الأنوار الكاشفة
لما في كتاب "أضواء على السنة"
من الزلل والتضليل والمجازفة
تأليف
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني
١٣١٢ - ١٣٨٦
تحقيق
علي بن محمد العمران
стр. 44
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أقدِّم كتابي هذا إلى أهل العلم وطالبيه، الراغبين في الحق المُؤثِرين له على كل ما سواه، سائلًا الله تعالى أن ينفعني وإياهم بما فيه من الحق، ويقيني وإياهم شرَّ ما فيه من باطل حَكَيتُه عن غيري أو زللٍ منّي، فإن حظِّي من العلم زهيد.
وكان جَمْعي للكتاب على استعجال مع اشتغالي بغيره، فلم أُكثر من مراجعة ما في متناولي من مؤلفات أهل العلم، ولا ظفرت ببعضها، ومنها ما هو من مصادر الكتاب المردود عليه "أضواء على السنة".
وقد سبقني إلى الردِّ عليه فضيلة الأستاذ العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، مدير دار الحديث بمكة المكرمة، والمدرِّس بالحرم الشريف، واستفدت من كتابه، جزاه الله خيرًا.
ولفضيلة السلفي الجليل، المحسن الشهير، نصير السنة، الشيخ محمد نصيف اليد الطُّولى في استحثاثي لإكمال الكتاب، وإمدادي بالمراجع.
وكذلك للأخ الفاضل البحَّاثة الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع، عضو مجلس الشورى، ومدير مكتبة الحرم المكِّي؛ فإنه أمدَّني ببعض المراجع من مكتبته الخاصة النفيسة، وبالمراجعة والبحث عن بعض النصوص. شكر الله سعيهم وأجزل أجرهم.
ورجائي ممن يطالع كتابي هذا من أهل العلم أن يكتب إليَّ بما عنده من ملاحظات واستدراكات؛ لأراعيها أنا ــ أو من شاء الله تعالى ــ عند إعادة طبع
стр. 45
الكتاب إن شاء الله تعالى. وفقنا الله جميعًا لما يحبُّ ويرضى.
المؤلف
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
غرة شهر رجب سنة ١٣٧٨
стр. 46
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد، فإنه وقع إليَّ كتابٌ جمعه الأستاذ محمود أبو ريَّة وسماه "أضواء على السنة المحمدية" فطالعته وتدبرته؛ فوجدته جمعًا وترتيبًا وتكميلًا للمطاعن في السنة النبوية، مع أشياء أخرى تتعلق بالمصطلح وغيره.
وقد ألَّف أخي العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ــ وهو على فراش المرض، عافاه الله (١) ــ ردًّا مبسوطًا على كتاب أبي ريَّة لم يكمل حتى الآن. ورأيتُ من الحقِّ عليَّ أن أضع رسالةً أسوقُ فيها القضايا التي ذكرها أبو ريَّة، وأعقِّب كل قضية ببيان الحق فيها، متحرِّيًا إن شاء الله تعالى الحق، وأسأل الله تعالى التوفيق والتسديد، إنه لا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبي ونعم الوكيل.
عُني أبو ريَّة بإطراء كتابه، فأثبت على لوحه: "دراسة محررة تناولت حياة الحديث المحمدي وتاريخه، وكل ما يتعلَّق به من أمور الدين والدنيا.
стр. 47
وهذه الدراسة الجامعة التي قامت على قواعد التحقيق العلمي (؟ ! ) هي الأولى في موضوعها، لم ينسج أحدٌ من قبل على منوالها". وكرر الإطراء في مقدمته وخاتمته.
وكنتُ أحبّ له لو ترفَّع عن ذلك وترك الكتاب يُنْبِئ عن نفسه، فإنه ــ عند العقلاء ــ أرفع له ولكتابه إن حمدوا الكتاب، وأخفّ للذمِّ إذا لم يحمدوه.
بل استجراه حرصُه على إطراء كتابه إلى أمور أكرهها له، تأتي الإشارة إلى بعضها قريبًا إن شاء الله.
كان مقتضى ثقته بكتابه وقضاياه أن يدعو مخالفيه إلى الردِّ عليه إن استطاعوا، فما باله يَتَّقيهم بسلاح يرتدُّ عليه وعلى كتابه، إذ يقول ص ١٤: (وقد ينبعث له من يتطاول إلى معارضته ممن تعفَّنت أفكارهم وتحجَّرت عقولهم) (١).
ويقول في آخر كتابه: (وإن تضق به صدور الحشوية وشيوخ الجهل من زوامل الأسفار، الذين يخشون على علمهم المزوَّر من سطوة الحق، ويخافون على كساد بضاعتهم العفنة التي يأكلون بها أموال الناس بالباطل، أن يكتنفهم ضوء العلم الصحيح، ويهتك سترهم ضوء الحجة البالغة (٢)، فهذا لا يهمنا، وليس لمثل هؤلاء خَطَرٌ عندنا ولا وزنٌ في حسابنا).
أما أنا فأرجو أن لا يكون لي ولا لأبي ريَّة ولا لمتبوعيه عند القرّاء خَطَرٌ ولا وزن، وأن يكون الخَطَر والوزن للحقّ وحده.
стр. 48
[ص ٢] (١) قال أبو ريَّة ص ٤: (تعريف بالكتاب). يعني: كتابه طبعًا. ثم ذكر علوَّ قدر الحديث النبوي، ثم قال: (وعلى أنه بهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة؛ فإنّ العلماء والأدباء لم يولوه ما يستحق من العناية والدرس، وتركوا أمره لمن يسمون رجال الحديث، يتداولونه فيما بينهم ويدرسونه على طريقتهم، وطريقة هذه الفئة التي اتخذتها لنفسها قامت على قواعد جامدة لا تتغير ولا تتبدل. فترى المتقدمين منهم ــ وهم الذين وضعوا هذه القواعد ــ قد حصروا عنايتهم في معرفة رواة الحديث والبحث على قدر الوسع في تاريخهم، ولا عليهم بعد ذلك إن كان ما يصدر عن هؤلاء الرواة صحيحًا في نفسه أو غير صحيح، معقولًا أو غير معقول؛ إذ (٢) وقفوا بعلمهم عند ما يتصل بالسند فحسب، أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء ... ).
أقول: مراده بقوله "العلماء": المشتغلون بعلم الكلام والفلسفة. ولم يكن منهم أحد في الصحابة والمهتدين بهديهم من علماء التابعين وأتباعهم والذين يلونهم، هؤلاء كلهم ممن سماهم "رجال الحديث"، ومنهم عامة المشهورين عند الأمة بالعلم والإمامة من السلف. أولئك كلهم ليسوا عند أبي ريَّة علماء؛ لأنهم لم يكونوا يخوضون في غوامض المعقول، بل يفرُّون منها ويَنْهون عنها ويعدُّونها زيفًا وضلالًا وخروجًا عن الصراط المستقيم، وقنعوا بعقل العامة!
