لهم إمام في هذا العصر غير القرآن).
[ص ٢٢٠] أقول: ها أنتم تلقِّبون الشيخ محمد عبده نفسه بهذا اللقب نفسه (الإمام) وتقتدون به، وتترضَّون عنه كما يُترَضَّى عن الصحابة، مع أنكم كثيرًا ما تذكرون النبيَّ ﷺ فلا تصلّون عليه، وتسيئون القولَ في الصحابة ﵃، وفي كتاب أبي ريَّة كثيرٌ من ذلك، فكأنكم أردتم له أن تسلبوا أئمة الحقِّ هذا اللقب وتخصّوه به.
أما القرآن فهو الإمام حقًّا، وهو نفسه يثبت الإمامةَ للنبيّ ﷺ ، ثم كلّ راسخ في العلم والدين مُبلِّغ لأحكام الشرع فإنه إمام، إلا أنه كالمبلِّغ لتكبيرات إمام الصلاة، وإن بان وقوعُه في مخالفةٍ للإمام اتبعنا الإمامَ دونَه.
وقال: (لا يمكن لهذه الأمة أن تقوم ما دام هذه الكتب فيها).
أقول: إن أراد جميع الكتب غير القرآن فالواقع أنَّ فيها الحق والباطل، وكثير من الحق الذي فيها إذا فات لا يُعَوَّض، فأما الباطل فكما قيل: إن ذهب عَير، فعَير في الرباط، ومَن عَرف الحقَّ واتبعه فقد استقام، ولا يضره بعد ذلك أن يعرف أضعافَ أضعافِه من الباطل.
وذكر ص ٣٥٠ أمورًا قد تقدَّم النظر فيها (ص ١٧٥ - ١٧٧) (١) وغيرها.
ثم قال: ( ... ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا).
أقول: تقدم تفنيد هذا، وبيان ما وقع فيه من الغلط (ص ١٥) (٢).
قال ص ٣٥١: (هذه هي سنة الرسول ﷺ ، أما إطلاقها على ما يشمل الأحاديث فاصطلاح حادث).
стр. 457
أقول: تقدم تفنيده (ص ١٢) (١).
ثم قال: (أحاديث الآحاد التي لم يعمل بها جمهور السلف هي محل اجتهاد في أسانيدها ومتونها؛ لأن ما صح منها يكون خاصًّا بصاحبه).
أقول: إن أراد بقوله: (صاحبه) من عَرف صحّته، بمعنى أنه ليس له إلزام غيره فسيأتي قريبًا، وإن أراد به الصحابي الذي ورد فيه، فإنما يصح هذا حيث يثبت دليل على الخصوصية. وراجع (ص ٢٨ - ٣٥) (٢).
قال: (ومن صح عنده شيء منها روايةً ودلالةً عمل به، ولا تُجْعَل تشريعًا عامًّا تُلزمه الأمة إلزامًا تقليدًا لمن أخذ به).
أقول: على مَنْ صحّ عنده أن يُبيِّن ذلك لغيره ويعذره إن خالفه ولم يتبيَّن له عناده أو زيغه، وإلا لزمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الإمام أن يمنع من يتبيَّن له خطؤه من الإفتاء بذلك الخطأ، ويمنع الناس من الأخذ بفتواه، وفي سيرة عمر ﵁ ما يبيّن هذا.
[ص ٢٢١] ثم ذكر أشياء قد تقدَّم النظر فيها، إلى أن قال: (وما كل مالم يصح سنده يكون متنه غير صحيح).
أقول: وجه ذلك أنه قد يثبت بسند آخر صحيح، لكن لا يخفى أن هذا الاحتمال لا يفيد المتنَ شيئًا من القوَّة، غايته أن يقتضي التريُّث في الجزم بضعفه مطلقًا حتى يبحث فلا يوجد له سند صحيح.
وذكر أشياء تقدَّم النظر فيها، إلى أن قال ص ٣٥٢: (ولم يَظْهر البخاريُّ ولا غيره من كتب الحديث إلا بعد انقضاء خير القرون).
стр. 458
أقول: هذا مأخوذ من قدح بعض الملحدين في القرآن؛ بأن المصاحف لم تكن في عهد النبيّ ﷺ ، وكما يقال لهذا: ليس المدار على المصاحف إنما المدار على ما فيها، وقد ثبت أنه القرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ ، فكذلك نقول هنا: الأحاديث التي في «صحيح البخاري» ثبت أنها كانت معروفة عند خير القرون، وإنما رواها الثقات منهم وعنهم، بل ثبتت بالحجة الشرعية عن النبي ﷺ .
وقال: (لم يقل أحدٌ من سلف الأمة وأئمة الفقه: إن معرفة الدين تتوقَّف على الإحاطة بجميع ما رواه المحدِّثون ولا بأكثرها).
أقول: لا ريب أن الأحاديث الضعيفة والواهية والمكذوبة لا تتوقّف معرفةُ الدين على الوقوف عليها، ومِن الصحيحة ما يُرْوَى من عِدّة طرق قد تبلغ المِئين، ويكفي لمعرفة الدين معرفة المتن من طريق صحيحة منها.
ومنها أحاديث يتفق العددُ منها في المعنى أو فيما هو المقصود، كأحاديث تحريم الربا وأحاديث التشهُّد، ويكفي لمعرفة الدين معرفة واحدٍ منها.
ومنها أحاديث يوجد في كتاب الله ما يفيد معناها، ويكفي لمعرفة الدين معرفة تلك الدلالة من القرآن.
وبعد هذا كله، فمعرفة الدين ليست أمرًا لا يزيد ولا ينقص، وقد عَلِمْنا أنّ الشريعةَ لم توجب أن يكون كلّ مسلم عالمًا، وإنما أوجبت على الأمة أن يكون فيها علماء بقدر الكفاية يرجع إليهم العامّة في كلِّ ما يعرض لهم، ولم توجب على العالم أن يكون محيطًا بالدين، بل كما أن العامِّي يستكمل ما يحتاج إليه بسؤال العلماء، فكذلك العالم يستكمل ما يخفى عنه أو يُشْكِلُ
стр. 459
عليه بمراجعة غيره من العلماء. وراجع (ص ٣٢ - ٣٣) (١).
قال: (قال البيضاوي في حديث: «لا وصية لوارث»: والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر).
[ص ٢٢٢] أقول: هذا رأي البيضاويّ، فإذا خالفه غيره فالمدار على الحجة. وهكذا كلّ ما يحكيه أبو ريَّة عن فلان وفلان. ومن تدبَّر آيات المواريث علم أنها تفيد معنى هذا الحديث.
ثم ذكر قضايا قد تقدَّم النظر فيها، إلى أن قال ص ٣٥٣: (ربَّ راوٍ هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدي ومجروح عند يحيى بن سعيد القطان، وبالعكس، وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل، ومِنْ عِندهما يُتلقَّى معظم شأن الحديث).
أقول: الغالب اتفاقهما، والغالب فيما اختلفا فيه أن يستضعفَ يحيى رجلًا فيتركَ الحديثَ عنه، ويرى عبد الرحمن أنَّ الرجلَ وإن كان فيه ضعف فليس بالشديد، فيحدّث عنه، ويثني عليه بما وافق حاله عنده، وقد قال تلميذُهما ابنُ المَديني: «إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على تَرْك رجل لم أُحدِّثْ عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن لأنه أقْصَدُها وكان في يحيى تشدّد» (٢).
والأئمة الذين جاؤوا بعدهما لا يجمدون على قولهما بل يبحثون وينظرون ويجتهدون ويحكمون بما بان لهم. والعارفُ الخبيرُ الممارس لا يتعذَّر عليه معرفة الراجح فيما اختلف فيه مَن قبله، وعلى فَرْض أننا لم نعرف
стр. 460
مِنْ حال راوٍ إلا أن يحيى تركه وأن عبد الرحمن كان يُحدِّث عنه، فمقتضى ذلك أنه صدوق يهم ويخطئ، فلا يسقط ولا يحتجّ بما ينفرد به.
