على «ثلاث سنين» يدلّ أنه غاب في أثناء تلك المدة سنة أو نحوها، وقد كان البعث بعد الانصراف من الجعرانة كما مرَّ، وكان الانصراف منها في أواخر ذي القعدة أو ذي الحجة سنة ٨، وفي «الطبقات» (٤/ ٢/٧٧) (١): أن العلاء قدم على النبيّ ﷺ فولَّى النبيُّ ﷺ مكانه أبان بن سعيد بن العاص، فعلى هذا لما رجع العلاء رجع معه أبو هريرة، وقد ثبت في «الصحيح» عن أبي هريرة أنه ممن حجّ مع أبي بكر سنة ٩، وكان ينادي مع عَلِيّ: أن لا يحجّ بعد العام مشرك. انظر «صحيح البخاري» (٢) ــ تفسر سورة براءة ــ فصحَّ أن غيبته كانت سنةً أو دونها.
وثَمَّ ما يدلّ أن أبا هريرة عاد إلى البحرين في خلافة أبي بكر، ففي «الطبقات» (٤/ ٢/٧٧) (٣) عن الواقدي بسنده: أن أبا بكر أعاد في خلافته العلاءَ بن الحضرميّ على البحرين، وذكر القصة وفيها فَتَحَ العلاء [ص ١٦٣] دارِين سنة أربع عشرة، ثم ذكر ابنُ سعدٍ بسند آخر: أنّ عمر كتب إلى العلاء أن يذهب ليخلُف عُتْبة بن غزوان على عمله، فخرج العلاء ومعه أبو هريرة، فمات العلاء في الطريق ورجع أبو هريرة إلى البحرين، وذكر عن أبي هريرة قوله: «رأيتُ من العلاء بن الحضرميّ ثلاثة أشياء ولا أزال أحبّه أبدًا، رأيته قَطَع البحر على فرسه يوم دَارِيْن .... وخرجْتُ معه من البحرين إلى صفّ البصرة فلما كنّا بلياس (٤) (؟ ) مات ... ». ومن أهل الأخبار من يزعم أن وفاة
стр. 352
العلاء تأخّرت إلى سنة ٢١. فالله أعلم.
أما ما تقدّم فإنه يدل أنّ أبا هريرة رجع إلى البحرين مع العلاء حين ولَّاه أبو بكر، وكان بها سنةَ أربع عشرة.
ثم كان أبو هريرة بالبحرين أيضًا في إمارة قدامة بن مظعون عليها، كما يُعْلَم من ترجمة قدامة في «الإصابة» (١) وغيرها، وفي «فتوح البلدان» (ص ٩٢) عن أبي مخنف في ذكر العلاء بن الحضرمي « ... حتى مات وذلك في سنة أربع عشرة أو في أول سنة خمس عشرة، ثم إن عمر وَلَّى قدامة بن مظعون الجُمَحي جباية البحرين، وولَّى أبا هريرة الأحداث والصلاة ... » وفيه (ص ٩٣) عن الهيثم: «كان قدامة بن مظعون على الجباية والأحداث، وأبو هريرة على الصلاة والقضاء ... ثم ولَّاه عمر البحرين بعد قدامة، ثم عزله وقاسمه، وأمره بالرجوع فأبى، فولّاها عثمان ابن أبي العاصي ... ».
والقضية تحتاج إلى مزيد تتبّع وتأمّل، غير أنّ في ما تقدم ما يكفي للدلالة على أنّ إقامة أبي هريرة بالبحرين كانت كافيةً لأن يتموَّل، وبذلك يتأكد صِدْقُه في قوله: «خيل نَتَجت ... » كما مرَّ (ص ١٤٨) (٢).
* * * *
стр. 353
من فضل أبي هريرة (١)
أمّا ما يَعُمُّه وغيره من الصحابة ﵃ فيأتي في موضعه، وأما ما يَخُصُّه فمنه في «الصحيحين» (٢) عنه: أنّ النبيّ ﷺ لقيه في طريقٍ من طرق المدينة وهو جُنب فانسلَّ فذهب فاغتسل، فتفقَّده النبيّ ﷺ ، فلما جاء قال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: يا رسول الله لَقيتني وأنا جُنُب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس» لفظ مسلم.
ومَرَّ (ص ١٠٠) (٣) ما في «صحيح البخاري» (٤) من قول النبيّ ﷺ : «لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني أحدٌ عن هذا الحديث أوَّلَ منك، لما رأيتُ من حرصك على الحديث ... ».
[ص ١٦٤] وفي «صحيح مسلم» (٥) وغيره في قصة إسلام أمه قول النبيّ ﷺ : «اللهم حَبِّب عُبيدك هذا ــ يعني أبا هريرة ــ وأُمَّه إلى عبادك المؤمنين ... ». قال ابن كثير في «البداية» (١٠٥: ٨) (٦): «وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإنَّ أبا هريرة محبّب إلى جميع الناس ... ».
стр. 354
وفي «الإصابة» (١): «وأخرج النسائيُّ بسند جيِّد في (العلم) من كتاب «السنن» (٢): أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فقال: «عودوا لِلَّذي كنتم فيه»، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي، فجعل رسول الله ﷺ يُؤمِّن على دعائنا، ودعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سأل صاحبايَ، وأسألك عِلْمًا لا يُنْسى، فقال رسول الله ﷺ : «آمين». فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علمًا لا يُنسى، فقال: «سبقكم بها الغلام الدوسي» ونحوه في «تهذيب التهذيب» (٣) وفيهما بعض ألفاظ محرَّفة.
وفي «مسند أحمد» (٥٤١: ٢) و «سنن أبي داود» (٤) وغيرهما عنه قال: «بينما أنا أُوْعَكُ في مسجد المدينة إذ دخل رسول الله ﷺ المسجد فقال: «من أحسّ الفتى الدوسي؟ من أحسّ الفتى الدوسي؟ » فقال له قائل: هو ذاك يوعك في جانب المسجد حيث ترى يا رسول الله. فجاء فوضع يده عليَّ وقال لي معروفًا، فقمت فانطلق حتى قام في مقامه الذي يصلي فيه ... ».
ومرّ (٥) ما رُوي من تولية عمر لقدامة بن مظعون وأبي هريرة البحرين، قدامة على الجباية، وأبا هريرة على الصلاة والقضاء، ثم جمعَ الكلَّ
стр. 355
لأبي هريرة. هذا مع أنَّ قُدامة من السابقين البدريين، ثم قَاسَمَ عمرُ أبا هريرة كما كان يُقَاسِمُ عُمَّالَه، وأراد أن يعيده على الإمارة فأبى أبو هريرة.
وتقدم صفحة (١٠٦ و ١٢٠ و ١٢٣) (١): شهادة طلحة والزبير وأبي أيوب وعائشة له، وتقدم (ص ١٠٦ و ١١٨ - ١١٩) (٢) ثناءُ ابنِ عمر عليه. وذكر الحاكم في «المستدرك» (٣) أنه روى عنه بضعةٌ وعشرون من الصحابة، عدَّ منهم: أُبيَّ بن كعب، وأبا موسى الأشعري، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبا أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، وجماعة.
وفي «الإصابة» (٤): «قال البخاري روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم. وكان أحفظ مَنْ روى الحديث [ص ١٦٥] في عصره. قال وكيع في «نسخته» (٥): حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد ﷺ . وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عيَّاش عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ .. (٦).
стр. 356
وقال الربيع: قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ مَنْ روى الحديث في دهره (١).
وقال أبو الزُّعَيزِعة كاتب مروان: أرسل مروانُ إلى أبي هريرة فجعل يحدّثه، وكان أجلسني خلف السرير أكتبُ ما يحدِّث به، حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله، وأمرني أن أنظر، فما غيَّر حرفًا عن حرف». وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٥١٠: ٣) (٢) وفيه: «فما زاد ولا نقص، ولا قدَّم ولا أخَّر». قال الحاكم: «صحيح الإسناد» وأقرَّه الذهبي.
وقال ابن كثير في «البداية» (١١٠: ٨) (٣): «وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والزهادة والعمل الصالح على جانبٍ عظيم ... ».
وفي «طبقات ابن سعد» (٤/ ٢/٦٢) (٤): «أخبرنا مَعْنُ بن عيسى قال: حدثنا مالك بن أنس عن المقبري عن أبي هريرة: أن مروان دخل عليه في شكواه الذي مات فيه، فقال: شفاك الله يا أبا هريرة. فقال أبو هريرة: اللهم إني أحبّ لقاءك، فأَحِبَّ لقائي. قال فما بلغ مروانُ أصحابَ القطا حتى مات أبو هريرة».
