ما يتعلق بذلك في قسم الاعتقاديات (١). وقال محمد بن عبد الله بن الشخِّير في ابن أبي داود: «كان زاهدًا عالمًا ناسكًا، ﵁ وأسكنه الجنة برحمته».
١٢٤ - عبد الله بن صالح:
مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة الصقر (٢).
قال الأستاذ (ص ٢٩): «كاتب الليث المختلط».
أقول: لم يتبين لي أهو هو، أم عبد الله بن صالح العجلي أحد الثقات، أم غيرهما؟ وكاتب الليث لم يختلط، ولكن أُدخلت عليه أحاديث. وترى شرحَ ذلك والفصلَ فيه في «مقدمة فتح الباري» (٣). (٤)
١٢٥ - عبد الله بن عدي أبو أحمد الجرجاني الحافظ مؤلف «الكامل» وغيره:
تعرَّض له الأستاذ (ص ١٦٩) قال: «كان ابن عدي ــ على بُعدِه من الفقه والنظر والعلوم العربية ــ طويلَ اللسان في أبي حنيفة وأصحابه».
أقول: أبو أحمد إمام في الحديث ورجاله وعلله، واشتغالُه بذلك عن التبسُّط في الفقه والنظر لا يدل على بُعده عن التأهل لذلك، وكان عنده من
стр. 562
معرفة اللسان ما يكفيه. وأما طول لسانه، فذلك مقتضى مقامه وله في ذلك أسوة بأكابر أئمة السنة. (١)
١٢٦ - عبد الله بن عمر بن الرمَّاح:
راجع «الطليعة» (ص ٦٠ - ٦١) (٢). وفي «تهذيب التهذيب» (ج ٧ ص ٤٤٧ وص ١٦٠) أنه يقال لعمر بن ميمون بن بحر بن الرماح والد عبد الله هذا «عمر بن الرماح»، يُنسب إلى جدِّه الأعلى. وهكذا وقع في «سنن الترمذي» (٣) في «باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر». ومن لازم هذا أن يقال لعبد الله هذا: «عبد الله بن عمر بن الرماح». فزَعْمُ الأستاذ في «الترحيب» (ص ٤٤ - ٤٥) أنني أنا تزيَّدْتُ في نَسَبِه ما شئتُ من الأسماء تهمةٌ باطلة. إنما بيَّنتُ ما قام عليه الدليل، فأما تصحيف «عمر» [١/ ٣٠٦] إلى عثمان كعكسه، فكثير في الكتب. وقد ذكرتُ في «الطليعة» (٤) شاهدَه من كلام الأستاذ نفسه. وإذا ذكر صاحبُ العلم أنه وقع في العبارة تصحيف أو نسبة للرجل إلى جده أو غير ذلك، فالمدار على الدليل. فإن كان معه دليل، فحقُّه أن يُشكر، وإلا فحقُّه أن يُعاب ويُزجر، ولاسيَّما إذا كان الدليل يدفع ما ذكره. فلا يكفي الأستاذَ في دفع ما انتقدتُه عليه من هذا القبيل مما يخالف الدليل أن ينتقد على ما وقع مني من ذاك
стр. 563
القبيل حيث يقتضيه الدليل!
بقي أن الأستاذ زعم أن عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرمَّاح مجهول الصفة. فأقول: قال ابن حبان في «الثقات» (١): «عبد الله بن عمر بن ميمون بن الرماح السعدي أبو عبد الرحمن البلخي قاضي نيسابور. روى عن مالك، ووكيع، وأهل العراق. حدَّثَنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاري وعبد الله بن محمد الأزدي. مستقيم الحديث إذا حدَّث عن الثقات. وقد قيل: كنيته أبو محمد، وكان مرجئًا. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين». وهذا من ابن حبان توثيق مقبول، كما يأتي في ترجمته (٢).
قال الأستاذ: «فلا يناهض ما تواتر ... ».
أقول: أجل، لا يناهض ما صحَّ تواترُه، بل لا يناهض ما هو أثبتُ منه وإن لم يتواتر. فإن كان الذي يناقض خبرَ عبد الله هذا متواترًا حقًّا أو أثبتَ من خبر عبد الله على الأقل، اندفع خبرُ عبد الله. وليس هذا موضع النظر في ذلك، وقد عرفنا الأستاذ ودعاويه. والله الموفق.
١٢٧ - عبد الله بن عَمْرو أبو معمر المِنْقَري:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٢ [٣٩١]) من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: «حدثني أبو معمر قال: قيل لشريك ... ».
قال الأستاذ (ص ٦٤): «فإن كان عبدَ الله بن عمرو المنقري البصري، فهو
стр. 564
قدري لا تُقبل روايته في حقِّ مخالفه في المذهب. وإن كان الهروي، فقد سبق. على أن لفظ أبي معمر لفظ انقطاع».
أقول: هو الهرويُّ حتمًا، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن معمر تقدمت ترجمته (١). وفي ترجمته من «تهذيب التهذيب» (٢): « ... نزيل بغداد روى عن ... وشريك ... وعنه البخاري ومسلم ... وعبد الله بن أحمد ... قال عبد الله بن أحمد: سمعتُ أبا معمر يقول: من زعم أن [١/ ٣٠٧] الله لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر ــ وذكر أشياء من الصفات ــ فهو كافر بالله ... مات ... سنة ٢٣٦».
فأما المنقري، فبصري مُقعَد توفي سنة ٢٢٤، وعبد الله بن أحمد ولد ببغداد سنة ٢١٣. وليس في ترجمته من «التهذيب» (٣) ذكر روايته عن شريك ولا رواية لعبد الله بن أحمد عنه. وهو مع ذلك ثقة جليل. وما ذُكر به من القَدَر لا يقدح فيه، وقول الأستاذ: «لا تقبل روايته في حق مخالفه» قد تقدم النظر في ذلك في القواعد (٤)، وكذلك النظر فيما يتعلق بقوله: «لفظ انقطاع» (٥).
وكلا الرجلين أعني: المنقري، والهروي غير مدلِّس. والله الموفق.
стр. 565
١٢٨ - عبد الله بن محمد بن حميد أبو بكر بن أبي الأسود:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٧ [٤٠٣]) عنه «عن بشر بن مفضّل قال: قلت لأبي حنيفة ... ».
قال الأستاذ (ص ٧٨): «قال ابن أبي خيثمة: كان ابن معين سيِّئ الرأي في أبي بكر بن أبي الأسود».
أقول: هذا مجمل. وقد جاء عن ابن معين أنه قال: «ما أرى به بأسًا». وجاء عنه أيضًا أنه قال: «لا بأس به، ولكنه سمع من أبي عوانة وهو صغير وقد كان يطلب الحديث». فهذا يفسِّر رواية ابن أبي خيثمة. وقال ابن المديني: «بيني وبين أبي الأسود ستة أشهر. ومات أبو عوانة وأنا في الكُتَّاب». ومولد ابن المديني سنة ١٦١، وذكر هو أن وفاة أبي عوانة سنة ١٧٥، وقال غيره: سنة ١٧٦. فعلى ذلك يكون سنُّ ابن أبي الأسود حين وفاة أبي عوانة خمس عشرة سنة أو أكثر. وكان ابنَ أخت عبد الرحمن بن مهدي، فقد يكون ساعَدَه هو أو غيره في الضبط، وقد صحَّح الجمهورُ السماعَ في مثل تلك السنِّ وفيما دونها.
نعم، يؤخذ من كلام بعضهم أن أبا عوانة توفي سنة ١٧٠ (١)، ووقع في «تاريخ جرجان» (٢) لحمزة السهمي حكايةُ ذلك عن بعض الحفاظ، كما يأتي في ترجمة أبي عوانة (٣). فعلى هذا يكون سنُّ ابن أبي الأسود نحو تسع
стр. 566
سنين. لكن ذاك القول شاذ، ومع ذلك فابن تسع سنين قد يصح سماعه عندهم.
