← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الناس»، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١). ١٤٢ - عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٧ [٤٠١]) من طريقه: «حدثني إسماعيل بن عيسى بن عليّ الهاشمي قال: حدثني أبو إسحاق الفَزَاري قال: كنت آتي أبا حنيفة أسأله عن الشيء من أمر الغزو، فسألته عن مسألة، فأجاب فيها ... ». قال الأستاذ (ص ٧٧): «عَزَله يحيى بن أكثم لسبب لا بد أن يكون غير ضعفه في الفقه، ثم أعاده الحشوية إلى القضاء حينما قامت لهم سوق». أقول: روى عنه مسلم في مقدمة «صحيحه» (٢)، وأبو داود في «سننه» (٣)، وأبو داود لا يروي إلا عن ثقة، كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد (٤). وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥). وفي «التهذيب» (٦): «قال أبو علي بن خاقان: أحسن أحمدُ القولَ فيه [و] قال: ما بلغني إلّا خير. وقال أحمد بن كامل: كان عفيفًا، قال: وبلغني أن المتوكل قال ليحيى: لم عزلته؟ قال: أراه [١/ ٣٢٥] ضعيفًا في الفقه. قال: فكتب المتوكل إلى أهل بغداد

стр. 597

كتابًا، وكتب عهدًا، ولم يسمِّ القاضي، وأمر أن يُسأل عن الوابصي، فإن رضوا به وقع اسمه في العهد، فأجمعوا على الرضا به. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: «كان جميل الطريقة». كان الوابصي سُنِّيًّا، فكأنَّ الجهميةَ ألحُّوا على يحيى بن أكثم في عزله، فعزله اتقاءً لشرّهم. فلما كان في خلافة المتوكل بعد ارتفاع المحنة كانوا ربما يسألون الإمام أحمد عمن يريدون توليته القضاء، فسألوه عن محمد بن شجاع ابن الثلجي الجهميّ الذي تقدم شيءٌ من حاله في ترجمة حماد بن سلمة (١)، فقال أحمد: لا ولا على حارس. وكأنه سئل عن الوابصي، فقال: ما علمتُ إلا خيرًا. فقال المتوكل ليحيى بن أكثم: لِمَ عزلته؟ فكأنه خاف أن يقول: إرضاءً للجهمية، فأجاب بما تقدم. فكأن الأستاذ أشار إلى هذا، كأنه أراد أن الوابصي ــ كما يقول ــ من الحشوية. وأراد بالحشوية أهلَ السنة الإمامَ أحمد وأصحابَه وموافقيه. ولا أجازي الأستاذ على هذا، ولكني أقول: الموفَّق حقًّا من وُفِّق لمعرفة الحقّ واتباعه ومحبته، والمحروم من حُرِمَ ذلك كلَّه، فما بالك بمن وقع في التنفير من الحق وعيب أهله! ١٤٣ - عبد السلام بن محمد الحضرمي . مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة بقية (٢). قال الأستاذ (ص ١٨٦): «يقول عنه أبو حاتم: صدوق. إلا أن هذا اللفظ مصطلح عنده فيمن يجب النظر في أمره، فيكون مردود الرواية إذا لم يتابَع. ولم

стр. 598

يتابع». أقول: أبو حاتم ﵀ معروف بالتشدّد، قلّما وجدته يقول في رجل: «هو صدوق» إلا وقد وثَّقه غيرُه، وعبد السلام هذا ذكره ابن حبان في «الثقات» (١). وتفرّدُه بتلك الحكاية لا يضرُّه. والله الموفق. ١٤٤ - عبد العزيز بن الحارث أبو الحسن التميمي . مرّ في ترجمة الخطيب أحمد بن علي بن ثابت (٢) تجنِّي ابن الجوزي على الخطيب أنه مال على أبي الحسن، ووعدتُ أن أفرد له ترجمةً أوضِّح فيها ما ظهر لي أن الخطيب إما مصيب مشكور وإما مخطئ معذور. ترجمة أبي الحسن في «تاريخ بغداد» (١٠/ ٤٦١) وذكر فيها أمرين، وذكر في ترجمة ابنه عبد الوهاب (١١/ ٣٣) ثالثًا، وهي هذه: الأول: قال: «حدثني الأزهري قال: قال لي أبو الحسن بن رزقويه: وضع أبو [١/ ٣٢٦] الحسن التميمي في «مسند أحمد بن حنبل» حديثين، فأنكر أصحابُ الحديث عليه ذلك، وكتبوا محضرًا أثبتوا فيه خطوطهم بشرح حاله. قال الأزهري: ورأيت المحضر عند ابن رزقويه، وفيه خطُّ الدارقطني وابن شاهين وغيرهما». الثاني: قال الخطيب: «حدثني أبو القاسم عبد الواحد بن علي العُكْبري قال: حدثني الحسن بن شهاب عن عمر بن المسلم قال: حضرت

стр. 599

مع عبد العزيز بن الحارث الحنبلي بعض المجالس، فسئل عن فتح مكة أكان صلحًا أو عَنوة؟ فقال: عَنوة. فقيل: ما الحجة في ذلك؟ فقال: ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الصواف، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، عن مالك ــ أو معمر قال عبد الواحد: أنا أشك ــ عن الزهري، عن أنس: أن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في فتح مكة أكان صلحًا أو عَنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «عَنوة». قال ابن المسلم: فلما خرجنا من المجلس قلت له: ما هذا الحديث؟ قال: ليس بشيء، وإنما صنعتُه في الحال لأدفع به الخصم». الثالث: قال الخطيب في ترجمة عبد الوهاب: «حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد الله التميمي قال: سمعت أبي يقول ... ». فساق السند مسلسلًا بالآباء إلى أكينة «يقول: سمعت عليًّا، وسئل عن الحنّان المنّان ... ». وساق الذهبي في ترجمة أبي الحسن من «الميزان» (١) بالسند إليه قال: «سمعت أبي ... » بسلسلة الآباء إلى «أكينة يقول: سمعت أبي الهيثم يقول: سمعت أبي عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما اجتمع قوم على ذِكْر إلا حفَّتْهم الملائكة، وغشيَتْهم الرحمة». قال الذهبي: «المتَّهَمُ به أبو الحسن. وأكثر أجداده لا ذكر لهم في تاريخ ولا في أسماء رجال». فأما الأمر الأول، فأجاب عنه ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٧

стр. 600

ص ١١٠) بقوله: «يجوز أن يكون قد كتب في بعض المسانيد من مسند آخر، ومن مسموعاته من غير ذلك المسند. متى كان الشيء محتملًا لم يجُز أن يُقطَع على صاحبه بالكذب، نعوذ بالله من الأغراض الفاسدة، على أنها تحول على صاحبها» (١). [١/ ٣٢٧] أقول: يقع في بعض مسانيد الصحابة من «المسند» أحاديث لصحابي آخر. ففي مسند ابن عباس من «المسند» (ج ١ ص ٢٥٨) (٢) حديث من رواية أبي هريرة مرفوعًا، وفي الصفحة التي تليها (٣) حديث من رواية أنس مرفوعًا، ولذلك نظائر. فكأنَّ مقصود ابن الجوزي أنه يجوز أن يكون أبو الحسن حوَّل الحديثين المذكورين مثلًا، فألحق الأول في مسند أبي هريرة، والثاني في مسند أنس. ولا يخفى بعدُ هذا الاحتمال، إذ لو كان هذا هو الواقع لما كان هناك ما يدعو الحفّاظ الأثبات كالدارقطني وابن شاهين إلى شدة الإنكار وكتابة المحضر، ولَمَا عبَّر ابن رزقويه بقوله: «وضع أبو الحسن». فأما قول ابن الجوزي: «ومن مسموعاته»، فكأنه أراد به أنه إن لم يكن ذانك الحديثان من «المسند» فيجوز أن يكون سمعهما أبو الحسن خارج «المسند» بسند «المسند»، كأن يكون «المسند» عنده من روايته عن ابن

