← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

واحتجوا لتجويزهم أن يقيم الصلاة غير الذي أَذَّنَ (١) بأن قالوا: إن الإقامة ليست مضمنة (٢) بالأذان، لأن العصر، يصلى بعرفة بإقامة دون أذان، ولم يقيسوا الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر في سائر الأزمنة، وفي سائر الأمكنة على حكم ذلك يوم عرفة. وقالوا - محتجين لقولهم: أنَّ الشفق هو البياض لما كانت الحمرة، والبياض اللذان بعد غروب الشمس وقتا لصلاة المغرب التي يتصل أولها بغروب الشمس (٣). وقالوا أيضا لما كان الشفق شفقينْ والفجر فَجْرَيْن، فكان الحكم لدخول صلاة الفجر، بطلوع الفجر الثاني، وجب أن يكون الحكم لصلاة العشاء الآخرة بغروب الشفق الثاني، فإن عارضهم خصومهم، فقالوا: لما كان الحكم لدخول وقت صلاة الفجر، مع وجود الفجر الثاني، وجب أن يكون الحكم لدخول وقت العشاء الآخرة مع وجود الشفق الثاني (٤).

стр. 1157

وقالوا: لما كانت الطوالع ثلاثة - وهي الفجر الأول، والفجر الثاني والشمس، وكانت الغوارب ثلاثة: الشمس والحمرة والبياض، وكان دخول وقت صلاة الصبح بطلوع الأوسط من تلك الثلاثة، وجب أن يكون دخول وقت صلاة العشاء الآخرة بغروب الأوسط من هذه الثلاثة (١)، أكان يكون بين هذه إلا هذا الفرق لمن نصح نفسه. وقاسوا وقت اصفرار الشمس على ما قبله متصلا به، في جواز قضاء الفرائض فيه، ولم يقيسوا عليه في جواز التطوع فيه، لمن لم يكن صلى العصر، ولم يقيسوا جواز التمادي في صلاة العصر، مع أَخْذِ الشمس في الغروب، على ما منعوه من التمادي في صلاة الصبح مع أخذ الشمس في الطلوع، وقد جاء النص الثابت بالتسوية بين الأمرين، ونص آخر بالنهي عن الصلاة في كلا الوقتَيْن (٢)، والإختلاف موجود في إباحة كل ذلك، وفي المنع منه، فلم يكن عندهم غير أن قالوا: مُصَلِّى الصبح حينئذ يخرج إلى وقت، لا تجوز به فيه الصلاة فقيل لهم: ومُصَلِّي العصر كذلك سواء ولا فرق. وقاسوا رفع اليدين في التكبيرات الأخر من العيدين على رفع اليدين في أول تكبيرة الإحرام (٣)، ولم تأت بذلك سنة قط، وَلَمْ يقيسوا ذلك

стр. 1158

في تكبير سائر الصلوات، وقد صحت السنن بذلك، ولا في تكبير الجنازة. وقاسوا الدعاء في الصَّلاة على التكبير وعلى القراءة، وعلى التشهد فقالوا لكل ذلك موضع معروف من الصلاة، كذلك الدعاء له موضع معروف منها (١)؛ ثم نقضوا قياسهم هذا فجعلوا الركعتين الآخرتين موضعا للدعاء، ولم يقيسوهما على الركعتين الأوليين، وهما أشبه بهما منهما بالقعود وبالسجود، ثم نقضوا قياسهم هذا، فجعلوا الركعتين الأخرتين مكان القراءة ولا بد إن كان لم يقرأ في الأوليين، وإنْ شاء (٢) أيضا، وإن كان قرأ في الأوليين، ولم يقيسوا ذلك على الدعاء. وقاسوا سجود التلاوة في منعهم منها، في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها جملة (٣)، فرضها وتطوعها، ولم يقيسوا القراءة في هذه الأوقات على الصلوات، بل أباحوا القرءة فيها ولا فرق، والسجود وحده ليس صلاة، والقراءة وحدها ليست صلاة، والوقوف أيضا من الصلاة، والجلوس أيضا من الصلاة، والقوم في خبط وتخليط! ! وقاسوا إباحة الصلاة على الجنازة، على إباحة سائر الصلوات المفروضات في الأوقات المنهي فيها عن الصلاة جملة، ولم يقيسوا ذلك على الصلاة المنذورة، وهي عندهم فرض، بل قاسوها على النوافل،