والذي يرفع النزاع من أصله أنه ليس في سماع الرجل وهو صغير ما يوجب الطعن فيه. وإنما يتوجَّه الطعنُ إذا كان السماع غير صحيح، ومع ذلك كان الرجل يَبني عليه ويَروي بدون أن يبيِّن، وهذا منتف هاهنا. أما أوّلًا، فلأن احتمال صحة سماعه من أبي عوانة ظاهر، ولا سيما على المعروف من أن وفاة أبي عوانة كانت سنة خمس أو ست وسبعين ومائة. وأما ثانيًا، فلأن البخاري وأبا داود والترمذي [١/ ٣٠٨] أخرجوا لابن أبي الأسود، ولم يذكروا شيئًا من روايته عن أبي عوانة. وذلك يدل على أحد أمرين: إما أن يكون ابن أبي الأسود لم يرو عن أبي عوانة شيئًا، وإما أن يكون ربما روى عنه مع بيان الواقع.
وعلى هذا فيكون كلام ابن معين وابن المديني إنما هو على سبيل الاحتياط، عَلِما أنه سمع من أبي عوانة وهو صغير، فخشيا أن يَعْتَمِد على ذلك، فيروي من غير بيان. فأما حاله في نفسه وفي روايته عن غير أبي عوانة، فلا مَطْعَن فيه. وقد روى عنه البخاري في «صحيحه» (١)، وروى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم (٢). وقال الخطيب: «كان حافظًا متقنًا» (٣). وحكايته المتقدمة أولَ
стр. 567
الترجمة من روايته عن بشر بن المفضَّل المتوفى سنة ١٨٧، أي حين كان سنُّ ابن أبي الأسود ستًا وعشرين سنة أو أزيد. والله الموفق.
١٢٩ - عبد الله بن محمد بن جعفر بن حَيّان أبو الشيخ الأصبهاني الحافظ:
قال الأستاذ (ص ٤٩): «صاحب «كتاب العَظَمة» و «كتاب السنة» وفيهما من الأخبار التالفة ما لا آخر له، وقد ضعَّفه بلديُّه الحافظ العسَّال بحق».
أقول: أما ما في كتبه من الأخبار الواهية فهو كغيره من حفاظ عصره وغيرهم. قال ابن حجر في «لسان الميزان» (ج ٣ ص ٧٥) (١) في ترجمة الطبراني: «عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جَمْعَه الأحاديثَ بالأفراد مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات ... وهذا أمر لا يختصّ به الطبراني ... بل أكثر المحدِّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جرًّا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته». وقد مرَّ النظر في ذلك في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٢).
فأما العسال، فهو أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان الأصبهاني. له أيضًا ــ كما في ترجمته من «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٩٧) (٣) ــ «كتاب العظمة»، و «كتاب المعرفة في السنة»، و «كتاب الرؤية» وغيرها،
стр. 568
ولعل فيها نحوَ ما في كتب أبي الشيخ. وما زعم الأستاذ أن العسال ضعَّف أبا الشيخ، فلم أظفر بذلك، إلا أني أذكر أنني قبل مدة وقفتُ على قصةٍ (١) في كتاب ــ لا أذكر الآن أيُّ كتاب هو؟ ــ جرت بين عالمين. فإن كانا هما العسال وأبا الشيخ، [١/ ٣٠٩] فحاصل القصة ــ على ما أذكر ــ أن أبا الشيخ كان عنده حكاية يرى العسال أنها خطأ من بعض الرواة أو أن فيها مقالةً رجع عنها صاحبُها، وذكر العسَّالُ أنه سيهجر أبا الشيخ حتى يُخرج الحكاية من كتابه. وليس في هذا تضعيف، ولا أذكر في القصة ما يصح أن يُعَدَّ تضعيفًا (٢).
وعلى العالم أن لا يُعمِّيَ مصدرَه، فيتعبَ الناسُ ويرتابوا فيه. بل ينبغي له أن ينصَّ على مصدره، اللهم إلا أن يكون على طرف الثُّمام، كأن يقول في راوٍ: ضعَّفه فلان، وذلك موجود في ترجمة الرجل من «الميزان» مثلًا= فهذا لا حرج فيه. فأما من يُعمِّي مصدَرَه ــ ولاسيَّما في عصرنا هذا ــ فإنما يدل على أنه لأمرٍ ما يكره أن يعرفه الناس. والكتب التي بأيدينا ليس فيها إلا الثناءُ على أبي الشيخ وتوثيقُه وإطراؤه. فلم يذكره الذهبي في «الميزان» ولا ابن حجر في «اللسان» ولا أشار الذهبي إلى تليين له في «تذكرة الحفاظ». وهكذا عدة كتب أخرى توجد فيها ترجمته. وذلك ــ مع تعمية الأستاذِ لمصدره ــ كافٍ في الدلالة على أن ما زعمه الأستاذ غير صحيح، إما لعدم صحة إسناده، وإما لأنه ليس ما وقع بتضعيف، وإما لغير ذلك.
стр. 569
هذا، وقد كنت كتبتُ إلى بعض أهل العلم (١) أسألهم، فلم أحصل على خبر، إلا أن أحدهم أخبرني أنه اجتمع بالأستاذ الكوثري نفسه (٢).
стр. 570
١٣٠ - عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٤ [٤٢٩]): أخبرني أبو نصر أحمد بن الحسين القاضي بالدِّينَوَر، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السنِّي الحافظ، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا هارون بن إسحاق، سمعت محمد بن عبد الوهاب القنَّاد يقول: حضرتُ مجلس أبي حنيفة، فرأيتُ مجلسَ لغوٍ لا وقار فيه. وحضرتُ مجلس سفيان الثوري، فكان الوقار والسكينة والعلم، فلزمتُه».
قال الأستاذ (ص ١٢٥): «ليس أبا الشيخ ابن حيان، لأنه لم يدرك هارون بن إسحاق الهَمْداني المتوفى سنة ٢٥٨ بل هو القاضي القزويني الكذَّاب المشهور الذي وضع على لسان الشافعي نحو مائتي حديث، ولم يرو الشافعي شيئًا من ذلك أصلًا، لكن الخطيب لا يتورع أن يروي بطريقه في مثالب أبي حنيفة، كما لا يتحرج أن [١/ ٣١٠] يروي بطريقه في مناقب الشافعي ... ولولا مثل هذه الأمور المكشوفة لما كانت السهام المصوَّبة إلى نحر الخطيب لِتصيبَ المقتل منه».
أقول: أما الجزم بأنه ليس أبا الشيخ، ففي محلِّه. وأما الجزم بأنه القزويني، فليس بجيد؛ لأنهم لم ينصُّوا على أنه يروي عن هارون، ولا على أن ابن السني يروي عنه. وكتب الرجال التي بين أيدينا لم تستوعب الرواة. نعم، يظهر من كلام الذهبي في خطبة «الميزان» (١) أنه استوعب المتكلَّم فيهم، وأن من لم يذكره فهو إما ثقة وإما مستور. ومعلوم أن ذلك بحسب ما وقف عليه ولم يغفل عنه. وقد استدرك عليه مَنْ بَعْده جماعةً، ووقفتُ أنا في
стр. 571
الكتب الأخرى على أفراد مضعَّفين لم يُذكَروا في «لسان الميزان». وحاول جماعة استيعاب الثقات. والموجود بين أيدينا من (١) كتاب ابن حبان، وهو مختصٌّ بالقدماء هارون بن إسحاق وطبقته ومَن قبلهم. وكثيرًا ما يوجد في أسانيد كتب الحديث التي لم يعتن أهل العلم باستيعاب رواتها وكتبِ التاريخ وغيرها مما تُذْكَر فيه الأخبار بأسانيدها أسماءُ رواة لا نجدهم في الكتب التي بأيدينا. ومنها أسماء تشبه الموجودين في الكتب، ولكن تقوم القرائن على أن المذكور في السند رجل آخر. فإن فرضنا أن الخطيب التزم أن لا يروي في «تاريخه» شيئًا عن مثل القزويني، فهذه قرينة على أنه كان يرى أن هذا الرجل غير القزويني. وإن كان الخطيب لم يلتزم ذلك، وفرضنا أن هذا الرجل هو القزويني، وأن الخطيب عرف ذلك= فعذرُ الخطيب واضح، وهو أنه لم يلتزم أن لا يروي عن مثله مثل تينك الحكايتين.
أما الحكاية التي في مناقب الشافعي، فإنما هي رؤيا لا تضع حكمًا ولا ترفعه، والمناقب مما يتسامح فيها. وقد تسامح الحنفية في رواية الأكاذيب المكشوفة والأحاديث الموضوعة في مناقب إمامهم، كما يأتي في ترجمة محمد بن سعيد البُورقي (٢) مع أمثلة أخرى لا تحصى. وتبعهم الخطيب نفسه، فروى في مناقب أبي حنيفة كثيرًا من ذلك. بل تسامح الحنفية في الكتب التي يسمِّيها الأستاذ «المسانيد السبعة عشر»، وزاد عليهم الأستاذ، فاحتجَّ بأشياء من ذلك.
