← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 339

الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (505 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

هريرة عن النبيّ ﷺ ، فقيل له في ذلك؟ فقال: «إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع» «البداية» (١٠٩: ٨) (١). وحدَّث أبو هريرة بحديث، فاستثبته ابن عمر فاستشهد أبو هريرة عائشةَ فشهدت، فقال أبو هريرة: إنه لم يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الوَدِيّ ولا صفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمةً يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها. فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة كنت أَلْزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه» «البداية» (٨: ١٠٩) (٢). وقالت عائشة لأبي هريرة: أكثرت الحديث. قال: إني والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكني أرى ذلك شَغَلكِ عما استكثرتُ من حديثي، قالت: لعله. «البداية» (١٠٩: ٨) (٣). فأنت ترى اعترافهم له، وترى أنّ أدبه البالغ المتقدِّم لم يكن تقية، فإنه لما اقتضى الحال صَدَعَ صَدْعَ الواثقِ المطمئنّ. ثم ذكر أبو ريَّة ص ١٥٥ قول أبي هريرة: (كنت أستقرئ الرجلَ الآيةَ وهي معي كي ينقلب فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا). ثم قال أبو رية: (ومن أجل ذلك كان جعفر هذا في رأي أبي هريرة أفضل الصحابة جميعًا .. أخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب).

стр. 247

أقول: إسناده صحيح إلا أنه غريب، ومن تدبَّر ترجمة جعفر ﵁ لم يستكثر عليه هذا، وفي [ص ١٠٧] «فتح الباري» (٦٢: ٧) (١) في شرح قوله: «وكان أَخْيَر الناس للمساكين»، ما لفظه: «وهذا التقييد يُحمَل عليه المطلق الذي جاء ... عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال .. ». ثم ذكر ص ١٥٦ - ١٥٧ حكايات عن الثعالبي والبديع الهَمَذاني وعبد الحسين بن شرف الدين الرافضي، وكلّها من خرافات الرافضة وأشباههم، لا تمتُّ إلى العلم بِصِلَة. ثم قال آخر ص ١٥٧: (وأخرج أبو نعيم في «الحلية» الخ). أقول: هو من طريق فَرْقَد السَّبَخي قال: وكان أبو هريرة الخ، وفَرْقد ليس بثقة، ولم يدرك أبا هريرة (٢). وقال ص ١٥٨: (وفي «الحلية» كذلك: أن أبا هريرة كان في سفر فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا إليه وهو يصلي فقال: إني صائم، فلما كادوا يفرغون، جاء فجعل يأكل الطعام، فنظر القوم إلى رسولهم ... فقال أبو هريرة: صدق، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: صوم رمضان، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر: صوم الدهر، وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر، فأنا مفطر في تخفيف الله، صائم في تضعيف الله). أقول: هذه فضيلة له، وقد وقع مثلها لأبي ذر ﵁ «مسند أحمد» (١٥٠: ٥) (٣) وغيره، وهو الذي قال فيه النبيّ ﷺ : «ما أظلَّت

стр. 248

الخضراء ولا أقلَّت الغبراء مِنْ ذي لهجةٍ أصدق مِنْ أبي ذر» (١). قال: (وفي «خاص الخاص» للثعالبي الخ). أقول: ومن هو الثعالبي حتى يقبل قوله بغير سند؟ قال: (وقد جعل أبو هريرة الأكل من المروءة، فقد سئل: ما المروءة؟ قال: تقوى الله وإصلاح الصنيعة والغداء والعشاء بالأفنية). أقول: ليس في هذا جعل الأكل نفسه من المروءة، وإنما فيه أن من المروءة أن يكون الأكل بالأفنية، يريد بموضع بارز ليدعو صاحبُ الطعام مَن مرَّ ويشاركه من حضر، لا يغلق بابه ويأكل وحده. قال: (وقد أضربنا عن أخبار كثيرة لأن في بعضها ما يزيد في إيلام الحشوية الذين يعيشون بغير عقول) (٢). أقول: أما عقول الملحدين الذي يعيشون بلا دين، ومقلِّديهم المغرورين، فنعوذ بالله منها. ثم قال: (حديث: زُر غِبًّا تزدد حبًّا. قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة الخ). [ص ١٠٨] أقول: هذا حديث مذكور في الموضوعات، رُوي عن عليّ وعائشة وابن عباس بطرق كلّها تالفة (٣).

стр. 249

ثم قال ص ١٦١: (مزاحه وهذره. أجمع مؤرخو أبي هريرة على أنه كان رجلًا مزّاحًا مهذارًا). أقول: أما المزاح فنعم، ولم يكن في مزاحه ما يُنكر. وأما الهَذَر فأسنده بقوله: «قالت عنه عائشة ... في حديث المِهْراس: إنه كان رجلًا مهذارًا» وهذا باطل، لم تتكلم عائشة في حديث المِهْراس بحرف. انظر «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (٣٠٠: ٢) (١). ثم رأيت الدكتور مصطفى السِّباعي قد بسطَ الكلامَ في هذا في الجزء ٩ في المجلد ١٠ من مجلة المسلمون ص ٢٠. قال أبو ريَّة: (عن أبي رافع قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب حمارًا قد شدَّ عليه برذعة وفي رأسه خلية من ليف، فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير. وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب (٢) فلا يشعرون بشيء حتى يُلقي نفسَه بينهم ويضرب برجليه فينفر الصبيان فيفرون. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن ثعلبة بن [أبي] مالك القرظي قال: أقبل أبوهريرة في السوق

стр. 250

يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان على المدينة فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن [أبي] مالك. فقلت له: يكفي هذا. فقال: أوسع الطريق للأمير، والحزمة عليه). أقول: إنما كان يتعمّد هذا التبذّل والمزاح حين يكون أميرًا تهاونًا بالإمارة ومناقضةً لما كان يتَّسم به بعض الأمراء من الكِبْر والتعالي على الناس، وكانت إمارة أبي هريرة رحمةً بأهل المدينة، يستريحون إليها من عُبِّيّةِ أمراء بني أمية وعنجهيتهم، وكانت إحياء للسنة، فإن الأمير كان هو الذي يؤمُّ الناس، فكان الأمراء يُغفلون أشياء من السنة كالتبكير (١) في الصلاة وسجود التلاوة وقراءة السّوَر التي كان يقرؤها النبيّ ﷺ وغير ذلك، فكان أبو هريرة إذا ولي كان هو الذي يؤمّ الناس، فيحيي ما أهمله الأمراء من السنن. قال: (ولقد كانوا يتهكّمون برواياته ويتندَّرون عليها لما تفنَّن فيها وأكثر منها، فعن أبي رافع: أن رجلًا من قريش أتى أبا هريرة في حُلة وهو يتبختر فيها فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديثَ عن رسول الله ﷺ فهل سمعته يقول في حُلتي هذه شيئًا؟ فقال: [والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ما حدَّثتُكم بشيء] (٢) سمعت أبا القاسم ﷺ [ص ١٠٩] يقول: «إنّ رجلًا ممن كان قبلكم بينما كان يتبختر في حُلة إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة»، فوالله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك). أقول: متن الحديث ثابت في «الصحيحين» (٣) وغيرهما من حديث

стр. 251

أبي هريرة ومن حديث ابن عمر، وهو عند أحمد وغيره من حديث ابن عَمرو (١)، ومن حديث أبي سعيد (٢)، وجاء من حديث غيرهم (٣). وقال الدارمي في «باب تعجيل عقوبة من بَلَغه عن النبيّ ﷺ حديث فلم يعظِّمه ولم يوقّره ... : عن العجلان عن أبي هريرة» فذكر المتن وقال عَقِبِه: فقال له فتى ــ قد سماه ــ وهو في حُلة له: أهكذا كان يمشي ذلك الفتى الذي خُسِف به؟ ثم ضرب بيده فعثر عثرة كاد يتكسّر منها، فقال أبو هريرة: للمنخرَيْنِ ولِلْفَمِ ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]». أقول: فقد أخزى الله ذاك المستهزئ كما أخزى غيره من المستهزئين بدين الله ورسله وخيار عباده ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. وقال ص ١٦٢: (كثرة أحاديثه) ثم قال ص ١٦٣: (وقد أفزعت كثرة رواية أبي هريرة عمر بن الخطاب فضربه بالدِّرة وقال له: «أكثرتَ يا أبا هريرة من الرواية وأحرى بك أن تكون كاذبًا). أقول: لم يَعْزُ هذه الحكاية هنا، وعزاها ص ١٧١ إلى «شرح النهج» لابن أبي الحديد حكايةً عن أبي جعفر الإسكافي، وابن أبي الحديد من دُعاة الاعتزال والرفض والكيد للإسلام، وحاله مع ابن العلقمي الخبيث معروفة. والإسكافي من دعاة المعتزلة والرفض أيضًا في القرن الثالث، ولا يعرف له سَنَد، ومثل هذه الحكايات الطائشة توجد بكثرة عند الرافضة والناصبة وغيرهم بما فيه انتقاص لأبي بكر وعمر وعليّ وعائشة وغيرهم، وإنما

