المقام الثاني: في الحديث عن عائشة: «حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: يا عائشة أشعرتِ أنّ الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ أتاني رجلان (أي ملكان ــ كما في رواية أخرى ــ في صورة رجلين) ... فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب. قال: مَنْ طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أيِّ شيء؟ قال: في مُشْط ومُشاطة وجُفّ طَلْع نخلة ذَكَر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه فجاء ... قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهتُ أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدُفِنَتْ».
ومحصّل هذا: أن لبيدًا أراد إلحاق ضرر بالنبيِّ ﷺ ، فعمل عملًا في مُشط ومشاطة الخ، فهل من شأن ذلك أن يؤثر؟ [ص ١٨٢] قد يقال: لا، ولكن إذا شاء الله تعالى خَلَق الأثرَ عَقِبه. والأقرب أن يقال: نعم بإذن الله، والإذن هنا خاص، وبيانُه: أن الأفعال التي من شأنها أن تؤثِّر ضربان:
الأول: ما أذن الله تعالى بتأثيره إذنًا مطلقًا ثم إذا شاء مَنَعَه، وذلك كالاتصال بالنار مأذون فيه بالإحراق إذنًا مطلقًا، فلما أراد الله تعالى منعه قال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].
الضرب الثاني: ما هو ممنوع من التأثير منعًا مطلقًا، فإذا اقتضت الحكمة أن يمكَّن من التأثير رُفِع المنع فيؤثر. وقوله تعالى في السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] يدلُّ أنه من الضرب الثاني، وأنّ المراد بالإذن الإذن الخاص، والحكمةُ في مصلحة الناس تقتضي هذا، والواقع في شؤونهم يشهد له، وإذ كان هذا حاله فلا غرابة في خفاء وجه التأثير علينا.
стр. 387
المقام الثالث: النظر في كلام الشيخ محمد عبده. وفيه ثلاث قضايا:
القضية الأولى: قال: (فعلى فرض صحته هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد).
أقول: أما صحته فثابتة بإثبات أئمة الحديث لها، فإنْ أراد الصحة في نفس الأمر فهب أنَّا لا نقطع بها ولكنَّا نظنها ظنًّا غالبًا، وعلى كلا الحالين فواضعو تلك القاعدة لا ينكرون أنه يفيد الظن، ومَن أنكر ذلك فهو مكابر، وإذا أفاد الظنَّ فلا مفرَّ من الظنّ وما يترتَّب على الظن، فلم يبق إلا أنه لا يفيد القطع، وهذا حقٌّ في كلّ دليل لا يفيد إلا الظن.
القضية الثانية: أنه مناف للعصمة في التبليغ قال: (فإنه قد خالط عقلَه وإدراكَه في زعمهم ... فإنه إذا خولط ... في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلّغ شيئًا وهو لم يبلغه، أو أن شيئًا ينزل عليه وهو لم ينزل عليه).
أقول: أما المتحقِّق من معنى الحديث كما قدَّمنا في المقام الأول فليس فيه ما يصحّ أن يُعَبَّر عنه بقولك: «خُولط في عقله» وإنما ذاك خاطر عابر، ولو فُرِض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا لم يتَعَدَّه إلى سائر أمور الدنيا فضلًا عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ، بل سبيلُه سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعًا، وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة، وراجع (ص ١٨ - ١٩) (١). وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون، وأَخْذه برأسه لظنه أنه قصَّر مع أنه لم يقصِّر، وفيه قول يعقوب لبنيه لمَّا ذكروا له ما جرى لابنه الثاني: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ [ص ١٨٣] لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨]
стр. 388
يتَّهمهم بتدبير مكيدة مع أنهم كانوا حينئذ أبرياء صادقين. وقد يكون من هذا بعض كلمات موسى للخضر. وانظر قوله تعالى عن يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
القضية الثالثة: الحديث مخالف للقرآن (في نفيه السحر عنه ﷺ وعدّه من افتراء المشركين عليه ... مع أن الذي قصَدَه المشركون ظاهر؛ لأنهم كانوا يقولون: إنّ الشيطان يُلابسه ﵇، ومُلابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضَرْب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذي يُنسب إلى لبيد ... وقد جاء بنفي السحر عنه ﵇، حيث نَسَب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبَّخهم على زعمهم هذا، فإذًا هو ليس بمسحور قطعًا).
أقول: كان المشركون يعلمون أنه لا مساغ لأن يزعموا أنه ﷺ يفتري ــ أي يتعمَّد ــ الكذب على الله فيما يخبر به عنه، ولا لأنه يكذب في ذلك مع كثرته غير عامد، فلجأوا إلى محاولة تقريب هذا الثاني بزعم أنَّ له اتصالًا بالجنّ، وأنَّ الجِنّ يُلْقون إليه ما يلقون، فيصدّقهم ويخبر الناس بما ألقوه إليه. هذا مدار شبهتهم، وهو مرادهم بقولهم: به جِنَّة. مجنون. كاهن. ساحر. مسحور. شاعر. كانوا يزعمون أنَّ للشعراء قُرَناء من الجن تُلقي إليهم الشعرَ؛ فزعموا أنه شاعر أي: أن الجن تُلقي إليه كما تُلقي إلى الشعراء، ولم يقصدوا أنه يقول الشعر. أو أن القرآن شعر.
إذا عُرِف هذا، فالمشركون أرادوا بقولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] أنَّ أمْرَ النبوّةِ كلّه سحر، وأن ذلك ناشئٌ عن الشياطين استولوا عليه ــ بزعمهم ــ يُلقون إليه القرآن، ويأمرونه وينهونه فيصدقهم في ذلك كلّه ظانًّا أنه إنما يتلقّى من الله وملائكته. ولا ريب أن الحال التي ذكر
стр. 389
في الحديث عروضها له ﷺ لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون، ولا هي من قبيلها في شيء من الأوصاف المذكورة. إذن تكذيب القرآن وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث.
فإن قيل: قد أطلق على تلك الحالة أنها سحر، ففي الحديث عن عائشة: «سَحَر رسولَ الله ﷺ رجلٌ ... » والسحر من الشياطين، وقد قال الله تعالى للشيطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
قلت: أما الذي أخبر به النبيّ ﷺ عن المَلَك فإنّما سمّاها (طبًّا) كما مرَّ في الحديث، وقد أنشد ابن فارس في «مقاييس اللغة» (٤٠٨: ٣):
فإن كنتُ مطبوبًا فلا زِلْتُ هكذا ... وإن كنتُ مسحورًا فلا برأ السحرُ (١)
وأقلّ ما يدل عليه هذا: أنّ الطّبَّ أخصّ من السِّحْر، وأن من الأنواع التي يُصاب بها الإنسان ويطلق [ص ١٨٤] عليها «سحر» ما يقال له: «طبّ» وما لا يقال: «طب». وعلى كلِّ حال فالذي ذُكِر في الحديث ليس من نوع ما زعمه المشركون، ولا هو من ملابسة الشيطان، وإنما هو أثر نفس الساحر وفعله. وقد قدَّمْتُ أنَّ وقوع أثر ذلك نادر، فلا غرابة في خفاء تفسيره. وهذا يغني عما تقدم (ص ٩٨) (٢).
ثم نقل أبو ريَّة ص ٢٦١ ــ فصلًا عن صاحب «المنار» فيه: (إن بعض أحاديث
стр. 390
الآحاد تكون حجة على من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها، ولا تكون حجة على غيره يَلْزم العملُ بها).
أقول: عدم الثبوت والطمأنية قد يكون لسبب بيِّن، وقد يكون لسبب محتمل يقوَى عند بعض أهل العلم ويضعف عند بعضهم، وقد يكون لما دون ذلك من هوى وزيغ وارتياب وتكذيب. وعلى الأمة أن تُنْزِل كلّ واحد من هؤلاء منزلته بحسب ما يتبيَّن من حاله. وكما أننا إذا رأينا مَنْ يتعبَّد عبادة غير ثابتة شرعًا، فسألناه، فذكر حديثًا باطلًا، فبيَّنَّا له فقال: هو ثابت عندي مطمئنٌّ به قلبي= كان علينا أن ننكر عليه، وكان على وليِّ الأمر ومن في معناه منعه ومعاقبته. فكذلك إذا رأينا رجلًا ينفي حديثًا ثابتًا وبيَّنَّا له ثبوته، فقال: لم يثبت عندي ولم يطمئنَّ به قلبي، ولم يذكر سببًا، أو ذكر سببًا لا يُعتَدُّ به شرعًا.
قال: (ولذلك لم يكن الصحابة يكتبون جميع ما سمعوا من الأحاديث ويدعون إليها ... ).
أقول: قد تقدم الكشف عن هذا (ص ٢٠ - ٥٠) (١).
قال: (ولم يرض الإمام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحمل الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ).
