الرواية بالمعنى
قد اتضح مما تقدَّم أن الفرق بين القرآن إذا أُمِر بكتابته وبين غيره هو أن ألفاظ القرآن مقصودة لذاتها دون الأحاديث، فهي مقصودة القصد الأعظم لمعانيها. ودلائل ذلك أكثر من هذا؛ فإن الإسلام دين الفطرة، والفطرة تقضي على مَن سمع كلامًا مرّة واحدَة أن لا يُكلَّف عند تبليغه بالمحافظة على لفظه. ألا ترى أن أكثر ما يرسل الإنسان رسولًا أو مندوبًا، ويقول له: قل كيتَ وكيتَ، ويذكر له كلامًا، فالغالب أنه إنما يريد منه أداء معناه. وإذا أدَّى معناه فهو صادق حتمًا.
وقد ذكر الله في كتابه كثيرًا من الكلام ينسبه إلى الناس، ومنه ما يطول فيبلغ ثلاث آيات أو أكثر. ولا ريب أن تلك الألفاظ وتلك العبارات من القرآن لها فخامته وإعجازه، فثبتَ بذلك أنها كلام الله تعالى، وأن نسبتها إلى مَن نُسِبَت إليه مِن المخلوقين إنما حاصله أنهم قالوا ما يؤدِّي ذاك المعنى.
فأما ما في القرآن مما هو في معنى الترجمة عن غير العربية إليها فكثير جدًّا. نعم، إن الرواية بالمعنى مظنّة الخطأ في الجملة، ولكن هذا أيضًا من مقتضى أصل الابتلاء؛ ليتبين مَن يبالغ في الحرص على الوفاء بالمعنى مِمَّن يقصّر، ويكون للعلماء مجال للبحث والنظر واستخراج الخطأ، وبقَدْرِ ما يجِدّون في ذلك مخلصين واقفين على السراط المستقيم يكون فوزهم وثوابهم.
أما تمنِّي بعض الناس أن تكون الأحاديث كُتِبَت أو أنَّها رُويت بألفاظها،
стр. 492
فهذا [ص ٩] من جنس تمنِّي أن يكون الله تعالى جعل القرآن مشتملًا على جميع مقاصد الدين بالدلالات القاطعة، وتمنِّي أن لا يكون في القرآن متشابه، وأن لا يكون فيه الآيات التي يتشبّث بها الزائغون، إلى غير ذلك.
وهذه غفلة عن حِكْمة أحكم الحاكمين . إن حكمته شاملة لكلِّ شيء، حتّى وَضْع الوضَّاعين وكذِب الكاذبين، لله حكمة بالغة في تمكينهم منه، ففي ذلك بروز ما في نفوسهم من حبّ الباطل، وبذلك تتم عليهم الحجّة، وفي ذلك ابتلاء للناس وفتح مجال لاجتهاد أهل العلم وجهادهم، وقد قال الله في بيان مصداقه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ [آل عمران: ١٣٩ ــ ١٥٤].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
стр. 493
فليعلم أبو ريَّة أن مِن شيوخ الحشويَّة ــ كما يسمّيهم ــ مَن إن ثَقُل عليهم كتابه هذا لحُبهم للإسلام، فإنهم لا يرونه أكثر من دعوة يدعوهم الله [ص ١٠] بها إلى الجهاد في سبيل إعلاء كلمته، ويعلمون أنهم إن شمَّروا عن سواعد الجدّ وبذلوا ما يسعهم مِن الجهد، فقد فازوا في هذا الابتلاء برضوان الله ﵎، سواءٌ أحصل ما يرغبون فيه من استجابة كثير من الناس للحقّ أم لم يحصل.
إن المعلوم بالتجربة أن العارف باللغة إذا سمع وفَهِم المعنى وضبط، ثم روى بالمعنى لا يخطئ إلا نادرًا، بحيث إذا لم يتبيَّن في شيءٍ أنه أخطأ فيه= يحصل الوثوق بخبره. وهذا الوثوق هو مدار التكليف، كما أنه مدار أعمال العقلاء، ألا ترى ركوب السيارة والباخرة والطائرة موثوق بالسلامة فيه الثقة التي يطمئنّ إليها العقلاء ويعملون بها، وإن كان قد يتفق الاصطدام والغرق والسقوط، على أن الاصطدام والغرق والسقوط مُهلك ولا بُدّ، فأما الغلط في الرواية فلابدّ أن يُهيّئ الله تعالى ما يبيّنه فلا يستمر ضرره، ومَن كان له معرفة راسخة بالحديث يعرف هذا ويتحققه.