стр. 252

يتشبَّت بها من لا يعقل. وقد ذكر ابن أبي الحديد (٣٦٠: ١) (١) أشياء عن الإسكافي من الطعن في أبي هريرة وغيره من الصحابة، وذكر من ذلك شيئًا مِن مزاح أبي هريرة، فقال ابن أبي الحديد: «قلتُ قد ذكر ابن قتيبة هذا كلَّه في كتاب «المعارف» (٢) في ترجمة أبي هريرة، وقوله فيه حجة لأنه غير متّهم عليه». وفي هذا إشارة إلى أن الإسكافي متهم. ونحن كما لا نتهم ابن قتيبة قد لا نتهم الإسكافي باختلاق الكذب، ولكن نتهمه بتلقّف الأكاذيب من أفَّاكي أصْحَابه الرافضة والمعتزلة، وأهل العلم لا يقبلون الأخبار المنقطعة ولو ذكرها كبار أئمة السنة. فما بالك بما يحكيه ابن أبي الحديد عن الإسكافي عمن تقدمه بزمان! قال: (وقد أخرج ابنُ عساكر من حديث السائب بن يزيد: لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس أو بأرض القردة). أقول: عزاه إلى «البداية» (١٠٦: ٨) (٣) ولكن لفظه هناك: « ... دوس، وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأُوَل أو لألحقنَّك بأرض القِرَدة». فأسقط أبو ريَّة هنا ذِكْر كعب، وجمع الكلمتين لأبي هريرة. وله في هذه الحكاية فِعْلة أشنع من هذه: قال ص ٣٠: (وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث أو لألحقنك الخ). أسقط

стр. 253

قوله: «عن الأُوَل» (١) لغرضين: الأول: تقوية [ص ١١٠] دعواه أن عمر كان ينهى عن الحديث عن النبيّ ﷺ . الثاني: ترويج دعوى مَهُولة فاجرة خبيثة، وهي دعوى أنّ كعبًا مع أنه لم يلق النبيَّ ﷺ كان يحدّث عنه بما يشاء، وكان الصحابة يسمعون منه تلك الأحاديث ويقبلونها بسذاجة مُخْجلة، ثم لا يكتفون بذلك حتى يذهبوا فيروونها عن النبيّ ﷺ رأسًا، فيوهموا الناسَ أنهم سمعوها من النبيّ ﷺ أو على الأقل من بعض إخوانهم من الصحابة. ولزيادة تفظيع هذا الزعم بالغَ في الحطِّ على كعب وزعم أنه كان منافقًا يسعى لهدم الإسلام ويفتري ما شاء من الأكاذيب؛ يرويها عن النبيّ ﷺ فيتقبَّلها الصحابةُ ويروونها عن النبيّ ﷺ رأسًا، فعلى هذا يزعم أنّ كل ما جاء من أحاديث الصحابة ولم يصرِّح الصحابيُّ بسماعه من النبيّ ﷺ ، فإنه يحتمل أن يكون مما افتراه كعب ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] وراجع (ص ٧٣) (٢). وهذه الخطة الجهنمية من أخطر خِطط الكيد اليهوديّ الخاسر الذي مرت الإشارة إليه (ص ٤٩ و ٩٩) (٣).

стр. 254

وكذا قال ص ١٢٦: (قال له: لتتركن الحديث أو لألحقنك) أسقط قوله: «عن الأُوَل» أيضًا ليؤكِّد لك أنه عمدًا ارتكب ذلك، ثم لم يكفه حتى قال ص ١١٥: (لما قدم كعب المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه أخذ يعمل في دهاء ومكر لِمَا أسلم من أجله من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبيّ (كذا؟ ) ولم يلبث عمر أن فطن لكيده وتبين له سوء دِخْلته فنهاه عن الرواية عن النبيّ (كذا؟ ) وتوعَّده إن لم يترك الحديث عن رسول الله (كذا؟ ) أو ليلحقنّه بأرض القردة)، كذا قال، وعزا ذلك إلى المصدر نفسه وهو «البداية والنهاية» ج ٨ لكنه جعل الصفحة ٢٠٦ والصواب ١٠٦، فهل تعمَّد هذا ليعمِّي عن فضيحته؟ فليتدبر القارئ، ولينظر مَن الذي يعمل في دهاء ومكر لإفساد الدين بكيدٍ وسوء دِخْلة؟ هذا، وسند الخبر غير صحيح، ولفظه في «البداية» (١): «قال أبو زرعة الدمشقي: حدثني محمد بن زُرْعة الرُّعيني حدثنا مروان بن محمد حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله (٢) عن السائب الخ». ومحمد بن زرعة لم أجد له ترجمة (٣)، والمجهول لا تقوم به حجة، وكذا إسماعيل إلا أن يكون الصواب إسماعيل بن عبيد الله (بالتصغير) بن أبي المهاجر فثقة معروف لكن لا أدري أَسَمِعَ من السائب أم لا؟ وفي «البداية» عَقِبه: «قال أبو زرعة: وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحوًا منه لم يسنده».

стр. 255

أقول: وسعيد لم يدرك عمر ولا السائب. هذا ومخرج الخبر شامي، [ص ١١١] ومن الممتنع أن يكون عمر نهى أبا هريرة عن الحديث البتة ولا يشتهر ذلك في المدينة، ولا يلتفت إلى ذلك الصحابة الذين أثنوا على أبي هريرة ورووا عنه، وهم كثير كما يأتي، منهم ابن عمر وغيره كما مرَّ (ص ١٠٦) (١)، هذا باطل قطعًا، على أن أبا ريَّة يعترف أنّ كعبًا لم يزل يحدِّث عن الأُوَل حياةَ عمر كلها، وكيف يُعقل أن يرخِّص له عمر ويمنع أبا هريرة؟ هذا باطل حتمًا، وأبو هريرة كان مهاجرًا من بلاد دوس، والمهاجر يحرُم عليه أن يرجع إلى بلده فيقيم بها، فكيف يهدّد عمر مهاجرًا أن يردّه إلى بلده التي هاجر منها؟ وقد بعث عمر في أواخر إمارته أبا هريرة إلى البحرين على القضاء والصلاة كما في «فتوح البلدان» للبلاذري (ص ٩٢ - ٩٣) (٢). وبطبيعة الحال كان يعلّمهم ويفتيهم ويحدّثهم. قال أبو ريَّة ص ١٦٣: (ومن أجل ذلك كثرت أحاديثه بعد وفاة عمر وذهاب الدِّرة، إذ أصبح لا يخشى أحدًا بعده). أقول: لم يمت الحقُّ بموت عمر، وسيأتي تمام هذا. قال: (ومن قوله في ذلك: إني أحدثكم أحاديث لو حدثت بها زمن عمر لضربني بالدرة، وفي رواية: لشج رأسي). أقول: يُروى هذا عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن أبي هريرة، وابن عجلان لم يدرك أبا هريرة. فالخبر منقطع غير صحيح.

