رأيت من هو أعبد من حماد بن
стр. 459
سلمة، ولكن ما رأيت أشدَّ مواظبةً على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حماد بن سلمة». وقال رجل لعفان: أحدِّثك عن حماد؟ قال: مَن حماد ويلك؟ قال: ابن سلمة. قال: ألا تقول: أمير المؤمنين! وقال عبد الرحمن بن مهدي ــ والد إبراهيم الذي نسب إليه ابن الثلجي ما نسب ــ: «لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدَر أن يزيد في العمل شيئًا». وقال أيضًا: «حماد بن سلمة صحيحُ السماع، حسنُ اللُّقِيِّ، أدرك الناس، لم يُتهم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسَنَ ملكةَ نفسه ولسانه ولم يطلقه على أحد، فسلِمَ، حتى مات». وقال حماد بن زيد: «ما كنا نرى أحدًا يتعلَّم بنيَّةٍ غير حماد بن سلمة، وما نرى اليوم من يعلِّم بنيةٍ غيرَه». وقال إسحاق بن الطبَّاع: قال لي ابن عيينة: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبالعلم، وعالم بالله ليس بعالم بالعلم، وعالم بالعلم ليس بعالم بالله. قال ابن الطباع: «الأول كحماد بن سلمة ... ». وقال علي ابن المديني: «من تكلم في حماد بن سلمة فاتَّهِموه في الدين».
٨٦ - حنبل بن إسحاق:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧١ [٣٧٢]) من طريقه: «حدثنا الحميدي، حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: أشهد أن الكعبة حق، ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال: مؤمن حقًّا. وسأله عن رجل قال: أشهد أن محمد بن عبد الله نبيّ، ولكن لا أدري هو الذي قبرُه بالمدينة أم لا؟ فقال: مؤمن حقًّا ... ».
стр. 460
وفيه (١٣/ ٣٨٩ [٤٠٦]) من طريقه: «حدثنا الحميدي قال: سمعت سفيان قال: كنت في جنازة أمِّ خَصيب بالكوفة، فسأل رجل أبا حنيفة عن مسألة من الصرف, فأفتاه. فقلت: يا أبا حنيفة [١/ ٢٤٦] إن أصحاب محمد ﵌ قد اختلفوا في هذه، فغضب، وقال للذي استفتاه: اذهَبْ فاعمل بها، فما كان فيها من إثم فهو عليَّ».
قال الأستاذ (ص ٣٦): «يتكلم فيه بعض أهل مذهبه، ويرميه ابن شاقْلا بالغلط في روايته، كما ذكره ابن تيمية في تفسير سورة القلم. لكن لا نلتفت إلى كلامهم، ونعدُّه ثقةً مأمونًا، كما يقول ابن نقطة في «التقييد»». وقال (ص ٨٤): «غالِط، غيرُ مرضيٍّ عند بعض أهل مذهبه».
أقول: قال الدارقطني: «كان صدوقًا». وقال الخطيب: «كان ثقة ثبتًا». وتخطئته في حكاية إنما تدلُّ على اعتقاد أنه لم يكن معصومًا من الخطأ، وليس هذا مما يوهن الثقةَ المُكثِر كحنبل. وقد خطَّأ أهلُ العلم جماعةً من أجلة الصحابة، بل قالوا: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يخطئون في أمور الدنيا، بل قال بعضهم: قد يعرض لهم الخطأ في شيء من أمر الدين، ولكن ينبَّهون في الحال لمكان العصمة في التبليغ. وقد تعرضتُ لذلك في قسم الاعتقاديات. والمقرر عند أهل العلم جميعًا أن الثقة الثبت قد يخطئ، فإن ثبت خطؤه في شيء فإنما يُترك ذاك الشيء. فأما بقية روايته، فهي على الصواب. ومن ادعى الخطأ في شيء، فعليه البيان. والأستاذ يعلم ذلك كله، ولكن ... والله المستعان.
٨٧ - خالد بن عبد الله القَسْري:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨١ [٣٩٠]) من طريق: «محمد بن فُليح
стр. 461
المدني عن أخيه سليمان ــ وكان علَّامةً بالناس ــ أن الذي استتاب أبا حنيفة خالد القسري ... ».
قال الأستاذ (ص ٦٢): «هو الذي بنى كنيسةً لأمه تتعبد فيها، وهو الذي يقال عنه: إنه ذبح الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى أضحيةً عنه ... ما كان العلماء ليسكتوا في ذلك العهد أمام استخفافه لشعيرة من شعائر الدين .. وسفكُ دمِ من وجب قتلُه شيء، وذبحُه على أن يكون أضحيةً شيء آخر. وكانت سيرة خالد وصمة عار في تاريخ الإسلام».
أقول: كان خالد أميرًا مسلمًا، خلط عملًا صالحًا ــ كإقامة الحدود ــ وآخَرَ سيئًا، الله أعلم ما يصح عنه منه. وقد جاء عن جماعة من الأئمة ــ كما في «التأنيب» نفسه ــ أن أبا حنيفة استتيب في الكفر مرتين. فإن كان خالد هو الذي استتابه في إحداهما، وقد شهد أولئك الأئمة أنها استتابة عن الكفر، فأيُّ معنى للطعن في خالد؟ هَبْه كان كافرًا! أيجوز أن يحنَق عليه مسلم، لأنه [١/ ٢٤٧] رُفِع إليه إنسان يقول قولًا شهد علماء المسلمين أنه كفر، فاستتابه منه؟
وكان خالد يمانيَّ النسب، وكان له منافسون على الإمارة من المُضَريين، وأعداءٌ كثيرٌ يحرصون على إساءة سمعته. وكان القصاصون ولا سيما بعد أن نُكِب خالد يتقربون إلى أعدائه بوضع الحكايات الشنيعة في ثلبه، ولا ندري ما يصح من ذلك؟
وقضية الكنيسة إن صح فيها شيء فقد يكون برَّ أمَّه بمال، فبنى لها وكيلُها كنيسةً، فإنها كانت نصرانية. وليس في هذا ما يعاب به خالد، فقد أحلَّ الله نكاحَ الكتابيات والتسرِّي بهن، ونهى عن إكراههن على
стр. 462
الإسلام، وأمر بإقرارهن على دينهن، وأمر ببرِّ الأمهات.
فأما قضية الجعد، فإن أهل العلم والدين شكروا خالدًا عليها ولا يزالون شاكرين له إلى يوم القيامة. ومغالطة الأستاذ في قضية التضحية مما يُضحِك ويُبكي. يُضحِك لتعجرفه، ويُبكي لوقوعه من رجل ينعته أصحابه أو ينعت نفسه: «الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير ... »! !
لا يخفى على أحد أن الأضحية الشرعية هي ذبح شاة أو بقرة أو بدنة بصفة مخصوصة في أيام الأضحى تقرُّبًا إلى الله تعالى بإراقة دمها، وليأكل منها المضحِّي وأهله، ويهدي من لحمها إلى أصحابه، ويتصدَّق منه على المساكين؛ وأن خالدًا لم يذبح الجعد ليأكل من لحمه ويُهدي ويتصدَّق، وإنما سماه تضحيةً لأنه إراقة دم يوم الأضحى تقرُّبًا إلى الله تعالى. فشبَّهه بالأضحية المشروعة من هذا الوجه، كما سمَّى بعضُ الصحابة وغيرهم قتلَ عثمان ﵁ تضحيةً لأنه وقع في أيام الأضحى. فقال حسَّان (١):
ضحَّوا بأشمطَ عنوانُ السجودِ به ... يُقطِّع الليلَ تسبيحًا وقرآنا
وقال أيمن بن خُرَيم (٢):
стр. 463
ضحَّوا بعثمانَ في الشهر الحرام ضحًى ... وأيَّ ذِبْحٍ حرامٍ وَيْلَهم ذَبَحوا
وقال القاسم بن أمية (١):
لَعَمْري لَبئس الذِّبْحُ ضحَّيتُمُ به ... وخُنْتُم رسولَ الله في قتل صاحبِهْ
فإن قيل: لكن يظهر من القصة أن خالدًا لم يضحِّ، بل اجتزأ بذبح الجعد. قلت: ليس ذلك بواضح، وكان خالد يذبح كلَّ يوم عدة ذبائح، وهَبْ أنه لم يضحِّ ذاك اليوم، فغاية [١/ ٢٤٨] الأمر أن يكون اجتزأ بإقامة ذلك الحدّ من جهة كونه قربةً إلى الله وإقامةِ حدِّ من حدوده. والأضحية عند جمهور أهل العلم ليست بواجبة، فلا إثم على من تركها. فإن كان مع تركه لها قد قام بقربة عظيمة، ورأى أن ما يفوته من أجر الأضحية وإقامة الشعائر بها (٢) يَجبُره ما يرجوه على تلك القربة الأخرى، فهو أبعد عن الإثم. ولو ضحَّى الرجلُ ألف أضحية لَما بلغ من أجرها وإقامة الشعائر بها أن تُوازِنَ إقامةَ الحدِّ على الجعد، وإماتةَ فتنته.