وأقول: مهما تكن حالهم فقد كانوا عقلاء، العقل الذي ارتضاه الله لأصحاب رسوله، ورضيهم سبحانه لمعرفته ولفهم كتابه، ورضي ذلك منهم، وشهد لهم بأنهم: ﴿الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤]، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي
стр. 49
الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال لهم في أواخر حياة رسوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. فمَن زعم أنَّ عقولهم لم تكن ــ مع تسديد الشرع لها ــ كافيةً وافيةً بمعرفة الله تعالى وفهم كتابه، ومعرفة ما لا يتم الإيمان ولا يكمل الدين إلا بمعرفته؛ فإنما طعن في الدين نفسه. وكان التابعون المهتدون بهدي الصحابة أقرب الخلق إليهم عقلًا وعلمًا وهَدْيًا، وهكذا من اهتدى بهديهم من الطبقات التي بعدهم، وهؤلاء هم الذين سماهم أبو ريَّة: "رجال الحديث".
قد يُقال: أما نفي العلم والعقل عنهم فلا التفات إليه، ولكن هل راعوا العقل في قبول الحديث وتصحيحه؟
أقول: نعم، راعوا ذلك في أربعة مواطن: عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الرواة، وعند الحكم على الأحاديث. فالمتثبِّتون إذا سمعوا خبرًا تمتنع صحتُه أو تَبْعُد لم يكتبوه ولم يحفظوه، فإن حفظوه لم يُحدِّثوا به، فإن ظهرت مصلحةٌ لذكره ذكروه مع القدح فيه وفي الراوي الذي عليه تَبِعَته.
قال الإمام الشافعي في "الرسالة" (ص ٣٩٩): "وذلك أن يُستدلّ على الصدق والكذب فيه بأن يحدِّث المحدِّث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو ما يخالفُه ما هو أثبتُ وأكثرُ دلالاتٍ بالصدق منه". وقال الخطيب في "الكفاية في علم الرواية" (ص ٤٢٩): "باب وجوب اطّراح (١) المنكر والمستحيل
стр. 50
من الأحاديث".
وفي الرواة جماعة يتسامحون عند السماع وعند التحديث، لكن الأئمة بالمرصاد للرواة، فلا تكاد تجد حديثًا بيِّن البطلان إلا وجدت في سنده واحدًا أو اثنين أوجماعة قد جرحهم الأئمة. والأئمةُ كثيرًا ما يجرحون الراوي بخبرٍ واحدٍ منكر جاء به، فضلًا عن [ص ٣] خبرين أو أكثر. ويقولون للخبر الذي تمتنع صحتُه أو تبعُد: "منكر" أو "باطل". وتجد ذلك كثيرًا في تراجم الضعفاء، وكتب العلل والموضوعات، والمتثبِّتون لا يوثِّقون الراوي حتى يستعرضوا حديثه وينقدوه حديثًا حديثًا.
فأما تصحيح الأحاديث فَهُم به أَعْنى وأشدّ احتياطًا، نعم ليس كل من حُكي عنه توثيق أو تصحيح متثبتًا، ولكنَّ العارف الممارس يميز هؤلاء من أولئك.
هذا، وقد عرف الأئمة الذين صححوا الأحاديث، أن منها أحاديث تثقُل على بعض المتكلمين ونحوهم، ولكنهم وجدوها موافقةً للعقل المعتدِّ به في الدين، مستكملةً شرائط الصحة الأخرى. وفوق ذلك وجدوا في القرآن آيات كثيرة توافقها أو تُلاقيها، أو هي من قبيلها، قد ثَقُلت هي أيضًا على المتكلمين، وقد علموا أنَّ النبيّ ﷺ كان يدين بالقرآن ويقتدي به، فمن المعقول جدًّا أن يجيء في كلامه نحو ما في القرآن من تلك الآيات.
من الحقائق التي يجب أن لا يُغْفَل عنها: أن الفريق الأول، وهم الصحابة ومن اهتدى بهديهم من التابعين وأتباعهم ومن بعدهم، عاشوا مع الله ورسوله. فالصحابة مع النبي ﷺ وهديه ومع القرآن، والتابعون مع القرآن والصحابة والسُنَّة وهلمّ جرًّا.
стр. 51
وأن الفريق الثاني، وهم المتكلمون والمتفلسفون ونحوهم عاشوا مع النظريات والشبهات والأُغْلوطات والمخاصمات. والمؤمنُ يعلم أن الهدى بيد الله، وأنه سبحانه إذا شرع إلى الهدى سبيلًا فالعدول إلى غيره لن يكون إلا تباعدًا عنه وتعرُّضًا للحرمان منه، وبهذا جاء القرآن، وعليه تدلُّ أحوال السلف، واعتراف بعض أكابرهم في أواخر أعمارهم (١). والدقائق الطبيعية شيء والحقائق الدينية شيء آخر، فمن ظنَّ الطريق إلى تلك طريقًا إلى هذه فقد ضل ضلالًا بعيدًا.
واعلم أن أكثر المتكلمين لا يردُّون الأحاديث التي صححها أئمة الحديث، ولكنهم يتأوَّلونها كما يتأولون الآيات التي يخالفون معانيها الظاهرة، لكن بعضهم رأى أن تأويل تلك الآيات والأحاديث تعسُّف ينكره العارف باللسان وبقانون الكلام وبطبيعة العصر النبوي، والذي يخشونه من تكذيب القرآن لا يخشونه من تكذيب الأحاديث؛ فأقدموا عليه وفي نفوسهم ما فيها. ولهم عدة مؤلفات في تأويل الأحاديث أو ردّها ــ قد طبع بعضها ــ فلم يهملوا الحديث كما زعم أبو رية.
قول أبي رية: "والأدباء" يعني بهم: علماء البلاغة، يريد أنهم لم يتصدَّوا لنقد الأحاديث بمقتضى البلاغة.
قال في ص ٦: (ولما وصلتُ من دراستي إلى كتب الحديث، ألفيت فيها من الأحاديث ما يبعُد أن يكون في [ص ٤] ألفاظه أو معانيه أو أسلوبه من محكم قوله وبارع منطقه صلوات الله عليه ... ، ومما كان يثير عجبي: أني إذا قرأت كلمة لأحد أجلاف
стр. 52
العرب أهتزُّ لبلاغتها، وتعروني أريحية من جزالتها، وإذا قرأت بعض ما يُنسب إلى النبي ﷺ من قولٍ لا أجدُ له هذه الأريحية ولا ذاك الاهتزاز؛ وكنت أعجب كيف يصدر عنه صلوات الله عليه مثل هذا الكلام المغسول من البلاغة، والعاري عن الفصاحة، وهو أبلغ من نطق بالضاد، أَوَ يأتي منه مثل تلك المعاني السقيمة، وهو أحكم من دعا إلى رشاد) (١).
أقول: أما الأحاديث الصحيحة فليست هي بهذه المثابة، والاهتزاز والأريحية مما يختلف باختلاف الفهم والذوق والهوى، ولئن كان صادقًا في أن هذه حاله مع الأحاديث الصحيحة، فلن يكون حاله مع كثير من آيات القرآن وسُوَره إلا قريبًا من ذلك.
هذا، والبلاغة: مطابقة الكلام لمقتضى الحال. والنبي ﷺ كان همّه إفهام الناس وتعليمهم على اختلاف طبقاتهم، وقد أمره الله تعالى أن يقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. والكلمات المنقولة عن العرب ليست بشيء يذكر بالنسبة إلى كلامهم كله، وإنما نُقِلت لطرافتها، ومقتضى ذلك أنه لم يستطرف من كلامهم غيرها. وكذلك المنقول من شعرهم قليل، وإنما نُقِل ما استجيد، والشعر مظنة التصنُّع البالغ، ومع ذلك قد تقرأ القصيدة فلا تهتزُّ إلا للبيت والبيتين. ثم إن كثيرًا مما نُقل عن النبي ﷺ رُوي بالمعنى كما يأتي. فأما سقم المعنى فقد ذكر علماء الحديث أنه من علامات الموضوع، كما نقله أبو ريَّة نفسه ص ١٠٤.