قال: (إن ما كان قطعيّ الدلالة في النصوص فهو الشرع العام الذي يجب على جميع المسلمين اتباعه عملًا وقضاء، وإن ما كان ظنّي الدلالة موكول إلى اجتهاد الأفراد في التعبّدات والمحرمات، وإلى أُولي الأمر في الأحكام القضائية. إن ما كانت دلالته على التحريم من النصوص ظنية غير قطعية لا يُجْعَل تشريعًا عامًّا تُطالب به كلّ الأمة، وإنما يعمل فيه كلّ أحد باجتهاده، فمن فهم منه الدلالة على تحريم شيء امتنع منه، ومن لم يفهم منه ذلك جرى فيه على أصل الإباحة).
أقول: قد تقدم النظر في نظرية «دين عام ودين خاص» (ص ٩ و ١٤ - ١٥ و ٢٨ - ٣٤ و ١٠٠) (١) وقريبًا (ص ٢٢٠ - ٢٢١) (٢)، وكذلك حال الاجتهاد والمجتهد.
هذا، والأدلة القطعية تبيِّن أن الواجب على كلِّ مسلم طاعة الله ورسوله ما استطاع، فيما ثبت بدليل قطعيّ المتن والدلالة أو ظَنِّيِّهما، أو قطعيّ أحدهما ظنّي الآخر، وأنّ على [ص ٢٢٣] العاميّ العملَ بما يعلمه من الشريعة قطعًا أو ظنًّا، والرجوعَ فيما يجهله إلى العلماء الموثوق بعلمهم ودينهم، فإذا أفتاه أحدُهم بأمر لزمه العمل به سواء أكان قطعيًّا أو ظنيًّا، فإن اختلف عالمان فقد قال الله ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فعلى العامّي أن يتحرَّى أقرب الأمرين إلى طاعة الله وطاعة رسوله، وإذا علم الله تعالى حرصه على طاعته سبحانه فلا بد أن يُهيّئ له مِنْ أمره رَشَدًا.
стр. 461
وعلى كلِّ مسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتأكَّد ذلك على الرّجل في أهله، وعلى كلِّ راعٍ في رعيته، وعلى كلِّ مَن عرف حكمًا بدليل قطعيّ أو ظنيّ أن يرشد من يراه من المسلمين يخالفه جهلًا به، وينكر على من يراه يعرض عنه على وجهٍ مُنكر. وليس له الإنكار على مَنْ يُعرض عنه على وجهٍ معروف. والوجه المعروف هو ما يسمى «اختلاف الاجتهاد» أو «اختلاف وجهة النظر» مع اتحاد القصد في طاعة الله ورسوله.
أما القضاء، فالفرض فيه أن يكون بما أنزل الله يقينًا أو ظنًّا، وذلك يشمل الأدلة الشرعية كلَّها، فإذا كان القاضي مجتهدًا فذاك، وإلَّا أخذ بما يتبيّن له رُجحانُه مِنْ أقوال أهل العلم.
ثم ذكر قضايا تقدم النظر فيها (ص ١٧٥ و ٢٠٢ و ٢١٨) (١).
ثم ذكر عن السيد رشيد رضا: « ... ونحن نجزم بأنَّا نسينا وضيَّعنا من حديث نبينا ﷺ حظًّا عظيمًا لعدم كتابة علماء الصحابة كلّ ما سمعوه، ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين، فإنّ أمور الدين معروفة في القرآن ومُبيَّنة بالسنة العملية، وما دُوِّن من الأحاديث فهو مزيد هداية وبيان».
أقول: قد تكفَّلَ الله بحفظ دينه، فمحالٌ أن يذهب منه ما يقتضي نَقْصَه، والمؤسف حقًّا أن يجمع بعضُنا بين التحسُّر على ما لم يُحْفَظ، والتجنِّي على ما حُفظ، ومحاولة حطِّه عن درجته. راجع (ص ١٤ - ٥٠) (٢).
ثم قال أبو ريَّة: (قال الإمام أبو حنيفة: ردّي على كلِّ رجل يحدِّث عن النبي ﷺ
стр. 462
بخلاف القرآن ليس ردًّا على نبي الله ﷺ ولا تكذيبًا له، ولكنه ردّ على من يحدِّث عنه بالباطل، والتهمة دخلت عليه، ليس على نبي الله ﷺ ، وكل شيء تكلم به النبي ﷺ فعلى الرأس والعين، قد آمنا به وشهدنا أنه كما قال، ونشهد أنه لم يأمر بشيء يخالف أمر الله، ولم [ص ٢٢٤] يبتدعْ ولم يتقوَّلْ غير ما قاله الله ولا (١) كان من المتكلّفين).
أقول: هذه العبارة من كتاب «العالم والمتعلم»، وفي نِسْبته إلى أبي حنيفة ما فيها (٢)، والكلامُ هناك في مسائل اعتقادية ومخالفة يراها مناقضة. فأما تبيين السنة للقرآن بما فيه التفصيل والتخصيص والتقييد ونحوها كما مرَّ (ص ١٤ و ٢١٨) (٣) فثابت عند الحنفية وغيرهم، سوى خلاف يسير يتضمّنه تفصيلٌ مذكور في أصولهم، يتوقّف فهمه على تدبّر عباراتهم ومعرفة اصطلاحاتهم، وبعض مخالفيهم يقول: إنهم أنفسهم قد خالفوا ما انفردوا به هناك في كثير من فروعهم ووافقوا الجمهور. بل زاد الحنفية على الشافعية فقالوا: إن السنة المتواترة تنسخ القرآن، وإن الحديث المشهور أيضًا ينسخ القرآن، وكثير من الأحاديث التي يطعن فيها أبو ريَّة هي على اصطلاح الحنفية مشهورة.
ثم ختم أبو ريَّة كتابه بنحو ما ابتدأه من إطرائه وتقديمه إلى المثقفين (٤)، والبذاءة على علماء الدين، ثم الدعاء والثناء، وأنا لا أثني على كتابي، ولا أُبرِّئ نفسي، بل أَكِلُ الأمرَ إلى الله ﵎، فهو حسبي ونعم الوكيل،
стр. 463
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه.
انتهى بعون الله تعالى جَمْع هذا الكتاب في أواخر شهر جمادى الآخرة سنة ١٣٧٨. والحمد لله ربّ العالمين.
стр. 464
ملحقان بكتاب
"الأنوار الكاشفة "
стр. 465
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذان تعليقان كتبهما المصنّف ﵀ قبل تأليفه "الأنوار الكاشفة" بغرض أن يكون أحدهما تقديمًا لكتاب الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة "ظلمات أبي رية ... "، وذلك بطلبٍ من الشيخ الوجيه محمد نصيف؛ فكتب أولًا تسع ورقات، ثم كتب ثانيًا تسع عشرة ورقة، تكلم فيهما عن كتاب أبي ريَّة وغرضه منه، ثم ناقشه في عدة قضايا رئيسة في الكتاب، قال: إنها ملاحظات يسيرة، وعَزَم وهو يكتب هذه الورقات على تأليف كتاب مستوفًى في الردّ عليه، بل كان يحيل إليه لاستكمال مبحث أو قضية، فأثبتنا هذين التعليقين ملحقين بكتاب "الأنوار الكاشفة"، وقد وقع فيهما من الفوائد ما ليس في "الأنوار ... "، وتبين منهما سبب تأليفه للكتاب.
والملفت للانتباه أنّ المصنّف لم يكتب شيئًا بخصوص كتاب الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، مع أنه هو باعثه الأول لكتابة هذه الأوراق، بل أخذ في الردّ على أبي ريَّة ومناقشته.
ويلاحظ أيضًا أن هذا التقديم المفترض لكتاب "ظلمات أبي ريَّة ... " لم يُنشر معه، فالله أعلم.
المحقق
стр. 466
الملحق الأول
стр. 467
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد، فإن فضيلة أخي العلَّامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة كَتَب وهو على فراش المرض ــ عافاه الله ــ مطالعات وملاحظات على كتاب ألَّفه الأستاذ محمود أبو رَيَّة وسمَّاه: "أضواء على السُّنَّة المحمدية". فأرسل إليَّ حضرة المُحسن الكريم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف تلك الملاحظات، وتقدَّم إليَّ بأن أكتبَ كلمة تكون بمثابة مقدمة، فاحتجت مع الاطلاع على الملاحظات أن أطالعَ كتاب أبي رَيَّة؛ فَتَبيَّن لي أن استيفاء الكلام له وعليه يستدعي تأليفًا مستقلًّا، عسى أن يتيسّر لي فيما بعد. وأكتفي الآن بملاحظات يسيرة.