أقول: إنما أنكر الإلزام بـ «الموطأ»، لأنه يعلم أنَّ فيه أحاديث أخذ بها هو وقد يكون عند غيره ما يخصِّصها، أو يقيّدها أو يعارضها، وفيه توقّف عن أحاديث قد يكون عند غيره ما يقوِّيها ويؤيِّدها، وقد يكون عند غيره أحاديث لم يقف عليها هو، وفيه كثير مما قاله باجتهاده، وفي الأمة علماء لهم أن
стр. 391
يجتهدوا ويعملوا بما رَجَح عندهم وإن خالفوا مالكًا، وفوق هذا كلِّه فهو يعلم أنه بنى على ما فهمه من القرآن ومن الأحاديث التي ذكرها، وأنَّ في علماء الأمة من يخالفه في بعض ذلك الفهم.
وعلى كلِّ حال فليس في امتناع مالك من إلزام الأمة كلها علمائها وعامّتها بقوله ما يقتضي أن لا يُلْزَم بالعمل بالحديث مَنْ يعلم أنه ليس عنده ما يخالفه إلا الهوى والزيغ والارتياب والتكذيب والعناد.
ثم قال ص ٢٦٢: (وإنما يجب العمل ... ). كرر معنى ما تقدم.
[ص ١٨٥] قال: (أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد ... ).
أقول: راجع (ص ١٨٢) (١).
قال: (وكل من ظهر له علة في رواية حديث فلم يصدق رفعه لأجلها فهو معذور كذلك).
أقول: الصواب في هذا أن يُنظر في تلك العِلّة ويُعامل صاحبها بما يستحق، كما مرَّ.
قال: (ولا يصح أن يقال: إنه مكذب لحديث كذا).
أقول: أمّا إن زعم أنه كذب فهو مكذِّب له، ولا يَضُرُّه ذلك مالم يلزمه أحد أمرين: إما تكذيب النبيّ ﷺ ، وإما تكذيبُ صادقٍ بغير حجة.
قال: (وهي تفيد الظن).
أقول: في هذا كلام معروف.
стр. 392
قال: (ومن القواعد الجليلة ... أن طروء الاحتمال في المرفوع من وقائع الأحوال يكسوها ثوبَ الإجمال فيسقط به الاستدلال).
أقول: موضع هذا أن يحتمل الخبرُ وجهين ولا دليل فيه على أحدهما، فأما إذا كان أحدهما راجحًا فالحكم له.
ثم قال أبو ريَّة ص ٢٦٣: (ليس في الحديث متواتر ... ).
أقول: مَن نفى هذا إنما نفى التواتر اللفظيّ، فأما المعنويّ فكثير، فلتراجع الكتب التي نقل عنها.
وذكر في الحاشية: حديثَ الحوض، وكأنه استهزأ به، ومن استهزأ به فليس من أهله .
ثم ذكر شيئًا من تقسيم العلماء للحديث، إلى أن قال ص ٢٦٧: (تعدد طرق الحديث لا يقويها. قال العلامة السيد رشيد رضا: يقول المحدثون في بعض الأحاديث حتى التي لم يصح لها سند: إن تعدد طرقها يقويها. وهي قاعدة للمحدّثين لم يشر إليها الله في كتابه، ولا ثبتت في سنته عن رسوله، وإنما هي مسألة نظرية غير مطَّردة).
أقول: أما إطلاق أبي ريَّة في العنوان فباطل قطعًا كما سترى. وأما إشارة القرآن فيمكن إثباتها باشتراط القرآن العدد في الشهود، وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]. ومن السنة: حديث ذي اليدين، والمعقول واضح. نعم قوله: (غير مطردة) حق لا ريب فيه، بل أزيد على ذلك أن بعض الأخبار يزيده تعدد الطرق وهنًا، كأن يكون الخبر في فضل رجل، وفي كلِّ طريقٍ من طرقه كذَّاب أو مُتَّهَم ممن يتعصَّب له أو مغفَّل أو مجهول.
[ص ١٨٦] قال: (فتعدد الطرق في مسألة مقطوع ببطلانها شرعًا كمسألة الغرانيق،
стр. 393
أو عقلًا لا قيمة له، لجواز اجتماع تلك الطرق على الباطل).
أقول: أما الباطل يقينًا فلا يفيده التعددُّ شيئًا، بل يبعد جدًّا أن تتعدد طرقه تعددًا يفيده قوة قوية، نعم قد يختلف المتن في الجملة ويكون الحكم بالبطلان إنما هو بالنظر إلى ما وقع في بعض الطرق، وقد يكون ذلك الخطأ وقع فيه، وقد يفهم الناظر معنى يحكم ببطلانه، وللخبر معنى آخر مستقيم، وكثيرًا ما يقع الخلل في الحكم بالبطلان.
وقال أبو ريَّة ص ٢٦٩: (كتب الحديث المشهورة) ثم ذكر «الموطأ» وذكر أشياء ينبغي مراجعةُ مصادرها، إلى أن قال ص ٢٧٣: (قال ابن معين: إن مالكًا لم يكن صاحب حديث، بل كان صاحب رأي).
أقول: لم يذكر مصدره إن كان له مصدر، ومن المتواتر ثناء ابن معين البالغ على مالك بمعرفة الحديث ورواته والإتقان والتثبُّت (١)، وليس من شأن ابن معين النظر في الفقه.
قال: (وقال الليث بن سعد: أحصيتُ على مالك سبعين مسألة وكلُّها مخالفة لسنة الرسول).
أقول: قد عرفنا أنَّ مالكًا ربما توقف عن الأخذ بالحديث لاعتقاده أنه منسوخ أو نحو ذلك، وقد تُبنى على الحديث الواحد مئات من المسائل، وقد قال مالك: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فما وافق السنة فخذوا به» (٢).
стр. 394
قال: (وقد اعترف مالك بذلك).
أقول: لم يذكر مأخذه حتى نبيِّن له غلطه أو مغالطته.
قال: (وألَّف الدارقطني جزءًا فيما خولف فيه مالك من الأحاديث في الموطأ وغيره، وفيه أكثر من عشرين حديثًا) (١).
أقول: منها ما الصواب فيه مع مالك، ومنها ما كلا الوجهين صحيح، ومنها ما الاختلاف فيه في أمر لا يضر.
ثم قال: (البخاري وكتابه ... ) إلى أن قال ص ٢٧٤: (كان البخاري يروي بالمعنى ... ).
أقول: تقدم النظر في ذلك (ص ٩٥) (٢).
قال: (قال ابن حجر: من نوادر ما وقع في البخاري أنه يخرج الحديث تامًّا بإسناد واحد بلفظين ... ).
أقول: عزاه إلى «فتح الباري» (١٨٦: ١٠) وإنما هو في (١٩٣: ١٠) (٣) من الطبعة الأولى الميرية، وبيَّن ابن حجر هناك أن اختلاف اللفظ وقع ممن فوق البخاري لا من البخاري، فراجعه، وتعجَّب من أمانة أبي ريَّة!
[ص ١٨٧] ثم قال: (موت البخاري قبل أن يبيّض كتابه. يظهر أن البخاري مات قبل أن يتم تبييض كتابه، فقد ذكر ابن حجر في «مقدمة فتح الباري» أن أبا إسحق
стр. 395
إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفِرَبْري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها. فأضفنا بعض ذلك إلى بعض. قال أبو الوليد الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول: أن رواية أبي إسحاق المستملي ورواية ... مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدَّر كلُّ واحد منهم فيما كان في طُرَّة (١) أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضافه (٢) إليه. ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث).
أقول: قول أبي ريَّة (قبل أن يبيض) يوهم احتمال أن يكون في النسخة مالم يكن البخاريُّ مطمئنًّا إليه على عادة المصنِّفين، يستعجلُ أحدُهم في التسويد على أن يعود فينقِّح. وهذا باطل هنا، فإنَّ البخاريَّ حدَّث بتلك النسخة، وسمع الناسُ منه منها، وأخذوا لأنفسهم نُسَخًا في حياته، فثبت بذلك أنه مطمئنّ إلى جميع ما أثبته فيها، لكن ترك مواضع بياضًا رجاء أن يُضيفها فيما بعد فلم يتفق ذلك. وهي ثلاثة أنواع:
الأول: أن يثبت الترجمة وحديثًا أو أكثر، ثم يترك بياضًا لحديث كان يفكِّر في زيادته، وأَخَّر ذلك لسببٍ ما، ككونه كان يحبّ إثباته كما هو في أصله ولم يتيسر له الظَّفَر به حينئذ.
الثاني: أن يكون في ذهنه حديث يرى إفراده بترجمة، فيثبت الترجمةَ ويؤخر إثبات الحديث لنحو ما مرَّ.