وذكر ابن أبي حاتم في "تقدمة الجرح والتعديل" (ص ٣٥١) في علامات الصحيح: "أن يكون كلامًا يصلح أن يكون من كلام النبوة". فإن
стр. 53
كان أبو ريَّة يستسقم معاني الأحاديث الصحيحة فمن نفسه أُتي.
ومن يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ ... يَجِدْ مرًّا به العذبَ الزُّلالا (١)
قوله: (أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء).
كذا قال! وقد أسلفتُ أن رعايتهم للمعنى سابقة، يراعونه عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الراوي، ثم يراعونه عند التصحيح، ومنهم من يتسامح في بعض ذلك، وهم معروفون كما تقدم. وقد قال أبو ريَّة ص ١٠٤: (ذكر المحققون أمورًا كلية يُعرف بها أن الحديث موضوع ... ) فذكر جميع ما يتعلق بالمعنى نقلًا عنهم.
فإن قال: ولكنَّ مصححي الأحاديث لم يراعوا ذلك.
قلت: أما المتثبّتون كالبخاري ومسلم فقد راعوا ذلك، بلى في كل منهما أحاديث يسيرة انتقدها بعض الحفاظ أو ينتقدها بعض الناس. ومرْجِع ذلك إما إلى اختلاف النظر، وإما إلى اصطلاحٍ لهما يغفل عنه المنتقد، وإما إلى الخطأ الذي لا ينجو منه بشر. وقد انتُقدت عليهما أحاديث من جهة السند، فهل يقال لأجل ذلك: إنهما لم يراعيا هذا أيضًا؟!
[ص ٥] قال ص ٥: (وعلى أنهم قد بذلوا أقصى جهدهم في دراسة علم الحديث من حيث روايته (٢) ... فإنهم قد أهملوا جميعًا أمرًا خطيرًا ... أما هذا كله .. فقد انصرف عنه العلماء والباحثون، وتركوه أخبارًا في بطون الكتب مبعثرة ... ).
стр. 54
يعني: فجَمَعها هو في كتابه. وغالب ذلك قد تكفَّلَتْ به كتب المصطلح، وسائره في كتب أخرى من تأليف المُحدِّثين أنفسهم، ومنها ينقل أبو رية.
وقال ص ٦: (أسباب تصنيف هذا الكتاب ... إلخ)، إلى أن قال: (ومما راعني أني أجد في معاني كثير من الأحاديث ما لا يقبله عقل صريح) (١).
أقول: لا ريب أنَّ في ما يُنسب إلى النبي ﷺ من الأخبار ما يردُّه العقل الصريح، وقد جمع المحدِّثون ذلك وما يقرب منه في كتب الموضوعات، وما لم يُذكر فيها منه فلن تجد له إسنادًا متصلًا إلا وفي رجاله ممن جرحه أئمة الحديث رجلٌ أو أكثر. وزَعْم أن في "الصحيحين" شيئًا من ذلك سيأتي النظرُ فيه. وقد تقدمت قضية العقل.
قال: (ولا يثبته علم صحيح، ولا يؤيده حسٌّ ظاهر أو كتاب متواتر) (٢).
أقول: لا أدري ما فائدة هذا! مع العلم بأنَّ ما يثبته العلم الصحيح، أو يؤيده الحس الظاهر لابد أن يقبله العقل الصريح، وإن القرآن لا يؤيِّد ما لا يقبله العقل الصريح.
ثم قال: (كنتُ أسمع من شيوخ الدين ــ عفا الله عنهم ــ أن الأحاديث التي تحملها كتب السنة قد جاءت كلها على حقيقتها ... ).
أقول: العامة في باديتنا باليمن، والعامة من مسلمي الهند، إذا ذكرتَ لأحدهم حديثًا قال: أصحيح هو؟ فإن قلت له: هو في "سنن الترمذي"
стр. 55
ــ مثلًا ــ قال: هل جميع الأحاديث التي في الكتاب المذكور صحيحة؟ فهل هؤلاء أعلم من شيوخ الدين في مصر؟
ثم ذكر حديث: "مَنْ كَذَب عليّ ... " إلخ، وقضايا أخرى ذَكَر أنها انكشفت له، أجْمَلَ القولَ فيها هنا على أن يُفصِّلها بعد، فأخَّرتُ النظر فيها إلى موضع تفصيلها.
ثم قال ص ١٣: (لما انكشف لي ذلك كله وغيره مما يحمله كتابنا، وبدت لي حياة الحديث المحمدي في صورة واضحة جليّة تتراءى في مرآة مصقولة، أصبحتُ على بيِّنة مِن أمر ما نُسب إلى الرسول من أحاديث، آخذُ ما آخذُ منه ونفسي راضية، وأدعُ ما أدعُ وقلبي مطمئن، ولا عليَّ في هذا أو ذلك حَرَج أو جُناح).
أقول: أمَّا أنه بعد اطّلاعه على ما نقله في كتابه هذا صار عارفًا بتاريخ الحديث النبوي إجمالًا فهذا قريب؛ لولا أن هناك قضايا عظيمة يصوِّرها في كتابه هذا على نقيض حقيقتها، كما سنقيم عليه الحجة الواضحة إن شاء الله تعالى.
وأمَّا أنه أصبح على بيِّنة ... إلى آخر ما قال، فهذه دعوى تحتمل تفسيرين:
الأول: أنه أصبح يعرف بنظرة واحدة إلى الحديث من الأحاديث حقيقة حاله من الصحة قطعًا أو ظنًّا [ص ٦] أو احتمالًا أو البطلان كذلك.
الثاني: أنه ساء ظنُّه بالحديث النبوي ــ إن لم يكن بالدين كله ــ فصار لا يراه إلا أداةً يستغلّها الناس لأهوائهم، فأصبح يأخذ منه ما يوافق هواه، ويردُّ ما يخالف هواه، بدون اعتبار لما في نفس الأمر مِنْ صحَّة أو بُطلان.
стр. 56
مِن الجَور أن نزعم أن مراد أبي ريَّة هو ما تضمّنه التفسير الأول؛ لأن ذلك باطل مكشوف، وذلك أن للقضية شطرين: الأول: أن يدع الحديث، الثاني: أن (١) يأخذ به.
فأما الشطر الأول، فالمسلم لا يدع الحديث وقلبه مطمئن إلّا إذا بان له أنه لا يصح، والذي في كتاب أبي ريَّة مما ذكر أنه يدلُّ على عدم الصحة، إما أن يقتضي امتناع الصحة قطعًا، كمناقضة الخبر للعقل الصريح أو للحس أو لنصِّ القرآن. وإما أن يقتضي استبعادها فقط، والأول لا يحتاج الناسُ فيه إلى كتاب أبي ريَّة هذا، والثاني لا يكفي؛ فإنه قد يثبتُ الخبر ثبوتًا يدفع الاستبعاد، إذن فثمرة مجهوده وكتابه بالنظر إلى هذا الشطر ضئيلة لا يليق التبجُّح بها.