стр. 357
[أحاديث مشكلة والجواب عنها]
ثم ذكر أبو ريَّة ص ٢٠٢ - ٢٠٦ جماعةً من الصحابة قلَّتْ أحاديثهم، وقد نظرت في ذلك (ص ٤٢) (١).
ثم قال ص ٢٠٧: (أحاديث مشكلة ... عن ابن عباس، إن الله خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء ... ).
أقول: هذا من قول ابن عباس، أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤٧٤: ٢) من طريق أبي حمزة الثمالي وقال الحاكم: «صحيح الإسناد»، تعقَّبه الذهبي فقال: «اسم أبي حمزة ثابت، وهو واهٍ بمرَّة» ويُنظر وجه الاستشكال؟
قال: (وروى الشيخان .. عن أبي ذر قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: أتدري أين تذهب؟ ... ).
أقول: النظر في هذا الحديث يتوقَّف على بيان معنى قول الله عزوجل: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] ثم جَمْع طرقه وتدبُّر ألفاظه، ولم يتسير لي ذاك الآن والله المستعان. (ثم نظرتُ فيه فيما يأتي ص ٢١٣) (٢).
[ص ١٦٦] قال: (وروى مسلم عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص صاحب الزاملتين قال: إن في البحر شياطين ... ).
أقول: هذا ذَكَرَه مسلم في مقدمة «صحيحه» (٣)، وهو من قول عبد الله بن عَمرو، ليس بحديث عن النبيّ ﷺ .
стр. 358
قال: (وروى البخاري ... عن عامر بن سعد [بن أبي وقاص] عن أبيه قال: قال النبيّ ﷺ : «من اصطبح كلّ يوم تمرات عجوة لم يضره سُمّ ولا سِحْر» ... وفي رواية: «سبع تمرات عجوة». وكذا لمسلم عن سعيد بن أبي العاص. وعند النسائي من حديث جابر: «العجوة من الجنة وهي شفاء من السم»).
أقول: الحديث في «الصحيحين» (١) من رواية عامر بن سعد بن أبي وقَّاص عن أبيه. ولم أجد ذِكْر سعيد بن أبي العاص، وراجع ما مرَّ (ص ١٦٠) (٢).
قال: (وأخرج الشيخان عن أبي هريرة: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضُراط حتى لا يسمع التأذين ... ، وقال العلماء المحققون في شرح هذا الحديث: لئلا يسمع فيضطر أن يشهد بذلك يوم القيامة).
أقول: أما الحديث فلا إشكال فيه عند من يؤمن بالقرآن، وفي بعض رواياته: «وله حصاص»، وفي «صحيح مسلم» (٣) عن جابر: «سمعت النبيّ ﷺ يقول: «إن الشيطان إذا سمع النداء ذهب حتى يكون مكان الروحاء». وأما التفسير الذي نسبه إلى المحققين فهو قول لبعضهم، فإن كان حقًّا فلماذا السخرية منه؟ وإن كان باطلًا فتَبِعته على قائله، فلماذا يذكر هنا؟
قال ص ٢٠٨: (وروى مسلم عن أبي سفيان أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله أعطني ثلاثًا. تزوج ابنتي أم حبيبة، وابني معاوية اجعله كاتبًا، وامرني أن أقاتل الكفار كما قاتلتُ المسلمين ... » وأم حبيبة تزوجها النبيُّ ﷺ وهي (٤) بالحبشة ... ).
стр. 359
أقول: لفظ مسلم قال: «عندي أحسن العرب وأجمله: أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها» وفي سنده عكرمة بن عمَّار موصوف بأنه يغلط ويَهِم، فمِن أهل العلم من تكلَّم في هذا الحديث وقال: إنه من أوهام عكرمة، ومنهم من تأوَّله، وأقرب تأويل له: أن زواج النبيّ ﷺ لما كان قبل إسلام أبي سفيان كان بدون رضاه فأراد بقوله: «أزوجكها» أَرْضَى بالزواج، فاقبْل مني هذا الرِّضا.
قال: (وفي مسند أحمد عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبيّ ﷺ صدّق أمية ابن أبي الصلت ... في قوله: والشمس تطلع ... ) البيتين.
[ص ١٦٧] أقول: مداره على محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عُتبة عن عكرمة عن ابن عباس، وفي «مجمع الزوائد» (١٢٧: ٨): «رجاله ثقات، إلا أن ابن إسحاق مدلس». والمدلِّس لا يحتج بخبره وحده ما لم يتبيَّن سماعه (١).
قال: (وروى مسلم عن أنس بن مالك أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ قال: متى تقوم الساعة؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ هُنَيهة، ثم نظر إلى غلام بَيْنَ يديه مِن أزد شنوءة فقال: إنْ عَمَّرَ هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، قال أنس: ذاك الغلام من أترابي يومئذ ... ).
أقول: من عادة مسلم في «صحيحه» أنه عند سياق الروايات المتفقة في الجملة يقدِّم الأصح فالأصح (٢)، فقد يقع في الرواية المؤخَّرة إجمال أو
стр. 360
خطأ تبينه الرواية المقَدَّمة، ففي ذاك الموضع قدَّم حديثَ عائشة: «كان الأعراب إذا قَدِمُوا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة متى الساعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: «إنْ يَعِشْ هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم». وهذا في «صحيح البخاري» (١): بلفظ «كان رجال من الأعراب جُفاة يأتون النبيّ ﷺ فيسألونه: متى الساعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إن يعش هذا لا يدركه الهرمُ حتى تقوم عليكم ساعتكم». قال هشام: يعني موتهم». ثم ذكر مسلم (٢) حديث أنس بلفظ: «إن يعش هذا الغلامُ فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» ثم ذكره باللفظ الذي حكاه أبو رية، وراجع «فتح الباري» (٣١٣: ١١) (٣).
ثم قال (٤) ص ٢٠٩: (أحاديث المهدي ... ). وقال ص ٢١٠: (المهدي العباسي) ثم قال: (المهدي السفياني ... ) ولم يسق الأخبار. والكلام فيها معروف.
ثم قال ص ٢١٠: (الخلفاء الاثنا عشر ــ جاءت أحاديث كثيرة تنبئ أن الخلفاء سيكونون اثني عشر خليفة ... للبخاري عن جابر بن سمرة: يكون اثنا عشر أميرًا كلهم من قريش. ورواية مسلم: لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا. وفي رواية أخرى: إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي له فيهم اثنا عشر خليفة، فقد رووا حديثًا يعارض هذه الأحاديث جميعًا، وهو حديث سَفينة ... الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون مُلكًا).
стр. 361
أقول: إن كان أصل اللفظ النبويّ «أميرًا» كما في رواية البخاري (١) وبعض روايات مسلم (٢) فواضح أنه لا يعارضه، وإن كان بلفظ «خليفة» فالمراد به من يتسمَّى بهذا الاسم أو يخلف غيره في الإمارة. [ص ١٦٨] والخلافةُ في حديث سفينة خلافة النبوة. نُقِل معنى هذا عن القاضي (٣)، عياض وهو ظاهر.
قال: (وكذلك أخرج أبو داود في حديث ابن مسعود رفعه: تدور رحى الإسلام ... ).
أقول: قد بسط الكلام في هذا في «فتح الباري» (١٨١: ١٣ - ١٨٦) (٤) فراجعه، وحكى أبو ريَّة ص ٢١٢ بعضَ ما قيل في ذلك مما يزيد في تصوير التعارض. وهذا دأبه، كلما وجد إشكالًا قد حُلَّ، أو اعتراضًا قد أُجيبَ عنه، ذكر الإشكال أو الاعتراض وهوَّل، ولم يعرض للجواب.
ثم قال ص ٢١٣: (الدجال. جاء في الدجال ... أحاديث كثيرة بعضها يُصرِّح بأن النبيّ ﷺ كان يرى أن من المحتمل ظهور الدجال في زمنه ... وبعضها يصرِّح بأنه يخرج بعد فتح المسلمين لبلاد الروم).
أقول: لم يكن ﷺ أَوَّلًا يعلم ثُمَّ أعلمه الله.
قال: (وبعض الأحاديث تقول بأنه سيكون معه جبال من خبز وأنهار من ماء وعسل).