стр. 601

الصواف عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، وسمع بهذا السند نفسه حديثين مفردين، فألحقهما في «المسند». وهذا الاحتمال أقرب من الأول، وعليه فلم يكن من أبي الحسن وضعٌ ولا افتراء. ويبقى النظر في صورة إلحاقه، فإن كان إنما علَّقهما في الحاشية على سبيل الفائدة الزائدة لا على إيهام أنهما من «المسند»، فهذا لا محذور فيه أصلًا. وإن كان أدرجهما في «المسند» موهمًا أنهما منه، فقد أساء، إلا أنه لا يكون ذلك وضعًا للحديث وافتراءً له. وإنكار الحفاظ وكتابة المحضر وقول ابن رزقويه: «وضع ... في (مسند أحمد)» يدلُّ أن الواقع لم يقتصر على الكتابة في الحاشية بدون إيهام. وقد وقع التقصير من الجانبين؛ قصَّر الأزهري عن تفصيل القضية، فلم يذكر ما هما الحديثان، وما قال الحفّاظ؟ وقصَّر محدّثو الحنابلة، فلم يراجعوا عند كتابة المحضر، ولم ينقلوا بيان الحال إن كان الواقع على وجه لا يضرُّ صاحبَهم أبا الحسن. فلو ساغ لابن الجوزي أن يتهم الخطيبَ بالميل لساغ لمن يدافع عن الخطيب أن يقول: لو كان هناك ميلٌ لتداركه محدثو الحنابلة في عصر الخطيب عندما سمعوا ما ذكره الخطيب في «تاريخه». ولعلهم كانوا قد علموا بالقضية، أو سألوا عنها، فعرفوها، ورأوا أن السكوت عنها أولى؛ لأن ذكرها مفصلةً لا ينفع صاحبهم، بل لعله يكون أضرَّ عليه. وقد كان ابن الجوزي قريبًا من عصر الواقعة، فإن لم يعتن بالبحث عنها والسؤال فقد قصَّر. وإن بحث وسأل، فعرفها، فما باله اقتصر [١/ ٣٢٨] على التجويزات البعيدة والتجنِّي على الخطيب؟ ولا يُظَنُّ به أنه بحث وسأل، فلم

стр. 602

يجد خبرًا ولا أثرًا إلا ما ذكره الخطيب؛ لأنه لو كان الأمر هكذا لكان الظاهر أن يذكره ابن الجوزي، فإنه أقوى للدفاع مما اقتصر عليه. وبعدُ، فالأسلم للجانبين والأحقن لدم الأخوين أن يقال: لعل أبا الحسن سمع ذينك الحديثين مفردين ليسا من «المسند»، ولكنهما بسنده، فألحقهما في الحاشية أو بين السطور غير قاصد الإيهام، ولكن كانت صورة الإلحاق موهمة. فأبو الحسن معذور لعدم قصده، والمنكرون معذورون لبنائهم على الظاهر. والله أعلم. وأما الأمر الثاني، فأجاب عنه بأن عبد الواحد «لا يُعوَّل على قوله ... ». وستأتي ترجمة عبد الواحد (١)، فلا هو بالذي تقوم الحجة بما ينفرد به ولا هو بمن يُظَنُّ به أن يختلق مثل هذه القصة اختلاقًا. وإذ كان الأمر كذلك، فلا مانع من إبداء احتمال يخفُّ به الاستبعاد، كأن يقال: لعل صاحب القصة رجل آخر غير أبي الحسن، ويكون ابن المسلم لم يُسمِّه، بل قال مثلًا: «بعض الفقهاء» أو «بعض الشيوخ»، ولعله ذكر مذهبه، فظن عبد الواحد أنه أبو الحسن، فسمَّاه. وأما الأمر الثالث، فلم يذكره الخطيب في ترجمة عبد العزيز، وإنما الذي اتَّهم به عبدَ العزيز هو الذهبي، ولا حجة للذهبي على ذلك إلا أن عبدَ الوهاب موثَّق، وعبدُ العزيز قد قيل فيه ما تقدَّم في الأمرين السابقين. وقد علمتَ أن الأمر الثاني لم يثبت ولا قارب، وأن الأمر الأول لا يخلو عن احتمال، فالأَولى في هذا الأمر الثالث الحملُ على أحد الآباء المجاهيل.

стр. 603

ومع أن ابن الجوزي دافع عن أبي الحسن، فلم يذكر أن أحدًا من حفاظ الحنابلة أو غيرهم وثَّقه، ولا وثقه هو، بل اقتصر على أنه لا يجوز القطع عليه بالكذب. وإنما ذَكَر قولَ أبي يعلى ابن الفراء الحنبلي: «رجل جليل القدر، وله كلام في مسائل الخلاف، وتصنيف في الأصول والفرائض» (١). والذي يتحصَّل هنا: أنه لم يثبت ما يُقطع به على أبي الحسن أنه وضع الحديث، لكنه مع ذلك لم يثبت على قواعد الرواية ما يقتضي أن تجبَ الحجةُ بروايةٍ ينفرد بها. فأمَّا الخطيب، فمَنْ أنصفَ علِمَ بأنه لم يتعدَّ ما يوجبه عليه فنُّه ومقامُه. والله أعلم. ١٤٥ - [١/ ٣٢٩] عبد الملك (٢) بن حبيب القرطبي. أحد مشاهير المالكية: ذكر الأستاذ (ص ٦) عن الباجي: «روى عبد الملك بن حبيب، أخبرني مطرِّف: أنهم سألوا مالكًا عن تفسير الداء العضال ... ». وفيه قول الباجي: «وعندي أن هذه الرواية غير صحيحة ... ». قال الأستاذ (ص ٨): «ووجهُ حكمه يظهر من ترجمة مطرِّف ... وعبد الملك في كتب الضعفاء». أقول: كان ابن حبيب فقيهًا جليلًا نبيلًا صالحًا في نفسه، لكن لم تكن الرواية من شأنه، كان يتساهل في الأخذ، ويروي على التوهُّم. هذا محصَّل

стр. 604

ما ذكروه في ترجمته (١). وقد توبع في هذه الحكاية، كما يأتي في ترجمة مُطرِّف (٢). ١٤٦ - عبد الملك بن قُريب الأصمعي: ذكر الأستاذ (ص ٢٤) ما حكي عن الأصمعي في قول الشعبي: «لا تعقل العاقلة ... »، وأن الأصمعي قال: «كلمتُ أبا يوسف بحضرة الرشيد، فلم يفرِّق بين عقلتُه وعقلتُ عنه حتى فهَّمتُه». فقال الأستاذ (ص ٢٥): «لا نقيم لكلامه وزنًا. فإن كنت لا تكتفي بما في الكتب المؤلفة في الضعفاء من قول مثل أبي زيد الأنصاري فيه، فعليك بكتاب «التنبيهات على أغاليط الرواة» لأبي القاسم علي بن حمزة البصري، لتطلع على أغلاط هذا المتقعر وكلام الناس في أمانته في النقل». وذكر الأستاذ (ص ٥٤) عن «تاريخ بغداد» (٣) حكاية من طريق الأصمعي، فقال: «كذَّبه أبو زيد الأنصاري. وذكر علي بن حمزة .... ورماه بأمور تؤيد رأي أبي زيد فيه. وليس بقليلٍ ما ذكره الخطيب من نوادره. ومن جملة نوادره: أن الأصمعي لما توفي سنة ٢١٥ قال أبو قِلَابة الجَرْمي في جنازته: ... » فذكر البيتين. أقول: أما الحكاية الأولى، فمسألة لغوية قد ذكرتها في الفقهيات (٤). والحكاية الثانية لم ينفرد بها الأصمعي، ومعناها مشهور إن لم يكن متواترًا.

стр. 605

وأما ما روى عن أبي زيد فلم يصحَّ، كما أوضحته في «الطليعة» (ص ٨٢ - ٨٣) (١). ولو صحَّ لما أوجب جرحًا، لأنه لم يفسَّر. ويحتمل أن يراد به النسبة إلى الخطأ والغلط، كما ذكره الأستاذ (ص ١٦٣). ويؤيده أنه كان بين أبي زيد والأصمعي منافسة دنيوية واختلاف في الاعتقاد، مع أن بعض أئمة الحديث تكلَّم في أبي زيد، كما تراه في ترجمته من «التهذيب» (٢). والأصمعي وثَّقه [١/ ٣٣٠] الأئمة، كما يأتي. وقال الأستاذ في «الترحيب» (٣): «وأما الأصمعي، فقد وثَّقه غيرُ واحد في الحديث. وأما أخباره ونوادره المدونة في الكتب، ففيها كثير مما يُرفَض، وقد قال ابن أخي الأصمعي عبد الرحمن بن عبد الله وقد سئل عن عمه: هو جالس يكذب على العرب. وقال أبو رياش: كان الأصمعي مع نَصْبه كذّابًا. وقال: سأله الرشيد: لم قطع عليٌّ يدَ جدِّك أصمع؟ فقال: ظلمًا يا أمير المؤمنين. وكذب عدوُّ الله، إنما قطعه في سرقة. وأطال أبو القاسم علي بن حمزة .... ومما قال فيه: كان مجبِرًا شديدَ البغض لعليّ كرَّم الله وجهه. وتكذيبه ليس بمنحصر فيما يروى عن أبي زيد الأنصاري». أقول: كأنَّ الأستاذ يحسب الكلام في الأصمعي كما قالت الأعراب (٤): قد هدَم اليربوعُ بيتَ الفارهْ ... فجاءت الزُّغْبُ من الوِبارَه (٥)