وأما الشطر الثاني، فمن الواضح أن انتفاء الموانع الظاهرة، كمناقضة العقل الصريح ونحوه إنما يفيد إمكان الصحة، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في السند (٢)، فإن كان موثَّق الرجال ظاهر الاتصال قيل: "صحيح الإسناد"، ثم يبقى احتمال العلة القادحة، بما فيه من الشذوذ الضار، والتفرُّد الذي لا يُحْتَمل. والنظرُ في ذلك هو كما قال أبو ريَّة ص ٣٠٢: (لا يقوم به إلا من كان له فهم ثاقب وحفظ واسع، ومعرفة تامّة بالأسانيد والمتون وأحوال الرواة). وهذه درجة لا تُنال بمجهود أبي ريَّة ولا بأضعاف أضعافه.
فبان يقينًا أن أبا ريَّة لا يمكنه الاستقلال بتصحيح حديث، بل كتابه ينادي عليه أنه لا يمكنه أن يستقلَّ بتصحيح إسناد. إذن فلم يُفِدْه مجهوده شيئًا في هذا الشطر، وبقي فيه كما كان عالةً على تصحيح علماء الحديث.
стр. 57
هذا حال التفسير الأول. وأما التفسير الثاني فلا أدري، غير أنه يشهد له صنيع أبي ريَّة في ما يأتي مِن كتابه؛ مِنْ ردِّ الأحاديث والأخبار الثابتة، والاحتجاج كثيرًا بالضعيفة والواهية والمكذوبة، والله أعلم.
قال ص ١٣: (ولا يتوهمنَّ أحد أني بدع في ذلك، فإنّ علماء الأمة لم يأخذوا بكل حديث نقلَتْه إليهم كتب السنة، فليسعني ما وسعهم بعد ما تبيَّن لي ما تبيَّن لهم، وهذا أمر معلوم لا يختلف فيه عالم، اللهم إلا الحشوية الذين يؤمنون بكل ما حمل سيل الرواية، سواء كان صحيحًا أم غير صحيح؛ ما دام قد ثبت سنده على طريقتهم) (١).
أقول: لم يجهل أحدٌ من أهل العلم ما قدّمته قريبًا في شأن صحة الحديث، ولكنهم لا يجيزون مخالفةَ حديثٍ تبيّن إمكان [ص ٧] صحته ثم ثبت صحة إسناده، ولم يُعْلَم ما يقدح فيه أو يعارضه. وأبو ريَّة يعيب عليهم هذا، ويبيح لنفسه أن يعارض نصوص القرآن وإجماع أهل الحق بأحاديث وأخبار وحكايات لا يُعْرَف حال أسانيدها، ومنها الضعيف والواهي والساقط والكذب، ويكثر من ذلك كما ستراه.
قد يقال: ربما يدّعي أنه أصبحت له مَلَكَة وذوق يَعْرِف بهما الصحيح بدون معرفة سندٍ ولا غيره!
أقول: هذه دعوى لا تقع من عاقل يحترم عقول الناس، وقد قال أبو ريَّة ص ٢١: (قد ثبت أن النبي ﷺ كان يصدِّق بعض ما يفتريه المنافقون). ونقل ص ١٤٢ عن صاحب "المنار" (٢) ــ محتجًّا به ــ قولَه: (والنبي ﷺ ما كان يعلم
стр. 58
الغيب، فهو كسائر البشر يحمل كلام الناس على الصدق إذا لم تحف به شبهة، وكثيرًا ما صدَّق المنافقين والكفار في أحاديثهم). فهل يدّعي أبو ريَّة لنفسه درجةً لم يبلغها النبي ﷺ ولا غيره؟ إذن فلن نعدم ممن عرف ما في كتابه هذا وأضعاف أضعافه من يعارضه قائلًا: قد حصل لي مَلَكَة وذوق أعلى مما حصل لك، وأنا أعرف بطلان هذا الذي احتججتَ به، فتسقط الدَّعويان، ويقوم العقلُ والعدلُ.
أما ما ذكره عن علماء الأمة فستأتي حكايته في ذلك، ونبيّن حالها إن شاء الله. والحقُّ أنه لم يكن في علماء الأمة المرضيين من يَرُدُّ حديثًا بلغه إلا لعذر يحتمله له أكثر أهل العلم على الأقل، ولو كان حال أبي ريَّة في الردّ والعذر كحال أحدهم لساغ أن يقال: يسعه ما يسعهم ــ وإن كان البون شاسعًا جدًّا ــ ولكن له شأن آخر كما يأتي.
قال: (قال ابن أبي ليلى: "لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويدع"، وقال عبد الرحمن بن مهدي: "لا يكون إمامًا في الحديث من تتبع شواذ الحديث، أو حدَّث بكل ما يسمع، أو حدَّث عن كل أحد") (١).
أقول: هذا موجّه إلى فريق من الرواة كانوا يكتبون ويروون كل ما يسمعون من الأخبار، يرون أنه ليس عليهم إلا الأمانة والصدق وبيان الأسانيد، تاركين النقد والفقه في الحديث والإمامة لغيرهم. فأمَّا الأخذ والرد للعمل والاحتجاج؛ فكل أحد يعلم أنه يؤخذ ما يصح ويُترك ما لا يصح. ومرَّ قريبًا حال أبي (٢) ريَّة في هذا.
стр. 59
قال أبو ريَّة: (ولمَّا كان هذا البحث لم يُعْنَ به أحد من قبل كما قلنا ... ).
أقول: قد تقدَّم أن الذي يسوغ له ادعاؤه هو أنه جمع في كتابه هذا ما لم يُجمع في كتابٍ من قبل، والقناعة راحة.
ثم قال: (وكان يجب أن يُفرَد بالتأليف منذ ألف سنة عندما ظهرت كتب الحديث المعروفة ... حتى توضع هذه الكتب في مكانها الصحيح من الدين، ويعرف الناس حقيقة ما رُوي فيها من أحاديث ... ).
أقول: إنَّ ما جمعه في كتابه من كلام غيره مِنْه ما هو مقبول، ومنه ما يُعلَم حالُه من رسالتي هذه، فأمّا المقبول فمِنْ مؤلفات [ص ٨] المحدِّثين نُقِل، وفيها أكثر منه وأنفع وأرفع، وأمّا المرذول فليس له حساب، وقد نَبَّهوا عليه في مؤلفاتهم، وكثرة الباطل نقصان؛ غير أن للباطل هُواة، منهم طائفة يُثني عليها أبو ريَّة مِنْ قلبه. وطائفة لا يرضاها ولكنه رأى أن في كلامه ما يعجبها، فراح يتملّقها في مواضع رجاء أن يروج لديها كتابه كما راج لديها كتاب فلان (١).
ثم قال ص ١٤: (ولأن هذا البحث كما قلنا طريف أو غريب) (٢).
أقول: قد خجلتُ مِن كثرة مناقشة أبي ريَّة في إطرائه لكتابه، مع أنه عنده بمنزلة ولده، يتعزَّى به عن ولده العزيز مصطفى؛ ولذلك جعله باسمه كما ذكره أول الكتاب تحت عنوان: (الإهداء). وأحسبه يتصوَّر أن الردَّ على كتابه
стр. 60
معناه أن يَلْحَق هذا الولد بمصطفى، ولذلك يقول هنا: (وقد ينبعث له من يتطاول إلى معارضته ممن تعفَّنت أفكارهم وتحجَّرت عقولهم). ولو قال: قلوبهم لكان أنسب لحاله.
