← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 339

الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (505 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

رسول الله ﷺ : «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم الخ» [ص ٨٧] فلم يَنْهَ عن السماع والاستماع، وإنما نهى عن التصديق والتكذيب. ولا ريب أن المنهيّ عنه هو التصديق المبنيّ على حُسن الظنّ بصحفهم، والتكذيب المبنيّ على غير حجة، فلو قامت حجة صحيحة وجب العمل بها. قال: (وروى البخاري ... عن ابن عباس أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على رسول الله أحدث الكتب تقرؤونه محضًا لم يُشَبْ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا كتابَ الله وغيروه الخ). أقول: هذا مِن قول ابن عباس، وقد علمنا أنه كان يسمع ممن أسلم من أهل الكتاب، وقد رُوي أنه سأل بعضهم، وأبو ريَّة يُسْرِف في هذا حتى يرمي ابنَ عباس بأنه (تلميذ لكعب)، وبالتدبُّر يظهر مقصوده، ففي بقية عبارته: «لا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم» فدلّ هذا أن كلامه في أهل الكتاب الذين لم يُسْلموا، فأما الذي أسلموا فعَمَل ابن عباس يقتضي أنه لا بأس للعالم المحقق ــ مثله ــ أن يسأل أحدهم. قال ص ١٢٥: (وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يَهدوكم وقد ضلوا. إما أن تكذِّبوا بحق أو تصدّقوا بباطل»). أقول: في سنده نظر (١)، فإن صحّ فقد تقدَّم معناه في حديث جابر وأثر ابن عباس (٢).

стр. 212

قال: (ولكن ما لبث الأمر أن انقلب بعد أن اغترَّ بعض المسلمين بمن أسلم من أحبار اليهود خدعة (؟) فظهرت أحاديثُ رفعوها إلى النبيّ تبيح الأخذ وتنسخ ما نهى عنه، فقد روى أبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما: أن رسول الله ﷺ قال: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»). أقول: صحَّ هذا من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عَمرو وأبي سعيد الخدري، وليس بمخالف لما تقدم، كيف والحجة مما تقدم إنما هي في حديث أبي هريرة، فأما حديث جابر فلم يصح، وأثر ابن عباس مِنْ قوله، وقد بيَّنه سياقُه وفِعْلُه، وأثر ابن مسعود ــ إن صحّ ــ فقد تقدم حمله، ولو كان مخالفًا لكان رأي صحابيّ قد خالفه غيره، فالحجة في حديث أبي هريرة فقط، وهو بيِّن في الإذن بالسماع والاستماع، ولم ينه إلا عن التصديق أو التكذيب بلا حجة. والرواية إما في معنى السماع والاستماع، فيدلّ الحديث على الإذن فيها، وإما مسكوتٌ عنها، فتبيّن أن حديث: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (١) غير مخالف لحجة، ولو كان مخالفًا فأيُّما أولى أن يؤخذ به؟ أدلةُ المنع قد عرفتَ حالها، أما أدلة الجواز فصنيع القرآن والسنن الثابتة، وحديثٌ صحيح صريح يرويه جماعة من الصحابة، وعَمَل عمر وعثمان وجماعة من الصحابة. قال: (وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو من تلاميذ كعب الأحبار). أقول: لم يتعلّما من كعب شيئًا وإنما سمعا منه شيئًا من الحكايات ظنَّا أو جوَّزا صحتها فنقلاها، والذي يصح عنهما من ذلك شيء يسير. وكأنَّ أبا ريَّة يريد أنهما لمّا سَمِعا من كعب أحبَّا أن يرويا عنه، فخافا أن ينكر الناسُ عليهما، فافتريا ــ والعياذ بالله ــ على النبيّ ﷺ ذاك الحديث يدفعان به إنكار

стр. 213

الناس، وساعدهما على ذلك غيرهما من الصحابة كأبي سعيد الخدري. كأنَّ أصحابَ محمد ﷺ جماعة من اللصوص لا يَزَعهم دين ولا حياء، وكأنَّ صُحبتهم له ومجالستهم، وحفظهم للقرآن والسنن، ومحافظتهم على الطاعة طول عمرهم لم تُفِدْهم في دينهم وأخلاقهم شيئًا بل زادتهم وبالًا، فقد كانوا في جاهليتهم يتحاشَون من الكذب. ولا ريب أنَّ مِثْل هذا لا يقوله مسلم عاقل يعرف محمدًا ﷺ ويؤمن بالقرآن وما فيه من الثناء البالغ على الصحابة، ويعرفُ الصحابةَ أنفسَهم. ولو أريد من ثلاثة معروفين من أصحاب السيد رشيد رضا أن يتَّفقوا على الكذب عليه لغرضٍ من الأغراض لعزَّ ذلك، مع الفارق العظيم بين هذا وذاك من وجوه عديدة. هذا، وسبيل المؤمنين الذي جرى عليه العمل في حياة النبيّ ﷺ وفي عهد أصحابه: قبول خبر الصحابي الواحد، فإن عَرَض احتمال خطأ أو نحوه (١) فقام صحابيّ آخر فأخبر بمثل ذاك لم يبق إلا القبول، كما يروى في خبر محمد بن مَسْلمة بمثل ما أخبر به المغيرة في ميراث الجدّة فأمضاه أبو بكر، وكشهادة أبي هريرة لحسَّان بإنشاده الشعر في المسجد في حياة النبيّ ﷺ فأقرَّه عمر، وكخبر أبي سعيد الخدري بمثل خبر أبي موسى في الاستئذان فاطمأنّ إليه عمر، وقد قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. قال أبو ريَّة: (وقد جاءت الأخبار بأن الثاني وهو عبد الله بن عمرو بن العاص أصاب يوم اليرموك زاملتين من علوم أهل الكتاب، فكان يحدّث منهما بأشياء كثيرة من

стр. 214

الإسرائيليات، وقد قال فيهما الحافظ ابن كثير: إن منها المعروف والمشهور، والمنكور والمردود). أقول: هو نفسه ﵁ لم يكن يثق بها، ولهذا كان يسمِّي صحيفته عن النبيّ ﷺ «الصادقة» تمييزًا لها على تلك الصحف، وإنما كان يحكي من تلك الصحف ما قام دليلٌ على صِدقه، كصفة النبيّ ﷺ ، أو كان محتملًا فيحكيه على الاحتمال. [ص ٨٩] قال: (رواية بعض الصحابة عن أحبار اليهود . كان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدقوهم فيما يقولون، ويروون عنهم ما يفترون). أقول: إن أراد بالتصديق أن كعبًا ــ مثلًا ــ كان إذا قال: إني أجد في التوارة كيت وكيت، صدَّقوه في أنّ ذلك في التوراة التي بأيدي أهل الكتاب حينئذ، وقد عرفوا أنّ فيها كثيرًا من التحريف والتبديل، فهذا محتمل؛ لأن كعبًا أسلم ثم تعلَّم الإسلام وبقي محافظًا على الإسلام مجتنبًا للكبائر متمسِّكًا بالعبادة والتقوى، فكان عدلًا عندهم فيما يظهر، فعاملوه بحسب ذلك، وهذا هو الحق عليهم. وإن أراد بالتصديق أن كعبًا ــ مثلًا ــ كان لو قال: إنّ مِن صفة الله تعالى كذا، لاعتقدوا ــ بناء على قوله أو صُحُفه ــ أن تلك صفة الله تعالى حقًّا، فهذا كذب عليهم (راجع ص ٦٨) (١) أما أنّ مسلمي أهل الكتاب كانوا يفترون، فهذه دعوى يُعْرَف حالها مما مرَّ ويأتي. قال: (وقد نصَّ رجال الحديث في كتبهم أن العبادلة الثلاثة وأبا هريرة ومعاوية وأنس وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار وإخوانه).