٨٨ - خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٢ [٤٣٩]) عنه قال: «أحَلَّ أبو حنيفة ... ».
стр. 464
قال الأستاذ (ص ١٤٥): «يقول عنه ابن معين: بالشام كتاب ينبغي أن يُدفن: «كتاب الديات» لخالد بن يزيد بن أبي مالك. لم يرض أن يكذب على أبيه، حتى كذب على الصحابة. قال ابن أبي الحواري: سمعت هذا الكتاب من خالد، ثم أعطيته للعطَّار، فأعطى الناسَ فيه حوائج. قال النسائي: غير ثقة. وقال أحمد: ليس بشيء».
أقول: إنما ذكر خالد في هذه الحكاية مسائلَ فقهية انتُقِدَتْ على أبي حنيفة، قد نظرتُ فيها في قسم الفقهيات. ومع ذلك فقد وثَّقه أحمد بن صالح المصري، والعجلي، وبلديُّه أبو زرعة الدمشقي. وقال ابن عدي (١): «لم أر من أحاديث خالد هذا إلا كلَّ ما يُحتمَل في الرواية أو يرويه ضعيف عنه، فيكون البلاءُ من الضعيف لا مِنْه». وكتاب الديات قد يكون ما فيه مما استنكره ابن معين، مما أخذه خالد عن الضعفاء فأرسله. والله أعلم. (٢)
٨٩ - داود بن المحبَّر:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣ [٤٠٩ - ٤١٠]) عدة روايات تتعلق بالمُحرِم إذا لم يجد إزارًا فلبس سراويل، أو لم يجد نعلًا فلبس خفَّين. وقد ذكرت المسألة في الفقهيات.
تكلَّم الأستاذ (ص ٩٤) في الروايات إلى أن قال: «وأما ما رواه ابن عبد البر في «الانتقاء» (ص ١٤٠) من أنه لما قيل لأبي حنيفة ... قال: لم يصح في هذا عندي ... وينتهي كل امرئ إلى ما سمع؛ فغير ثابت عنه، لأن في سنده داود بن المحبَّر، متروك
стр. 465
باتفاق .. بل حديث إباحة لبس الخفين ... مخرج في «مسانيد أبي حنيفة». ففي «مسند أبي محمد البخاري الحارثي» عن أبي سعيد بن جعفر، عن أحمد بن سعيد الثقفي، عن المغيرة بن عبد الله، عن [١/ ٢٤٩] أبي حنيفة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس .... فهذا الحديث بهذا السند يردُّ على من يقول: إنه لم يبلغه حديث في هذا الباب ... فينهار بهذا البيان جميعُ تلك المزاعم ... هكذا يفضح الله الأفَّاكين».
أقول: داود وثَّقه ابن معين. وقال أبو داود: «ثقة شبه الضعيف، بلغني عن يحيى فيه كلام أنه يوثِّقه». وبهذا يُعلم ما في قول الأستاذ: «متروك باتفاق»، وإن كان الصواب ما عليه الجمهور أن داود ساقط. ومع ردِّ الأستاذ ذاك الخبرَ هنا، فقد احتج به (ص ٧٤) إذ قال: «وأبو حنيفة الذي يقول: لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ ... ــ كما في «الانتقاء» لابن عبد البر (ص ١٤١) ــ كيف يخالف حديثًا صحَّ عن الرسول ﵊؟ ومن زعم ذلك فقد أبعَدَ في البَهْتِ، نسأل الله الصون». وقوله: «لعن الله ... ». قطعة من خبر داود الذي ردَّه الأستاذ هنا.
وغرض الأستاذ في الموضعين واحد، وهو ردُّ الروايات القوية. فإنه احتج به في (ص ٧٤) على ردِّ روايات قوية متعددة، وختم بقوله: «نسأل الله الصون»! وردَّه (ص ٩٤) ليردَّ روايات قوية، ثم احتج على الردِّ بما هو أسْقَط من خبر داود، وهو خبر الحارثي بذاك الإسناد. والحارثي قد أشرتُ إليه في «الطليعة» ص ٦٤ ويأتي له ذكر في ترجمة علي بن جرير.
وترجمة الحارثي في «لسان الميزان» (ج ١ ص ٢٧) (١) وفيها: «قال ابن
стр. 466
الجوزي: قال أبو سعيد الروَّاس: يُتهم بوضع الحديث. وقال أحمد السليماني: كان يضع هذا الإسناد على هذا المتن، وهذا المتن على هذا الإسناد. وهذا ضرب من الوضع ... وقال الخليلي: ... له معرفة بهذا الشأن، وهو لين، ضعَّفوه. حدثنا عنه الملاحمي وأحمد بن محمد البصير بعجائب». وسترى ما يكشف بعضَ حاله في ترجمة علي بن جرير (١).
وشيخه أبو سعيد بن جعفر هو أبَّا بن جعفر، ترجمته في «لسان الميزان» (ج ١ ص ٢٧) (٢). وفيها «قال ابن حبان: كان يقعد يوم الجمعة بحذاء مجلس الساجي ... ذهبت إلى بيته للاختبار ... فرأيته قد وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلثمائة حديث ما حدَّث بها أبو حنيفة قط ... ». قال ابن حجر: «وقال حمزة (السهمي الحافظ) (٣) عن الحسن بن علي بن غلام الزهري (الحافظ): أبّا بن جعفر كان يضع الحديث، وحدَّث بنسخة نحو المائة عن شيخٍ له مجهولٍ زعم أن اسمه أحمد بن سعيد بن عمرو المطوعي، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن [١/ ٢٥٠] ميسرة، عن أنس. وفيها مناكير لا تعرف. وقد أكثر عنه أبو (محمد) الحارثي في «مسند أبي حنيفة»».
وشيخه هنا أحمد بن سعيد الثقفي لا يُعرف أو لم يُخلَق! وهكذا
стр. 467
المغيرة بن عبد الله. ومن العجائب أن صاحب «جامع المسانيد» زعم أنه المغيرة بن عبد الله اليشكري الذي يروى عن المغيرة بن شعبة المتوفى سنة خمسين! وأعجب من ذلك قول الأستاذ: «فهذا الحديث بهذا السند يُرَدُّ ... ». وهذه سخرية من الأستاذ، لا أدري أبالعلم، أم بنفسه، أم بالذين يرى أنهم سيتلقَّون كلامه بالقبول والإعجاب! ثم ختم الأستاذ بقوله: «هكذا يفضح الله الأفاكين». ولا يخفى أين موضع هذه الكلمة! والله المستعان.
٩٠ - دَعْلَج بن أحمد السِّجْزي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٩ [٣٨٦ - ٣٨٧]) من طريقه: «أخبرنا أحمد بن علي الأبَّار، حدثنا سفيان بن وكيع، قال: جاء عمر بن حماد ... ».
