أحكامه، أو نقض خبر من أخباره، ولذلك كان التحقيق أن السنة لا تنسخ القرآن).
أقول: أما الإبطال ونقض الخبر بمعنى تكذيبه، فهذا لا يقع من السنة للقرآن، ولا من بعض القرآن لبعض، فالقرآن كله حق وصدق: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. وأما التخصيص والتقييد ونحوهما والنسخ، فليست بإبطال ولا تكذيب، وإنما هي بيان.
فالتخصيص ــ مثلًا ــ إن اتصل بالخطاب بالعام، كأنْ نزلت آية فيها عموم ونزلت معها آية من سورة أخرى فيها تخصيص للآية الأولى، أو نزلت الآية فتلاها النبي ﷺ وبيَّن ما يخصِّصها فالأمر واضح؛ إذ البيان متصل بالمبيَّن فكان معه كالكلام الواحد. وإن تأخر المخصّص عن وقت الخطاب بالعام ولكنه تبعه قبل وقت العمل بالعام أو عنده فهذا كالأول عند الجمهور، وهذا مرجعه إلى عُرْف العرب في لغتهم كما بينه الشافعي في "الرسالة" (١).
أما إذا جاء بعد العمل بالعام ما صورته التخصيص، فإنما يكون نسخًا جزئيًا، لكن بعضهم يُسمِّي النسخ تخصيصًا جزئيًّا كان أو كليًّا، نظرًا إلى أن اقتضاء الخطاب بالحكم لشموله لما يستقبل من الأوقات عموم، والنسخُ إخراج لبعض تلك الأوقات وهو المستقبل بالنسبة إلى النص الناسخ، وهذا مما يحتج به مَنْ يجيز نسخ بعض أحكام الكتاب بالسنة.
стр. 72
[ص ١٥] قال صاحب "المنار": (والعمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة الأولى، والسنة العملية المتفق عليها في المرتبة الثانية، وما ثبت عن النبي وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة).
أقول: قد سبق أن المعروف بين أهل العلم ذكر الكتاب والسنة ثم يقسمون السنة إلى متواتر وآحاد وغيرذلك.
قال: (ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى. وقد قرر ذلك الغزالي).
علق أبو ريَّة في الحاشية: (قرر الغزالي ذلك في كتاب القسطاس المستقيم). وعبارة صاحب "المنار" في مقدمته لـ"مغني ابن قدامة": "فمن مقتضى أصولهم كلهم وجوبُ ترك أسباب كل هذا التفرق والاختلاف (١)، حتى قال الغزالي في "القسطاس المستقيم" بالاكتفاء بالعمل بالمجمع عليه، وعدّ المسائل الظنية المختلف فيها كأنْ لم تكن".
كذا قال. والذي في "القسطاس المستقيم" خلاف هذا، فإن فيه (ص ٨٩) (٢) فما بعدها: أنه يعظ العاميَّ الطالبَ الخلاصَ من الخلافِ في الفروع بأن يقول له: "لا تشغل نفسك بمواقع الخلاف مالم تفرغ من جميع المتفق عليه، فقد اتفقت الأمة على أن زاد الآخرة هو التقوى والورع، وأن الكسب الحرام والمال الحرام والغيبة والنميمة والسرقة والخيانة ... حرام،
стр. 73
والفرائض كلها واجبة، فإنْ فرغت من جميعها علَّمْتُكَ طريقَ الخلاص من الخلاف". قال: "فإنْ هو طالبني بها قبل الفراغ من هذا كله فهو جَدَليّ وليس بعامي ... نعم لو رأيتم صالحًا قد فرغ من حدود التقوى كلها وقال: ها أنا تُشْكل عليّ مسائل ... فأقول له: إن كنتَ تطلبُ الأمان في طريق الآخرة فاسْلُكْ سبيلَ الاحتياط وخُذْ بما يتفق عليه الجميع، فتوضأ مِنْ كلِّ ما فيه خلاف، فإنَّ كل مَنْ لا يُوجبه يستحبه .. فإنْ قال: هو ذا يثقل عليَّ ... ، فأقول له: الآن اجتهد مع نفسك وانظر إلى الأئمة أيهم أفضل .. فمن غلب على ظنك أنه الأفضل فاتبعه".
حاصل هذا: أن الغزالي كان يعلم أن العامة في زمانه ينتسب كل منهم إلى مذهب ويتعصب له، فإنْ فُرِضَ أن أحدهم سأل عن الخلاف وكيف يتخلّص منه، فلن يكون إلا أحد رجلين: إما فارغًا متلهّيًا، وإما وَرِعًا تقيًّا، والتقيّ الورع لابدّ أن يكون قد شَغَلَ فِكْرَه المحافظةُ على الفرائض المتفق عليها، وتجنّب المحرمات المتفق عليها، وعمل بذلك على مذهبه قبل أن يشغله الخلاف. فإذا كان السائل مقصِّرًا مفرِّطًا وجاء يسأل عن الخلاف، فلن يكون إلا متلهّيًا، فيقال له: ابدأ بالعمل بما تعلمه يقينًا ثم سل، فإنْ أبى فهو جَدَليّ يتعنَّت في السؤال ولا يَهمُّه العمل، والإعراض عن مثله أَوْلى.
فأما من أتى بما عليه بحسب مذهبه وسأل عن الخَلاص [ص ١٦] من الخلاف، فالظاهر أنه يسأل ليعلم ويعمل.
قال الغزالي: "فأقول له: إنْ كُنْتَ تطلب الأمان في طريق الآخرة، فاسلُكْ سبيل الاحتياط وخذ بما يتفق عليه الجميع"، وفسَّرَ ذلك بما بعده. وذلك يوضِّح قطعًا أن مراده بما يتفق عليه الجميع أن يلتزم أن يكون وضوؤه
стр. 74
الذي يُصلِّي به وضوءًا يتفق العلماء على صحته، يتوضأ مِنْ كلّ ما قال عالم: إنه ينقض الوضوء. وهكذا في سائر عمله، يأخذ بالأشدّ الأشدّ من أقوال المختلفين. وفهم منها صاحب "المنار" أن لا يتوضأ من شيء قال عالم: إنه لا ينقض الوضوء. وهكذا في سائر عمله يأخذُ بالأخفّ الأخفّ من أقوال المختلفين. فلينظر العالم أين هذا من ذاك؟
على أنه إن لم يتوضأ إلا مِمَّا اتفقوا على أنه ينقض الوضوء قد يكون وضوؤه باطلًا باتفاقهم، وذلك أنّ بعض العلماء يوجب الوضوء بمسّ الذَّكَر ولا يوجبه من خروج الدم، وبعضهم يعكس، فإذا وقع لعاميّ هذا وهذا ولم يتوضأ، فوضوؤه الأول باطل باتفاق الفريقين. ومع أن مراد الغزالي الاحتياط الأكيد اقتصر على أن فيه "الأمان في طريق الآخرة" ومع أن صاحب "المنار" قَلَبه إلى التفريط الشديد لم يقتصر على أن صاحبه يكون ناجيًا في الآخرة بل زاد "مقربًا عند الله تعالى".
وبعد، فلندع الغزالي وصاحب "المنار"، ولنرجع إلى الحجة. إننا نعلم أن لكثير من علماء الفرق زلّات وشواذّ مخالفة لدلالات واضحة مِن القرآن، ولأحاديث تبلغ درجة التواتر المعنوي أو درجة القطع عند من يعرف الرواية والرواة، ومثل هذا غير قليل، فالمقتصر على ما اتفق عليه على ما فهمه صاحب "المنار" لابدّ أن يخالف الكتاب والسنة حتمًا في كثير من القضايا، هذا في المخالفة القطعية، فأما الظنية فحدِّث عن كثرتها ولا حرج.
ومن جهة آخرى، فمن المحال عادةً أن يكون الحقُّ دائمًا من المسائل الخلافية مع المرخِّصين، فالترخُّص فيها كلها تركٌ متيقّن لكثير من الحق. ولنفرض أن جماعة تَتَبَّعوا أقوال علماء المسلمين من جميع الفرق، ثم جمعوا
стр. 75
كتابًا ضمَّنوه ما اتفق المسلمون على أنه واجب أو حرام أو باطل (١) وأهملوا ما عدا ذلك، فهل يقال: إنَّ مَن حافظ على ما في ذاك الكتاب بدون نظر إلى غيره "كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مُقرَّبًا عند الله تعالى" ثم يستغني الناسُ بذاك الكتاب عن كتاب الله وتفسيراته، وعن كتب السنة وشروحها ومتعلقاتها، وعن كتب الفقه كلها، ثم لا يعدم المشذّبون مقالًا يشكك في ما ضمه ذاك الكتاب، كالشك في تحقق الإجماع وفي حجيته، ولتغير الأحكام بتغير الزمان. وحينئذ يستريح الذين يدعون أنفسهم بالمصلحين مِن كلِّ أثر للإسلام.