стр. 606

وكلُّها (١) يشتدُّ بالحجارَه مَنْ عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي يا أستاذ؟ ! وهل عرفه الناس إلّا بكلمات يرويها عن الأصمعي! ومَنْ جعله بحيث تُعارَض بما حُكي عنه نصوصُ أئمة الإسلام في توثيق الأصمعي؟ ! ولعلها ــ إن صحت الكلمة عنه ــ كلمةٌ قالها في صباه وهو يلعب مع الأطفال، فاستُظْرِفَتْ من ذاك الصبيِّ، فنُقِلَتْ. وأما أبو رياش، فمَن أبو رياش؟ أذَكَروه بأكثَر من أنه كان حُفَظةً للأشعار، أو أنه كان يتشيَّع، أو أنه كان وسخًا دنسًا إلى الغاية؟ وهل يَحتجُّ بكلامه في الأصمعي عاقل! ولمعرفتنا بحاله لا نطالبك بتصحيح النقل عنه، وكان بعد الأصمعي بزمان طويل. أما علي بن حمزة، فمعدود من علماء اللغة، بينه وبين الأصمعي زمان طويل. حدُّه أن يُقبل منه تخطئةُ مَن قبله إذا أقام الحجة. وقوله: «إن الأصمعي كان مجبِرًا» دليل على أنه هو كان قدريًّا، والقدرية تسمِّي أهل السنة «مُجْبِرة». وقوله: «شديد البغض لعلي كرم الله وجهه» قولٌ لا حجة عليه، ولا نعلم عن الأصمعي شيئًا يَثبُت عنه يسوِّغ أن يُنسَب لأجله إلى النصب.

стр. 607

ودونك ثناءَ الأئمة على الأصمعي. قال الإمام الشافعي بعد أن فارق بغداد: «ما رأيت بذلك العسكر أصدقَ لهجةً من الأصمعي». فتدبر هذه الكلمة، وانظر من كان ببغداد من الأكابر الذين رآهم الشافعي بها. وقال أبو أمية الطَّرْطُوسي: «سمعت أحمد ويحيى يثنيان على [١/ ٣٣١] الأصمعي في السنَّة. قال: وسمعتُ عليَّ ابن المديني يثني عليه»، وقال عباس الدُّوري: «قلت لابن معين: أريد الخروج إلى البصرة، فعمَّن أكتب؟ قال: عن الأصمعي فهو صدوق». وقال أبو داود: «صدوق». وقال نصر بن علي: «كان الأصمعي يقول لعفَّان: اتَّقِ الله، ولا تُغيِّرْ حديثَ رسول الله ﷺ بقولي». قال نصر بن علي: «كان الأصمعي يتَّقي أن يفسِّر حديثَ رسول الله ﷺ كما يتقي أن يفسِّر القرآن». وذكره ابن حبان في «الثقات» (١)، وقال: «ليس فيما يروي عن الثقات تخليط إذا كان دونه ثقة». أقول: وتجد في كتب اللغة ومعاني الشعر مواضع كثيرة يتوقف عنها الأصمعي، وذلك يدل على توقِّيه وتثبُّته. وكأنَّ ابن جني أشار إلى كلام علي بن حمزة إذ قال في «الخصائص» (٢): «وهذا الأصمعي ــ وهو صَنَّاجة الرُّواة والنقَلة، وإليه محطُّ الأعباء والثقَلة، ومنه تُجنَى الفِقَر والمُلَح، وهو ريحانُ (٣) كلِّ مغتَبَق ومصطَبَح ــ كانت مشيَخةُ القراء وأماثلُهم تحضره ــ

стр. 608

وهو حَدَث ــ لأخذ قراءةِ نافع عنه. ومعلومٌ قدرُ ما حذِقَ (١) من اللغة فلم يُثْبِته لأنه لم يقوَ عنده إذ لم يسمعه ... فأما إسفافُ مَن لا علمَ له وقولُ من تمسَّك به (٢): إن الأصمعي كان يزيد في كلام العرب، ويفعل كذا، ويقول كذا، فكلامُ معفوٍّ عنه، غير معبوءٍ به، ولا متقدم في (٣) مثله؛ حتى كأنه لم يتأدَّ إليه توقفُه عن تفسير القرآن وحديث الرسول ﷺ وتحرُّزُه (٤) من الكلام في الأنواء». وأما ما يُحكى عن الأصمعي من النوادر، فقد نَحَله الناسُ حكايات كثيرة جدًّا، وكلُّ من أراد أن يضع حكايةً نسبها إلى الأصمعي، فلا يلتفت من ذلك إلَّا لما صحَّ سندُه، ولن يوجد في ذلك إلّا ما هو حق وصدق، أو يكون الحمل فيه (٥) على مَنْ فوق الأصمعي. ومحاولة الأستاذ التفرقة بين الحديث والحكايات محاولة فاشلة، والصدقُ الذي يُثْنَى به على الراوي شيء واحد، إمَّا أن يثبتَ للأصمعيِّ كلُّه، وهو الواقع كما صرّحَتْ به كلمةُ الشافعي السابقة، واقتضته كلمات غيره، وإمَّا أن يسقط كلُّه. وقد تقدم شرح ذلك في القواعد (٦).

стр. 609

وأما قول الأستاذ: «ومن جملة نوادره: أن الأصمعي لما توفي ... »، فهذا من العجائب، كيف تكون من نوادره وقد مات؟ ! أوَ لم يستطع الأستاذ تخلُّصًا إلى ذينك البيتين اللذين هُجي بهما الأصمعي بعد موته لتعطّش الأستاذ إلى ذكرهما؟ والحكاية من رواية أبي العيناء، [١/ ٣٣٢] وحالُه معروف، يأتي له ذكر في ترجمة الإمام مالك (١)، مع أن تمام الحكاية: «قال أبو العيناء: وجذبني من الجانب الآخر أبو العالية الشامي فأنشدني: لِلّاه درُّ بناتِ الدهر إذ فَجَعَتْ ... بالأصمعيِّ لقد أبقَتْ لنا أسَفَا عِشْ ما بدا لك في الدنيا فلستَ ترى ... في الناس منه ولا مِنْ عِلْمِه خَلَفا لم أورد هذه التتمة منكرًا على الأستاذ إعراضه عنها. ولكن كان الأجدر به ــ وهو يعلم أن هذه تمام الحكاية ــ أن يُعرض عن أولها، لئلا يكون ــ أو لئلّا يقال: إنه ــ ممن يُرضيه القول الزور الفاجر، ويُسخطه القول الصادق البار. هذا وقد كان الأصمعي أوائل أمره يخالط الخلفاء والأمراء، ثم انقطع عن ذلك، ولزم بيته ومسجده، حتى إن المأمون الخليفة حَرَص جهدَه على أن يصير الأصمعي إليه، فأبى. فكان المأمون يجمع المسائل ثم يبعث بها إلى الأصمعي بالبصرة ليجيب عنها. وليس للأصمعيّ ذنب إلا أنه من أهل السنة. والله المستعان.

стр. 610

١٤٧ - عبد الملك بن محمد أبو قِلابة الرقاشي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٢٣ [٤٥٣]) من طريق الأصم: «حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثنا أبو عاصم قال: سمعت سفيان الثوري بمكة، وقيل له: مات أبو حنيفة، فقال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من الناس». ومن طريق الأصم أيضًا: «حدثنا محمد بن علي الوراق، حدثنا مسدد قال: سمعت أبا عاصم يقول: ذُكِر عند سفيان موتُ أبي حنيفة، فما سمعته يقول: ﵀، ولا شيئًا، قال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به». قال الأستاذ (ص ١٦٩): «أبو قلابة الرقاشي كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، على ما نقله الخطيب عن الدارقطني». أقول: قال الدارقطني: «لا يحتج بما تفرَّد به. بلغني عن شيخنا أبي القاسم ابن بنت منيع (هو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، تقدمت ترجمته (١)) أنه قال: عندي عن أبي قلابة عشرة أجزاء ما منها حديث مُسلَّم، إما في الإسناد وإما في المتن، كان يحدِّث من حفظه فكثرت الأوهام فيه». ولا حاجة بنا ــ ولله الحمد ــ إلى مضايقة الأستاذ بأن نقول: أنت لا تثق بالبغوي، فليس لك أن تعوِّل عليه هنا. بل نقول: قال ابن جرير: «ما رأيت أحفظ منه». وقال مسلمة بن قاسم عن ابن الأعرابي: « ... ما رأيت أحفظ منه، وكان من الثقات ... ». [١/ ٣٣٣] قال مسلمة: «وكان راوية للحديث متقنًا ثقة ... ». وقال أبو داود: «رجلُ صدق أمين مأمون، كتبت عنه بالبصرة». وقال ابن خزيمة: «ثنا أبو قلابة بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد».