ساءني من أبي ريَّة أنه بينا هو يطعن في بعض الصحابة والأئمة، ويرى أنه لا ينبغي أن يَثْقُل ذلك على أهل العلم؛ إذا به يثقل عليه غاية الثقل أن يخالفه مخالفٌ أو يتعقّبه متعقِّب، فيحاول كَفَّهم عن ذلك بكلام ....
كقوله ص ١٤: (وقد ينبعث له من يتطاول إلى معارضته ممن تعفَّنت أفكارهم وتحجّرت عقولهم).
وقال ص ٣٥٤: (وإن تَضِق به صدورُ الحشويّة وشيوخ الجهل من زوامل الأسفار الذين يخشون على علمهم المزوّر من سطوة الحق، ويخافون على كساد بضاعتهم العفنة التي يستأكلون بها أموال الناس بالباطل أن يكشفهم نورُ العلم الصحيح ويهتك سترهم ضوءُ الحجّة البالغة= فهذا لا يهمّنا؛ إذ ليس لمثل هؤلاء خَطَر عندنا ولا وزن في حسابنا).
стр. 468
أما الذي يدُلُّ عليه صنيعك يا أبا ريَّة، فهو أنه لولا شدَّة خوفك من نقضهم كلامَك ما حاولت أن تتّقيهم بهذا السلاح.
[ص ١] وبينا هو يطعن على الصحابة والأئمة، ويخالف علماء المسلمين كلهم؛ إذا به ينكر على بعض كبار العلماء مخالفته لعالمٍ أو عالمين من المتأخرين. انظر تعليقه على ص ٣٨ ــ ٣٩، وراجع مصادره التي أحال عليها ليتبيَّن لك صنيعه.
وبينا هو يذكر كثرة الأحاديث الموضوعة والواهية في الكتب العلمية؛ إذا به يحتجّ بكلّ ما يوافق هواه في أيِّ كتاب كان، بدون نظر إلى سندٍ ولا مستندٍ، كما فعل في ترجمة أبي هريرة.
وبينا هو يقلّل من شأن أئمة الأُمَّة بما يعلم منه أنه لو احتجَّ عليه بكلامهم لم يقبله، بل قد رأى كثيرًا من كلامهم فأعرض عنه وخالفهم فيه؛ إذا به يحتجّ بكلام أبي حيّان التوحيدي، وابن أبي الحديد، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وطه حسين، ولهذا نظائر كثيرة في كتابه.
لماذا لم يأمر النبي ﷺ بكتابة الحديث؟
للعلماء قولان في نهي النبي ﷺ عن كتابة الحديث، منهم مَن يقول: إنه لم يَنْه، ومنهم مَن يقول: إنه نهى ثم رخَّص. فذكر أبو ريَّة هذه المسألة وجَمَد على النهي وساق ما ورد فيه، وزعم أنه أصح مما ورد في الترخيص، فذكر عن النبي ﷺ حديثين:
أحدهما: حديث أبي سعيد، نَسَبه أبو ريَّة إلى "صحيح مسلم" (١) وغيره
стр. 469
وساقه بلفظ: قال رسول الله ﷺ : "لا تكتبوا عنّي شيئًا سوى القرآن، فمن كتب عنّي غير القرآن فليمحه".
ولفظ مسلم مخالف لهذا وفيه زيادة.
[ص ٢] الثاني: ما رواه كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث، وأمر إنسانًا أن يكتبه، فقال زيد: "إنَّ رسولَ الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه" (١).
فأما حديث مسلم عن أبي سعيد، فقد أعلَّه البخاريُّ وغيرُه كما في "فتح الباري" (٢)، وقالوا: الصواب مِن قول أبي سعيد، وفي "كتاب العلم" (٣) لابن عبد البرّ من طرق عن أبي نضرة قال: قيل لأبي سعيد: لو أكْتَبْتَنا الحديث؟ فقال: لا نُكْتِبكم، خذوا عنا كما أخذنا عن نبيّنا ﷺ . زاد في رواية: "أردتم أن تجعلوه قرآنًا"! ، وفي رواية: "مصاحف". وهذا يشهد لقول البخاري؛ إذ الظاهر أنه لو كان عند أبي سعيد نصّ من النبي ﷺ لذَكَرَه ولم يكتفِ بما قال هنا.
وأما الحديث الثاني، فكثيرٌ ضعيف، والمطَّلب لم يُدرك زيد بن ثابت.
وأما أحاديث الجواز:
فمنها: حديث الصحيفة التي كانت عند علي، وهو في "الصحيحين" (٤)، وهو ثابت من عِدة طُرق.
стр. 470
ومنها حديث: "اكتبوا لأبي شاه" وهو في "الصحيحين" (١) وغيرهما.
ومنها حديث أبي هريرة: أن عبد الله بن عمرو [بن] العاص كان يكتب. أخرجه البخاري (٢) وغيره، ورواه الإمام أحمد وغيره، وفيه: أن عبد الله بن عمرو "استأذن رسول الله ﷺ في الكتاب عنه فأذن". وقد ورد ذلك من حديث عبد الله بن عمرو. راجع: المستدرك ١/ ١٠٤ فما بعدها، ومسند أحمد بتحقيق العلَّامة أحمد محمد شاكر ج ١٠ الحديث (٦٥١٠)(٣). وهناك أحاديث أخرى.
وقد قال أبو ريَّة نفسه في حاشية ص ٢٣: (أملى النبي ﷺ كتبًا في الشرائع والأحكام جهر بها رُسله وعماله في الأمصار المفتوحة؛ بعضها في الصدقات والفرائض، ولا يتعدى ما كُتب عن الرسول في عصره عشر صفحات ... ).
أقول: أما صحيفة عبد الله بن عمرو فالظاهر أنها كبيرة، وكان يسمّيها "الصادقة".
[ص ٣] زعم أبو رية أن أحاديث النهي أصح، وقد علمتَ سقوطَ هذا. وحكى عن رشيد رضا أن حديث أبي شاه غير معارض لأحاديث النهي. قال: "على قاعدتنا التي مدارها على أن نهيه ﷺ عن كتابة حديثه مراد به أن لا تُتَّخذ دينًا عامًّا كالقرآن، وذلك أن ما أمر بكتابته لأبي شاه هو خطبة خطبها ﷺ يوم فتح مكة، موضوعها تحريم مكة ولُقَطة الحرم. وهذا من بيانه ﷺ للقرآن ... ".
стр. 471
أقول: الذي يتحصّل من هذا أنه يرى أن القرآن وما يبيِّنه من السُّنَّة هو من الدين العام فهو مأمور بكتابته، وأما ما عداه فليس من الدين العام، فلذلك نهى عن كتابته، وتلك الخطبة من البيان فهي من الدين العام، فلذلك أمر بكتابتها.
وأقول: لا ريب أن أفعاله وأقواله وتقريراته ﷺ التي تبيّن القرآن كانت كثيرة جدًّا، وليست قاصرة على تلك الخطبة. ثم المفهوم من كلام أبي ريَّة وما ينقله عن رشيد رضا هو أن الدين العام محصور في السُّنَّة العملية المتواترة؛ ككون الصلوات خمسًا ونحو ذلك. وأن أحكام القرآن ليست من الدين العام إلا ما تكون دلالته قطعية على فرض تسليمه بقوله. وقد نقل أبو ريَّة في أواخر الكتاب وقرّر: أن النصوص اللفظية من القرآن وغيره دلالتها كلها لفظية.
فنقول: لم يأمر النبي ﷺ بكتابة السنن العملية المتواترة، وهي من الدين العام عندك، وأمر بكتابة القرآن كله، وكثيرٌ منه أو كله ليس دلالته من الدين العام عندك. فثبت بهذا سقوط العلة التي زعمت.
[ص ٤] إذن فالعلة الصحيحة للأمر بكتابة القرآن هي ما فهمه أهل العلم هنا، وهو أن ألفاظه مع كونها مقصودة لمعانيها مقصودة لذاتها؛ لأنها كلام الله ﵎، تعبد عباده بتلاوتها، ولها النصيب الوافر من الإعجاز، وأما غير القرآن فليس مثله في ذلك.