стр. 572
وأما الحكاية التي في صدر هذه الترجمة، فما يتعلق منها بالثوري ثابتٌ من غير وجه، كما يُعلم من مراجعة ترجمته في «تقدمة الجرح التعديل» (١) لكتاب ابن أبي حاتم، و «تاريخ بغداد» (٢) وغيرهما [١/ ٣١١] «حتى كان الرجل يجيء إلى المكان الذي فيه الثوري وأصحابه، فيقرب من المكان، فيحسبه خاليًا، فإذا فتح البابَ وجده غاصًّا بالناس». وما يتعلق بأبي حنيفة إنما المراد باللغو رفعُ الأصوات في المناظرة بالرأي، والمراد بالوقار خفض الأصوات. وعلى هذا؛ فمعنى ذلك ثابت أيضًا بروايات أخرى.
ومع هذا فالقزويني إنما خلَّط في آخر عمره. فإن كان هو الواقع في السند وعَرَف الخطيبُ ذلك، فلعله علم أن سماع ابن السنِّي من القزويني قديم. قال مسلمة بن قاسم في القزويني: «كان كثيرَ الحديث والرواية، وكان فيه بأوٌ شديد وإعجاب. وكان لا يرضى إذا عورض في الحديث أن يُخرج لهم أصوله، ويقول: هم أهون من ذلك. قال: فحدَّثني أبو بكر المأموني ــ وهو من أهل العلم العارفين بوجوهه ــ قال: ناظرته يومًا، وقلت له: ما عليك لو خرَّجتَ لهم أصلًا من أصولك؟ فقال: لا ولا كرامة. ثم قام فأخرجها، وعرض عليّ كلَّ حديث اتهموه فيه مثبتًا في أصوله». وقال ابن يونس: «كان محمودًا في القضاء، وكانت له حلقة بمصر، وكان يظهر عبادة وورعًا. وثقل سمعُه جدًّا، وكان يفهم الحديث ويحفظ ويُملي ويجتمع إليه الخلق. فخلَّط في الآخر، ووضع أحاديث ... » ثم قال: «مات بعد أن افتضح بيسير» (٣).
стр. 573
١٣١ - عبد الله بن محمد بن جعفر، المعروف بصاحب الخان بأُرْمِيَة:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٨ [٤١٩]): «أخبرنا أبو نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي بسَاوة (١)، حدثنا عبد الله (كذا) محمد (٢) بن جعفر المعروف بصاحب الخان بأُرْمِيَة قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الدَّيْبلي ... ».
قال الأستاذ ص ١١١: «والله أعلم بحال من لا يعرف إلا بصاحب الخان بأرمية».
أقول: وأنا لم أعرفه، ولا أدري ما الساقط أكلمة «بن» بعد عبد الله، أم كلمة «أبو» قبلها (٣)؟
١٣٢ - عبد الله بن محمد بن سيَّار الفَرْهَيَاني ، ويقال: الفَرْهَاذاني:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٢ [٤٤٠]) من طريقه: «سمعت القاسم بن عبد الملك أبا عثمان يقول: سمعت أبا مُسهِر يقول: كانت الأئمة تلعن أبا فلان على هذا المنبر ــ وأشار إلى منبر دمشق. قال الفَرْهَياني: وهو أبو حنيفة».
قال الأستاذ (ص ١٤٥): «من شيوخ ابن عدي ومحمد بن الحسن النقاش، ومن طرازهما في المعتقد، فلا يوثِّقه إلا مثلُه». وقال قبل ذلك: «لعنُ شخصٍ معيَّن
стр. 574
لا يكون فيه نصٌّ في الشرع على أنه من أهل النار يُعَدُّ ذنبًا عظيمًا في هذا الدين الحنيف ... على أن ... في رواية أبي مسهر [١/ ٣١٢] ... كانت الأئمة تلعن أبا فلان ... فجعل الفراهيناني (١) الخبيث أبا فلان أبا حنيفة من غير دليل ... ».
أقول: قال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ج ٢ ص ٢٥٥) (٢): «الحافظ الإمام الثقة ... روى عنه محمد بن الحسن النقاش المقرئ، وأبو أحمد بن عدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وبشر بن أحمد الإسفرايني، وأبو عمرو بن حمدان، وغيرهم. قال ابن عدي: كان رفيقَ النسائي. وكان ذا بصر بالرجال، وكان من الأثبات. سألته أن يملي عليّ عن حرملة، فقال: حرملة ضعيف. ثم أملى عليّ ثلاثة أحاديث ولم يزدني».
وقد حاول الأستاذ (ص ٦٦) أن يجعل ابن أبي العوّام من الثقات الأثبات، لأنه روى عن النسائي، مع أن الرواية عن مثل النسائي أو مَن هو خير منه لا تدل على إسلام الراوي، فكيف عدالته! فكيف أن يكون من الثقات الأثبات! فأما مرافقة مثل النسائي في العلم وطلبه، فدلالتها على حُسْن حال المرافق ظاهرة.
وابن عدي من أجلة أئمة الفن، وإن كره الأستاذ. ومعتقده هو السنة، بل هو الإسلام، وإن رغم الجهمية! وقد تقدم الإشارة إلى هذا في قسم
стр. 575
القواعد (١)، وبسطت الكلام في العقائد في قسم الاعتقاديات (٢).
وأما لعن المعيَّن، فالخلاف فيه مشهور. ولعل من شدَّد في المنع منه إنما ذهب إلى سدِّ الذريعة لئلا يتوصل إلى لعن بعض الصحابة. على أنه قد كان يبلغ علماءَ دمشق عن أبي حنيفة كلماتٌ يرونها كفرًا وبعضُها مسطَّر في «التأنيب» نفسه، وظاهر أسانيدها الصحة. فلا مانع أن يبنُوا على ظاهر ذلك، ومن بنى على الظاهر فأخطأ، فهو معذور.
وقول الفرهياني: «وهو أبو حنيفة» لم يقلها بغير دليل، وقد مرَّ في (الترجمة) نفسها من «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٨ [٣٨٥]) من طريق أبي مسهر نفسه: «قال سلمة بن عمرو القاضي على المنبر: لا رحم الله أبا حنيفة، فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق». والدعاء بعدم الرحمة هو معنى الدعاء بالإبعاد عنها، وهو معنى اللعن. فأما قول الأستاذ: «الخبيث»، فأدع حسابها إلى الله .
١٣٣ - [١/ ٣١٣] عبد الله بن محمد بن عبد العزيز أبو القاسم البغوي ابن بنت أحمد بن منيع، وابن منيع، والمنيعي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٨ [٣٨٥]): «أخبرنا العتيقي، أخبرنا جعفر بن محمد بن [علي] (٣) الطاهري، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا زياد بن أيوب، حدثني حسن بن أبي مالك ــ وكان من خيار عباد الله ــ قال:
стр. 576
قلت لأبي يوسف القاضي: ما كان أبو حنيفة يقول في القرآن؟ قال: فقال: كان يقول: القرآن مخلوق. قال: قلت: فأنت يا أبا يوسف؟ فقال: لا. قال أبو القاسم: فحدَّثتُ بهذا الحديث القاضي البِرْتي، فقال لي: وأيّ حَسَنٍ كان! وأيّ حسن كان! يعني: الحسن بن أبي مالك. قال أبو القاسم: فقلت للبِرْتي: هذا قول أبي حنيفة؟ قال: نعم المشؤوم. قال: جعل يقول: أحدث بخلقي» (١).
قال الأستاذ (ص ٥٤): «هذه كذبة متراكبة على ألسنة أبي يوسف وابن أبي مالك وأحمد بن القاسم البِرْتي (*)، وثلاثتهم من أغْيَر أهل العلم على مذهب أبي حنيفة، وأرطبهم لسانًا في الثناء على أبي حنيفة. ولا أتهم بهذه الرواية السخيفة سوى أبي القاسم البغوي، إن كان الخطيب سمعها من العتيقي. وقد قال ابن عدي عن حاله عند أهل بغداد: وجدتُ الناس أهلَ العلم والمشايخَ مجمعين على ضعفه. وتجد بعد هذا الإجماع مَن يروي عنه. وكم أوقع الرواةَ تطلُّبُ العلوِّ في الرواية عن الضعفاء والهَلْكى! ولولا أن البغوي الحنبلي عاش وعلت سنُّه لما كان يروي عنه أحد ممن له شأن، لظهور مبدأ أمره كما سبق».