قال: (فقد استكثرت فيه من الأدلة التي لا يرقى الشك إليها، وأتزيَّد من الشواهد التي لا ينال الضعفُ منها).
أقول:
سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أَفَرَسٌ تَحْتَكَ أم حمار!
قال: (وبرغمي أن أنصرف في هذا الكتاب عن النقد والتحليل، وهي الأصول التي يقوم العلم الصحيح في هذا العصر عليها).
أقول: قد ذكر هو ص ٣٢٧: أن علماء فقه الحديث قد عرفوا تلك الأصول، ونقل عن صاحب "المنار" قوله: (إن لعلماء فقه الحديث مِن وراء نقد أسانيد الأخبار والآثار نقدًا آخر لمتونها ... ويشاركهم في هذا النوع من النقد رجال الفلسفة والأدب والتاريخ، ويسمونه في عصرنا النقد التحليلي). فإن كان أبو ريَّة يحسنه فإنما عَدَل عنه ليتسع له المجال فيما يكره أن يتضح للمثقفين.
لكن قال بعد هذا: (وقد اضطررت إلى ذلك؛ لأن قومنا حديثو عهد بمثل هذا البحث، على أني أرجو أن يكون قد انقضى ذلك العهد الذي لا يشيع فيه إلا النفاق العلمي والرئاء الديني، ولا ينشر فيه إلا ما يروج بين الدهماء ويرضى عنه من يزعمون للناس ــ زورًا ــ أنهم من المحدِّثين أو العلماء) (١).
وهذا يُشعر أو يُصرّح بأنه يريد بالنقد التحليلي أمرًا آخر، انصرف برغمه عنه اتقاءً لعلماء المسلمين وعامتهم، وأخذًا بنصيبٍ مما يسميه بالنفاق
стр. 61
العلمي والرئاء الديني.
وفي كتابه أشياء تدلّ على قُرب وأشياء تدلُ على بُعد، وعبارته هذه ونحوها قريب من الضرب الأول، وتلفت النظر إلى الثاني، فمنه ما مرّ في أول كتابه من الإشارة إلى أن جميع الذين اشتهروا في القرون الأولى بالعلم والإمامة ليسوا عنده علماء. ويأتي كلامه في الصحابة ﵃، وهَجْوُه السُّوقيّ لأبي هريرة ﵁، ومحاولته قلب محاسنه عيوبًا، والاستدلال بالحكايات الكاذبة للغضِّ منه، واختلاق التهم [ص ٩] الباطلة لتكذيبه؛ وذلك يُنبِئ عن فقرٍ مُدْقع من توقير النبي ﷺ واحترام جانبه، وجحودٍ شديد لبركة صُحبته وملازمته وخدمته.
وأهمّ من ذلك أن أبا ريَّة يقسِّم الدين إلى عام وخاص، ويقول: إن العام هو الدلائل القطعية من القرآن، والسنن العملية المتواترة التي أجمع عليها مسلمو الصدر الأول، وكانت معلومةً عندهم بالضرورة. انظر ص ٣٥٠ في كتابه. ثم يعود فيقرِّر أنّ الدلائل النقلية كلها ظنية. انظر ٣٤٦ و ٣٥٣ منه. وأنَّ الدين كله في القرآن لا يحتاج معه إلى غيره "حسبنا كتاب الله" انظر ص ٣٤٩ منه. وأنه "لا يلزم من الإجماع على حُكْمٍ مطابقته لحكم الله في نفس الأمر". انظر ص ٣٥٢ منه.
ومجموع هذا يقتضي أن يكون الدين كلّه خاصًّا عنده. ومعنى الخاص ــ على ما يظهر من كلامه ــ أنَّ الدين فيما عدا الأمور القضائية "موكول إلى اجتهاد الأفراد" كأنه يريد أنه قضية فردية تخصُّ كلّ فرد فيما بينه وبين الله لا شأن له بغيره ولا لغيره به. وفي الأمور القضائية "موكول إلى أولي الأمر" كأنه يريد أن للمقنِّن أو القاضي أن يأخذ بالحكم الديني إذا وافق رأيه وله أن
стр. 62
يدعه. انظر ص ٣٥٣ منه. ونجده يحتجُّ كثيرًا بأقوال لا يعتقد صحتها بل قد يعتقد بطلانها، ولكنه يراها موافقةً لغرضه. ويحاول إبطال أحاديث صحيحة بشبهات ينتقل الذهن فور إيرادها إلى ورودها على آيات من القرآن. فهذا وأشباهه يجعلنا نشفق على أبي ريَّة ومنه.
قال: (وأرجو كذلك وقد حسرت النقاب عن وجه الحق في أمر الحديث المحمدي الذي جعلوه الأصل الثاني من الأدلة الشرعية بعد السنة العملية ... ) (١).
أقول: نعم نحن المسلمين لا نفرِّق بين الله ورسله، بل نشهد أن لا إلـ? هـ إلا الله وأن محمدًا رسول الله المبلِّغ لدين الله والمبيِّن لكتاب الله بسنته، بقوله وفعله وغير ذلك مما بَيَّن به الدين، ونؤمن ونَدِين بما بلَّغنا إياه بالكتاب وبالسنة، والأحاديث أخبار عن السنة، إذا ثبتت ثبت ما دلت عليه السنة. ولسنا نحن بالجاعلي السنة بهذه المرتبة، بل الله جعلها. وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، وقد تكفل الله تعالى بحفظ دينه، ووفق الأمة التي وصفها بأنها خير أمة أُخرجت للناس، فقام أئمتها وعلماؤها بما أُمِروا به من حفظ الدين وتبليغه على الوجه الذي اختاره الله ورسوله، فلم يزل محفوظًا إن خفيَ بعضُه على الجهال لم يَخْفَ على العلماء، وإن خفيَ على بعض العلماء لم يَخْفَ على بقيَّتهم، وما في كتابك هذا من حق فعنهم نَقَلْتَه، وباطلك مردود عليك.
قال: (واتخذوا منه أسانيد لتأييد الفرق الإسلامية ودلائل على الخرافات والأوهام، وقالوا بزعمهم: إنها دينية) (٢).
стр. 63
أقول: ما مِنْ فرقة من الفرق الإسلامية إلا ولديها شيء من الحق، وما تسميه أنتَ خرافات وأوهامًا منه ما هو حق وإن [ص ١٠] زعمت. والأحاديث التي يثبتها أهل العلم حق ولا يُسْتَنكر للحق أن يشهد للحق، وأما الأحاديث الباطلة فمنها ما نصوا على بطلانه وهو كثير، ومنها ما يُعرف بالنظر فيه على طريقتهم بطلانه أو وهنه، أو على الأقل الشك في صحته.
قال: (وكشفت القناع عما خفي على الناس أمره).
أقول: أمَّا أهل العلم فلم تزدهم علمًا، وأما غيرهم فالذي في كتابك مما يضللهم ويَلْبِس عليهم دينهم أكثر مما قد يفيدهم.