стр. 215

أقول: أما الرواية عن كعب فقد ذُكِرَت لهؤلاء ولعمر ولعلي ولابن مسعود كما في «فتح المغيث» للسخاوي (ص ٤٠٥) (١). وعادةُ أهل الحديث أن يقولوا: «روى عن فلان، روى عنه فلان» ولو لم يكن المروي إلا حكاية واحدة، وهذا هو الحال هنا تقريبًا، فإنك لا تجد لهؤلاء عن كعب إلا الحرف والحرفين ونحوها، وكثير من ذلك يأتي ذِكْر كعب فيه عَرَضًا، راجع (ص ٦٩) (٢). وأما روايتهم عن إخوانه، فمن هم؟ راجع (ص ٧٠) (٣). قال ص ١٢٦: (وكان أبو هريرة الخ). أقول: ستأتي ترجمة أبي هريرة ﵁، وتُعْلَم براءته (٤). قال: (وقد استطاع أن يدسّ من الخرافات والأوهام والأكاذيب في الدين ما امتلأت به كتبُ التفسير والحديث والتاريخ فشوَّهتْها وأدخلت الشك إليها). أقول: إنما كان كعب يخبر عن صحف أهل الكتاب، وقد عرف المسلمون قاطبةً أنها مغيَّرة مبدَّلة، فكلّ ما نُسِب إليه في الكتب فحكمه حكم تلك الصحف، فإن كان بعضُ الآخذين عنه ربما يحكي قوله ولا يسمِّيه، فغايته أن يُعَدَّ قولًا للحاكي نفسه وقوله غير حجة، وما جاوز هذا من شطحات أبي ريَّة زيَّفته في غير هذا الموضع. (راجع ص ٧٣) (٥). قال: (تكذيب الصحابة لكعب ... نهى عمر كعبًا عن التحديث ... وقال له: لتتركن الحديث [عن الأُوَل] أو لألحقنك بأرض القِرَدة).

стр. 216

أقول: مرَّ ما فيه (ص ٧٤) (١) وقد أسقط أبو ريَّة هنا كلمة: «عن الأُوَل» لحاجة في نفس إبليس (٢) سيأتي شرحها في الكلام على (ص ١٦٣) (٣). قال: (وكان علي يقول: إنه لكذّاب». أقول: لم يَعْزُ أبو ريَّة هذا إلى كتاب، ولا عثرتُ عليه، ولو كان له أصل لذُكِر في ترجمة كعب من كتب الجرح والتعديل. [ص ٩٠] وذَكَر عن معاوية أنه (ذكر كعبًا فقال: إنه من أصدق هؤلاء المحدِّثين عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب). وعلَّق على كلمة (أصدق) أن في رواية «أمثل» وإنما وقع بلفظ (أمثل) في عبارة نَقَلها ص ١٢٨ عن «اقتضاء الصراط المستقيم» (٤)، وعلَّق هناك: أنها هي الرواية الصحيحة، أما رواية «أصدق» فيبدو أنها محرَّفة. كذا يجازف هذا المسكين! وصاحب «الاقتضاء» يورد في مؤلّفاته الأحايثَ من حفظه، وإنما الرواية «أصدق» كما في «صحيح البخاري» (٥) وغيره. هذا وقد بيَّن أهل العلم أن مقصود معاوية بالكذب: الخطأ. راجع «فتح الباري» (١٣: ٢٨٢) (٦) و «تهذيب التهذيب» (٧). والسياق يوضّح

стр. 217

ذلك، فالكلام إنما هو في التحديث عن أهل الكتاب، أي عن كتبهم، ولم يكن معاوية ينظر في كتبهم، وإنما كان كعب وغيره يحكون تنبؤات عما يُستقبل من الأمور فيعلم الصدق أو الكذب بوقوعها وعدمه. والظاهر أنه كان عند كعب صحف فيها تنبؤات مجملة، وكانت له مهارة خاصة في تفسيرها، وبذلك كان أكثر صوابًا من غيره. ومن أعجب ما جاء في ذلك ما جرى له مع ابن الزبير (١). والذي يصح عنه من ذلك قليل، غير أن الوضَّاعين بعده استغلّوا شهرته بذلك فكذبوا عليه كثيرًا لأغراضهم، وكان الكذب عليه أيسر عليهم من الكذب على النبيّ ﷺ . قال: (قصة الصخرة بين عمر وكعب الخ). أقول: قد تقدّم النظر فيها (ص ٧٥) (٢). قال ص ١٢٧: ( ... روى بعضهم عن كعب الأحبار أنه ذَكَر عند عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير حاضر: أن الله قال للصخرة: أنتِ عرشي الأدنى). أقول: واضع هذا جاهل، فإن قوله: «عند عبد الملك بن مروان» يعني في خلافته، وإنما ولي سنة ٦٥ بعد وفاة كعب ببضع وثلاثين سنة.

стр. 218

قال ص ١٢٨: (وفي «مرآة الزمان» لسِبْط ابن الجوزي: ... وكان ــ أي عمر ــ يضربه بالدِّرّة ويقول له: دعنا من يهوديتك). أقول: لم يسند السِّبْط هذه الحكاية، وهو معروف بالمجازفة (١). قال: (الإسرائيليات في فضل بيت المقدس) . ذكر أخبارًا عن كعب منها: خبر «أنت عرشي الأدنى» المارّ قريبًا، ونسبها إلى بعض كتب الأدب، وقد قال هو نفسه ص ١٢٩: (بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى) وإنما [ص ٩١] بُنيت قُبَّة الصخرة بعد وفاة كعب ببضع وثلاثين سنة. وفي كتاب «فضائل الشام» للربعي سبع عشرة حكاية عن كعب قال فيها مُخرِّجه الشيخ ناصر الدين الأرناؤوط: «كل الأسانيد لا تصح» (٢). وفي هذا تصديق لما قلته مرارًا: إنّ غالب ما يُروى عن كعب مكذوب عليه. وبعد، فلو صحّ شيء من ذلك فإنما كان كعب يخبر عن صحف اليهود، ومعقول أن يكون فيها أمثال ذلك. قال: (وعن أبي هريرة الخ). أقول: هذا كذب مفترى على أبي هريرة ﵁، وقد قال أبو ريَّة ص ١٢٩: (بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث الخ) وإنما بُنيت بعد وفاة أبي هريرة بعدَّة سنين. وقوله: (تلميذ كعب الأحبار) كلمة يطلقها ظالمًا على أبي هريرة وابن عباس وابن عمرو وغيرهم من الصحابة الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩].

стр. 219

قال ص ١٢٩: (وفي حديث: أن الطائفة من أمته .... إنهم في بيت المقدس وأكنافه). أقول: روي هذا من حديث أبي أمامة بسند ضعيف (١). وعلى فرض صحته فليس المراد أنهم هناك دائمًا، كيف ولم يكن هناك في عهد النبيّ ﷺ أحدٌ من المسلمين، وإنما المعنى أنهم يكونون هناك في آخر الزمان حين يأتي أمر الله. وقال: (ما قيل في المسجد الأقصى: كانت الأحاديث الصحيحة أول الأمر في فضل المسجد الحرام ومسجد رسول الله، ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها و فضل المسجد الأقصى) . أقول: أما الصخرة فنعم لا يثبت في فضلها نص، وأما المسجد ففضله ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال: (وقد روى أبو هريرة [مرفوعًا]: لا تشدّ الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد الخ). أقول: الحديث ثابت في «الصحيحين» وغيرهما من حديث أبي هريرة (٢)، وأبي سعيد الخُدري (٣)، و [أبي] (٤) بَصْرة الغِفاري (٥)، وجاء من حديث ابن عمر (٦) ﵃.