стр. 256

قال: (وعن الزهري عن أبي سلمة سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله ﷺ حتى قُبض عمر، ثم يقول: أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما والله إذا لأيقنت أن المِخْفَقة ستباشر ظهري، فإن عمر كان يقول: اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام الله). أقول: إنما رواه عن الزهري إنسان ضعيف يقال له: صالح بن أبي الأخضر، قال فيه الجوزجاني ــ وهو من أئمة الجرح والتعديل ــ: «اتهم في أحاديثه». وهناك أخبارٌ وآثارٌ تُعارض هذا وأشباهه، إلا أن في أسانيدها مقالًا فلم أنشط لذكرها وبيان عللها، تجد بعضها في ترجمة أبي هريرة من «الإصابة» (١). وبعد، فإن الإسلام لم يمت بموت عمر، وإجماع الصحابة بعده على إقرار أبي هريرة على الإكثار مع ثناء جماعة منهم عليه وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه كما يأتي= يدل على بطلان المحكيّ عن عمر من منعه، بل لو ثبت المنع ثبوتًا لا مدفع له لدلّ إجماعُهم على أن المنع كان على وجه مخصوص، أو لسبب عارض، أو استحسانًا محضًا لا يستند إلى حجة ملزمة. وعلى فرض اختلاف الرأي فإجماعهم بعد عمر أَوْلَى بالحقِّ من رأي عمر. ثم حكى أبو ريَّة عن صاحب «المنار» (٢) قال: (لو طال عُمْرُ عُمرَ حتى مات أبو هريرة، لما وصلت إلينا تلك الأحاديث [ص ١١٢] الكثيرة). أقول: وما يدريك لعلّ عمر لو طال عمره حتى يستحرَّ الموتُ بحَمَلة

стр. 257

العلم من الصحابة، لأمر أبا هريرة وغيره بالإكثار وحثَّ عليه، وحِفْظُ الله ﵎ لشريعته، وتدبيره بمقتضى حكمته فوق عمر وفوق رأي عمر، في حياة عمر وبعد موت عمر. ثم قال أبو ريَّة ص ١٦٤: (كيف سوّغ كثرة الرواية؟ كان أبو هريرة يسوِّغ كثرة الرواية عن النبيّ ﷺ بأنه ما دام لا يحلّ حرامًا ولا يحرِّم حلالًا فإنه لا بأس من أن يروي). أقول: هذه دعوى من أبي رية، فهل من دليل؟ قال: (وقد أيَّد صنيعه هذا بأحاديث رفعها إلى النبيّ، ومنها ما رواه الطبراني في «الكبير» عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إذا لم تحلّوا حرامًا ولم تحرموا حلالًا وأصبتم المعنى فلا بأس). أقول: ههنا مآخذ: الأول: أن هذا لم يروه أبو هريرة ولا رواه الطبراني عنه، إنما رواه الطبراني من طريق يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي عن أبيه عن جده قال: «أتينا النبيَّ ﷺ فقلنا له: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، إنا نسمع منك الحديثَ فلا نقدر أن نؤدّيه كما سمعنا. فقال: إذا لم الخ». وهو في «مجمع الزوائد» (١٥٤: ١) (١) وقال: «رواه الطبراني في الكبير، ولم أر من ذكر يعقوب ولا أباه». الثاني: أن هذا الخبر إنما يدلّ على إجازة الرواية بالمعنى لقوله فيه: «وأصبتم المعنى»، وقد تقدم الكلام في فصل الرواية بالمعنى (ص ٥٢ فما

стр. 258

بعدها) (١) ودعوى أبي ريَّة هنا شيء آخر كما يأتي. الثالث: أن الخبر لا يثبت عن صحابيِّه لجهالة يعقوب وأبيه، ولهذا أعرضتُ عنه فلم أستشهد به في فصل الرواية بالمعنى وإن كان موافقًا لقولي. قال: (وقال أيضًا: إنه سمع النبيّ يقول: من حدَّث حديثًا هو لله رضًا فأنا قلته، وإن لم أكن قلته. روى ذلك ابن عساكر في «تاريخه»). أقول: أخذ أبو ريَّة هذا من «كنز العمال» (٢٢٣: ٥) (٢)، وهناك أن ابن عساكر أخرجه (٣) عن البُخْتري بن عُبيد عن أبيه عن أبي هريرة. أقول: البختري كذَّاب، وأبوه مجهول. قال أبو ريَّة: (وفي «الأحكام» ... لابن حزم (٧٨: ٢) أنه روى عن رسول الله ﷺ : إذا [ص ١١٣] حُدِّثتم عني بحديث يوافق الحقَّ فخذوا به، حَدَّثتُ به أو لم أحدِّث). أقول: إنما ذكره ابن حزم من طريق أشعث بن بَرَاز، ثم قال ابن حزم في ذلك الموضع نفسه: «وأشعث بن بَراز كذَّاب ساقط». قال: (وروي عن رسول الله: إذا بلغكم عني حديث يحسن بي أن أقوله فأنا قلته، وإذا بلغكم حديث لا يحسن بي أقوله فليس مني ولم أقله). أقول: عزاه إلى «توجيه النظر» (ص ٢٧٨) (٤)، وهناك عَقِبه قول

стр. 259

أبي حاتم: «حديث منكر، الثقات لا يرفعونه». يريد لا يَصِلونه، فإنه ذكره من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، وقد جاء من وجه آخر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن النبيّ ﷺ مرسلًا، ذكره البخاري في «التاريخ» (٢/ ١/٤٣٤)، ثم ذكر أن بعضهم قال: «عن أبي هريرة»، قال البخاري: «وهو وهمٌ، ليس فيه أبو هريرة». ورواه بعضهم عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. ذكره ابن حزم في «الأحكام» (١) عقب الحديث السابق وقال: «عبد الله بن سعيد كذّاب مشهور» وفي ألفاظه في الروايات اختلاف، وسأشرح بقية حاله في التعليق على «موضوعات الشوكاني» (٢) إن شاء الله تعالى. هذه أدلة أبي ريَّة على دعواه، وعلّق على خبر البُخْتري بقوله: (ارجع إلى ص ١٠١)، وكان قد ذكر هناك بعض هذه الأخبار تحت عنوان (كيف استجازوا وضع الأحاديث) وبهذا يُعرف حاصل دعواه هنا ومناسبتها لأدلتها، فإن تكذيب الصدّيقين لا يتم إلا بتصديق الكذابين. قال: (روى ذلك وغيره). أقول: أما «ذلك» أي الأخبار المتقدّمة فقد تبيَّن أن أبا هريرة لم يرو شيئًا منها، وأما غيره فما هو؟ قال: (على حين أن الثابت عن النبيّ أنه قال: من نقل عني ما لم أقله فليتبوَّأ مقعده من النار).

стр. 260

أقول: كذا ذكر الحديث هنا وص ٤٠، والثابت: «مَنْ يقل عليَّ ما لم أقل الخ» رواه أحمد (١) من حديث أبي هريرة، وكذا من حديث سلمة بن الأكوع (٢)، وكذا جاء في أثناء حديث لأبي قتادة (٣). وكما أن هذا هو الثابت عن النبيّ ﷺ فكذلك هو الثابت عن أبي هريرة عنه كما ترى. وفي «صحيح البخاري» (٤) وغيره من حديث مالك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة قال: «إن الناس يقولون: أَكْثَرَ أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله [ص ١١٤] ما حدَّثت حديثًا، ثم يتلو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠] الحديث. وذكر مسلم سنَدَه ولم يسق متنه (٥). وفي «الإصابة» (٦): «أخرج أحمد (٧) من طريق عاصم بن كُلَيب عن أبيه: سمعت أبا هريرة يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله الصادق المصدوق أبو القاسم ﷺ : «مَن كذَبَ عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعدَه مِن النار». وذكره ابنُ كثير في «البداية» (١٠٧: ٨) (٨) وقال: «ورُوي مثله من وجه آخر».