стр. 611

فاتضح أن أبا قلابة كان ثقة متقنًا إلا أنه تغيَّر بعد أن تحوَّل إلى بغداد، وفيها سمع منه البغوي. فإن كان سماع الأصم منه بالبصرة ثبتت الحكاية، وإلَّا فقد تابعه عليها جبل من الجبال (١) كما رأيت. قال البخاري في «صحيحه» (٢) في «باب من أين يخرج من مكة»: «كان يقال: هو مسدّد كاسمه ... سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لو أن مسدّدًا أتيته في بيته لاستحقَّ ذلك، وما أبالي كتبي كانت عندي أو عند مسدّد». ١٤٨ - عبد المؤمن بن خلف أبو يعلى التميمي النسفي الحافظ: ذكر الأستاذ (ص ١٨٧) أن الخطيب روى (٣) من طريقه عن صالح بن محمد جزرة (٤) الحافظ كلامًا في الحسن بن زياد اللؤلؤي، فقال الأستاذ: «عبد المؤمن ليس ممن يصدَّق فيه، لأنه كان ظاهريًّا طويل اللسان على أهل القياس». أقول: قد سلف في القواعد (٥) أن المخالفة في المذهب لا تُرَدُّ بها الرواية، كالشهادة، وهذا ما لا أرى عالمًا يشكّ فيه. ومن حكم له أهلُ العلم بالصدق والأمانة والثقة فقد اندفع عنه أن يقال: «لا يُصدَّق في كذا» اللهم إلا

стр. 612

أن تقام الحجة الواضحة على أنه تعمَّد كذبًا صريحًا، فيزول عنه اسم الصدق والأمانة البتة. والأستاذ يمرُّ بالجبال الرواسي، فينفخ ويخيِّل لنفسه وللجهال أنه قد أزالها أو جعلها هباء! والذي جرَّأه على ذلك كثرة الأتباع، وغربة العلم، وما لا أحبّ ذكره. والله المستعان. ١٤٩ - عبد الواحد بن عليّ بن بَرْهان العكبري: هذا الرجل روى عنه الخطيب أشياء تتعلق برواة الحديث، ومن جملة ذلك ما تقدم في ترجمة عبد العزيز بن الحارث أبي الحسن التميمي (١)، وما يأتي في ترجمة عبيد الله بن محمد بن بطة العُكْبري (٢). فاعترضه ابن الجوزي، فقال في ترجمة أبى الحسن: «هذا العكبري لا يعوَّل على قوله، فإنه لم يكن من أهل الحديث والعلم، إنما كان [١/ ٣٣٤] يعرف شيئًا من الحديث. كذلك ذكر عنه الخطيب. وكان أيضًا معتزليًّا يقول: إن الكفار لا يخلدون في النار» (٣). وذكر نحو ذلك في ترجمة ابن بطة (٤)، ثم قال: فمن كان اعتقاده يخالف إجماع المسلمين فهو خارج عن الإسلام، فكيف يقبل جرحه؟ وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني: كان ابن بَرْهان يميل إلى المُرْد ويقبِّلهم». وقال في ترجمة عبد الواحد من «المنتظم» (ج ٨ ص ٢٣٦): «كان

стр. 613

مجوّدًا في النحو، وكان له أخلاق شرسة، ولم يلبس سراويل قط، ولا قبل عطاء أحد، وكان لا يغطي رأسه. وذكر محمد بن عبد الملك: كان ابن برهان يميل إلى المُرْد الصِّباح ويقبِّلهم من غير ريبة. وقوله: «من غير ريبة» أقبح من التقبيل، لأن النظر إليهم ممنوع منه إذا كان بشهوة، فهل يكون التقبيل بغير شهوة؟ ... ». وفي «لسان الميزان» (ج ٤ ص ٨٢) (١): «قال ابن ماكولا: كان فقيهًا حنفيًّا قرأ اللغة، وأخذ الكلام من أبي الحسين البصري. قلت: وقد بالغ محمد بن عبد الملك الهمذاني في «تاريخه» فقال: كان يمشي مكشوف الرأس، وكان يميل إلى المُردان من غير ريبة. ووقف مرةً على مكتب عند خروجهم، فاستدعى واحدًا واحدًا فيقبِّله ويدعو له ويسبِّح الله، فرآه ابن الصبَّاغ، فدسَّ له واحدًا قبيحَ الوجه، فأعرض عنه وقال: يا أبا نصر لو غيرك فعل بنا هذا». وفي ترجمة عبد الواحد من «تاريخ بغداد» (ج ١١ ص ١٧): «كان يذكر أنه سمع من أبي عبد الله ابن بطة وغيره إلا أنه لم يرو شيئًا. وكان مضطلعًا بعلوم كثيرة منها النحو واللغة ومعرفة النسب والحفظ لأيام العرب وأخبار المتقدمين، وله أُنْسٌ شديد بعلم الحديث». أقول: فقد كان ابن بَرْهان على بدعته من أهل العلم والزهد والمنزلة بين العلماء. ومحمد بن عبد الملك الهَمَذاني لا أعرف ما حاله (٢)؟ وقد ذكر

стр. 614

ابن حجر أنه بالغ. وقد تصرَّف ابن الجوزي في عبارة الهمذاني، ففي موضع زاد فيها «ويقبِّلهم» وحذف «من غير ريبة». وفي موضع زاد «الصِّباح فيقبِّلهم»، وإنما أخذ الصباحةَ والتقبيلَ من قصة المكتب. وقد كان ببغداد في ذاك العصر عدد كثير من مشاهير العلماء ما منهم إلا من يخالف عبد الواحد في العقيدة والمذهب أو أحدهما. وكان عبد الواحد على غاية الصيانة. ذكروا أنه «لما ورد الوزير عميد الدين إلى بغداد استحضره فأعجبه كلامه، فعرض عليه مالًا، فلم يقبله. فأعطاه مصحفًا بخط ابن البواب وعكازةً [١/ ٣٣٥] حُمِلت إليه من الروم، فأخذهما. فقال له أبو علي ابن الوليد المتكلِّم: أنت تحفظ القرآن، وبيدك عصا تتوكأ عليها، فلِمَ تأخذ شيئًا فيه شبهة؟ فنهض ابن بَرْهان في الحال إلى قاضي القضاة ابن الدامغاني وقال له: لقد كدتُ أهلك حتى نبَّهني أبو علي ابن الوليد، وهو أصغر سنًّا منِّي، وأريد أن تعيد هذه العكازة والمصحف على عميد الدين، فما يصحباني. فأخذهما، وأعادهما إليه». أفما كان في ذاك الجمّ الغفير من أهل العلم من ينكر على ابن برهان ما نسبه ابن الجوزي إليه؟ ! وما كان فيهم من يعيبه بذلك على الأقل، مع مخالفتهم له كما سلف؟ فما بالنا لا نعرف عنهم كلمة واحدة في ذلك إلّا تلك الشاذَّة من ذاك الهَمَذاني؟

стр. 615

وليس المقصود ردَّ كلمة الهمذاني، وإنما المقصود تجريدها عما فيها من المبالغة التي أشار إليها ابن حجر. فأقول: كانت المكاتب في ذاك العصر خاصةً بالأطفال، إنما هي لتعليم القراءة والكتابة؛ فأما ما زاد عن ذلك من العلم فكان محلُّه الجوامع والمساجد ومجالس العلماء في بيوتهم والمدارس الكبيرة. فمرَّ ــ على ما يقول الهمذاني ــ ابنُ بَرْهان مع جماعة من أهل العلم وغيرهم، فيهم الإمام أبو نصر ابن الصبّاغ الشافعي، بمكتب من مكاتب الأطفال، فصادف وقت خروجهم، فأخذ ابن برهان يقبِّلهم ويدعو لهم تنشيطًا لهم ورجاءَ أن يصيروا رجالًا صالحين. فمازحه ابن الصباغ بأن قدَّم إليه واحدًا منهم قبيح الصورة، فأعرض عنه ابن برهان علمًا بأنه لا مجال هناك لأدنى ريبة، ولو كان هناك مجال لريبة لكان الظاهر أن يقبِّل ذاك القبيح كغيره. وأيُّ عقل يميز أن يكون فيما جرى شيء من الريبة، ويقرُّه الحاضرون من أهل العلم وغيرهم، ويقتصر ابن الصباغ على تلك الملاطفة؟ فأما أهل بغداد المخالفون لابن بَرْهان في العقيدة أو المذهب أو كليهما، فلم يروا فيما جرى ما يسوِّغ أن يُعاب به ابن برهان. وأما ذلك الهَمَذاني فدعته نفرته عن ابن برهان لمخالفته في العقيدة والمذهب إلى أن عبَّر بقوله: «يميل إلى المردان»، فنازعه واعظُ الله تعالى في قلبه، فدافعه بقوله: «من غير ريبة»، وذكروا (١) قصة المكتب، فجاء ابن الجوزي، فصنع ما تقدَّم. ولا أدري ما صنع سِبْطه، فإنه كثير التصرف في مثل هذا! فوقع التزيُّد في الحكاية، كما تراه في «بغية الوعاة» (٢) وغيرها.