стр. 220

وذَكَر قولَ ميمونة لامرأة نذرت أن تصلي في بيت المقدس: اجلسي وصلي في مسجد رسول الله، فإني سمعت رسول الله يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة» (١). قال أبو ريَّة: (ولو أن المسجد الأقصى كان قد ورد فيه تلك الأحاديث لما منعت ميمونة هذه المرأة من أن توفي نذرها). [ص ٩٢] أقول: رأت ميمونةُ أنَّ الصلاة في مسجد المدينة أفضل، فلم تر فائدة لسفر وعناء لأجل صلاة يمكن أداء أفضل منها بدونهما. وهذا لا ينفي أن يكون للمسجد الأقصى فضل في الجملة كما هو ثابت، وأن يكون للصلاة فيه فضل دون فضل الصلاة في مسجد المدينة. وهذا واضح. قال ص ١٣٠: (اليد اليهودية في تفضيل الشام: ... إن الشام ما كان لينال من الإشادة بذكره والثناء عليه إلا لقيام دولة بني أمية فيه ... فكان جديرًا بكهنة اليهود أن ينتهزوا هذه الفرصة ... وكان من هذه الأكاذيب أن بالغوا في مدح الشام ... ). أقول: أما فضل الشام فقد ثبت بكتاب الله كما مرَّ (ص ٦٥) (٢)، والعقل يتقبَّل ذلك لأنها كانت منشأ غالب الأنبياء والمرسلين، كما يتقبل أن ينوِّه النبيّ ﷺ بفضلها تبيانًا للواقع وترغيبًا للمسلمين في فتحها والرباط فيها. أما الأخبار الكثيرة الواهية في فضل الشام وبيت المقدس والصخرة فالنّظَرُ في أسانيدها يبيّن أنها إنما اختُلِقت بعد كعب بزمان لأغراض أخرى غير اليهودية.

стр. 221

قال: (مرَّ بك ذَرْوٌ مما قال هؤلاء الكهنة في أن ملك النبيّ سيكون بالشام). أقول: جاء هذا عن كعب، فإن صحّ فالظاهر أنه كذلك كان في صحف أهل الكتاب، فقد أثبت القرآن ذِكْر النبيّ ﷺ فيها، ومن أبرز الأمور في شأنه ظهور مُلك أصحابه بالشام. وراجع (ص ٧١) (١). قال: (وأن معاوية قد زعم الخ). أقول: هذا باطل. راجع (ص ٦٤) (٢). قال ص ١٣١: (في الصحيحين: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرّهم مَنْ خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». ثم قال: «روى البخاري: هم بالشام). أقول: الذي في «صحيح البخاري» (٣) ذِكْر الحديث من طريق عُمير عن معاوية مرفوعًا ثم قال: «قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال معاذ: وهم بالشام». وليس لمالك بن يَخَامر في الصحيح سوى هذا، وجَعَله من قول معاذ فيما يظهر لا من الحديث، والواو فيه هي واو الحال، أي أنه يأتي أمر الله وهم بالشام، وإتيانُ أمر الله يكون آخر الزمان، وليس المراد أنهم يكونون دائمًا بالشام، كيف ولم يكن بها في عهد النبيّ ﷺ . والبخاري يحمل «الطائفة» على أهل العلم (٤)، ومعلوم أنّ معظمهم لم يكونوا بالشام في

стр. 222

عصره ولا قبله. [ص ٩٣] قال: (وفي مسلم عن أبي هريرة أن النبيّ قال: لا يزال أهل الغرب ظاهرين [على الحق] حتى تقوم الساعة). أقول: إنما هو في «صحيح مسلم» (١) عن سعد بن أبي وقاص، وليس عن أبي هريرة. والظاهر أن أبا ريَّة تعمَّد خلاف الواقع. ولا أدري لماذا أسْقَط «على الحق»؟ ! قال: (قال أحمد وغيره: هم أهل الشام). أقول: قد قيل وقيل، وأقرب الأقوال أن المراد بالغرب الحِدَّة والشوكة في الجهاد، ففي حديث جابر بن سمرة: «لا يزال هذا الدين قائمًا تقاتل عليه عصابة الخ» (٢). وفي حديث جابر بن عبد الله: « ... طائفة من أمتي يقاتلون» (٣) ونحوه في حديث معاوية، وحديث عقبة بن عامر (٤). أما ما يحكى أن بعضهم قال «المغرب» فخطأ محض (٥). قال: (وفي «كشف الخفا» الخ). أقول: قد تقدَّم (٦) أنّ كعبًا توفي وسط خلافة عثمان، وأنه لم يصح عنه ما نُسِب إليه في «فضائل الشام» شيء.

стр. 223

قال: (ومن أحاديث «الجامع الصغير» للسيوطي التي أشير عليها بالصحة). أقول: ليست تلك الإشارة معتمدة دائمًا. وذكر حديث: «الشام صفوة الله ... الخ» (١)، وهو في «المستدرك» (٤: ٥٠٩) قال الحاكم: «صحيح الإسناد»، تعقَّبه الذهبيّ فقال: «كلّا وعُفير هالك» يعني أحد رجال سنده. وذكر حديث: «طوبى للشام ... الخ» وهذا جاء من حديث زيد بن ثابت (٢)، وصحّحه الحاكم وغيره من المتأخرين، وفي صحته نظر. وذكر حديث: «ليبعثنَّ الله من مدينة الشام الخ» (٣) وهذا رُوي من حديث عمر، وفي سنده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، ضعيف مختلط. وقال في حاشية ص ١٣٢: (هذا هو الحديث الصحيح الخ).

стр. 224

أقول: راجع (ص ٨٦) (١). وذكر ص ١٣٤ فصلًا لصاحب «المنار» في الحطِّ على كعب ووهب، وقد تقدم ما يكفي (٢). وفيه ص ١٣٥: ( ... فمن المعتاد المعهود من طباع البشر أن يصدّقوا كل خبر لا يظهر لهم دليل على تهمة قائله فيه ولا بطلانه في نفسه، فإذا صدَّق بعض الصحابة كعب الأحبار في بعض مفترياته التي كان يوهمهم [ص ٩٤] أنه أخذها من التوراة أو من غيرها من كتب أنبياء بني إسرائيل وهو من أحبارهم أو في غير ذلك، فلا يستلزم هذا إساءة الظن بهم (٣)). أقول: أما من أسلم من أهل الكتاب وظهر حُسْنُ إسلامه وصلاحُه، فأخبر عن صحف أهل الكتاب بشيء، فلا إشكال في تصديق بعض الصحابة له في ذلك، بمعنى ظنّ أن معنى ذاك الخبر موجود في صحف أهل الكتاب، وإنما المدفوع تصديق الصحابة ما في صحف أهل الكتاب حينئذٍ، مع علمهم بأنها قد غُيّرت وبُدّلت، وقول النبيّ ﷺ : «لا تصدِّقوا أهلَ الكتاب ولا تكذّبوهم» (٤). وقد مرَّ كلام ابن عباس وغيره في ذلك (راجع ص ٦٨ و ٨٩) (٥) فالحقّ أنهم لم يكونوا يصدّقونها إلا أن يوجد دليل على صدقها، وذلك كخبر عبد الله بن عمرو عن صفة النبيّ ﷺ في التوراة، ولذلك أقسم

стр. 225

عليه (راجع ص ٧١) (١)، فأما ماعدا ذلك فغاية الأمر أنهم إذا وجدوا الخبر لا يدفعه العقلُ ولا الشرعُ ولا هو من مظِنّة اختلاق أهل الكتاب وتحريفهم أَنِسُوا به، فإن كان مع ذلك مناسبًا في الجملة لآيةٍ من القرآن أو حديث عن النبيّ ﷺ مالوا إلى تصديقه. وإخبار الإنسان عما يعلم السامعون أنه لم يدركه لا يعطي أنه جازم بتصديقه، لأنَّ مثل هذا الخبر كالمتضمّن لقوله: «بلغني ... ». قال أبو ريَّة ص ١٣٧: (الكيد السياسي الخ). ثم ذكر قصة عبد الله بن سبأ، وقد نقدها الدكتور طه حسين في «الفتنة الكبرى» (٢) فأجاد. وقال ص ١٣٨: (وقد وضع كعب يده في يد ابن سبأ الخ). أقول: هذا تخيُّل صِرْف. قال: (فقد روى وكيع عن الأعمش عن أبي صالح الخ). أقول: يُنظر السند إلى وكيع (٣)، والأعمشُ مدلّس، وأبو صالح لم يتبيّن إدراكه للقصة. ولو صحت لَمَا دلَّت إلا على أحد أمرين: إما أن كعبًا وجد ذلك في صُحُفِه، كما يشهد له ما أخبر به ابن الزبير (٤)، وإما أنه كان عميق النظر وبعيده.