стр. 396
الثالث: أن يثبت الحديث ويترك قبله بياضًا للترجمة؛ لأنه يُعنى جدًّا بالتراجم ويضمِّنها اختياره، وينبِّه فيها على معنى خفيّ في الحديث أو حَمْله على معنى خاص أو نحو ذلك. فإذا كان متردِّدًا تَرَك بياضًا ليتمَّه حين يستقرَّ رأيه. وليس في شيء من ذلك ما يوهم احتمال خلل في ما أثبته. فأما التقديم والتأخير فالاستقراء يبيّن أنه لم يقع إلا في الأبواب والتراجم، يتقدّم أحدُ البابين في نسخة ويتأخّر في أخرى، وتقع الترجمة قبل هذا الحديث في نسخة وتتأخر عنه في أخرى، فيلتحق بالترجمة السابقة. ولم يقع من ذلك ما يمسّ سياق الأحاديث بضرر. وفي «مقدمة الفتح» (١) بعد العبارة السابقة: «قلت: وهذه قاعدة حسنة يُفْزَعُ إليها حيث يتعسَّر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا».
ثم قال أبو ر ية ص ٢٧٥: (وقد انتقده الحفّاظ في عشرة ومائة حديث، منها ٣٢ حديثًا وافقه مسلم على إخراجها).
أقول: قد ساقها الحافظ ابن حجر في «مقدمة الفتح» (٢) وبيَّن حالها، ومن تدبَّر ذلك علم أن الأمر فيها هيِّن [ص ١٨٨] ليس فيه ما يحطّ مِن قَدْر البخاريِّ وصحيحه.
قال: (وكذلك ضعَّف الحفَّاظُ من رجال البخاري نحو ثمانين رجلًا ... ).
أقول: سيأتي النظر في هذا قريبًا (٣).
قال: (وقال السيد محمد رشيد رضا بعد أن عرض للأحاديث المنتقدة على
стр. 397
البخاري ما يلي: وإذا قرأت ما قاله الحافظ فيها رأيتها كلها في صناعة الفن ... ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه (فتح الباري) رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع غيرها مع محاولة الجمع بين المختلفات وحل للمشكلات بما يرضيك بعضه دون بعض).
أقول: السيد رشيد رضا وغيره يعلمون أنَّ في القرآن آيات يُشكل بعضُها على كثير من الناس، وآيات يتراءى فيها التعارض. والذين فسَّروا القرآن ــ ومنهم السيد رشيد ــ يحاولون حلّ ما يتراءى إشكاله والجمع بين ما يتراءى تعارضه (بما يرضيك بعضُه دون بعض). والقرآن كلُّه حقّ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. فثبت بهذا أن ما ذكره السيد رشيد رضا في تلك الأحاديث لا تصلح دليلًا على البطلان.
هذا، وللاستشكال أسباب، أشدّها استعصاء: أن يدلّ النص على معنى هو حقّ في نفس الأمر لكن سبق لك أن اعتقدت اعتقادًا جازمًا أنه باطل.
وقال ص ٢٧٦: (وقال الدكتور أحمد أمين ... إن بعض الرجال الذين روى لهم [البخاري] غير ثقات، وقد ضعَّف الحافظ من رجال البخاري فوق الثمانين).
أقول: هذا الأمر يتراءى مَهُولًا، فإذا تدبَّرنا حالَ أولئك الثمانين واستقرأنا ما أخرجه البخاري لهم= اتضح أنّ الأمر هيِّن، وقد ساق الحافظ ابن حجر في «مقدّمة فتح الباري» (١) تراجم هؤلاء وما قيل فيهم من مدح وقدح، وما أخرجه لهم البخاري، فذكر في أولهم ممن اسمه أحمد تسعةَ نفرٍ اختلف فيهم، وغالبهم من شيوخ البخاري الذين لقيهم واختبرهم، فثلاثة منهم اتضح أنهم ثقات وأنَّ قَدْح مَن قَدَح فيهم ساقطٌ، كما تراه جليًّا في
стр. 398
«مقدمة الفتح». وثلاثة فيهم كلام، وإنما أخرج لكل واحد منهم حديثًا واحدًا متابعة، يروي البخاريُّ الحديث عن ثقة أو أكثر، ويرويه مع ذلك عن ذاك المتكلَّم فيه، واثنان روى عن كلٍّ منهما أحاديث [ص ١٨٩] يسيرة متابعة أيضًا.
التاسع: أحمد بن عاصم البلخي ليس له في الصحيح نفسه شيء، ولكن المتسملي ــ أحد رواة الصحيح عن الفِرَبْرِي عن البخاري ــ أدرج في باب رفع الأمانة من الرقاق قوله: «قال الفربري: قال أبو جعفر: حدثت أبا عبد الله [البخاري] فقال: سمعت أبا [جعفر] أحمد بن عاصم يقول: سمعت أبا عبيد يقول: قال الأصمعي وأبو عَمْرو وغيرهما: جذر قلوب الرجال ــ الجذر الأصل من كل شيء، والوَكْت أثر الشيء ــ».
هذا هو التحقيق، وإن وقع في «التهذيب» و «مقدمة الفتح» (١) ما يوهم خلافه، وراجع «الفتح» (٣٨٦: ١١) (٢).
وإذ قد عرفتَ حالَ التسعة الأوَّلين فَقِسْ عليهم الباقي، وإن شئت فراجع وابحث يتضِحْ لك أنَّ البخاريَّ عن اللوم بمنجاة.
ثم قال أحمد أمين: (وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل، فالوقوف على أسرار الرجال محال، نعم إنّ مَن زلّ زلة واضحة سهل الحكم عليه، ولكن ماذا يصنع بمستور الحال؟ ).
أقول: الخبير الممارس لأحوال الناس وطباعهم، وللرواية وأحوال الرواة، وما جرى عليه أئمة النقد يتبين له أن الله تعالى قد هيَّأ الأسباب لبيان
стр. 399
الحق من الباطل، وراجع (ص ٥٥ و ٦٢) (١).
قال: (ثم إن أحكام الناس على الرجال تختلف كل الاختلاف، فبعضٌ يوثق رجلًا وآخر يكذبه، والبواعث النفسية على ذلك لا حدَّ لها ... ).
أقول: إذا نظرنا إلى الواقع فعلًا انقشع هذا الضباب، حسبك أن رجال البخاري يناهزون ألفي رجل، وإنما وقع الاختلاف في ثمانين منهم، وقد عرضتُ سابقًا حالَ الثمانين.
قال: (ولعل من أوضح ذلك عكرمة مولى ابن عباس ... ).
أقول: ترجمة عكرمة في «مقدمة فتح الباري» (٢) فليراجعها من أحبّ، أما البخاريُّ فكان الميزان بيده، لأنه كان يعرف عامة ما صحَّ عن عكرمة أنه حدَّث به، فاعْتَبَر حديثَه بعضه ببعض من رواية أصحابه كلهم، فلم يجد تناقضًا ولا تعارضًا ولا اختلافًا لا يقع مثله في أحاديث الثقات، ثم اعْتَبَر أحاديثَ عكرمة عن ابن عباس وغيره بأحاديث الثقات عنهم فوجدها يصدِّق بعضُها بعضًا، إلا أن ينفرد بعضهم بشيء له شاهد من القرآن أو من حديث صحابيّ آخر. فتبيَّن للبخاري أنه ثقة. ثم تأمَّلَ ما يصح مِن كلام مَن تكلَّم فيه فلم يجد حجةً تُنافي ما تبيَّن له.
قال: (فابن جرير الطبري يثق به كل الثقة، ويملأ تفسيره وتاريخه بأقواله والرواية عنه).
[ص ١٩٠] أقول: نعم يثق به ابن جرير، لكن ليس روايته عنه في «تفسيره» و «تاريخه» بدليل على ذلك، فإنه كثيرًا ما يروي فيهما عمن ليس بثقة عنده؛
стр. 400
ولا عند غيره؛ لأنه لم يلتزم بالصحة.
قال: (ومسلم ترجَّح عنده كذبه فلم يرو له إلا حديثًا واحدًا في الحج، ولم يعتمد فيه عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير).
أقول: كلمة (كذبه) لا وجه لها، ويَرُدُّها ما بعدها، فإن من استقرَّ الحكم عليه بأنه متّهم بالكذب لا يُتقوّى بروايته أصلًا ولا سيما في الصحيح، لكن لعل مسلمًا لم يتجشَّم ما تجشَّم البخاريُّ من تتبُّع حديث عكرمة واعتباره، فلم يتبيَّنْ له ما تبيَّنَ للبخاري، فوَقَف عن الاحتجاج بعكرمة.
ثم ساق أبو ريَّة فصولًا لم أُنْعِم النظرَ فيها (١)، وفيها مواضع قد تقدَّم الكلام فيها، إلى أن قال ص ٣٠٠: (المحدِّثون لا يُعْنَون بغلط المتون، والمحدّثون قلَّما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه واقعًا في نفس المتن، لأن ذلك ليس من شأنهم من جهة كونهم محدِّثين، وإنما هو من شأن المجتهدين، وإنما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه في نفس الإسناد لأنه من شأنهم).