стр. 616

أما العقيدة فذكروا أن ابن برهان كان معتزليًّا، ولا أدري ما الذي كان يوافق فيه المعتزلة. فأما قوله بأن الكفار لا يخلدون في العذاب، فهي مسألة مشهورة. ولو رأى علماء بغداد أن قول ابن برهان فيها مُخرج عن [١/ ٣٣٦] الإسلام لسعوا في إقامة الحدِّ عليه، فما بالهم أعرضوا عن ذلك، وكانوا يُجِلُّون ابن برهان ويحترمونه؟ نعم، ابن برهان لم يوثقه أحد فيما نعلم، ومن المحتمل أنه كان يهِم فيما يرويه من الحكايات أو يبني على الظن، فحقُّه أن لا تقوم الحجة بما ينفرد به، ولكنه يُذكر في المتابعات والشواهد كما صنع الخطيب. والله الموفق. ١٥٠ - عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة التنُّوري: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٨ [٤٠٣ - ٤٠٤]) عنه حكايتان في ردِّ أبي حنيفة حديثَ «أفطر الحاجم والمحجوم» بقوله: «هذا سجع»، وردِّه قولًا لعمر بن الخطاب في الولاء بقوله: «هذا قول شيطان». قال الأستاذ في حاشية (ص ٨١): «قدريّ كما ذكره الخطيب في «الكفاية»، وقدرية البصرة في غاية من الانحراف عن أبي حنيفة لكثرة هبوطه البصرة للردِّ عليهم في مبدأ أمره». أقول: هبوط أبي حنيفة البصرة للمخاصمة في القَدَر لم يثبت. وقول عبد الوارث بالقَدَر في ثبوته نظر، قال ابنه عبد الصمد ــ وهو من الثقات الأثبات ــ: «إنه لمكذوب على أبي، وما سمعت منه يقول قطُّ في القَدَر وكلامِ عمرِو بن عبيد» (١). فإن كان في نفسه منه شيء، فلم يكن يرى خلافه

стр. 617

ضلالة فيعادي مخالفيه، وإلا لكان أهمّ شيء عنده أن يدعو ولده. وقد شهد له ابن المبارك أنه لم يكن داعية. ذكره الذهبي في ترجمته من «تذكرة الحفاظ» (ج ١ ص ٢٣٧) (١). فليس هنا ما يتشبَّث به في دفع رواية عبد الوارث، وهو مُجمع على ثقته وجلالته. ١٥١ - عَبْد بن أحمد أبو ذر الهروي: تأتي له حكاية في ترجمة عبيد الله بن محمد ابن بطة، فقال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٧ ص ١٩٤): «كان من الأشاعرة المبغضين، وهو أول من أدخل الحرمَ مذهبَ الأشعري، ولا يقبل جرحه لحنبليٍّ يعتقد كفرَه». أقول: قال ابن الجوزي نفسه في ترجمة أبي ذر من «المنتظم» نفسه (ج ٨ ص ١١٥): «كان ثقة ضابطًا فاضلًا ... وقيل: إنه كان يميل إلى مذهب الأشعري». ويظهر من هذه العبارة الأخيرة أن الميل لم يثبت، فإن ثبت فما مقداره؟ وقد كان ابن الجوزي نفسه مائلًا، بل يوجد في كلامه وكلام كثير من الحنابلة ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من كلام الأشعري [١/ ٣٣٧] وأصحابه. هكذا قاله أعرف الناس بهم، وهو رجل منهم (٢)، كما تقدم في ترجمة الخطيب (٣).

стр. 618

هَبْ أن أبا ذر كان أشعريًّا، فما تفصيل ذلك؟ والنقل عن الأشعري مختلف، وأصحابه مختلفون. وعلى كل حال فلا يكفِّرون الحنابلة، نعم قد يبدّعونهم. ولكن عقلاءهم ولاسيما العارفين بالرواية منهم كالبيهقي لا يرون ذلك مُوهنًا للرواية ولا مسوِّغًا للبغض والعداوة. وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك في القواعد (١)، وأشبعت القول في قسم الاعتقاديات (٢). فالحق الذي لا معدل عنه أن أبا ذر ثقة تُقبل روايته، ويُرَدُّ عليه من قوله ورأيه ما أخطأ فيه الحق. (٣) ١٥٢ - عُبيد الله بن عبد الكريم أبو زُرْعة الرازي: حكى الأستاذ (ص ٤٢) عن كتاب ابن أبي العوام: «حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي قال: حدثنا عبد الواحد بن أحمد الرازي بمكة قال: أنبأنا بشار بن قيراط عن أبي حنيفة ... ». وعلَّق الأستاذ في الحاشية على بشار بن قيراط: «مقبول عند الحنفية بنيسابور، كما قال الخليلي في «الإرشاد»، وإن طال لسان أبي زُرْعة فيه لكونه من أهل الرأي». أقول: ابن أبي العوّام قد تعرّضت له في «الطليعة» (ص ٢٧ - ٢٨) (٤). فأعرض الأستاذ في «الترحيب» عن ذلك، ولنا أن نسأله: مَن إبراهيم بن أحمد في السند؟ ومن شيخه؟ فما بال الأستاذ أعرض عن ذلك كلِّه وتناول بشارًا؟ أَلِيوهم أن بقية السند ثقات إجماعًا؟ أم ليتوصّل إلى الغضِّ من أبي

стр. 619

زُرْعة؟ بشار قديم، سمع من أبي حنيفة المتوفى سنة ١٥٠، كذَّبه أبو زُرْعة الذي ولد سنة ٢٠٠. وقال أبو حاتم الذي ولد سنة ١٩٥: «هو نيسابوري قدم الري، مضطرب الحديث، يُكتب حديثه ولا يحتج به» (١). وقال ابن عدي المولود سنة ٢٧٧: «روى أحاديث غير محفوظة، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق» (٢). وقال الخليلي المولود بعد ذلك بزمان فإنه توفي سنة ٤٤٦: «كان يتفقه على رأي أبي حنيفة. رضيَتْه الحنفية بخراسان، ولم يتفق عليه حُفَّاظ خراسان» (٣). وقد سبق في ترجمة عبد الله بن محمود (٤) ذكرُ ما زعمه الأستاذ من أن من لم يوثِّقه أهلُ عصره [١/ ٣٣٨] يكون مجهول الصفة، وتراه هنا يردُّ جرح المتقدمين لبشار ويتشبث بقول المتأخر عنه بقريب من مائتي سنة: «رضيَتْه الحنفية بخراسان»! ويزيد الأستاذ فيزعم أن أبا زُرْعة إنما كذَّبه لأنه مخالف له في المذهب. وقد عُلِم مما سلف في القواعد أن من شهد له أهلُ العلم أنه «صدوق» لا يُقْبَل من أحد أن يقول: إنه تعمَّد الكذبَ أو الحُكْمَ بالباطل إلا أنْ يقيم على ذلك حجة صارمة، فما بالك بمن شهدوا له بأنه ثقة؟ فما بالك بمثل أبي زُرْعة في إمامته وجلالته وتثبته؟

стр. 620

والخليلي متأخرجدًّا عن زمن بشار كما مرَّ، ولا ندري إلى ماذا استند في قوله: «رضيَتْه الحنفية بخراسان». وهَبْه ثبَتَ الرضا، فمَنْ حنفيةُ خراسان في ذلك الزمان؟ وقد يكونون رضوه في رأيه، ولا يدرون ما حاله في الحديث؛ كما رضي أهل المغرب أصبغ بن خليل، وقد مرَّت ترجمته (١). وقد كان يمكن الأستاذ أن يقول: ذكروا أن أبا زُرْعة الرازي كذّبه، ولا ندري ما الذي اعتمده في تكذيبه. وكلام أبي حاتم يعطي أن بشارًا صدوق إلا أنه مضطرب الحديث. ويقوِّي ذلك رضا حنفية خراسان به، والتصديق يقدَّم على التكذيب المبهم. والله أعلم. لكن الأستاذ لا يرى لأئمة السنة حقًّا ولا حُرْمة، ولا يرقُبُ فيهم إلًّا ولا ذمة. لا يرعى تقوى ولا تقية، ولا يرى أن في أهل الحق بقية، فيدع للصلح بقية، فلندعه يصرِّح أو يَكْني، وعلى أهلها براقشُ تَجْني! ١٥٣ - عبيد الله بن محمد بن حمدان أبو عبد الله ابن بطة العكبري . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٣ [٤٤١]) عنه: «حدثنا محمد بن أيوب بن المعافى البزاز قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: وضع أبو حنيفة أشياء في العلم مضغُ الماء أحسن منها. وعرضت يومًا شيئًا من مسائله على أحمد بن حنبل، فجعل يتعجب منها، ثم قال: كأنه هو يبتدئ الإسلام». قال الأستاذ (ص ١٤٨): «من أجلاد الحشوية. له مقام عندهم إلا أنه لا يساوي