وأئمة الحديث لا يوثّقون الراوي حتى يعتبروا رواياته بروايات الثقات المعروفين، فإذا وجدوه يُغيِّر المعنى جرحوه، وإن وجدوه قد يقع له التغيير ولا يَكثُر غمزوه وقالوا: لا يُحتج به، يعنون: أن حديثه يحتاج إلى متابعات وشواهد، وهكذا.
وقد حكى أبو ريَّة أن البخاريَّ يروي بالمعنى، وهذا صحيحه موجود، وقلَّ حديث فيه إلا وهو يوجد من رواية غيره عن شيخه أو شيخ شيخه، فهل وجد أهلُ العلم تفاوتًا مُخلًّا بالمعنى يؤدي إلى فساده؟ كلَّا ولله الحمد.
стр. 494
حديث "مَن كذب علَيَّ"
الكذب ممقوت عقلًا وفطرة، والقرآن يعتبر الكذب على الله ظلمًا لا يفوقه ظلمٌ آخر، قال الله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (١) [الأنعام: ١٤٤]، وكرَّر هذا المعنى في آيات عديدة (٢)، والنبي ﷺ مبلِّغ عن الله تعالى، صادق في كلّ ما بلَّغه، فالكذب عليه كذب على الله .
وطبيعي أن يُحذر النبي ﷺ المسلمينَ من الكذب عليه، وطبيعيّ أن يكرّر ذلك في عدّة مناسبات كما كرَّر الله بيان غلظ الكذب عليه في عدّة آيات.
وحديث: "مَن كَذَب عليَّ" (٣) إلخ، إن لم يكن متواترًا لفظه فهو بلا ريب مقطوع بصحة معناه عند مَن يعرف الحديث ويعرف رواة الحديث.
الحديث رُوي من طريق جماعة من الصحابة ﵃ بألفاظ متقاربة إلا أنه يمكن جعلها ضربين:
الضرب الأول: "مَن كَذَب عليَّ فليتبوّأ مقعدَه مِن النار"، وما يؤدِّي هذا المعنى بدون نصٍّ على التقييد بالتعمّد.
الثاني: "مَن كَذَب عليَّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقعدَه مِن النار" وما يؤدي هذا
стр. 495
المعنى بالنصّ على التقييد بالتعمّد. وأبو ريَّة ينكر هذا القيد ويبالغ، ويتلمَّس التُّهَم لمن هم ــ عند من يعرفهم حقّ المعرفة ــ أبعد الناس من أن يتعمَّدوا.
[ص ١١] اختلف الناسُ في تحرير معنى الكذب، والذي صار إليه الأكثر: أنه الإخبار بما يخالف الواقع. وذهب جماعة منهم الجاحظ إلى أنه لا يكون كذبًا حتى يخالف الواقع ويخالف ما في نفس المُخْبِر. وأبو ريَّة يقدِّس الجاحظ ولكنه رأى أنّ قوله هنا لا يتمشّى مع هواه! هذا مع أنه ذكر ص ٥٠ أنها (١) خطَّأت عمرَ وابنَه في حديث، وقالت للذين أخبروها عنهما: "إنكم لتحدّثون عن غير كاذبين ولكن السمع يخطئ".
وأنها خطّأت ابنَ عمر في حديث، وقالت: "إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ". وذكر خطأ جماعة من الصحابة.
عَقَد ص ٢٠ فما بعدها بابًا لبيان أن النبي ﷺ إنما كان معصومًا في أمور الدين، فأما أمور الدنيا (٢) فقد يخطئ كما يخطئ غيرُه، ويريد أبو ريَّة وبعضُ شيوخه أن يجعل هذا أصلًا يُسقط به كلَّ ما أخبر النبي ﷺ عن الأمور الكونية والطبيعية، كما صرَّح بذلك في قضية الذباب بحاشية ص ٢٠١، ولازم هذا حتمًا أنه يقول: إن النبي ﷺ كان يكذب، وأن عمر وابن عمر وغيرهما من الصحابة كانوا يكذبون، وكانوا يرمي بعضهم بعضًا بالكذب. وأدهى من هذا وأمرّ قوله بحاشية ص ٣٩: (ولعنة الله على الكاذبين متعمدين وغير متعمدين، ومن يروّج لهم من الشيوخ الحشويين).