وقال ابن حزم في "الأحكام" (٣: ١١٤) (٢): "وبالجملة فهذا مذهب لم يُخلَق له معتَقِد قط، وهو أن لا يقول القائل بالنص حتى يوافقه الإجماع، بل قد صحَّ الإجماع على أن قائل هذا القول معتقدًا له كافر بلا خلاف، لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف في وجوب طاعتها".
هذا وقد برئت ذمة الغزالي من ذاك القول كما علمت. وأنا أجلّ السيد محمد رشيد رضا عن أن يقول به [ص ١٧] متصوِّرًا حقيقته، وإنما هذا شأن الإنسان، كمن يكون على جسر غير محجّر فتستولي على ذهنه خشيةُ السقوطِ من جانب فيتأخر عنه ويتأخر حتى يسقط بغير اختياره من الجانب الآخر.
بلى مَنْ عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى، وهذا المُتَّفق عليه هو العمل بالدلائل القطعية والظنية من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله الثابتة قطعًا أو ظنًّا، فالعالم يتحرَّى ذلك بالنظر في
стр. 76
الأدلة، فإن اشتبهت عليه أو تعارضت أخذ بأحسنها مع تَجُنِّب خَرْق الإجماع الصحيح.
والعامي يسأل العلماء ويأخذ بفتواهم، فإن اختلفوا عليه احتاط أو طلب ترجيحًا ما، وإذا علم اللهُ حُسْنَ نِيَّتِهِ فلابد أن ييسر له ذلك. فأما تقليد الأئمة فمهما قيل فيه فلا ريب أنه خير بكثير من تتبُّع الرخص. وراجع "الموافقات" (٤: ٧٢ ــ ٨٦) (١).
ثم قال أبو ريَّة ص ٢٠: (حكم كلام الرسول ﷺ في الأمور الدنيوية ... ).
إلى أن قال: (أما كلامه صلوات الله عليه في الأمور الدنيوية فإنه كما قالوا من الآراء المحضة، ويسمِّيه العلماء إرشادًا أي إنَّ أمره ﷺ في أي شيء من أمور الدنيا يُسمَّى أمر إرشاد (٢) ... لأنه لا يقصد به القربة ولا فيه معنى التعبّد. ومن المعلوم أنه لا دليل على وجوب أو ندب إلا بدليل خاص).
أقول: ليس في هذا الكلام ما يصح أن يكون قاعدة ثابتة، فأمور الدنيا خاضعة لأحكام الشرع، وقد أمر الله تعالى بطاعة رسوله وحَذَّر من المخالفة عن أمره، فأَمْرُه ﷺ بشيء دليلٌ قام على وجوبه، إلا أن يقوم دليل يصرف الأمرَ عن الوجوب إلى غيره. وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
ثم قال: (لأن الرسل غير معصومين في غير التبليغ. قال السفَّاريني ... قال ابن حمدان ... "وإنهم معصومون فيما يُؤدُّونه عن الله تعالى، وليسوا بمعصومين في غير ذلك"، وقال ابن عقيل ... لم يعتصموا في الأفعال، بل في نفس الأداء، ولا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدّونه عن الله تعالى ... وقال القاضي عياض: ... ).
стр. 77
أقول: هذا الذي اقتصر عليه أبو ريَّة يوهم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليسوا معصومين عن تعمُّد الكذب في غير التبليغ، ولا عن الكبائر ولا عن صغائر الخسَّة. وفي هذه الكتب التي نقل عنها وغيرها بيانُ عصمتهم عن ذلك وعن غيره مما ترى تفصيله فيها.
احتاج أبو ريَّة إلى صنيعه ليردَّ كثيرًا من الأحاديث الصحيحة بزعم أنها لم تكن على وجه التبليغ، وأن الأنبياء إنما عُصِمُوا من الكذب في التبليغ. فليتدبر القارئ [ص ١٨] هذا مع قول أبي ريَّة نفسه في حاشية ص ٣٩: (ولعنة الله على الكاذبين، متعمدين وغير متعمدين)!
وذكر قصة التأبير، فدونك تحقيقَها: أخرج مسلم في "صحيحه" (١) من حديث طلحة قال: "مررتُ مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ " فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله ﷺ : "ما أظنُّ يغني ذلك شيئًا". قال: فأُخْبِرُوا بذلك فتركوه، فأُخْبِرَ رسول الله ﷺ بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدَّثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ".
ثم أخرجه (٢) عن رافع بن خَديج وفيه: "فقال: لعلكم لولم تفعلوا كان خيرًا". فتركوه فنقصت .. فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر". قال عكرمة: أو نحو هذا".
стр. 78
ثم أخرجه (١) عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت، عن أنس ... " وفيه: فقال: "لو لم تفعلوا لصلح"، وقال في آخره: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
عادة مسلم أن يرتّب روايات الحديث بحسب قُوَّتها، يقدِّم الأصح فالأصح (٢).
قوله ﷺ في حديث طلحة: "ما أظن يغني ذلك شيئًا"، إخبار عن ظنه، وكذلك كان ظنه، فالخبر صِدْق قطعًا، وخطأ الظن ليس كذبًا، وفي معناه قوله في حديث رافع: "لعلكم ... " وذلك كما أشار إليه مسلم أصح مما في رواية حماد، لأن حمادًا كان يخطئ.
وقوله في حديث طلحة: "فإني لن أكذب على الله" فيه دليل على امتناع أن يكذب على الله خطأ؛ لأن السياق في احتمال الخطأ، وامتناعه عمدًا معلوم من باب أَوْلى، بل كان معلومًا عندهم قطعًا. ونقل عن "شفاء عياض" (٣) قال: وفي حديث ابن عباس في الخَرْص: فقال رسول الله ﷺ : "إنما أنا بشر، فما حدّثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب".
أقول: ذكر شارح "الشفاء" (٤) أن البزار أخرجه بسند حسن، وتحسين
стр. 79
المتأخرين فيه نظر، فإنْ صحَّ فكأنهم مرّوا بشجر مثمر فخرصوه يجرِّبون حَدْسهم، وخَرَصها النبي ﷺ فجاءت على خلاف خرصه. ومعلوم أن الخرص حَزْر وتخمين، فكأنَّ الخارص يقول: أظن كذا. وقد مَرّ حكمه. والله أعلم.
وقال أبو رية قبل هذا: (وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يصدّق بعض ما يفتريه المنافقون، كما وقع في غزوة تبوك وغيرها، وصدَّق بعض أزواجه، وتردد في حديث الإفك .. حتى نزل عليه آيات البراءة).
وذكر ص ١٤٢ عن صاحب "المنار": ( ... والنبي ﷺ ما كان يعلم الغيب، فهو كسائر البشر [ص ١٩] يحمل كلام الناس على الصدق؛ إذ لم تحف به شبهة، وكثيرًا ما صدَّق المنافقين والكفار في أحاديثهم. وحديث العرنيين وأصحاب بئر معونة مما يدل على ذلك .. إذ أذن لبعض المعتذرين من المنافقين في التخلُّف عن غزوة تبوك، وما علَّله به وهو قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] وإذا جاز على الأنبياء والمرسلين أن يصدِّقوا الكاذب فيما لا يخلّ بأمر الدين ... ).
وذكر ص ٢٢ عن عياض حديث: ("فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له". وفي رواية: "ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ... ").
أقول: لم يكن ﷺ يعلم من الغيب ما لم يُعْلِمْه الله تعالى به، ولم يكن ــ بأبي وأمي ــ مغفَّلًا، ولم يصدّق المنافقين أي يعتقد صدقهم، بل ولا ظنَّه،
стр. 80
وإنما كان الأمر عنده على الاحتمال. ولهذا عاتبه الله على الإذن لهم. هذا واضح بحمد الله.
والعُرَنيون لم يتحقَّق منهم كذب، فلعلهم كانوا صادقين في إسلامهم، وإنما بدا لهم أن يرتدُّوا لمَّا وجدوا أنفسهم منفردين بالإبل والراعي بعيدًا عن المدينة.
وقصة بئر معونة اختلف فيها، فلم يتحقَّق فيها شاهد على ما نحن فيه. راجع "فتح الباري" (٧: ٢٩٦) (١).
وقصته مع بعض أزواجه أراها في "الصحيحين" (٢) عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلًا، فتواصيتُ أنا وحفصة أنّ أيّتنا دخل عليها النبيُّ ﷺ فلتقل: إني لأجد منكَ ريح مغافير، أكلتَ مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: لا، بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له. فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤] لعائشة وحفصة ... ".
وتمام الآية: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]، ولو كان النبي ﷺ صدَّق المرأة في أنّ لذاك العسل رائحة كريهة لكان امتناعه لكراهيتها، وكذلك كان خلقه الكريم المطلوب منه شرعًا، وسياق الآية يخالف ذلك كما هو واضح.
стр. 81
فالذي يظهر أنه ﷺ فَطَنَ للحيلة، وعلم أن قائلة ذلك إنما غارت لطول مكثه عند ضرّتها، وانفرادها بسقيه العسل الذي يحبه، فحملتها شدة الغيرة، فتكرَّم فلم يكاشفها، وامتنع مِنْ شُرب العسل عند ضرّتها تطييبًا لنفسها.