أقول: أما غيرة أولئك الثلاثة على مذهب أبي حنيفة وثناؤهم عليه، فما يصحُّ من ذلك لا يمنع أن يخالفوه في تلك المقالة، كما خالفه أبو يوسف في مسائل لا تحصى. ولا مانع من أن يخبر بعضهم بعضًا بها، ولا أن يُخبر بها (٢) الحسنُ زيادًا ليعلمه براءة أبي يوسف من تلك المقالة، ولاسيَّما إذا عُلم أنها مستفيضة عن أبي حنيفة. وكان حفيده إسماعيل بن حماد يصرخ
стр. 577
بها صراخًا أيام المحنة، وأنها دين أبيه وجدِّه (١). وجاء عن الحِمَّاني أنه حدَّثه عشرة كلُّهم ثقات أنهم سمعوا أبا حنيفة يقول هذه المقالة. والأستاذ وإن تكلم في الرواة، فهو يعترف، بل يتبجَّح بأن أبا حنيفة كان يقول ذلك. وكذلك لا مانع أن يخبر البِرْتيُّ البغويَّ، لعلمه بأنه قد علم ذلك وليعلمه براءته، مع أن الحسن والبِرْتي كانا من الاعتدال والاستقامة وحبِّ السنة بمكان، ولذلك أطاب أهلُ الحديث أنفسُهم الثناء عليهما.
وأما البغوي، فإن أهل العلم بعده أجمعوا على توثيقه. هذا ابن عدي (٢) بعد أن حطَّ عليه بما [١/ ٣١٤] لا يوجب جرحًا، لم ينكر عليه إلا حديثًا واحدًا أشار إلى أنه غلط في إسناده. فأثبت ابن حجر في «لسان الميزان» (٣) أن الغلط من شيخ البغوي، وأن البغويّ بعد اطلاعه على أنه غلطٌ كفَّ عن روايته. ثم عاد ابن عدي، فأنصف وقال: «ولولا أني شرطتُ أن كلَّ من تُكُلِّمَ فيه (يعني ولو بكلام يسير لا يقدح) أذكره وإلا كنت لا أذكره». وأعرض الخطيب (٤) عن كلام ابن عدي رأسًا. وذكره ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٦ ص ٢٢٩) وذكر بعض كلام ابن عدي، وأجاب عنه وقال: «هذا كلام لا يخفى أنه صادر عن تعصُّب». وقال الذهبي في «الميزان» (٥): «تكلَّم فيه ابنُ عدي بكلام فيه تحامُل، ثم في أثناء الترجمة أنصف، ورجع عن الحطِّ عليه».
стр. 578
وإنما كان البغويّ عالي الإسناد، حديد اللسان، يفتخر على المحدثين في عهده في بلده، ويتكلم فيهم، فيتكلمون فيه بما ليس بموجبٍ جرحًا.
وروى الخطيب أن ابن أبي حاتم سئل عن البغوي: يدخل في الصحيح؟ قال: نعم. وعن أبي بكر أحمد بن عبدان أنه سُئِلَ عن البغوي فقال: «لا شك أنه يدخل في الصحيح». وعن الدارقطني أنه سئل عن البغوي فقال: «ثقة جبل إمام من الأئمة ثبت أقلُّ المشايخ خطأ». وعن موسى بن هارون أنه سئل عن البغوي، فقال: «ثقة صدوق، لو جاز أن يقال لإنسان: إنه فوق الثقة، لقيل له». وقال الخطيب في أول الترجمة: «كان ثقة ثبتًا مكثرًا فهمًا عارفًا». وقال الذهبي في «التذكرة» (١): «واحتج به عامةُ من خرَّج الصحيح كالإسماعيلي والدارقطني والبَرْقاني ... وقال أبو يعلى الخليلي: البغوي شيخ معمَّر ... حافظ عارف، صنَّف مسندَ عمِّه، وقد حسدوه في آخر عمره، فتكلَّموا فيه بشيء لا يقدح فيه». ووثَّقه أيضًا مسلمة بن قاسم، كما في «لسان الميزان».
فهذا هو الإجماع يا أستاذ! وهل يضرُّ البغويَّ بعد ذلك أن يتهمه مثلُك!
وأما الخطيب، فقد تقدمت ترجمتُه (٢)، وأنت تعرف صدقَه وثبتَه حقَّ المعرفة، وإن أظهرت التشكك! والله المستعان. (٣)
стр. 579
١٣٤ - عبد الله بن محمد العَتَكي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٥) من طريق [١/ ٣١٥] «الأبَّار، حدثنا عبد الله بن محمد العتكي البصري، حدثنا محمد بن أيوب الذارع قال: سمعت يزيد بن زُريع ... ».
قال الأستاذ (ص ١٦): «العتكي والذارع مجهولان».
أقول: لم أعرفهما بعد. وفي الرواة: حسين بن محمد بن أيوب الذارع، يروي عن يزيد بن زُرَيع وغيره، كما في ترجمته من «التهذيب» (١)، وهو بصري ثقة. فالله أعلم.
١٣٥ - عبد الله بن محمود:
راجع «الطليعة» (ص ٨٦ - ٨٧) (٢). زعم الأستاذ في «الترحيب» أنه لم يوثِّقه أحد من أهل عصره (٣)، وأن الحاكم متأخر عنه، مع أن الحاكم لا يعتد به. فأما الذهبي فمتابع للحاكم. ثم أومأ الأستاذ إلى أن بعض أهل عصره وثَّقه، وأنني إذا فتَّشتُ وجدتُه.
فأقول: لا حاجة إلى التفتيش، والحاكم أقرب إلى عبد الله بن محمود من ابن معين إلى أبي حنيفة! فضلًا عن التابعين وأتباعهم الذين يوثِّقهم ابن معين، ويعمل أهلُ العلم بتوثيقه لهم. والحاكم إمام مقبول القول في الجرح
стр. 580
والتعديل ما لم يخالفه مَن يَرْجَح عليه، وستأتي ترجمته (١). ولم يقتصر الذهبي على حكاية كلمة الحاكم، بل قال من عنده: «الحافظ الثقة». وفوق ذلك، فعبد الله من شيوخ ابن خزيمة كما في «تذكرة الحفاظ» (٢)، ولعله روى عنه في «صحيحه»؛ ومن شيوخ ابن حبان كما في «معجم البلدان» (بُسْت) (٣)، وذكره في «ثقاته» (٤)، وذكر تاريخ وفاته. وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حقَّ المعرفة من أثبت التوثيق، كما يأتي في ترجمته (٥).
١٣٦ - عبد الله بن معمر:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٢ [٣٩٢]) من طريق أحمد بن مهدي، حدثنا عبد الله بن معمر، حدثنا مؤمّل بن إسماعيل ... ».
قال الأستاذ (ص ٦٥): «متروك، كما في (الميزان)».
أقول: الذي في «الميزان» (٦) لا يتبين أهذا هو أم غيره. والحكاية التي ساقها الخطيب لها عنده عدة طرق أخرى.
стр. 581
١٣٧ - عبد الأعلى بن مُسْهِر أبو مُسْهِر الدمشقي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٢ [٣٧٤]) من طريق «يعقوب بن سفيان، حدثني علي بن عثمان بن نفيل، حدثنا أبو مسهر، حدثني يحيى بن [١/ ٣١٦] حمزة ... ».
قال الأستاذ (ص ٣٩): «ممن أجاب في المحنة، فتُرَدُّ روايته مطلقًا عند من يَرُدُّ رواية من أجاب في المحنة».
أقول: هذا إمام جليل من الشهداء في سبيل السنة، ومن فرائس الحنفية الجهمية؛ لمخالفته لهم في الفقه والعقيدة. ولم يُجِب بحمد الله تعالى، ومن زعم أنه أجاب فقد صرَّح بأن ذلك بعد تحقُّق الإكراه. قال ابن سعد (١): «أُشخِصَ من دمشق إلى المأمون في المحنة، فسئل عن القرآن، فقال: كلام الله. فدعي له بالسيف ليُضرب عنقُه، فلما رأى ذلك فقال: مخلوق. فأمر بإشخاصه إلى بغداد، فحُبِس بها. فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات».