стр. 226

قال ص ١٣٩: (وصفوة القول في هؤلاء اليهود الخ). أقول: الكيد اليهودي المحقَّق كيد جولدزيهر وإخوانه المستشرقين المحاولين تصوير الصحابة في صورة مغفَّلين خرافيين يتلاعب بهم (١) كعب، وأبو ريَّة ممن سقط فريسة لهذا الكيد، ثم عاد فارسًا من فرسانه! * * * *

стр. 227

المسيحيات [ص ٩٥] وذكر ص ١٤٠: (المسيحيات في الحديث الخ). وذكر تميمًا الداريَّ ﵁ فافترى عليه، وعلّق في الحاشية أن تحوّله إلى الشام بعد قتل عثمان كان لتمكين الفتنة، والناس يعرفون أنه إنما أتاها لأنها وطنه. وذكر ص ١٤١ حديث الجسّاسة، وكلام صاحب «المنار» (١) فيه وقوله: (النبي ﷺ ما كان يعلم الغيب ... وكثيرًا ما صَدَّق المنافقين والكفار الخ). أقول: قد مرّ (ص ١٩) (٢) أنه لم يثبت أن النبيّ ﷺ صدَّق كاذبًا، وإنما كان إذا احتمل عنده خبر إنسان أن يكون صدقًا وأن يكون كذبًا يبني على احتمال صِدْقه ما لا يرى ببنائه عليه بأسًا. والفرق بين القضايا التي تقدمت هناك وبين خبر الجسَّاسة عظيم جدًّا. والأحاديث الثابتة في شأن الدجّال كثيرة، ويُعلم منها أن كثيرًا من شأنه خارج عن العادة. وكما أن الملائكة قد يأذن الله لهم فيتمثَّلون بشرًا يراهم من حَضَر، ثبت ذلك بالقرآن في قصة الملائكة مع إبراهيم ومع لوط، وفي تمثّل المَلَك لمريم وغير ذلك، وثبت في السنة في عدة أحاديث، فكذلك قد يأذن الله تعالى للشياطين ــ لحكمة خاصة ــ فيتمثلون في صور يراها مَنْ حَضَر. فأما الجسّاسة فشيطان، وأما الدجّال فقد قال بعضهم: إنه شيطان، وعلى هذا فلا إشكال. كشف الله تعالى لتميم وأصحابه فرأوا الدجال

стр. 228

وجساسته وخاطبوهما، ثم عاد حالهما إلى طبيعة الشياطين من الاستتار. وإن كان الدجال إنسانًا فلا أرى ذاك إلا شيطانًا مثل في صورة الدجال؛ لأن النبيّ ﷺ قال في أواخر حياته: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» (١). انظر «فتح الباري» (٢: ٦١) (٢). والحكمة في كشف الله تعالى لتميم وأصحابه عما كشف لهم عنه أن يخبروا بذلك فيكون موافقًا لما كان النبيّ ﷺ يخبر به، فيزداد المسلمون وثوقًا به. وهذا بيِّن في الحديث؛ إذ قال النبيّ ﷺ بعد ذكره لتميم: «وحدثني حديثًا وافق الذي كنتُ أحدثكم عن مسيح الدجال» ثم قال: «ألا هل كنتُ حدَّثتكم ذلك؟» فقال الناس: نعم. فقال: «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة». وقال ص ١٤٤: (ومن المسيحيات في الحديث: ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن [ص ٩٦] في الحجاب. وفي رواية .... إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا، غير مريم وابنها ... ». ثم قال: «وفِقْهُ هذا الحديث الذي سمعه الصحابي الجليل ... حتى الرسل نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وعلى جميع النبيين. فانظر واعجب). أقول: أما المؤمن فيعجب من جرأة أبي ريَّة وتحكّمه بجهله على ربّ العالمين أحكم الحاكمين عالم الغيب والشهادة. إن هؤلاء الرسل نُبِّئوا بعد أن بَلَغَ كلٌّ منهم أربعين سنة، وقد آتى الله تعالى يحيى وعيسى النبوّة في

стр. 229

صباهما، وقال الله تعالى في مريم وعيسى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٣] هل يجحد أبو ريَّة هذا؟ أم يجحد قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٧٦] الآيات؟ وقول الله تعالى لخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ونحوها من الآيات؟ أما المؤمنون فيؤمنون بهذا كله، ويؤمنون بأنبياء الله كلهم، لا يفرِّقون بين أحد منهم ولا يخوضون في المفاضلة بينهم اتباعًا للهوى. وأرجو أن لا يكون من ذلك ما يلجئ إليه مقتضى الحال هنا مما يأتي. إن الفضل الذي يعتدّ به كمالًا تامًّا للإنسان هو ما كان بسعيه واجتهاده، ومن هنا كان فضل الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام. أما طعن الشيطان بيده فليس مِن شأنه أن يُثاب العبد على سلامته منه ولا أن يعاقَب على وقوعه له، بل إن كان من شأنه أن يورث في نفس الإنسان استعدادًا ما لوسوسته، فالذي يناله ذلك ثم يجاهد بسعيه ويخالف الشيطان ويتغلَّب علىه أَوْلى بالفضل ممن لم يَنَلْه. ثم ذهب ــ قاتله الله ــ يسخر من حديث شقّ صدره ﷺ ، قال: (ولم يقفوا

стр. 230

عند ذلك [ص ٩٧] بل كان من رواياتهم أن النبيّ لم ينج من نخسة الشيطان إلا بعد أن نفذت إلى قلبه، وكان ذلك بعملية جراحية ... وكأن العملية الأولى لم تنجح فأعيد شقّ صدره ... ). أقول: لم يكن شقّ الصدر لإزالة أثر النّخْسَة كما زعم، وإنما كان لتطهير القلب من شيء يخلق لكلّ إنسان بمقتضى أنه خُلِق ليبتلى. أما تكراره فقد أنكره بعضهم كما في «الفتح» (١) حملًا لما ورد من ذلك على خطأ بعض الرواة. وفي «صحيح مسلم» (٢) ذِكْر وقوعه في الطفولة وعند الإسراء، وقال في الأول: «أتاه جبريل ... فاستخرج منه عَلَقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله ... ». وقال في حديث الإسراء: «فنزل جبريل ففتح صدري ثم غسله ... ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغها في صدري». فليس في الثاني ذِكْر إخراج القلب ولا إخراج عَلَقة منه، ولا ذكر حظ الشيطان، وإنما فيه ذكر الصدر وزيادة ذكر إفراغ الحكمة والإيمان فيه، فتبيَّن أن المقصود ثانيًا غير المقصود أولًا، وأن كلًّا من المقصودَيْنِ مناسب لوقت وقوعه. وفي «الفتح» (٣): «قال ابن أبي جمرة: الحكمة في شقّ قلبه مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانًا وحكمة بدون شق: الزيادة في قوَّة اليقين، لأنه أُعطي برؤية شقّ بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمِنَ معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وُصِف بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]».

стр. 231

أقول: وحكمة عالم الغيب والشهادة أدقُّ وأخفى من أن يحيط بها البشر. قال أبو ريَّة ص ١٤٦: (وإن هذه العملية الجراحية لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح ﵇، وهو لم يرتكب ذنبًا يستوجب هذا الصلب، وإنما ذكروا ذلك ليغفر الله خطيئة آدم ... ). أقول: شقُّ الصدر لم يؤلمه ﷺ البتة، وليس هو لتكفير ذنبه ولا ذنب غيره، فأين هو ــ قاتلك الله ــ من خرافة الصَّلْب؟ قال: (ولئن قال المسلمون ... ولم لا يغفر الله لآدم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية ... ، قيل لهم: ولِم لم يخلق الله قلب رسوله الذي اصطفاه كما خلق قلوب إخوانه المرسلين؟ ). أقول: أما المسلمون فلا يقولون ما زعمتَ، وإنما يقولون: كيف يذنب آدم وهو عبد من عبيد الله فيعاقب الله عيسى، وهو عند زاعمي ذلك «ابن الله الوحيد» بتلك العقوبة القاسية التي تألّم [ص ٩٨] لها عيسى بزعمهم أبلغ الألم، وصرخ بأعلى صوته: «إيلي إيلي، لِمَ شبقتني» أي: إلهي إلهي لِمَ تركتني؟ ثم من أين علمتَ أن قلوب سائر المرسلين لم تُخلق كما خُلق قلب محمد؟ فقد تكون خُلِقت سواء وخُصَّ محمد بهذا التطهير أو طهرت أيضًا بهذه الوسيلة أو غيرها ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وعلَّق ص ١٤٤ بحكاية شيء من هَذَر القسوس، وفيما تقدم كفاية. وقال ص ١٤٧: (ولا أدري والله أين ذهبوا مما جاء في سورة الحجر الخ).