وأما تردّده في قصة الإفك، فليس فيه ما يوهم التصديق ولا ظن الصدق.
وأما قوله: "فأحسب أنه صادق" فالحسبان هو الظن، ولينظر سند هذه الرواية (١).
[ص ٢٠] وذكر ص ٢٢ عن "شفاء عياض" (٢): (فأما ما تعلق منها ــ أي معارف الأنبياء ــ بأمر الدنيا فلا يشترط في حق الأنبياء العصمة من عدم معرفة الأنبياء ببعضها أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه).
أقول: كلمة "اعتقادها" فيها نظر، فينبغي أن يقال بدلها: "ظنها".
* * * *
стр. 82
كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ
تعرَّض أبو ريَّة ص ٧ ــ ٨ لهذه القضية، ثم أفردها بفصل ص ٢٣، فمما قاله: ( ... تضافرت الأدلة ... على أن أحاديث الرسول صلوات الله عليه لم تكتب في عهد النبي ﷺ كما كان يكتب القرآن، ولا كان لها كُتَّاب يُقيّدونها عند سماعها منه وتلفظه بها .. ).
أقول: قد وقعت كتابةٌ في الجملة كما يأتي، لكن لم تشمل ولم يؤمر بها أمرًا.
أما حكمة ذلك فمنها: أن الله ﵎ كما أراد لهذه الشريعة البقاء أراد سبحانه أن لا يكلِّف عباده من حفظها إلا بما لا يشقّ عليهم مشقة شديدة، ثم هو سبحانه يحوطها ويحفظها بقدرته، كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل فراغه خشية أن ينسى شيئًا منه، فأنزل الله عليه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ ــ ١٩]، وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٦ ــ ٨].
وكانت العرب أمة أُميّة يندر وجود من يقرأ أو يكتب منهم، وأدوات الكتابة عزيزة، ولاسيما ما يكتب فيه. وكان الصحابة محتاجين إلى السعي في مصالحهم، فكانوا في المدينة منهم من يعمل في حائطه، ومنهم من يبايع في الأسواق، فكان التكليف بالكتابة شاقًّا، فاقتصر منه على كتابة ما ينزل من
стр. 83
القرآن شيئًا فشيئًا، ولو مرة واحدة في قطعة من جريد النخل أو نحوه تبقى عند الذي كتبها.
وفي «صحيح البخاري» (١) وغيره من حديث زيد بن ثابت في قصة جمعه القرآن بأمر أبي بكر: «فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحدٍ غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة سورة براءة».
وفي «فتح الباري» (٢): أن العسُبَ جريدُ النخلِ، وأن اللخافَ الحجارةُ الرقاقُ، وأنه وقع في رواية: «القصب والعسب والكرانيف وجرائد النخل»، ووقع في روايات أُخَر ذكر الرقاع وقطع الأديم والصحف.
[ص ٢١] وكان النبي ﷺ يُلقِّن بعضَ أصحابه ما شاء الله من القرآن ثم يُلقِّن بعضُهم بعضًا، فكان القرآن محفوظًا جملةً في صدورهم، ومحفوظًا بالكتابة في قِطَعٍ مُفرَّقةٍ عندهم. والمقصود أنه اقتصر من كتابة القرآن على ذاك القدر؛ إذ كان أكثر منه شاقًّا عليهم، وتكفَّل الله بحفظه في صدورهم وفي تلك القطع، فلم يتلف منها شيء، حتى جُمِعت في عهد أبي بكر، ثم لم يتلف منها شيء حتى كتبت عنها المصاحف في عهد عثمان، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وتكفُّله سبحانه بحفظه لا يعفي المسلمين أن يفعلوا ما يمكنهم كما فعلوا ــ بتوفيقه لهم ــ في
стр. 84
عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان.
فأما السُّنَّة فقد تكفَّل الله بحفظها أيضًا، لأن تكفُّله بحفظ القرآن يستلزم تكفُّله بحفظ بيانه وهو السُّنة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمة والهداية باقية بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمدًا خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع. بل دلَّ على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، فحفظ الله السُّنة في صدور الصحابة والتابعين حتى كُتِبَت ودُوِّنَت كما يأتي، وكان التزام كتابتها في العهد النبوي شاقًّا جدًّا؛ لأنها تشمل جميعَ أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحواله وما يقوله غيره بحضرته أو يفعله وغير ذلك. والمقصود الشرعي منها معانيها، ليست كالقرآن المقصود لفظه ومعناه؛ لأنه كلام الله بلفظه ومعناه، ومعجز بلفظه ومعناه، ومُتَعبَّد بتلاوته بلفظه بدون أدنى تغيير= لاجَرَمَ خفَّف الله عنهم، واكتفى من تبليغ السنة غالبًا بأنْ يَطَّلِعَ عليها بعضُ الصحابة، ويكمل الله تعالى حفظها وتبليغها بقدرته التي لا يعجزها شيء. فالشأن في هذا الأمر: هو العلم بأن النبي ﷺ قد بلّغ ما أُمِر به، التبليغ الذي رضيه الله منه، وأن ذلك مظنَّة بلوغه إلى من يحفظه من الأمة ويبلغه عند الحاجة ويبقى موجودًا بين الأمة.
وتكفُّلُ اللهِ تعالى بحفظ دينه يجعل تلك المظنَّة مئِنَّة، فتمَّ الحفظُ كما أراد الله تعالى، وبهذا التكفُّل يُدْفَع ما يتطرق إلى تبليغ القرآن كاحتمال تلف بعض القطع التي كتبت فيها الآيات، واحتمال أن يغير فيها من كانت عنده، ونحو ذلك.
ومن طالع تراجم أئمة الحديث من التابعين فمَنْ بَعْدَهم، وتدبر ما آتاهم الله تعالى من قوَّة الحفظ والفهم والرغبة الأكيدة في الجد والتشمير لحفظ
стр. 85
السُّنة وحياطتها= بان له ما يحيِّر عقلَه، وعَلِم أن ذلك ثمرة تكفُّلِ الله تعالى بحفظ دينه. وشأنهم في ذلك عظيم جدًّا، أو هو عبادة من أعظم العبادات وأشرفها، وبذلك يتبين أن ذلك من المصالح المترتبة على ترك كتابة الأحاديث كلها في العهد النبوي، إذ لو كتبت لانسدَّ باب تلك العبادة، [ص ٢٢] وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وثَمَّ مصالحُ أخرى منها: تنشئةُ علومٍ تحتاج إليها الأمة، فهذه الثروة العظيمة التي بيد المسلمين من تراجم قدمائهم، إنما جاءت من احتياج المحدِّثين إلى معرفة أحوال الرواة، فاضطروا إلى تتبُّع ذلك، وجمع التواريخ والمعاجم، ثم تَبِعهم غيرُهم.
ومنها: الإسناد الذي يُعْرَف به حال الخبر، كان بدؤه في الحديث، ثم سرى إلى التفسير والتاريخ والأدب.
هذا، والعالم الراسخ هو الذي إذا حصل له العلم الشافي بقضية لزمها ولم يبالِ بما قد يشكّك فيها، بل إما أن يُعْرِض عن تلك المشكّكات، وإما أن يتأمَّلَها في ضوء ما قد ثبت. فههنا مَنْ تدبَّر كتاب الله، وتتبَّع هدي رسوله، ونظر إلى ما جرى عليه العملُ العامّ في عهد أصحابه وعلماء أمته، بوجوب العمل بأخبار الثقات عن النبي ﷺ وأنها من صُلْب الدين، فمَنْ أعرض عن هذا وراح يقول: لماذا لم تُكْتَب الأحاديث؟ بماذا، لماذا؟ ويتَّبع قضايا جزئية ــ إمَّا أن لا تثبت، وإما أن تكون شاذة، وإما أن يكون لها مَحْملٌ لا يخالف المعلوم الواضح ــ مَنْ كان هذا شأنه فلا ريب في زيغه.
стр. 86
هل نهى النبي ﷺ عن كتابة الحديث ؟
قال أبو ريَّة ص ٢٣: (وقد جاءت أحاديث صحيحة وآثار ثابتة تنهى كلها عن كتابة أحاديثه ﷺ ).
أقول: أما الأحاديث فإنما هي حديث مختلف في صحته، وآخر متفق على ضعفه.
فالأول: حديث مسلم (١) وغيره عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غيرَ القرآن فليمحُه، وحدِّثوا عني ولا حرج، ومَن كَذَب علَيَّ ــ قال همام: أحسبه قال «متعمدًا» ــ فليتبوّأ مقعده من النار». هذا لفظ مسلم. وذكره أبو ريَّة مختصرًا، وذكر لفظين آخرين، وهو حديث واحد.
والثاني: ذكره بقوله: «ودخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث وأمر إنسانًا أن يكتبه، فقال له زيد: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه. فمحاه» (٢).