أقول: الاختلاف في المتن على أضرب:
الأول: ما لا يختلف به المعنى، وهذا ليس باضطراب.
الثاني: ما يختلف به معنى غير المعنى المقصود، وهذا قريب من سابقه، ومنه القضية التي استدلَّ بها أبو ريَّة في عدة مواضع، يحسب أنه قد ظَفِر بقاصمة الظهر للحديث النبوي! وهي الاختلاف والشكّ في الصلاة الرباعية التي سها فيها النبي ﷺ ، فسلَّم من ركعتين، فنبَّهه ذو اليدين، فوقع
стр. 401
في رواية: «إحدى صلاتي العشيّ»، وفي رواية: «الظهر»، وفي أخرى: «العصر». فالأخريان مختلفتان لكن ذلك لا يوجب اختلافًا في المعنى المقصود، فإنّ حكم الصلوات في السهو الواحد.
الثالث: ما يختلف به معنى مقصود لكن في الحديث معنى آخر مقصود لا يختلف، كقصة المرأة التي زوَّجها النبيُّ ﷺ رجلًا بأن يعلِّمها ما معه من القرآن وقد تقدَّمت (ص ٥٩) (١).
الرابع: ما يختلف به المعنى المقصود كلُّه، فهذا إن صح السند بالوجهين وأمكن الترجيح فالراجح هو الصحيح، وإلا فالوَقْف، والغالب أنَّ البخاريَّ ومسلمًا ينبِّهان على الترجيح بطرق يعرفها من مارس «الصحيحين»، وكذلك كتب السنن يكثر فيها بيان الراجح، لكن قد لا يتبين لأحدهم الرجحان فيرى أنّ عليه إثبات الوجهين يحفظهما لمن بعده، فربّ مبلَّغ أوعى من سامع.
[ص ١٩١] وذكر ص ٣٠١ عن السيد رشيد رضا: (أن علماء الحديث قلَّما يُعْنَون بغلط المتون في ما يخص معانيها وأحكامها .. وإنما يظهر معاني غلط المتون للعلماء والباحثين في شروحها من أصول الدين وفروعه وغير ذلك).
أقول: أما الكتب التي لم تلتزم الصحة ولا الاحتجاج فنعم، وقد يقع يسير من ذلك في «صحيح مسلم»، فأما «صحيح البخاري» وما يصحِّحه الإمامُ أحمد ونظراؤه فإنهم يُعْنَون بذلك. وراجع لأصول الدين ما تقدم (ص ٢) (٢).
стр. 402
وأشار إلى حديث: «خَلَق الله التربةَ الخ» وقد تقدم (ص ١٣٥ - ١٣٨) (١)، وإلى حديث أبي ذر في شأن الشمس وقد مرَّ (ص ١٦٥) (٢) ويأتي (ص ٢١٣) (٣).
وقال: (لو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها كما تُنتقد من جهة سندها لقضت المتون على كثير من الأسانيد بالنقض).
أقول: هذه دعوى إجمالية، والعبرة بالنظر في الجزئيات، فقد عرفنا من محاولي النقد أنهم كثيرًا ما يدَّعون القطع حيث لا قطع، ويدَّعون قطعًا يُكذِّبه القرآن، ويقيمون الاستبعاد مقام القطع مع أن الاستبعاد كثيرًا ما ينشأ عن جهل بالدين، وجهل بطبيعته، وجهل بما كان عليه الحال في العهد النبوي. وكثيرًا ما يسيئون فهم النصوص.
وقال ص ٣٠٣: (وقد تعرَّض كثير من أئمة الحديث للنقد من جهة المتن إلا أن ذلك قليل جدًّا بالنسبة لما تعرَّضوا له من النقد من جهة الإسناد).
أقول: مَنْ تتبَّع كتبَ تواريخ رجال الحديث وتراجمهم وكتب العلل وجد كثيرًا من الأحاديث يطلق الأئمة عليها: «حديث منكر. باطل. شِبْه الموضوع. موضوع». وكثيرًا ما يقولون في الراوي: «يُحدِّث بالمناكير. صاحب مناكير. عنده مناكير. منكر الحديث». ومن أَنعمَ النظر وجد أكثر ذلك من جهة المعنى. ولما كان الأئمة قد راعوا في توثيق الرواة النظرَ في أحاديثهم والطعن فيمن جاء بمنكر= صار الغالب أن لا يوجد حديث منكر
стр. 403
إلا وفي سنده مجروح، أو خلل، فلذلك صاروا إذا استنكروا الحديثَ نظروا في سنده فوجدوا ما يبيّن وهنه فيذكرونه، وكثيرًا ما يستغنون بذلك عن التصريح بحال المتن، انظر «موضوعات ابن الجوزي» وتدبّرْ تجده إنما يعمد إلى المتون التي يرى فيها ما ينكره، ولكنه قلَّما يُصرِّح بذلك بل يكتفي غالبًا بالطعن في السند. وكذلك كتب العلل وما يُعَلُّ من الأحاديث في التراجم تجد غالب ذلك مما يُنكر متنُه، ولكن الأئمة يستغنون عن بيان ذلك بقولهم: «منكر» أو نحوه، أو الكلام في الراوي، أو التنبيه على خللٍ في السند كقولهم: فلان [ص ١٩٢] لم يلق فلانًا. لم يسمع منه. لم يذكر سماعًا. اضطرب فيه. لم يُتابَع عليه. خالفه غيره. يُروى هذا موقوفًا وهو أصح، ونحو ذلك.
وذَكَر حديث: «يَلْقى إبراهيمُ أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرة وغَبَرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيُّ خِزْي أخزى من أبي الأبعد. فيقول الله تعالى: إني حرَّمتُ الجنة على الكافرين ... » (١). وذَكَر قول الإسماعيلي: «هذا حديث في صحته نظر، من جهة أن إبراهيم عالم بأن الله لا يخلف الميعاد، فكيف يجعل ما بأبيه خزيًا له مع إخباره أن الله قد وعده أن لا يخزيه يوم يبعثون، وأعْلَمه أنه لا خُلْفَ لوعده».
أقول: عن هذا جوابان:
الأول: أن إبراهيم لم يجعل ما بأبيه حينئذٍ من القَتَرة والغَبَرة خزيًا، إنما جعل الخزي ما كان منتَظرًا من دخول النار كما يدل عليه إجابة الله تعالى له بقوله: إني حرَّمت الجنةَ على الكافرين، وكما يشهد له ما ذكره الله من قول
стр. 404
عباده: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] فدعاؤه إنما هو استنجاز للوعد كما في: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. وكان النبيّ ﷺ يدعو في عريش بدر: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك» (١). ومن هذا أو مما يأتي ما قَصَّه الله تعالى عن نوح من قوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥].
الثاني: أن المخلوق قد يتملَّكُه النظر من جهةٍ، فيناله ذهولٌ ما عن الجهة الأخرى، كما قَصَّهُ الله تعالى عن الملائكة من قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ومِن قول زكريا بعد أن سأل الله تعالى أن يهب له وليًّا يرثه، فبشَّره الله بغلام: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]. وقد بيّن الله تعالى لخليله أنّ الجنة محرَّمة على الكافرين، وبذلك لا يكون أبوه داخلًا في الوعد، بل ليس في دخول آزَرَ بكفره النارَ خزيٌ لإبراهيم، لكن هذه الحقيقة إنما تنكشف حقَّ الانكشاف لأهل الجنة بعد دخولها، وقد يكون في بقية الحديث ما يستفاد منه أن الله تعالى كشف لإبراهيم تلك الحقيقة حينئذ، فراجعه وتدبَّر ما مرَّ واعتبر به.
ثم ذكر أبو ريَّة فصولًا، إلى أن قال ص ٣٠٧: (اختلافهم في الجرح والتعديل) وسمَّى جماعةً ينبغي مراجعة تراجمهم في كتب الرجال، وراجع (ص ١٨٩) (٢).
стр. 405
وقال ص ٣٠٩: (وقال صاحب «العَلَم الشامخ»: قد اختلفت آراء الناس واجتهاداتهم في التعديل والتجريح، فترى الرجل الواحد تختلف فيه الأقوال حتى يوصف بأنه أمير المؤمنين وبأنه أكذب الناس، أو قريب من هاتين العبارتين).
[ص ١٩٣] أقول: قد تقدم (ص ١٨٩) (١) أن المختلَف فيهم قليل، ولا تبلغ كلمتان في رجل واحد هذا التفاوت الذي ذكره ولا ما يقاربه إلا قليلًا حيث يكون في إحداهما خلل، وللخلل أسباب وعلامات بسطتُ القولَ فيها بعضَ البَسْط في «التنكيل» (٢).