стр. 621

فلسًا! وهو الذي روى حديث ابن مسعود: «كلم الله تعالى موسى ﵇ يوم كلَّمه وعليه جبة صوف، وكساء صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي»، فزاد فيه: «فقال: من ذا العبراني الذي يكلِّمني من الشجرة؟ قال: أنا الله». والتهمة لاصقه به لا محالة، لانفراده بتلك الزيادة، كما يظهر من طرق الحديث في «لسان [١/ ٣٣٩] الميزان» وغيره. وما فعل ذلك إلا ليلقي في رُوع السامع أن كلام الله تعالى من قبيل كلام البشر، بحيث يلتبس على السامع كلامه تعالى بكلام غيره. تعالى الله عن مزاعم المشبِّهة في إثبات الحرف والصوت له تعالى. وكُتُبه من شرِّ الكتب، وله طامات». أقول: أما ذاك الحديث فيظهر أن ابن بطة لم يذكر تلك الزيادة على أنها من الحديث، وإنما ذكرها على جهة الاستنباط والتفسير أخذًا من الحديث ومن قول الله ﵎ في شأن موسى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]. وقوله : ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١١ - ١٢]. وقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٨ - ٩]. وابن بطة كغيره من أئمة السنة بحق يعتقدون أن الله ﵎ يتكلم بحرف وصوت. وقد نقل بعضُ الحنفية اتفاقَ الأشاعرة والماتريدية على أن الله تعالى كلَّم موسى بحرف وصوت، كما نقلته في قسم الاعتقاديات (١). وذكر

стр. 622

الحنفية في كتابهم المنسوب إلى أبي حنيفة باسم «الفقه الأكبر» (١) ما لفظه: «وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى». قال المغنيساوي في «شرحه»: «والله تعالى قادر أن يكلِّم المخلوق من الجهات أو الجهة الواحدة بلا آلة ويسمعه بالآلة كالحرف والصوت لاحتياجه إليها في فهمه كلامه الأزلي، فإنه على ذلك قدير، لأنه على كل شيء قدير». وكما يحتاج موسى إلى الحرف والصوت، يحتاج إلى أن يكون بلغته وأن يكون على وجه يأنس به. فعلى كل حال قد دل الكتاب والسنة كالآيات المتقدمة وسياق الحديث على أن الله تعالى كلَّم موسى بحرف وصوت، وظهر بما تقدَّم أنه كلَّمه بلسانه العبراني على الوجه الذي يأنس به. ودلت الآية الثالثة على أن موسى سمع الكلام، فقال في نفسه إن لم يقل بلسانه: «من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة؟ » فأجيب بقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ (٢) أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩]. فذكر ابنُ بطة ذلك على وجه الاستنباط والتفسير، واعتمد في رفع الالتباس على [١/ ٣٤٠] قرينة حالية مع علمه بأن الحديث مشهور؛ فجاء مَن بعده، فتوهَّم أنه ذكر ذاك الكلام على أنه جزء من الحديث. ولابن بطة أسوة فيمن اتفق له مثل ذلك من الصحابة وغيرهم، كقول ابن مسعود مع حديث الطِّيَرة: «وما مِنّا إلّا»، ومع حديث التشهد: «إذا قلتَ هذا ... »، ومع حديث آخر: «ومن مات يشرك بالله شيئًا

стр. 623

دخل النار». وأمثال هذا كثير، قد أُفردت بالتأليف، كما تراه في الكلام على قسم المدرج من «تدريب الراوي» (١) وغيره. قول الأستاذ: «تعالى الله عن مزاعم المشبّهة في إثبات الحرف والصوت له تعالى». جوابه: بل تعالى الله عن العجز والكذب، وتفصيل هذا في قسم الاعتقاديات (٢). قوله: «وكتبه من شر الكتب». جوابه: بل شر الكتب ما تضمن تكذيب خبر الله تعالى وخبر رسوله كذلك. قوله: «وله طامات». إن كان يريد ما يتعلق بالعقائد فقد عُلِم جوابه مما مرَّ، وإن أراد ما يتعلق بالرواية فدونك النظرَ فيه: ذكر الخطيب في «تاريخه» (٣) ابنَ بطة وحكى أشياء انتقدت عليه في الرواية، فتعقبه ابن الجوزي في «المنتظم» (٤) وأنحى باللائمة على الخطيب.

стр. 624

قال الخطيب في أول الترجمة: «كان أحد الفقهاء على مذهب أحمد بن حنبل ... أخبرني الحسن بن شهاب بن الحسن العكبري (بها) حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان ابن بطة، حدثنا أبو القاسم حفص بن عمر بن الخليل بأردبيل، حدثنا رجاء بن مرجَّى بسمرقند ... ». ثم حكى عن عبد الواحد بن علي بن بَرهان، وقد مرَّت ترجمته (١) «قال: لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا في غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة». [١/ ٣٤١] ثم حكى عن أبي حامد أحمد بن محمد الدَّلْوي وهو أشعري «قال: لما رجع أبو عبد الله ابن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة، فلم يُرَ خارجًا منه في سوق ولا رُئي مفطرًا إلا في يوم الأضحى والفطر. وكان أمّارًا بالمعروف، ولم يبلغه خبر منكر إلا غيَّره ــ أو كما قال». وفي أواخر الترجمة: «أخبرنا العتيقي قال: سنة ٣٨٧ فيها توفي بعكبرا أبو عبد الله ابن بطة في المحرم، وكان شيخًا صالحًا مستجاب الدعوة». وذكر الخطيب أمورًا انتقدت على ابن بطة فيما يتعلق بالرواية. الأول: أنه روى عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجَّى «كتاب السنن» له. فذكر الخطيب أن أبا ذر عَبْد بن أحمد الهروي كتب إليه من مكة أنه سمع نصر الأندلسي ــ قال: وكان يحفظ ويفهم ــ فذكر قصةً حاصلها أنه سمع من ابن بطة «كتاب السنن» لرجاء بن مرجَّى من ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء، فذكر ذلك للدارقطني، فقال: «هذا محال. دخل رجاء بن مرجَّى بغداد سنة أربعين، ودخل حفص بن عمر الأردبيلي سنة

стр. 625

سبعين ومائتين، فكيف سمع منه؟ ». وذكر الخطيب عن ابن برهان قصةً حاصلها: أن ابن بطة ورد بغداد، فحدَّث عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجَّى بـ «كتاب السنن» قال: «فأنكر ذلك أبو الحسن الدارقطني، وزعم أن حفصًا ليس عنده عن رجاء، وأنه يَصْغُر عن السماع منه، فأبردوا بريدًا إلى (أردبيل)، وكان ابن حفص بن عمر حيًّا هناك، وكتبوا إليه يستخبرونه عن هذا الكتاب، فعاد جوابه بأن أباه لم يرو عن رجاء بن مرجَّى ولا رآه قط، وأنَّ مولده كان بعد موته بسنين». قال ابن بَرهان: «فتتبع ابنُ بطة النسخ التي كُتبت عنه، وغيَّر الرواية، وجعلها عن ابن الراجيان عن (فتح بن) شُخْرُف (١) عن رجاء. أجاب ابن الجوزي بأن أبا ذرّ أشعري، وأن ابن بَرْهان مبتدع على ما تقدَّم في ترجمتيهما (٢). ولا يخفى سقوط هذا الجواب، فإن أبا ذرّ ثقة كما مرَّ، وابن بَرهان يدلُّ سياقُه للحكاية على أنه صادق فيها، ورواية ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء ثابتة، كما تقدم أن الخطيب روى عن الحسن بن شهاب عن ابن بطة بهذا السند، والحسن بن شهاب حنبلي ثقة. ورجاء توفي ببغداد وكان قد [١/ ٣٤٢] أقام بها آخر عمره مدة، والأردبيلي توفي سنة ٣٣٩، وبين وفاتيهما تسعون سنة، يضاف إليها مدة إقامة رجاء ببغداد آخر عمره؛ لأن الأردبيلي