وقال أبو داود: «كان من ثقات الناس. لقد كان من الإسلام بمكان، حُمِل على المحنة، فأبى. وحُمِل على السيف، فمدَّ رأسه. وجُرِّد السيفُ فأبى أن يجيب. فلما رأوا ذلك منه حُمِل إلى السجن، فمات» (٢). وأبو داود أثبَتُ من عددٍ مثل ابن سعد، والظاهر أنه لم يحضر الواقعة واحد منهما، ولكن بعض الحاضرين لها من الجهميَّة أخبر بما ذكر ابن سعد، وبعض الحاضرين من أهل السنة أخبر بما ذكر أبو داود.
стр. 582
والمشدِّد على الذين أجابوا في المحنة هو الإمام أحمد، ومع ذلك لم يقل: لا تُقبل روايتُهم، وإنما كره الكتابة عنهم. وقد سلف بيان الوجه في ذلك في ترجمة إسماعيل بن إبراهيم بن معمر (١). ثم الظاهر أن ذاك خاصٌّ بمن أجاب قبل تحقُّق الإكراه. فأما أبو مسهر، فإن كان أجاب فبعد تحقُّق الإكراه. وقد أثنى عليه بعد موته الإمام أحمد نفسه، قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: رحم الله أبا مسهر، ما كان أثبَتَه!».
١٣٨ - عبد الرحمن بن الحكم بن بشير بن سلمان:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨١ (٢) [٣٨٨]) من طريق «علي بن ياسر، حدثني عبد الرحمن بن الحكم بن شتر (؟ بشير) (٣) بن سلمان، عن أبيه أو غيره ــ وأكبر ظني أنه عن غير أبيه ــ قال: كنت عند حماد بن أبي سليمان ... ».
قال الأستاذ (ص ٦١): «ولم أر من وثقه».
أقول: ذكر ابنُ أبي حاتم (٤) في جملة من روى عن عبد الرحمن هذا أبا زرعة، ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤١٦) (٥). وذكر ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن موسى قال: ما رأيت
стр. 583
أحدًا أفهَمَ لمشيخة أبي إسحاق الهَمْداني من عبد الرحمن [١/ ٣١٧] بن الحكم». قال ابن أبي حاتم: «سمعت محمد بن مسلم (بن وارة) يقول: كان عبد الرحمن بن الحكم أعلمَ الناسِ بشيوخ الكوفيين». ورأيت ابن أبي حاتم ينقل أشياء من كلامه جرحًا وتعديلًا (١)، وهذا يقتضي أنه عنده ممن يُقبل منه ذلك. (٢)
١٣٩ - عبد الرحمن بن عمر الزّهْري أبو الحسن الأصبهاني الأزرق، المعروف برُسْته:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٠ [٤٣٦]) عنه، عن جَبَّر ــ وهو عصام بن يزيد الأصبهاني ــ: «سمعت سفيان الثوري يقول: أبو حنيفة ضال مضل».
قال الأستاذ (ص ١٣٦): «رُسْته أصبهاني، ميلاده سنة ١٨٨ في رواية ابن أخيه قبل وفاة ابن مهدي بعشر سنين فقط، ويستبعد أن يجهل ابن أخيه ميلاده. ومع هذا يقال: إنه روى عن ابن مهدي ثلاثين ألف حديث، فلا يتصور هذا الإكثار لابن عشر. وقد انفرد ابن ماجه من أصحاب الأصول الستة بالرواية عنه. قال أبو موسى المديني: تكلم فيه أبو مسعود ــ وهو الحافظ البارع أحمد بن الفرات الرازي ــ كتب إلى أهل الري ينهاهم عن الرواية عنه. ويكثر الغريب في حديثه، وقال أبو محمد بن حيان: غرائب حديثه تكثر».
стр. 584
أقول: في «تهذيب التهذيب» (١): «قال محمد بن عبد الله بن عمر بن يزيد (٢): ولد عمِّي عبد الرحمن سنة ١٨٨، ومات سنة ٢٥٥. وقال أبو الشيخ: مات سنة ٢٤٦، ويقال: سنة ٥٠». قال ابن حجر: «في صحة ما ذكر من مولده نظر، فإن أبا نعيم في «تاريخ أصبهان» وصفه بأنه كان راوية يحيى القطان وابن مهدي ... وابن مهدي مات سنة ١٩٨ ... ويحيى القطان مات أيضًا في أوائل سنة ٩٨».
أقول: وقفت على نسخة قلمية من «كتاب أبي الشيخ» ونسخة قلمية من «تاريخ أبي نعيم»، وفي كلٍّ منهما أنه مات سنة ٢٤٦ (٣)، ويقال: سنة ٥٠. ولم يذكرا خلاف ذلك، ولا ذكرا مولده (٤). ولم أجد فيهما ترجمة لابن أخيه. وذكرا أخاه عبدَ الله (٥)، وأنه أيضًا راويةٌ لابن مهدي والقطان، وأنه توفي سنة ٢٥٢. زاد أبو نعيم: «ولد سنة سبع وثمانين ومائتين» كذا (٦)، وفي المطبوعة: سبع وثمانين ومائة. وذكر أبو نعيم (٧) أخاهما محمد بن عمر، وقال: «توفي سنة [١/ ٣١٨] ثلاث وستين ومائتين، وله اثنتان وتسعون سنة،
стр. 585
وكان أصغر الإخوة»! وكنت أخشى أن يكون في العبارة تصحيفًا (١)، لكن في النسخة المطبوعة (١/ ١٨٧) ما يوافقها، ولفظه: «توفي سنة ثلاث وستين ومائتين في الوباء، وله اثنتان وتسعون سنة». فعلى هذا يكون مولده سنة ١٧١. فعلى أقل تقدير يكون مولد عبد الرحمن سنة ١٧٠.
وذكر أبو الشيخ وأبو نعيم (٢) ترجمةً لابن عبد الرحمن ــ وهو الحسن بن عبد الرحمن بن عمر ــ وأنه سمع من عثمان بن الهيثم، وعثمان بن الهيثم توفي سنة ٢٢٠. وروى أبو نعيم (٣) من طريق الحسن: «نا العلاء بن عبد الجبار»، والعلاء توفي سنة ٢١٢، وهو بصري نزل مكة، ومن البعيد أن يكون عبد الرحمن تزوَّج ووُلد له ورحل بابنه من أصبهان إلى مكة فسمع الحديث= كلُّ هذا وعمرُ عبد الرحمن نحو أربع وعشرين سنة.
وروى أبو الشيخ (٤) عن إبراهيم بن محمد بن الحارث عن أحمد بن حنبل قال: «ما ذهبتُ يومًا إلى عبد الرحمن بن مهدي إلا وجدتُ الأخوين الأزرقين عنده، يعني عبد الرحمن وأخاه». ولإبراهيم هذا عند أبي الشيخ وأبي نعيم ترجمة حسنة (٥)، وإن لم يصرِّحا بتوثيقه.
وفي «التهذيب» (٦) في ترجمة عبد الرحمن هذا: «قال أحمد: ما ذهبت
стр. 586
إلى ابن مهدي إلا وجدته عنده». وابن مهدي قدم بغداد سنة ثمانين ومائة وفي التي تليها، وأخذ أحمد يتردد إليه من حينئذ.
وربما كان الصواب في عمر محمد «اثنتان وسبعون سنة»، فلا يلزم أن يكون مولد عبد الرحمن على أقل تقدير سنة ١٧٠ كما مرّ. ومع ذلك فكلمة الإمام أحمد وما تقدَّم من رواية الحسن بن عبد الرحمن: «حدثنا العلاء بن عبد الجبار» يدفع أن يكون مولد عبد الرحمن سنة ١٨٨. ولولا ذلك لقلت: لعله ولد أول سنة ١٨٨، وكان أخوه عبد الله أكبر منه بسنة، فوردا بغداد في سنة ١٩٦، وأحدهما في التاسعة، والآخر في العاشرة. وكان الوارد بهما رجل ثقة ثَبْت ذو جاه، فحظي عند ابن مهدي والقطان، فأقبلا على الإملاء على الغلامين بحضرة كلٍّ منهما، وضبط لهما سماعهما في أصول محققة. فاطلع أبو زرعة وأبو حاتم وابن وارة على تلك الأصول، فوجدوها مثبتة محققة، فاعتمدوا عبد الرحمن. والله أعلم بحقيقة الحال.