стр. 362
أقول: لم أر في الأخبار ذِكْر العسل، ويظهر أن أبا ريَّة اختطف كلماته من «فتح الباري» (١٨١: ١٣) (١) وليس هناك ذكر العسل. فأما ذكر جبل ــ أو جبال ــ خبز فقد رُوي، مع أن في «الصحيحين» (٢) عن المغيرة بن شعبة أنه قال للنبيّ ﷺ : «يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء» فقال النبيّ ﷺ : «بل هو أهون على الله من ذلك» لفظ البخاري. وقد يُحْمَل ما ورد في أنَّ معه «جبال خبز» على المجاز، أي أنَّ معه مقادير عظيمة من الخبز، مع أن مخالفيه محتاجون.
قال: (وزاد مسلم: جبال من لحم).
أقول: إنما في «صحيح مسلم» في كلام المغيرة أنه قال للنبي ﷺ : «إنهم يقولون معه جبال من خبز ولحم»؟ فقال النبيّ ﷺ : «هو أهون على الله من ذلك» فانظر، واعتبر!
قال: (وأخرج نُعيم بن حماد من طريق كعب ... ).
أقول: هو كلام منسوب إلى كعب من قوله، والسند إليه مع ذلك واهٍ.
قال: (ومن أخباره أنه ينزل ... ).
أقول: هذا كسابقه.
وذَكَر اختلاف الروايات في مخرجه.
أقول: في حديث أبي بكر الصديق عند أحمد وغيره (٣) أنه يخرج من
стр. 363
خراسان [ص ١٦٩]، ولا ينافيه ما في (١) «صحيح مسلم» (٢) أنه يتبعه يهود أصبهان؛ إذ لا يلزم من اتباعهم له أن يكون أول خروجه من عندهم. وكذا ما جاء في رواية: «أنه خارج بين الشام والعراق» (٣)؛ إذ لا يلزم أن يكون ذلك أوّل خروجه. فأما ما في حديث الجسّاسة أنه محبوس في جزيرة (٤)، فإن حُمِلَ على ظاهره، فلا مانع من أن يذهب بعد إطلاقه إلى خراسان ثم يظهر أمره منها، وإن حُمِلَ على التمثيل كما مرَّت الإشارة إليه (ص ٩٥) (٥) فالأمر واضح.
قال: (وهناك أحاديث ... كلها مرفوعة إلى النبيّ ﷺ ).
أقول: ليس كلُّ ما ورد في الدجال بمرفوع، على أن أبا ريَّة ترك المرفوعات الثابتة في «صحيح البخاري» وغيره، وسقط على ما نُسِب إلى كعب، مع أنه لا يصح عنه.
قال: (ولكي يمكّنوا لهذه الخرافة أو الأسطورة في عقول المسلمين أَوْرَدُوا حديثًا عن النبيّ ﷺ بأن مَن كذَّب بالمهدي فقد كفر، ومن كذّب بالدجَّال فقد كفر).
أقول: لا أعرف حديثًا هكذا، ولا أرى ذِكْر النبيّ ﷺ للمهدي متواترًا ولا قريبًا منه، فأما ذكره الدجال فمتواتر قطعًا، ومن اطلع على ما في «صحيح البخاري» (٦) وحده علم ذلك، ومع هذا فإنما أقول: من كذَّبَ رسولَ الله ﷺ
стр. 364
في خبر من أخباره عن الغيب فقد كفر.
قال ص ٢١٤: (عمر الدنيا) .
فأشار إلى صنيع السيوطي ولم يذكر الأحاديث حتى ننظر فيها، والذي أعرفه أنه ليس في ذلك حديث صحيح صريح.
قال: (وقد أعرضنا كذلك عن إيراد أخبار الفتن، وأشراط الساعة، ونزول عيسى التي زخرت بها كتب السنة المعتمدة بين المسلمين والمقدَّسة من الشيوخ الحشويين) (١).
أقول: صدق الله ﵎: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩].
قال: (وكذلك أهملنا ذكر الأحاديث الواردة في خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من أصل سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، وهي في البخاري وغيره).
أقول: الذي في «صحيح البخاري» (٢) في حديث الإسراء عند ذِكْر سِدْرة المنتهى: «وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران [ص ١٧٠] فالنيل والفرات». وقد فسَّره أهلُ العلم بما فسروا، ورأيتُ بعضَ العصريين (٣) يذكر وجهًا سأحكيه ليُنظر فيه، قال: لا ريب أنّ كلَّ ما رآه النبيُّ
стр. 365
- ﷺ ليلة الإسراء حق، لكن منه ما كان بضَرْبٍ من التمثيل يحتاج إلى تأويل، وقد ذُكِر في بعض الروايات أشياء من هذا القبيل، انظر «فتح الباري» (١٥٣: ٧) (١)، فقد يقال: إنّ سدرة المنتهى مع أنها حقيقة ضُرِبت مثلًا لكلمة الإسلام، على نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] الآيات، وجعل مغرسها مثلًا للأرض التي ستثبت فيها كلمة الإسلام في الدنيا، والأرض التي يرثها أهله في الجنة، فرمز إلى الأولى بما فيه مثال النيل والفرات، وإلى الثانية بما فيه مثال النهرين اللَّذَيْنِ في الجنة، وكأنه قيل للنبيِّ ﷺ : هذه كرامتك، كما يدفع المَلِكُ إلى من يكرمه وثيقةً فيها رسم أرض معروفة فيها قصر وحديقة، فيكون معنى ذلك: أنه أنعم بها عليه. أما سيحون وجيحون فلا ذِكْر لهما، نعم في حديث لمسلم (٢) تقدم (ص ١٣٢) ذِكْر سيحان وجيحان، وهما غير سيحون وجيحون.
ثم قال أبو ريَّة ص ٢١٥: (كلمة جامعة ... انتهى العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره ... إلى هذه النتائج القيمة: ١ - أن النبيّ ﷺ لم يكن يعلم الغيب ... وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب بما أنزل عليه في كتابه، وهو قسمان: صريح ومستنبط).
أقول: اقتصر أبو ريَّة على هذا، مع أن في ذاك الموضع من «تفسير المنار» (٥٠٤: ٩) زيادة فيها: «٢ - إن الله تعالى أعلمه ببعض ما يقع في المستقبل بغير القرآن من الوحي ... ٣ - إنه كان يتمثل له ﷺ بعض أمور المستقبل كأنه يراه، كما تمثَّلت له الجنة والنار عُرْض الحائط، وكما تمثّل له
стр. 366
في أثناء حفر الخندق ما يفتح الله لأصحابه من الممالك ... وكشفه هذا حق، وهو ما يسمّيه أهلُ الكتاب نبوءات، وقد ظهر منه شيء كثير كالشمس ... ».
قال: (لا شك أن أكثر الأحاديث قد رُوي بالمعنى ... فعلى هذا كان يروي كلُّ أحدٍ ما فهمه، وربما يقع في فهمه الخطأ لأن هذه أمور غيبية، وربما فسَّر بعضَ ما فهمه بألفاظٍ يزيدها ... ).
أقول: ليس من الحق إنكار هذا الاحتمال، لكن ليس من الحقِّ أن يجاوز به حدّه، فهو احتمال نادر، يزيدُه نُدْرةً أو يدفعه البتَّة: أن تتفق روايتان صحيحتان فأكثر، والظاهر الغالب من رواية الثقة هو الصواب، وبه يجب الحكم مالم تقم حجّة صحيحة على الخطأ.
[ص ١٧١] ثم قال: (إن العابثين بالإسلام ... قد وضعوا أحاديث كثيرة ... وراج كثير منها بإظهار رواتها للصلاح والتقوى).
أقول: راجع ما تقدم (ص ٦١ - ٦٥) (١).
قال: (ولم يُعرَف بعض الأحاديث الموضوعة إلا باعتراف من تاب إلى الله مِن واضعيها).
أقول: من تدبر ما تقدم (ص ٦١ - ٦٥) وغيرها تبين له أنَّ مَنْ كان حدّه أن يكذب لا يخفى حالُه على الأئمة، غايةُ الأمر أنهم قد يقتصرون على قولهم: «متهم بالكذب» ونحو ذلك. وبهذا تعلم أنه لو فُرِض عدم اعتراف من اعترف لم يلزم من ذلك أن يحكموا لخبره بالصحة.