стр. 232

أقول: فأين يذهب أبو ريَّة من تَدْلية الشيطان لآدم إلى أن كان ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] ومِن قول موسى بعد قتله القبطي: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٥ - ١٦]، ومن قول أيوب: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [? ص: ٤١]، وقول الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠١]. أما آية الحجر فعلى المشهور أن المراد بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ [الحجر: ٤٢] عباده المخلصون خاصة، فقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] معناه والله أعلم: لن تُسَلَّط على إغوائهم الإغواء اللازم، لأن الكلام فيه لتقدم قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [? ص: ٨٢] وهذا لا ينافي أن يُسلَّط على بعضهم لإغواء عارض، أو لإلحاق ضرر لا يضر الدين. ثم ذكر ص ١٤٧ ــ عن الرازي وغيره ــ: أن الخبر على خلاف الدليل لوجوه (أحدها: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر، والصبي ليس كذلك). أقول: ومن قال: إنّ النخسة دعاء إلى الشر؟ بل إن كانت للإيلام فقط فذلك من خُبْث الشيطان، مُكِّنَ منها كما مُكِّن مما أصاب أيوب، وكما يمكَّن الكفار من قتل المسلمين ــ حتى الأنبياء ــ وذبح أطفالهم. وإن كانت لإحداث أمرٍ مِن شأنه أن يورث القلب قبولًا ما للوسوسة بعد الكِبَر، فهذا لا يستدعي معرفة الخير والشر في الحال، والتمكين من هذا كالتمكين من الوسوسة والتزيين، وذلك من تمام أصل الابتلاء.

стр. 233

[ص ٩٩] قال: (الثاني: أن الشيطان لو تمكَّن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم). أقول: من أين يلزم من التمكّن مِن حَمْل رجل، التمكّن مِن حمل جبل؟ والشيطان لا يتمكَّن إلا إن مكَّنه الله تعالى، فإذا مكَّنه الله تعالى من أمر خاص فمن أين يلزم تمكّنه من غيره؟ قال: (والثالث: لِمَ خُصَّ بهذا الاستثناء مريم وعيسى ... )؟ أقول: قد تقدَّم الجواب عن هذا (١). قال: (الرابع: أن ذلك النخس لو وُجِد لبقي أثره، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء). أقول: أرأيت إذا عركت أذن الطفل فأَلِمَ وبكى، أيستمر الألم والبكاء؟ ثم ذكر عن الشيخ محمد عبده كلامًا فيه: (فهو من الأخبار الظنية لأنها من رواية الآحاد، ولما كان موضوعها عالم الغيب، والإيمانُ بالغيب من قسم العقائد، وهي لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] كنا غير مكلفين الإيمان بمضمون تلك الأحاديث في عقائدنا). أقول: لا نزاع أن الدليل الظنيّ لا يوجب الإيمان القاطع، لكنه يوجب التصديق الظنيّ، وكيف لا وظنّ ثبوت الدليل يوجب ضرورةً ظنّ ثبوت المدلول. أما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] فلي فيه بحثٌ طويل حاصله (٢): أن تدبُّر مواقع «يغني» في القرآن وغيره، وتدبّر

стр. 234

سياق الآية؛ يقضي بأن المعنى: إنّ الظن لا يدفع شيئًا من الحقّ، وبعبارة أهل الأصول: الظني لا يُعارِضُ القطعي (١). قال ص ١٤٨: (ابن جريج الخ). أقول: راجع (ص ٦٨) (٢). ثم قال: (ومن شاء أن يستزيد من معرفة الإسرائيليات والمسيحيات وغيرها في الدين الإسلامي فليرجع إلى التفسير والحديث والتاريخ، وإلى كتب المستشرقين أمثال جولد زيهر وفون كريمر وغيرهما). أقول: هذا موضع المثل: «صَدَقَني سِنَّ (٣) بَكْرِه». وقوله: (في الدين الإسلامي) لها مغزاها، فأبو ريَّة ــ كما تعطيه هذه الكلمة والله أعلم ــ يرى في القرآن نحو ما جَهَر به في الحديث، وتقديمه لجولد زيهر اليهودي يؤيد ما قدمته (ص ٩٤) (٤)، وكُتُب جولد زيهر في الطعن في الإسلام والقرآن والنبي ﷺ معروفة (٥)، وقد أحالك أبو ريَّة عليها، والله المستعان.

стр. 235

[ص ١٠٠] أبو هريرة وقال أبو ريَّة ص ١٥١: (أبو هريرة: لو كانت أحاديث رسول الله كلها من الدين العام كالقرآن لا يقوم إلا عليها ولا يؤخذ إلا منها، وأنه يجب على كلّ مسلم أن يعرفها ويتبع ما فيها، وكان النبيّ ﷺ قد أمر أصحابه أن يحفظوا هذه الأحاديث لكي تؤثر بعده، لكان أكثر الصحابة رواية لها أعلاهم درجة في الدين ... ). أقول: قدمنا الكلام في نظرية: «دين عام ودين خاص» (ص ١٤ - ١٧)، و (ص ٣١ - ٣٥) (١). ولم يوجب الله تعالى على كلّ مسلم معرفة القرآن نفسه سوى الفاتحة لوجوبها في الصلاة. وأمّا الاتباع: فطريقته أن العلماء يعرفون ويجتهدون، والعامة تسألهم عند الحاجة، فيفتونهم بما علموا من الكتاب والسنة. وكان الصحابة مأمورين بأن يبلِّغ كلٌّ منهم عند الحاجة ما حفظه، والذين حفظوا القرآن كلَّه في عهد النبيّ ﷺ ليسوا مِنْ أكابر الصحابة، وقد مات أبو بكر وعمر قبل أن يستوفي كلٌّ منهما القرآنَ حفظًا (٢). وكان هناك عملان: الأول: التلقي من النبيّ ﷺ ، الثاني: الأداء، فأما التلقّي فلم يكن في وُسع الصحابة أن يلازموا النبيّ ﷺ ملازمةً مستمرَّة، وإذ كان أنس وأبو هريرة ملازمين للنبيّ ﷺ لخدمته فلابدّ أن يتلقّيا مِن الأحاديث أكثر مما تلقاه المشتغلون بالتجارة والزراعة. على أن أبا هريرة لحرصه على العلم تلقَّى ممن سبقه إلى الصُّحبة ما عندهم من الأحاديث، فربما رواها عنهم وربما قال فيها: «قال النبيّ ﷺ ... » كما شاركه غيره منهم في مثل هذا الإرسال لكمال وثوق بعضهم ببعض،