وقد كان ينبغي لأبي ريَّة أن يجريَ على الطريقة التي يُطْريها وهي النقد التحليلي فيقول: معقول أن لا يأمر رسول الله ﷺ بكتابة أحاديثه لقلَّة الكَتَبَة وقلَّة ما يُكْتَب فيه والمشقة، فأما أن ينهى عن كتابتها ويأمر بمحوها فغير معقول، كيف وقد أذن لهم في التحديث فقال: «وحدثوا عني ولا حرج»؟
أقول: أما حديث أبي سعيد ففي «فتح الباري» (١: ١٨٥) (٣): «منهم
стр. 87
(يعني الأئمة) من أعلّ حديث أبي سعيد وقال: [ص ٢٣] الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره». أي الصواب أنه من قول أبي سعيد نفسه، وغلط بعض الرواة فجعله عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ، وقد أورد ابن عبد البر في كتاب «العلم» (١) (١: ٦٤) قريبًا من معناه موقوفًا على أبي سعيد من طرقٍ لم يذكر فيها النبي ﷺ .
وأما حديث زيد بن ثابت فهو من طريق كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت الخ. وكثير غير قوي، والمطلب لم يدرك زيدًا.
أما البخاري فقال في «صحيحه» (٢): «باب كتابة العلم» ثم ذكر قصة الصحيفة التي كانت عند علي ﵁، ثم خطبة النبي ﷺ زمن الفتح وسؤال رجل أن يكتب له، فقال النبي ﷺ : «اكتبوا لأبي فلان» وفي غير هذه الرواية «لأبي شاه» (٣)، ثم قول أبي هريرة: «ما من أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عَمرو، فإنه كان يكتب وأنا لا أكتب»، ثم حديث ابن عباس في قصة مرض النبي ﷺ ، وقوله: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده». وفي بعض روايات حديث أبي هريرة في شأن عبد الله بن عَمرو: «استأذن رسولَ الله ﷺ أن يكتب بيده ما
стр. 88
سمع منه فأذن له» رواه الإمام أحمد والبيهقي (١). قال في «فتح الباري» (١: ١٨٥) (٢): «إسناده حسن، وله طريق أخرى ... ». وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو نفسه جاء من طرق، راجع «فتح الباري» و «المستدرك» (١: ١٠٤) و «مسند أحمد» بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ الحديث: (٦٥١٠) وتعليقه.
وقد اشتهرت صحيفة عبد الله بن عمرو التي كتبها عن النبي ﷺ ، وكان يغتبط بها ويسميها «الصادقة»، وبقيت عند ولده يروون منها، راجع ترجمة عَمرو بن شُعيب في «تهذيب التهذيب» (٣). أما ما زَعَمه أبو ريَّة أن صحيفة عبد الله بن عَمْرو إنما كانت فيها أذكار وأدعية فباطل قطعًا.
أما زيادة ما انتشر عن أبي هريرة من الحديث عما انتشر عن عبد الله بن عمرو؛ فلأنَّ عبد الله لم يتجرَّد للرواية تجرُّد أبي هريرة، وكان أبو هريرة بالمدينة وكانت دارَ الحديث لعناية أهلها بالرواية، ولرحلة الناس إليها لذلك، وكان عبد الله تارةً بمصر، وتارة بالشام، وتارة بالطائف، مع أنه كان يكثر من الإخبار عما وجده من كتب قديمة باليرموك، وكان الناس لذلك كأنهم قليلو الرغبة في السماع منه، ولذلك كان معاوية وابنه قد نهياه عن التحديث.
فهذه الأحاديث ــ وغيرها مما يأتي ــ إن لم تدل على صحَّة قول البخاري وغيره: إن حديث أبي سعيد غير صحيح عن النبي ﷺ ، فإنها تقضي
стр. 89
بتأويله، وقد ذَكرَ في «فتح الباري» (١) أوجهًا للجمع، والأقرب ما يأتي: قد ثبت في حديث [ص ٢٤] زيد بن ثابت في جمعه القرآن: «فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللخاف»، وفي بعض رواياته ذكر القصب وقطع الأديم. وقد مرَّ قريبًا (ص ٢٠) (٢)، وهذه كلها قطع صغيرة، وقد كانت تنزل على النبي ﷺ الآية والآيتان، فكان بعض الصحابة يكتبون في تلك القطع، فتتجمع عند الواحد منهم عدة قطع في كلٍّ منها آية أو آيتان أو نحوها، وكان هذا هو المتيسِّر لهم. فالغالب أنه لو كتب أحدُهم حديثًا لكتبه في قطعة من تلك القطع، فعسى أن يختلط عند بعضهم القطع المكتوب فيها الأحاديث بالقطع المكتوب فيها الآيات، فنُهوا عن كتابة الحديث سدًّا للذريعة.
أما قول أبي ريَّة ص ٢٧: (هذا سبب لا يقتنع به عاقل عالم ... اللهم [إلا] إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة، وأن أسلوبها في الإعجاز من أسلوبه).
فجوابه: أن القرآن إنما تحدَّى أن يُؤْتَى بسورة مِنْ مِثْله، والآية والآيتان دون ذلك. ولا يشكل على هذا الوجه صحيفة عليّ؛ لأنه جمع فيها عدة أحكام، وكان عليٌّ لا يُخْشَى عليه الالتباس. ولا قصة أبي شاه، لأن أبا شاه لم يكن ممن يكتب القرآن، وإنما سأل أن تُكْتب له تلك الخطبة. ولا قوله ﷺ في مرض موته: «ائتوني بكتاب الخ». لأنه لو كُتب لكان معروفًا عند الحاضرين وهم جمع كثير. ولا قضية عبد الله بن عمرو، فإنه فيما يظهر حصل على صحيفة فيها عدة أوراق، فاستأذن أن يكتب فيها الأحاديث فقط. وكذلك الكتب التي كتبها النبي ﷺ لعُمَّاله وفيها أحكام الصدقات وغيرها،
стр. 90
وكان كلها أو أكثرها مصدَّرًا بقوله: «من محمد رسول الله الخ». هذا كلّه على فرض صحة حديث أبي سعيد. أما على ما قاله البخاري وغيره من عدم صحته عن النبي ﷺ فالأمر أوضح، وسيأتي ما يشهد لذلك.
قال أبو ريَّة ص ٢٣: (وروى الحاكم بسنده عن عائشة قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ فكانت خمسمائة حديث، فبات يتقلب ... فلما أصبح قال: أي بُنيَّة هَلُمِّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فأحرقها، وقال: خشيت أن أموت وهي عندك، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك. زاد الأحوص بن المفضل في روايته: أو يكون قد بقي حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله ﷺ ما خفي على أبي بكر).
أقول: لو صحَّ هذا لكان حجة على ما قلناه، فلو كان النبي ﷺ نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا لما كتب أبو بكر. فأما الإحراق فلسبب أو سببين آخرين كما رأيت. لكن الخبر ليس بصحيح، أحال به أبو ريَّة على «تذكرة الحُفّاظ» (١) للذهبي و «جمع الجوامع» للسيوطي، ولم يذكر طعنهما فيه، ففي «التذكرة» عقبه: «فهذا لا يصح».
[ص ٢٥] وفي «كنز العمال» (٥: ٢٣٧) (٢) ــ وهو ترتيب جمع الجوامع ومنه أخذ أبو رية ــ: «قال ابن كثير: هذا غريب من هذا الوجه جدًّا. وعلي بن صالح (أحد رجال سنده) لا يعرف».
أقول: وفي السند غيره ممن فيه نظر. ثم وجَّهه ابنُ كثير على فرض صِحَّته.
стр. 91
قال أبو ريَّة ص ٢٤: (وروى حافظ المغرب ابن عبد البر والبيهقي في «المدخل» عن عروة: أن عمر أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك ــ ورواية البيهقي: فاستشار ــ فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا. ورواية البيهقي: لا ألبس كتابَ الله بشيء أبدًا).
أقول: وهذا وإن صح حجة لما قلناه، فلو كان النبي ﷺ نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا لما هَمَّ بها عمر وأشار بها عليه الصحابة، فأما عُدُولُه عنها فلسبب آخر كما رأيت.
لكن الخبر منقطع؛ لأن عروة لم يدرك عمر. فإن صحَّ فإنَّما كانت تلك الخشية في عهد عمر ثم زالت. وقد قال عروة نفسُه كما في ترجمته من «تهذيب التهذيب» (١): «وكنا نقول: لا نتخذ كتابًا مع كتاب الله، فمحوتُ كتبي. فوالله لودِدْتُ أن كتبي عندي، وإن كتاب الله قد استمرَّت مريرته». يعني قد استقرَّ أمره وعُلِمَتْ مزيته وتقرَّر في أذهان الناس أنه الأصل، والسنَّة بيان له. فزال ما كان يُخشى من أن يؤدّي وجود كتاب للحديث إلى أن يكبَّ الناس عليه، ويَدَعُوا القرآن.