فأما النهي عن كتابة الحديث فقد علمت أنه لم يتحقق صحته وعلمتَ ما يعارضه.
وذكر أبو ريَّة أثرًا عن عائشة: أن أبا بكر كتب خمسمائة حديث ثم أتلفها
стр. 472
خشية أن يكون منها ما أخطأ فيه الذي حدَّثه به، وخشية أن يردَّ الناسُ غيرها من الحديث بحجة أنه لو كان صحيحًا لكتبه أبو بكر.
وذكر أثرًا عن عمر أنه جمع الصحابة واستشارهم في كتابة السنن، فأشاروا بذلك، ففكَّر عمر مدَّة ثم عزم أن لا يكتبها قائلًا: إني ذكرتُ قومًا كانوا قبلكم كتبوا كُتُبًا فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله ....
وهذان الأثران ــ إنْ صحَّا ــ فدلالتهما واضحة على أن أبا بكر وعمر وسائر الصحابة كانوا يرون أن كتابة الحديث لم ينه عنها النبي ﷺ وإنما كانوا يجتهدون برأيهم.
ودين الإسلام دين واحد إنما تختلف الأحكام باختلاف أحوال الناس، فكلّ من سمع من النبي ﷺ خبرًا فهو قطعي في حقّه يحكم عليه بحسب ذلك، ومَن لم يكن حاضرًا وأخبره الذي كان حاضرًا فحكمه بحسبه، وهلم جرًّا.
وبعض الأحكام التي هي بين المسلمين معلومة بالضرورة قد يجهلها بعض مَن يُسلم، ثم يبقى بعيدًا عن المسلمين أو يتصل به معرفتها بما لا يفيده إلا الظن، فيكون حكمه بحسب حاله، [ص ٥] وبعض الأخبار التي هي عند الجاهل بالحديث ظنيَّة لأنه إنما أخذ بقول أهل الحديث أنها ثابتة كما يأخذ أحدنا بقول الطبيب، هي عند بعض أهل الحديث العارفين له يقينية، والحكم على كلٍّ بحسبه.
فأما المنكِرُ والمرتاب فإن حكمه يختلف لأمرين؛ الأول: بذل الوسع وعدمه، الثاني: منشأ الإنكار والارتياب، فإنه قد يكون أمرًا لا تَبِعةَ فيه، وقد يكون بخلاف ذلك؛ كأن يكون منشؤه عدم الإيمان بالدين أو بأمر يقوم عليه
стр. 473
الدين؛ مثل أن محمدًا رسول الله يُطلعه الله على ما شاء من غيبه، ويخرق له ما شاء من عادته، ويحفظه من الخطأ في تبليغ دينه. وقد يكون منشؤه الخروج عن السراط المستقيم سراط محمد وأصحابه، واتّباع غير سبيل المؤمنين، وأخذ الدين من غير الشرع، وأخذ العقائد من غير المأخَذَين السلفيين.
أحدهما: العقل الصحيح الذي كان حاصلاً للصحابة وغيرهم من العرب حين بُعث فيهم محمد ﷺ ، فكان قرينةً صحيحة تكون ركنًا من أركان الكلام، فإذا كان بدونها مُفهمًا لخلاف الواقع، كانت مانعة من فهم ذلك، مخرجةً للكلام عن أن يكون كذبًا.
وثانيهما: الشرع، إلى غير ذلك مما ليس هذا موضع تفصيله.
وكذلك ما للإمام إلزام الناس به، وما عليه من حياطة المسلمين، والضرب على يد من يُحاول تشكيكهم والعبث بدينهم، وما على المسلم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما هو حدُّ ذلك، كل هذا ليس هذا موضع الكلام فيه (١).
[ص ٦] حديث "من كذَبَ علَيَّ"
صح من طريق جماعة من الصحابة تحذير النبي ﷺ من الكذب عليه بألفاظ مختلفة، اشتهر منها على ألسن الناس: "مَنْ كذب عليَّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار" (٢)، وجاء في عدد من الروايات (٣) هكذا أو بهذا المعنى،
стр. 474
وفي عدد منها بدون كلمة "متعمدًا" أو بما يؤدِّي معناه.
والعارف إذا تدبَّر هذه القضية علم أن هناك عدة احتمالات:
الأول: أن يكون النبي ﷺ كرَّر النهي في مناسبات متعددة؛ لأن شأن هذا الأمر عظيم.
الثاني: أن يكون لفظ النبي ﷺ واحدًا، ولكنّ الرواة تصرَّفوا فيه بحسب الرواية بالمعنى.
الثالث: أن يكون بعض الرواة زاد أو نقص خطأ.
الرابع: أن يكون بعضهم زاد أو نقص عمدًا.
فأما العارف بالسُّنَّة ورواتها، فإنه إذا أخرج من حسابه الروايات التي يكون في سندها كذَّاب أو متهم أو مغفَّل أو مجهول= سقط الاحتمال الرابع.
ثم أخرج من حسابه الروايات التي يكون في سندها من يُخطئ، وقد جاء بلفظ ليس له متابعة صحيحة ولا شاهد صحيح= سقط الاحتمال الثالث.
ثم إذا وجد أن الروايات الصحيحة التي فيها ذكر "متعمدًا" أو ما في معناه متعددة، والروايات الصحيحة التي ليس فيها هذه الكلمة أو ما في معناها متعددة= لم يسعه إلا أن يقول: إنَّ النبي ﷺ كان يذكر كلمة "متعمدًا" أو ما في معناها تارةً، ويسكت عنها أخرى. ولهذا نظائر في كتاب الله ، [ص ٧] فقد وعد الله الجنة جزاءً لبعض الأمور ولم يقيّدها كلها بالموت على الإيمان، وقَيَّد بذلك في بعضها، وأوعد الله بالنار على الكفر وغيره ولم يقيّد بعدم التوبة، وقَيَّد بذلك في بعض المواضع.
стр. 475
ولنفرض أن كلمة "متعمدًا" لم تصح ولا ما في معناها، فقد دل عليها الأصول القطعية؛ يقول الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]، وعلَّم اللهُ عبادَه أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وما علّمهم ذلك إلا ليستجيب لهم. وقد ثبت مقتضى ذلك في الصحيح، وهو أن الصحابة لمَّا قالوا ذلك، قال الله تعالى: "قد فعلتُ".
والإنسان معرَّض لأن يقع منه الخطأ مع أنه لم يقصِّر، وقد ذكر أبو ريَّة ص ٢٠ حكم كلام الرسول في الأمور الدنيوية بما تحسن مراجعته.
نعم، إن النبي ﷺ معصوم في تبليغ الدين، لكن أصحابه غير معصومين، فهُم معرَّضون لأن يقع منهم الخطأ ولو نادرًا.
قال أبو رية ص ٤١: (إن العقل السليم والخلق الكريم ينفران من قبول رواية "متعمدًا"؛ لأن الكذب هو أبو الرذائل كلها، سواء كان عن عمدٍ أو غير عمد).
كذا يقول! علمتَ أنه إما أن يكون يفهم من كلمة "متعمدًا" خلاف ما نفهمه نحن، وإما أن يكون مُكابرًا يكلِّف الناس أن يكونوا معصومين! مع أنه قد اعترف (١) بأنهم ليسوا ــ ولا في إمكانهم أن يكونوا ــ معصومين، وأن المعصوم هو النبي ﷺ خاصةً في التبليغ عن ربِّه، فإن كان مكابرًا فلا معنى للكلام معه.
стр. 476
وإن كان يفهم منها معنًى غير الذي نفهمه فنحن نبيّن له المعنى الذي نفهمه: أن التعمّد يشمل من يعلم أن خبره مخالف للواقع أو يظن ذلك أو يجوِّزه تجويزًا لا يبلغ من الضعف أن لا يحضر في نفس المخبر، وعلى هذا فلا يخرج إلا من يعتقد أن خبره مطابق للواقع اعتقادًا لا تخالطه أدنى ريبة.