стр. 261

قال أبو ريَّة: (وقد اضطر عمر أن يذكِّره بهذا الحديث لما أوغل في الرواية). أقول: يريد ما رُوي عن أبي هريرة قال: «بلغ عمرَ حديثي فأرسل إليَّ فقال: كُنْتَ معنا يوم كنَّا مع رسول الله ﷺ في بيت فلان؟ قال: قلت: نعم، وقد علمتُ لِمَ تسألني عن ذلك. قال: ولِمَ سألتُك؟ قلتُ: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ: «مَنْ كذَبَ عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار». قال: أما إذًا (١) فاذهب فحدِّث» «البداية» (١٠٧: ٨) (٢). وهذا يدلُ على بطلان ما حُكي مِن مَنْعه له أو على أنه أذن له بعد منعٍ ما. وهذا الخبر مِن جملة الأخبار التي قدمتُ (ص ١١١) (٣) أني أعرضت عنها لأن في أسانيدها مقالًا، وذكرته هنا لإشارة أبي ريَّة إليه ... وحديث: «مَنْ كَذَب عليَّ الخ» ثابت في «الصحيحين» (٤) وغيرهما من حديث أبي هريرة. * * * *

стр. 262

حقيقة التدليس وانتفاؤها عن الصحابة قال أبو ريَّة آخر ص ١٦٤: (تدليسه). أقول: قال الخطيب في «الكفاية» (ص ٣٥٧): «تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلّسه عنه بروايته إياه على وجهٍ يوهم أنه سمعه منه». ومثال هذا: أن قتادة كان قد سمع من أنس، ثم سمع من غيره عن أنس مالم يسمعه هو من أنس، فربما روى بعض ذلك بقوله: «قال أنس ... » ونحو ذلك، ثم ذكر الخطيب (ص ٣٥٨) ما يؤخَذ على المدلِّس، وهاك تلخيصه بتصرف: أولًا: إيهامه السماع ممن لم يسمع منه. ثانيًا: إنما لم يبيِّن لعلمه أن الواسطة غير مرضيّ. ثالثًا: الأنَفَة مِن الرواية عمن حدثه. رابعًا: إيهام علوِّ الإسناد. خامسًا: عدوله عن الكشف إلى الاحتمال. أقول: هذه الأمور منتفية فيما كان يقع من الصحابة ﵃ مِن قول أحدهم فيما سمعه من [ص ١١٥] صحابي آخر عن النبيّ ﷺ : «قال النبيّ ﷺ ». أما الأول: فلأن الإيهام إنما نشأ منذ عُنِي الناس بالإسناد، وذلك عقب حدوث الفتنة، وفي مقدمة «صحيح مسلم» (١): «عن ابن سيرين قال: لم

стр. 263

يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالَكم ... ». فمِنْ حينئذ التزم أهل العلم الإسناد، فأصبح هو الغالب، حتى استقرّ في النفوس، وصار المتبادر مِنْ قول مَنْ قد ثبت لقاؤه لحذيفة: «قال حذيفة: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول ... » أو نحو ذلك= أنه أسند، ومعنى الإسناد: أنه ذَكَر مَن سمع منه، فيفهم مِن ذاك القول أنه سمع من حذيفة، فلو قال قائل مثل ذلك، مع أنه لم يسمع ذاك الخبر من حذيفة وإنما سمعه ممن أخبر به عن حذيفة، كان موهمًا خلاف الواقع. وهذا العُرْفُ لم يكن مستقرًّا في حقِّ الصحابة لا قبل الفتنة ولا بعدها، بل عُرْفُهم المعروف عنهم أنهم كانوا يأخذون عن النبيّ ﷺ بلا واسطة، ويأخذ بعضهم بواسطة بعض، فإذا قال أحدهم: «قال النبيّ ﷺ ... » كان محتملًا أن يكون سمع ذلك من النبيّ ﷺ وأن يكون سمعه من صحابيٍّ آخر عن النبيّ ﷺ . فلم يكن في ذلك إيهام. وأما الثاني: فلم يكن ثَمَّ احتمال لأن يكون الواسطة غير مرضيّ؛ لأنهم لم يكن أحد منهم يرسل إلا ما سمعه من صحابيٍّ آخر ــ يثق به وثوقه بنفسه ــ عن النبيّ ﷺ ، ولم يكن أحد منهم يرسل ما سمعه من صبيّ أو من مغفَّل أو قريب العهد بالإسلام أو من مَغْمُوصٍ بالنفاق أو من تابعي. وأما الثالث: فلم يكن من شأنهم ﵃. وأما الرابع: فتبع الأول. وأما الخامس: فلا ضرر في الاحتمال مع الوثوق بأنه إنْ كان هناك واسطة فهو صحابيّ آخر.

стр. 264

قال أبو ريَّة: (ذكر علماء الحديث أن أبا هريرة كان يدلس). أقول: إنما جاء في ذلك كلمة شاذَّة يغلب على ظنّي أنها مصحَّفة، سيأتي الكلام عليها (١). وذكر ص ١٦٥ ما حُكي عن شعبة في ذمِّ التدليس، وقال: (ومن الحفاظ من جرح مُن عُرِف بهذا التدليس من الرواة، فردّ روايته مطلقًا وإن أتى بلفظ الاتصال). أقول: بعد أن استحكم العرف الذي مرَّ بيانه نشأ أفراد لا يلتزمونه، وهم ضربان: [ص ١١٦] الضرب الأول: مَنْ بَيَّن عدم التزامه فصار معروفًا عند الصحابة والآخذين عنه أنه إذا قال: «قال فلان» ونحو ذلك وسمَّى بعضَ شيوخه احتمل أن يكون سمع الخبر مِنْ ذاك الشيخ وأن يكون سمعه من غيره عنه. فهؤلاء هم المدلِّسون الثقات. وكان الغالب أنه إذا دلَّس أحدُهم خبرًا مرة أسنده على وجهه أخرى. وإذا دلَّس فسئل بيَّن الواقع. والضرب الثاني: مَنْ لم يُبَيِّنْ بل يتظاهر بالالتزام، ومع ذلك يدلس عمدًا. وتدليس هذا الضرب الثاني حاصله إفهام السامع خلاف الواقع، فإن كان المدلِّس مع ذلك متظاهرًا بالثقة كان ذلك حملًا للسامع ومن يأخذ عنه على التديُّن بذاك الخبر عملًا وإفتاء وقضاء. فأما تدليس الضرب الأول فغايته أن يكون الخبر عند السامع محتملًا للاتصال وعدمه، وما يقال إن فيه إيهام الاتصال إنما هو بالنظر إلى العُرْف الغالب بين المحدّثين، فأما بالنظر

стр. 265

إلى عُرْف المدلّس نفسه فما ثَمَّ إلا الاحتمال، فالضرب الثاني هو اللائق بكلمات شعبة ونحوها، وبالجرح وإن صرح بالسماع. فأما الضرب الأول فقد عُدَّ منهم إبراهيم النَّخَعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وحبيب بن أبي ثابت، والحسن البصري، والحكم بن عُتيبة، وحُميد الطويل، وخالد بن مَعْدان، وسعيد بن أبي عَروبة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عُيينة، وسليمان التيمي، والأعمش، وابن جُريج، وعبد الملك ابن عمير، وأبو إسحاق السبيعي، وقتادة، وابن شهاب، والمغيرة بن مَقسم، وهُشَيم بن بشير، ويحيى بن أبي كثير، ويونس بن عُبيد، وهؤلاء كلهم ثقات أثبات أمناء مأمونون عند شعبة وغيره، متفق على توثيقهم والاحتجاج بما صرَّحوا فيه بالسماع. قال ابن القطان (١): «إذا صرَّح المدلّس الثقة بالسماع قُبِل بلا خلاف، وإن عنعن ففيه الخلاف» (٢). فأما الصحابة ﵃ فلا مَدْخَل لهم في التدليس كما تقدم. قال: (ولو لم يُعرف أنه دلّس إلا مرة واحدة، نص على ذلك الشافعي ﵀. أقول: عبارته تعطي أن الشافعي يرى جرح المدلّس مطلقًا ولو صرَّح بالسماع، وهذا كذب، وعبارة الشافعي في «الرسالة» (ص ٣٧٩): «ومَن عرفناه دلَّس فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فنردَّ بها حديثه، ولا النصيحة في الصِّدق فنقبلَ منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلّس حديثًا حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت».