وقال أبو موسى المديني: «تكلم فيه أبو مسعود، وخرج إلى الريّ فكتب إليهم فيه، فلم يبالوا بكتابه. وحضر مجلسه أبو حاتم وأبو زرعة وابن وارة». وقال ابن أبي حاتم (١): [١/ ٣١٩] «روى عن عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ... روى عنه أبي وأبو زرعة ... سئل أبي عنه، فقال: صدوق». ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤١٦) (٢). وكلٌّ من أبي زرعة وأبي حاتم وابن وارة أجلُّ من أبي مسعود وأثبَتُ وأيقَظُ وأعرَفُ، فما رووا عن هذا الرجل عن ابن
стр. 587
مهدي والقطان إلا وقد عرفوا صحة سماعه منهما.
وأما الغرائب، فمَن كثر حديثُه كثرت غرائبُه، وليس ذلك بقدحٍ ما لم تكن مناكيرَ الحملُ فيها عليه، وليس الأمر هنا كذلك. وقد قال أبو الشيخ في أبي مسعود: «وغرائب حديثه وما ينفرد به كثير» (١). ويقول نحو هذا في تراجم آخرين وثَّقهم هو وغيره. وذكر ابنُ حبان عبدَ الرحمن هذا في «الثقات» (٢). وفي ترجمة جبَّر من «كتاب أبي الشيخ» (٣) من طريق [أبي] (٤) سفيان صالح بن مهران عن جَبّر عن الثوري كلمة أخرى أشدُّ مما رواه عبد الرحمن، فهي في معنى المتابعة له. والله أعلم. (٥)
١٤٠ - عبد الرحمن بن محمد بن إدريس أبو محمد بن أبي حاتم الرازي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٠ [٤٢١]) عنه: «حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي سريج قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك بن أنس، وقيل له: تعرف أبا حنيفة؟ فقال: نعم، ما ظنُّكم برجل لو قال: هذه السارية [من] ذهب، لقام دونها حتى يجعلها من ذهب (٦)، وهي من خشب أو حجارة! قال
стр. 588
أبو محمد: يعني أنه كان يثبت على الخطأ [ويحتجُّ دونه] (١) ولا يرجع إلى الصواب إذا بان له».
تكلم الأستاذ في هذا (ص ١١٤ - ١١٦) وهو كلام طويل، فلنلخِّص مقاصده:
الأول: أن المعروف في الحكاية «لقام بحجته» بدل «لقام دونها ... ». كذلك في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣٥ [٣٣٨]) و «المنتظم» لابن الجوزي. وكذلك في رواية أبي الشيخ عن أبي العباس الجمال عن [ابن] (٢) أبي سريج. ومثلها في «طبقات الفقهاء» للشيرازي.
الثاني: أن مقصود مالك مدح أبي حنيفة بقوّة العارضة. وقد روى ابن عبد البر من طريق «أحمد بن خالد الخلال: سمعت الشافعي يقول: سئل مالك ... قيل له: فأبو حنيفة؟ [١/ ٣٢٠] قال: لو جاء إلى أساطينكم هذه ــ يعني السواري ــ فقايسكم على أنها من خشب لظننتم أنها خشب».
الثالث: أن ابن أبي حاتم مع اعترافه بأنه يجهل علم الكلام ــ كما في «الأسماء والصفات» (ص ٢٩٦) ــ يدخل في مضايق علم أصول الدين مباعدًا التفويض والتنزيه، كما يُعلم من كتابه «الرد على الجهمية»، ويقول: بأن قول: «لفظي بالقرآن مخلوق» كفرٌ مُخرِجٌ عن الملة.
الرابع: أنه روى عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ما فيه غضٌّ من أبي
стр. 589
حنيفة، مع علمه بانحراف الجوزجاني عن أهل الكوفة.
الخامس: قال الأستاذ: «لو كشفنا الستار عما ينطوي ابن أبي حاتم عليه من الاعتقاد الرديء الحامل له على عِداء أهل الحق لطال بنا الكلام. فلنكتفِ بهذه الإشارة، ليعلم أنه لا يؤخذ منه إلا فنُّه فيما لا يكون مثارَ تعصبه».
أقول: أما حكاية ابن أبي سريج عن الشافعي عن مالك، فرواية ابن أبي حاتم أثبتُ إسنادًا، فإنه حافظ ثقة ثبت قيَّدها في كتاب مصنَّف، وأبوه إمام. فأمَّا رواية الخطيب التي أشار إليها الأستاذ، فرواها عن البرقاني عن أبي العباس أحمد بن محمد بن حمدان، عن محمد بن أيوب، عن ابن أبي سريج. وشيخُ البَرْقاني هو ــ على اصطلاح الأستاذ ــ: مجهولُ الصفة، إنما ذكروا أن البرقاني سمع منه في أول أمره. ومحمد بن أيوب في تلك الطبقة وذاك البلد: اثنان، أحدهما: محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس الحافظ الثقة، والثاني: محمد بن أيوب بن هشام، كذَّبه أبو حاتم. ولا تُعرف لواحد منهما روايةٌ عن ابن أبي سريج، ولا عن واحد منهما رواية لابن حمدان.
وقد روى الخطيب (١٣/ ٣٩٤ [٤١٣]) من طريق القاسم بن أبي صالح، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا إبراهيم بن بشار ... فقال الأستاذ (ص ٩٧): «محمد بن أيوب بن هشام الرازي كذَّبه أبو حاتم». هذا مع أن ابن هشام هذا لا تُعْرَف له رواية عن إبراهيم، وإنما الذي يروي عن إبراهيم هو محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس، كما في ترجمة إبراهيم من «تهذيب المزي» (١). فإن أحبَّ الأستاذ فليعترف بأن محمد بن أيوب هناك
стр. 590
هو ابن يحيى بن الضريس، فنعترف له بأن الظاهر هنا أنه هو أيضًا، وإن لم نعرف له رواية عن ابن أبي سريج، لكن هو المشهور في تلك الطبقة [١/ ٣٢١] والمتبادر عند الإطلاق. ويبقى النظر في ابن حمدان.
فأما رواية أبي الشيخ، فلم أقف عليها. فإن ثبتت عنه بقي النظر في حال أبي العباس الجمال. وقد ذكره أبو الشيخ وأبو نعيم (١)، فوصفاه بالعلم، ولم يوثقاه (*).
فأما ما في «المنتظم»، فمأخوذ من رواية الخطيب. وكذلك ما في «طبقات الفقهاء» مأخوذ من رواية أبي الشيخ. فابن حمدان والجمال ــ على اصطلاح الأستاذ ــ: مجهولا (٢) الصفة، فأين هما من ابنِ أبي حاتم؟ ومحمدُ بن أيوب بن يحيى الضريس وإن كان ثقة ثبتًا إلا أنه دون أبي حاتم، مع أن هناك احتمالًا أن محمد بن أيوب هو ابن هشام، وهذا الاحتمال وإن كان خلاف الظاهر لكنه لا يُهدر عند الحاجة إلى الترجيح.
فأما رواية ابن عبد البر، ففي سندها أحمد بن الفضل، وهو ــ كما قال الأستاذ ــ «الدِّينَوَري». له ترجمة في «لسان الميزان» (ج ١ ص ٢٤٦) (٣) وفيها عن الحافظ ابن الفرضي « ... وكان عنده مناكير، وقد تسهَّل فيه الناسُ وسمعوا منه كثيرًا. وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى: لقد كان بمصر يلعب به الأحداث ويسرقون كتبه، وما كان ممن يُكتَب عنه». وفيها عن أبي عمرو
стр. 591
الداني أنه بلغه أن أبا سعيد ابن الأعرابي كان يضعِّف أحمد بن الفضل هذا، ويتهمه. ومع ذلك فليست هذه الرواية من طريق ابن أبي سريج.
فقد اتضح أن رواية ابن أبي حاتم هي الثابتة.