قال الأستاذ (ص ٥٧): «فدعلج تاجرٌ مُثْرٍ، كان عنده قِفافٌ مملوءة ذهبًا تَبهَر عيون من يبيت عنده من الرواة وتسلُب ألبابهم. يتعانى الرواية، ويواسي الرواة من أهل مذهبه في التشبيه. وكان عنده تعصُّب وتغفُّل. وكان الرواة الأظِنَّاء يبيتون عنده، ويُدخلون في كتبه أشياءَ، فيرويها بسلامة باطن. وذكر الذهبي من الوضاعين الذين كانوا يُدخلون في كتبه اثنين: أحدهما علي بن الحسين الرُّصافي، وقد قال عنه: يضع الحديث ويفتري على الله. قال الدارقطني: لا يوصف ما أدخل هذا على الشيوخ، ثم عُمِل محضرٌ بأحاديث أدخلها على دعلج. وكذا أدخل أبو الحسين العطار المخرِّمي أحاديث على دعلج أيضًا، كما ذكره الذهبي. ويجعلهما ابن حجر شخصًا واحدًا بدون حجة».
أقول: قد سلف في ترجمة أحمد بن علي الأبَّار (١) أن دعلجًا
стр. 468
سِجِستاني كان يطوف البلاد لسماع العلم وللتجارة، ودخل بغداد وسنُّه نيف وعشرون سنة، وسنُّ الأبَّار فوق السبعين، فسمع منه ومن غيره، ومات الأبَّار بعد ذلك بسنوات. وبقي دعلج في تطوافه، ثم سكن مكة مدة، ثم تحول إلى بغداد وأقام بها إلى أن مات سنة ٣٥١. وذلك بعد وفاة الأ بَّار بإحدى وستين سنة. وتقدَّم أيضًا أن دعلجًا إنما أثرى بعد موت الأبَّار بدهر.
فأما مطاعن الأستاذ في دعلج، فأولها: أنه كان يعتقد التشبيه! وإنما أخذ الأستاذ ذلك من ذكرهم أن دعلجًا أخذ عن ابن خزيمة كتبه، وكان يفتي بقوله، وابن خزيمة عند الأستاذ مشبِّه! وهَبْه ثبت أن دعلجًا كان [١/ ٢٥١] على عقيدة ابن خزيمة، وعقيدةُ ابن خزيمة هي في الجملة عقيدة أئمة الحديث، وهي محض الإيمان. وقد أفردتُ الاعتقاديات بقسم.
وثانيها: أنه كان متعصبًا. وهذا تخرُّص من الأستاذ. فأما ما جاء من طريقه من الروايات، فشيء سمعه، فرواه. وقد عاش دعلج ببغداد عشرات السنين، كان الثناء عليه كلمةَ وفاقٍ بينهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.
وثالثها: أن الرواة الأظِنَّاء كانوا يبيتون عنده ويُدخلون في كتبه! وهذا تخرُّص أيضًا. نعم، حُكِي عن رجل غير ظنين أنه بات عنده وأراه ماله، ولم يقل إن كتبه كانت مطروحة له ولا لغيره ممن يُخشَى منه العبث بها. فأما إدخال بعضهم عليه أحاديث، فذلك لا يقتضي الإدخال في كتبه، بل إذا استخرج الشيخ أو غيره من أصوله أحاديثَ، وسلَّمها إلى رجل لِيرتِّبها وينسخها، فذهب الرجل، ونسَخها، وأدخل فيها أحاديث ليست [من] (١)
стр. 469
حديث الشيخ، وجاء بالنسخة، فدفعها إليه ليحدِّث بها= صَدَقَ أنه أدخل عليه أحاديثَ. ثم إذا كان الشيخ يقِظًا، فاعتبر تلك النسخة بحفظه أو بمراجعة أصوله، أو دفعها إلى ثقة مأمون عارف كالدارقطني، فاعتبرها، فأخرج تلك الزيادة، ولم يحدِّث بها الشيخُ= لم يكن عليه في هذا بأس. ولعله هكذا جرى، فقد قال الخطيب في دعلج: «كان ثقةً ثبتًا، قبِلَ الحكَّامُ شهادته وأثبتوا عدالته ... وكان أبو الحسن الدارقطني هو الناظر في أصوله والمصنِّف له كتبَه، فحدَّثني أبو العلاء الواسطي عن الدارقطني قال: صنفتُ لدعلج «المسند الكبير»، فكان إذا شكَّ في حديث ضرب عليه. ولم أر في مشايخنا أثبتَ منه ... حمزة بن يوسف السهمي يقول: سئل أبو الحسن الدارقطني عن دعلج بن أحمد، فقال: كان ثقةً مأمونًا، وذكر له قصة في أمانته وفضله ونبله». وقال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٩٢) (١): «دعلج بن أحمد بن دعلج الإمام الفقيه محدث بغداد .... روى عنه الدارقطني، والحاكم، وابن رزقويه، وأبو إسحاق الإسفراييني (٢)، وأبو القاسم بن بشران، وعدد كثير. وقال الحاكم: سمعت الدارقطني يقول: صنّفتُ لدعلج (٣) «المسند الكبير» ولم أر في مشايخنا أثبتَ منه ... ».
وجَعْلُ الأستاذ المُدْخِلِين جماعةً من أمانيه! والمعروف رجل واحد
стр. 470
ترجمته في «تاريخ بغداد» (ج ١١ ص ٣٨٥): «علي بن الحسين (١) بن جعفر أبو الحسين البزاز يعرف بابن [١/ ٢٥٢] كَرْنِيب، وبابن العطار المُخَرِّمي ... بلغني عن الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله (٢) النيسابوري قال: ذكر الدارقطني (٣) ابنَ العطار، فذكر من إدخاله على المشايخ شيئًا فوق الوصف، وأنه أشْهَد عليه، واتخذ محضرًا بإدخاله أحاديث على دعلج». وذكره (٤) الذهبي في «الميزان» (٥)، واقتصر على قوله: «أدخل على دعلج أحاديثَ. قاله الدارقطني». ثم ذكر (٦) «علي بن الحسين الرصافي»، وقال: «قال الدارقطني: لا يوصف ما أدخَل على الشيوخ، ثم عُمِلَ محضرٌ عليه بأحاديث أدخلها على دعلج». فقال ابن حجر في «اللسان» (٧): «هذه صفة علي بن الحسن بن كَرْنِيب، وقد مرَّ».
وحجته في ذلك أن القصة متفقة، والاسم متفق، واسم الأب متقارب؛ فإن اسم «الحسن» و «الحسين» يكثر تحرُّفُ أحدهما إلى الآخر، وليس في «تاريخ بغداد» إلا رجل واحد، والمخرِّم والرصافة محلَّتان ببغداد وقد يكون
стр. 471
مسكنُ الرجل بينهما فينسب إلى هذه وإلى هذه. وابن حجر مُطَّلِع على مآخذ الذهبي ولم يقف في شيء منها إلا على رجل واحد.
وهذه الأمور إن لم تَكْفِ للجزم بأنه رجل واحد، فلا ريب أنها تكفي للتوقف عن الجزم بأنهما اثنان. وهب أنهما اثنان أو عشرة فإن ذلك لا يضرّ دعلجًا وروايتَه، ما لم يثبت أن ذلك كان على وجهٍ يُوجب القدحَ فيه. وذلك مدفوع بأن المُخبِر بذلك وكاتبَ المَحْضر أو المَحْضَرين أو المحاضر ــ كما يتمناه الأستاذ ــ هو الإمام أبو الحسن الدارقطني، وهو الذي كان الناظر في أمور دعلج، والمصنِّف له كتبه، وهو الذي وثَّقه أثبتَ توثيق كما سلف. وفي ذلك ما يقطع نزاعَ مَنْ يخضع للحق. فأما المعاند، فلا يقطعه إلا أن تشهد عليه أعضاؤه!
٩١ - الربيع بن سليمان المرادي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٠ [٤٣٧]) عنه: «سمعت الشافعي يقول: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأً، ثم يقيس الكتاب عليها».
قال الأستاذ ص ١٣٩: «الربيع المرادي الذي يقول فيه أبو يزيد القراطيسي ما يقول».
أقول: في ترجمته من «التهذيب» (١): «قال أبو الحسين الرازي الحافظ والد تمَّام: أخبرنا عليّ بن محمد بن أبي حسان الزيادي بحمص: سمعت أبا يزيد القراطيسي يوسف بن يزيد يقول: سماع الربيع بن سليمان من الشافعي ليس بالثَّبَت، وإنما أخذ أكثر الكتب من آل البُوَيطي بعد موت البُوَيطي. قال
стр. 472
أبو الحسين: وهذا لا يُقبل من أبي يزيد، بل البويطي كان يقول: الربيع [١/ ٢٥٣] أثبَتُ مني. وقد سمع أبو زرعة الرازي كتب الشافعي كلَّها من الربيع قبل موت البويطي بأربع سنين».