стр. 266

[ص ١١٧] قال: (وروى مسلم بن الحجاج (١) عن بُسر بن سعيد قال: اتقوا الله وتحفَّظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدِّث عن رسول الله ﷺ ، ويحدّثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله، وفي رواية: يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، فاتقوا الله وتحفَّظوا في الحديث). أقول: إنما يقع مثل هذا ممن يحضر المجلس من ضعفاء الضبط ومَن لا عناية له بالعلم، ومثل هؤلاء لا يوثِّقهم الأئمة ولا يحتجُّون بأخبارهم، ولابدّ أن يتنبَّهُوا لغلطهم. وعلى كلِّ حال فلا ذنب لأبي هريرة في هذا، ولم يزل أهلُ العلم يذكر أحدهم في مجلسه شيئًا من الحديث، ويذكر معه ــ مفصولًا عنه ــ ما هو من كلام بعض أهل العلم أو غيرهم وما هو من كلام نفسه، والحكاية نفسها تدلّ على أن أبا هريرة كان يبيّن، وإنما يقع الغلط لبعض الحاضرين. قال: (وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلّس. أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ولا يميز هذا من (٢) هذا. ذكره ابن عساكر). أقول: هذه عبارة ابن كثير في «البداية» (٣)، ساق كلمة بُسْر المتقدّمة ووصلها بهذه الحكاية، وهي حكاية شاذة لا أدري كيف سندها إلى يزيد (٤)،

стр. 267

ويقع في ظني ــ إنْ كان السند صحيحًا ــ أنه وقع فيها تحريف، فقد يكون الأصل «أبو حرة» فتحرَّفت على بعضهم فقرأها «أبو هريرة» وأبو حرة معروف بالتدليس، كما تراه في «طبقات المدلسين» لابن حجر (ص ١٧) (١). وقوله: «أي يروي ... » أراه من قول ابن عساكر (٢) بناه على قصة بُسْر السابقة. فقوله: «لا يميز هذا من هذا» يعني لا يفصل بين قوله: «قال النبيّ ﷺ ... »، وقوله: «زعم كعب ... » مثلًا بفصل طويل حتى يُؤمَن أو يقلّ الالتباس على ضعفاء الضبط. وتسمية هذا تدليسًا غريب؛ فلذلك قال ابن كثير ــ وحكاه أبو ريَّة ــ: «وكأنّ شعبة يشير بهذا إلى حديث: «مَن أصبح جُنُبًا فلا صيام له» (٣). فإنه لما حُوقِقَ عليه قال: أخبرنيه مخبرٌ ولم أسمعه من رسول الله ﷺ ».

стр. 268

أقول: يعني أنه قال أوّلًا: «قال رسول الله ﷺ ... » مع أنه إنما سمعه مِن بعض الصحابة عن النبيّ ﷺ . وهذا هو إرسال الصحابي الذي تقدم (١) أنه ليس بتدليس، ولكنه على صورته، والله أعلم. ثم قال أبو ريَّة ص ١٦٦: (قال ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» ص ٥٠: وكان أبو هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، وإنما سمعه من الثقة عنه فحكاه). أقول: تتمة كلام ابن قتيبة: «وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة، وليس في [ص ١١٨] هذا كذب بحمد الله، ولا على قائله ــ إن لم يفهمه السامع ــ جُنَاح إن شاء الله». والمراد بالثقة الثقة من الصحابة على ما قدمت، وقدّمت أنّ مثل ذلك من الصحابة كان عند السامعين محتملًا على السواء لأنْ يكون بلا واسطة، وأن يكون بواسطة صحابيّ آخر، والمخبر الذي أخبر أبو هريرة صحابي كما يأتي (٢). ثم قال أبو ريَّة: (أول راوية اتهم في الإسلام. قال ابن قتيبة .... إنه لما أتى أبو هريرة من الرواية عنه ﷺ ما لم يأت بمثله مَن صَحِبه مِن جلة أصحابه والسابقين الأولين اتهموه وأنكروا عليه وقالوا: كيف سمعتَ هذا وحدك؟ ومن سمعه معك؟ وكانت عائشة ﵂ أشدهم إنكارًا عليه لتطاول الأيام بها وبه). أقول: تتمة كلام ابن قتيبة: «فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألْزَمهم لرسول الله ﷺ لخدمته وشبع بطنه ... فعرَف ما لم يعرفوا وحفظ ما لم يحفظوا، أمسكوا عنه». وكلمة «اتهموه» كلمة نابية يتبرّأ منها الواقع، فإنه لم

стр. 269

يثبت عن أحدٍ من الصحابة أنه اعترض على شيء من حديث أبي هريرة إلا عائشة وابن عمر، فأما عائشة فيأتي قريبًا (١) قولها: «إنك لتحدّث حديثًا ما سمعته» فأجابها ذاك الجواب الصريح فأقرَّت. وقد تتبَّع أبو ريَّة الأحاديث التي انتقدَتْها عائشةُ على أبي هريرة، ويأتي الجوابُ الواضحُ عنها، وأنّ أكثرها قد ثبت مِن رواية غير أبي هريرة من الصحابة. على أن انتقاد عائشة لها ليس على وجه الاتهام بكذبٍ ونحوه ــ معاذ الله ــ وإنما فيه الاتهام بالخطأ، وقد اتهمت عائشة بالخطأ عُمرَ وابنَ عمر كما مرَّ (ص ٥١) (٢) ويأتي. وقد عدَّ الحاكمُ في «المستدرك» (٣) عائشةَ في الصحابة الذين رووا عن أبي هريرة كما يأتي. وأما ابن عمر فإنما استغربَ حديثًا واحدًا من حديث أبي هريرة، فاستشهدَ أبو هريرة عائشةَ فشهدت، فعاد ابن عمر بطيب الثناء على أبي هريرة وقال له: «يا أبا هريرة كنتَ ألْزَمَنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه». وممَن روى هذا الحاكم في «المستدرك» (٥١٠: ٣) وصححه وأقرَّه الذهبي (٤). وفي «تهذيب التهذيب» (٥) و «الإصابة» (٦): «وقال ابن عمر: أبو هريرة

стр. 270

خيرٌ منِّي وأعلم». زاد في «الإصابة»: «بما يحدِّث»، وفي «الإصابة» (١): «أخرج مسدَّد من طريق عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كان ابن عمر إذا سمع أبا هريرة يتكلّم قال: إنا نعرف ما يقول، لكنا نجبُن ويجترئ». وعاصم وأبوه ثقتان. وفي «المستدرك» (٥١٠: ٣) من طريق [ص ١١٩] « ... جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة ﵁ قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ فقال ابن عمر: أُعيذكَ بالله أن تكون في شكٍّ مما يجيء به، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا». وهكذا ذكره الذهبي في «تلخيص المستدرك»: «جرير عن الأعمش ... » وقد سمع أبو وائل من ابن عمر، فأخشى أن يكون ذِكْر حذيفة مزيدًا على سبيل الوهم. والله أعلم. وفي «الإصابة» (٢): «رُوّينا في فوائد المزكّي تخريج الدارقطني من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رَفَعَه: «إذا صلى أحدُكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه». فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ قال: لا. فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أَكْثَرَ أبو هريرة. فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: ما ذنبي إن كنتُ حفظتُ ونسوا. وقد روى ابن عمر عن أبي هريرة كما في «التهذيب» (٣) وغيره. قال أبو ريَّة: (وممن اتَّهَمَ أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي).

стр. 271

أقول: هذا أَخَذَه مِن كتاب ابن قُتيبة (١)، وإنما حكاه ابنُ قُتيبة عن النظَّام بعد أن قال ابن قتيبة: «وجَدْنَا النظَّام شاطرًا من الشطَّار، يغدو على سُكْر ويروح على سُكْر، ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات ... ثم ذكر أشياء من آراء النظَّام المخالفة للعقل وللإجماع، وطعْنَه على أبي بكر وعمر وعليّ وابن مسعود وحُذيفة. فمَنْ كان بهذه المثابة كيف يقبل نقله بلا سند؟ ومن الممتنع أن يكون وقع مِن عمر وعثمان وعليّ وعائشة أو واحد منهم رَمْيٌ لأبي هريرة بتعمّد الكذب أو اتهام به ثم لا يشتهر ذلك ولا يُنْقل إلا بدعاوى مَن ليس بثقة ممن يعادي السنَّةَ والصحابَة كالنظَّام وبعض الرافضة. وقد تقدم ويأتي (٢) ثناءُ بعض أكابر الصحابة على أبي هريرة، وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه، وأطبق أئمة التابعين من أبناء أولئك الأربعة وأقاربهم وتلاميذهم على تعظيم أبي هريرة والرواية عنه والاحتجاج بأخباره. وعند أهل البدع من المعتزلة والجهمية والرافضة والناصبة حكايات معضلة مثل هذه الحكاية، تتضمّن الطعنَ القبيح في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وعائشة وغيرهم، وفي كثير منها ما هو طعن في النبي ﷺ . والحكم في ذلك واحد، وهو تكذيب تلك الحكايات البتة. [ص ١٢٠] قال أبو ريَّة: (ولما قالت له عائشة: إنك لتحدِّث حديثًا ما سمعتُه من النبي ﷺ ، أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار إذ قال لها ... شغلك عنه ﷺ المرآة