[ص ٨] وأنا نفسي جَرَت لي قضية علمت بها يقينًا أن الإنسان الضابط قد يشاهد واقعةً مشاهدةً لا لبس فيها، ثم يعرض له ما يجعله بعد يومين أو أكثر يقطع قطعًا باتًّا بخلاف الواقع فيها، ثم يعرض ما ينبهه على خطائه فيزول القطع السابق.
وقد أخبر عمر بن الخطاب وابنه عبد الله خبرًا عن النبي ﷺ فأخبر الناسُ عائشةَ بذلك فأنكرته، وقالت: "إنكم لتحدثونني عن غير كاذبين ولا مكذَّبِين، ولكن السمع يخطئ ... " إلخ. وقد ذكره بنحوه أبو ريَّة ص ٥٠.
وبهذه المناسبة ننظر في حقيقة الكذب: ذهب الجمهور ــ كما يقولون ــ إلى أنه الخبر المخالف للواقع. وذهب جماعة من أشهرهم الجاحظ إلى أنه لابدّ مع المخالفة للواقع أن يكون مخالفًا لِما في نفس المخبر, ومعنى هذا أن قيد التعمّد [ص ٩] في مفهوم الكذب، فما لم يكن متعمَّدًا فليس بكذب. وأبو ريَّة يقدِّس الجاحظ، ولكنه هنا لم يعرِّج على قوله لمخالفته هواه.
والحكاية التي ذكرها عن عائشة قد تشهد لقول الجاحظ.
والتحقيق عندي أنه إذا [قيل: ] (١) "هذا القول كذب" ونحو ذلك، كما
стр. 477
يقال بصرف النظر عن المُخبِر فهو بمعنى "مخالف للواقع" فأما "كذب" بلفظ الماضي أو "يكذب" أو "كاذب" ونحو ذلك من الكلمات التي يلاحَظ معها المخبِر، فالعُرف العامّ يخصّها بالعمد، ألا ترى أن في أخبار النبي ﷺ في الأمور الدنيوية ما قيل فيه: إنه خطأ، وكلّ عاقل ينفر عن أن يقال: "كَذَب ... " أو "هو كاذب".
والسرّ في هذا ــ والله أعلم ــ أن الغالب في أفعال الإنسان العمدُ، فإذا قيل: "كذب فلان" كان الظاهر بمقتضى الغلبة أنه تعمَّد.
كما أنك إذا قلتَ: "رأيت فلانًا يشرب الخمر" كان هذا ذمًّا بيِّنًا لأن المفهوم من ذلك أنه عامد عالم.
فعلى هذا إذا كنت تعلم أنه إنما شربها وهو يجهل أنها خمر لم يكن لك إطلاق الكلمة المذكورة، بل يلزمك بيان الحقيقة كما هي. فكذلك قولك: "كذب فلان" الظاهر أنه تعمد، فمن ثَمَّ جرى العرفُ بأن لا يقال ذلك إلا عند التعمُّد.
وعلى هذا عمل الناس قديمًا وحديثًا، إلا أنه إن ظهر أن المُخبِر اعتمد على ظنٍّ لم يكن له أن يعتمد عليه، وبعبارة أخرى: أنه مقصِّر، فإنه يقال: "كذب" كما قال النبي ﷺ : "كذب أبو السنابل" (١) وغيرها من الأمثلة.
وقد نبَّه على معنى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرد على الأخنائي" ص ١٢ فما بعدها.
стр. 478
وقول أبي ريَّة في حاشية ص ٣٩: (فلعنة الله على الكاذبين متعمّدين وغير متعمّدين، ومن يروّج لهم من الشيوخ الحشويين) كلمة لها خَطَرها إذا كان مستحضرًا لِمَا ذكرَه في غير هذا الموضع، وأراد بقوله "الكاذبين" مَن يقع منه خبرٌ مخالف للواقع ولو كان مخطئًا غير مقصِّر.
стр. 479
الملحق الثاني
стр. 480
[ص ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
كتب فضيلة الأخ العلَّامة محمد عبد الرزاق حمزة ــ وهو على فراش المرض عافاه الله ــ "مطالعات وملاحظات على كتاب (أضواء على السنة المحمدية) " الذي ألَّفه الأستاذ محمود أبو ريَّة.
وتقدم إليَّ حضرة المحسن الكبير نصير السُّنَّة فضيلة الشيخ محمد نصيف أن أكتب كلمة، فدعت الحاجة إلى مطالعة كتاب أبي ريَّة فوجدته (مع ما يليق به من الاحترام) تهويشًا، غرضه الوحيد ــ فيما يبدو ــ الدعوة إلى إخضاع الأحاديث المرويَّة عن النبي ﷺ كلها للنقد على الطريقة التي يتبعها المعاصرون في نقد التاريخ. ولكنه رأى أن هذه الدعوة لا يُرجى لها استجابة ما لم يستقرَّ الشكُّ في الأحاديث جملة، ولا يتم ذلك إلا بزعم أن المجهود الذي قام به علماء الأمة لحفظ الحديث وتمييز الصحيح من السقيم= كان مجهودًا فاشلًا البتة، رغمًا عن اعتراف بعض أساتذة أبي ريَّة بعظمته: "ليفتخر المسلمون بعلم حديثهم ما شاؤوا" (١).
فأخذ يفتّش ويهوّش ويلفِّق ويحطب من هنا وهناك كلَّ ما من شأنه أن يوحي إلى قارئه بذلك الغرض، ولو كان من أقوال الكذَّابين والمتهمين والجاهلين بالدين وطبيعته! ويضحّي في سبيل ذلك بأصول النقد التاريخي
стр. 481
الذي يدعو له .... (١)؛ ولهذا يعتذر إلى شركائه في ص ١٤ بقوله: "وبرغمي أن أنصرف في هذا الكتاب عن النقد والتحليل، وهي الأصول التي يقوم العلم الصحيح في هذا العصر عليها".
إننا لا ننكر أصول النقد والتحليل، بل نعرف أن سلف العلماء قد عملوا بها في حدودها، وأنها قد بقيت جملة كبيرة بحاجة إلى النقد، وأن الأمة قصَّرت منذ قرون في إنجاب النقَّاد؛ لكننا نريد نُقَّادًا متبحِّرين في السُّنَّة وفي طرق النقد العلمي الذي انتهجه الأئمة، وهو يشتمل على ما يلائم هذا الموضوع مما يسميه العصريون: "أصول النقد التحليلي" فيربطون جهودهم بجهود أسلافهم.
نريد نُقَّادًا يؤمنون بأن القرآن كلام الله لا يأتيه الباطل [ص ٢] من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. حتى إذا جاءهم من السُّنَّة ما يعرفون نظيره في القرآن لم يستنكروه.
وأبو ريَّة وأصحابه يأبون هذا، وقد تضمَّن كتابه هذا تشكيكًا في أحاديث من جهاتٍ في القرآن ما هو مثلها أو أبعد عن عقل أبي ريَّة منها. فلا أدري أيجري على أصله فينتقد القرآن أيضًا فيأخذ منه ويرُدّ؟ إذا ردّ شيئًا منه فقد ردَّه كلَّه، وإن اضطرّ في كتابه هذا إلى ترك التصريح بذلك. أم يكتفي بما مَهَده له أسلافه من أهل البدع، كما صرّح به في أواخر كتابه: (أن النصوص اللفظية لا تفيد اليقين)، ثم يسلك مسلك التأويل، وإن كان كما قال ص ٢٤٧: (بحيث يعلم السامع أن المتكلم لا يقول بجوازه في الباطن). أم ينحو منحى شيخه ابن سينا الذي صرَّح به في "الرسالة الأضحوية".
стр. 482
نريد نُقَّادًا يؤمنون بأن من الحكمة في إنشاء الله الخلق هذه النشأة أن يبلوهم أيهم أحسن عملًا، ويبلو ما في نفوسهم ويمحّص ما في قلوبهم؛ فاقتضى ذلك أن يكون في كتاب الله مع الآيات المحكمات آيات متشابهات، ونحو ذلك مما يُبرِز مرض المريض؛ كإخباره بما يستبعده عُبَّاد العادة، وبما تنكره العقول المصطنعة، وكضَرْبه المثل ببعوضة فما فوقها، وإقسامه بما أقسم به، وإخباره عن النار بأن عليها تسعة عشر، وغير ذلك مما المقصود منه أن تُبرَز خفايا النفوس؛ فمَن كان من أهل العلم والإيمان لم يزحزحه ذلك، بل إن فَهِم وإلا قال: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. وإن كان مِن مرضى القلوب وجد متنفّسًا ينفث عنده مقتضى مرضه؛ ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
فإذا وجدوا في السنة من هذا القبيل لم يستنكروه.