قال ص ٢١٦: (إن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم ... وقد ثبت أن الصحابة كان يروي بعضُهم عن بعض، وعن التابعين، حتى عن كعب الأحبار وأمثاله).
стр. 367
أقول: راجع ما تقدم (٧٣ - ٧٥، و ٨٢ و ٨٩ و ٩٤ - ٩٩ و ١٠٩ - ١١٠ و ١٥٧) (١).
قال: (والقاعدة عند أهل السنة: أنّ جميع الصحابة عدول ... وهي قاعدة أغلبية لا مطردة).
أقول: سيأتي النظر في هذا في فصل عدالة الصحابة (٢).
قال: (فكل حديث مشكل المتن أو مضطرب الرواية أو مخالف لسنن الله تعالى في الخلق أو لأصول الدين أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية فهو مَظِنّة لما ذكرنا. فمن صدَّق رواية مما ذكر ولم يجد فيها إشكالًا فالأصل فيها الصدق، ومَن ارتاب في شيء منها أو أورد عليه بعض المرتابين أو المشككين إشكالًا في متونها، فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية ... ).
أقول: لا أدري ما عَنى بالمشكل؟ فإنْ كان راجعًا إلى ما يأتي فذاك، فأما المضطرب فحكمه معروف عند أهل العلم، وأما المخالف لسنن الله، فمِنْ سُنن الله تعالى أن يخرق العادة إذا اقتضت حكمته، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة لا تحصى. وراجع «الوحي المحمدي» (ص ٦٣) (٣). وأما المخالف لأصول الدين فراجع (ص ٢) (٤)، وأما المخالف لنصوصه القطعية فراجع (ص ١٤) (٥).
стр. 368
وبالجملة لا نزاع أنَّ النبيّ ﷺ لا يخبر عن ربه وغيبه بباطل، فإن رُوِيَ عنه خبر تقوم الحجةُ على بطلانه فالخلل من الرواية، لكن الشأن كلّ الشأن في الحكم بالبطلان، فقد كَثُر اختلاف الآراء والأهواء والنظريات وكثر غلطها، ومن تدبَّرها [ص ١٧٢] وتدبر الرواية وأمعن فيها، وهو ممن رزقه الله تعالى الإخلاص للحق والتثبت= عَلِم أن احتمال خطأ الرواية التي يثبتها المحققون من أئمة الحديث أقلّ جدًّا من احتمال خطأ الرأي والنظر. فعلى المؤمن إذا أشكل عليه حديثٌ قد صحَّحه الأئمة، ولم تطاوعه نفسُه على حمل الخطأ على رأيه ونظره= أن يعلم أنه إن لم يكن الخلل في رأيه ونظره وفهمه فهو في الرواية، وليفزع إلى من يَثِقْ بدينه وعلمه وتقواه مع الابتهال إلى الله ، فإنه وليّ التوفيق.
ثم قال أبو ريَّة ص ٢١٧: (تدوين القرآن ... ولو أنَّ النبيّ ﷺ وصحابته كانوا قد عُنُوا بتدوين الحديث ... ). ثم قال ص ٢١٨: (كيف كان الصحابة ... ) ثم قال: (كُتَّاب الوحي ... ).
أقول: راجع (ص ٢٠ - ٤٧) (١).
ثم قال ص ٢١٨ - ٢١٩: (وكان أول من كتب للنبيّ ﷺ بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح).
أقول: أَنَّى لأبي ريَّة هذا؟ إنما قال صاحب «الاستيعاب» (٢) وغيرُه في عبد الله: إنه أسلم قبل الفتح.
وقال ص ٢١٩: (جمع القرآن وسببه: روى البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال:
стр. 369
قضى رسول الله ﷺ ولم يكن القرآن جُمِع في شيء ... ولما تولى أبو بكر ونشبت حرب الردَّة وقتل فيها كثير من الصحابة خشي عمر من ضياع القرآن بموت الصحابة، فدخل على أبي بكر وقال له: إن أصحاب رسول الله باليمامة يتهافتون تهافت الفراش في النار، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنًا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا، وهم حَمَلة القرآن .. ).
أقول: حديث زيد في مواضع من «صحيح البخاري» (١)، راجع «الفتح» (٨/ ٢٥٩ و ٩/ ٩ و ١٩ و ١٣/ ١٥٩ و ٣٥٠) (٢)، ولم أجده في «صحيح البخاري» باللفظ الذي ساقه أبو رية. وراجعت «فهارس البخاري» (٣) للأستاذ رضوان محمد رضوان فذكر الحديث في المواضع الأربعة الأولى فحسب (٤).
والذي في «صحيح البخاري» في الموضع الأول: «إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحرَّ القتلُ بالقُرَّاء في المواطن». وفي الثاني: «إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقُرَّاء القرآن، وإني أخشى إن يستحرَّ (٥) القتلُ بالقُرَّاء بالمواطِن»، وتُرِكت هذه الجملة في الثالث والخامس. وفي الرابع: «إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقُرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرَّ القتلُ بقُرَّاء القرآن في المواطن».
وليحذر القارئ من إساءة الظنِّ بأبي ريَّة، بل ينبغي أن يَحْمِل صنيعَه هنا
стр. 370
على أنه رجع عن الميل إلى منع رواية الحديث بالمعنى، أو رأى جوازها في [ص ١٧٣] غير الحديث النبوي ــ ولو مع التمكُّن من الإتيان باللفظ الأصلي ــ إذا كان ذلك لمصلحته، ومصلحتُه هنا: أنه كره أن يصرِّح بأن الخشية كانت من استحرار القتل بقراء القرآن خاصة، وأحبَّ أن يجعلها من استحرار القتل بالصحابة على الإطلاق ليبني عليها ما علّقه في الحاشية إذ قال: (مما يلفت النظر البعيد ويسترعي العقل الرشيد: أن عمر لما راعه تهافت الصحابة في حرب اليمامة .. لم يقل عنهم إنهم حَمَلة الحديث، بل قال: إنهم حملة القرآن، ولم يطلب جمع الحديث وكتابته ... وفي ذلك أقوى الأدلة وأصدق البراهين على أنهم لم يكونوا يعنون بأمر الحديث، ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ ويبقى على وجه الدهر كالقرآن الكريم).
أقول: الذي في الخبر ــ كما رأيتَ ــ خشية استحرار القتل بقُرَّاء القرآن، وبين القرآن والسنة فَرْق من وجوه، وبيانُ ذلك: أن الله ﵎ تكفَّل بحفظ الشريعة مما فيه (١) الكتاب والسنة كما مرَّ (ص ٢٠ - ٢١) (٢)، ومع ذلك كلَّفَ الأمةَ القيامَ بما يتيسّر لها من الحفظ، ولمَّا كان القرآن مقصودًا حفظ لفظه ومعناه، وفي ضياع لفظةٍ واحدة منه فوات مقصودٍ دينيّ، وهو مقدارٌ محصور يسهُل على الصحابة حفظه في الصدور وكتابته في الجملة= كُلِّفوا بحفظه بالطريقتين، وبذلك جرى العمل في حياة النبيّ ﷺ ، فتوفّاه الله ﵎ والقرآنُ كلُّه محفوظ في الصدور مفرَّقًا، إلا أنّ معظمه عند جماعة معروفين، وإنما حَفِظَه جميعَه بضعةُ أشخاص، ومحفوظ كلّه
стр. 371
بالكتابة مفرَّقًا في القِطَع التي بأيدي الناس كما مرّ (ص ٢٠) (١). فلما استحرَّ القتلُ بالقُرَّاء في اليمامة، وخشي أن يستحرَّ بهم في كلِّ موطن، ومِنْ شأن ذلك ــ مع صَرْف النظر عن حِفْظ الله تعالى ــ أن يؤدّي إلى نقصٍ في الطريقة الأولى؛ رأى الصحابةُ أنهم إذا تركوا تلك القطع كما هي مُفرَّقة بأيدي الناس، كان مِنْ شأن ذلك احتمال أن يتلف بعضُها، فيقع النقص في الطريقة الثانية أيضًا، ورأوا أنه يمكنهم الاحتياط للطريقة الثانية بجمع تلك القطع وكتابة القرآن كلّه في صُحُف تُحْفَظ عند الخليفة، وإذا (٢) كان ذلك ممكنًا بدون مشقة شديدة، وهو من قبيل الكتابة التي ثبت الأمر بها ولا مفسدة فيه البتّة= علموا أنه من جُملة ما كُلّفوا به، فوفَّقهم الله تعالى للقيام به.