стр. 272

والمكحلة. وفي رواية: ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكن أرى ذلك شغلك). أقول: تتمة الرواية الأخيرة كما في «البداية» (١): «فقالت: لعله». والذي أنكره أبو ريَّة من جواب أبي هريرة عظيم الفائدة للباحث المحقق، وذلك أن أبا هريرة كان شديد التواضع، وقد تقدم أمثلة من ذلك (٢)، وعائشةُ معروفة بالصرامة وقوة العارضة، فجوابه يدلّ على قوة إدلاله بصدقه ووثوقه بحفظه، ولو كان عنده أدنى تردّد في صدقه وحفظه لاجتهد في الملاطفة، فإن المريب جبان، وسكوت عائشة بل قولها: «لعله» أي: لعل الأمر كما ذكرتَ يا أبا هريرة. يدل دلالة واضحة أنه لم يكن عندها ما يقتضي اتهام أبي هريرة. هذا، وحجة أبي هريرة واضحة، فإن عائشة لم تكن ملازمةً للنبي ﷺ ، بل انفردت عن الرجال بصحبته ﷺ في الخلوة، وقد انفردت بأحاديث كثيرة تتعلَّق بالخلوة وغيرها فلم ينكرها عليها أحد، ولم يقل أحدٌ ــ ولا ينبغي أن يقول ــ: إن سائر أمهات المؤمنين قد كان لهنّ من الخلوة بالنبي ﷺ مثل ما لها، فما بالُ الرواية عنهن قليلة جدًّا بالنسبة إلى رواية عائشة. قال: (على أنه لم يلبث أن عاد فشهد بأنها أعلم منه ... ذلك أنه لما روى حديث (مَنْ أصبح جنبًا فلا صوم عليه) ... أنكرت عليه عائشةُ هذا الحديث فقالت: إن رسول الله كان يدركه الفجر وهو جُنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم، وبعثت إليه بأن لا يحدِّث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، فلم يسعه إزاء ذلك إلا الإذعان والاستخذاء وقال: إنها أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي، وإنما سمعته من الفضل بن العباس).

стр. 273

أقول: لم أجد حديث أبي هريرة هذا بلفظ: «فلا صوم عليه» وإنما وجدته بلفظ «فلا يصم» ونحوه، ولا ريب أنه إذا كان في رمضان يلزمه قضاء ذاك اليوم. هذا، وقوله: «هي أعلم» لا يناقض جوابه المتقدم، وإنما المعنى: هي أعلم بذاك الشأن الذي تتعلّق به المسألة، ووجه ذلك واضح. وقد عرفتَ صرامةَ عائشة وشدّة إنكارها ما ترى أنه خطأ. وسيأتي طرفٌ من ذلك (١) ــ وشدّتها على أبي هريرة خاصة ــ فاقتصارها إذ بلغها حديثُه هذا على أن بعثت إليه أن لا يحدِّث بهذا الحديث [ص ١٢١] وذِكْرها فِعْل النبيّ ﷺ = يدلّ دلالة قوية أنها عرفت الحديث ولكنها رأت أنه منسوخ بفعل النبيّ ﷺ . ويؤيد هذا أنّ ابنَ اختها وأخصّ الناس بها وأعلمهم بحديثها: عُروة بن الزبير استمرّ قولُه على مقتضى الحديث الذي ذكره أبو هريرة، وهذا ثابت عن عروة، وانظر «فتح الباري» (١٢٤: ٤) (٢)، وذكر مثله أو نحوه عن طاووس وعطاء وسالم بن عبد الله بن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وهؤلاء من كبار فقهاء التابعين بمكة والمدينة والبصرة والكوفة. والنظر يقتضي هذا، وشرح ذلك يطول. وكأنَّ عُروة حَمَل فعلَ النبيّ ﷺ الذي ذكرتْه عائشة على الخصوصية أو غيرها مما لا يقتضي النسخ. واستدلّ الجمهور على النَّسْخ بقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. قالوا: فهذه الآية نَسَخَتْ بالإجماع

стр. 274

ما كان قبل ذلك من تحريم الجماع في ليالي رمضان بعد النوم، وهي تتضمن إحلاله في آخر جزء من الليل بحيث ينتهي بانتهاء الليل، ومن ضرورة ذلك أن يصبح جُنُبًا. فهذان شاهدا عَدْلٍ بصحة حديث أبي هريرة وصدقه؛ الأول: اقتصار عائشة على ما اقتصرت عليه. الثاني: مذهب تلميذها وابن اختها عروة. وثَمَّ شاهد ثالث: وهو أن المتفق عليه بين أهل العلم وعليه دلَّ القرآن أنه كان الحكم أوَّلًا تحريم الجماع في ليالي رمضان بعد النوم، وأنَّ مَن فعل ذلك لم يصح صومه ذلك اليوم، والحكمة في ذلك ــ والله أعلم ــ أن يطول الفصل بين الجماع وبين طلوع الفجر، ولما كان من المحتمل أن يلجأ بعضُ الناس إلى السهر طول الليل ويجامع قبيل الفجر بحجّة أنه إنما جامع قبل النوم ناسب ذلك أن يحرّم كونه جُنبًا عند طلوع الفجر، ليضطرّ من يريد الجماع ممن يَسْهر إلى أن يقدّمه قبل الفجر بمدة تتسع له وللغسل بعده، فيحصل بذلك المقصود مِن طول الفصل. وهذا هو مقتضى حديث أبي هريرة. وشاهد رابع: وهو أَنَّا مع عِلْمنا بصدق أبي هريرة وأمانته، لو فرضنا جدلًا خلاف ذلك، فأيّ غرض شخصيّ لأبي هريرة في أن يرتكب الكذب على النبيّ ﷺ ليحمل الناس على ما تضمّنه حديثه؟ لا غرض له البتة، وإذًا فلابد أن يكون كان عنده دليلٌ فَهِمَ منه ذلك، وقد عرفنا أنَّه قَلّما يلجأ إلى الاستنباط الدقيق، وإنما يتمسَّك بالنصوص، وقد نصَّ هو على أن دليله هو ذاك الحديث، فبان أن الحديث كان عنده. فهذه أربعة شهود على صِدْق أبي هريرة في هذا الحديث، وفوق ذلك ما ثبت من دينه وأمانته، ودلّ عليه الكتاب والسنة كما يأتي في فصل عدالة

стр. 275

الصحابة (١)، وشهد به جَمْعٌ من الصحابة، وأجمع عليه أهل العلم، فهذا هو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ قال أبو ريَّة: (فاستشهد ميتًا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله ﷺ كما قال ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث»). أقول: قد تقدّم أنّ الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض، ويقول أحدُهم فيما سمعه من أخيه عن النبي ﷺ : «قال النبي ﷺ ... ». وكان ذلك يُفْهَم على الاحتمال بدون إيهام لاشتهار عُرْفِهم به قبل عُرْفِ المحدّثين. وقد أخذ أبو هريرة عن غيره من الصحابة في حياة النبيّ ﷺ وعَقِبَ وفاته، ثم طال عمره حتى كانت قضية هذا الحديث في إمارة مروان على المدينة وذلك في خلافة معاوية، وكان معظم الصحابة قد ماتوا، فما الذي يستغرب من أن يكون مخبر أبي هريرة قد مات؟ وقد تقدَّم بيان الأدلة الواضحة على صدق أبي هريرة وصحَّة حديثه هذا. لكن انظر إلى عبارة أبي ريَّة في قوله (فاستشهد ... كما قال ابن قتيبة ... ) ألا ترى أن هذا الخبر يُعْطِي بأن ابن قتيبة قال ذلك من عنده وأنَّه رأيه، لكنّ الواقع أن ابن قتيبة إنما حكى ذلك عن النظَّام بعد أن وصفه بما تقدّم ثم ردَّ عليه، فماذا تقول في أبي رية؟ (٢). ثم قال ص ١٦٨: (وكان عليّ ﵁ سيِّئ الرأي فيه، وقال عنه: ألا إنه أكذب الناس، أو قال: أكذب الأحياء على رسول الله لأبو هريرة).