ثم قال: (أرجو أن أكون قد وفقت إلى ... الدفاع عن السنة القولية وحياطتها عما يشوبها، وأن يصان كلام الرسول من أن يتدسس إليه شيء من افتراء الكاذبين، أو ينال منه كيد المنافقين وأعداء الدين، وأن تنزه ذاته الكريمة من أن يعزى إليها إلا ما يتفق وسموّ مكانها وجلال قدرها ... ).
أقول: أما ما نقله من كتب علماء الحديث، مِن شرائط الصحيح، وبيان المعتل، وعلامات الموضوع، وبيان أن كثيرًا من الأحاديث الصحيحة رُويت بالمعنى، ونحو ذلك= فإنه يليق به هذا الوصف. وأما كثير مما نقله عن غيرهم أو جاء به من عنده، فوصفه بذلك بمنزلة أن يجمع رجل كتابًا يطعن في آيات كثيرةٍ من القرآن بزعم أنها ليست منه، وأن فيه كثيرًا من ذلك، ثم يزعم أن غرضه هو "الدفاع عن الكلام الرباني وحياطته عما يشوبه وأن يصان كلام ربِّ العِزَّة ... وأن تنزَّه ذاتُه المقدَّسة من أن يعزى إليها إلا ما يليق بجلالها ... " ونحو ذلك.
قال ص ١٥: (وإذا كان هذا الكتاب سيغير ولا ريب من آراء كثير من المسلمين
стр. 64
فيما ورثوه من عقائد ... فإنه سيقفهم ــ إن شاء الله ــ على حقائق كثيرة تزيدهم تبصرة وعلمًا بدينهم، ويحل لهم مشاكل متعددة مما تضيق به صدورهم، ويدفع شبهات يتكئ عليها المخالفون ... ) (١).
أقول: الكلام على هذا نحوٌ مما قبله.
وبعد، فإنَّ أضرَّ الناسِ على الإسلام والمسلمين هم المحامون الاستسلاميون، يطعن الأعداء في عقيدة من عقائد الإسلام أو حُكْم من أحكامه ونحو ذلك، فلا يكون عند أولئك المحامين من الإيمان واليقين والعلم الراسخ بالدين، والاستحقاق لعون الله وتأييده ما يثبِّتهم على الحق، ويهديهم إلى دفع الشبهة، فيلجأون إلى الاستسلام بنظام، ونظام المتقدمين: التحريف، ونظام المتوسطين: زَعْمُ أن النصوص النقلية لا تفيد اليقين، والمطلوبُ في أصول الدين اليقين، فعزلوا كتابَ الله وسنةَ رسوله عن أصول الدين، ونظام بعض العصريين: التشذيب. وأبو ريَّة يحاول استعمال الأنظمة الثلاثة ويوغل في الثالث.
على أن أولئك الذين سمَّيْتُهم محامين كثيرًا ما يكونون هم الخصوم، والباطل جشع، وقد قال الله ﵎: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. [ص ١١] وقال الله عزوجل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ
стр. 65
وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١] والرسول فينا بسنته. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
قال أبو ريَّة ص ١٥: (وإني لأتوجه بعملي هذا ــ بعد الله سبحانه وله العِزة ــ إلى المثقفين من المسلمين خاصة، وإلى المهتمين بالدراسات الدينية (١) عامة) ــ يعني المستشرقين من اليهود والنصارى والملحدين ــ (ذلك بأن هؤلاء وهؤلاء الذين يعرفون قدره (٢). واللهَ أدعو أن يجدوا فيه جميعًا ما يرضيهم ويرضي العلم والحق معهم).
أقول: أما المستشرقون فالذي يرضيهم معروف. وأما المثقَّفون فيريد أبو ريَّة الثقافة الغربية، ويُطْمِع أبا ريَّة فيهم أن يرى أكثرهم عزلًا عن الواقيَيْنِ الإسلاميَّيْنِ: العلم الديني، والمناعة. وأما علماء المسلمين، وعامتهم ــ وهم مَظّنة الخير ــ فهم عند أبي ريَّة سفهاء، واقرأ عشرين آية من أول سورة البقرة.
ثم ختم أبو ريَّة مقدمته بالدعاء لمجهوده وكتابه. وأنا أسأل الله ﵎ أن ينفعني والمسلمين ومن شاء من عباده بما في كتابي من صواب، ويقيني وإياهم شرَّ ما فيه من خطأ، ويوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.
* * * *
стр. 66
السُّنَّة
[ص ١٢] ثم شرع أبو ريَّة بعد الخطبة في الكتاب فقال في ص ١٦: (السنة ... )، ونقل عبارات منها عبارة عن "تعريفات الجرجاني" (١) زاد في آخرها زيادة في نحو ثلاثة أسطر لم أجدها في "التعريفات"، في آخرها: (ثم اصطلح المحدّثون على تسمية كلام الرسول حديثًا وسنة) (٢).
ثم قال أبو ريَّة: (وقالوا: السنة تطلق في الأكثر على ما أضيف إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير).
أقول: تُطلق السنة لغةً وشرعًا على وجهين:
الأول: الأمر يبتدئه الرجل فيتبعه فيه غيره. ومنه ما في "صحيح مسلم" (٣) في قصة الذي تصدَّق بصُرَّة فتبعه الناس فتصدقوا، فقال رسول الله ﷺ : "مَن سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعُمِل بها بعده كُتِب له مثل أجر مَنْ عَمِل بها ... " الحديث.
والوجه الثاني: السيرة العامة، وسنة النبي ﷺ بهذا المعنى هي التي تقابل الكتاب، وتسمى الهَدْي. وفي "صحيح مسلم" (٤): أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهَدْي هدي محمد، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
стр. 67
هذا وكلّ شأن من شؤون النبي ﷺ الجزئية المتعلقة بالدين من قول أو فعل أو كفّ أو تقرير= سنةٌ بالمعنى الأول، ومجموعُ ذلك هو السنة بالمعنى الثاني. ومدلولات الأحاديث الثابتة هو السنة أو من السنة حقيقة، فإن أُطْلِقَت "السنة" على ألفاظها فمجاز أو اصطلاح. وإنما أوضحتُ هذا لأن أبا ريَّة يتوهَّم أو يوهم أنه لا علاقة للأحاديث بالسنة الحقيقية.
ثم قال ص ١٧: (مكان السنة من الدين. جعلوا السنة القولية في الدرجة الثانية أو في الدرجة الثالثة من الدين ... وأما الذي هو في الدرجة الثانية من الدين فهو السنة العملية).
أقول: المعروف بين أهل العلم قولهم: "الكتاب والسنة" ثم يقسِّمون دلالات الكتاب إلى قطعية وغيرها، والسنة إلى متواتر وآحاد، وإلى قول وفعل وتقرير، إلى غير ذلك من التقسيمات. وسيأتي ذكر "ثلاث مراتب" من صاحب "المنار"، وننظر فيه (١).
فأما منزلة السنة جملةً من الدين فلا نزاع بين المسلمين أن ما ثبت عن النبي ﷺ مِنْ أمر الدين فهو ثابت عن الله ، ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، منها: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وكل مسلم يعلم أن الإيمان لا يحصل إلا بتصديق الرسول فيما بلَّغه عن ربه، وقد بلَّغ الرسول بسنته كما بلَّغ كتاب الله عزوجل.