قال أبو ريَّة: (وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار: من كان عنده شيء فليمحه).
أقول: وهذا منقطع أيضًا، يحيى بن جعدة لم يدرك عمر، وعروة أقدم منه وأعلم جدًّا، وزيادة يحيى منكرة، لو كتب عمر إلى الأمصار لاشتهر
стр. 92
ذلك، وعنده عليّ وصحيفته، وعند عبد الله بن عمرو صحيفة كبيرة مشهورة.
قال أبو ريَّة: (وروى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملي عَلَيَّ أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها: مثناة كمثناة أهل الكتاب. قال: فمنعني القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثًا).
أقول: وهذا منقطع أيضًا إنما ولد القاسم بعد وفاة عمر ببضع عشرة سنة.
ثم ذكر خبر زيد بن ثابت ــ وقد مرَّ ــ ثم قال: (وعن جابر بن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليًّا يخطب يقول: أَعْزِمُ على كلّ مَنْ عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حين تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم).
[ص ٢٦] أقول: ذكره ابنُ عبد البر (١) من طريق شعبة عن جابر، ولم أجد لجابر بن عبد الله بن يسار ذكرًا، وقد استوعب صاحبُ «التهذيب» (٢) مشايخَ شعبة في ترجمته، ولم يذكر فيهم من اسمه جابر إلا جابر بن يزيد الجُعْفي، فلعل الصواب «جابر عن عبد الله بن يسار» وجابر الجُعفي ممقوت كان يؤمن برجعة عليٍّ إلى الدنيا، وقد كذَّبه جماعة في الحديث منهم أبو حنيفة، وصدَّقه بعضهم في الحديث خاصة بشرط أن يُصرِّح بالسماع. ولم يُصرِّحْ هنا. وعبد الله بن يسار لا يُعْرَف (٣).
стр. 93
وقد كان عند عليّ نفسه صحيفة فيها أحاديث عن النبي ﷺ كما مرَّ. فإنْ صحَّتْ هذه الحكاية فإنما قال: «أحاديث علمائهم» ولم يقل: «أحاديث أنبيائهم». وكلمة «حديث» بمعنى «كلام»، واشتهارها فيما كان عن النبي ﷺ اصطلاح متأخر.
وقد كان بعضُ الناس يثبتون كلام عليٍّ في حياته، وفي مقدمة «صحيح مسلم» (١) عن ابن عباس ما يُعلَم منه أنه كان عنده كتاب فيه قضايا عليّ، منها ما عرفه ابن عباس ومنها ما أنكره، ولفظه: «فدعا بقضاء عليّ فجعل يكتب منه أشياء، ويمرّ به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا عليّ إلا أن يكون ضلَّ. ثم ذَكَر عن طاووس قال: «أُتيَ ابنُ عباس بكتاب فيه قضاء عليّ ... ».
فإن صحّت هذه الحكاية (٢) فكأنّ بعض الناس كتب شيئًا من كلام عليّ أو غيره من العلماء، فتناقله الناس، فبلغ عليًّا ذلك فقال ما قال.
قال أبو ريَّة: (وعن الأسود بن هلال قال: أُتِيَ عبد الله بن مسعود بصحيفة فيها حديث فدعا بماء فمحاها ثم غسلها ثم أمر بها فأحرقت ثم قال: أُذَكِّر اللهَ رَجُلًا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بديرِ هِنْد لبلغتُها. بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون).
أقول: روى الدارميّ (٣) هذه القصة من وجه آخر «عن الأشعت [بن أبي الشعثاء سليم بن أسود] عن أبيه ــ وكان من أصحاب عبد الله ــ قال: رأيت مع رجل صحيفة فيها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فقلت
стр. 94
له: أنسخنيها. فكأنه بَخِل بها، ثم وعدني أن يعطينيها، فأتيت عبد الله فإذا هي بين يديه، فقال: إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة ... أَقْسَم لو أنها ذُكِرت له بدار الهند (كذا) (١) ــ أراه يعني مكانًا بالكوفة بعيدًا ــ إلا أتيته ولو مشيًا». لا ريب أنه لم يكن في الصحيفة تلك الكلمات فقط وإلا لَمَا طلب استنساخَها؛ لأنه قد حفظها فيمكنه أن يكتبها إن شاء من حفظه.
وعند الدارميّ (٢) قصة أخرى تُفَسِّر لنا هذه، ذكرها في باب كراهية أخذ الرأي، وفيها: إن قومًا تحلَّقوا في المسجد «في كلِّ حَلْقة رجل وفي أيديهم حصى، فيقول: كَبّروا مائة، فيكبرون. فيقول: هللوا مائة فيهللون ... » وذَكَر إنكار ابن مسعود عليهم. فكأنه [ص ٢٧] كان في تلك الصحيفة وصف طريقة للذكر بتلك الكلمات ونحوها بعددٍ مخصوص وهيأةٍ مخصوصة، كما يبيّنه قول ابن مسعود: «إن ما في الكتاب بدعة وفتنة وضلالة».
وقد ذكر الدارميّ (٣) رواية أخرى في صحيفة جيء بها من الشام فمحاها ابن مسعود. وفيها: «فقال مُرّة [ابن شراحيل الهَمْداني أحد كبار أصحاب ابن مسعود]: أما إنه لوكان من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب».
ثم قال أبو ريَّة ص ٢٥: (وهناك غير ذلك أخبار كثيرة ... ).
стр. 95
أقول: ذكر ابن عبد البر (١) عن مالك: «أن عمر أراد أن يكتب الأحاديث أو كتبها ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله». وهذا معضل، وقد مرَّت رواية عروة عن عمر وبيان وجهها.
وذكر عن أبي بُردة بن أبي موسى أنه كتب من حديث أبيه، فعَلِمَه أبوه فدعا بالكتاب فمحاه. وقد أخرج الدارميّ نحوه ثم أخرج عن أبي بُردة عن أبيه: «أن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فتَبِعوه وتركوا التوراة» وهذا كما مرَّ عن عمر.
وذَكَر عن أبي نضرة قال: «قيل لأبي سعيد [الخدري]: لو أَكْتَبتنا الحديثَ فقال: لا نُكْتِبكُم، خذوا عنّا كما أخذنا عن نبينا ﷺ . ثم ذكره من وَجْهٍ آخر في سنده مَنْ لم أعرفه وفيه: «أتريدون أن تجعلوها مصاحف». ثم من وَجْهٍ ثالث بنحوه. وهذا من أبي سعيد بمعنى ما مرَّ عن عمر وأبي موسى.
وذَكَر عن سعيد بن جبير قال: «كنا نختلف في أشياء، فكتبتها في كتاب، ثم أتيتُ بها ابن عمر أسأله عنها خفيًّا، فلو عَلِم بها كانت الفيصل بيني وبينه». وفي رواية: «كتب إليَّ أهل الكوفة مسائل ألقى بها ابن عمر، فلقيته فسألته عن الكتاب، ولو علم أن معي كتابًا لكانت الفيصل بيني وبينه». وهذا ليس مما نحن فيه إنما هو باب كراهية الصحابة أن تُكْتب فتاواهم وما يقولونه برأيهم.
وذَكَر عن ابن عباس أنه قال: «إنا لا نَكْتُبُ العلم ولا نُكْتِبه». وقد ذَكَر (٢)
стр. 96
عن هارون بن عنترة عن أبيه: أن ابن عباس أرْخَصَ له أن يكتب.
هذا وقد أخرج الدارميّ (١) بسند رجاله ثقات عن أنس أنه كان يقول لبنيه: «يا بَنِيَّ قيّدوا هذا العلم»، وذكره ابن عبد البر (٢) ولفظه: «قيّدوا العلم بالكتاب» ورُوي هذا من قول النبي ﷺ ، ومن قول عمر، ومن قول ابن عمر، وإنما يصح من قول أنس ﵁.
وروى الدارميّ وابن عبد البر (٣) وغيرهما بسند حسن: أن أبا أمامة الباهلي ﵁ سئل عن كتاب العلم فقال: لا بأس به.
وأخرج الدارميّ (٤) وغيره بسند رجاله ثقات عن بشير بن نَهِيك ــ وهو ثقة ــ قال: «كنت أكتب ما أسمع من [ص ٢٨] أبي هريرة، فلما أردت أن أفارقه أتيته بكتابه فقرأته عليه وقلت له: هذا ما سمعت منك؟ قال: نعم».
فالحاصل أن ما رُوي عن عمر وأبي موسى من الكراهة إنما كان ــ كما صرَّحا به ــ خشية أن يكبَّ الناسُ على الكتب ويَدَعُوا القرآن، وأما من عاش بعدهما من الصحابة فمنهم أبو سعيد بقي على الامتناع، ومنهم ابن عباس امتنع ورخَّص. ومنهم من رأى أنه قد زال المانع كما قال عروة الراوي امتناع عمر: «إن كتاب الله قد استمرَّت مريرتُه» وقد مرَّ ذلك، ورأوا أن الحاجة إلى الكتابة قد قويت؛ لأن الصحابة قد قَلُّوا، وبقاءُ الأحاديث تتناقل بالسماع والحفظ فقط لا يُؤْمَنُ معه الخلل، فرأوا للناس الكتابة. كما مرَّ عن
стр. 97
أبي هريرة وأبي أمامة وأنس ﵃.