نريد نُقَّادًا مؤمنين حقًّا يعرفون أثر الدين والإيمان والهدى والعلم على النفوس، فيَعلم أحدُهم أنه لو بُذِل له ملك الدنيا على أن يكذب على رسول الله ﷺ ما كذب [ص ٣]، فإذا عرفوا رجلًا بأنه مثلهم في ذلك أو خير منهم لم يردّوا خبرَه لمجرّد احتمال أنه يوافق غرضًا له.
هذه أمثلة من الفوارق يريد أصحاب النقد التاريخي إهمالها؛ فيتطرّقوا في نقد الحديث إلى أن يشكّوا في كلّ خبر فيه ثناء على النبي ﷺ أو فضيلة له أو تبرئة من تهمة أو تأييد للإسلام، بعِلّة أن رواته مسلمون يُتَّهمون في تأييد دينهم ومدح نبيّهم. ثم يأخذوا في نقد القرآن فلا يُبقوا ولا يذروا.
هذا هو الهدف الذي يدعو إليه كتاب أبي ريَّة، شَعَر بذلك أم لم يشعر.
стр. 483
إن الذي يتأهل لنقد الحديث لابدّ أن يكون عارفًا بطبيعة الدين، عارفًا بالقرآن، عارفًا بحال الذين خُوطبوا به أولًا وبطريق فهمهم، عارفًا بأحوال الرواة معرفةً صحيحة، عارفًا بعاداتهم في الرواية وما يَعْرِض لهم فيها، محيطًا بأكثر ما رُوي من الحديث مرفوعًا وموقوفًا ومقطوعًا ومتصلًا وغير ذلك، جيّد الفهم بريئًا من الهوى.
فإن لم يكن كذلك فلا مناص له من الاعتماد على أئمة الحديث، وعليه مع ذلك أن يعرف حالهم وعادةَ كلٍّ منهم في الجرح والتعديل، واصطلاحهم الخاص في ألفاظهم.
ودعوى أن أصول النقد لا تتطلَّب هذا كله مقبولة إذا كان المقصود من النقد هو التهويش وتشكيك الجهال، وترويج الأهواء! فأما إذا كان المقصود منه تحرّي الحقيقة فلا.
فأما أبو ريَّة فنصيحتي له أن يتدبّر القرآن متخلّيًا عن كلام المفسرين متقدّمين أو متأخرين، مع استحضار حال الذين خُوطبوا أوّلًا وطريق فهمهم، فإذا وجد كثيرًا من القرآن تنفر عنه نفسه ويضيق به تسليمه فليكن شجاعًا ....... (١) للوقت ليجرّد قلمه في نقد القرآن.
وإن وجد نفسه مؤمنًا مطمئنًّا بكل ما في القرآن بغير تحريف ولا تأويل مستَكْرَه، فحينئذٍ يلتفت إلى الحديث. أمّا أن يدَّعي الآن أنه قد تدبّر القرآن وآمن به كل الإيمان؛ فهذه دعوى يعلم هو نفسه أنها كاذبة، وكتابه هذا أصدق شاهدٍ عليه.
стр. 484
الباحث المتّزن الواثق بحجته هو الذي يترك الإعلان عن نفسه وعن كتابه إلى الأدلة نفسها، ويدع للناس الحريّة التامة في موافقته أو مخالفته، أما أبو ريَّة فهو يحاول أن يفرض رأيه على الناس فرضًا، ويبالغ في مدح من يأمُل موافقته، وسبِّ من يخشى مخالفته، فتراه يقول في لوح كتابه: "دراسة محررة ... قامت على قواعد التحقيق العلمي ... ".
ويقول ص ١٤: "وقد ينبعث له من يتطاول إلى معارضته مِمَّن تعفّنت أفكارهم وتحجّرت عقولهم".
ويقول ص ٣٥٤: "فإن يقع عملنا هذا لدى المستنيرين ورجال الفكر المثقفين في مكان الرضا والقبول فهذا ما نرجوه وهو حسبنا، وإن تضق به صدور الحشوية وشيوخ الجهل من زوامل الأسفار الذين يخشون على علمهم المزوّر من سقوط الحق، ويخافون على كساد بضاعتهم العفنة التي يستأكلون بها أموال الناس بالباطل أن يكشفهم نور العلم الصحيح، ويهتك سترهم نور الحجة البالغة؛ فهذا لا يهمنّا؛ إذ ليس لمثل هؤلاء خَطَرٌ عندنا ولا وزن في حسابنا".
كذا يقول! ولو لم يكن لهم خَطَر عنده لما حاول أن يتّقيهم بهذا السلاح. [ص ٤] وماذا عليهم إذا لم يكن لهم خَطَر عند أبي ريَّة؟ !
* * * *
هل نهى النبي ﷺ عن كتابة حديثه
جاء عنه ﷺ حديثان:
أحدهما: ما رواه مسلم (١) وغيرُه من طريق همّام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عنّي،
стр. 485
ومَن كتب عنّي غيرَ القرآن فليَمْحُه ... " الحديث.
والثاني: ما رواه ابن عبد البر في "كتاب العلم" (١) من طريق كثير بن زيد بن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: "دخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث وأمر إنسانًا أن يكتبه. فقال له زيد: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه".
فأما الحديث الأول، فقال ابن حجر في "فتح الباري" (٢): "ومنهم مَن أعلَّ حديث أبي سعيد وقال: الصواب وقْفُه على أبي سعيد؛ قاله البخاري وغيرُه". يعنون أن أصل الخبر بقريب من هذا اللفظ من قول أبي سعيد، فوهِم بعضُ الرواة فَرَفعه إلى النبي ﷺ .
والبخاريُّ وغيره إنما يقولون مثل هذا حيث يكون عندهم دلائل على ذلك؛ كأنْ يُروى من وجه آخر أثبت من هذا موقوفًا على أبي سعيد. وكثير من كتب الأثر لاسيَّما التي تُعنى بالموقوفات ليست عندي. نعم، في "كتاب العلم" (٣) لابن عبد البر عن أبي نضرة: "قيل لأبي سعيد: لو أكْتَبْتَنا الحديث؟ فقال: لا نُكْتِبُكم، خذوا عنَّا كما أخذنا عن نبينا ﷺ "، وفي رواية: "قلتُ لأبي سعيد الخدري: ألا نكتب ما نسمع منك؟ قال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟ ! إن نبيَّكم ﷺ كان يُحدِّثنا فنحفظ، فاحفظوا كما كنّا نحفظ". وفي رواية: " ... أردتم أن تجعلوه قرآنًا! لا، لا، ولكن خذوا عنَّا كما أخذنا عن رسول الله ﷺ ".
стр. 486
والظاهر أنه لو كان عند أبي سعيد أن النبي ﷺ نهى لَذَكَرَ ذلك لهؤلاء.
وذكر أبو ريَّة عن عائشة أن أبا بكر كتب في صحيفة خمسمائة حديث، ثم أحرقها معتذرًا بأن فيها ما سمعه من رجل عن النبي ﷺ ، ويخشى أن يكون [ص ٥] ذاك الرجل وهِم، وأنه يخشى أن يردّ مَن بعده ما وجدوه من الحديث زائدًا على تلك الصحيفة، بعلّة أنه لو كان صحيحًا لعَلِمَه أبو بكر؛ هذا معنى القصة. وهي ــ لو صحّت ــ واضحة الدلالة على أن أبا بكر لم يكن عنده أن النبي ﷺ نهى عن الكتابة.
وذَكَر عن عمر أنه استشار الصحابة في كتابة الحديث، فأشاروا (١) بذلك، فمكث مدّة يتردّد في ذلك، ثمّ عزم أن لا يكتب، وقال: "إني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا، فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله". وهذا ــ إن صحَّ ــ يدل أن عمر والصحابة حالهم كحال أبي بكر، أي لم يكن عندهم أن النبي ﷺ نهى عن الكتابة.