أما السنة: فالمقصود منها معانيها، وفواتُ جملةٍ من الأحاديث لا يتحقّق به فواتُ مقصودٍ ديني، إذ قد يكون في القرآن وفيما بقي من الأحاديث ما يفيد معاني الجملة التي فاتت. وهي مع ذلك [ص ١٧٤] منتشرة لا تتيسر كتابتها كما تقدم (ص ٢١) (٣) فاكتفى النبيُّ ﷺ من الصحابة بحفظها في الصدور كما تيسر، بأن يحفظ كلُّ واحد ما وقف عليه، ثم يبلِّغه عند الحاجة، ولم يأمرهم بكتابتها، ولم يكن حفظ معظمها مقصورًا على القُرَّاء، بل كان جماعة ليسوا من القُرَّاء عندهم من السنة أكثر مما عند بعض القُرَّاء.
فالدلائل والقرائن التي فهم منها الصحابة أنّ عليهم أن يصنعوا ما صنعوا مِنْ جَمْع القرآن، لم يتوفَّر لهم مثلُها ولا ما يقاربها، لكي يفهموا منه
стр. 372
أنَّ عليهم أن يجمعوا السنة. على أنهم كانوا إذا فكّروا في جمعها بدا لهم احتمال اشتماله على مفسدة كما مرَّ (ص ٣٠) (١)، وكذلك كان فيه تفويت حِكَم ومصالح عظيمة (راجع ص ٢١ - ٢٢) (٢). وتوقّفهم عن الجمع لِما تقدّم لا يعني عدم العناية بالأحاديث، فقد ثبت بالتواتر تديُّنهم بها، وانقيادهم لها، وبحثهم عنها كما تقدم في مواضعه، ولكنهم كانوا يؤمنون بتكفّل الله تعالى بحفظها، ويكرهون أن يعملوا مِن قِبَلِهم غير ما وَضَح لهم أنه مصلحة محضة، (راجع ص ٣٠) (٣)، ويعلمون أنه سيأتي زمان تتوفّر فيه دواعي الجمع وتزول الموانع عنه، وقد رأوا بشائر ذلك من انتشار الإسلام، وشدّة إقبال الناس على تلقِّي العلم وحفظه والعمل به، وقد أتمَّ اللهُ ذلك كما اقتضته حكمته.
ثم ذكر ص ٢٢٠ - ٢٢٢ فصولًا في جمع القرآن، ثم قال ص ٢٢٣ - ٢٣٢: (تدوين الحديث) .
أقول: راجع لكتابة التابعين الحديث (ص ٢٨ و ٥٥) (٤)، فأما أتباع التابعين فكانوا يكتبون ويحتفظون بكتبهم ولاسيما بعد أن أمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بالكتابة (راجع ص ٣٠) (٥). وفي «جامع بيان العلم» (٦)
стр. 373
لابن عبد البر بسنده إلى ابن شهاب الزهري قال: «أمَرَنا عمرُ بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كلِّ أرض له عليها سلطان دفترًا». ثم أكثر ابنُ شهاب من الكتابة بعد وفاة عمر لما أمر هشام بن عبد الملك. على أنّ ما كُتِب لعمر ولهشام لم يلق قبولًا عند أهل العلم؛ لأنهم كانوا يحرصون على تلقّي الحديث مِن المحدّث به مشافهةً. لكن الرواة عن ابن شهاب وغيره انهمكوا في الكتابة. ثم شرع بعضهم في التصنيف. وقد ذكر أبو ريَّة ص ٢٢٩ عِدَّة من المصنِّفين، وأحب أن أشير إلى من مات منهم قبل سنة ١٦٠:
فمنهم: ابن جُرَيج المتوفى سنة ١٥٠ له مصنفات تلقَّاها عنه جماعة، منهم حجّاج بن محمد الأعور، وعبد الرزاق الصنعاني، وعنهما الإمام أحمد وغيره. ولعبد الرزاق مصنفات موجودة.
ومنهم: ابن إسحاق صاحب المغازي توفي سنة ١٥١، صنف السيرة وغيرها.
[ص ١٧٥] ومنهم: مَعْمَر بن راشد توفي سنة ١٥٣، وله مصنّفات بعضها موجود، وأخذها عنه عبدُ الرزاق وغيره.
ومنهم: الأوزاعي، وسعيد بن أبي عَرُوبة تُوُفيا سنة ١٥٦، وكانت مصنفاتهما عند جماعةٍ من أصحابهما، تلقاها عنهم الإمام أحمد وغيره.
ثم قال أبو ريَّة ص ٢٣٣: (أثر تأخير التدوين ... ).
ذكر أنه لو دُوّن الحديث كما دُوّن القرآن لانسدَّ بابُ الكذب على النبيِّ ﷺ وانسدّ بابُ التفرُّق في الدين.
стр. 374
أقول: أأنتم أعلم أم الله؟ أرأيتَ لو قال قائل: لو خلق الله عباده على هيأة كذا لانسدَّ باب الظلم والعدوان والفجور، ولو أُنزل القرآن وكلّ دلالاته يقينية، لا يمكن أحدًا أن يشك أو يتشكك فيها لانسدَّ باب التفرق، ولو، ولو ... إنما شأنُ المؤمن أن ينظر ما قضاه الله واختاره، فيعلم أنه هو الحقّ المطابق للحكمة البالغة، ثم يتلمَّس ما عسى أن يفتح الله عليه به مِنْ فهم الحكمة، وراجع (ص ٥٥ و ٦٠ - ٦٢) (١). وذكر أمورًا قد تقدم النظر فيها، فراجع الفهرس.
ثم قال ص ٢٣٧: (نشأة علم الحديث ... ) إلى أن قال ص ٢٤٠: (الخبر وأقسامه) وذكر المتواتر ثم علّق عليه في الحاشية: ( ... أنكر المسلمون أعظم الأمور المتواترة، فالنصارى واليهود هما أمتان عظيمتان يخبرون بصلب المسيح، والإنجيل يصرِّح بذلك، فإذا أنكروا هذا الخبر وقد وصل إلى أعلى درجات المتواتر فأيّ خبرٍ بعده يمكن الاعتماد عليه والركون إليه؟) (٢).
أقول: هذا إما جنون، وإما كفر، «فاختر وما فيهما حظٌّ لمختار» (٣). وقد بيَّن علماء المسلمين سقوط دعوى تواتر الصّلْب بما لا مزيد عليه. وكلُّ
стр. 375
عاقل يعرفُ التواترَ الحقيقيَّ ثم يتدبر الواقعةَ يعلم أنها ليست منه. ومقتضى سياق أبي ريَّة أنه يحاول التشكيك في المتواتر، وزَعْم أن دلالته ظنية فقط. (ألف).
ونقل ص ٢٤١ - ٢٤٢ (١) عبارةً عن «المستصفى»، ينبغي مقابلتها بـ «المستصفى» (١٤٢: ١) (٢) مع قول «المستصفى» (٣) في الصفحة التي قبلها: «(الخامس) كلّ خبر ... » ومراجعة المسألة في «أحكام ابن حزم» (٤) وغيره.
وقال ص ٢٤٢: (ومن قواعدهم المشهورة ... ولا يلزم من الإجماع على حكم مطابقته لحكم الله في نفس الأمر).
أقول: يراجع البحث في كتب الأصول، والمقصود هنا أن أبا ريَّة يرى دلالة الإجماع ظنية فقط. (ب).
وذكر آخر ص ٣٤٣ عن الرازي: ( ... وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل النقلية ظنية، وأن العقلية قطعية، والظن لا يعارض القطع).
أقول: للرازي تفصيل معروف (٥)، وقد تعقَّبه شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) وغيره، والحق أنّ في القرآن [ص ١٧٦] دلالات قطعية، وأن دلالته المقطوع
стр. 376
فيها بالظهور تكون قطعية إذا علم أنه لم يكن وقت حاجة المخاطبين إلى الأخذ بها قرينة صارفة عن ذاك الظاهر؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. وينبغي أن يتنبه لأن القرينة إنما يعتدّ بها إذا كانت بيِّنة يدركها المخاطَب إذا تدبَّر، ولتقرير هذا موضع آخر.
ومقتضى صنيع أبي ريَّة أن دلائل القرآن ــ بَلْه الأحاديث ــ كلها ظنية. (ج).