стр. 626

إنما سمع منه ــ إن كان سمع ــ بسمرقند على ما رواه الخطيب عن الحسن بن شهاب. وأضف إلى ذلك مقدار سنّ الأردبيلي الذي مكَّنه أن يرحل من بلده إلى سمرقند حيث سمع رجاء، وهذان المقداران يمكن حزرهما بعشرين أو ثلاثين سنة تضاف إلى التسعين التي بين الوفاتين. وعلى هذا يكون الأردبيلي بلغ من العمر مائة وبضع عشرة سنة على الأقل، فيكون مولده قريبًا من سنة ٢٢٠ على الأقل، وهذا باطل حتمًا. وبيانُه: أن عادة الذهبي في «تذكرة الحفاظ» أن يذكر من مشايخ الرجل أقدمهم، وإنما قال في ترجمة الأردبيلي: «سمع أبا حاتم الرازي، ويحيى بن أبي طالب، وعبد الملك بن محمد الرقاشي، وإبراهيم بن ديزيل» (١). وهؤلاء كلهم ماتوا بعد سنة ٢٧٤، فهل رحل الأردبيلي وسمع سنة ٢٣٠، فسمع من رجاء بسمرقند، ثم رقد بعد ذلك أربعين سنة، ثم استيقظ فسمع من الذين سمَّاهم الذهبي؟ ! فالوهم لازمٌ لابن بطة حتمًا، وسببه: أنه ساح في أول عمره، فكان يسمع ولا يكتب، ولم يكن يؤمّل أن يحتاج آخر عمره إلى أن يروي الحديث، ولهذا لم تكن له أصول. وفي «لسان الميزان» (٢): «قال أبو ذر الهروي: جهدتُ على أن يخرج لي شيئًا من الأصول فلم يفعل، فزهدتُ فيه». وبعد رجوعه من سياحته انقطع في بيته مدة، ثم احتاج الناس إلى أن يسمعوا منه، فكان يتذكَّر ويروي على حسب ظنه، فيَهِم. وكأنه سمع «سنن رجاء بن

стр. 627

مرجَّى» من الأردبيلي عن رجل، فتوهم بأخرة أن الأردبيليَّ رواها عن رجاء نفسه. وقد رجع ابن بطة عن هذا السند لما تبيَّن له أنه وهم. والله أعلم. الأمر الثاني: ذكر الخطيب عن ابن بَرهان قال: «قال لي الحسن بن شهاب سألت: أبا عبد الله ابن بطة: أسمعت من البغوي حديث علي بن الجعد؟ فقال: لا». قال ابن بَرْهان: «وكنت قد رأيت في كتب ابن بطة نسخةً بحديث علي بن الجعد قد حكَّكها وكتب بخطه سماعه عليها». أقول: تفرد بهذا ابن بَرْهان، ولم يرو ابن بطة حديثَ عليِّ بن الجعد عن البغوي، وابن بَرْهان لا يقبل منه ما تفرّد به، ولعله وَهِم، كأن كان الخط غير خط ابن بطة فاشتبه على ابن برهان. [١/ ٣٤٣] وكأن يكون ابن بطة إنما كتب «هذا الكتاب من مسموعاتي» أو نحو ذلك، يعني أنه سمعه من غير البغوي، فوهم ابن برهان. الثالث: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: وروى ابن بطة عن أحمد بن سلمان النجَّاد عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي نحوًا من مائة وخمسين حديثًا، فأنكر ذلك عليه علي بن محمد بن ينال، وأساء القول فيه، وقال: إن النجاد لم يسمع من العطاردي شيئًا، حتى همَّت العامة أن توقع بابن ينال، واختفى. قال: وكان ابن بطة قد خرَّج تلك الأحاديث في تصانيفه، فتتبَّعها، وضرب على أكثرها، وبقي بقيتها على حاله». أقول: قد مرَّ الكلام في ابن بَرْهان، ولكن دخول الوهم عليه في هذا بعيد. والنجاد يقال: إنه ولد سنة ٢٥٣، وسمع من الحسن بن مُكْرَم المتوفى سنة ٢٧٤، ورحل إلى البصرة وسمع بها من أبي داود المتوفى سنة ٢٧٥.

стр. 628

ووفاة العطاردي سنة ٢٧٢، فلا مانع من أن يكون النجَّاد سمع من العطاردي. فإن قبلنا ما حكاه ابن برهان عن ابن ينال، فلا مانع من أن يكون للنجَّاد إجازة من العطاردي، ولابن بطة إجازة من النجاد، فروى ابن بطة تلك الأحاديث بحق الإجازة، فكان ماذا؟ فأما حكُّه لبعضها، فلعله وجدها أو ما يغني عنها عنده بالسماع من وجه آخر، فحكَّ ما رواه بالإجازة، وأثبت السماع. الرابع: قال الخطيب: «حدثني أحمد بن الحسن بن خيرون قال: رأيت كتاب ابن بطة بـ «معجم البغوي» في نسخة كانت لغيره، وقد حكَّك اسمَ صاحبها وكتب اسمه عليها». وفي «لسان الميزان» (١) عن ابن عساكر قال: «وقد أراني شيخنا أبو القاسم السمرقندي بعضَ نسخة ابن بطة بـ «معجم البغوي»، فوجدت سماعه فيه مُصْلَحًا بعد الحكِّ، كما حكاه الخطيب عن ابن خيرون». أجاب ابن الجوزي بقوله: «أتراه إذا حصلت للإنسان نسخة، فحكَّ اسم صاحبها وكتب سماع نفسه ــ وهي سماعه ــ أن يوجب هذا طعنا؟ ». أقول: هذا بمقتضى العادة يدلّ أنه لم يكن لابن بطة أصلٌ بسماعه «المعجم» من البغوي، فإنه لو كان له أصل به لكان اسمُه كُتِبَ وقتَ السماع. فإن كان سمع في ذاك الأصل مع آخر؛ فإنه يُكتَب سماعُهما معًا، فما الحاجة إلى الحكِّ ثم الكتابة مرة أخرى؟

стр. 629

وقد قال الخطيب: «قال [١/ ٣٤٤] لي أبو القاسم الأزهري: ابن بطة ضعيف ضعيف ليس بحجة، عندي عنه «معجم البغوي» ولا أخرج عنه في الصحيح شيئًا. قلت له: كيف كان كتابه بـ «المعجم»؟ فقال: لم نر له أصلًا، وإنما دفع إلينا نسخة طريَّة بخط ابن شهاب، فنسخنا منها، وقرأنا عليه». وتقدم عن أبي ذر الهروي أنه جهد أن يُخرج له ابن بطة شيئًا من أصوله فلم يفعل. وذكر ابن بطة فيما رواه ابن الجوزي قصة سماعه «المعجم» من البغوي وفيها: «ثم قرأنا عليه «المعجم» في نفر خاص في مدة عشرة أيام أو أقل أو أكثر، وذلك في سنة خمس عشرة أو ست عشرة» والظاهر أنه لو كان أصل سماعه عنده لكان التاريخ مقيدًا فيه فلا يحتاج إلى الشك. فأما قول ابن الجوزي: «قرأت بخط أبي القاسم ابن الفراء ... قابلت أصل ابن بطة «المعجم» فرأيت سماعه في كل جزء إلا أني لم أر الجزء الثالث أصلًا» = فذاك هو السماع الملْحَق الذي ذكره ابن خيرون وابن عساكر. فالذي يتحصل أنه لم يكن عند ابن بطة أصل سماعه بـ «المعجم»، فإما أن يكون كان له أصل فضاع أو تلف، وإما أن يكون سمع في نسخة لغيره لم تَصِرْ إليه، وكأنه ظفر بنسخة أخرى وثِقَ بصحتها، فتسمَّح في الرواية عنها. والله أعلم. الخامس: ذكر الخطيب عن أبي القاسم التنوخي عن أبي عبد الله بن بكير قال: «ابن بطة لم يسمع «المعجم» من البغوي. وذلك أن البغوي حدَّث به دفعتين: الأولى منها قبل سنة ثلاثمائة (قبل مولد ابن بطة) في مجلس عام، والأخرى بعد سنة ثلاثمائة في مجلس خاص لعلي بن عيسى (الوزير)