ثم تكلَّم الناس في الترتيب بالنظر إلى التشريع، فمِنْ قائل: السنة قاضية على الكتاب [ص ١٣]. وقائل: السنة تبيّن الكتاب. وقائل: السنة في المرتبة
стр. 68
الثانية بعد الكتاب. وانتصر الشاطبي في "الموافقات" (١) لهذا القول وأطال، ومما استدل به هو وغيره قول الله عزوجل: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٨٩ - ٩٠].
قالوا: فقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ واضحٌ في أنَّ الشريعة كلها مبيَّنة في القرآن. ووجدنا الله تعالى قد قال في هذه السورة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. فعلمنا أنَّ البيان الذي في قوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ غير البيان الموكول إلى الرسول. ففي القرآن سوى البيان المفصَّل الوافي بيانٌ مجمل، وهو ضربان: الأول: الأمر بالصلاة والزكاة والحج والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وتحريم الخبائث، وأكل أموال الناس بالباطل، أو غير ذلك.
الثاني: الأمر باتباع الرسول وطاعته وأخذ ما آتى والانتهاء عما نهى ونحو ذلك. وفي "الصحيحين" (٢) وغيرهما عن علقمة بن قيس النخعي ــ وكان أعلمَ أصحاب عبد الله بن مسعود أو مِنْ أعلمهم ــ قال: "لعن عبد الله الواشمات والمتنمِّصات والمتفلِّجات للحُسْن المغيرات خلق الله.
стр. 69
فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد الله: وما لي لا ألعن مَنْ لَعَن سولُ الله وفي كتاب الله؟ قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
ظاهرُ صنيع ابن مسعود أن الاعتماد في كون القرآن مبيِّنًا لكلِّ ما بيَّنَتْه السنة على الضرب الثاني، وتعقيب آية التبيان بالتي تليها، كأنه يشير إلى أن الاعتماد على الضربين مجتمعين، ورجَّحه الشاطبي (١) وزعم أن الاستقراء يوافقه. فعلى هذا لا يكون للخلاف ثمرة.
ثم قال قوم: جميع ما بيَّنه الرسول عَلِمَه بالوحي. وقال آخرون: منه ما كان باجتهاد أَذِنَ الله له فيه وأقرَّه عليه. ذكرهما الشافعي في "الرسالة" (٢). ثم قال (ص ١٠٤) (٣): "وأيّ هذا كان، فقد بيَّن الله أنه فرض فيه طاعة رسوله ... ".
وبالغ بعضهم فقال: كلّ ما بلَّغه الرسول فَهِمَه من القرآن. ونسبه بعض المتأخرين إلى الشافعي، فعلى هذا كان القرآن في حق الرسول تبيانًا لكلِّ شيء وتفصيلًا، فأما في حقِّ غيره فعلى ما مرَّ. والله الموفق.
ثم نقل أبو ريَّة كلامًا من "موافقات الشاطبي". وكلام "الموافقات" طويل جدًّا، وفي ما تركه أبو ريَّة منه ما قد يخالف ظاهر بعض ما نقله، وإنما الكلامُ العربيّ الناصع كلام الشافعي في "الرسالة".
стр. 70
[ص ١٤] ثم قال أبو ريَّة ص ١٩: (وكان الإمام مالك يراعي كل المراعاة العمل المستمر والأكثر، ويترك ما سوى ذلك وإن جاء فيه أحاديث).
أقول: كان مالك ﵀ يدين باتباع الأحاديث الصحيحة، إلا أنه ربما توقف عن الأخذ بحديث ويقول: ليس عليه العمل عندنا. يرى أن ذلك يدلُّ على أن الحديث منسوخ أو نحو ذلك.
والإنصاف أنه لم يتحرَّر لمالكٍ قاعدة في ذلك، فوقعت له أشياء مختلفة. راجع "الأم" للشافعي (٧: ١٧٧ - ٢٤٩) (١). وقد اشتهر عن مالك قوله: "كلّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" (٢) يعني النبي ﷺ . وقوله للمنصور ــ إذ عرض عليه أن يحمل الناس على "الموطأ" ــ: "إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار فعند أهل كلّ مِصْر علم" (٣).
قال أبو ريَّة ص ١٩: (وقال [مالك] أحبّ الأحاديث إليّ ما اجتمع الناس عليه).
أقول: لا ريب أنَّ المُجْمَع عليه أعلى من غيره، مع قيام الحجة بغيره إذا ثبت عند مالك وغيره.
ثم حكى عن صاحب "المنار" قوله: (والنبي مبيِّن للقرآن بقوله وفعله، ويدخل في البيان التفصيل والتخصيص والتقييد، لكن (٤) لا يدخل فيه إبطال حُكْم من
стр. 71
أحكامه، أو نقض خبر من أخباره، ولذلك كان التحقيق أن السنة لا تنسخ القرآن).
أقول: أما الإبطال ونقض الخبر بمعنى تكذيبه، فهذا لا يقع من السنة للقرآن، ولا من بعض القرآن لبعض، فالقرآن كله حق وصدق: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. وأما التخصيص والتقييد ونحوهما والنسخ، فليست بإبطال ولا تكذيب، وإنما هي بيان.
فالتخصيص ــ مثلًا ــ إن اتصل بالخطاب بالعام، كأنْ نزلت آية فيها عموم ونزلت معها آية من سورة أخرى فيها تخصيص للآية الأولى، أو نزلت الآية فتلاها النبي ﷺ وبيَّن ما يخصِّصها فالأمر واضح؛ إذ البيان متصل بالمبيَّن فكان معه كالكلام الواحد. وإن تأخر المخصّص عن وقت الخطاب بالعام ولكنه تبعه قبل وقت العمل بالعام أو عنده فهذا كالأول عند الجمهور، وهذا مرجعه إلى عُرْف العرب في لغتهم كما بينه الشافعي في "الرسالة" (١).
أما إذا جاء بعد العمل بالعام ما صورته التخصيص، فإنما يكون نسخًا جزئيًا، لكن بعضهم يُسمِّي النسخ تخصيصًا جزئيًّا كان أو كليًّا، نظرًا إلى أن اقتضاء الخطاب بالحكم لشموله لما يستقبل من الأوقات عموم، والنسخُ إخراج لبعض تلك الأوقات وهو المستقبل بالنسبة إلى النص الناسخ، وهذا مما يحتج به مَنْ يجيز نسخ بعض أحكام الكتاب بالسنة.
стр. 72
[ص ١٥] قال صاحب "المنار": (والعمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة الأولى، والسنة العملية المتفق عليها في المرتبة الثانية، وما ثبت عن النبي وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة).
أقول: قد سبق أن المعروف بين أهل العلم ذكر الكتاب والسنة ثم يقسمون السنة إلى متواتر وآحاد وغيرذلك.
قال: (ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى. وقد قرر ذلك الغزالي).
علق أبو ريَّة في الحاشية: (قرر الغزالي ذلك في كتاب القسطاس المستقيم). وعبارة صاحب "المنار" في مقدمته لـ"مغني ابن قدامة": "فمن مقتضى أصولهم كلهم وجوبُ ترك أسباب كل هذا التفرق والاختلاف (١)، حتى قال الغزالي في "القسطاس المستقيم" بالاكتفاء بالعمل بالمجمع عليه، وعدّ المسائل الظنية المختلف فيها كأنْ لم تكن".