وقول القراطيسي: «ليس بالثبت» إنما مفاده نفيُ أن يكون غايةً في الثبت. ويُفهم من ذلك أنه ثَبَتٌ في الجملة، كما شرحته في ترجمة الحسن بن الصبَّاح (١). ويوضِّح ذلك هنا ما بعده. وحاصله أنه لم يكن للربيع في بعض مسموعاته من الشافعي أصولٌ خاصة محفوظة عنده؛ لأنه إنما أخذ أكثر الكتب من ورثة البويطي. وهذا تشدُّد من أبي يزيد في غير محَلّه، فقد يكون للربيع أصولٌ خاصة محفوظة عنده، ولا يمنعه ذلك من أخذ غيرها من ورثة البويطي ليحفظها. وعلى فرض أنه لم يكن له ببعض الكتب أصول خاصة، وإنما كان سماعه لها في كتب البويطي، وأن البويطي كان يخرجها لمن يريد سماعها من الربيع كأبي زرعة؛ فسماعُ الربيعِ لها ثابتٌ، وقد عرَفَ الكتبَ وأتقنها، فإذا وثِقَ بأنها لم تزل محفوظة في بيت البويطي حقَّ الحفظ حتى أخذها، فأيُّ شيء في ذلك؟
وقد قال الخليلي في الربيع: «ثقة متفق عليه، والمزني مع جلالته استعان على ما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع». ووثَّقه آخرون، واعتمد الأئمة عليه في كتب الشافعي وغيرها.
ومع هذا كله فالحكاية التي يحاول الأستاذ الجواب عنها حكاية مفردة، قال الربيع فيها: «سمعت الشافعي ... ». واعترف الأستاذ بمضمونها، كما
стр. 473
يأتي في ترجمة الشافعي (١). وقد روى الربيعُ عن البويطي عن الشافعي أشياء كما تراه بهامش «الأم» (ج ٦ ص ٥٧). وكان عُمر القراطيسيّ حين مات الشافعي ثماني عشرة سنة، ولم يأخذ عن الشافعي، وإنما رآه رؤيةً؛ فلا خبرة له بما سمعه الربيع، وإنما بنَى على الحدس، كما سلف.
٩٢ - رجاء بن السندي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩١ [٤٠٨]) عنه: «سمعتُ بِشْر بن السَّرِي قال: أتيت أبا عوانة ... ».
قال الأستاذ (ص ٩٢): «طويل اللسان، وقد أعرض عنه أصحاب الأصول الستة».
أقول: أوهم الأستاذُ بهذه العبارة أن رجاءً كان بذيئًا، وأن أصحاب الأصول لم يرضوه. وليس الأمر كذلك، ولكن كان فصيحًا، قال بكر بن خلف: «ما رأيت أفصح منه». فهذا طول لسانه في اصطلاح الأستاذ الذي يقصد به الإيهام، فعَلَ ذلك في مواضع!
وتوفي رجاء سنة ٢٢١، فلم يدركه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وأدركوا من أقرانه ومن هو أكبر منه [١/ ٢٥٤] مَن هو مثلُه أو أعلى إسنادًا منه، فلم يحتاجوا إلى الرواية عن رجل عنه؛ لإيثارهم العلوَّ. وأدركه أبو داود في الجملة، لأنه مات وسنُّ أبي داود نحو تسع عشرة سنة، ولكنه في بلد غير بلده، فالظاهر أنه لم يَلْقَه.
стр. 474
فأما مسلم، فإنه كان له حين مات رجاء نحوُ ست عشرة سنة، وهو بلديُّه، ويمكن أن يكون سمع منه وهو صغير، فلم ير مسلم ذلك سماعًا لائقًا بأن يعتمده في «الصحيح». ويمكن أن يكون مسلم تشاغل أول عمره بالسماع ممن هو أسنُّ من رجاء، وأعلى إسنادًا، ففاته رجاء.
وأما البخاري، فقد ذَكَر [في] (١) «الكمال» أنه روى عنه، لكن قال المزي: «لم أجد له ذكرًا في الصحيح» (٢). فقد لا يكون البخاري لقيه، وقد يكون لقيه مرةً فلم يسمع منه إلا شيئًا عن شيوخه الذين أدرك البخاريُّ أقرانَهم، فلم يحتَجْ إلى النزول بالرواية عن رجاء. فتحصَّلَ من هذا أنهم إنما لم يُخرجوا عنه إيثارًا للعلوِّ من غير طريقه، على النزول من طريقه. وراجع ترجمة إبراهيم بن شمّاس (٣).
هذا، وقد روى عنه الإمام أحمد، وهو لا يروي إلا عن ثقة، كما يأتي في ترجمة محمد بن أعيَن (٤). وروى عنه أيضًا إبراهيم بن موسى وأبو حاتم وقال: «صدوق». وقال الحاكم: «ركن من أركان الحديث».
стр. 475
٩٣ - رَقَبة بن مَصْقَلة:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٦ [٤٤٦]) عن أبي أسامة «مرَّ رجل على رَقَبة فقال: من أين أقبلت؟ قال: من عند أبي حنيفة. قال: يمكنك من رأي (١) ما مضغت، وترجع إلى أهلك بغير ثقة».
قال الأستاذ (ص ١٥٨): «ليس من رجال الجرح والتعديل، وإنما هو من رجالات العرب الذين يحبُّون التنكيت والتندّر. وهو الذي استلقى على ظهره في المسجد، وهو يتقلَّب ويقول لمن يسائله عما به: إني صريع الفالوذج! يعني أنه متخوم بأكله، أو مصروع بالتشوّق إليه. ومثل هذا الكلام موضعه كتب النوادر والمحاضرات .. ».
أقول: رقبة روى عن أنس ــ فيما قيل ــ وعن أبي إسحاق، وعطاء، ونافع، وعبد العزيز بن صُهيب، وثابت البُناني، وطلحة بن مصرِّف، وغيرهم. وعنه جرير بن عبد الحميد، وأبو عَوانة، وابن عُيينة، وغيرهم. قال الإمام أحمد: «شيخ ثقة من الثقات مأمون». وقال ابن معين والعجلي والنسائي: «ثقة». واحتج به الشيخان في «الصحيحين» وغيرهما. ومثلُه لو جَرَح أو عَدَّل لَقُبِل منه. فأما الدعابة، فلم تبلغ به بحمد الله ما يخدش في دينه وأمانته. وقصة الفالوذج ــ إن صحت ــ[١/ ٢٥٥] إنما فيها أنه أكل فالوذجًا، فتأذَّى به، فقال ما قال تلطُّفًا ونصيحةً لغيره، فكان ماذا؟
ومع هذا كلِّه، فليس في كلمته التي ذكرها الخطيب جرحٌ لأبي حنيفة. وقوله: «ترجع إلى أهلك بغير ثقة» يعني: بالرأي، لأنه قد يرجع أبو حنيفة
стр. 476
عنه بعد ساعة. وقد قال حفص بن غياث: «كنت أجلس إلى أبي حنيفة، فأسمعه يُسأل عن مسألة في اليوم الواحد، فيفتي فيها بخمسة أقاويل. فلما رأيتُ ذلك تركتُه، وأقبلتُ على الحديث». ذكره الأستاذ (ص ١٢٣).
وقال زفر صاحب أبي حنيفة: «كنا نختلف إلى أبي حنيفة ... فقال يومًا أبو حنيفة لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتُبْ كلَّ ما تسمعه مني، فإني قد أرى الرأي اليومَ فأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا فأتركه بعد غد». ذكره الأستاذ (ص ١١٨).
٩٤ - زكريّا بن يحيى السّاجي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٥) عنه: «سمعت محمد بن معاوية الزيادي يقول: سمعت أبا جعفر يقول: كان أبو حنيفة اسمه عتيك بن زَوْطَرة، فسمَّى نفسه النعمان، وسمَّى أباه ثابتًا».