стр. 236

وقد ثبت أنه سأل النبيَّ ﷺ عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة فقال: «لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولَ منك لما رأيت من حرصك على الحديث، ... » أخرجه البخاري في «صحيحه» (١)، وتأتي أخبار كثيرة لإثبات هذا المعنى. وأما الأداء فإنما عاش أبو بكر زمن الأداء نحو سنتين مشغولًا بتدبير أمور المسلمين، وعاش عمر مدَّة أبي بكر مشغولًا بالوزارة والتجارة، وبعده مشغولًا بتدبير أمور المسلمين. وفي «المستدرك» (٩٨: ١) (٢): أنَّ معاذ بن جبل أوصى أصحابه أن يطلبوا العلم وسمَّى لهم: أبا الدرداء وسلمان وابن مسعود وعبد الله بن سلام. فقال يزيد بن عَميرة: وعند عمر بن الخطاب؟ فقال معاذ: «لا تسأله عن شيء، فإنه عنك مشغول». وعاش عثمان وعليّ مشغولَيْنِ بالوزارة وغيرها ثم الخلافة [ص ١٠١] ومصارعة الفتن. وكان الراغبون في طلب العلم يتهيَّبون هؤلاء ونظراءهم، ويرون أن جميع الصحابة ثقات أُمناء، فيكتفون بمن دون أولئك، وكان هؤلاء الأكابر يرون أنه لا يتحتَّم عليهم التبليغ إلا عندما تدعو الحاجة، ويرون أنه إذا (٣) جرى العمل على ذلك فلن يضيع شيء من السنة؛ لأن الصحابة كثير، ومدة بقائهم ستطول، وعروض المناسبات التي تدعو الحاجة فيها إلى التبليغ كثير، وفوق ذلك فقد تكفَّل الله بحفظ شريعته، وكانوا مع ذلك

стр. 237

يشدّدون على أنفسهم خشية الغلط، ويرون أنه إذا كان من أحدٍ منهم خطأ وقت وجوب التبليغ فهو معذور قطعًا، بخلاف من حدَّث قبل الحاجة فأخطأ، وكانوا مع ذلك يحبون أن يكفيهم غيرهم، ومع هذا فقد حدَّثوا بأحاديث عديدة، وبلغهم عن بعضهم أنه يكثر من التحديث فلم يزعموا أنه أتى منكرًا، وإنما حُكي عن بعضهم ما يدل أنه يرى الإكثار خلاف الأَوْلَى. فأما زعمُ أبي ريَّة أنهم كانوا (يرغبون عن رواية الحديث وينهون إخوانهم عنها .. ) فقد تقدم تفنيده (ص ٣٠) (١). وذكر أبو ريَّة كثرةَ حديث أبي هريرة وقال ص ١٥٢: (على حين أنه كان من عامة الصحابة، وكان بينهم لا في العير ولا في النفير) وسَيَبْسط هذا ص ١٨٤ وننظر فيه (٢). وقال ص ١٥٢: (الاختلاف في اسمه الخ). أقول: وماذا يضره ذلك؟ إنما المقصود من الاسم المعرفة وقد عُرِف بأبي هريرة، وأصحّ ما قيل في اسمه: عبد الله أو عبد الرحمن، وهو على ما نسبه ابنُ الكلبي وغيره (٣): ابن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبّه بن سعد بن ثعلبة بن سُليم بن فَهْم بن غَنْم بن دوس بن عُدْثان بن عبد الله بن زَهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأَزْد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان الأزدي ثم الدوسي، وأمه: أُميمة بنت صفيح بن الحارث بن سابي بن أبي صعب الخ.

стр. 238

قال ص ١٥٣: (نشأته وأصله ... لم يعرفوا شيئًا عن نشأته ولا عن تاريخه قبل إسلامه غير ما ذكر هو عن نفسه ... : نشأت يتيمًا وهاجرت مسكينًا وكنت أجيرًا لبُسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رِجْلي، فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدوا إذا ركبوا، وكنيت بأبي هريرة بهرَّةٍ صغيرة كنتُ ألعب بها). [ص ١٠٢] أقول: أما أصله فقد تقدم، وهو من قبيلة شريفة كريمة عزيزة. وأما نشأته فما أكثر الصحابة الذين لا تُعرف نشأتهم، حتى من خيارهم وكبارهم. وأما قوله: «نشأتُ يتيمًا الخ» (١) فهذه القصة رُويت من أوجه في إسناد كلٍّ منها مقال، ومجموعها يُثْبت أصلَ القصة، فأما الألفاظ التي تنفرد بها بعض الروايات فلا، وفي «الإصابة» (٢): أن بُسْرة هذه أخت عتبة بن غزوان السلمي. وبلاد دوس بعيدة جدًّا عن بلاد بني سُليم، فيظهر أن أبا هريرة في هجرته إلى النبيّ ﷺ مرَّ ببلاد بني سُليم أو قريبًا منها، فوجد رفقة راحلين نحو المدينة وفيهم بُسْرة هذه، فصحبهم على أن يخدمهم في الطريق ويطعموه ويُعْقِبوه. ولا يدفع هذا ما ثبت عنه في «صحيح البخاري» (٣) مِن قوله: «لما قدمتُ على النبيّ ﷺ قلت في الطريق: يا ليلةً من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نَجَّت قال: وأَبَقَ لي غلام في الطريق، فلما قدمتُ على رسول الله ﷺ فبايعته، فبَيْنَا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال: «يا أبا هريرة هذا غلامك»، فقلتُ: هو حرٌّ

стр. 239

لوجه الله. فأعتقته» انظر «فتح الباري» (٨/ ٧٩) (١) فقد يكون الغلامُ أبقَ منه قبل صحبته للرفقة. وبهذا تبَّين أن في القصة مَنْقَبتَيْنِ له: الأولى: أن إخدامه لنفسه إنما كان ليبلغ إلى النبيّ ﷺ ودار الإسلام. والثانية: أنه مع قلة ذات يده أعتق غلامه، شكرًا لله تعالى على إبلاغه مقصده. وفي القصة عبرة بالغة، فإنه لما أذلَّ نفسَه بخدمة تلك المرأة استعانةً على الهجرة في سبيل الله عوَّضه الله تعالى بأن زوَّجه إياها تخدمه فوق ما خَدَمها. ثم كان على طريقته في التواضع والتحديث بالنعمة والاعتبار مع الميل إلى المزاح يذكر هذه القصة ويشير إلى تكليف امرأته بخدمته على نحو ما كانت تكلِّفه. وقد يكون وقع منه ذلك مرة أو مرتين على سبيل المزاح ومداعبة الأهل وتحقيق العبرة. وقد ثبت عن أبي المتوكل الناجي ــ وهو ثقة ــ: «أن أبا هريرة كانت له أَمَة زنجية قد غمَّتهم بعملها، فرفع عليها السوط يومًا ثم قال: لولا القصاص يوم القيامة لأغشيتك به، ولكني سأبيعك ممن يوفيني ثمنك أحوجَ ما أكونُ إليه (يعني الله اذهبي فأنت حرة لله » انظر «البداية» (١١٢: ٨) (٢). فمَنْ كانت هذه حاله مع أَمةٍ مهينة، فما عسى أن تكون حاله مع امرأته الحرَّة الشريفة؟ ولكن أبا ريَّة ذكر ص ١٨٧ بعض الألفاظ التي انفردت بها بعض الروايات (٣)، ثم راح يسبّ أبا هريرة ﵁ ويرميه بما هو من

стр. 240

أبعد الناس عنه. [ص ١٠٣] وهذا مما يوضِّح أن أبا ريَّة ليس بصدد بحثٍ علمي، إنما صدره محشوٌّ براكين من الغيظ والغِلّ والحقد، يحاول أن يخلق المناسبات للترويح عن نفسه منها، كأنه لا يؤمن بقول الله في أصحاب نبيه: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] ولا يصدّق بدعاء النبيّ ﷺ لأبي هريرة وأُمه: أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين كما في ترجمته في فضائل الصحابة من «صحيح مسلم» (١). وقال ص ١٥٣: (إسلامه. قَدِم أبو هريرة بعد أن تخطَّى الثلاثين من عمره). أقول: كذا زعم الواقدي عن كثير بن زيد عن الوليد بن أبي رياح عن أبي هريرة. والواقدي متروك، وكثير ضعيف، وقد قال الواقدي نفسه: إن أبا هريرة مات سنة ٥٩ وعمره ٧٨ (٢)، ومقتضى هذا أن يكون عمره عند قدومه سنة سبع نحو ست وعشرين سنة، وهذا أشبه. والله أعلم. وفي الصحابة الطُّفيل بن عَمْرو الدوسي، وهو من رهط أبي هريرة بني ثعلبة بن سُليم بن فَهْم، أسلم قبل الهجرة وقصته مطولة في السيرة وغيرها،