كذا قال. والذي في "القسطاس المستقيم" خلاف هذا، فإن فيه (ص ٨٩) (٢) فما بعدها: أنه يعظ العاميَّ الطالبَ الخلاصَ من الخلافِ في الفروع بأن يقول له: "لا تشغل نفسك بمواقع الخلاف مالم تفرغ من جميع المتفق عليه، فقد اتفقت الأمة على أن زاد الآخرة هو التقوى والورع، وأن الكسب الحرام والمال الحرام والغيبة والنميمة والسرقة والخيانة ... حرام،
стр. 73
والفرائض كلها واجبة، فإنْ فرغت من جميعها علَّمْتُكَ طريقَ الخلاص من الخلاف". قال: "فإنْ هو طالبني بها قبل الفراغ من هذا كله فهو جَدَليّ وليس بعامي ... نعم لو رأيتم صالحًا قد فرغ من حدود التقوى كلها وقال: ها أنا تُشْكل عليّ مسائل ... فأقول له: إن كنتَ تطلبُ الأمان في طريق الآخرة فاسْلُكْ سبيلَ الاحتياط وخُذْ بما يتفق عليه الجميع، فتوضأ مِنْ كلِّ ما فيه خلاف، فإنَّ كل مَنْ لا يُوجبه يستحبه .. فإنْ قال: هو ذا يثقل عليَّ ... ، فأقول له: الآن اجتهد مع نفسك وانظر إلى الأئمة أيهم أفضل .. فمن غلب على ظنك أنه الأفضل فاتبعه".
حاصل هذا: أن الغزالي كان يعلم أن العامة في زمانه ينتسب كل منهم إلى مذهب ويتعصب له، فإنْ فُرِضَ أن أحدهم سأل عن الخلاف وكيف يتخلّص منه، فلن يكون إلا أحد رجلين: إما فارغًا متلهّيًا، وإما وَرِعًا تقيًّا، والتقيّ الورع لابدّ أن يكون قد شَغَلَ فِكْرَه المحافظةُ على الفرائض المتفق عليها، وتجنّب المحرمات المتفق عليها، وعمل بذلك على مذهبه قبل أن يشغله الخلاف. فإذا كان السائل مقصِّرًا مفرِّطًا وجاء يسأل عن الخلاف، فلن يكون إلا متلهّيًا، فيقال له: ابدأ بالعمل بما تعلمه يقينًا ثم سل، فإنْ أبى فهو جَدَليّ يتعنَّت في السؤال ولا يَهمُّه العمل، والإعراض عن مثله أَوْلى.
فأما من أتى بما عليه بحسب مذهبه وسأل عن الخَلاص [ص ١٦] من الخلاف، فالظاهر أنه يسأل ليعلم ويعمل.
قال الغزالي: "فأقول له: إنْ كُنْتَ تطلب الأمان في طريق الآخرة، فاسلُكْ سبيل الاحتياط وخذ بما يتفق عليه الجميع"، وفسَّرَ ذلك بما بعده. وذلك يوضِّح قطعًا أن مراده بما يتفق عليه الجميع أن يلتزم أن يكون وضوؤه
стр. 74
الذي يُصلِّي به وضوءًا يتفق العلماء على صحته، يتوضأ مِنْ كلّ ما قال عالم: إنه ينقض الوضوء. وهكذا في سائر عمله، يأخذ بالأشدّ الأشدّ من أقوال المختلفين. وفهم منها صاحب "المنار" أن لا يتوضأ من شيء قال عالم: إنه لا ينقض الوضوء. وهكذا في سائر عمله يأخذُ بالأخفّ الأخفّ من أقوال المختلفين. فلينظر العالم أين هذا من ذاك؟
على أنه إن لم يتوضأ إلا مِمَّا اتفقوا على أنه ينقض الوضوء قد يكون وضوؤه باطلًا باتفاقهم، وذلك أنّ بعض العلماء يوجب الوضوء بمسّ الذَّكَر ولا يوجبه من خروج الدم، وبعضهم يعكس، فإذا وقع لعاميّ هذا وهذا ولم يتوضأ، فوضوؤه الأول باطل باتفاق الفريقين. ومع أن مراد الغزالي الاحتياط الأكيد اقتصر على أن فيه "الأمان في طريق الآخرة" ومع أن صاحب "المنار" قَلَبه إلى التفريط الشديد لم يقتصر على أن صاحبه يكون ناجيًا في الآخرة بل زاد "مقربًا عند الله تعالى".
وبعد، فلندع الغزالي وصاحب "المنار"، ولنرجع إلى الحجة. إننا نعلم أن لكثير من علماء الفرق زلّات وشواذّ مخالفة لدلالات واضحة مِن القرآن، ولأحاديث تبلغ درجة التواتر المعنوي أو درجة القطع عند من يعرف الرواية والرواة، ومثل هذا غير قليل، فالمقتصر على ما اتفق عليه على ما فهمه صاحب "المنار" لابدّ أن يخالف الكتاب والسنة حتمًا في كثير من القضايا، هذا في المخالفة القطعية، فأما الظنية فحدِّث عن كثرتها ولا حرج.
ومن جهة آخرى، فمن المحال عادةً أن يكون الحقُّ دائمًا من المسائل الخلافية مع المرخِّصين، فالترخُّص فيها كلها تركٌ متيقّن لكثير من الحق. ولنفرض أن جماعة تَتَبَّعوا أقوال علماء المسلمين من جميع الفرق، ثم جمعوا
стр. 75
كتابًا ضمَّنوه ما اتفق المسلمون على أنه واجب أو حرام أو باطل (١) وأهملوا ما عدا ذلك، فهل يقال: إنَّ مَن حافظ على ما في ذاك الكتاب بدون نظر إلى غيره "كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مُقرَّبًا عند الله تعالى" ثم يستغني الناسُ بذاك الكتاب عن كتاب الله وتفسيراته، وعن كتب السنة وشروحها ومتعلقاتها، وعن كتب الفقه كلها، ثم لا يعدم المشذّبون مقالًا يشكك في ما ضمه ذاك الكتاب، كالشك في تحقق الإجماع وفي حجيته، ولتغير الأحكام بتغير الزمان. وحينئذ يستريح الذين يدعون أنفسهم بالمصلحين مِن كلِّ أثر للإسلام.
وقال ابن حزم في "الأحكام" (٣: ١١٤) (٢): "وبالجملة فهذا مذهب لم يُخلَق له معتَقِد قط، وهو أن لا يقول القائل بالنص حتى يوافقه الإجماع، بل قد صحَّ الإجماع على أن قائل هذا القول معتقدًا له كافر بلا خلاف، لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف في وجوب طاعتها".
هذا وقد برئت ذمة الغزالي من ذاك القول كما علمت. وأنا أجلّ السيد محمد رشيد رضا عن أن يقول به [ص ١٧] متصوِّرًا حقيقته، وإنما هذا شأن الإنسان، كمن يكون على جسر غير محجّر فتستولي على ذهنه خشيةُ السقوطِ من جانب فيتأخر عنه ويتأخر حتى يسقط بغير اختياره من الجانب الآخر.
بلى مَنْ عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى، وهذا المُتَّفق عليه هو العمل بالدلائل القطعية والظنية من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله الثابتة قطعًا أو ظنًّا، فالعالم يتحرَّى ذلك بالنظر في