قال الأستاذ (ص ١٨): «شيخ المتعصبين، كان وقَّاعًا، ينفرد بمناكير عن مجاهيل، وتجد في «تاريخ بغداد» نماذج من انفراداته عن مجاهيل بأمور منكرة. ونضالُ الذهبي عنه من تجاهل العارف. وقال أبو الحسن ابن القطان: مختلف فيه في الحديث، وثَّقه قوم وضعَّفه آخرون. وقال أبو بكر الرازي بعد أن ساق حديثًا بطريقه: انفرد به السَّاجي ولم يكن مأمونًا. وكفى في معرفة تعصُّب الرجل الاطلاعُ على أوائل كتاب «العلل» له».
أقول: أما التعصُّب، فقد مرَّ حكمُه في القواعد (١)، وبيَّنَّا أنه إذا ثبتت ثقةُ الرجل وأمانتُه لم يقدح ما يسمِّيه الأستاذ تعصُّبًا في روايته. ولكن ينبغي
стр. 477
التروِّي فيما يقوله برأيه، لا اتهامًا له بتعمُّدِ الكذب والحكمِ بالباطل، بل لاحتمال أنَّ الحنَقَ حال بينه وبين التثبُّت. وبهذه القاعدة نفسها نعامل ما حكاه الأستاذ عن أبي بكر الرازي ــ إن كان ممن ثبتت ثقته وأمانته ــ فلا نقبلها منه بغير مستند، مع مخالفته لمن هو أثبت منه وأعلم بالحديث ورجاله. ولأمرٍ ما سَتَر الأستاذُ على نفسه وعلى الرازي، فلم يذكر الحديث ولا بيَّن موضعه (*)!
فأما قوله: «كان وقَّاعًا» فمن تصدَّى للجرح والتعديل والتنديد بمن يخالف السنة، احتاج [١/ ٢٥٦] إلى ما يسمِّيه الأستاذ وقيعة، وإنما المذموم أن يقع الرجل في الناس بما لا يراه حقًّا، أو بما لا يُعذَر في جهلِ أنه باطل.
وأما الانفراد بمناكير عن مجاهيل ــ إن صحَّ ــ فلا يضرُّه، وإنما الحَمْل على أولئك المجاهيل، ولا يترتب على ذلك مفسدة. ومثلُ ذلك ما يرويه عن الضعفاء، كالحديث الذي في ترجمته في «لسان الميزان» (١) سمعه من الساجي أبو داود وعَبْدان والبزَّار وغيرهم، رواه الساجي عن عبد الله بن هارون بن أبي علقمة الفَرْوي. وعبد الله هذا يقال له: «أبو علقمة الصغير» له ترجمة في «تهذيب التهذيب» (ج ١٢ ص ١٧٢). وفيها: «قال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث ... وقال ابن عدي: له مناكير ... وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: يخطئ ويخالف. وقال الدارقطني في «غرائب مالك»: «متروك الحديث». فإن كان ذاك الحديث منكرًا، فالحملُ فيه على الفَرْوي، كالأحاديث الأخرى التي أُنكِرَت عليه.
стр. 478
وأما كلمة ابن القطان (١)، فلم يبيِّن مَنْ هم الذين ضعَّفوه؟ وما هو التضعيف؟ وما وجهه؟ ومثلُ هذا النقل المرسَل على عواهنه لا يُلتفت إليه أمام التوثيق المحقَّق. وأخشى أن يكون اشتبه على ابن القطان (٢) بغيره ممن يقال له: «زكريا بن يحيى»، وهم جماعة (٣). وابن القطان ربما يأخذ من الصحُف، فيصحِّف. فقد وقع له في موضعٍ تصحيفٌ في ثلاثة أسماء متوالية. راجع «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٢٠١ - ٢٠٢) (٤). قد قال ابن حجر في «اللسان» (٥) متعقبًا كلمةَ ابن القطان: «ولا يغترَّ أحد بقول ابن القطان، قد جازف بهذه المقالة، وما ضعَّف زكريا الساجي هذا أحدٌ قط ... وذكره ابن أبي حاتم فقال: كان ثقة يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف الفقهاء وأحكام القرآن ... وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة». والذهبي إنما قال في «الميزان» (٦): «أحد الأثبات، ما علمتُ فيه جرحًا أصلًا. قال أبو الحسن بن القطان ... ». فما الذي تجاهله الذهبيُّ؟ أما كلمة ابن القطان، فقد ذكرها.
وأما ما حكاه الأستاذ عن الرازي، فليس الرازي ممن يُذكَر في هذا
стр. 479
الشأن، حتى يتتبعَ الذهبيُّ وغيره كلامَه، فيسوغَ أن يُظَنَّ بالذهبي أنه وقف على كلمته، وأعرض عنها لمخالفتها هواه، كما يتوهمه أو يوهمه الأستاذ!
٩٥ - [١/ ٢٥٧] سالم (١) بن عصام:
ذكرته في «الطليعة» (ص ٥٠ - ٥١) (٢) فأشار إلى ذلك في «الترحيب» (ص ٤٠ - ٤١) وتعرَّض لأبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان، وستأتي ترجمته (٣). وهو حافظ ثقة جبل، وإن كره الأستاذ! وذكر أن كلمة «صدوق» دون كلمة «ثقة»، وصدق في ذلك، ولكن أبا الشيخ أردفها بقوله: «صاحب كتاب». وصاحب الكتاب يكفيه كونُه في نفسه صدوقًا وكونُ كتابه صحيحًا. وقد توبع سالم، كما ذكرته في «الطليعة».
٩٦ - سعيد بن سَلْم بن قتيبة بن مسلم (٤) الباهلي الأمير:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٥ [٣٨٠ - ٣٨١]) عنه (٥): «قلت لأبي
стр. 480
يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئًا؟ قال: نعم. قلت: أكان جهميًا؟ قال نعم. قلت: فأين أنت منه؟ قال: إنما كان أبو حنيفة مدرِّسًا، فما كان من قوله حسنًا قبلناه، وما كان قبيحًا تركناه».
قال الأستاذ (ص ٤٦): «عامل أرمينية في عهد الرشيد، وقد حاق بالمسلمين ما حاق من البلايا هناك من سوء تصريف هذا العامل شؤونَ الحكم، وابتعادِه في الحكم عن الحكمة والسداد، كما في «تاريخ ابن جرير» وغيره. وليس هو ممن يُقبل له قولٌ في مثل هذه المسائل».
أقول: حُسن السياسة شيء، والصدقُ في الرواية شيء آخر. ولسعيد ترجمة في «تاريخ بغداد» (ج ٩ ص ٧٤) وفيها: « ... قال العباس بن مصعب: قدم مروَ زمان المأمون ... وكان عالمًا بالحديث والعربية، إلا أنه كان لا يبذل نفسه للناس». ولو قال الأستاذ: «لم يوثَّق» لكفاه.
٩٧ - سعيد بن عامر الضُّبَعي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٧ [٤١٧]) عنه: «حدثنا سلَّام بن أبي مطيع قال: كان أيوب قاعدًا في المسجد الحرام، فرآه أبو حنيفة، فأقبل نحوه، فلما رآه أيوب قد أقبل نحوه، قال لأصحابه: لا يُعْدِنا (١) بجَرَبه! قوموا، فتفرَّقوا».
قال الأستاذ (ص ١٠٩): «في حديثه بعض الغلط، كما قال ابن أبي حاتم».
стр. 481
أقول: إنما حكى ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه قال: «كان رجلًا صالحًا، وكان في حديثه بعض الغلط» (١). وقد وقفتُ لسعيد على خطأ في إسناد حديث أو حديثين، وذلك لا يضرُّه، وإنما حدُّه أنه إذا خالف مَن هو أثبت منه ترجَّح قولُ الثبت. وقد أثنى عليه الإمامان ابن [١/ ٢٥٨] مهدي والقطان. وقال ابن معين: «ثنا سعيد بن عامر الثقة المأمون». ووثقه أيضًا ابن سعد، والعجلي، وابن قانع حافظ الحنفية. وروى عنه الأئمة: ابن المبارك، وأحمد، ويحيى، وإسحاق، وأبو خيثمة، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وغيرهم.