стр. 276

أقول: لم يذكر أبو ريَّة مصدره فنفضحه، وكأنه أخذ هذا من كتاب عبد الحسين الرافضي (ظلمات بعضها فوق بعض) انظر (ص ١١٩) (١). ثم رأيت مصدره وهو «شرح النهج» لابن أبي الحديد (٣٦٠: ١) (٢) حكاية عن الإسكافي، ومع تهوُّر ابن أبي الحديد والإسكافي فالعبارة هناك «وقد رُوي عن عليّ ﵇ أنه قال ... » ولكن أبا ريَّة يجزم. راجع (ص ١٠٩) (٣). قال: (ولما سمع أنه يقول: حدثني خليلي. قال له: متى كان النبي خليلك؟). أقول: هذا من دعاوى النظَّام على عليّ، وقد كان أبو ذر يقول هذه الكلمة، والنبي ﷺ خليل كلّ مؤمن وإن لم يكن أحد من الخلق خليلًا له ﷺ لقوله: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر» (٤). والخليل كالحبيب، فكما أنه لا يلزم من كون إنسان حبيبك أن تكون حبيبه فكذلك الخليل، والخُلّة أعظم مِن المحبة، فلا يلزم من نفي الخلّة نفي المحبة. قال أبو ريَّة: (ولما روى حديث: متى استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الإناء [ص ١٢٣] فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» لم تأخذ به عائشة

стр. 277

وقالت: كيف نصنع بالمهراس» وعلّق عليه: «المهراس صخر ضخم منقور لا يحمله الرجال ولا يحركونه يملؤونه ماء ويتطهَّرون). أقول: قد أسلفتُ (ص ١٠٨) (١) أن عائشة لم تتكلّم في هذا الحديث بحرف، وإنما يُرْوَى عن رجل يقال له قين الأشجعي (٢) أنه قال لأبي هريرة لمَّا ذكر الحديث: «فكيف نصنع إذا جئنا مهراسكم هذا؟» فقال أبو هريرة: «أعوذ بالله من شرِّك». كره أبو هريرة أن يقول مثلًا: إن المهراس ليس بإناء، والعادة أن يكون ماء الإناء قليلًا، وماء المهراس كثيرًا. أو يقول: أرأيت لو كانت يدك ملطخة بالقذر؟ أو يقول: إن وجدت ماء غيره أو وجدت ما تغرف به فذاك وإلا رجوت أن تُعْذَر، أو نحو ذلك؛ لأن أبا هريرة ﵁ كان يتورَّع عن تشقيق المسائل، ويدع ذلك لمن هو أجْرَأُ وأشدُّ غوصًا على المعاني منه. وقد كان النبيّ ﷺ يلتزم في الوضوء أن يغسل يديه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، ثبت ذلك من حديث عثمان وعبد الله بن زيد (٣). ولا يخفى ما في ذلك مِنْ رعاية النظافة والصحة. قال أبو ريَّة: (ولما سمع الزبير أحاديثه قال: صدق، كذب).

стр. 278

أقول: عزاه إلى «البداية» (٨: ١٠٩) (١) وهو هناك عن ابن إسحاق عن عمر ــ أو عثمان ــ بن عروة بن الزبير عن عروة قال: «قال لي أبي ــ الزبيرـ: أَدْنِني من هذا اليماني ــ يعني أبا هريرة ــ فإنه يكثر الحديثَ عن رسول الله ﷺ . فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدّث، وجعل الزبير يقول: صدق، كذب. صدق، كذب. قال: قلت: يا أبت ما قولك: صدق، كذب؟ قال: يا بني أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله ﷺ فلا أشكّ فيه، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه». أقول: في خطبة أبي بكر الصديق ﵁: «إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّ الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمّهم بعقابه». انظر «تفسير ابن كثير» (٣: ٢٥٧) (٢). فالوضع على غير الموضع ليس بتغيير اللفظ، فإن الناس لم يغيّروا مِن لفظ الآية شيئًا، وإنما هو الحَمْل على [غير] (٣) المحمل الحقيقي. ومثال ذلك في الحديث: أن [ص ١٢٤] يذكر أبو هريرة حديث النهي عن الادّخار مِن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وحديث النهي عن الانتباذ في الدّبّاء والنقير والمزفَّت، فيرى الزبير أن النهي عن الادخار إنما كان لأجل الدافَّة، وأنّ النهي عن الانتباذ في تلك الآنية إنما كان إذ كانوا حديثي عهد بشرب الخمر؛

стр. 279

لأن النبيذ في تلك الآنية يُسْرع إليه التخمّر، فقد يتخمّر فلا يصبر عنه حديث العهد بالشرب. ونحو ذلك. وأن أبا هريرة إذ أخبر بذلك على إطلاقه يفهمه الناس على إطلاقه، وذلك وَضْعٌ له على غير موضعه. ففي القصة شهادةُ الزبير لأبي هريرة بالصدق في النقل، فأما ما أخذه عليه فلا يضرُّه، فإن في الأحاديث الناسخَ والمنسوخ، والعامَّ والخاص، والمطلقَ والمقيّد، وقد يعلم الصحابي هذا دون ذاك، فعليه أن يبلّغ ما سمعه، والعلماء بعد ذلك يجمعون الأحاديث والأدلة، ويفهمون كلًّا منها بحسب ما يقتضيه مجموعها، وراجع (ص ٣٢) (١). قال أبو رية ص ١٦٩: (وعن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدّث عن رسول الله: «إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار» فطارت شققًا ثم قالت: كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم من حدَّث بهذا عن رسول الله ﷺ ، إنما قال رسول الله ﷺ : «كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار». ثم قرأت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]). أقول: أخرج أحمد وأبو داود بسند جَيِّد عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: «لا عَدْوى ولا طِيَرة ولا هام، إن تكن الطِّيَرةُ في شيء ففي الفَرَس والمرأة والدار» انظر «مسند أحمد» الحديث (٥٠٢ و ٥٥٤) (٢). وفي «فتح الباري» (٦: ٤٥) (٣): «الطِّيَرة والشؤم بمعنى واحد». وفي «الصحيحين» (٤)

стр. 280

وغيرهما من حديث ابن عمر قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار» لفظ البخاري في كتاب الجهاد، باب ما يُذْكَر من شؤم الفرس، وفي «الصحيحين» (١) وغيرهما من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: «إن كان ففي المرأة والفرس والمسكن». زاد مسلم: «يعني الشؤم». وجاء نحوه بسند جَيِّد عن أمِّ سلمة وزادت: «والسيف» راجع «فتح الباري» (٦: ٤٧) (٢). وفي «صحيح مسلم» (٣) من حديث جابر مرفوعًا: «إن كان في شيء ففي الرَّبع والخادم والفرس». أما روايته عن أبي هريرة فعزاه أبو ريَّة إلى «تأويل مختلف الحديث» (٤) لابن قتيبة، وقد رواه الإمام أحمد [ص ١٢٥] في «المسند» (٦: ١٥٠ و ٢٤٠ و ٢٤٦) (٥) من طريق قتادة عن أبي حسَّان. وليس بالصحيح عن عائشة؛ لأن قتادة مدلِّس، ولو صحّ عن عائشة لما صح المنسوب إلى أبي هريرة لجهالة الرجلين، وليس في شيء من روايات أحمد لفظ «كذب» ولو صحّت لكانت بمعنى «أخطأ» كما يدلّ عليه آخر الحديث. وقد تبين أنه لا خطأ، فقد رواه جماعة من الصحابة كما علمت. فأما معناه والجمع بينه وبين الآية فيُطْلَب من مظانّه. قال أبو ريَّة: (وأنكر عليه ابن مسعود قوله: مَن غسَّل ميتًا ... وقال فيه قولًا شديدًا، ثم قال: يا أيها الناس لا تنجسوا موتاكم).