стр. 630

وأولاده». قال الخطيب: «وفي هذا القول نظر؛ لأن محمد بن عبد الله بن الشخِّير قد روى عن البغوي «المعجم»، وكان سماعه بعد الثلاثمائة بسنين عدة. ولعل ابن بكير أراد بالمرتين قبل سنة عشر وثلاثمائة وبعدها ... ومما يدل على ذلك أن أبا حفص ابن شاهين كان من المكثرين عن البغوي، وكذلك أبو عمر بن حَيَّوَيْه وابن شاذان، ولم يكن عند أحد منهم «المعجم»، فهذا يدل على أن رواية العامة كانت قبل العشر بسنين عدة». أجاب ابن الجوزي بأن التنوخي كان معتزليًّا يميل إلى الرفض. أقول: هو صدوق، ولكن قد دل ما ذكره الخطيب أن سماع ابن الشخِّير كان بعد [١/ ٣٤٥] الثلاثمائة بسنين عدة على أن البغوي حدَّث بـ «المعجم» دفعة ثالثة، ولعلها كانت لنفرٍ خاص، فلم يقف عليها ابن بكير، ولم يحضرها ابن شاهين وابن حَيَّوَيه وابن شاذان. وقد تكون هناك دفعة رابعة خاصة أيضًا. وقد ذكر ابن بطة ــ فيما رواه ابن الجوزي ــ قصةً حاصلها: أن أباه بعثه وهو صغير مع شريكٍ له من أهل بغداد، فأدخله على البغوي واسترضوه أن يحدِّثهم بـ «المعجم» في نفر خاص. قال: «ثم قرأنا عليه المعجم ... » إلى آخر ما تقدم آنفا. وفي القصة: «وأذكره وقد قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني سنة ٢٢٤ (١)، فقال المستملي: خذوا، هذا قبل أن يولد كل محدِّث على وجه الأرض! وسمعت المستملي وهو أبو عبد الله بن مهران يقول له: من ذكرت يا ثلث (٢) الإسلام؟ ». والظاهر أن هذا كان في مجلس

стр. 631

عام حدَّث فيه البغوي بأحاديث غير المعجم الذي اختص به ابن بطة ومن معه. ويشهد لذلك أن ابن بطة قد روى عن البغوي أحاديث ليست في «المعجم» كما يأتي. والله أعلم. السادس: قال الخطيب: شاهدت عند حمزة بن محمد بن طاهر الدقَّاق نسخةً بكتاب محمد بن عُزَيز في (غريب القرآن) وعليها سماع ابن السُّوسَنْجِردي من ابن بطة عن ابن عُزَيز، فسألت حمزة عن ذلك؟ فأنكر أن يكون ابن بطة سمع الكتاب من ابن عُزَيز، وقال: ادَّعى سماعه ورواه». أقول: ليس هناك ما يدفع دعواه، فقد أدرك ابنَ عُزَيز إدرا كًا بيّنًا. السابع: قال الخطيب: «قلت: وكذلك ادّعى سماع كتب أبي محمد بن قتيبة ورواها عن شيخ سماه: ابنَ أبي مريم. وزعم أنه دينَوَري حدَّثه عن ابن قتيبة. وابن أبي مريم هذا لا يعرفه أحد من أهل العلم، ولا ذكره سوى ابن بطة. والله أعلم». أقول: كأن ابن بطة لقي في سياحته رجلًا دينَوَريًّا ذكر له أنه سمع كتب ابن قتيبة، ويكون هذا الدينوري سياحًا لم يتصدّ للرواية وإنما اتفق أن لقيه ابن بطة في سياحته. الثامن: ذكر الخطيب عن ابن بَرهان قال: «قال لي محمد بن أبي الفوارس: روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم». قال

стр. 632

الخطيب: «قلت: هذا الحديث باطل من حديث مالك، [١/ ٣٤٦] ومن حديث مصعب، ومن حديث البغوي عن مصعب. وهو موضوع بهذا الإسناد، والحملُ فيه على ابن بطة» (١). أقول: تقدم أن ابن بَرْهان ليس بعمدة، ولعله سمع من [ابن] (٢) أبي الفوارس يقول: بلغني عن ابن بطة، أو نحو ذلك. ولو روى ابن بطة هذا الحديث لكان الظاهر أن يشتهر عنه وينتشر. ولو صح عنه لحُمِل على الوهم، فإنه سمع من البغوي وهو صغير، ولم يكن له أصول، إنما كان يحمل على حفظه فيَهِم، فيحتمل أن يكون سمع الحديث من البغوي بسند آخر، وسمع منه حديثًا أو أكثر بهذا السند، فوهم. التاسع: قال الخطيب: «حدثني أحمد بن محمد العتيقي بلفظه من أصل كتابه وكتبه لي بخطه قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان الفقيه (ابن بطة) بعكبرا، حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري، حدثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا» الحديث. وهذا الحديث أيضًا باطل من رواية البغوي عن مصعب. ولم أره عن مصعب عن مالك أصلًا. والله أعلم».

стр. 633

أقول: الحديث في «الصحيحين» وغيرهما (١) من رواية جماعة عن مالك، ولا يبعد أن يكون عند مصعب أيضًا فلا يرويه عنه إلا البغوي. لكن يبعد جدًّا أن يكون الحديث كان عند البغوي من هذا الوجه العالي، فلا يرويه عنه إلا ابن بطة الذي حُمِل إليه وهو صغير، ولم يطل مقامه عنده. فالحكم بوهم ابن بطة في هذا واضح. ولَنِعْم ما قال الذهبي في «الميزان» (٢): «إمام ذو أوهام ... ومع قلة إتقان ابنِ بطة في [١/ ٣٤٧] الرواية كان إمامًا في السنة، إمامًا في الفقه، صاحب أحوال وإجابةِ دعوة (٣) ﵁» (٤). وعليك أن لا تقصر نظرك على هذه الأمور، فترى في اجتماعها واستضعافك لبعض الأجوبة ما يحملك على سوء الظن بابن بطة؛ بل ينبغي لك أن تنظر أيضًا إلى حاله في نفسه، وقدِّم قولَ ابن بَرهان المعتزلي نفسه: «لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة». وقولَ أبي حامد الدلوي الأشعري: « ... ولا رئي مفطرًا إلا في يوم الأضحى والفطر. وكان أمَّارًا بالمعروف، لم يبلغه خبرُ منكر إلا غيَّره». وقولَ العتيقي: « ... كان شيخًا صالحًا مستجاب الدعوة».

стр. 634

وقال أبو الفتح بن القَوَّاس: «ذكرت لأبي سعد الإسماعيلي ابنَ بطة وعلمه وزهده، فخرج إليه، فلما عاد قال: هو فوق الوصف». وقال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٧ ص ١٦٤): «أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، عن أبي محمد الحسن بن علي الجوهري قال: سمعت أخي [أبا] (١) عبد الله الحسين بن علي يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله قد اختلفَتْ علينا المذاهب، فبمن نقتدي؟ فقال لي: عليك بأبي عبد الله ابن بطة. فلما أصبحتُ لبست ثيابي وأصعدت إلى عكبرا، فدخلت إليه. فلما رآني تبسَّم وقال: صدق رسول الله، صدق رسول الله، صدق رسول الله. يقولها ثلاثًا». فالذي يتحصَّل أن ابنَ بطة مع علمه وزهده وفضله وصلاحه البارع كثيرُ الوهم في الرواية، فلا يُتهم بما ينافي ما تواتر من صلاحه، ولا يُحتج بما ينفرد بروايته. ولا يُشنَّع على الخطيب فيما صنعه وفاءً بواجب فنه وإظهارًا لمقتضى نظره. والله الموفق. ١٥٤ - عُبيدة الخراساني: في «تاريخ بغداد» (١٤/ ٢٥٧): «أبو داود سليمان بن الأشعث، ثنا عَبْدة بن عبد الله الخراساني قال: قال رجل لابن المبارك ... ». قال الأستاذ (ص ١٧٨): « ... من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل ... وعُبيدة الخراساني ... ». أقول: في الرواة عن ابن المبارك «عتبة بن عبد الله»، و «عبدة بن سليمان». وكلاهما [١/ ٣٤٨] مروزيان، ومرو من خراسان، وهما ثقتان. فإن

стр. 635

كان هذا غيرهما فقد تقدَّم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم (١) أن أبا داود لا يروي إلا عن ثقة. ١٥٥ - عثمان بن أحمد أبو عَمرو بن السَّمَّاك الدقَّاق . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٩ [٤٠٦]) من طريقه «حدثنا حنبل بن إسحاق ... » مرت الحكاية في ترجمة حنبل (٢). قال الأستاذ (ص ٨٤): «المغموز عند الذهبي برواية الفاضحات». أقول: عبارة الذهبي في «الميزان» (٣): «صدوق في نفسه لكن روايته لتلك البلايا عن الطيور (٤) كوصية أبي هريرة، فالآفة من بعده (يعني في سياق السند). أما هو فوثَّقه الدارقطني، وينبغي أن يُغمز ابن السماك بروايته لهذه الفضائح». قال ابن حجر في «اللسان» (٥): «لو فتح المؤلف على نفسه ذِكْر من روى خبرًا كذبًا آفته من غيره ما سَلِم معه سوى القليل من المتقدمين فضلًا عن المتأخرين. وإني لكثير التألم من ذكره لهذا الرجل الثقة في هذا الكتاب بغير مستند (٦). وقد عظَّمه الدارقطني، ووصفه بكثرة الكتابة والجد
следующие страницы →