وأما التابعون فغلبت فيهم الكتابة إلا أن مَنْ كان ذا حافظة نادرة كالشعبيّ والزهريّ وقَتادة كانوا لا يرون إبقاء الكتب، لكن يكتب ما يسمع ثم يتحفّظه، فإذا أتقنه محاه. وأكثرهم كانت كتبه باقية عنده كسعيد بن جُبير والحسن البصري وعَبيدة السلماني ومُرَّة الهَمْداني وأبي قِلابة الجرمي وأبي المليح وبشير بن نهيك وأيوب السختياني ومعاوية بن قُرّة ورجاء بن حَيْوَة وغيرهم (١).
ثم قال أبو ريَّة ص ٢٥: (ولئن كانت هناك بعض أحاديث رويت في الرخصة بكتابة الأحاديث فإن أحاديث النهي أصح، بَلْهَ ما جرى عليه العمل في عهد الصحابة والتابعين).
أقول: قد علمتَ أنه ليس في النهي غير حديثين أحدهما متفق على ضعفه، وهو المروي عن زيد بن ثابت، والثاني مختَلَف في صحته وهو حديث أبي سعيد، فأما أحاديث الإذن فلو لم يكن منها إلا حديث أبي هريرة في الإذن لعبد الله بن عَمرو لكان أصحَّ مما جاء في النهي. أما الصحابة والتابعون فقد تقدم ويأتي ما فيه كفاية.
ثم نقل أبو ريَّة ص ٢٥ ــ ٢٧ عن «مجلة المنار» كلامًا بدأ فيه بمحاولة الجمع بين حديث النهي وقصة «اكتبوا لأبي شاه» بأنّ ما أمر بكتابته لأبي شاه مِنَ الدِّين العام، وأنَّ النهيَ كان عن كتابة سائر الأحاديث التي هي من الدين الخاص.
стр. 98
أقول: نظرية «دين عام ودين خاص» مردودة عليه، وقد تقدمت الإشارة إليها (ص ١٥) (١). وحديث الإذن لعبد الله بن عَمرو قاطعٌ لشَغَبه البتة.
قال صاحب «المنار»: «ولنا أن نستدلّ على كون النهي هو المتأخر بأمرين، أحدهما: استدلال من روي عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها وذلك بعد وفاة النبي ﷺ ».
أقول: لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبي ﷺ ، فالمرويّ عن زيد بن ثابت متفق على ضعفه، [ص ٢٩] وعن أبي سعيد روايتان: إحداهما فيها الرفع إلى النبي ﷺ ، ولم يذكر فيها امتناع أبي سعيد. ونحن لم نقل في هذا: إنه منسوخ، إنما قلنا: إنه إما خطأ والصواب عن أبي سعيد من قوله، كما قال البخاري وغيره، وإما محمول على أمر خاص تقدَّم بيانه. وثانيتهما: رواية أبي نضرة عن أبي سعيد امتناعه هو، وليس فيها أن النبي ﷺ نهى.
وقد بقيت صحيفةُ عليّ عندَه إلى زمن خلافته، وكذلك بقيت صحيفة عبد الله بن عَمرو عنده ثُمَّ عند أولاده كما مرَّ (٢)، فلو كان هناك نَسْخ لكان بقاء الصحيفتين دليلًا واضحًا جدًّا على أنّ الإذن هو المتأخِّر، وتقدّم أن عمر عزم على الكتابة وأشار عليه الصحابة بها، ثم تركها لمعنى آخر، ولم يذكروا نهيًا كان من النبي ﷺ ، وذلك صريح فيما قلنا. وقد أجاز الكتابة من الصحابة: عبد الله بن عَمرو وأبو هريرة وأبو أمامة وأنس ﵃، وروى هارون بن عنترة عن أبيه، أن ابن عباس رخَّص فيها (٣)، ثم أجمعت عليها الأمة.
стр. 99
قال ص ٢٦: (وثانيهما عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره).
أقول: أما النشر فقد نشروه بحمد الله تعالى، وبذلك بَلَغنا. وأما التدوين فيعني به الجمع في كتاب كما جمعوا القرآن، فاعلم أن الله ﵎ تكفَّل بحفظ القرآن وبيانِه وهو السُّنة كما مرَّ (١)، وما تكفَّل الله بحفظه فلابدّ أن يُحفظ. وقد علمنا من دين الله أنّ على عباده مع إيمانهم بحفظ ما تكفَّل بحفظه أن يعملوا ما من شأنه في العادة حفظ ذاك الشيء، وأنه لا تنافي بين الأمرين. وفي «جامع الترمذي» و «المستدرك» (٢) وغيرها عن أبي خُزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رقًى نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتُقَاة نتَّقيها هل تَردُّ من قَدَر الله شيئًا؟ قال: «هو من قَدَر الله».
فأما القرآن فأمروا بحفظه بطريقين: الأولى: حفظ الصدور، وعليها كان اعتمادهم في الغالب. الثانية: بالكتابة فكان يُكْتَب في العهد النبوي في قطع صغيرة من جريد النخل وغيرها، فلما غزا المسلمون اليمامة بعد وفاة النبي ﷺ بقليل استحرَّ القتل بالقُرَّاء قبل أن يأخذ عنهم التابعون، فكان ذلك مظنَّة نقص في الطريق الأولى، فرأى عمر المبادرة إلى تعويض ذلك بتكميل الطريق الثانية، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن في صحف، فنفر منها أبو بكر وقال: «كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ »؟ فقال عمر: «هو والله خير» (٣).
стр. 100
يريد أنه عملٌ يتمّ به مقصود الشرع من حفظ القرآن، وعدمُ فعل النبيّ ﷺ له إنما كان لعدم تحقق المقتضي وقد تحقق، ولا يترتب على الجمع محذور، فهو خيرٌ محض.
فجُمِع القرآن في صحف بقيت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة [ص ٣٠] أم المؤمنين، حتى طلبها عثمان في خلافته وكتب المصاحف.
ومعنى هذا أنه طول تلك المدة التي (١) لم تَبْدُ حاجة إلى تلك الصحف بل بقي القُرَّاء يُبلِّغون القرآن من صدورهم، ومنهم مَن كتب مِن صدره مصحفًا لنفسه، فلما كان في زمن عثمان احتيج إلى تلك الصحف لاختيار الوجه الذي دعت الحاجة إلى قصر الناس على القراءة به دون غيره، وكتب عثمانُ بضعة مصاحف وبعث بها إلى الأمصار لا لتبليغ القرآن بل لمنع أن يقرأ أحد بخلاف ما فيها. هذا شأن القرآن.
فأما السُّنة فمخالفةٌ لذلك في أمور:
الأول: أن النبي ﷺ لم يُعْنَ بكتابتها بل اكتفى بحفظهم في صدورهم وتبليغهم منها، أي بنحو الطريق الأولى في القرآن.
الثاني: أنها كانت منتشرة لا يمكن جمعها كلها بيقين.
الثالث: أنه لم يتفق لها في عهد الصحابة ما اتفق للقرآن؛ إذ استحرَّ القتل بحُفَّاظه من الصحابة قبل أن يتلقَّاه التابعون، فإن الصحابة كانوا كثيرًا ولم يتفق أن استحرَّ القتل بحُفَّاظ السُّنة منهم قبل تلقي التابعين.
стр. 101
الرابع: أنهم كانوا إذا هموا بجمعها رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في جمع القرآن: «هو والله خير» أي خير محض لا يترتَّب عليه محذور. كانوا يرون أنه يصعب جمعها كلها، وإذا جمعوا ما أمكنهم خشوا أن يكون ذلك سببًا لردِّ مَنْ بعدهم ما فاتهم منها وقد مرَّ (ص ٢٤) (١) عن أبي بكر في سبب تحريقه ما كان جَمَعه منها «أو يكون قد بقي حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله ﷺ ما خفي على أبي بكر». وخشوا أيضًا مِنْ جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن أن يُقْبِلَ الناس على تلك الكتب ويَدَعوا القرآن لِمَا مرَّ (ص ٢٥) (٢) عن عُمَر و (ص ٢٧) (٣) عن أبي موسى، فلذلك رأوا أن يكتفوا بنشرها بطريق الرواية ويَكِلُوها إلى حفظ الله تعالى الذي يؤمنون به.
ثم ذكر ص ٢٦ أشياء قد تقدم الجواب عنها، ثم قال: (وكون التابعين لم يدوّنوا الحديث إلا بأمر الأمراء).