٩٨ - سفيان بن سعيد الثوري:
في «تاريخ بغداد» في ترجمة أبي حنيفة عدة كلمات منسوبة إلى الثوري (٢)، فيها غضٌّ من أبي حنيفة، تعقَّبها الأستاذ في «التأنيب» بما تعقَّبها. وفي بعض ذلك ما يؤول إلى الطعن في الثوري. فمن ذلك: ما يتعلق بالإرجاء (٣)، وقد ذكرته في قسم الاعتقاديات (٤). ومن ذلك: الروايات في أن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين (٥). جاءت تلك الروايات عن الثوري وجماعةٍ، فتكلم الأستاذ في الروايات بما لا شأن لنا به هنا.
стр. 482
وقال (ص ٦٥): «روى ابن عبد البر بسنده عن عبد الله [بن] (١) داود الخُرَيبي الحافظ تكذيبَ استتابته مطلقًا. فليراجع «الانتقاء»».
أقول: تلك الرواية في «الانتقاء» (ص ١٥٠) (٢) وهي من طريق محمد بن يونس الكُدَيمي، وقد قال الأستاذ (ص ٦٠): «الكُدَيمي متكلَّم فيه راجع «ميزان الاعتدال»».
أقول: وراجع أيضًا «تهذيب التهذيب» (٣)، وحاصل ذلك أن الكُدَيمي ليس بثقة، وقد كذَّبه جماعة.
وقال الأستاذ (ص ٦٦): «وهناك رواية أخرى ... وذلك ما حدَّثه ابن أبي العوَّام الحافظ (؟ ) عن الحسن بن حمَّاد سجَّادة قال: حدثنا أبو قَطَن عمرو بن الهيثم البصري ... ». ثم قال الأستاذ: «وفي ذلك القول الفصل، لأن أبا القاسم بن أبي العوام الحافظ (؟ ) ــ صاحبَ النسائي ــ وسجَّادة وأبا (٤) قطن كلَّهم من الثقات الأثبات».
أقول: ابن أبي العوام ذكرته في «الطليعة» (ص ٢٧ - ٢٨) (٥) فراجعها. ولم يتعقب الأستاذ في «الترحيب» ذلك بشيء، وأي قيمة لتوثيق الكوثري! ومع ذلك فلم يدرك سجّادة، لأن سجادة توفي سنة ٢٤١، والنسائي نفسه يروي عن رجل عنه. ويظهر أنه إنما وقع في كتاب ابن أبي العوام «حُدِّثْتُ
стр. 483
عن الحسن بن حماد سجادة». فقول الأستاذ: «وذلك ما حُدِّثه» حقُّها أن [١/ ٢٥٩] تُقرأ هكذا بالبناء للمجهول. فعلى هذا لا يُدرى مَنْ شيخ ابن أبي العوّام، إن كان له شيخ غير نفسه، وصحَّ الخبر عنه.
ومن ذلك أن الخطيب ساق عدة روايات (١) عن الثوري والأوزاعي قال: «ما وُلد في الإسلام مولودٌ أشأمُ على هذه الأمة من أبي حنيفة».
فقال الأستاذ (ص ٧٢): «لو كان هذا الخبر ثبَتَ عن الثوري والأوزاعي لسقطا بتلك الكلمة وحدها في هُوَّة الهوى والمجازفة، كما سقط مذهباهما بعدهما سقوطًا لا نهوض لهما أمام الفقه الناضج. وقد ورد: «لا شؤم في الإسلام». وعلى فرض أن الشؤم يوجد في غير الثلاث الواردة في السنة، وأن صاحبنا مشؤوم، فمن أين لهما معرفةُ أنه في أعلى درجات المشؤومين؟ ... ».
أقول: لم يريدا الشؤم الذي نفاه الشرع، وإنما أرادا الشؤم الذي يُثبته الشرع والعقل. إذا كان في أخلاق الإنسان وأقواله وأفعاله ما من شأنه ديانةً وعادةً وقوعُ الضرر والمصائب بمن يصحبه ويتبعه، ويتعدّى ذلك إلى غيرهم، ووقع ذلك ولم يزل ينتشر، ودلَّت الحالُ على أنه لن يزال في انتشار= صحَّ أن يقال: إنه مشؤوم. وإذا ظُنّ أن ما يَلْحق الأمةَ من الضرر بسبب رجل [أكثر مما يلحقها بسبب رجلٍ] (٢) آخر= صحَّ أن يقال: إنه لم يولد مولودٌ أشأَمُ على الأمة منه.
كان الثوري والأوزاعي ــ كجمهور الأئمة قبلهما وفي عصرهما ــ يريان
стр. 484
الإرجاءَ، وردَّ السنة بالرأي، والقولَ ببعض مقالات الجهمية= كلَّ ذلك ضلالةً، من شأنها أن يشتدَّ ضررُها على الأمة في دينها ودنياها، ورَأَيا صاحبَكم وأتباعَه ــ مخطئين أو مصيبين ــ جادِّين في نشر ذلك، ولا تزال مقالاتهم تنتشر وتجُرُّ إلى ما هو شرٌّ منها، حتى جرَّت قومًا إلى القول بأن أخبار الآحاد مردودة مطلقًا، وآخرين إلى ردِّ الأخبار مطلقًا، كما ذكره الشافعي. ثم جرَّت إلى القول بأن النصوص الشرعية لا يُحتجُّ بها في العقائد! ثم إلى نسبة الكذب إلى أنبياء الله وإليه سبحانه كما شرحته في قسم الاعتقاديات (١).
شاهدَ الثوريُّ والأوزاعي طرفًا من ذلك، ودلَّتهما الحالُ على ما سيصير إليه الأمرُ، فكان كما ظنَّا. وهل كانت المحنة في زمن المأمون والمعتصم والواثق إلا على يدي أصحابكم ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم؟ وفي كتاب «قضاة مصر» (٢) طرف من وصف ذلك. وهل جرَّ إلى استفحال تلك المقالات إلا تلك المحنة؟ وأيُّ ضَرٍّ نزل بالأمة أشدُّ من هذه المقالات!
[١/ ٢٦٠] فأما سقوطُ مذهبيهما، فخِيرةٌ اختارها الله ﵎ لهما. فإن المجتهد قد يخطئ خطأً لا يخلو عن تقصير، وقد يقصِّر في زجر أتباعه عن تقليده هذا التقليدَ الذي نرى عليه كثيرًا من الناس منذ زمان طويل، الذي يتعسَّر أو يتعذَّر الفرقُ بينه وبين اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله= فقد يلحق المجتهدَ كِفْلٌ من تلك التبعات؛ فسلَّم الله تعالى الثوري
стр. 485
والأوازعي من ذلك.
فأما ما يرجى من الأجر على الاتباع في الحق، فلهما من ذلك النصيبُ الأوفر بما نشراه من السنة علمًا وعملًا. وهذه الأمهات الستُّ المتداوَلة بين الناس حافلةٌ بالأحاديث المروية من طريقهما، وليس فيها لصاحبكم ومشاهير أصحابه حديث واحد! وقد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في «تاريخه الكبير» (١) في ترجمة الثوري: «قال لنا عبدان عن ابن المبارك: كنتُ إذا شئتُ رأيتُ سفيان مصلِّيًا، وإذا شئتُ رأيته محدثًا، وإذا شئتُ رأيته في غامض الفقه. ومجلسٌ [آخر] شُهِدَ (في «التاريخ الصغير» (٢) ص ١٨٧: شهدته) ما صُلِّي فيه على النبي ﷺ ــ يعني: مجلس النعمان» ولهذه الحكاية طرف في «تاريخ بغداد» (٣) و «تقدمة الجرح والتعديل» (٤) لابن أبي حاتم وغيرهما.
وقد علمنا كيف انتشر مذهبكم:
أولًا: أولع الناس به لما فيه من تقريب الحصول على الرئاسة، بدون تعب في طلب الأحاديث وسماعها وحفظها والبحث عن رواتها وعللها وغير ذلك؛ إذ رأوا أنه يكفي الرجلَ أن يحصل له طرف يسير من ذلك، ثم يتصرَّف برأيه، فإذا به قد صار رئيسًا!