стр. 1159

ولم يقيسوا إباحتهم الصلاة من المتنفل خلف مصلي الفرض على منعهم من صلاة الفرض خلف المتنفل (١)، وكلاهما نيته (٢) مخالفة لنية الإمام. فإن قالوا: الفرض أعظم حرمة، فأوقفناها على الإمام فقلنا فقد أجزتم صلاة المتوضئ خلف المتيمم وهي منزلة ضرورة. ولم يقيسوا من صلى، وفي ثوبه نجاسة كثيرة فيما عدا ما يقابل فرجه من ثوبه، فأبطلوا صلاته على من صلى واضعا يديه وركبتيه ومقاعده على نجاسة، فأجازوا صلاته، واحتجوا بأن وضعه لهذه الأعضاء على ما يصلي عليه كتركه وضعها، فهلا قالوا: هنالك، إن ستره جسده كلا (٣) سترة حاشا العورة فقط. ولم يقيسوا المغمى عليه، لا على النائم في إلزامه قضاء كل صلاة نام عنها، ولا على المجنون في سقوط كل صلاة في حال جنونه عنه، ولم يقيسوا إلزامهم صيام رمضان على المجنون على إسقاطهم عنه الصلاة، وزكاة ماشيته وناضه. ولم يقيسوا إبطال السجدة ممن أحدث فيها مغلوبا، وإبطالهم الركعة إذا أحدث فيها مغلوبا، على إجازتهم سائر صلاته تلك التي أبطلوا عليه بعضها، وأجازوا له بعضها، فأين القياس لو عقلوا؟ ! واحتجوا لقولهم الملعون الخبيث في إسقاط الرفع من الركوع من

стр. 1160

الصلاة كلها (١)، خلافا على الله تعالى في أمره، فقال: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢) و ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) ولرسوله ﷺ (٤) في قوله: "لا تجزئ صلاة، لا يقيم صلبه فيها في الركوع والسجود" (٥) وقوله ﵇: " ..... ثم اركع حتى تعتدل راكعا، ثم ارفع حتى تطمئن رافعا". وإبطاله ﵇ صلاة من صلى كذلك (٦)، وخلافا على جميع أهل الإسلام في صفة صلاتهم، منذ كان الإسلام في كل زمان، وكل مكان إلى وقتنا هذا، فأتوا في خلاف ذلك كله بقياس سخيف، وهو أن قالوا: إن المصلي يخرج من القيام إلى الركوع، ومن السجود إلى الجلوس، ومن الجلوس إلى القيام، بلا فاصل، وكذلك

стр. 1161

ينبغي أن يخرج من الركوع إلى السجود بلا فاصل، فَجَمَعَ قياسُهم هذا وجوهًا خمسة من المخازي، أولها: أنه موجب لإسقاط الرفع من الركوع ولا بد، وليس هذا قول مسلم أصلا، لا هم ولا غيرهم، وهم إنَّما قصدوا بهذا القياس المنتن، عذر من فعل ذلك، لا تصويب فعله، فكيف إيجاب فعله، فعاد قياسهم عليهم. وثانيها: أن هذا القياس يوجب عليهم ما فروا منه، وأنكروه من أن يستوي كل ساجد جالسا، ثم يقوم يخرج من السجود إلى الجلوس، ومن الجلوس إلى القيام، فنسوا أنفسهم: "نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ" (١). وثالثها: أن يقال لهم، وكذلك كل مصل قائما، يخرج من القيام إلى الركوع، ومن الركوع إلى السجود بقياسكم هذا البديع، لا يعتد ركوعا آخر، فكذلك ينبغي أن يخرج من السجود إلى الجلوس لا يعيد سجودًا آخر، ولا فرق، فعلى كل عمل يؤدي إلى هذه إلا الأعباث في الديانة لدين الله تعالى لَعَائِنُهُ تعالى تترى (٢). وقاسوا تغليب النهي عن الصلاة في الأوقات المنصوص عليها، على الأوامر الواردة بقضاء الصلاة متى ذكرها ناسيا، والنائم عنها (٣)، وعلى النص الوارد بأن من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع

стр. 1162

الشمس، فقد أدرك صلاة الصبح (١)، وعلى إباحة التطوع بعد العصر (٢)، على تغليبنا النهي عن صيام يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق على الأوامر الواردة بقضاء أيام أخر وبالحض على الصيام. ثم لم يلبثوا أن نقضوا قياسهم هذا وأبطلوه، ورفضوه فأجازوا صلاة العصر في الوقت المنهي عنه، وأجازوا قضاء الفرائض كلها بعد صلاة الصبح، ما لم تأخذ الشمس في الطلوع، وإثر تمام طلوعها، وبعد العصر إلى أن تأخذ الشمس في الغروب (٣)، فغلبوا الأوامر كلها ههنا على النهي ورجعوا إلى ما أنكروا، فاعجبوا لفهاهتهم (٤) وجهلهم. ثم لم يقيسوا القصر في السفر على الفطر في السفر، فأوجبوا القصر ولم يروا الإتمام أصلا، واختاروا الصوم في السفر على الفطر، وقد قاسوا المدة التي يفطر فيها المسافر على المدة التي يقصر فيها، فاعجبوا لتلاعب الشيطان بهم في مقاييسهم هذه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٥).