стр. 496
ويقول ص ٢٧ في ردّ كلمة "متعمدًا": (وكل ذي لبّ يستبعد أن يكون النبي قد نطق بها، لمنافاة ذلك للعقل والخُلُق اللذَينِ كان الرسول متصفًا بالكمال منهما، ذلك بأن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، سواءٌ أكان عمدًا أم خطأ).
أقول: أما إذا بنينا على أن المخطئ ليس بكاذب كما تقدم، فلم تَزِدْ كلمة "متعمدًا" عن أن تكون حالًا كاشفة، فإن كان العقل يأباها [ص ١٢] فقد كان العقل يُوجب أن يُقال: "من كَذَب عليّ أو أخطأ". ولا أدري لماذا يأباها العقل مع جزمه بأنَّ الإنسان معرَّض للخطأ شاء أم أبى، ومع اعترافه بأن الأنبياء قد يخطئون فيما يتعلق بأمور الدنيا، وإنما عُصموا في أمور الدين بإعجاز خارق ليس لغيرهم، ومع جزمه بصحّة ما نصّ عليه القرآن: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وعلَّم الله تعالى عبادَه أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وما علَّمهم إلَّا ليستجيب لهم. وفي "الصحيح" (١) أن الصحابة لمَّا قالوها قال الله تعالى: "قد فعلتُ".
وقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥].
فلو قطعنا بأنَّ مَن أخطأ فأخبر بخلاف الواقع غيرَ مقصِّر قد كذب، وبأنَّ النبي ﷺ لم يقل "متعمدًا" ولا ما في معناها= لأوجبت الأدلة العقلية والنقلية أن قوله: "مَن كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار" وإن تناول بلفظه المخطئ غير المقصّر فليس متناولًا له بحكمه. هذا من جهة العقل. فأما من
стр. 497
جهة الخُلق الكريم فقد قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فهل يليق بصاحب الخُلُق أن يكلِّف أصحابه ما يعلم أنهم لا يستطيعونه، مع أن ربَّه لم يكلِّف به عباده؟
وليقف العاقل هنا وقفةً يتدبّر فيها حال أبي ريَّة، وهل يرضى أن يضيع العاقل وقته بمطالعة كتابه إلا أن يتصدَّى عارفٌ لكشف حاله لئلّا يغترَّ به الجَهَلة؟ وهل ينبغي له إن كان عاقلًا أن يتعاطى الكلام في مثل هذا الأمر؟
إن أئمة السُّنَّة يفرّقون بين الرواة ويُنْزِلون كلَّا منزلته. فالثقة الثبت عندهم هو الذي يُعرف من اعتبار روايته برواية غيره، أنه لا يحدّث إلا بما يسمعه حقًّا. فأما الذي يحدّث بما لم يتحقَّق أنه سمعه؛ فهذا كذّاب أو متّهم. وكذا من يكون مغفَّلًا يتوهَّم أنه سمع وضبط، ويرى أنه جازم بذلك وهو مخطئ؛ فهذا عندهم هو المغفَّل المتروك الذي يحدّث على التوهُّم، ومِن ثَمَّ يعاملون مَن يُخطئ على حسب مقدار خطائه كميَّة وكيفيةً. فَهُم وإن أثنوا على بعض مَن يكثر خطاؤه وغلطه بأنه كان صالحًا عابدًا فإنهم يجرحونه في الحديث جرحًا صارمًا كقولهم: "منكر الحديث، متروك، ليس بشيء"، حتى قال شعبة: لأن أزني أحبّ إليَّ مِن [أن] أروي عن أبان بن أبي عيَّاش، وقال نحو ذلك في يزيد الرقاشي.
فليطمئنّ المسلمون على الحديث النبويّ، فإن الله ﵎ لم يهمله (١) إلى أن يُبْعَث لتنقيحه أبو ريَّة وأضرابه بعد قرابة أربعة عشر قرنًا،
стр. 498
وأن أئمة المسلمين المؤمنين بالله ورسوله حقًّا لم يكن جهادهم طول أعمارهم سُدًى.
* * * *
[ص ١٣] حديث الزُّبير
ممن روى هذا الحديث الزبير بن العوَّام. روى حديثَه شعبة بن الحجّاج، عن جامع بن شدّاد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عبد الله عن الزبير.