стр. 241

وفي ترجمته من «الإصابة» (١): أنه لما عاد بعد إسلامه إلى قومه ــ وذلك قبل الهجرة بمدة ــ دعا قومه إلى الإسلام فلم يجبه إلا أبوه وأبو هريرة. فعلى هذا يكون إسلام أبي هريرة قبل الهجرة، وإنما تأخرت هجرته إلى زمن خيبر. وذكر أبو ريَّة ص ١٥٣ مقاولةَ أبي هريرة وأبان بن سعيد بن العاص وقول أبان: «واعجبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى علينا من قدوم ضأن» وعلَّق في الحاشية (الوبر دابة ... والمعنى أن أبا هريرة ملتصق في قريش، وشبَّهه بما يعلق بوبر الشاة). وهذا من تحقيق أبي ريَّة! وليس أبو هريرة من قريش في شيء لا مُلْصق ولا غير مُلْصق. وقوله: (وشَبَّهه) يقتضي أن الرواية (وَبَر) بالتحريك، ولو كان كذلك لما بقي لقوله: (الوبر دابة .. ) معنى، وعلَّق أيضًا: (ومما يلفت النظر أن النبيّ ﷺ لم يؤاخذ أبانًا بما أغلظ لأبي هريرة) وأقول: ليس ذاك بإغلاظ، مع أنه إنما كان جوابًا ومكافأة. وقال ص ١٥٤: (ولفقره اتخذ سبيله إلى الصُّفَّة، فكان أشهر مَنْ أَمَّها، ثم صار عريفًا لمن كانوا يسكنونها) وعلَّق عليها عن أبي الفداء تعريفًا لأهل الصّفُّة كما توهَّم، وقد عرَّفهم أبو هريرة ﵁ التعريفَ الحقَّ فقال كما في «الصحيحين» وغيرهما (٢): «وأهل الصفة أضياف الإسلام [ص ١٠٤] لا يأوون على أهل ولا مال الخ». وقد قال الله ﵎: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]. كان للأنصار

стр. 242

حوائط يعملون فيها ويأكلون من غلَّتها، وكان كثير من المهاجرين يتاجرون. ومن الواضح أنَّ التجارة في المدينة ــ وهي مَحوطة بالمشركين من كلِّ جانب ــ لم تكن لتتسع للمهاجرين كلهم، فبقي بعضهم بالصُّفَّة، وكان أهل الصُّفة يقومون بفروض عظيمة، منها: تلقِّي القرآن والسنن، فكانت الصُّفة مدرسة الإسلام، ومنها حراسة النبيّ ﷺ ، ومنها الاستعداد لتنفيذ أوامره وحاجاته في طلب من يريد طلبه من المسلمين وغير ذلك. كانوا قائمين بهذه الفروض عن المسلمين، فكانت نفقتهم على سائر المسلمين وإن سُمِّيَت صدقة. وكانوا بجوار النبيّ ﷺ يُؤْثرهم على نفسه وأهل بيته، وقد حدَّث عليّ ﵁ أنه قال لفاطمة ﵍ يومًا: «والله لقد سنوتُ حتى لقد اشتكيتُ صدري، وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي ... » الحديث، وفيه أنهما أتيا النبيَّ ﷺ فذكرا له ذلك فقال: «والله لا أعطيكما وأدعُ أهلَ الصُّفَّة تطوي بطونُهم لا أجد ما أنفق عليهم ... » الحديث، انظر «مسند أحمد» الحديث (٨٣٨) (١). وكان أبو هريرة من بين أهل الصُّفَّة يخدم النبيّ ﷺ ويدور معه، فلم يكن ليجوع إلا والنبي ﷺ وأهل بيته جياع، فهل في ذلك الجوع من عيب؟ وأمّا تعُّرضه لبعض الصحابة رجاء أن يطعمه، فإنما فعل ذلك مرة أو مرتين لشدَّة الضرورة، ولم يكن في تعرّضه سؤال ولا ذكر لجوعه. وقد نقل الله تعالى في كتابه أن موسى والخضر مرَّا بأهل قرية فاستطعماهم (٢)، وانظر

стр. 243

تفسير سورة التكاثر من «تفسير ابن كثير» (١). هذا، وقد عدّ أهل العلم ــ كما في «الحلية» (٢) ــ جماعةً من المشاهير في أهل الصُّفَّة، منهم: سعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وزيد بن الخطَّاب، وعبد الله بن مسعود، وصُهَيب، وسلمان، والمِقْداد وغيرهم. ثم قال أبو ريَّة ص ١٥٤: (سبب صحبته للنبي ﷺ . كان أبو هريرة صريحًا صادقًا في الإبانة عن سبب صحبته للنبي ﷺ ... فلم يقل إنه صاحبه للمحبة والهداية كما كان يصاحبه غيره من سائر المسلمين، وإنما قال: إنه قد صاحبه على ملء بطنه، ففي حديث رواه أحمد والشيخان عن سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول [ص ١٠٥]: «إني كنت امرءًا مسكينا أصحب رسول الله على ملء بطني». ورواية مسلم «أخدم رسول الله» وفي رواية: «لشبع بطني»). أقول: حاصل هذا أنّ الواقع في رواية الإمام أحمد والبخاري: «أصحب» وهذا خلاف الواقع، فرواية أحمد وهو الحديث (٧٢٧٣) (٣): «حدثنا سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، والله الموعد، إني كنت امرءًا مسكينًا ألزم رسول الله ﷺ على مِلءِ بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم ... ».

стр. 244

ولفظ البخاري في «صحيحه» (١) في كتاب الاعتصام ــ باب الحجَّة على مَن قال: إن أحكام النبيّ ﷺ كانت ظاهرة الخ. «حدثنا عليّ حدثنا سفيان عن الزهري أنه سمعه (٢) مِن الأعرج يقول: أخبرني أبو هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ والله الموعد، إني كنت امرءًا مسكينًا ألزم رسول الله ﷺ الخ». وأخرجه البخاري في مواضع أخرى من وجوه أخرى عن الزهري وفيه: «ألزم» (٣)، وفي موضع: «أن أبا هريرة كان يلزم» (٤). فأبو هريرة لم يتكلم عن إسلامه ولا هجرته ولا صحبته المشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، وإنما تكلَّم عن مزيّته وهي لزومه للنبيّ ﷺ دونهم، ولم يعلِّل هذه المزيّة بزيادة محبته أو زيادة رغبته في الخير أو العلم أو نحو ذلك مما يجعل له فضيلة على إخوانه، وإنما علَّلها على أسلوبه في التواضع بقوله: «على ملء بطني» فإنه جعل المزية لهم عليه بأنهم أقوياء يسعون في معاشهم وهو مسكين. وهذا والله أدب بالغ تخضع له الأعناق، ولكنّ أبا ريَّة يهتبل تواضع أبي هريرة ويبدل الكلمة ويحرف المعنى، ويركّب العنوانَ على تحريفه، ويحاول صرف الناظر عن التحرِّي والتثبُّت بذكره رواية مسلم؛ ليوهم أنه قد تحرَّى الدقَّة البالغة، ويبني على صنيعه تلك الدعوى الفاجرة (٥).