стр. 1163

وقالوا: من نسي صلاة الجمعة حتى خرج وقتها لم يصلها، إلا ظهرا أربعا، لا كما فاتته (١). ولم يقيسوا ذلك على قولهم من نسي صلاة في سفر فذكرها في حضر فإنَّه لا يصليها إلا سفرية كما فاتته ومن نسي صلاة في حضر، فذكرها في سفر لم يصلها إلا حضرية كما فاتته ولم يقيسوا منعهم الخائف المقاتل أن يصلي وهو يقاتل مدافعا عن نفسه، على إجازتهم له أن يصلي، وهو هارب يجري راجلا، وراكبا يركض فرسه. وقالوا من صلى مؤمنا لخوف -وهو راكب- ركعة، ثم زال الخوف، فإنه ينزل فيصلي ما بقي من صلاته بانيا على ما صلى راكبا، فإن صلى ركعة على الأرض فدهمه خوف شديد، فركب فرسه، فإنه يقطع صلاته ولا بد، ويبتدئها مومئا (٢)، ولم يقس (٣) إحداهما على الأخرى، فاعجبوا لضلال قياساتهم وفساد أقوالهم، وأيما أولى عند كل ذي فهم أن يكون بعض صلاته مُوَفَّى حَقَّه عند الضرورة، أو أن تكون كلها في حكم الضرورة؟ ! إن هذا لاختيار فاسد. ولم يقيسوا الجلوس الآخر في الصلاة على الجلوس الأول فيها، فجعلوا الثاني فرضا، والأول غير فرض (٤)، ولم يأت قط نص ولا

стр. 1164

برهان بالتفريق بين حكمهما، وخَالَفَهُم الطحاوي في هذا فقاس الآخر على الأول، وجعلهما معا تطوعا، فطرد قياسه، وتضاعف خطأه وكذلك خالفهم في إجازتهم صلاة العصر عند غروب الشمس فلم ير ذلك، وسوى بين العصر في ذلك وبين الصبح عندهم (١). وقاسوا قدمي المرأة على كفيها في أنهما ليسا عورة (٢)، ولم يقيسوا القدمين على الرأس في ذلك، وهو أدخل في القياس، لأن القدمين والرأس طرفان، وقياس الطرف على الرأس أشبه من قياس الطرف على الوسط، وأيضا فإن القدمين والرأس عضوان يسقطان من الوضوء في التيمم، وليس اليدان كذلك. وقاسوا البول في الصلاة بالغلبة والغائط بالغلبة والريح بالغلبة، على قولهم الفاسد بالأثر الفاسد الوارد فيمن رعف أو قاء أو قلس (٣) ولم يقيسوا على من أجنب في الصلاة مغلوبا، أو نائما، ولا من أغمي عليه في الصلاة، بل أبطلوا بذلك صلاته، وصلاة من خلفه. وقاسوا الجمعة على الحدود في أن لا يقيمها إلا سلطان (٤) وهذا أسخف قياس في الأرض، ولم يقيسوا الجمعة على سائر الصلوات في إقامتها بغير السلطان فيا لعباد الله، أيما أشبه الصلاة

стр. 1165

بالصلاة؟ ! أم الصلاة بضرب السياط؟ ! وقطع الأيدي والأرجل، والقتل بالحجارة، أيكون في السخف أكثر من هذا؟ ! ولم يقيسوا قولهم من سلم في صلاته، ساهيا لم تبطل صلاته، فإن سلم عامدا بطلت صلاته، ومن نسي سجدة أوْ سجدتين أو ثلاثا أو أربعا لم تبطل صلاته، ولو تعمد ترك سجدة واحدة، بطلت صلاته، على قولهم من تكلم ساهيا بطلت صلاته كالعامد، ومن عمل أو أكل ساهيا، أو شرب ساهيا بطلت صلاته كالعامد، ولم يقيسوا إجازتهم وضع الجبائر على غير طهارة، ثم أجازوا المسح عليها كذلك، على منعهم من المسح على الخفين الملبوسين على غير طهارة (١)، ولم يقيسوا تكفين من مات في سبيل الحج، على تكفين من قتل في الجهاد بخلاف تكفين سائر الموتى. وقال متأخروهم: الزكاة لا تجب بالحول، لكن تجب بابتداء الملك، ثم أجل الدفع فيها إلى انقضاء الحول كالديون المؤجلة، ولم يقيسوا على ذلك كفارة الأيمان، فهلا قالوا إن الكفارة لا تجب بالحنث، لكن تجب باليمين بنص القرآن ثم أجل الدَّفع فيها إلى انقضاء الحول. فإن قالوا: لو كان هكذا لم تسقط الكفارة بالبر في اليمين. فقيل لهم: ولو كان ما قلتم لم تسقط الزكاة بهلاك المال قبل الحول. فإن قالوا: سقطت في ذلك بدليل، فقيل لهم، وكذلك سقطت الكفارة بالبر بدليل.