فمَن تدبَّر هذا عَلِم أنه لم يثبت عن النبي ﷺ نهيٌ عن كتابة حديثه. وإنما عَدَل عنها أبو بكر لِما تقدّم، وعَدَل عنها عمر خشية أن يدع الناسُ القرآنَ، ويستغنوا بما كتب من الحديث.
وفوق هذا: فقد ثبت عن النبي ﷺ الإذنُ بالكتابة، وقد أورد البخاريُّ في ذلك ثلاثة أحاديث (٢): حديث صحيفة علي، وحديث "اكتبوا لأبي شاه"، وحديث أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب.
стр. 487
وقد روى الحديثَ غير البخاري وصرّح فيه بإذن النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو، وجاء في ذلك حديث عن عبد الله بن عمرو. راجع "فتح الباري" (١) كتاب العلم، باب كتابة الحديث، و"المستدرك" (١/ ١٠٤) فما بعدها، ومسند أحمد بتحقيق العلَّامة أحمد محمد شاكر، تعليقه على الحديث (٦٥١٠).
وقد قال أبو ريّة نفسه في حاشيته ص ٢٣: (أملى النبي ﷺ كُتبًا في الشرائع والأحكام ... ولا يتعدّى ما كُتب عن الرسول في عصره عشر صفحات ... ).
كذا قال! والمشهور في صحيفة عبد الله بن عمرو أنها كبيرة، وكان يعتزّ بها، ويسمّيها "الصادقة" تمييزًا لها عن أخرى كانت عنده عن أهل الكتاب.
* * * *
[ص ٦] لماذا لم يأمر النبي ﷺ بكتابة الحديث
نقل أبو ريَّة عن بعضهم أن ذلك تنبيه على أنها ليست من الدين العام، وفي كلامه ما يدلُّ أن الدين العام عنده هو السنن العَمَلية المتواترة؛ ككون الصلوات خمسًا، والصبحِ ركعتين، والمغربِ ثلاثًا، وغير ذلك. ويضيف إليها ما كانت دلالته قطعيةً من القرآن، على فرض وجوده؛ لأنه عاد فنقل عن بعضهم أن النصوص اللفظية مطلقًا لا تفيد إلا الظن.
فيقال له: لم يأمر النبي ﷺ بكتابة السنن المتواترة مع أنها من الدين العام عندك، وأمر بكتابة القرآن كله مع أن بعضه أو كلَّه ليس بحسب دلالته
стр. 488
من الدين العام. فتبيَّن سقوط علّتك، وإنما العلّة الصحيحة: أن ألفاظ القرآن مقصودة لذاتها قصدًا مؤكدًا؛ لأنه كلام الله ، متعبد بتلاوته كما أُنزل، ولألفاظه السهم الأوفر من إعجازه، وهو من العظمة بأعلى الدرجات.
والأحاديث ليست مثله فيما ذُكِر، بل هناك ما يقتضي أن لا يؤمر بكتابتها، وذلك أمران:
الأول: المشقّة لقلّة الكُتَّاب وقلة ما يُكْتَب فيه.
الثاني ــ وهو الأعظم ــ: ما يقتضيه أصل الابتلاء الذي مرّت الإشارة إليه، وهو الأصل الذي بُنيت عليه هذه النشأة الدنيا. ومن أحبّ التبصّر فيه فليراجع الآيات القرآنية التي فيها ذكر البلاء أو الابتلاء، وهي كثيرة. ولأجل هذا الأصل جعل الله أكثر حُجج الحقّ بيِّنةً واضحةً لمن يحبّ الحقَّ ويحرص عليه ويؤثره على الهوى بجميع أنواعه؛ غيرَ ظاهرةٍ لمن يحبّ الباطل ويحرص عليه ويؤثره.
وبيانُ ذلك: أنه معروف مشاهَد أن من يحبّ شيئًا ويحرص عليه ويؤثره على كلِّ ما سواه يكفيه في اختياره لأمر من الأمور أن يغلب على ظنّه أنه محصِّل لمحبوبه. [ص ٧] هذا أمر معلوم يقينًا، حتى لو أن إنسانًا ادَّعى أنه يحبّ أمرًا حبًّا شديدًا يؤثره على كل شيء ثم عُرض عليه عملٌ يغلب على ظنّه أنه محصِّل لذلك الأمر الذي ادّعى حبَّه فلم يلتفت إليه= عَلِمْنا كذب دعواه. وقد نصّ القرآن على هلاك أقوام مع وصفه لهم بأنهم مرتابون.
أمَّا لو كانت حُجج الحقّ قاهرة لا يمكن أحدًا أن يرتاب فيها= لكان إيمانه بها إيمان مُلْجَأٍ. فلو حصل لأكفر الناس علمٌ قاهر كعلمه بأن الأربعة
стр. 489
ضعف الاثنين، لو حصل له علمٌ كهذا بأنه إن لم يُسلم خُلِّد في نار جهنَّم لأسلم رغمًا عن هواه. وليس المقصود من الدين إرغام الناس على الحق، إنما مقصوده ابتلاء ما في نفوسهم من الحبّ للحق أو الحبّ للباطل.
وأنت ترى دلالات القرآن كثير منها ليست بقاهرة، ومِنَ الحكمة في ذلك: الابتلاء، فالمحبّ للحق تكفيه الدلالة الظاهرة، والمحبّ للباطل يتأوَّل ويتعلّل.
وحكمة أخرى، وهي: أن يجاهد المسلم في سبيل فَهْم المعنى الصحيح، ويجاهد نفسَه في حملها على الدلالة الظاهرة.
وكلّما كان الجهاد أشقّ كان الفوز في الامتحان أبْيَن وكانت العبادة وثوابها أعظم.
وليس المقصود هنا أنه لا يُشْتَرط في الإيمان الإيقان، وإنما المقصود أنه يكفي في قيام الحجّة الظهور البيِّن، فمَن قَبِل فقد فاز في الابتلاء، ثم إن حافظ على ذلك فهو في طريقه إلى الإيمان؛ قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، ومَن أبَى فقد سقط في الامتحان، ثم إن استمرَّ على عناده استحقّ الوبال؛ قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ (١) كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].
فهكذا عدم الأمر بكتابة الحديث قُصِد منه ابتلاءُ الناس بحفظه، وابتلاؤهم في أدائه على وجهه، وابتلاؤهم في تمييز صحيحه من سقيمه، وابتلاؤهم في اتباعه عند ظهور دلالته وإن لم تكن قاهرة، إلى غير ذلك.
стр. 490
على أن [الله] ﵎ قال لرسوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١) [القيامة: ١٦ ــ ١٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحِجر: ٩].
والذِكر إن لم يشمل السُّنَّة بلفظه شملها بمعناه، بل يشمل اللغة التي يفهم بها؛ لأن مقصود الحفظ هو بقاءُ الحجّة قائمة والتمكّن من الوصول إلى الحقّ دائمًا إلى قيام الساعة؛ لأن محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء، فتكفَّل الله تعالى بحفظ شريعته، بحيث مَن طلب الحقَّ فيها بإخلاصٍ وصدق وجَدَه. [ص ٨] فلا يخفى قبل أجل فناء الدنيا، وإلا اقتضت الحكمة إرسال غيره.
وهذا التكفُّل بالحفظ لا يعني إعفاء الأمة من وجوب عمل كلِّ ما مِن شأنه الحفظ، ألا ترى أن الكفالة الصريحة بحفظ القرآن لم تمنع الصحابة لمَّا استحرّ القتل في اليمامة بالقرَّاء، لم يمنع الصحابة علمهم بالكفالة عن أن يُبادروا بجمع القرآن.
стр. 491
الرواية بالمعنى
قد اتضح مما تقدَّم أن الفرق بين القرآن إذا أُمِر بكتابته وبين غيره هو أن ألفاظ القرآن مقصودة لذاتها دون الأحاديث، فهي مقصودة القصد الأعظم لمعانيها. ودلائل ذلك أكثر من هذا؛ فإن الإسلام دين الفطرة، والفطرة تقضي على مَن سمع كلامًا مرّة واحدَة أن لا يُكلَّف عند تبليغه بالمحافظة على لفظه. ألا ترى أن أكثر ما يرسل الإنسان رسولًا أو مندوبًا، ويقول له: قل كيتَ وكيتَ، ويذكر له كلامًا، فالغالب أنه إنما يريد منه أداء معناه. وإذا أدَّى معناه فهو صادق حتمًا.