والناظرون في العلم ثلاثة: مخلص مستعجل يجأر بالشكوى، ومُتَّبع لهواه فأنَّى يهديه الله، ومخلص دائب فهذا ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وسُنَّة الله في المطالب العالية والدرجات الرفيعة: أن يكون في نيلها مشقَّة؛ ليتمّ الابتلاء ويستحقّ البالغ إلى تلك الدرجة شَرَفَها وثوابَها، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
وذَكَر عن السيد رشيد رضا: «إن توثيقَ كلّ من وثَّقه المتقدمون وإن ظهر خلاف ذلك بالدليل يفتحُ بابَ الطعن في أنفسنا بنَبْذ الدليل ... ».
أقول: هذا حق، ولكن الشأن في الدليل الصحيح الذي [لا] (٣) يعارضه ما هو أقوى منه.
стр. 406
الصحابة ﵃
ثم قال أبو ريَّة ص ٣١٠: (عدالة الصحابة ... ).
أقول: الآيات القرآنية في الثناء على الصحابة والشهادة لهم بالإيمان والتقوى وكلِّ خير معروفة، ومن آخرها نزولًا قول الله عزوجل: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨].
ساعةُ العُسْرة: غزوة تبوك. وكلمة «المهاجرين» هنا تشمل السابقين واللاحقين ومَن كان معهم من غير الأنصار، ولا نعلمه تخلَّف ممن كان بالمدينة من هؤلاء أحدٌ إلا عاجزٌ أو مأمور بالتخلُّف مع شِدَّة حرصه على الخروج، وفي «الصحيح» (١) قول النبي ﷺ لما رجع من تبوك: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم ... حبسهم العذر».
وفي «الفتح» (٢): أن المهلَّب استشهد لهذا الحديث بقول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] وهو استشهاد متين، والمأمور بالتخلُّف أولى بالفضل. وفي هذا وآيات أخرى ثناء يعمّ المهاجرين ومَن لحق بهم لا نعلم ثَمَّ ما يخصِّصه.
فأما الأنصار فقد عمَّت الآيةُ مَنْ خرج معهم إلى تبوك والثلاثة الذين
стр. 407
خُلِّفوا والعاجزين، ولم يبق إلا نفرٌ كانوا منافقين. وفي «الصحيح» (١) في حديث كعب بن مالك ــ وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا ــ: «فكنت إذا خرجتُ في الناس بعدَ خروج رسول الله ﷺ فطفتُ فيهم أحزنني أني لا أرى [ص ١٩٤] إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عَذَر اللهُ من الضعفاء». وفي هذا بيان أن المنافقين قد كانوا معروفين في الجملة قبل تبوك، ثم تأكَّد ذلك بتخلُّفهم لغير عذر وعدم توبتهم، ثم نزلت سورة براءة فقَشْقَشَتْهم، وبهذا يتضح أنهم قد كانوا مشارًا إليهم بأعيانهم قبل وفاة النبيِّ ﷺ ، فأما قول الله عزوجل: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] فالمراد ــ والله أعلم ــ بالعلم ظاهره أي اليقين، وذلك لا ينفي كونهم مغموصين أي مُتَّهمين، غاية الأمر أنه يحتمل أن يكون في المتَّهمين مَنْ لم يكن منافقًا في نفس الأمر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ونصَّ في سورة براءة وغيرها على جماعةٍ منهم بأوصافهم، وعيَّن النبيُّ ﷺ جماعةً منهم، فمن المحتمل أن الله بعد أن قال: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ أعْلَمَه بهم (٢) كلّهم.
وعلى كلِّ حال فلم يمت النبيُّ ﷺ إلا وقد عرفَ أصحابُه المنافقين يقينًا أو ظنًّا أو تهمة، ولم يبق أحد من المنافقين غير متهم بالنفاق. ومما يدل على ذلك، وعلى قِلَّتهم وذلّتهم وانقماعهم ونُفْرة الناس عنهم: أنه لم يحس لهم عند وفاة النبي ﷺ حراك. ولما كانوا بهذه المثابة لم يكن لأحد منهم مجال في أن يحدِّث عن النبي ﷺ ؛ لأنه يعلم أن ذلك يُعرِّضه لزيادة التهمة ويَجُرُّ
стр. 408
إليه ما يكره. وقد سمَّى أهلُ السير والتاريخ جماعةً من المنافقين لا يُعْرَف عن أحدٍ منهم أنه حدَّث عن النبيِّ ﷺ ، وجميع الذين حدَّثوا كانوا معروفين بين الصحابة أنهم من خيارهم.
وأما الأعراب، فإن الله ﵎ كشف أمرهم بموت رسوله ﷺ ، فارتدَّ المنافقون منهم، فيتبيَّن أنه لم يحصل لهم بالاجتماع بالنبيّ ﷺ ما يستقرُّ لهم به اسم الصحبة الشرعية، فمن أسلم بعد ذلك منهم فحكمه حكم التابعين.
وأما مُسْلِمة الفتح، فإن الناس يغلطون فيهم يقولون: كيف يعقل أن ينقلبوا كلهم مؤمنين بين عشيَّة وضحاها، مع أنهم إنَّما أسلموا حين قُهروا وغُلبوا، ورأوا أنَّ بقاءهم على الشرك يضرّ بدنياهم، والصواب أن الإسلام لم يزل يعمل في النفوس منذ نشأته. ويَدُلُّك على قوة تأثيره أمور:
الأول: ما قَصَّه الله ﵎ من قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] وقولهم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢].
الثاني: ما ورد من صدِّهم للناس أن يسمعوا القرآن حتى كان لا يَرِدُ مكةَ واردٌ إلا حذّروه أن يستمع إلى [ص ١٩٥] النبي ﷺ ، ومن اشتراطهم على الذي أجار أبا بكر أن يمنعه من قراءة القرآن بحيث يسمعه الناس (١).
الثالث ــ وهو أوضحها ــ: إسلام جماعة من أبناء كبار رؤسائهم ومفارقتهم آباءهم قديمًا، فمنهم عَمرو وخالد ابنا أبي أُحَيحة سعيد بن
стр. 409
العاص، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وأبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وعبد الله وأبو جندل ابنا سُهَيل بن عَمرو وغيرهم. وآباء هؤلاء هم أكابر رؤساء قريش وأعزّهم وأغناهم، فارقهم أبناؤهم وأسلموا. فتدبَّر هذا، فقد جرت عادةُ الكُتَّاب إذا ذكروا السابقين إلى الإسلام ذكروا الضعفاء، فيتوهَّم القارئ أنهم أسلموا لضعفهم وسخطهم على الأقوياء وحبهم للانتقام منهم على الأقل؛ لأنه لم يكن لهم من الرياسة والعزِّ والغنى ما يصدّهم عن قبول الحق وتحمُّل المشاق في سبيله.
والحقيقةُ أعظم من ذلك كما رأيت، إلا أن الرؤساء عاندوا واستكبروا، وتابعهم أكثر قومهم مع شدَّة تأثرهم بالإسلام، فكان في الشُبَّان مَنْ كان قَوِيَّ العزيمة، فأسلموا وضَحَّوا برياستهم وعِزِّهم وغناهم، متقبِّلين ما يستقبلهم من مصاعب ومتاعب، وبقي الإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين، فلم يزل الإسلام يفشو فيهم حتى بعد هجرة المصطفى ﷺ . ثم لما كان صُلح الحديبية وتمكَّنَ المسلمون بعده من الاختلاط بالمشركين، ودعوة كلِّ واحد قريبه وصديقه= فشا الإسلام بسرعة، وأسلم في هذه المُدَّة من الرؤساء: خالد بن الوليد، وعَمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة وغيرهم، والإسلام يعمل عملَه في نفوس الباقين.
ونستطيع أن نجزم أن الإسلام كان قد طرد الشرك وخرافاته من نفوس عقلاء قريش كلهم قبل فتح مكة، ولم يبق إلا العناد المحض يَلْفِظُ آخر أنفاسه، فلما فُتِحَت مكة مات العناد ودخلوا في الإسلام الذي قد كان تربَّع في نفوسهم من قبل. نعم بقي أثر في صدور بعض الرؤساء، فبسط لهم النبيُّ ﷺ التأليف يوم فتح مكة وبعده، وآثرهم بغنائم حُنين، ولم يزل يتحرَّاهم
стр. 410
بحسن المعاملة حتى اقتلع البقيَّة الباقيةَ من أثر العناد.
ثم كان من معارضة الأنصار بعد النبيِّ ﷺ لقريش في الخلافة واستقرار الخلافة لقريش غير خاصةٍ ببيتٍ من بيوتها، وخضوع العرب لها ثم العجم= ما أكّد حبَّ الإسلام في صَدْر كلّ قرشي. وكيف لا وقد جَمَع لهم إلى كلِّ شبرٍ كانوا يعتزّون به من بطحاء مكة آلاف الأميال، وجعلهم ملوك الدنيا والآخرة. ومما يوضِّح لك ذلك: أن الذين عاندوا إلى يوم الفتح كانوا بعد ذلك من أجدِّ الناس في الجهاد، [ص ١٩٦] كسُهَيل بن عَمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه الحارث، ويزيد بن أبي سفيان.