стр. 1166

واحتجوا أن الكدرة والصفرة والحمرة حيض، بأن قالوا: السواد حيض، والحمرة جزء من السواد، والصفرة جزء من الحمرة والكدرة جزء من الصفرة (١)، فهلا قلبوا كلامهم. فقالوا: البياض طهر، والكدرة جزء من البياض، والصفرة جزء من الكدرة، والحمرة جزء من الصفرة (٢) فكل ذلك طهر، وَهَلَّا قالوا: الكدرة بياض غير صافي والصفرة كدرة مشبعة، والحمرة صفرة مشبعة، فهل بين هذه التقاسيم فرق لمن عقل؟ ! ! ثم قالوا: إن اسودَّت السن، أو اخضرت، أو احمرت، ففيها ديتها كاملة فإن اصفرت ففيها حكومة فقط، ففرقوا ههنا بين الصفرة، وبين الحمرة، والسواد، وسووا بين كل ذلك في الحيض، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض. وقاسوا موضع وقوف المصلي على الميت في وسطه بموضع وقوف الإمام، وسط الصفوف في سائر الصلوات (٣)، وهذا أبرد قياس في الأرض، لأن الصفوف في الجنازة وفي غيرها (٤) خلف الإمام، والميت أمام الإمام، ليس بينه وبين الصفوف شِبْهٌ، ولم يقيسوا وجوب

стр. 1167

القراءة في صلاة الجنازة (١) على وجوبها في سائر الصلوات كوجوب الطهارة فيها، ووجوب الصفوف خلف الإمام فيها، ووجوب التكبير لها والتسليم منها، واستقبال القبلة فيها وغير ذلك، وهذا أصح قياس في العالم لو صح شيء من القياس! ! ولم يقيسوا منعهم الإمام من الصلاة على المرجوم، على إباحتهم الصلاة عليه للذين تولوا رجمه، ولا فرق بين الأمرين، فلم يقيسوا أحدهما على الآخر، ولم يقيسوا قولهم لا يصح الاعتكاف إلا بصوم على إجماعهم مع غيرهم على جواز الصوم بلا اعتكاف، ولا فرق بين الأمرين في المنع من افتراقهما، أو في إباحة افتراقهما. وقاسوا ميراث البنتين على ميراث الأختين، وهذا قياس فاسد لأنهم قالوا: إذا ورثت الأختان الثلثين فالبنتان أولى بذلك لقربهما. قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٢): وقد اتفقوا على أنه قد ترث الأخت أكثر مما ترث البنت، لأنهم يقولون فيمن ترك عشر بنات وأُخْتًا لأب أو شقيقة أن للأخت الثلث كاملا، وليس لكل واحدة من البنات إلا ثلثا عشر المال، فهي من خمسة عشر: للأخت خمسة، ولكل واحدة من البنات واحد واحد، فقط، فهلا قاسوا فقالوا: فقد اتفقوا على أن الأربع من البنات لا يرثن إلا ما يرث من قبلهن، وهُنَّ الثلاث، فكذلك ينبغي أن لا يرث البنتان إلا ما ترث التي قبلها وهي

стр. 1168

الواحدة، فهذا أدخل في القياس من قياسهم المنحل. وأيضا فقد قالوا: حكم الثلاثة فصاعدا في الوقوف في الصلاة غير حكم الإثنين، لأن الاثنين يقف أحدهما وهو: المأموم عن يمين الآخر وهو الإمام في صف واحد معه، وأما الثلاثة فصاعدا، فإن الاثنين يقفان خلف الإمام (١). وقالوا: حكم الثلاثة سوى الإمام في الجمعة حكم من زاد على الثلاثة، وحكم الاثنين سواء، الإمام خلاف ذلك (٢)، فهلا فرقوا بين ميراث الابنتين، وبين ميراث الثلاث قياسا على ما ذكرنا. وقالوا: تحجب الأم عن الثلث باثنين من الإخوة فصاعدا، بخلاف الواحد (٣)، وهم يقولون فيمن قال لفلان: "علي دراهم" بأنه يقضى له بثلاثة دراهم، لا بدرهمين، فهلا قاسوا أحدهما على الآخر، ولم يقيسوا الإخوة والأخوات للأم على الإخوة والأخوات للأب، فجعلوا الذين للأب للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعلوا الذين للأم الذكر والأنثى سواء، وقد روي التسوية بينهم وبين حكم الأشقاء عن ابن عباس وهذا من أحسن القياس لو صح منه شيء، ولم يقيسوا ميراث