فذكر ابن حجر في "الفتح" (١) أن أصحاب شعبة اختلفوا؛ منهم من ذكر "متعمّدًا" ومنهم مَن لم يذكرها. ومالَ إلى ترجيح عدمها مستدلًّا بأمرين:
الأول: أخرجه الزبير بن بكار في "كتاب النسب" من وجه آخر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير وليس فيه: "متعمدًا". وقد أخرجه الدارميّ من طريق أخرى عن عبد الله بن الزبير بلفظ: "من حدّث عني كذبًا" ولم يذكر العمد.
وقال المنذري في "مختصره لسنن أبي داود" (٢) المطبوع مع "معالم السنن للخطابي" و"تهذيب السنن" لابن القيم (٥/ ٢٤٨): "والمحفوظ في حديث الزبير أنه ليس فيه (متعمدًا)، وقد رُوي عن الزبير أنه قال: والله ما قال: (متعمدًا) وأنتم تقولون (متعمدًا) ".
стр. 499
وذكر محقِّق العصر العلَّامة أحمد محمد شاكر هذا البحث في تعليقه على الحديث (١٤١٣) من "مسند أحمد" (١) واعترض ــ بأدبٍ ــ كلامَ المنذريّ، فاعترضه أبو ريَّة ص ٣٩ وحاشيتها بأسلوبه الخاصّ، وختمه باللغة السابقة التي لزمه فيها ما لزمه.
وتلخيص ما في النسخ وتعليق شاكر في رواية شعبة: أن بعض أصحابه ــ وهم الأكثرون ــ لم يذكروا فيه تلك الكلمة، وأن معاذ بن معاذ ذكرها، وكذا محمد بن جعفر غندر في أثبت الروايات عنه، وهي رواية أحمد في "مسنده" (٢)، وأبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشّار عند ابن ماجه (٣). وفي "الفتح" (٤) أن الإسماعيليّ أخرجه من طريق غُندر بدونها.
[ص ١٤] وقد قال ابن المبارك: "إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غُندر حَكَمٌ بينهم". وقد كان شعبة يسمع الحديث من الشيخ مرارًا، فيظهر أنه سمعه من جامع مرّة بإثبات الكلمة، ومرَّة بدونها، فكان شعبة يرويه مرة كذا ومرة كذا.
أما مِن غير طريق شعبة، فذكر شاكر رواية أبي داود من طريق وبرة بن عبد الرحمن عن عامر بن عبد الله بن الزبير مسندةً وفيه الكلمة، وسنده صحيح.
стр. 500
وتقدم عن "الفتح" رواية "كتاب النسب" والدارمي بدون الكلمة، فرواية "كتاب النسب" لا أدري ما سندها، ورواية الدارمي فيها شيخه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وفيه كلام لكن الدارمي من المتثبّتين، وإذا كان الراوي عن كاتب الليث من المتثبّتين كالبخاريّ وأبي حاتم فهو قوي.
والترجيح مشكل، فقد يقال: إن سياق القصة يؤيد الحذف كما فسَّره في "الفتح" ونقله أبو ريَّة، لكن قد أخرج البخاريّ عن أنسٍ بنحو القصة، مع أن المتن: "من تعمّد علَيَّ كذبًا فليتبوّأ مقعده من النار". وفسَّره في "الفتح" بما يناسبه. فأنا واقف.
بقي قول المنذري: "وقد رُوي عن الزُّبير أنه قال: ... " إلخ، فذكر شاكر أن ابن سعد روى الخبر في طبقاته (٣/ ١/٧٤) عن عفّان ووهب بن جرير وأبي الوليد، ثلاثتهم عن شعبة ... فذكره بدون الكلمة. ثم قال: "قال وهب بن جرير في حديثه عن الزبير: والله ما قال: متعمّدًا، وأنتم تقولون: متعمّدًا". قال شاكر ما حاصله: إن هذا من قول وهب بن جرير ينكر على الذين رووه عن شعبة وفيه الكلمة، فمعناه: "والله ما قال شعبة: متعمدًا" إلخ.