стр. 486
ثانيًا: وليَ أصحابكم قضاءَ القضاة، فكانوا يحرصون على أن لا يولُّوا قاضيًا في بلد من بلدان الإسلام إلا على رأيهم، فرغب الناس فيه ليتولوا القضاء. ثم كان القضاة يسعون في نشر المذهب في جميع البلدان.
ثالثًا: كانت المحنة على يدي أصحابكم، واستمرت خلافةَ المأمون وخلافةَ المعتصم وخلافةَ الواثق. وكانت قوى الدولة كلُّها تحت إشارتهم، فسعوا في نشر مذهبهم في الاعتقاد وفي الفقه في جميع الأقطار. وعمدوا إلى من يخالفهم في الفقه، فقصدوه بأنواع الأذى. ولذلك تعمدوا [١/ ٢٦١] أبا مُسْهِر عبد الأعلى بن مسهر عالمَ الشام وارثَ فقه الأوزاعي (١)، والإمامَ أحمد بن حنبل حاملَ راية فقه الحديث (٢)، وأبا يعقوب البُوَيطي خليفة الشافعي (٣)، وابنَ عبد الحكم وغيرَه من المالكية بمصر. وفي كتاب «قضاة مصر» (٤) طرف مما صنعوه بمصر. وفي ذلك يقول الشاعر يمدح قاضيكم بمصر:
ولقد بجستَ العلمَ في طُلَّابه ... وفجَرتَ منه منابعًا لم تُفْجَرِ
فحميتَ قولَ أبي حنيفة بالهدى ... ومحمدٍ واليوسفيِّ الأذكرِ
وفتى أبي ليلى وقولَ قريعهم ... زُفرِ القياسِ أخي الحِجاج الأنظرِ
стр. 487
وحطَمتَ قولَ الشافعيِّ وصَحْبِه ... ومقالةَ ابنِ عليةٍ لم تُصْحِرِ
ألزقتَ قولَهم الحصيرَ فلم يجُزْ ... عرضَ الحصيرِ فإنْ بدا لك فاشبُرِ
والمالكيةُ بعد ذكرٍ شائعٍ ... أخملتَها فكأنَّها لم تُذْكَر
ثم ذكر إكراه علماء مصر على القول بخلق القرآن وغير ذلك. راجع كتاب «قضاة مصر» (ص ٤٥٢).
رابعًا: غلبت الأعاجم على الدولة، فتعصَّبوا لمذهبكم لعلة الجنسية، وما فيه من التوسع في الرُّخَص والحيل!
خامسًا: تتابعت دول من الأعاجم كانوا على هذه الوتيرة.
سادسًا: قام أصحابكم بدعايةٍ لا نظير لها، واستحلُّوا في سبيلها الكذب حتى على النبي ﷺ ، كما نراه في كتب المناقب.
سابعًا: تمَّمُوا ذلك بالمغالطات التي ضرب فيها الكوثري المثل الأقصى في «تأنيبه» كما شرحتُ أمثلة من ذلك في «الطليعة» وفي هذا الكتاب، ومرَّ بعضها في هذه الترجمة نفسها.
[١/ ٢٦٢] فأما النضج الذي يدّعيه الأستاذ، فيظهر نموذج منه في قسم الفقهيات، بل في المسألة الأولى منها!
وقد كان خيرًا للأستاذ ولأصحابه ولنا وللمسلمين أن يُطوَى الثوبُ على غَرِّه، ويُقَرَّ الطيرُ على مَكِناتها، ويدعَ ما في «تاريخ بغداد» مدفونًا فيه، ويذَر النزاع الضئيل بين مسلمي الهند مقصورًا عليهم، ويتمثَّل قول زهير (١):
стр. 488
وما الحربُ إلا ما علمتُمْ وذقتُمُ ... وما هو عنها بالحديث المُرَجَّمِ
متى تَبعثُوها تَبعثُوها ذميمةً ... وتَضْرَ إذا أضريتموها فتَضْرَمِ
فتَعْرُكُكُم عَرَكَ الرَّحى بِثفَالها ... وتَلْقَحْ كِشافًا ثم تُنْتَجْ فتُتْئِمِ
فتنتَجْ لكم غلمانَ أشأمَ كلُّهم ... كأحمرِ عادٍ ثم تُرضِعْ فتَفْطِمِ
فتُغْلِلْ لكم ما لا تُغِلُّ لأهلها ... قُرًى بالعراق مِن قفيزٍ ودرهم
وقد جرَّني الغضبُ للسنة وأئمتها إلى طرف مما أكره، وأعوذ بالله من شرِّ نفسي وسيِّئ عملي ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: (١٠)].
ومن أحب الوقوف على فضائل الثوري والأوزاعي، فليراجع تراجمهما في «تقدمة الجرح والتعديل» (١) لابن أبي حاتم، و «تهذيب التهذيب» (٢) وغير ذلك.
ولنتبرَّك بذكر طرف منها: قال شعبة وابن عيينة وابن معين وغير واحد من الأئمة: «سفيان أمير المؤمنين في الحديث». وقال عبد الله بن المبارك: «كتبتُ عن ألف ومائة شيخ، ما كتبتُ عن أفضل من سفيان»، ثم قال: «ما رأيت أفضل من سفيان». وقال عبد الله بن داود الخُرَيبي: «ما رأيت أفقه من سفيان».
وقال أبو إسحاق الفَزاري: «ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي
стр. 489
والثوري ... ولو خُيِّرتُ لهذه الأمة لاخترتُ لها الأوزاعي ... وكان والله إمامًا إذ لا نُصيب اليومَ إمامًا». وقال ابن المبارك: «لو قيل لي: اختر لهذه الأمة لاخترتُ الثوري والأوزاعي، ثم لاخترتُ الأوزاعي؛ لأنه أرفق الرجلين». وقال الخُريبي: «كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه».
٩٩ - [١/ ٢٦٣] سفيان بن عُيينة:
شارك الثوريَّ في بعض الكلمات التي نقَمَها الأستاذ، ولا حاجة لذكر ذلك هنا، ولعلك ترى طرفًا منه في مواضعه. وأكتفي بالنظر فيما ذكره الأستاذ في «الترحيب» (ص ٢٧) قال: «لم أذكر في «التأنيب» أن سفيان بن عيينة نفسه كان قد اختلط قبل وفاته بسنة أو أكثر، فيمكن أن يقع منه هذا التخليط في عام الاختلاط».
أقول: قال الذهبي في «الميزان» (١): «روى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن يحيى بن سعيد القطان قال: أشهد أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه فيها فسماعُه لا شيء. قلتُ: سمع منه فيها محمد بن عاصم صاحب ذاك الجزء العالي. ويغلب على ظني أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع. وأما سنة ثمان وتسعين ففيها مات، ولم يَلْقَه أحد فيها؛ لأنه توفي قبل قدوم الحاج بأربعة أشهر. وأنا أستبعد هذا الكلام من القطان، وأعُدُّه غلطًا من ابن عمار؛ فإن القطان مات في صفر من سنة ثمان وتسعين وقت قدوم الحاج، ووقت تحديثهم (٢) عن
стр. 490
أخبار الحجاز، فمتى تمكَّن يحيى بن سعيد من أن يسمع اختلاط سفيان، ثم يشهد عليه بذلك، والموت قد نزل به؟ فلعله بلغه ذلك في أثناء سنة سبع، مع أن يحيى متعنِّت جدًّا في الرجال، وسفيان فثقة مطلقًا، والله أعلم».
قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (١): «ابن عمار من الأثبات المتقنين، وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة ممن حجَّ في تلك السنة، واعتمد قولَهم، وكانوا كثيرًا، فشهد على استفاضتهم؟ وقد وجدتُ عن يحيى بن سعيد شيئًا يصلح أن يكون سببًا لما نقله عن ابن عمار في حق ابن عيينة. وذلك ما أورده أبو سعد (٢) ابن السمعاني في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن من «ذيل تاريخ بغداد» بسند له قوي إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنتَ تكتب الحديث، وتحدِّث اليوم وتزيد في إسناده أو تنقص منه! فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت. وقد ذكر أبو معين الرازي في زيادة «كتاب الإيمان» لأحمد أن هارون بن معروف قال له: إنّ ابن عيينة تغيّر أمرُه بأَخَرة، وإن سليمان بن حرب قال له: إن ابن عيينة أخطأ في عامة حديثه عن أيوب».