стр. 1169

الجدات علي ميراث الأجداد، إذ لم يورثوا من الأجداد إلا واحدا، وهو أبو الأب وآباؤه (١)، وورثوا كل جدة ليس بينها، وبين الموروث أبو أم (٢) , فهلا قالوا: لا ترث من الجدات إلا واحدة، وهي أم الأم وأمهاتها، قياسا على الأجداد، فإن ادعوا إجماعا كذبوا، لأنه قد روي هذا عن أبي بكر وعمر ﵄، فإن قالوا: قد رجعا عن ذلك، قلنا لهم: فكان ماذا؟ ! وقلنا: وحاشا لله لهما أن يكونا ساعةً من الدهر على خلاف الإجماع. ولم يقيسوا توريث المرأة ممن أعتق أبوها، على توريثها ممن أعتقت، أو أعتق من أعتقت، ولا على كونها عصبة مع أخيها، ولا على قولهم الأخوات عصبة البنات، وورثوا ولد المرأة ولاء من أعتقته أمهم (٣)، ولم يورثوا عصبتهم منهم ما ورَّثُوهُمْ عن أمهم، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب وجماعة من السلف، ولا فرق بين الأمرين بوجه من الوجوه، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، ولو صح شيء من القياس لَكَانَ هذا منه صحيحًا. ولم يقيسوا منعهم من لم يتخلف (٤) وارثه إلا ابنة واحدة، أو زوجة فقط، أو زوجا فقط، من أن توصي بما فضل عنها وهو النصف، أو

стр. 1170

ثلاثة أرباع ماله على إباحتهم لمن لم يتخلف أن يوصي بماله كله، وقاسوا هذا على الإمام يضع ذلك المال حيث رأى، فقلنا: وكذلك الإمامِ يضع ما فضل للزوج والزوجة لا وارث له سواهما حيث رأى ولا فَرْقَ! ! ! وقاسوا فرج المسلمة فيما يستحل به من الصداق، على ما تقطع فيه يد السارق (١) فهل سُمِعَ بأسخف من هذا القياس؟ ! وأي شبه بين فرج مسلمة، وبين يد سارق؟ ! فإن قالوا: كلاهما عضو يستباح، قلنا: كذبتم، لأن استباحة يد السارق بالقطع، وإبانتها عن جسده، وليس كذلك فرج الحرة، ولم يَقِيسُوهُ على ما يستباح به فرج المسلمة بالمِلْكِ في جواز ذلك بدرهم وأقل، ولا على ما يستباح فيه ظهر المسلم من خمر لا يساوي حبة فضة، وهو أشبه باستباحة الفرج من قطع اليد. وقالوا: لا تؤخذ الحدود قياسا، ثم صححوا قياسا فاسدًا مكذوبا على الصحابة ﵃ (٢)، لم يقله أحد منهم قط من قياس حد الخمر على حد القذف، والشارب يزني ويقتل فهلا أقاموا عليه حد الزنا أو حد القتل؟ ! نعم ويسرق فَهَلَّا أَقَاموا عليه حد السرقة؟ ! . ولم يقيسوا إباحتهم نكاح المريض في مرض موته على توريثهم المطلقة

стр. 1171

منه ثلاثا (١)، وكلاهما مدخل ضيم على وارث، ولم يقيسوا على توريثها منه توريثه منها، وقد قال بذلك طائفة من السلف. ولم يقيسوا على قولهم: من أقر بأحد أولاد لأمته ثلاثة، ولم يعينه، فَقَالُوا في ذلك بتنزيل الأحوال: أن الكبير يعتق إن كان هو المقر به، فيعتق في حال ويرق في حالين، فأعتقوا ثلاثة بلا استسعاء في الثلثين وقد قالوا في الأوسط أنه يعتق إن كان هو المقر به، أو الأكبر ويرق إن كان الأصغر هو المقر به فأعتقوا ثلثيه بلا استسعاء، واستسعوه في الثلث، وأعتقوا الأصغر بتة، لأنه يعتق بكل حال، فهلا قاسوا على هذا ميراث الغرقى، فقالوا: فلان يرث من فلان إن كان مات بعده ولا يرثه إن كان مات معه أو قبله، فهلا ورثوا بعضهم من بعض على ذلك التنزيل السخيف، فهي أشبه بتلك من الماء بالماء من نهر واحد، وقد وَرَّثَ بَعْضَهُم من بعض عمرُ وعلي وطائفةٌ من التابعين! ! ! وقاسوا ذهاب سمع الأذنين على ذهاب العينين، وقاسوا أيضا على ذلك الحاجبين ينتفان، فلا ينبت شعرهما (٢)، ولم يقيسوا على ذلك الترقوتين تكسران، فلم يوجبوا فيهما إلا حكومة، ولم يقيسوا قولهم من قتل وله ولد كبير وصغار، فللكبير أن يَسْتَقِيد (٣)، ولا ينتظر