فأما ما يذكره كثير من الكُتَّاب من العصبية بين بني هاشم وبني أمية فدونك الحقيقة:
شَمِل الإسلام الفريقين ظاهرًا وباطنًا، وكما أسلم قديمًا جماعةٌ من بني هاشم فكذلك من بني أمية، كابني سعيد بن العاص، وعثمان بن عفّان، وأبي حذيفة بن عُتبة، وكما تأخَّر إسلام جماعة من بني أمية فكذلك من بني هاشم، وكما عاداه بعضُ بني أمية فكذلك بعضُ بني هاشم، كأبي لهب بن عبد المطلب، وأبي سفيان بن الحارث بن المطلب. ونزل القرآن بذمِّ أبي لهب، ولا نعلمه نزل في ذمِّ أمويٍّ معيَّن. وتزوَّج النبيُّ ﷺ بنت أبي سفيان بن حرب الأموي ولم يتزوَّج هاشمية، وزوَّج إحدى بناته في بني هاشم، وزوَّج ثلاثًا في بني أمية. فلم يبق الإسلام في أحد الجانبين حتى يحتمل أن يستمرَّ هدفًا لكراهية الجانب الآخر. بل ألّف الله بَيْنَ قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا، وأصبح الإسلام يلُفُّهم جميعًا: يحبونه جميعًا، ويعظِّمونه جميعًا، ويعتزُّون به جميعًا، ويحاول كلٌّ منهم أن يكون حظّه منه أوفر.
стр. 411
ولم تكن بين فتح مكة وبين ولاية عثمان الخلافة نُفْرة ما بين العشيرتين، فلما كانت الشورى وانحصر الأمرُ في عليٍّ وعثمان، فاختير عثمان، وجدت الأوهامُ مَنْفذًا إلى الخواطر، ثم لما صار في أواخر خلافة عثمان جماعةٌ من عشيرته ــ بني أمية ــ أمراء وعمّالًا، وصار بعضُ الناس يشكوهم؛ أُشيعت عن عَليٍّ كلمات يُندِّد بهم ويتوعَّدهم بإنه إذا ولي الخلافة عَزَلهم وأخذَ أموالَهم وفَعَل وفَعَل، ثم كانت الفتنة، وكان لبعض من يُعدُّ من أصحاب عليٍّ إصبع فيها، حتى قُتِل عثمان وقام قَتَلتُه بالسعي لمبايعة عَليّ، فبويع له وبقي جماعةٌ منهم في عسكره.
فمن تدبَّر هذا وجد هذه الأسباب العارضة كافية لتعليل ما حدث بعد ذلك، إذن فلا وجه لإقحام ثارات بدر وأُحُد التي أماتها الإسلام، وما حُكي مما يُشعر بذلك لا صحةَ له البتة، إلا نزغة شاعر فاجر في زمن بني العباس، يصح أن تُعدّ من آثار الإسراف في النزاع لا من مؤثراته. وجرى من طلحة والزبير ما جرى، فأيُّ ثأر لهما كان عند بني هاشم؟
وبهذا يتضح جليًّا أن لا مساغ البتة لأن يُعلَّل خلاف معاوية بطلبه بثأر مَنْ قُتِل من آله ببدر، ثم يتذرَّعُ بذلك إلى الطعن في إسلامه، ثم في إسلام نُظَرائه!
فإن قيل: مهما يكن من حال الصحابة فإنهم لم يكونوا معصومين، فغاية الأمر أن يُحمَلوا على العدالة ما لم يتبين [ص ١٩٧] خلافها، فلماذا يُعدِّل المحدِّثون مَنْ تبيَّن ما يوجب جرحه منهم؟
فالجواب من أوجه:
الأول: أنهم تدبَّروا ما نُقِل من ذلك فوجدوه ما بين غير ثابت نقلًا أو
стр. 412
حكمًا أو زلَّة تِيبَ منها أو كان لصاحبها تأويل.
الوجه الثاني: أن القرآن جعل الكذب على الله كفرًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] والكذب على النبيِّ ﷺ في أمر الدين والغيب كذب على الله، ولهذا صرَّح بعضُ أهل العلم بأنه كفر، واقتصر بعضُهم على أنه من أكبر الكبائر (١)، وفرَّق شيخُ الإسلام ابن تيمية بين من يُخْبِر عن النبي ﷺ بلا وساطة، كالصحابي إذا قال: قال النبي ﷺ كذا، وبين غيره، فمال إلى أن تعمُّد الأول للكذب كفر وتردَّد في الثاني (٢). ووقوع الزلة أو الهفوة من الصحابي لا يسوِّغ احتمال وقوع الكفر منه. هب أن بعضهم لم يكن يرى الكذب على النبيِّ ﷺ كفرًا، فإنه ــ على كل حال ــ يراه أغلظ جدًّا من الزلات والهفوات المنقولة.
الوجه الثالث: أن أئمة الحديث اعتمدوا فيمن يمكن التشكّك في عدالته من الصحابة اعتبار ما ثبت أنهم حدَّثوا به عن النبيّ ﷺ أو عن صحابيّ آخر عنه، وعرضوها على الكتاب والسنة وعلى رواية غيرهم، مع ملاحظة أحوالهم وأهوائهم، فلم يجدوا من ذلك ما يوجب التهمة، بل وجدوا عامة ما رووه قد رواه غيرهم من الصحابة ممن لا تتجه إليه تهمة، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو ما يشهد له، وراجع (ص ٦٤) (٣).
стр. 413
وهذا الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط يقول المشنِّعون: ليس من المهاجرين ولا الأنصار، إنما هو من الطُّلَقاء. ويقولون: إنّ النبيّ ﷺ لما أمر بقتل أبيه عقب بدر قال: يا محمد فمَن للصِبْيَة؟ يعني بنيه. فقال النبي ﷺ : «لهم النار» (١). ويقولون: إنه هو الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢) [الحجرات: ٦] فنصّ القرآنُ أنه فاسق يجب التبيُّن في خبره. ويقولون: إنه في زمن عثمان كان أميرًا على الكوفة فشهدوا عليه أنه شرب الخمر، وكلَّم عليٌّ عثمانَ في ذلك، فأمره أن يجلده فأمر عليٌّ عبد الله بن جعفر فجلده. ومنهم مَنْ يزيد: أنه صلى بهم الصبح سكران فصلى أربعًا ثم التفت فقال: أزيدكم؟ (٣) وكان الوليد أخا عثمان لأمه، فلما قُتِل عثمان صار الوليد ينشئ الأشعار يتّهم عليًّا بالممالأة على قتل عثمان ويحرِّض معاويةَ على قتال عليّ.
[ص ١٩٨] هذا الرجل أشدّ ما يشنِّع به المعترضون على إطلاق القول بعدالة الصحابة، فإذا نظرنا إلى روايته عن النبي ﷺ لنرى كم حديثًا روى في فضل أخيه، ووليِّ نعمته عثمان؟ وكم حديثًا روى في ذمِّ الساعي في جلده
стр. 414
الممالئ على قتل أخيه في ظنه عليٍّ؟ وكم حديثًا روى في فضل نفسه ليدافع ما لحقه من الشهرة بشرب الخمر؟ هالنا أننا لا نجد له روايةً البتة، اللهم إلا أنه رُوِيَ عنه حديث في غير ذلك لا يصح عنه، وهو ما رواه أحمد وأبو داود من طريق رجل يقال له: أبو موسى عبد الله الهَمْداني عن الوليد بن عقبة قال: «لما فتح النبيُّ ﷺ مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم ويدعو لهم، فجيء بي إليه وأنا مطيَّب بالخَلُوق فلم يمسح رأسي، ولم يمنعه من ذلك إلا أن أمي خلَّقتني بالخَلُوق، فلم يمسني من أجل الخَلُوق» (١).
هذا جميع ما وجدناه عن الوليد عن النبيّ ﷺ وأنت إذا تفقَّدْتَ السند وجدتَه غير صحيح لجهالة الهَمْداني، وإذا تأملت المتن لم تجده منكرًا ولا فيه ما يمكن أن يُتّهم فيه الوليد، بل الأمر بالعكس فإنه لم يذكر أنّ النبيَّ ﷺ دعا له، وذكر أنه لم يمسح رأسه، ولذلك قال بعضهم: قد علم الله تعالى حاله فحَرَمَه بركة يَدِ النبيِّ ﷺ ودعائه (٢). أفلا ترى معي في هذا دلالة واضحة على أنه كان بين القوم وبين الكذب على النبي ﷺ حِجْرٌ محجور؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «رده على الإخنائي» (ص ١٦٣) (٣):
стр. 415
«فلا يعرف مِن (١) الصحابة مَنْ كان يتعمَّد الكذب على رسول الله ﷺ ، وإن كان فيهم من له ذنوب، لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه».