وأما ما هو مقصود مالك، فالله أعلم. فقوله في رواية ابن أبي حاتم: «حتى يجعلها ذهبًا» يحتمل معاني:
الأول: أن تكون «حتى» بمعنى «إلى»، و «يجعل» على حقيقته. أي: لقام دونها، وبقي على دعواه ومناظرته إلى أن يصير السارية ذهبًا، وذلك ما لا يكون. فالمعنى: أنه لا يرجع عن دعواه ومجادلته أبدًا، كما قال الله : ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: (٤٠)].
المعنى الثاني: أن تكون «حتى» بمعنى «إلى» أيضًا، و «يجعل ... » بمعنى يجعل في ظن السامع، أي: لا يزال يورد الشبهات إلى أن يخيِّل للسامع أن السارية ذهب.
المعنى الثالث: أن تكون «حتى» بمعنى «كي»، و «يجعل ... » بمعنى يجعل في ظن السامع، أي: لقام يستدلُّ على أنها ذهب لكي يخيِّل إلى السامع ذلك.
والمعنى الأول هو الذي فهمه ابن أبي حاتم، وهو ذم. والمعنى الثاني وصفٌ بقوة العارضة والقدرة على الجدل. والمعنى الثالث [١/ ٣٢٢] وصفٌ باستمرار الموصوف على ما سبق أن قاله، ومحاولةِ أن يخيِّل للسامع صحته. وقوله في الرواية الأخرى: «لقام بحجته» ظاهر في المعنى الثاني، فإنه لا يمكن أن تكون هناك حجة حقيقة على أن الحجر أو الخشب ذهب،
стр. 592
وإنما قد يمكن أن تورَد شبهة يتوهم السامع أنها حجة. وهذا المعنى ــ كما تقدَّم ــ وصفٌ بقوة العارضة والقدرة على الجدل، وهو فيما بين الناس مدح. فأما بالنظر إلى الأحكام الشرعية، فيحتمل المدح بأن يكون المقصود أن أبا حنيفة كان من القدرة على بيان الحق وإقامة الحجة عليه غايةً، بحيث لو فُرِضَ أنه ادعى الباطل لأمكنه أن يخيِّل للسامع أنه حقٌّ، فما بالك بالحق؟ ويحتمل الذمَّ بأن يكون المقصود أنه كان ماهرًا في الجدل والمخاصمة بحيث يُري الباطلَ حقًّا والحقَّ باطلًا.
وزَعْمُ الأستاذ أن ابن أبي حاتم إنما سمع الحكاية بلفظ: «لقام بحجته»، فغيَّرها إلى ما وقع في روايته ليصرفَها إلى الذم= تهمة باطلة، وفرية كاذبة، وبهتان عظيم!
أولًا: لما ثبت من ديانة ابن أبي حاتم وأمانته وصدقه وورعه.
ثانيًا: لأن اللفظ الواقع في روايته يحتمل أن يكون مدحًا كما مرَّ، فلو كان ممن يستحلُّ التغيير لغَيَّر إلى لفظ صريح في الذم، واستغنى عن التفسير الذي يمكن أن يُنازَع فيه.
ثالثًا: لفظ: «لقام بحجته» يحتمل أن يكون ذمًّا أيضًا كما مرَّ، فلو كان ابن أبي حاتم حريصًا على أن يحمل الحكاية على الذم لأمكنه أن يفسِّر هذا اللفظ بما يقتضي الذم، ويحتجَّ بقول الله : ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: (٥٨)] وبعدَّة أحاديث معروفة. فما الذي يُلجئ ابنَ أبي حاتم إلى أن يضحِّي بأمانته في النقل ــ وهي رأسُ مالِ مثلِه ــ لأجل غرضٍ يمكنه تحصيله بدون تلك التضحية؟
стр. 593
ولو فرضنا أن الحكاية رويت عن ابن أبي سريج من عدة أوجه صحيحة وثيقة يجب ترجيحها على رواية ابن أبي حاتم لما ساغ أن يُتَّهم، بل يحمل على أنه سمع الحكاية، ففهم منها المعنى الذي يظهر من اللفظ الذي عبَّر به، ولم يكتبها. ثم مضت عليها مدة، فاحتاج إلى أن يذكر الحكاية، فلم يتذكر لفظها، فعبَّر عنها بما يراه يؤدِّي ذلك المعنى الذي فهمه. واحتاط، فلم يأت بلفظ صريح، بل أتى بلفظ محتمل، ثم فسَّره بالمعنى الذي فهمه. ومثلُ هذا أو [١/ ٣٢٣] أشدُّ منه قد يتفق في الأحاديث النبوية لمن هو أجلُّ من [ابن] (١) أبي حاتم، ثم لا يكون موجبًا وَهْنًا ما في الراوي.
أما الأمر الثالث، فقد أجبتُ عنه في قسم الاعتقاديات (٢). وإن صح عن ابن أبي حاتم إطلاق أن قول: «لفظي بالقرآن مخلوق» كفرٌ مُخرجٌ عن الملة، فمرادُه بذلك قولُ تلك الكلمة معنيًّا بها أن القرآن مخلوق. وأهل العلم قد يحكمون على الأمر بأنه كفر، ولا يحكمون بأن كل من وقع منه خارج عن الملة؛ لأن شرط ذلك أن لا يكون له عذر مقبول. ويأتي مثل هذا في الزنا والربا وغيرهما. وقد جاء في الحديث تعريف الغيبة بأنها ذكرُك أخاك بما يكره، وقد يذكر المؤمنُ أخاه بما يكره غيرَ شاعرٍ بأنه يكرهه بل ظانًّا أنه يحبه. فلا يلحقه الإثم، وإن صح أن يسمَّى ما وقع منه غيبة، وصح أن يقال: الغيبة حرام يأثم صاحبها.
وقد قال الله ﵎: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ
стр. 594
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: (١٠٦)]. المختار في معنى الآية أن التقدير: «من كفر بالله بعد إيمانه فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم، إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان»، فحذف هذا الجواب، وهو قولنا «فعليهم غضب ... » لدلالة ما بعد ذلك عليه. فدل الاستثناء على أن من أُكره، فأظهر الكفرَ، وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان، فقد كفر من بعد إيمانه، وإن كان لا غضب عليه ولا عذاب.
ومع هذا فقد أُطلق في القرآن في مواضع كثيرة ترتُّبُ العقوبة على الكفر. فعُلِمَ بذلك جوازُ ذاك الإطلاق، وإن كان الحكم مختصًّا بغير المكره؛ لأنه قد قام الدليل على إخراج المكره، فلا محذور في الإطلاق. فكذلك هنا لا حرج في إطلاق أن قول تلك الكلمة كفر مخرج عن الملة. وإن كان هذا الحكم مختصًّا بمن ذكرنا.
وأما الأمر الرابع، فقد سلف الجواب عنه في ترجمة الجوزجاني (١).
وأما الأمر الخامس، فجوابه في قسم الاعتقاديات (٢)، وفي القاعدة الثالثة من قسم القواعد (٣).
أما قوله: «لا يؤخذ منه إلّا فنه فيما لا يكون مثار تعصُّبه» إن أراد به ردَّ ما
стр. 595
يرويه ابن [١/ ٣٢٤] أبي حاتم مما فيه غضٌّ من أبي حنيفة وأصحابه فقد أبطل، وأتى بما لا يستحق أن يُذْكَر، فكيف أن يقبل؟! وإن أراد ردَّ رأي ابن أبي حاتم، كقوله في تفسير تلك الكلمة: «يعني أنه كان يثبت على الخطأ ... »، فلا وجه للرد، ولكن ينبغي التثبت والتدبر. فإن تبيَّن خطأ ابن أبي حاتم رُدَّ عليه خطؤه، كما يُرَدُّ على غيره. وإن تبيَّن صوابه وجب
القبول. وإن لم يظهر ذا ولا ذا نظرنا، فإن كان ذاك حكمًا منه في جرح أو تعديل كقوله: «فلان ثقة» أو «فلان ضعيف» وجب قبوله إلا أن يعارضه ما هو أولى بالقبول منه. وراجع ترجمة ابن أبي حاتم في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٤٦) (١). وفي مقدمتي لكتابه «الجرح والتعديل» (٢). (٣)
١٤١ - عبد الرزاق بن عمر البَزِيعي .
في ترجمة أبي يوسف من «تاريخ بغداد» (١٤/ ٢٥٦) حكاية من طريقه عن ابن المبارك.