стр. 1172

بلوغ الصغار (١)، على منعهم الحاضرين أن يستقيدوا إن كان فيهم غائب واحد ولا فرق بين الأمرين؟ ! وقالوا: تحمل العاقلة دية النفس فما دونها إلى نصف عشر الدية ولا تحمل أقل (٢)، ولم يقولوا إذا حملت الأكثر فأولى أن لا تحمل الأقل قياسا على قولهم إذا هدم زواج المطلقة طلاق الثلاث، فهو لِمَا دونه أهدم، وكذلك نقضوا هذا القياس أيضا في قولهم: إذا وجب القود في النفس بين البعل والمرأة وبين الحر والعبد، فهو فيما دونهما أوجب وهو في اللطمة أوجب! ! ! وقاسوا دية جنين الأمة في أن جعلوا فيه إن كان ذكرا نصف عشر قيمة أمه، وإن كان أنثى فعشر قيمة أمه (٣)، على قيمة أمه، ولم يقيسوا على حكم نفسه فيجعلوا في الذكر مثل قيمة الأنثى، كما يكون في ديتها، أو أن يقولوا: في الذكر عبد ذكر، وفي الأنثى أمة أنثى كما قال ابن عباس، ولم يقيسوا قولهم في المنع من توريث الحميل بالإقرار، وحكمهم بتوريثه بالبينة على توريثهم غير الحميل بالإقرار، كما يورثونه بالبينة، والعلة واحدة! !

стр. 1173

ولم يقيسوا قولهم: من لا يرث لا يحجب، على ما أجمعوا عليه معنا من حجب الأم عن الثلث إلى السدس بالإخوة، والأب حي، وهم لا يرثون، وهذا جهل بالقياس مظلم! ! وقاسوا ما روي من أن رسول الله ﷺ (١) أعطى الخثعميين المعتصمين بالسجود فقتلهم خالد - نصف الديات (٢)، قولهم في تنزيل الأحوال في العتق إذ يقولون هذا يعتق في حال كذا، ولا يعتق في حال كذا، فيعتق نصفه بغير استسعاء، ويعتق باقيه بالإستسعاء، فأخطأوا في القياس إذ قاسوا على ما لا يشبه المقيس عليه، وإذ قاسوا على طريق مكذوب على رسول الله ﷺ (٣) -ليس في الخبر- أنه ﵇ فعل ذلك من أجل ما طلبوه من أنه ﵇ شك هل أسلموا أم لا! . ولم يقيسوا قولهم: في الخنثى فيجعلونه يرث الكل في حال، ويرث النصف في أخرى، ولا قاسوا على ذلك مَنْ شَكَّ هل أَدَّى زكاته أم لا، فيلزمونه نصفها فقط، لأنه إن كان أداها فلا شيء عليه وإن كان لم يؤدها فهي عليه، فيجعلون عليه نصفها، ويلزمهم هذا القياس الأحمق أن يقولوا: من شك في صلاة أصلاها أم لا، فليس عليه إلا نصفها، ومن شك في صيام يوم فليس عليه إلا نصفه، ومن شك أقتل خطأ أم عمدا، فعليه نصف دية العمد في ماله، ونصفها

стр. 1174

على العاقلة، وضرب مثل هذا من الحماقات كثير، فأف لقياس عاري من السداد، أدى إلى مثل هذا الفساد في دين الله تعالى (١). ولم يقيسوا على منعهم من توريث الحربي من أبيه الذمي، أو توريث الذمي من أبيه الحربي، قولهم في توريث الأسير في دار الحرب ممن مات له في دار الإسلام (٢)، ونسألهم عن تجار ساكنين في بلاد الهند وبلاد الصين وبلاد الروم وبلاد السودان وهم مسلمون سكان في دار الحرب أيورثونهم، ويورثون منهم ورثتهم السكان في دار الإسلام أم لا؟ ولم يقيسوا وجوب عتق الذمي يسلم، أو عبد (٣) الحربي يسلم في أرض الحرب، على قولهم يعتق عبد الحربي يخرج إلينا مسلما، وعلى قولهم يعتق عبد مسلم اشتراه حربي ساعة يصير في دار الحرب، وهذا أصح قياس في العالم لو صح شيءٌ مِنْهُ، لا قياس فرج المسلمة المتزوجة، على قطع يد السارق الملعون، ولا قياس القطن على الذهب، وبعصير الدمل (٤) على البول، والغائط، وسائر قياساتهم الغثة الباردة السخيفة! ! ! ولم يقيسوا ما تزال به النجاسة من الجسد على ما تزال به من الثوب، ولا مقادير بعض النجاسات على بعض وهي كلها عندهم نجاسة،