قد ينفر بعض الناس من لفظ «العصمة» وإنما المقصود أن الله وفاءً بما تكفَّل به مِنْ حِفْظ دينه وشريعته هيَّأ من الأسباب ما حفظهم به وبتوفيقه سبحانه من أن يتعمَّد أحدٌ منهم الكذب على رسول الله ﷺ .
فإن قيل: فلماذا لم يحفظهم الله تعالى من الخطأ؟
قلت: الخطأ إذا وقع من أحدٍ منهم فإن الله تعالى يُهيّئ ما يوقَفُ به عليه، وتبقى الثقة به قائمة في سائر الأحاديث التي حدَّث بها مما لم يظهر فيه خطأ، فأما تعمُّد الكذب فإنه إن وقع في حديث واحد لزم إهدار الأحاديث التي عند ذاك الرجل كلها، وقد تكون عنده أحاديث ليست عند غيره. راجع (ص ٢٠ - ٢١) (٢).
هذا، وفي كتاب أبي ريَّة ص ٤٢ - ٥٣: كلامٌ أَخَّرْتُ النظر فيه إلى هنا كما أشرت إليه (ص ٥٢) (٣) مِن كتابي هذا.
قال ص ٤٢: (الكذب على النبي ﷺ قبل وفاته ... ).
[ص ١٩٩] ثم ذكر ما رُوي عن ابن بُريدة عن أبيه بُرَيدة بن الحصيب قال: «كان حيٌّ من بني ليث على ميلين من المدينة، فجاءهم رجل وعليه حُلَّة، فقال: إن رسول الله ﷺ كساني هذه الحُلَّة وأمرني أن أحكم في دمائكم
стр. 416
وأموالكم بما أرى ــ وكان قد خطب منهم امرأةً [في الجاهلية] فلم يزوّجوه، فانطلق [حتى نزل] على تلك المرأة، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ . فقال: «كذب عدو الله»، ثم أرسل رجلًا فقال: «إن وجدته حيًّا [ولا أراك تجده] فاضرب عنقَه، وإن وجدته ميتًا فحرِّقه بالنار».
أقول: عزاه إلى «أحكام ابن حزم» (١)، ومنه أضفتُ الكلمات المحجوزة، وانظر لماذا أسقطها أبو ريَّة؟ ! وراويه عن ابن بريدة: صالحُ بن حيّان وهو ضعيف له أحاديث منكرة، وفي السند غيره. وقد رُويت القصة من وجهين آخرين بقريب من هذا المعنى وفي كلٍّ منهما ضعف (٢). راجع «مجمع الزوائد» (١٤٥: ١) (٣). وعلى فرض صحته فهذا الرجل كان خطب تلك المرأة في الشرك فردّوه، فلما أسلم أهلُها سوَّلَتْ له نفسه أن يُظهر الإسلام ويأتيهم بتلك الكذبة لعله يتمكَّن من الخلوة بها ثم يفر، إذ لا يعقل أن يريد البقاء وهو يعلم أنه ليس بينه وبين النبيِّ ﷺ سوى ميلين، فأنكر أهلها أن يقع مثل ذلك عن أمر رسول الله ﷺ ؟ فرأوا أن يُنْزِلوا الرجلَ محترسين منه، ويرسلوا إلى النبيِّ ﷺ يخبرونه.
وقوله ﷺ : «ولا أراك تجده» ظنٌّ منه أن عقوبة الله ستعاجل الرجل. وكذلك كان، كما في الطُرُق الأخرى، وجَدَه الرسولُ قد مات، وفي رواية «خرج ليبول فلدغته حية فهلك».
стр. 417
وحدوث مثل هذا لا يصلح للتشكيك في صدق بعض من صحب النبيَّ ﷺ غير متهم بالنفاق، ثمّ استمرَّ على الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ . يراجع (ص ١٩٣) (١) فما بعدها، وتعجيل العقوبة القدرية لذلك الرجل يمنع غيره من أن تحدِّثه نفسه بكذبٍ على النبيِّ ﷺ في حياته، وكذا من باب أَوْلى بعد وفاته، فإن العقوبة القدرية لم تمهل ذاك مع أنه كان بصدد أن تناله العقوبة الشرعية، ولا يترتَّب على كذبه مفسدة، فكيف بمن يكذب حيث يخفى على الناس أمره ويترتب على كذبه المفاسد؟ ولهذا جاء في رواية: أن الصحابي بعده (٢) ﷺ ذكر حديثًا فاستثبته بعضُ الناس فحدَّث بالقصة ثم قال: «أتراني كذبت على رسول الله ﷺ بعد هذا؟».
وذكر أبو ريَّة خبر المقنَّع التميمي، ويقال: المنقع، وسنده واهٍ جدًّا يشتمل على مجاهيل وضعفاء فلا أطيل به.
هذا ومن الحكمة في اختصاص الله تعالى أصحاب رسوله بالحفظ من الكذب عليه: أنه سبحانه كره أن يكونوا هدفًا لطعن من بعدهم؛ لأنه ذريعة إلى الطعن في الإسلام جملةً، وليس هناك سبب مقبول للطعن إلا أن يقال: نحن مضطرون إلى بيان أحوالهم ليُعرَف من لا يحتج بروايته منهم، فاقتضت الحكمة حسم هذا لقطع العذر عمن يحاول الطعن في أحدٍ منهم.
وقال ص ٤٣: (الكذب على النبي ﷺ بعد موته ... فإن الكذب قد كثر عليه بعد وفاته ... ).
أقول: قد كان كذبٌ، لكن متى؟ وممن؟ لا شأن لنا بدعاوى أبي رية،
стр. 418
وإنما ننظر في شواهده:
[ص ٢٠٠] ذكر قصة بُشَير (بالتصغير) بن كعب العدوي مع ابن عباس في مقدمة «صحيح مسلم» (١) وجعلها قصّتين وإنما هما روايتان. وبُشَير هذا غير بَشِير (بفتح فكسر) بن كعب بن أبي الحميري العامري الذي شهد اليرموك، بل هذا أصغر منه بكثير، وأخطأ من عدَّهما واحدًا، راجع «الإصابة» (٢). وهذا عراقيّ بصريّ له قصة مع عِمْران بن حُصَين في الحياء تدلّ أنه كان يقرأ صحف أهل الكتاب (٣)، وقصته مع ابن عباس يظهر أنها كانت حوالي سنة ستين، فإن ابن عباس توفي سنة ٦٨ أو بعدها وعاش بُشير بعد ابن عباس زمانًا.
روى مسلمٌ القصةَ من طريق طاووس ومجاهد، وحاصلها: أن بُشَيرًا جاء إلى ابن عباس فجعل يحدّث (زاد مجاهد: ويقول: قال رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ ) قال طاووس: فقال له ابنُ عباس: عُدْ لحديث كذا وكذا، فعاد له. ثم حدَّثه فقال له: عُد لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له: ما أدري أعرفتَ حديثي كلّه وأنكرتَ هذا، أم أنكرتَ حديثي كلَّه وعرفتَ هذا؟ فقال ابن عباس: إنَّا كُنَّا نُحدّث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يُكذَب عليه، فلمَّا رَكِبَ الناسُ الصعبَ والذّلول تركنا الحديث عنه. (وفي رواية عن طاووس هي أثبت من الأولى، قال: إنما كنا نحفظ الحديث والحديث يُحفظ عن رسول الله ﷺ . فأما إذ ركبتم كلَّ صعبٍ وذلول فهيهات). ولفظ مجاهد: فجعل ابن عباس لا يأذَنُ لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس مالي لا
стр. 419
أراك تسمع لحديثي ... فقال ابن عباس: إنا كنا مرَّة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتَدَرَتْه أبصارُنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناسُ الصعبَ والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف».
عَرَف ابنُ عباس أن بُشيرًا ليس بصحابي، ومع ذلك لم يدرك كبار الصحابة، ولعله مع ذلك لم يكن يُعرف بالثقة، وفوق ذلك كان يرسل. لا جَرَم لم يصغ إلى أحاديثه. فأما استعادته بعضها فكأنَّ المستعاد كان أحاديث يعرفها ابن عباس، فأراد أن يصحِّحها لبُشَير إن كان عنده فيها خطأ.
كانت القصة حوالي سنة ستين كما مرَّ، وقد ظهر الكذب بالعراق قبل ذلك كما يُؤخَذ مما يأتي، وبُشير عراقيّ، فليس في القصة ما يخدش في صدق الصحابة ﵃، ولا ما يدلّ على ظهور الكذب بعد وفاة النبيِّ بمدّة يسيرة، وقوله في إحدى روايتي طاووس: «تركنا الحديث عنه» يريد تركنا أخذ الحديث عنه إلا من حيث نعرف.
وذكر ص ٤٤ ما في مقدمة «صحيح مسلم» (١) أيضًا عن ابن أبي مُلَيكة: «كتبتُ إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابًا ويُخْفي عنّي، فقال: ولدٌ ناصح، وأنا أختار له الأمور اختيارًا وأُخْفي عنه، قال: فدعا بقضاء عليّ ﵁ [ص ٢٠١] فجعل يكتب منه أشياء ويمرُّ به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا عليّ، إلا أن يكون ضلّ».