وقال قبل ذلك: (قال الجمهور: إن أخبار الآحاد لا تفيد العلم قطعًا ولو كانت مخرَّجة في البخاري ومسلم، وأنّ تلقي الأمة لهما بالقبول إنما يفيد العمل بما فيهما؛ بناء على أن الأمة مأمورة بالأخذ بكل خبر يغلب على الظن صدقه).
أقول: مسألة أخبار «الصحيحين» تأتي (١)، وإنما المهمّ هنا أنه علَّق على آخر هذه العبارة قوله: (ترى هل هذه القاعدة التي قرروها قد أمر الله بها ورسوله؟ وترى هل هي تخرجنا من حكم اتباع الظن الذي جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] ومثل قوله تعالى في قول النصارى بصلب المسيح: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]). (د).
تأمَّل هذه القضايا المرموز على أواخرها بهذه الأحرف (ألف ــ ب ــ ج ــ د) وانظر ماذا بقي لأبي ريَّة من الدين؟
أما الآيات، فقد قيل وقيل. ومن تدبّر السياقَ وتتبّع مواقعَ كلمة ﴿يُغْنِي﴾ ومشتقاتها في القرآن وغيره تبيَّن له ما يأتي: كلمة ﴿الْحَقِّ﴾ في الآيتين مراد
стр. 377
بها الأمر الثابت قطعًا، وكلمة ﴿يُغْنِي﴾ معناها «يدفع» كما حكاه البغويّ في «تفسيره» (١)، وقد يعبر عنها بقولهم: «يصرف» ونحوه. راجع «لسان العرب» (٣٧٦: ١٩) (٢). ومنها في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] وقوله سبحانه: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]. وفي آية أخرى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] وهذا سياق الآية الأولى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢] [ص ١٧٧] فالكلام في محاجَّة المتخذين مع الله إلهًا آخر، وكلمة «الحق» في قوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ﴾ مراد بها الأمر الثابت قطعًا، ومنه: أنَّه لا إله إلا الله. ثم ساق الكلام في تقريرهم إلى أن قال: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ فالحقُّ هنا هو الأمر الثابت قطعًا كما مرَّ، والمعنى: إن الظن لا يدفع شيئًا من الحق الثابت قطعًا، وعلى تعبير أهل الأصول: الظنُّ لا يعارض القطع.
والآية الثانية في سياق محاجَّة المشركين القائلين: الملائكة بنات الله، ويسمونهم بأسماء الإناث ويعبدونها، قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا
стр. 378
أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] والهدى هنا بيان الحق الثابت قطعًا، فالمعنى: أنهم يتبعون الظنَّ والهوى مُعْرِضين عما يخالفه من الحقِّ الثابت قطعًا. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] أي: ليس عندهم علم فيعارض الحقَّ الثابت قطعًا، إنما عندهم ظنّ، والظنّ لا يدفع شيئًا من الحق الثابت قطعًا. أو: الظن لا يعارض القطع.
وأما الآية الثالثة فهي: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] المراد: أنّ الله يخبر بأنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، وخبره سبحانه يفيد العلم القطعيّ، وليس عند أهل الكتاب علم قطعيّ فيعارض خبرَ الله، وإنما عندهم ظنّ، والظنّ لا يعارض القطع (١).
وقال أبو ريَّة ص ٢٤٤: (ابن الصلاح ومخالفوه ... ) وساق الكلام إلى أن قال ٢٤٦: (أما المتكلمون فقد عُرِف من حالهم أنهم يردُّون كل حديث يخالف ما ذهبوا إليه ولو كان من الأمور الظنية).
أقول: أما في الأمور الظنية فالمعروف عنهم قبوله، غير أنهم لا يجزمون بمدلوله إذا كان في العقليات.
ثم قال: (فمن ذلك حديث: تحاجَّت الجنة والنار ... ، أخرجه البخاري ومسلم
стр. 379
عن أبي هريرة ... ).
أقول: قد تقدم (ص ١٥٩) (١) وبيَّنتُ هناك أنه رواه مع أبي هريرة أنسٌ وأبو سعيد وأُبيُّ بن كعب.
ثم قال ص ٢٤٧: (فهذا الحديث ونظائره وهي كثيرة يبعد على المتكلم أن يقول بصحتها فضلًا عن أن يجزم بذلك، وإذا أُلجِئَ إلى القول بصحتها لم يَألُ جهدًا في تأويلها ولو على وجه لا يساعد اللفظ عليه، بحيث يعلم السامع أن المتكلم لا يقول بجوازه في الباطن).
[ص ١٧٨] أقول: هذا يتضمّن الاعتراف بأنّ النصوصَ اللفظية تكون قطعية الدّلالة. هذا ومسلكهم في التأويل هو عينه مسلكهم في دفاع الآيات الكثيرة المخالفة لهم من القرآن، فإذا كان لا ينفي ثبوت الآيات القرآنية عن الله ورسوله قطعًا، فكذلك لا ينفي صحة الأحاديث الصحيحة ظنًّا أو قطعًا. وراجع (ص ٢) (٢).
وقال ص ٢٤٩: (من المعروف ... أنك تجد الحديث يعمل به الحنفي لشهرته، ثم يأتي الشافعي فيرفضه لضعفٍ في سنده، وتجد المالكي يرفض الحديث لأن العمل جرى على خلافه، ويعمل به الشافعي لقوةٍ في سنده على ما رأى هو).
أقول: ما دمنا نعرف أنَّ العلماء غير معصومين، فاختلافهم في بعض الأحاديث أيؤخذ بها أم لا؟ ليس فيه ما يوهم ذا عقل أن الأحاديث كلّها لا تصلح للحجة، ولا ما يقضي أن تلك الأحاديث المختلَف فيها تصلح أو لا تصلح، بل المدار على الحجة. فقد يرى العالم اشتهار حديث بين الناس
стр. 380
فيغلب على ظنه أنه لم يشتهر إلا وأصله صحيح فيأخذ به، فيأتي غيره فيبحث فيجد مرجع تلك الشهرة إلى مصدر واحد غير صحيح، كما في مسألة القهقهة في الصلاة. وقد يبلغ العالمَ حديثٌ من طريق واحد ويرى أن أهل العلم خالفوه فيمسك عنه، فيجيء غيره فيبحث فيجد الحديث ثابتًا، ويجد بعضَ أهل العلم قد أخذوا به، وأنَّ الذين لم يأخذوا به لم يقفوا عليه، أو نحو ذلك مما يبيِّن أن عدم أخذهم به لا يخدش في كونه حجة. وقد ينعكس الحال.
وعلى مَنْ بَعْد المختلفين اتباع الحجة، فإن بقي بين مُتَّبعي الحجة خلاف فلا حرج، وإذا اتضح وبان أنَّ الحقَّ مع أحد المختلفين ولكن أَتْباعُ الآخر أَصَرُّوا على اتِّباعه، فليس في هذا ما يقدح في الحجة، سواء أعذَرْنا أولئك الأتباع أم لم نعذرهم. وهكذا الاختلاف عند معارضة الحديث لبعض القواعد الشرعية أو لجميع الأقيسة.
وقال: (في مرآة الوصول وشرحها ... ).
أقول: راجع (ص ١٢٦) (١).
وذكر ص ٢٥٠ عبارة لأبي يوسف نقلها من «الأم» للشافعي (٣٠٧: ٧ - ٣٠٨) (٢) وتَرَكَ قِطَعًا منها. وقد تعقَّب الشافعيُّ كلامَ أبي يوسف بما تراه هناك.
وفي كلام أبي يوسف مما أرى التنبيه عليه أخبار:
الأول: قال: «حدثنا ابن أبي كريمة عن جعفر عن رسول الله ﷺ ... ».
стр. 381
أشار الشافعي إلى هذا الخبر في «الرسالة» (ص ٢٢٤ - ٢٢٥) وقال: «رواية منقطعة عن رجل مجهول». وفي التعليق (١) هناك عن ابن معين والخطابي وغيرهم أنه موضوع.
[ص ١٧٩] الثاني: «وكان عمر فيما بلغنا لا يقبل الحديث عن رسول الله ﷺ إلا بشاهِدَيْنِ».
أقول: وهذا باطل قطعًا، تقدم رده (ص ٤٦) (٢).
الثالث: «وكان عليُّ بن أبي طالب لا يقبل الحديثَ عن رسول الله ﷺ ».