أقول: وجمع القرآن إنما كان بأمر الأمراء: أبي بكر وعمر وعثمان. فإن قيل: هم أمراء المؤمنين وأئمة في العلم وأئمة في التقوى، قلنا: فعمر بن عبد العزيز كذلك في هذا كله، وهو الآمر بالتدوين، وتبعه الخلفاء بعده.
قال: (يؤيد ما ورد مِنْ أنهم كانوا [قبل ذلك] يكتبون الشيء لأجل حفظه ثم يمحونه).
أقول: هذه حال بعضهم، وقد تقدم (ص ٢٧ ــ ٢٨) (٤) أن جماعةً كانوا
стр. 102
يكتبون ويُبْقُون كتبهم.
قال: (وإذا أضفت إلى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث بل في رغبتهم عنه).
أقول: سيأتي رد هذا مفصّلًا. والتحقيق أنَّ بعض كبار الصحابة يرون أن تبليغ الأحاديث إنما يتعين [ص ٣١] عند وقت الحاجة، ويرون أنهم إذا بلَّغوا بدون حضور حاجة فقد يكون منهم خطأ ما قد يؤاخذون به، بخلاف ما إذا بلَّغوا عند حضور الحاجة فإنَّ ذلك متعيّن عليهم، فإما أن يحفظهم الله تعالى من الخطأ، وإما أن لا يؤاخذهم. ولهذا رُويت الأحايث عنهم كلهم، ولم يُنْقَل عن أحدٍ منهم أنه كان عنده حديث فتحققت الحاجة إلى العمل به فلم يحدّث به.
وكان جماعة آخرون من الصحابة يُحدّثون وإن لم تتحقق حاجة، يرون أن التبليغ قبل وقت الحاجة مُرغَّب فيه، لقول النبي ﷺ : «حدِّثوا عَنّي ولا حَرَج» (١) وغير ذلك من الأدلة الداعية إلى نشر العلم وتبليغ السُّنة. ولكلٍّ وجهة، وكلّهم على خير. على أنه لما قَلَّ الصحابة رجحت كِفّة الفريق الثاني.
قال: (بل في نهيهم عنه).
أقول: لم ينهوا، وكيف ينهون وما من أحد منهم إلا وقد حدَّث بعدد من الأحاديث، أو سأل عنها، وإنما جاء عن عمر أنه نهى عن الإكثار، ومرجع ذلك إلى أمرين: الأول: استحباب أن لا يكون التحديث إلا عند حضور
стр. 103
الحاجة. الثاني: ما صرَّح به من إيثار أن لا يشغل الناس ــ يعني بسماع الأحاديث دون حضور حاجة ــ عن القرآن.
وجاء عنه كما يأتي: «أقلُّوا الرواية عن رسول الله ﷺ إلا فيما يعمل به». و «العمل» في كلامه مطلق، يعمُّ العبادات والمعاملات والآداب، لا كما يهوى أبو رية.
قال: (قويَ عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث (كلها) دينًا عامًّا دائمًا كالقرآن).
أقول: هذه نظريته القائلة: «دين عام ودين خاص» والذي يظهر من كلماته أن الدين العام الدائم هو الدين الحقيقي اللازم، وأنه كما عبَّر عنه فيما مضى (ص ١٥) (١) «المتفق عليه». وعلى هذا فمقصوده أن ما ذكر هنا يقوى عند مخاطبه أنَّ الصحابة كانوا لا يوجبون العمل بالأحاديث الثابتة عندهم عن رسول الله ﷺ إلا قدرًا يسيرًا هو الذي اتفقوا ووافقهم بقية الأمة بعدهم على العمل به، وأن ما زاد على ذلك فالأمر فيه على الاختيار: مَنْ شاء أخذ، ومَنْ شاء تَرَك. بل إنهم كانوا يرون من الخير إماتة تلك الأحاديث!
فإن كان هذا مراده فبطلانه معلوم من الدين قطعًا. وحسبك أنه لم يجد أحدًا من علماء الأمة يَنْسب إليه هذا القول بحق أو باطل سوى ما مرّ (ص ١٥) (٢) مِنْ نِسْبته أو نحوه إلى الغزالي، وقدّمنا بيان بطلان تلك النسبة. هذا ونصوص الكتاب والسنة، والمتواتر عن الصحابة، وإجماع علماء الأمة، كلّ ذلك يُبْطل قولَه هذا قطعًا.
стр. 104
على أن نظريته هذه لا تقتصر على إهمال الأحاديث الصحيحة، بل تتضمن كما تقدم (ص ١٥) إهمال دلالات القرآن [ص ٣٢] التي نقل ما يخالفها عن بعض من نُسِب إلى العلم ولو واحدًا فقط. فعلى زعمه دلالاتُ القرآن الظاهرة والأحاديث الصحيحة، ولو رواها عدد من الصحابة، لا يلزم المسلم أن يعمل بشيء منها قد نُقِل عن منسوبٍ إلى العلم ما يخالفه، وإن كان الجمهور على وَفْق ذلك الدليل. كأنَّ عنده أن العالم إن خالف الدليل فهو معصوم من أن يغلط أو يغفل أو يزلّ أو يضلّ، وإن وافق الدليل فليس بمعصوم. هذا حكمهم غير متفقين، فأما إذا اتفقوا فهم معصومون إلا في مخالفتهم لنظريته (١) هذه.
قال: (ولو كانوا فهموا من النبي ﷺ ذلك لكتبوا أو لأمروا بالكتابة، ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وَثِقُوا به، ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتَّبَعَة المعروفة للجمهور بجريان العلم بها).
أقول: قد بيَّنّا أن النبيّ ﷺ لم يكتب مصحفًا، وأن أبا بكر وعمر وعثمان ــ مدة من ولايته ــ لم يكتبوا إلا مصحفًا واحدًا بقي عندهم لا يكاد يصل إليه أحد، فما بالك بالإرسال إلى العمّال، وإن عثمان إنما كتب وبعث بضعة مصاحف إلى بعض الأقطار لمنع الناس من القراءة بخلاف ما فيها، وقد علمنا أنه لم يحفظ القرآنَ كلَّه في عهد النبي ﷺ إلا نفر يسير، أربعة أو نحوهم، وذكر ابنُ سعد (٢) وغيره أن أبا بكر وعمر ماتا قبل أن يحفظا القرآن كله. وقد بعث النبيّ ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر جماعةً من العمال لم يحفظ كلّ
стр. 105
منهم القرآن كلَّه ولا كان عنده مصحف، فهل يقال لهذا: إن القرآن لم يكن حينئذ مِن الدِّين العام؟
نعم كان العامل يحفظ طائفةً من القرآن ويعلم جملةً من السُّنة، فكان يبلِّغ هذا وهذا. ومن عرف وضع الشريعة عرف الحقيقة: إن وضع الشريعة عدم الإعنات، وتوجيه معظم العناية إلى التقوى. كان كثير من أصحاب النبي ﷺ هاجروا من مكة إلى الحبشة، ونزل بعدهم قرآن وأحكام، وجُعِلت كلّ من الظهر والعصر والعشاء أربعًا بعد أن كانت ركعتين، وحُوِّلت القبلة وغير ذلك، فلم يُنْقَل أن النبي ﷺ كان عَقِب تجدُّد حكمٍ من هذه وغيرها يبعث رسلًا إلى مَنْ بالحبشة أو إلى غيرهم ممن بَعُدَ عنه يبلِّغهم ذلك، بل كان يَدَعهم على ما عرفوا حتى يبلغهم ما تجدّد اتفاقًا. وجاء أنه صلى الظهر إلى الكعبة أول ما صلى إليها، فخرج ممن كان معه لحاجته فمرَّ وقتَ العصر ببني حارثة ــ وهم في بعض أطراف المدينة ــ وهم يصلون العصر إلى بيت المقدس، فأخبرهم فاستداروا إلى الكعبة فأتموا صلاتهم. وهكذا تحريم الكلام في الصلاة وتحريم الخمر.
ومن المتفق عليه ــ فيما أعلم ــ أنه ليس واجبًا على الأعيان [ص ٣٣] حفظ القرآن سوى الفاتحة، ولا تعلُّمُ القراءة والكتابة واتِّخاذ مصحف، ولايجب على الرجل أن يتعلَّم الفريضة إلا قُرْب العمل بها. وإنما الواجب أن يكون في الأمة علماء، ثم على العامي أن يسأل عالمًا ويعمل بفتواه، وكان في عهد النبيّ ﷺ وخلفائه يُكْتَفَى في العامل أن يكون ــ مع حفظه لما شاء الله من القرآن ــ عارفًا بطائفة حَسَنة من السُّنة، ثم يقال له: إذا لم تجد الحكم في الكتاب والسنة فاسأل مَنْ ترجو أن يكون عنده علم، فإن لم تجد فاجتهد
стр. 106
رأيك.
وقد كان أبو بكر وعمر إذا لم يجدا الحكم في الكتاب ولا فيما يعلمانه من السنة سألا الصحابة، فإذا أُخْبِرا بحديث أخذا به، وربما أخبرهما مَنْ هو دونهما في العلم والفضل بكثير. وترى في «رسالة الشافعي» (١) عدة قضايا لعمر من هذا القبيل.