قال الأستاذ (ص ١٧٨): «ليس في ترجمة أبي يوسف عند الخطيب كلمة تُعْزى إلى ابن المبارك إلا في سندها من لا يجوز الاحتجاج به، ومن هو غير ثقة، مثل ... وعبد الرزاق بن عمر».
أقول: قال الراوي عنه محمد بن عبيد بن عتبة الكندي: «كان من خيار
стр. 596
الناس»، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١).
١٤٢ - عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي .
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٧ [٤٠١]) من طريقه: «حدثني إسماعيل بن عيسى بن عليّ الهاشمي قال: حدثني أبو إسحاق الفَزَاري قال: كنت آتي أبا حنيفة أسأله عن الشيء من أمر الغزو، فسألته عن مسألة، فأجاب فيها ... ».
قال الأستاذ (ص ٧٧): «عَزَله يحيى بن أكثم لسبب لا بد أن يكون غير ضعفه في الفقه، ثم أعاده الحشوية إلى القضاء حينما قامت لهم سوق».
أقول: روى عنه مسلم في مقدمة «صحيحه» (٢)، وأبو داود في «سننه» (٣)، وأبو داود لا يروي إلا عن ثقة، كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد (٤). وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥). وفي «التهذيب» (٦): «قال أبو علي بن خاقان: أحسن أحمدُ القولَ فيه [و] قال: ما بلغني إلّا خير. وقال أحمد بن كامل: كان عفيفًا، قال: وبلغني أن المتوكل قال ليحيى: لم عزلته؟ قال: أراه [١/ ٣٢٥] ضعيفًا في الفقه. قال: فكتب المتوكل إلى أهل بغداد
стр. 597
كتابًا، وكتب عهدًا، ولم يسمِّ القاضي، وأمر أن يُسأل عن الوابصي، فإن رضوا به وقع اسمه في العهد، فأجمعوا على الرضا به. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: «كان جميل الطريقة».
كان الوابصي سُنِّيًّا، فكأنَّ الجهميةَ ألحُّوا على يحيى بن أكثم في عزله، فعزله اتقاءً لشرّهم. فلما كان في خلافة المتوكل بعد ارتفاع المحنة كانوا ربما يسألون الإمام أحمد عمن يريدون توليته القضاء، فسألوه عن محمد بن شجاع ابن الثلجي الجهميّ الذي تقدم شيءٌ من حاله في ترجمة حماد بن سلمة (١)، فقال أحمد: لا ولا على حارس. وكأنه سئل عن الوابصي، فقال: ما علمتُ إلا خيرًا. فقال المتوكل ليحيى بن أكثم: لِمَ عزلته؟ فكأنه خاف أن يقول: إرضاءً للجهمية، فأجاب بما تقدم. فكأن الأستاذ أشار إلى هذا، كأنه أراد أن الوابصي ــ كما يقول ــ من الحشوية. وأراد بالحشوية أهلَ السنة الإمامَ أحمد وأصحابَه وموافقيه. ولا أجازي الأستاذ على هذا، ولكني أقول: الموفَّق حقًّا من وُفِّق لمعرفة الحقّ واتباعه ومحبته، والمحروم من حُرِمَ ذلك كلَّه، فما بالك بمن وقع في التنفير من الحق وعيب أهله!
١٤٣ - عبد السلام بن محمد الحضرمي .
مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة بقية (٢).
قال الأستاذ (ص ١٨٦): «يقول عنه أبو حاتم: صدوق. إلا أن هذا اللفظ مصطلح عنده فيمن يجب النظر في أمره، فيكون مردود الرواية إذا لم يتابَع. ولم
стр. 598
يتابع».
أقول: أبو حاتم ﵀ معروف بالتشدّد، قلّما وجدته يقول في رجل: «هو صدوق» إلا وقد وثَّقه غيرُه، وعبد السلام هذا ذكره ابن حبان في «الثقات» (١). وتفرّدُه بتلك الحكاية لا يضرُّه. والله الموفق.
١٤٤ - عبد العزيز بن الحارث أبو الحسن التميمي .
مرّ في ترجمة الخطيب أحمد بن علي بن ثابت (٢) تجنِّي ابن الجوزي على الخطيب أنه مال على أبي الحسن، ووعدتُ أن أفرد له ترجمةً أوضِّح فيها ما ظهر لي أن الخطيب إما مصيب مشكور وإما مخطئ معذور.
ترجمة أبي الحسن في «تاريخ بغداد» (١٠/ ٤٦١) وذكر فيها أمرين، وذكر في ترجمة ابنه عبد الوهاب (١١/ ٣٣) ثالثًا، وهي هذه:
الأول: قال: «حدثني الأزهري قال: قال لي أبو الحسن بن رزقويه: وضع أبو [١/ ٣٢٦] الحسن التميمي في «مسند أحمد بن حنبل» حديثين، فأنكر أصحابُ الحديث عليه ذلك، وكتبوا محضرًا أثبتوا فيه خطوطهم بشرح حاله. قال الأزهري: ورأيت المحضر عند ابن رزقويه، وفيه خطُّ الدارقطني وابن شاهين وغيرهما».
الثاني: قال الخطيب: «حدثني أبو القاسم عبد الواحد بن علي العُكْبري قال: حدثني الحسن بن شهاب عن عمر بن المسلم قال: حضرت
стр. 599
مع عبد العزيز بن الحارث الحنبلي بعض المجالس، فسئل عن فتح مكة أكان صلحًا أو عَنوة؟ فقال: عَنوة. فقيل: ما الحجة في ذلك؟ فقال: ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الصواف، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، عن مالك ــ أو معمر قال عبد الواحد: أنا أشك ــ عن الزهري، عن أنس: أن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في فتح مكة أكان صلحًا أو عَنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «عَنوة». قال ابن المسلم: فلما خرجنا من المجلس قلت له: ما هذا الحديث؟ قال: ليس بشيء، وإنما صنعتُه في الحال لأدفع به الخصم».
الثالث: قال الخطيب في ترجمة عبد الوهاب: «حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد الله التميمي قال: سمعت أبي يقول ... ». فساق السند مسلسلًا بالآباء إلى أكينة «يقول: سمعت عليًّا، وسئل عن الحنّان المنّان ... ». وساق الذهبي في ترجمة أبي الحسن من «الميزان» (١) بالسند إليه قال: «سمعت أبي ... » بسلسلة الآباء إلى «أكينة يقول: سمعت أبي الهيثم يقول: سمعت أبي عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما اجتمع قوم على ذِكْر إلا حفَّتْهم الملائكة، وغشيَتْهم الرحمة». قال الذهبي: «المتَّهَمُ به أبو الحسن. وأكثر أجداده لا ذكر لهم في تاريخ ولا في أسماء رجال».
فأما الأمر الأول، فأجاب عنه ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٧
стр. 600
ص ١١٠) بقوله: «يجوز أن يكون قد كتب في بعض المسانيد من مسند آخر، ومن مسموعاته من غير ذلك المسند. متى كان الشيء محتملًا لم يجُز أن يُقطَع على صاحبه بالكذب، نعوذ بالله من الأغراض الفاسدة، على أنها تحول على صاحبها» (١).
[١/ ٣٢٧] أقول: يقع في بعض مسانيد الصحابة من «المسند» أحاديث لصحابي آخر. ففي مسند ابن عباس من «المسند» (ج ١ ص ٢٥٨) (٢) حديث من رواية أبي هريرة مرفوعًا، وفي الصفحة التي تليها (٣) حديث من رواية أنس مرفوعًا، ولذلك نظائر. فكأنَّ مقصود ابن الجوزي أنه يجوز أن يكون أبو الحسن حوَّل الحديثين المذكورين مثلًا، فألحق الأول في مسند أبي هريرة، والثاني في مسند أنس. ولا يخفى بعدُ هذا الاحتمال، إذ لو كان هذا هو الواقع لما كان هناك ما يدعو الحفّاظ الأثبات كالدارقطني وابن شاهين إلى شدة الإنكار وكتابة المحضر، ولَمَا عبَّر ابن رزقويه بقوله: «وضع أبو الحسن».
فأما قول ابن الجوزي: «ومن مسموعاته»، فكأنه أراد به أنه إن لم يكن ذانك الحديثان من «المسند» فيجوز أن يكون سمعهما أبو الحسن خارج «المسند» بسند «المسند»، كأن يكون «المسند» عنده من روايته عن ابن