أقول: كذا وقع، وهو باطل قطعًا، ولعله أراد أن عليًّا كان يُحلِّف مَنْ حدَّثه كما تقدم مع ردّه (ص ٤٧) (٣).
الرابع: «وحدثنا الثقةُ عن رسول الله ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: إني لأحرِّم ما حرَّم القرآنُ، والله لا تمسكون عليّ بشيء».
أقول: كذا وقع ولعله: «لا أحرِّم إلا ما حرَّم القرآن» (٤) فقد رُوي بلفظ: «لا أحرِّم إلا ما حرَّم الله في كتابه» راجع «أحكام ابن حزم» (٧٧: ٢)،
стр. 382
و «مجمع الزوائد» (١٧١: ١) (١) وهو على كلّ حال غير ثابت. ومع ذلك قد فسَّره الشافعي ثم ابن حزم بما يصحِّح معناه.
ومن تتبَّع أقوال أبي يوسف في الفقه واستدلالاته عَلِم أنه نفسه لا يرى صحة هذه الأخبار ولا يبني عليها، وإنما كَثَّر بها السواد في بيان أن الأحكام لا تُبنى إلا على رواية الثقات كما أشار إليه الشافعي، إذ قال في تعقُّبه: وقد كان عليه أن يبدأ بنفسه فيما أَمَر به أن لا يروي عن النبي ﷺ إلا من الثقات (٢).
وقال ص ٢٥١: (رأي مالك وأصحابه أنهم يقولون: تثبت السنة من وجهين: أحدهما: أن نجد الأئمة من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا بما يوافقها. الثاني: أن لا نجد الناس اختلفوا فيها).
أقول: لم يذكر مصدره، وهذه كتب المالكية أصولًا وفروعًا لا تعطي هذا. نعم قد يقف المجتهد عن حديث ولا يبيّن عذرَه، أو يروي عنه بعضُ أصحابه كلمة لا يريد بها أن تكون قاعدة، فيذهب بعض أصحابه يحاول أن يضع قواعد يعتذر بها. وفي «الأم» (١٧٧: ٧ ــ) (٣) من قول الربيع: «قلت [للشافعي]: فاذكر ما ذهب إليه صاحبنا [مالك] من حديث النبي ﷺ مما لم يرو عن الأئمة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي شيئًا يوافقه. فقال: نعم سأذكر من ذلك إن شاء الله ما يدلُّ على ما وصفت، وأذكر أيضًا ما ذهب إليه من حديث رسول الله ﷺ وفيه عن بعض الأئمة ما يخالفه ...
стр. 383
قال أبو ريَّة: (وقد روى الدارقطني أن رسول الله ﷺ قال: إنها تكون بعدي رواة [ص ١٨٠] يروون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فحدّثوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تحدّثوا به).
أقول: لم يذكر مصدرَه، وهذا هو الخبر الأول في عبارة أبي يوسف المتقدمة (ص ١٧٨) (١) وقد حكم الأئمة بأنه موضوع كما مرَّ.
قال: (وقد طعن رجال الأثر في هذا الحديث، ورووا حديثًا هذا نصه: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه». وهذا من أعجب العجب، لأنه إن كان النبي ﷺ قد أوتي مثل الكتاب ــ أي مثل القرآن ليكون تمامًا على القرآن لبيان دينه وشريعته ــ فلم لم يُعْنَ صلوات الله عليه بتدوينه وكتابته قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى كما عُنِيَ بتدوين القرآن).
أقول: قد تقدَّم البيان المنير في مواضع، منها (ص ٢٠ - ٢١) (٢).
قال: (ولم ينه عن كتابته بقوله: لا تكتبوا عني غير القرآن).
أقول: تقدّم البيان الواضح (ص ٢٢ - ٢٤) (٣).
قال: (وهل يصح أن يدع الرسول نصف ما أوحاه الله إليه يعدو بين الأذهان بغير قيد، يمسكه هذا وينساه ذاك؟ وهل يكون الرسول ــ بعمله هذا ــ قد بلّغ الرسالة على وجهها وأدى الأمانة كاملة إلى أهلها؟ ).
أقول: قد تقدم دفع هذا الريب (ص ٢٠ - ٢١) (٤)، والقَدْر الذي يحصل
стр. 384
به تبليغ الرسالة وأداء الأمانة إنما تحديده إلى الله لا إلى المرتابين في حِكْمته وقدرته، وراجع (ص ٣٢ - ٣٣ و ٥٢) (١).
قال ص ٢٥٢: (وأين كان هذا الحديث عندما قال أبو بكر للناس .. ؟ وعند ما قال عمر ... ؟ ولم يشفق ... عندما فزع إلى أبي بكر).
أقول: راجع (ص ٣٦ و ٣٩ و ١٧٣ - ١٧٤) (٢).
وذكر توقُّف مالك وأبي حنيفة عن بعض الأحاديث لمعارضتها ما هو أقوى منها عندهما، وقد مرَّ جوابه (ص ١٧٨) (٣).
وذكر ص ٢٥٣ قصةَ مناظرةٍ جرت بين الأوزاعي وأبي حنيفة، وهي قصة مكذوبة عارضَ بها بعضُ من لايخاف الله من الحنفية قصةَ مناظرة رواها الشافعية بسند واهٍ، راجع «سنن البيهقي» (٨٢: ٢) و «فضائل أبي حنيفة» للموفق (١٣١: ١)، وكلتا القصتين مروية عن «الشاذكوني قال: سمعت سفيان بن عيينة ... ».
ثم ذكر ص ٢٥٤ كلامَ النُّحاة في الاستدلال بالأحاديث، وهذا لا يهمنا، مع أنَّ الحق أن ابن مالك توسَّع، وأنه كما مرَّ (ص ٦٠) (٤) يمكن بالنظر في روايات الأحاديث وأحوال رواتها أن يُعْرَف في طائفة منها أنها بلفظ النبيّ ﷺ أو بلفظ الصحابي أو بلفظ التابعي، وهو ممن يحتجّ به في العربية، لكن
стр. 385
تحقيق ذلك يصعب على غير أهله، فلذلك أعرض قدماءُ النحاة عن الاحتجاج بالحديث، ووجدوا في المتيسّر لهم من القرآن وكلام العرب ما يكفي.
وذكر ص ٢٥٩ كلامًا للشيخ محمد عبده في حديث: أن يهوديًّا سَحَر النبيَّ ﷺ .
أقول: النظر في هذا في مقامات:
المقام الأول: مُلخَّص الحديث: أنه ﷺ في فترة من عمره ناله مرض خفيف، ذكرت عائشةُ أشدَّ أعراضه بقولها: «حتى كان يرى أنه يأتي أهله ولا يأتيهم»، وفي رواية: «حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن» وفي أخرى: «يُخيَّل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله»، والرواية الأولى فيما يظهر أصح الروايات، فالأخريان محمولتان عليها ... وفي «فتح الباري» (١٩٣: ١٠) (١): «قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فَعَل الشيء ولم يكن فَعَله، أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت».
أقول: وفي سياق الحديث ما يشهد لهذا، فإن فيه شعوره ﷺ بذاك المرض ودعاءه ربه أن يشفيه. فالذي يتحقَّق دلالةُ الخبر عليه: أنه ﷺ كان في تلك الفترة يعرض له خاطر أنه قد جاء إلى عائشة، وهو ﷺ عالم أنه لم يجئها ولكنه كان يعاوده ذاك الخاطر على خلاف عادته، فتأذَّى ﷺ من ذلك. وليس في حمل الحديث على هذا تعسُّف ولا تكلُّف.
стр. 386
المقام الثاني: في الحديث عن عائشة: «حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: يا عائشة أشعرتِ أنّ الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ أتاني رجلان (أي ملكان ــ كما في رواية أخرى ــ في صورة رجلين) ... فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب. قال: مَنْ طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أيِّ شيء؟ قال: في مُشْط ومُشاطة وجُفّ طَلْع نخلة ذَكَر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه فجاء ... قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهتُ أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدُفِنَتْ».
ومحصّل هذا: أن لبيدًا أراد إلحاق ضرر بالنبيِّ ﷺ ، فعمل عملًا في مُشط ومشاطة الخ، فهل من شأن ذلك أن يؤثر؟ [ص ١٨٢] قد يقال: لا، ولكن إذا شاء الله تعالى خَلَق الأثرَ عَقِبه. والأقرب أن يقال: نعم بإذن الله، والإذن هنا خاص، وبيانُه: أن الأفعال التي من شأنها أن تؤثِّر ضربان:
الأول: ما أذن الله تعالى بتأثيره إذنًا مطلقًا ثم إذا شاء مَنَعَه، وذلك كالاتصال بالنار مأذون فيه بالإحراق إذنًا مطلقًا، فلما أراد الله تعالى منعه قال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].