стр. 245

وقد تقدَّم (١) أن أبا هريرة أسلم في بلاده قبل الهجرة، لماذا؟ ثم ترك وطنه للهجرة مؤجِّرًا نفسه في طريقه على طُعْمته وعُقْبته، لماذا؟ ولمَّا شاهد النبيَّ ﷺ وجاء غلامُه الذي كان أبق منه أعتقه، لماذا؟ وتقدم (ص ١٠٠) (٢) شهادة النبيِّ ﷺ بأنه أحرص الصحابة على معرفة حديثه، لماذا؟ قال ابن كثير: «وقال سعيد بن أبي هند عن أبي هريرة: إن النبيّ ﷺ قال له: «ألا تسألني مِنْ هذه الغنائم التي سألني أصحابك؟» [ص ١٠٦] قال: فقلت: أسألك أن تعلّمني مما علّمك الله .. » «البداية» (١١١: ٨) (٣)، لماذا؟ وتقدم (ص ٤٦) (٤) قول عمر بن الخطاب: «خفي عليَّ هذا مِنْ أمر رسول الله ﷺ ، ألهاني عنه الصفقُ بالأسواق». وقال طلحة بن عبيد الله لما سئل عن حديث أبي هريرة: «والله ما نشكُّ أنه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعَلِم ما لم نعلم، إنا كنا قومًا أغنياء لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طَرَفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينًا لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع يد رسول الله ﷺ ، وكان يدور معه حيث ما دار، فما نشكّ أنه قد عَلِم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع» (٥) «البداية» (٨: ١٠٩) (٦). وحدَّث أبو أيوب ــ وهو من كبار الصحابة ــ عن أبي

стр. 246

هريرة عن النبيّ ﷺ ، فقيل له في ذلك؟ فقال: «إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع» «البداية» (١٠٩: ٨) (١). وحدَّث أبو هريرة بحديث، فاستثبته ابن عمر فاستشهد أبو هريرة عائشةَ فشهدت، فقال أبو هريرة: إنه لم يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الوَدِيّ ولا صفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمةً يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها. فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة كنت أَلْزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه» «البداية» (٨: ١٠٩) (٢). وقالت عائشة لأبي هريرة: أكثرت الحديث. قال: إني والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكني أرى ذلك شَغَلكِ عما استكثرتُ من حديثي، قالت: لعله. «البداية» (١٠٩: ٨) (٣). فأنت ترى اعترافهم له، وترى أنّ أدبه البالغ المتقدِّم لم يكن تقية، فإنه لما اقتضى الحال صَدَعَ صَدْعَ الواثقِ المطمئنّ. ثم ذكر أبو ريَّة ص ١٥٥ قول أبي هريرة: (كنت أستقرئ الرجلَ الآيةَ وهي معي كي ينقلب فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا). ثم قال أبو رية: (ومن أجل ذلك كان جعفر هذا في رأي أبي هريرة أفضل الصحابة جميعًا .. أخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب).

стр. 247

أقول: إسناده صحيح إلا أنه غريب، ومن تدبَّر ترجمة جعفر ﵁ لم يستكثر عليه هذا، وفي [ص ١٠٧] «فتح الباري» (٦٢: ٧) (١) في شرح قوله: «وكان أَخْيَر الناس للمساكين»، ما لفظه: «وهذا التقييد يُحمَل عليه المطلق الذي جاء ... عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال .. ». ثم ذكر ص ١٥٦ - ١٥٧ حكايات عن الثعالبي والبديع الهَمَذاني وعبد الحسين بن شرف الدين الرافضي، وكلّها من خرافات الرافضة وأشباههم، لا تمتُّ إلى العلم بِصِلَة. ثم قال آخر ص ١٥٧: (وأخرج أبو نعيم في «الحلية» الخ). أقول: هو من طريق فَرْقَد السَّبَخي قال: وكان أبو هريرة الخ، وفَرْقد ليس بثقة، ولم يدرك أبا هريرة (٢). وقال ص ١٥٨: (وفي «الحلية» كذلك: أن أبا هريرة كان في سفر فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا إليه وهو يصلي فقال: إني صائم، فلما كادوا يفرغون، جاء فجعل يأكل الطعام، فنظر القوم إلى رسولهم ... فقال أبو هريرة: صدق، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: صوم رمضان، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر: صوم الدهر، وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر، فأنا مفطر في تخفيف الله، صائم في تضعيف الله). أقول: هذه فضيلة له، وقد وقع مثلها لأبي ذر ﵁ «مسند أحمد» (١٥٠: ٥) (٣) وغيره، وهو الذي قال فيه النبيّ ﷺ : «ما أظلَّت

стр. 248

الخضراء ولا أقلَّت الغبراء مِنْ ذي لهجةٍ أصدق مِنْ أبي ذر» (١). قال: (وفي «خاص الخاص» للثعالبي الخ). أقول: ومن هو الثعالبي حتى يقبل قوله بغير سند؟ قال: (وقد جعل أبو هريرة الأكل من المروءة، فقد سئل: ما المروءة؟ قال: تقوى الله وإصلاح الصنيعة والغداء والعشاء بالأفنية). أقول: ليس في هذا جعل الأكل نفسه من المروءة، وإنما فيه أن من المروءة أن يكون الأكل بالأفنية، يريد بموضع بارز ليدعو صاحبُ الطعام مَن مرَّ ويشاركه من حضر، لا يغلق بابه ويأكل وحده. قال: (وقد أضربنا عن أخبار كثيرة لأن في بعضها ما يزيد في إيلام الحشوية الذين يعيشون بغير عقول) (٢). أقول: أما عقول الملحدين الذي يعيشون بلا دين، ومقلِّديهم المغرورين، فنعوذ بالله منها. ثم قال: (حديث: زُر غِبًّا تزدد حبًّا. قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة الخ). [ص ١٠٨] أقول: هذا حديث مذكور في الموضوعات، رُوي عن عليّ وعائشة وابن عباس بطرق كلّها تالفة (٣).

стр. 249

ثم قال ص ١٦١: (مزاحه وهذره. أجمع مؤرخو أبي هريرة على أنه كان رجلًا مزّاحًا مهذارًا). أقول: أما المزاح فنعم، ولم يكن في مزاحه ما يُنكر. وأما الهَذَر فأسنده بقوله: «قالت عنه عائشة ... في حديث المِهْراس: إنه كان رجلًا مهذارًا» وهذا باطل، لم تتكلم عائشة في حديث المِهْراس بحرف. انظر «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (٣٠٠: ٢) (١). ثم رأيت الدكتور مصطفى السِّباعي قد بسطَ الكلامَ في هذا في الجزء ٩ في المجلد ١٠ من مجلة المسلمون ص ٢٠. قال أبو ريَّة: (عن أبي رافع قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب حمارًا قد شدَّ عليه برذعة وفي رأسه خلية من ليف، فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير. وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب (٢) فلا يشعرون بشيء حتى يُلقي نفسَه بينهم ويضرب برجليه فينفر الصبيان فيفرون. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن ثعلبة بن [أبي] مالك القرظي قال: أقبل أبوهريرة في السوق

стр. 250

يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان على المدينة فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن [أبي] مالك. فقلت له: يكفي هذا. فقال: أوسع الطريق للأمير، والحزمة عليه). أقول: إنما كان يتعمّد هذا التبذّل والمزاح حين يكون أميرًا تهاونًا بالإمارة ومناقضةً لما كان يتَّسم به بعض الأمراء من الكِبْر والتعالي على الناس، وكانت إمارة أبي هريرة رحمةً بأهل المدينة، يستريحون إليها من عُبِّيّةِ أمراء بني أمية وعنجهيتهم، وكانت إحياء للسنة، فإن الأمير كان هو الذي يؤمُّ الناس، فكان الأمراء يُغفلون أشياء من السنة كالتبكير (١) في الصلاة وسجود التلاوة وقراءة السّوَر التي كان يقرؤها النبيّ ﷺ وغير ذلك، فكان أبو هريرة إذا ولي كان هو الذي يؤمّ الناس، فيحيي ما أهمله الأمراء من السنن. قال: (ولقد كانوا يتهكّمون برواياته ويتندَّرون عليها لما تفنَّن فيها وأكثر منها، فعن أبي رافع: أن رجلًا من قريش أتى أبا هريرة في حُلة وهو يتبختر فيها فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديثَ عن رسول الله ﷺ فهل سمعته يقول في حُلتي هذه شيئًا؟ فقال: [والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ما حدَّثتُكم بشيء] (٢) سمعت أبا القاسم ﷺ [ص ١٠٩] يقول: «إنّ رجلًا ممن كان قبلكم بينما كان يتبختر في حُلة إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة»، فوالله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك). أقول: متن الحديث ثابت في «الصحيحين» (٣) وغيرهما من حديث
следующие страницы →