أقول: كان ابن عيينة بمكة، والقطان بالبصرة، ولم يحج القطان سنة سبع؛ فلعله حجَّ سنة [١/ ٢٦٤] ستٍّ، فرأى ابنَ عيينة قد ضعف حفظُه قليلًا، فربما أخطأ في بعض مظانِّ الخطأ من الأسانيد. وحينئذ سأله، فأجابه، كما أخبر بذلك عبد الرحمن بن بشر. ثم كأنه بلغ القطانَ في أثناء سنة سبع أو
стр. 491
أوائل سنة ثمان أن ابن عيينة أخطأ في حديثين، فعَدَّ ذلك تغيُّرًا، وأطلق كلمة
«اختلط» على عادته في التشديد.
وقد كان ابن عيينة أشهر من نار على عَلَم، فلو اختلط الاختلاط الاصطلاحيّ لسارت بذلك الركبان، وتناقله كثيرٌ من أهل العلم وشاع وذاع. وهذا «جزء محمد بن عاصم» سمعه من ابن عيينة في سنة سبع، ولا نعلمهم انتقدوا منه حرفًا واحدًا. فالحق أن ابن عيينة لم يختلط، ولكن كبر سنُّه، فلم يبق حفظُه على ما كان عليه، فصار ربما يخطئ في الأسانيد التي لم يكن قد بالغ في إتقانها، كحديثه عن أيوب. والذي يظهر أن ذلك خطأ هيِّن، ولهذا لم يعبأ به أكثر الأئمة، ووثَّقوا ابن عيينة مطلقًا.
ومع هذا فالحكاية التي تكلَّم فيها الأستاذ، هي واقعة جرَتْ لابن عيينة أخبر بها، وليس ذلك من مظان الغلط. وراويها عنه إبراهيم بن بشار الرمادي من قدماء أصحابه. قال أبو عَوانة في «صحيحه» (ج ١ ص ٣٦٥): «كان ثقة من كبار أصحاب سفيان وممن سمع قديمًا منه».
ومناقب ابن عيينة في الكتب المشار إليها في ترجمة الثوري وغيرها (١). ومن ذلك: قال ابن وهب صاحب الإمام مالك: «ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله من ابن عيينة». وقال الشافعي: «ما رأيت أحدًا من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحدًا أكفَّ عن الفُتْيا منه». وقال أحمد: «ما رأيت أحدًا أعلمَ بالقرآن والسنن منه».
стр. 492
١٠٠ - سفيان بن وكيع:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٩ [٣٨٧]) عنه قال: «جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة، فجلس إلينا فقال: سمعت أبي حمادًا يقول: بعث ابنُ أبي ليلى إلى أبي حنيفة فسأله عن القرآن فقال: مخلوق ... ».
قال الأستاذ (ص ٥٧): «كان ورَّاقه كذَّابًا يُدخِل في كتبه ما شاء من الأكاذيب فيرويها هو, فنبَّهوه على ذلك، وأشاروا عليه أن يغيِّر ورَّاقه، فلم يفعل؛ فسقط عن مرتبة الاحتجاج عند النقاد».
أقول: حسَّن الترمذي بعضَ أحاديثه، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١)، وقال: «كان شيخا فاضلًا صدوقًا إلا أنه ابتلي بورَّاقِ سَوءٍ .... وهو من الضرب الذين لَأَنْ يخِرَّ أحدُهم من [١/ ٢٦٥] السماء أحبُّ إليهم من أن يكذبوا على رسول الله ﷺ ». وذكر له ابن عدي (٢) خمسة أحاديث معروفة إلا أن في أسانيدها خللًا ثم قال: «إنما بلاؤه أنه كان يتلقَّن. يقال: كان له ورَّاق يُلقِّنه من حديثٍ موقوفٍ فيرفعه، أو مرسلٍ يُوصله، أو يبدِّل رجلًا برجل». والحكاية التي ساقها الخطيب ليست من مظنة التلقين، ولا من مظنة الإدخال في الكتب. فإذا صحَّ أن هذا الرجل صدوق في نفسه لم يكن في الطعنِ فيه بقصة الوراق فائدة هنا. وأكبرُ ما في الحكاية قولُ أبي حنيفة
стр. 493
المقالةَ المذكورة، والأستاذ يُثبت ذلك ويتبجَّح به.
١٠١ - سلَّام بن أبي مُطيع:
مرَّت الإشارة إلى روايته في ترجمة سعيد بن عامر (١).
قال الأستاذ (ص ١٠٩): «قال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج بما ينفرد به. وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة وسوء الحفظ».
أقول: هذا رجل من رجال «الصحيحين» منسوب إلى العقل، لا إلى الغفلة؛ فكأنَّ الحاكم صحَّف (٢). قال أبو داود: «كان يقال: هو أعقل أهل البصرة». وقال البزَّار: «كان من خيار الناس وعقلائهم». وقال أحمد وأبو داود: «ثقة». وقال ابن عدي: «لم أر أحدًا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة، وهو مع ذلك كلِّه عندي لا بأس به».
فكأنَّ ابن حبان رأى بعض حديثه عن قتادة غريبًا، فأطلق. وروايته هنا ليست عن قتادة، وإنما هي قصةٌ جرت لأيوب شهدها سلَّام. وليس ذلك من
стр. 494
مظنة الغلط. راجع (ص ٩) (١).
١٠٢ - سلامة بن محمود القيسي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٤ [٣٨٠]) عنه: «حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو قال: سمعتُ أبا مُسْهِر يقول: كان أبو حنيفة رأس المرجئة».
قال الأستاذ (ص ٤٥): «من الزهاد المستثنِين في كل شيء إلا في مثل هذا»!
أقول: يعني أن الرجل منهم كان إذا قال: أنا مؤمن، قال: إن شاء الله. وليس هذا بقادح، وقد ذكرتُ هذه المسألة في قسم الاعتقاديات (٢). (٣)
١٠٣ - سلمة بن كُلْثوم:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٧ [٤١٨]): من طريق أبي توبة: «حدثنا [١/ ٢٦٦] سلمة بن كلثوم، وكان من العابدين، ولم يكن في أصحاب الأوزاعي أحيا منه. قال: قال الأوزاعي لما مات أبو حنيفة: الحمد لله، إن كان لينقضُ الإسلامَ عروةً عروةً».
قال الأستاذ (ص ١٠٩): «يقول عنه الدارقطني: كثير الوهم».
стр. 495
أقول: عبارة الدارقطني على ما في «التهذيب» (١): «يهم كثيرًا». وليست حكايته هذه مظنة للوهم، وقد توبع عليها. وراجع (ص ٩) (٢). وقال أبو اليمان: «كان يقاس بالأوزاعي». (٣)
١٠٤ - سليمان بن عبد الله:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٢ [٣٩٢]) من طريق: «أحمد بن مهدي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني سَلْم (وفي طبعة الهند: سليمان) بن عبد الله، حدثنا جرير، عن ثعلبة ... ». وفيه: (١٣/ ٣٩٨ [٤١٩]) مثل هذا السند، وفيه «سليمان بن عبد الله» باتفاق النسخ.
قال الأستاذ (ص ٦٥): «واه إن كان سَلْمَ بن عبد الله الزاهد. وليس بشيء إن كان سليمانَ بن عبد الله الرَّقِّي. وإن كان غيرَهما، فمجهول». وقال (ص ١١٠): «هو أبو الوليد الرَّقِّي. قال ابن معين: ليس بشيء».
أقول: ذكر الذهبي في «الميزان» (٤) سليمان بن عبيد الله أبا أيوب الرَّقِّي، وذكر قول ابن معين: «سليمان بن عبيد الله الرَّقِّي ليس بشيء». وذكر قبله (٥) بتراجم: «سليمان بن عبد الله أبو الوليد الرقي، قال ابن معين: ليس