الضرب الثاني: ما هو ممنوع من التأثير منعًا مطلقًا، فإذا اقتضت الحكمة أن يمكَّن من التأثير رُفِع المنع فيؤثر. وقوله تعالى في السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] يدلُّ أنه من الضرب الثاني، وأنّ المراد بالإذن الإذن الخاص، والحكمةُ في مصلحة الناس تقتضي هذا، والواقع في شؤونهم يشهد له، وإذ كان هذا حاله فلا غرابة في خفاء وجه التأثير علينا.
стр. 387
المقام الثالث: النظر في كلام الشيخ محمد عبده. وفيه ثلاث قضايا:
القضية الأولى: قال: (فعلى فرض صحته هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد).
أقول: أما صحته فثابتة بإثبات أئمة الحديث لها، فإنْ أراد الصحة في نفس الأمر فهب أنَّا لا نقطع بها ولكنَّا نظنها ظنًّا غالبًا، وعلى كلا الحالين فواضعو تلك القاعدة لا ينكرون أنه يفيد الظن، ومَن أنكر ذلك فهو مكابر، وإذا أفاد الظنَّ فلا مفرَّ من الظنّ وما يترتَّب على الظن، فلم يبق إلا أنه لا يفيد القطع، وهذا حقٌّ في كلّ دليل لا يفيد إلا الظن.
القضية الثانية: أنه مناف للعصمة في التبليغ قال: (فإنه قد خالط عقلَه وإدراكَه في زعمهم ... فإنه إذا خولط ... في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلّغ شيئًا وهو لم يبلغه، أو أن شيئًا ينزل عليه وهو لم ينزل عليه).
أقول: أما المتحقِّق من معنى الحديث كما قدَّمنا في المقام الأول فليس فيه ما يصحّ أن يُعَبَّر عنه بقولك: «خُولط في عقله» وإنما ذاك خاطر عابر، ولو فُرِض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا لم يتَعَدَّه إلى سائر أمور الدنيا فضلًا عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ، بل سبيلُه سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعًا، وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة، وراجع (ص ١٨ - ١٩) (١). وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون، وأَخْذه برأسه لظنه أنه قصَّر مع أنه لم يقصِّر، وفيه قول يعقوب لبنيه لمَّا ذكروا له ما جرى لابنه الثاني: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ [ص ١٨٣] لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨]
стр. 388
يتَّهمهم بتدبير مكيدة مع أنهم كانوا حينئذ أبرياء صادقين. وقد يكون من هذا بعض كلمات موسى للخضر. وانظر قوله تعالى عن يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
القضية الثالثة: الحديث مخالف للقرآن (في نفيه السحر عنه ﷺ وعدّه من افتراء المشركين عليه ... مع أن الذي قصَدَه المشركون ظاهر؛ لأنهم كانوا يقولون: إنّ الشيطان يُلابسه ﵇، ومُلابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضَرْب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذي يُنسب إلى لبيد ... وقد جاء بنفي السحر عنه ﵇، حيث نَسَب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبَّخهم على زعمهم هذا، فإذًا هو ليس بمسحور قطعًا).
أقول: كان المشركون يعلمون أنه لا مساغ لأن يزعموا أنه ﷺ يفتري ــ أي يتعمَّد ــ الكذب على الله فيما يخبر به عنه، ولا لأنه يكذب في ذلك مع كثرته غير عامد، فلجأوا إلى محاولة تقريب هذا الثاني بزعم أنَّ له اتصالًا بالجنّ، وأنَّ الجِنّ يُلْقون إليه ما يلقون، فيصدّقهم ويخبر الناس بما ألقوه إليه. هذا مدار شبهتهم، وهو مرادهم بقولهم: به جِنَّة. مجنون. كاهن. ساحر. مسحور. شاعر. كانوا يزعمون أنَّ للشعراء قُرَناء من الجن تُلقي إليهم الشعرَ؛ فزعموا أنه شاعر أي: أن الجن تُلقي إليه كما تُلقي إلى الشعراء، ولم يقصدوا أنه يقول الشعر. أو أن القرآن شعر.
إذا عُرِف هذا، فالمشركون أرادوا بقولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] أنَّ أمْرَ النبوّةِ كلّه سحر، وأن ذلك ناشئٌ عن الشياطين استولوا عليه ــ بزعمهم ــ يُلقون إليه القرآن، ويأمرونه وينهونه فيصدقهم في ذلك كلّه ظانًّا أنه إنما يتلقّى من الله وملائكته. ولا ريب أن الحال التي ذكر
стр. 389
في الحديث عروضها له ﷺ لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون، ولا هي من قبيلها في شيء من الأوصاف المذكورة. إذن تكذيب القرآن وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث.
فإن قيل: قد أطلق على تلك الحالة أنها سحر، ففي الحديث عن عائشة: «سَحَر رسولَ الله ﷺ رجلٌ ... » والسحر من الشياطين، وقد قال الله تعالى للشيطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
قلت: أما الذي أخبر به النبيّ ﷺ عن المَلَك فإنّما سمّاها (طبًّا) كما مرَّ في الحديث، وقد أنشد ابن فارس في «مقاييس اللغة» (٤٠٨: ٣):
فإن كنتُ مطبوبًا فلا زِلْتُ هكذا ... وإن كنتُ مسحورًا فلا برأ السحرُ (١)
وأقلّ ما يدل عليه هذا: أنّ الطّبَّ أخصّ من السِّحْر، وأن من الأنواع التي يُصاب بها الإنسان ويطلق [ص ١٨٤] عليها «سحر» ما يقال له: «طبّ» وما لا يقال: «طب». وعلى كلِّ حال فالذي ذُكِر في الحديث ليس من نوع ما زعمه المشركون، ولا هو من ملابسة الشيطان، وإنما هو أثر نفس الساحر وفعله. وقد قدَّمْتُ أنَّ وقوع أثر ذلك نادر، فلا غرابة في خفاء تفسيره. وهذا يغني عما تقدم (ص ٩٨) (٢).
ثم نقل أبو ريَّة ص ٢٦١ ــ فصلًا عن صاحب «المنار» فيه: (إن بعض أحاديث
стр. 390
الآحاد تكون حجة على من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها، ولا تكون حجة على غيره يَلْزم العملُ بها).
أقول: عدم الثبوت والطمأنية قد يكون لسبب بيِّن، وقد يكون لسبب محتمل يقوَى عند بعض أهل العلم ويضعف عند بعضهم، وقد يكون لما دون ذلك من هوى وزيغ وارتياب وتكذيب. وعلى الأمة أن تُنْزِل كلّ واحد من هؤلاء منزلته بحسب ما يتبيَّن من حاله. وكما أننا إذا رأينا مَنْ يتعبَّد عبادة غير ثابتة شرعًا، فسألناه، فذكر حديثًا باطلًا، فبيَّنَّا له فقال: هو ثابت عندي مطمئنٌّ به قلبي= كان علينا أن ننكر عليه، وكان على وليِّ الأمر ومن في معناه منعه ومعاقبته. فكذلك إذا رأينا رجلًا ينفي حديثًا ثابتًا وبيَّنَّا له ثبوته، فقال: لم يثبت عندي ولم يطمئنَّ به قلبي، ولم يذكر سببًا، أو ذكر سببًا لا يُعتَدُّ به شرعًا.
قال: (ولذلك لم يكن الصحابة يكتبون جميع ما سمعوا من الأحاديث ويدعون إليها ... ).
أقول: قد تقدم الكشف عن هذا (ص ٢٠ - ٥٠) (١).
قال: (ولم يرض الإمام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحمل الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ).
أقول: إنما أنكر الإلزام بـ «الموطأ»، لأنه يعلم أنَّ فيه أحاديث أخذ بها هو وقد يكون عند غيره ما يخصِّصها، أو يقيّدها أو يعارضها، وفيه توقّف عن أحاديث قد يكون عند غيره ما يقوِّيها ويؤيِّدها، وقد يكون عند غيره أحاديث لم يقف عليها هو، وفيه كثير مما قاله باجتهاده، وفي الأمة علماء لهم أن