стр. 1175

وقاسوا ما يمتنع بوجوده المسح على الخفين من الخرق في أحدهما، على ما يجزئ عندهم من مسح الرأس (١)، فهل سمع بأحمق من هذا القياس وهل يَسْبِقُ إلى سامع ذلك، إلا أنهم قوم متطايبون (٢)، متماجنون، أو سخفاء ممرورون (٣)! ولم يقيسوا مسح الرأس في أن يكون مرتين، أو ثلاثا على عدد تطهير سائر الأعضاء، وكل ذلك وضوء وطهارة للصلاة، ولم يقيسوا قولهم بتنكيس الوضوء، وتنكيس السجود المنسي في الصلاة، وتنكيس الطَّواف، وتنكيس الأذان، على منعهم من تنكيس أول الصلاة، وعلى منعهم من تنكيس خطبة الجمعة بعد صلاة الجمعة، ولم يقيسوا إجازتهم بيع اللحم بالحيوان من جنسه، وَإنْ كان ذلك اللحم أقل مما في ذلك الحيوان في اللحم، على منعهم من بيع الزيت بالزيتون، والنوى بالتمر، واللبن باللبون (٤)، والصوف بالشاة، إلا أن يكون الزيت والنوى واللبن والصوف، أكثر منها في الزيتون، وفي التمر وفي اللبون وفي الشاة! ! وقاسوا الوضوء على ستر العورة، وعلى إزالة النجاسة في إسقاط

стр. 1176

وجوب التسمية في ابتدائِها وفي أنها لا تجزئ إلا بنية (١)، ولم يقيسوا قولهم بأن الأذنين من الرأس فى الوضوء على قولهم بأنهما ليسا من الرأس في وجوب حلق الرأس، أو التقصير منه في الحج. وقاسوا عادم الماء والصعيد للصلاة بعادم الرقبة وما يطعم منه، وعادم القوة على الصيام في الظهار والكفارات، ولم يقيسوه على عادم القوة على الركوع والسجود في الصلاة، وعلى عادم ما تستر به عورته في الصلاة، وهو أشبه بعادم ما تكون به الطهارة، لأن كل ذلك من أعمال الصلاة، التي لا تتم إلا بها، ولا قاسوا على عادم معرفة ما يقرأ في الصلاة من القرآن! ! ! ولم يقيسوا منعهم من أن يؤم المومئ لمرضه الأصحاء، على إجازتهم أن يؤم القاعد لمرض الأصحاء (٢)، وهذا أصح قياس في العالم! ! [وقاسوا] (٣) التيمم على الوضوء فى تبليغه إلى المرافق، وفي وجوب استيعاب الوجه والذراعين فيه، ولم يقيسوه على مسح الرأس، وعلى الخفين في سقوط الاستيعاب في كل ذلك، وكل ذلك مَسْحٌ، وَمَسْحٌ والمسحُ بالمسح أشبه منه بالغسل، ولم يقيسوه على ما يقطع من السارق كما قاسوا صداق الزواج على ما تقطع فيه السُّرَّاق، ولم يقيسوه على

стр. 1177

الوضوء في أن يجزئ بغير نية، ولم يقيسوا التيمم على الوضوء في عدد تطهير الأعضاء، ولم يقيسوا سقوط ما لم يذكر من الذراعين إلى المرافق في التيمم في النص، على ما اتفق عليه من سقوط ما لم يذكر في النص من الرأس والرجلين في التيمم، فانظروا عظيم جهلهم بالقياس وبرد قياساتهم! ! وقاسوا النفساء على الحائض في المنع من الصلاة والصيام والوطء والطواف، واجتناب قراءة القرآن، ومس المصحف، ودخول المسجد ولم يقيسوها عليها في عدد الأيام، ولا في إباحتهم الطلاق في دم النفاس، ولا في الاعتداد به قُرْءًا وقد أرينا بطلان تعلقهم بالأثر الضعيف في أمد النفاس، وبما روي في ذلك عن بعض الصحابة ﵃ (١) فيما سلف من كتابنا هذا، وأرينا خلافهم لما رووا في ذلك، فأغنى عن إعادته. ولم يقيسوا إجازتهم الوصية للعبد بالثلث، على منعهم من الوصية له بشيء مسمى. وقاسوا منع الوصية للقاتل بمنعه من الميراث، ولم يقيسوا على ذلك إيجابهم له ميراث الولاء. وقاسوا قاتل الخطأ على قاتل العمد في المنع من الميراث، ولم يقيسوا قاتل العمد على قاتل الخطأ في وجوب الكفارة عليه، وهو أحوج إليها من قاتل الخطأ، ولم يقيسوا الرجوع في الوصية بالعتق على الرجوع في