وقد ذكر الله في كتابه كثيرًا من الكلام ينسبه إلى الناس، ومنه ما يطول فيبلغ ثلاث آيات أو أكثر. ولا ريب أن تلك الألفاظ وتلك العبارات من القرآن لها فخامته وإعجازه، فثبتَ بذلك أنها كلام الله تعالى، وأن نسبتها إلى مَن نُسِبَت إليه مِن المخلوقين إنما حاصله أنهم قالوا ما يؤدِّي ذاك المعنى.
فأما ما في القرآن مما هو في معنى الترجمة عن غير العربية إليها فكثير جدًّا. نعم، إن الرواية بالمعنى مظنّة الخطأ في الجملة، ولكن هذا أيضًا من مقتضى أصل الابتلاء؛ ليتبين مَن يبالغ في الحرص على الوفاء بالمعنى مِمَّن يقصّر، ويكون للعلماء مجال للبحث والنظر واستخراج الخطأ، وبقَدْرِ ما يجِدّون في ذلك مخلصين واقفين على السراط المستقيم يكون فوزهم وثوابهم.
أما تمنِّي بعض الناس أن تكون الأحاديث كُتِبَت أو أنَّها رُويت بألفاظها،
стр. 492
فهذا [ص ٩] من جنس تمنِّي أن يكون الله تعالى جعل القرآن مشتملًا على جميع مقاصد الدين بالدلالات القاطعة، وتمنِّي أن لا يكون في القرآن متشابه، وأن لا يكون فيه الآيات التي يتشبّث بها الزائغون، إلى غير ذلك.
وهذه غفلة عن حِكْمة أحكم الحاكمين . إن حكمته شاملة لكلِّ شيء، حتّى وَضْع الوضَّاعين وكذِب الكاذبين، لله حكمة بالغة في تمكينهم منه، ففي ذلك بروز ما في نفوسهم من حبّ الباطل، وبذلك تتم عليهم الحجّة، وفي ذلك ابتلاء للناس وفتح مجال لاجتهاد أهل العلم وجهادهم، وقد قال الله في بيان مصداقه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ [آل عمران: ١٣٩ ــ ١٥٤].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
стр. 493
فليعلم أبو ريَّة أن مِن شيوخ الحشويَّة ــ كما يسمّيهم ــ مَن إن ثَقُل عليهم كتابه هذا لحُبهم للإسلام، فإنهم لا يرونه أكثر من دعوة يدعوهم الله [ص ١٠] بها إلى الجهاد في سبيل إعلاء كلمته، ويعلمون أنهم إن شمَّروا عن سواعد الجدّ وبذلوا ما يسعهم مِن الجهد، فقد فازوا في هذا الابتلاء برضوان الله ﵎، سواءٌ أحصل ما يرغبون فيه من استجابة كثير من الناس للحقّ أم لم يحصل.
إن المعلوم بالتجربة أن العارف باللغة إذا سمع وفَهِم المعنى وضبط، ثم روى بالمعنى لا يخطئ إلا نادرًا، بحيث إذا لم يتبيَّن في شيءٍ أنه أخطأ فيه= يحصل الوثوق بخبره. وهذا الوثوق هو مدار التكليف، كما أنه مدار أعمال العقلاء، ألا ترى ركوب السيارة والباخرة والطائرة موثوق بالسلامة فيه الثقة التي يطمئنّ إليها العقلاء ويعملون بها، وإن كان قد يتفق الاصطدام والغرق والسقوط، على أن الاصطدام والغرق والسقوط مُهلك ولا بُدّ، فأما الغلط في الرواية فلابدّ أن يُهيّئ الله تعالى ما يبيّنه فلا يستمر ضرره، ومَن كان له معرفة راسخة بالحديث يعرف هذا ويتحققه.
وأئمة الحديث لا يوثّقون الراوي حتى يعتبروا رواياته بروايات الثقات المعروفين، فإذا وجدوه يُغيِّر المعنى جرحوه، وإن وجدوه قد يقع له التغيير ولا يَكثُر غمزوه وقالوا: لا يُحتج به، يعنون: أن حديثه يحتاج إلى متابعات وشواهد، وهكذا.
وقد حكى أبو ريَّة أن البخاريَّ يروي بالمعنى، وهذا صحيحه موجود، وقلَّ حديث فيه إلا وهو يوجد من رواية غيره عن شيخه أو شيخ شيخه، فهل وجد أهلُ العلم تفاوتًا مُخلًّا بالمعنى يؤدي إلى فساده؟ كلَّا ولله الحمد.
стр. 494
حديث "مَن كذب علَيَّ"
الكذب ممقوت عقلًا وفطرة، والقرآن يعتبر الكذب على الله ظلمًا لا يفوقه ظلمٌ آخر، قال الله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (١) [الأنعام: ١٤٤]، وكرَّر هذا المعنى في آيات عديدة (٢)، والنبي ﷺ مبلِّغ عن الله تعالى، صادق في كلّ ما بلَّغه، فالكذب عليه كذب على الله .
وطبيعي أن يُحذر النبي ﷺ المسلمينَ من الكذب عليه، وطبيعيّ أن يكرّر ذلك في عدّة مناسبات كما كرَّر الله بيان غلظ الكذب عليه في عدّة آيات.
وحديث: "مَن كَذَب عليَّ" (٣) إلخ، إن لم يكن متواترًا لفظه فهو بلا ريب مقطوع بصحة معناه عند مَن يعرف الحديث ويعرف رواة الحديث.
الحديث رُوي من طريق جماعة من الصحابة ﵃ بألفاظ متقاربة إلا أنه يمكن جعلها ضربين:
الضرب الأول: "مَن كَذَب عليَّ فليتبوّأ مقعدَه مِن النار"، وما يؤدِّي هذا المعنى بدون نصٍّ على التقييد بالتعمّد.
الثاني: "مَن كَذَب عليَّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقعدَه مِن النار" وما يؤدي هذا
стр. 495
المعنى بالنصّ على التقييد بالتعمّد. وأبو ريَّة ينكر هذا القيد ويبالغ، ويتلمَّس التُّهَم لمن هم ــ عند من يعرفهم حقّ المعرفة ــ أبعد الناس من أن يتعمَّدوا.
[ص ١١] اختلف الناسُ في تحرير معنى الكذب، والذي صار إليه الأكثر: أنه الإخبار بما يخالف الواقع. وذهب جماعة منهم الجاحظ إلى أنه لا يكون كذبًا حتى يخالف الواقع ويخالف ما في نفس المُخْبِر. وأبو ريَّة يقدِّس الجاحظ ولكنه رأى أنّ قوله هنا لا يتمشّى مع هواه! هذا مع أنه ذكر ص ٥٠ أنها (١) خطَّأت عمرَ وابنَه في حديث، وقالت للذين أخبروها عنهما: "إنكم لتحدّثون عن غير كاذبين ولكن السمع يخطئ".
وأنها خطّأت ابنَ عمر في حديث، وقالت: "إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ". وذكر خطأ جماعة من الصحابة.
عَقَد ص ٢٠ فما بعدها بابًا لبيان أن النبي ﷺ إنما كان معصومًا في أمور الدين، فأما أمور الدنيا (٢) فقد يخطئ كما يخطئ غيرُه، ويريد أبو ريَّة وبعضُ شيوخه أن يجعل هذا أصلًا يُسقط به كلَّ ما أخبر النبي ﷺ عن الأمور الكونية والطبيعية، كما صرَّح بذلك في قضية الذباب بحاشية ص ٢٠١، ولازم هذا حتمًا أنه يقول: إن النبي ﷺ كان يكذب، وأن عمر وابن عمر وغيرهما من الصحابة كانوا يكذبون، وكانوا يرمي بعضهم بعضًا بالكذب. وأدهى من هذا وأمرّ قوله بحاشية ص ٣٩: (ولعنة الله على الكاذبين متعمدين وغير متعمدين، ومن يروّج لهم من الشيوخ الحشويين).