стр. 281

أقول: عزاه إلى «جامع بيان العلم» لابن عبد البر (٢: ٨٥) (١) وهو هناك بغير إسناد، وفي «سنن البيهقي» (١: ٣٠٧) عن ابن مسعود: «إنْ كان صاحبكم نجسًا فاغتسلوا وإن كان مؤمنًا فلم نغتسل (٢)؟» وسنده واه. وقد جاء الغسل مِن غَسْل الميت من حديث عليّ وفِعْلِه، ومن حديث عائشة وحذيفة وأبي سعيد والمغيرة، راجع «سنن البيهقي» (١: ٢٩٩ - ٣٠٧)، و «تلخيص الحبير» (ص ٥٠ و ١٥٧) (٣). فمن أهل العلم مَن يستحب، ومنهم مَن يوجب، ومنهم من يقول: منسوخ، ومنهم من ينكر. ويظهر لي أن مَنْ جعله من باب التطهُّر لحَدَث أو نجس قد أبعد، ومن أنكره لأن الميت ليس بنجس قد أبعد، وإنما هو لمعنى آخر. والعارفون بعلم النفس والصحة يرون له تعلُّقًا بذلك، والله أعلم. قال: (ولمّا روى حديث: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه» فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر أبو هريرة). أقول: تصرَّفَ أبو ريَّة في هذا، والحديث في «سنن أبي داود» (٤) في آخره «قال: فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا، قال: فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبي إن كنتُ حفظتُ ونسوا».

стр. 282

وقد تقدم (ص ١١٩) (١) مع بعض ما يناسبه. وفي «الصحيحين» (٢) وغيرهما عن عائشة ﵁ قالت: «كان النبيّ ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شِقّه الأيمن». قال أبو ريَّة: (ولا نستوفي ذكر انتقاد الصحابة له والشك في روايته ... ). أقول: قد اتضح بحمد الله الجواب عمَّا ذَكر، ومنه يُعْلَم حال مالم يَذكر. قال: (وقد امتد الإنكار عليه واتهامه في رواياته إلى مَن بَعْد الصحابة). أقول: قد تبين أنه لم يتهمه أحدٌ من الصحابة، بل أثنوا عليه وسمعوا منه ورووا عنه، وسيأتي تمام ذلك [ص ١٢٦] وتبيّن قيام حجته الواضحة في أكثر ما انتُقِد عليه، وعذره الواضح في ما بقي، وبذلك سقط ما يخالفه من كلام مَنْ دونهم، وسنرى. قال: (روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: أقلِّد مَن كان من القضاة المفتين من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعبادلة الثلاثة، ولا أستجيز خلافهم برأيي إلا ثلاثة نفر ــ وفي رواية: أقلد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأيي إلا ثلاثة نفر ــ: أنس بن مالك وأبو هريرة وسمرة بن جندب» فقيل له في ذلك، فقال: أما أنس فاختلط في آخر عمره، وكان يُستفتى فيُفتي من عقله، وأنا لا أقلد عقله، وأما أبو هريرة فكان يروي كلَّ ما سمع من غير أن يتأمل في المعنى، ومن غير أن يعرف الناسخ من المنسوخ). أقول: عزا أبو ريَّة هذه الحكاية إلى «مختصر كتاب المؤمل» (٣)

стр. 283

لأبي شامة، وأبو شامة من علماء الشافعية في القرن السابع (١) بينه وبين محمد بن الحسن عدة قرون، ولا ندري من أين أخذ هذا. وقد احتاج العلَّامة الكوثري في رسالته «الترحيب» (ص ٢٤) (٢) إلى هذه الحكاية. ومع سَعَة اطلاعه على كتب أصحابه الحنفية وغيرهم لم يجد لها مصدرًا إلا مصدر أبي ريَّة هذا. وحكايةٌ مثل هذه عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة لا توجد في كتب الحنفية أيّ قيمةٍ لها؟ (٣). هذا، والحكاية لا تتعرَّض للأحاديث التي يرويها الصحابة، وإنما تتعلَّق بقول الصحابي الموقوف عليه هل يجوز لمن بعده مخالفته برأيه؟ فحاصلها أنَّ أبا حنيفة يقول: إنه لا يخالف قول أحدٍ من الصحابة برأيه سوى أولئك الثلاثة. فأقول: أما أنس فراجع «طليعة التنكيل» الطبعة الثانية (ص ١٠١ - ١٠٨) (٤). وأما أبو هريرة فقوله فيه: «يروي كلّ ما سمع». يعني بها: كلّ ما سمعه من الأحاديث، وليس هذا بطعن في روايته ولا هو المقصود، وإنما هو مرتبط بما بعده وهو قوله: «من غير ... » والمدار على هذا، يقول: إنه لأجل هذا لا يوثَق بما قاله برأيه؛ إذ قد يأخذه من حديث منسوخ ونحو ذلك،

стр. 284

وسيأتي ما فيه (١). وفي الحاشية (٢): (قال في «مرآة الوصول» وشرحها «مرقاة الأصول» من أصول الحنفية ﵏ في بحث الراوي: وهو إن عرف بالرواية فإن كان فقيهًا تقبل منه الرواية مطلقًا سواء وافق القياس أو خالفه. وإن لم يكن فقيهًا (كأبي هريرة وأنس) ﵄ فترد روايته). أقول: في هذا أمران، الأول: أن الصواب: «في «مرقاة الوصول» وشرحها «مرآة الأصول». الثاني: أن مؤدَّى العبارة ــ على ما نقله أبو ريَّة ــ ردُّ رواية أبي هريرة وأنس ونحوهما مطلقًا، لكن تمام العبارة في مصدره: «إن لم يوافق ــ الحديث الذي رواه ــ قياسًا أصلًا، حتى إن وافق قياسًا وخالف قياسًا تقبل». على أن [ص ١٢٧] هذا القول قد ردَّه محقّقو الحنفية، قال ابن الهمام في «التحرير»: «وأبو هريرة فقيه». قال شارحه ابن أمير الحاج (٢: ٢٥١) (٣): «لم يعدم شيئًا من أسباب الاجتهاد، وقد أفتى في زمن الصحابة، ولم يكن يفتي في زمنهم إلا مجتهد، وروى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من (٤) بين صحابي وتابعي، منهم ابن عباس وجابر وأنس، وهذا هو الصحيح». ذكر أبو ريَّة في الحاشية (٥): أن في قوله: «يروي كلَّ ما سمع» إشارة

стр. 285

إلى حديث: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكلِّ ما يسمع» (١). أقول: هذا الحديث عام يشمل ما يسمع مما يُعلم أو يُظن أنه كذب، وأبو هريرة إنما كان يحدّث بالعلم، بما يعلم أو يعتقد أنه صدق، فأين هذا من ذاك؟ وقال ص ١٧٠: (وروى أبو يوسف قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجيئني عن رسول الله يخالف قياسنا، ما نصنع به؟ فقال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي. فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟ قال: ناهيك بهما. فقلت: وعلي وعثمان، قال: كذلك، فلما رآني أعد الصحابة قال: والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالًا - وعدَّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك). أقول: لم يذكر مصدره. وهذه عادته (الحميدة) في تدليس بلاياه. ثم وجدت مصدره وهو «شرح نهج البلاغه» لابن أبي الحديد (١: ٣٦٠) (٢) عن أبي جعفر الإسكافي فراجع ما تقدم (ص ١٠٩) (٣). ولا ريب أنَّ هذا لا يصح عن أبي يوسف ولا أبي حنيفة، والمعروف عنهما وعن أصحابهما في كتب العقائد والأصول وغيرها ما عليه سائر أهل السنة: أن الصحابة كلّهم عدول، وإنما يقول بعضهم: إن فيهم من ليس بفقيه أو مجتهد، قال ابن الهمام في «التحرير» (٤): « ... يقسم الراوي الصحابي إلى مجتهد كالأربعة والعبادلة، فيقدَّم على القياس مطلقًا، وعَدْل ضابط كأبي هريرة وأنس وسلمان وبلال فيقدَّم، إلا إن خالف كلَّ الأقيسة على قول عيسى والقاضي أبي زيد ... » ثم قال بعد ذلك: «أبو هريرة مجتهد» كما تقدّم.
следующие страницы →