وإذ كان الواجب على الأمة أن يكون فيها علماء كلّ منهم عارفٌ بالقرآن، عارفٌ بجملة حسنة من السُّنة، ليعمل ويُفْتي ويَقْضي بما علم، ويسأل من تيسَّر له من العلماء عما لم يعلم فإن لم يجد اجتهد، فقد كان الصحابة يعلمون أن منهم عددًا كثيرًا هكذا، وأن من تابعيهم عددًا كثيرًا كذلك لا يزالون في ازدياد، وأن حال مَنْ بعدهم سيكون كذلك، وأن القرآن والسنة موجودان بتمامهما عند أولئك العلماء، ما فات أحدهم منهما فموجود عند غيره= رأوا أن هذا كافٍ في أداء الواجب عليهم، مع الإيمان التام بأن الله تعالى حافظ لشريعته، نَعَمْ فكَّروا في الاحتياط لجمع السُّنة فعَرَض لهم خشيةُ أن يؤدي ذلك إلى محذور كما مرَّ فكفُّوا عنه، مكتفين بما ظهر لهم من حرص المسلمين، وما آمنوا به من حفظ رب العالمين. وغاية ما يُخْشى بعد هذا أن يجهلَ العالمُ شيئًا من السُّنة ولا يتيسر له مَنْ يُخْبِره بها فيجتهد فيخطئ.
وهذا في نظر الشرع ليس بمحذور كما عُلِم مما مرَّ في حال مَن كان مِن المسلمين بعيدًا عن المدينة، إذ بقوا مدّة يصلُّون الرباعية ركعتين، ويتكلمون في الصلاة، ويصلون إلى بيت المقدس، ويستحلُّون الخمر بعد نزول الأحكام المخالفة لذلك حتى بَلَغَتْهُمْ. وكما أذن الله تعالى أن يبني المسلم
стр. 107
على ظنه، وإن اتفق له أن ينكح أخته وهو لا يدري، وأن يقتل مسلمًا يحسبه كافرًا، وأن يأكل لحمًا يظنه حلالًا فبان لحم خنزير ميت وغير ذلك.
إنما المحذور أن تدع الدليلَ الشرعيَّ عمدًا اتباعًا منك لقول عالم قد يجهل ويذهل ويغفل ويغلط ويزل. وأشدُّ من ذلك وأضرّ وأدهى وأمرّ ما يقول صاحب تلك النظرية: إن الدليل الشرعي إذا وُجِد قولٌ لعالم يخالفه ينزل بذلك عن الدين العام اللازم إلى الدين الخاص الاختياري، من شاء أخذ ومن شاء ترك. [ص ٣٤] ومن خالف كلَّ دليلٍ من هذا القبيل مع علمه بها وعَقْله لها، واقتصر على ما لم يخالفه أحد «كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقرّبًا عند الله تعالى» كما تقدم عنه (ص ١٦) (١)، فهذا هو المحذور عند من يعقل.
قال: (وبهذا يسقط قول من قال: إن الصحابة كانوا يكتفون في نشر الحديث بالرواية).
أقول: قد عرفت الحقيقة ولله الحمد، وعرفت ما هو الساقط.
قال: (وإذا أضفتَ إلى ذلك حكم عمر بن الخطاب على أعيان (٢) الصحابة بما يخالف بعض تلك الأحاديث).
أقول: كان عليه أن يبينها، فإن كان يريد مطاعن الرافضة في أمير المؤمنين عمر فجوابها في «منهاج السُنَّة» وغيره، ويكفينا هنا أن نسأله: هل عَلِمْتَ عُمَرَ ثبت عنده حديث فتركه لغير حُجَّة قائلًا: لا يلزمنا الأخذ بالأحاديث؟
стр. 108
قال: (ثم ما جرى عليه علماء الأمصار في القرن الأول والثاني من اكتفاء الواحد منهم كأبي حنيفة بما بلغه ووثق به من الحديث وإن قلَّ، وعدم تعنِّيه في جمع غيره إليه ليفهم دينه ويبين أحكامه).
أقول: لزم أبو حنيفة حمّادَ بن أبي سليمان يأخذ عنه مدة، وكان حماد كثير الحديث، ثم أخذ عن عدد كثير غيره كما تراه في مناقبه، وقِلَّة الأحاديث المروية عنه لا تدلُّ على قلَّة ما عنده، ذلك أنه لم يتصدَّ للرواية. وقد قَدَّمْنا أن العالم لا يُكَلَّفُ جمع السُّنَّة كلها، بل إذا كان عارفًا بالقرآن وعنده طائفة صالحة من السنة بحيث يغلب على اجتهاده الصواب= كان له أن يُفْتِي، وإذا عَرَضَت قضية لم يجدها في الكتاب والسُّنَّة سأل مَنْ عنده علم بالسنة، فإن لم يجد اجتهد رأيه. وكذلك كان أبو حنيفة يفعل، وكان عنده في حَلْقته جماعة من المكثرين في الحديث، كمِسْعَر وحبّان ومِنْدَل، والأحاديث التي ذكروا أنه خالفها قليلة بالنسبة إلى ما وافقه، وما من حديث خالفه إلا وله عذر لا يخرج إن شاء الله عن أعذار العلماء، ولم يدَّع هو العصمةَ لنفسِه ولا ادَّعاها له أحد، وقد خالفه كبارُ أصحابه في كثير من أقواله، وكان جماعة من علماء عصره ومَنْ قَرُب منه يُنفِّرون عنه وعن بعض أقواله.
فإنْ فُرِضَ أنه خالف أحاديث صحيحة بغير حجَّة بيِّنة فليس معنى ذلك أنه زَعَم أن العمل بالأحاديث الصحيحة غير لازم، بل المتواتر عنه ما عليه غيره من أهل العلم أنها حجة، بل ذهب إلى أنَّ القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء اتباعًا لحديث ضعيف (١)، ومن ثَمَّ ذَكَر أصحابه أنّ مِن أصله تقديم الحديث الضعيف ــ بَلْهَ الصحيح ــ على القياس.
стр. 109
قال: (قوي عندك ذلك الترجيح).
أقول: أما عند مَنْ يعرف دينه فهيهات.
[ص ٣٥] قال: (بل تجد الفقهاء بعد اتفاقهم على جَعْل الأحاديث أصلًا من أصول الأحكام الشرعية، وبعد تدوين الحُفَّاظ لها في الدواوين وبيان ما يُحْتَجُّ به وما لا يحتجّ به لم يتفقوا على تحرير الصحيح والاتفاق على العمل به. فهذه كتب الفقه في المذاهب المتبعة ــ ولا سيما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية ــ فيها مئات من المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها، ولا يُعَدُّ أحد منهم مخالفًا لأصول الدين).
أقول: أما ما اعترفت به من اتفاقهم على أن الأحاديث الصحيحة أصل من أصول الأحكام الشرعية، فحُجَّة عليك وعليهم مضافةً إلى سائر الحجج. وأما عدم اتفاقهم على تحرير الصحيح، وعدم اتفاقهم على العمل به، فإنما حاصله أنهم يختلفون في صحة بعض الأحاديث، وذلك قليل بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه. ويتوقف بعضهم عن الأخذ ببعضها بدعوى أنه منسوخ أو مؤوَّل أو مرجوح. وليس في ذلك مخالفة للأصل الذي اتفقوا عليه.
فإن قيل: منهم من يتعمَّد ردَّ الصحيح بدعوى ضعفه أو نسخه أو تأويله أو رُجحان غيره عليه، وهو يعلم أنه لا شيء من ذلك.
قلنا: لنا الظاهر والله يتولى السرائر، على أنهم قد ترامَوا بهذا زمنًا طويلًا، وجَرَت فتنٌ وحروب، ثم ملُّوا فمالوا إلى التجامل وحسن الظن غالبًا. وعلى كل حال فلا متشَبَّث لك فيما ذكر، والفرق واضح بين من يستحلّ معلنًا قتل المؤمنين بغير حق، ومن يقول: قتل المؤمن حرام، ثم يتفق له أن يقتل مؤمنًا قائلًا: حَسِبْتُه كافرًا حربيًّا، وإن فرض دلالة القرائن على كذبه.
стр. 110
قال: (وقد أورد ابن القيم في «إعلام الموقعين» شواهد كثيرة جدًّا مِن ردّ الفقهاء للأحاديث الصحيحة عملًا بالقياس ولغير ذلك).
أقول: القياس في الجملة دليل شرعيّ. وعلى كلِّ حال فلا متنفَّس لك في ذلك كما مرَّ.
قال: (ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقيه، وقد أورد لهذا أكثر من ستين شاهدًا).
أقول: نصفٌ عليك، ونصف ليس لك.
ثم ذكر أبو ريَّة ص ٢٧ ــ ٢٨ كلامًا قد تقدّم جوابه مستوفى ولله الحمد.
* * * *