أقول: أما ظاهر قوله: "في حديثه عن الزبير" فإنه يعطي أنّ وهبًا ذكر هذه الزيادة في كلام الزبير، لكن يُعكِّر على ذلك أنها ليست في رواية من الروايات المختلفة عن شعبة، منها رواية غندر الذي كَتَب سماعًا عن شعبة، ثم عَرَض كتابه على شعبة وصحَّحه، ولا في الروايات الأخرى التي من غير طريق شعبة. وهذا دافعٌ قويّ يدفع أن يكون من أصل كلام الزبير. فالأشبه ــ والله أعلم ــ أنّ وهبًا قالها [ص ١٥] من عنده كما قال شاكر، لكنه وصلها بالحديث فتوهَّهم السامع أنها منه، فهي إذًا من المُدرَج، على أنها لو فُرض
стр. 501
أنها من كلام الزبير، فهو صادق بحسب ما سمع كما نقله أبو ريَّة عن ابن قتيبة بلفظ: "ووالله ما سمعته قال: متعمدًا". ولا يلزم من ذلك أن لا يكون غيره سمع الخبر وفيه هذه الكلمة؛ فإن النبي ﷺ كرَّر التحذير مرارًا كما تقدَّم. فأيُّ مانعٍ من أن يذكره تارةً بدون الكلمة وتارةً بها. وقد تقدم إيضاح أن المعنى لا يختلف.
* * * *
عدالة الصحابة
هذا بحث لا يحسُن إثارته في هذه العُجالة؛ لأنه يفتقر إلى بسط يبين الحجج ويوضِّح الأسباب والموانع والقرائن والدلائل، فانتظره في النقد الكامل (١) إن شاء الله تعالى.
стр. 502
أبو هريرة
أجلب أبو ريَّة بخيله ورَجْلِه محاولًا الإطاحة بأبي هريرة، وأسرف في جلب الأقوال والروايات الموضوعة والمكذوبة والساقطة والمَرميّ بها عن بُعد، والتي تكذيبها معها ولكنه لم ينقله، ولم يستحي من الأخذ بأباطيل عبد الحسين الرافضي وزاد فخصَّه بقوله: "العالِم" كما في آخر ص ٣٦١.
وسأفصل ذلك في النقد إن شاء الله تعالى. وأقتصر على حديث: "خلق الله التُّربةَ ... " إلخ.
فقد أوهم أو توهَّم أبو ريَّة أنه ظفر فيه بالبرهان القاطع حتى تحدَّى المسلمين في ص ١٧٥ قال: (وإني لأتحدّى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء [ص ١٦] من علم الحديث، وجميع مَن هُم على شاكلتهم في غير بلادنا أن يحلّوا لنا هذا المشكل، وأن يُخرجوا بعلمهم الواسع شيخَهم من الهُوّة التي سقط فيها).
افرض أن جماعةً شهدوا أن زيدًا أخبرهم عن بكر عن سعد عن خالد عن جميل أن محمودًا أبا ريَّة قال: أخذ السيد محمد رشيد رضا بيدي فقال: "أُشهدك أني كافر بالقرآن وبِمَن جاء به". فقال بعضُ العارفين: "إنما هو: أبو ريَّة أنَّ سلامة موسى قال: أشهدك ... ". والسيد رشيد رضا بريء كلَّ البراءة مِن هذا القول ومما هو دونه بكثير.
وقال قائل: "أنا أتحدّى المثقَّفين جميعًا أن يُخلِّصوا صاحبهم أبا ريَّة من هذه الهُوَّة".
أليس من حقِّ أجهلهم أن ينبري له فيقول: أثبِتْ أوَّلًا أن أبا رية قال حقًّا: "أخذ السيد محمد رشيد رضا ... " إلخ، فإنّ بينك وبينه خمسة، قد يكون
стр. 503
أحدهم افترى أو أخطأ، أَوَليس هذا سؤالًا مُلزمًا؟
فخبر التربة رواه مسلم والنسائي (١) من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج عن أبيه عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة. وإذا نظرنا في حال هؤلاء وجدنا فيهم ابن جريج، وقد أفهم أبو ريَّة بأنه كان وكان. وقال ص ١٤٨: (ومِمَّن كان يَبُثُّ في الدين الإسلامي مما يخفيه قلبه ابنُ جريج الرومي الذي مات سنة ١٥٠، وكان البخاري لا يوثِّقه، وهو على حقّ في ذلك).
إذا كان هذه حال ابن جُريج عند أبي ريَّة فكيف يحتجّ بخبر انفرد به، وهو عنده مما يتّهم فيه ثم يتحدَّى؟ !