أقول: أورد مسلم بعد هذا: «عن طاووس قال: أُتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء عليّ ... »، ثم أورد: «عن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد عليّ ﵁ قال رجل من أصحاب عليّ: قاتلهم الله أيَّ علمٍ أفسدوا».
стр. 420
التفّ حَوْلَ عليّ ﵁ بالكوفة نفرٌ ليس لهم علم ولا كبير دين، وذاك الكتاب جمع من حكاياتهم وحكايات غيرهم عن قضاء علي، وجيء إلى ابن عباس بنسخة منه. وذكر مسلم (١) أيضًا ونقله أبو ريَّة عن المغيرة بن مِقْسم قال: «لم يكن يَصْدُق على عليٍّ ﵁ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود».
وذلك أن ابن مسعود كان بالكوفة في عهد عمر وبعده، فكان له أصحاب طالت صحبتهم له وفقهوا، فلما جاء عليّ إلى الكوفة أخذوا عنه أيضًا وكانوا أوثق أصحابه. وهذه الآثار إنما تدل على فشوِّ الكذب بالكوفة بعد عليّ ﵁.
* * * *
стр. 421
درجات الصحابة
وقال أبو ريَّة ص ٤٥: (درجات الصحابة ... ).
ثم قال ص ٤٧: (رواية الصحابة بعضهم عن بعض، وروايتهم عن التابعين ... ).
وعاد يبدئ ويعيد لتأكيد تلك المكيدة الجهنَّمية التي سبق الكشف عنها (ص ٧٢ - ٧٥ و ٨٢ و ٨٩ - ٩٠ و ١٠٩ - ١١٠ و ١٥٧ و ١٧١) (١).
ثم قال ص ٤٩: (نقد الصحابة بعضهم لبعض ... ).
أقول: ذكر أشياء معروفة مع أجوبتها في كتب الحديث، وحاصلها: أنَّ أحدهم كان إذا سمع من أخيه حديثًا يراه معارضًا لبعض ما عنده توقّف فيه، وظنَّ أو جوّز أن أخاه أخطأ، مع تبرئة بعضهم لبعض عن تعمّد الكذب.
وذكر فيها ص ٥٢: (ولما بلغها ــ يعني عائشة ــ قول أبي الدرداء: من أدرك الصبح فلا وتر عليه. قالت: لا، كذب أبو الدرداء، كان النبي ﷺ يصبح فيوتر).
أقول: الخبر في «سنن البيهقي» (٤٧٩: ٢) ولفظه: «فلا وتر له» وراويه عن أبي الدرداء وعائشة أبو نَهيك الأزدي الفراهيدي، قال ابن القطان: «لا يُعرف» يعني أنه مجهول الحال (٢)، ولا يُخْرجه عن ذلك ذِكْر ابن حِبّان له في «الثقات» (٣)، وفوق ذلك لا يُعلَم له إدراك لأبي الدرداء وعائشة، بل الظاهر عدمه، فالخبر منقطع، ويعارضه ما في «الصحيحين» (٤) وغيرهما
стр. 422
عن عائشة: أنّ النبيّ ﷺ «انتهى وتره إلى السَّحَر». وعلى فرض صحة الحكاية فإنما قال أبو الدرداء من قِبَلِ نفسه لم يذكر رواية، فكلمة [ص ٢٠٢] «كذَب» بمعنى «أخطأ» كما هو معروف عنهم راجع (ص ٥١) (١).
قال: (وقالت عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري: ما عِلْمُ أنس بن مالك وأبي سعيد بحديث رسول الله ﷺ ؟ وإنما كانا غلامين صغيرين).
أقول: يُنظر في صحة هذا عنها، فقد كانا في مثل سنها أو أكبر منها، وكانا ممن يلزم النبيَّ ﷺ ولا سيما أنس (٢).
قال: (وكانت عائشة تردُّ ما رُوي مخالفًا للقرآن).
أقول: راجع (ص ١٤) (٣)؛ لتعرف ما هو الخلاف الذي يقتضي الردّ.
قال: (وتحمل رواية الصادق من الصحابة على خطأ السمع وسوء الفهم).
أقول: كلُّهم ــ بحمد الله ــ كان صادقًا عندها.
ثم حكى عن أحمد أمين عن بعض الزيدية كلمةً فيها: أن الصحابة تكلَّم بعضهم في بعض وقاتل بعضُهم بعضًا، ونحو هذا. والجواب عن ذلك مبسوط في كتب أهل العلم، وموضوعنا هنا بيان صدقهم في الحديث
стр. 423
النبوي، وقد أثبتناه ولله الحمد.
قال: (وإنما اتخذهم العامة أربابًا بعد ذلك).
أقول: أما أهل السنة فلم يتخذوا أحدًا من الصحابة ربًّا، وإنما أولئك غُلاة أصحابك الشيعة (١)!
قال: (من أساء منهم ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه).
أقول: أنت وهواك، أما نحن فنقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
وذكر أبو ريَّة ص ٣١١ كلامًا للذهبي ذكر فيه ما حكى ابن وضّاح قال: «سألت يحيى بن معين عن الشافعي، فقال: ليس بثقة»، ثم قال الذهبي: «وكلام ابن معين في الشافعي إنما كان من فَلَتات اللسان بالهوى والعصبية، فإن ابنَ معين كان من الحنفية وإن كان محدّثًا».
أقول: هذه من فَلَتات القلم، وقد برَّأ الله ابنَ معين من اتباع الهوى والعصبية، وإنما كان يأخذ بقول أبي حنيفة فيما لم يتضح له الدليل بخلافه،
стр. 424
وعدم ميله إلى الشافعي كان لسبب آخر، وثَمَّ عللٌ تقدح في صحة هذه الكلمة: «ليس بثقة» عنه، وقد أوضحتُ ذلك في «التنكيل» (١).
[ص ٢٠٣] ثم ذكر أبو ريَّة ص ٣١٢ - ٣٢٢ كلامًا للمقبليّ (٢)، والمقبليّ نشأ في بيئة اعتزالية المعتقد، هادوية الفقه، شيعية تشيعًا مختلفًا، يَغْلُظ في أناس ويخفّ في آخرين، فحاولَ التحرُّر فنجح تقريبًا في الفقة، وقارب التوسُّط في التشيُّع، أما الاعتزال فلم يكد يتخلّص إلا من تكفير أهل السنة مطلقًا.
وكلامه هنا (٣) يدور حول قضايا الاعتزال، كالقَدَر، ونفي رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، والقول بخلق القرآن، والدفاع عن عَمرو بن عُبيد أحد قدماء المعتزلة، وهذه المسائل معروفة مدروسة، والمقبليُّ لم يسبر غورَها، ولا حقَّق ما كان عليه الأمر في عهد النبيّ ﷺ وأصحابه والتابعين بإحسان، فلذلك أخذ يلوم أحمد وينسبه إلى الإفراط في التشدّد، ولعلّه لو عَلِم ما عَلِم أحمد لنَسَبه إلى التسامح.
стр. 425
وذكر ص ٣١٥ ما رُوي عن أحمد في شأن ابن عُلَيّة ومحمد بن هارون. والإمام أحمد وإن رجا المغفرةَ للأمين فلم يزد في ابن عُلية على إنكار قوله تنفيرًا للناس عن الباطل، واستمرَّ أحمد على الرواية عن ابن عُلية، والاحتجاج به، والثناء عليه بالثبت.
وذكر ص ٣١٦ مسألة الرؤية، فخَلَط بين رؤية النبيِّ ﷺ ربَّه ليلة الإسراء، وهي التي أنكرَتْها عائشةُ ومَن معها، وبين الرؤية في الآخرة.
وقال أيضًا: (لكن المحدثون لم يعرفوا مقدار الخطأ في الكلام لأنه غير صنعتهم).
أقول: بل أنت لم تعرف مقدار الخطأ في العقيدة الإسلامية الحقَّة، ولا عرفتَ غَور القضايا المخالفة لها.
وقال ص ٣١٧: (وقال يحيى بن معين في عتبة بن سعيد بن العاص بن أمية: ثقة، وهوجليس الحجاج ... بل روى له البخاري ومسلم).
أقول: إنما هو عَنْبسة بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، له عند البخاريِّ خبر واحد ذكَرَه في الجهاد والمغازي (١) مع روايته من طريق غيره، راجع «فتح الباري» (٣٠: ٦) و (٣٧٦: ٧) (٢). وعند مسلم خبر واحد جاء ذِكْرُه فيه عَرَضًا، والاعتمادُ هناك على رواية أبي قِلابة الجَرْمي الثقة المأمون، وذلك في قصة العُرَنيين (٣)، وقد أخرجها أيضًا من رواية