ابن جُريج ثقة مأمون عند البخاري وغيره، إنما يُخشى تدليسه، وقد صرَّح هنا بالسماع. بقي النظر في غيره؛ نجد أنّ أيوب بن خالد وعبيد الله بن [ص ١٧] رافع لم يخرّج البخاري لواحد منهما شيئًا، وأن أيوب لم يوثِّقه أحد، وليس له في "صحيح مسلم" إلا هذا الخبر، وذِكْرُ ابنِ حبان له في "الثقات" (٢) ليس بتوثيق معتبر عند أهل العلم؛ لأن ابن حبان يذكر فيها المجاهيل، ويذكر مَن وقف له على رواية غير منكرة عنده، وإن لم يَخبُر سائر مروياته. وقال الأزدي: "ليس حديثه بذاك؛ تكلم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه".
والبخاريّ ذَكَر الخبر في ترجمة أيوب هذا من "تاريخه" (١/ ١/ ٤١٣)؛ قال: "وروى إسماعيل بن أميَّة عن أيوب بن خالد الأنصاري
стр. 504
عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خلق الله التربةَ يوم السبت". وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح".
وعادةُ مؤرِّخي الرجال أن يذكروا في ترجمة الرجل ما يُنتقد عليه من الأحاديث. فثبت أن البخاريَّ يحمل الخطأ في هذا الحديث على أيوب بن خالد. وكأنه وقع له عن أبي هريرة خبران؛ في أحدهما: "أخذ رسول الله ﷺ بيدي، وقال: (فذكر حديثًا غير هذا). والآخر: عن أبي هريرة عن كعب: خلق الله التربة ... إلخ، فاشتبه الأمر على أيوب، فركَّب الثاني على صَدر الأول، ومع ذلك خلط فيه فيما يظهر، فإن كعبًا يقول غير هذا. ويوشك أن يكون الأول هو حديث: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُهْبِط، وفيه تيب عليه، وفيه قبض، وفيه تقوم الساعة" إلخ.
وهو في "صحيح مسلم" (١) مختصرًا، وفي "سنن النسائي" (٢) مطوّلًا، وفيه قصة جرت لأبي هريرة مع كعب، وذلك مما يوقع في الاشتباه، وفيه أيضًا ذِكْر الساعة التي في الجمعة ومن قال: إنها بعد العصر، وفي خبر التربة: "خُلق آدم بعد العصر يوم الجمعة". وهذا أيضًا مما يوقع في الاشتباه. وعلى كل حال فالتخليط من أيوب.
قد يقول أبو ريَّة: ولكن مُسلمًا قد صحَّح الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
[ص ١٨] فيقال له: فقد صححه مسلم عن النبي ﷺ .
فإن قال: لكن قام الدليل على امتناع صحّته عن النبي ﷺ .
стр. 505
قيل له: فقد ذكرنا الدليل على عدم صحته عن أبي هريرة، وإنما خلط فيه أيوب.
وكم من أحاديث رُويت عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي بأسانيد متصلة وحَكَم أهلُ العلم ببطلانها، وحملوا بحقّ تبعتها بعضَ رواتها، فلذلك هنا إن كان الخبر باطلًا فتَبِعته على أيوب لِمَا عرفتَ من حاله.
وستعرف إن شاء الله في النقض المستوفى (١) مكانة أبي هريرة الحقيقية في الإسلام، وتدمغُ حُججُ الحقِّ ما حيكَ حولَه من الشبهات، والله المستعان.
[ص ١٩] ومن تلك الدلالات القطعية ما هو مناقض للعقل عند المتكلّمين أنفسهم، وأنه لا مفرَّ لهم من الاعتراف بأن في نصوص القرآن وفيما تكلّم به النبي ﷺ يقينًا ما هو قطعي الدلالة يُعلم منه قطعًا أن المتكلم أراد به المعنى الظاهر منه، ومع ذلك يكون المعنى في نفسه باطلًا.
ثم حاول تلطيف ذلك بأنّ مِثْل ذلك إنما وقع لضرورة إصلاح العوام الذي هو المقصود من الشرائع. والعوام لا يُمكن إصلاحهم إلا بإخبار مثل تلك الأخبار التي تُناسب عقولهم وتبعث في نفوسهم الرهبة الشديدة والرغبة الأكيدة له فينقادوا.
وحاصل هذا أن في القرآن وما تكلّم به النبي ﷺ يقينًا ما هو كذب، إلا أنه كذب للمصلحة. نعم، إن ابن سينا ومَن وافقه لم يصرحوا بكلمة "كذب"، ولا غروَ أن يكون أبو ريَّة مع ابن سينا أو أن يزيد عليه.