стр. 1178

التدبير، وهم مقرون بأنها من الثلث بعد الموت. وقالوا لا يقضي القاضي على الغائب بالبينة، ويقضي عليه فيما علمه بعد ولايته القضاء، ويقضي في الحدود بالبينة، ويقضي فيها بعلمه فيما علمه (١) بعد القضاء، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض ولا فرق بين شيء من ذلك! ! ولم يقيسوا ما أسقطوا فيه التغليظ في التحليف في الدعاوى بالمصحف، وبعد العصر (٢)، على ما أوجبوا فيه التغليظ في التحليف من الزيادة على الحلف بالله، ولم يقيسوا منعهم من الحكم بشهادة النساء في الحدود والقصاص، على حكمهم بشهادتهن في الفروج في النكاح والطلاق والأموال، وتحريم كل ذلك سواء وإباحته بالحق سواء ولم يقيسوا تحليفهم في الطلاق والدماء والأموال والقصاص على منع تحليفهم في النكاح والرجعة والفيء والإيلاء، ودعوى الرق والولاء والنسب، وكلاهما سواء. فإن قالوا: بقبح إخراجها بيمين من تحت زوجها إلى آخر، فقلنا: وأي فرق بين إخراجها بيمين وبين إخراجها من تحته بالبينة؟ ! وأي فرق بين إخراجها من تحته بنكوله عن اليمين في دعواها عليه الطلاق، وبين إخْراجها من تحته بنكولها عن اليمين الواجبة؟ ! ولم يقيسوا قبولهم شهادة الكفار بعضهم على بعض، على منعهم من

стр. 1179

قبولها على مسلم، ولا فرق بين ذلك أصلا، لا في نص، ولا في معقول، ولم يقيسوا ردهم شهادة الأبوين لابنهما، والابن لهما على جواز شهادة الأخ لأخيه. ولم يقيسوا إباحتهم الفروج المحرمة بشهادات الزور إذا قضى بها القاضي على تحريمهم الأموال بشهادة الزور، وإن قضى بها القاضي، فاعجبوا لهذه الحماقات، ولم يقيسوا أمرهم الحاكم بأن يحكم بما علم بعد ولايته الحكم، على نهيهم إياه عن الحكم بما علم قبل ولايته، وما علم ذو عقل قط فرقا بين شيء من ذلك! ! ولم يقيسوا أمرهم الحاكم بأن يحكم بعلمه في الأموال، وحد القذف على نهيهم إياه عن الحكم بعلمه في الحدود، ولا فرق بين شيء من ذلك، ولم يقيسوا أمرهم بقبول كتاب القاضي إلى القاضي في حقوق الناس من النكاح والطلاق، وإباحة الفروج، وتحريمها، وفي الأموال على نهيهم عن قبول كتاب القاضي إلى القَاضي في الحدود والقصاص، ولا فرق بين تحريم، وبين إباحته بالحق. وقاسوا ما تباح به الدماء المحرمة من عدد البينة، على ما يقبل (١) من ردهم، ولم يقيسوا ذلك على ما تباح به النفس في الزنا، ولم يقيسوا المنع من قبول النساء في ذلك، على ما يقبلن فيه من سائر الحقوق في الفروج والأموال، ولا فرق بين تحريم شيء من ذلك، وبين إباحته بالحق! !

стр. 1180

وقالوا: لا تقبل شهادة أحد الزوجين على الآخر، لأنه لا يقطع فيما سرق من ماله (١)، ثم قالوا: يقبل الأخ لأخيه ولا يقطع فيما سرق من ماله، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، والعلة بزعمهم واحدة! ! وقالوا: إن شهد اثنان بالزنا على زيد وهند، وقالا: "زنى بها في أول البيت"، وشهد آخران عليهما بالزنا وقالا: "بل زنى بها في آخر البيت"، فالشهادة تامة ويقام على زيد وهند حد الزنا، قالوا: فلو قال اثنان منهم: "زنى بها في قرية كذا"، وقال الآخر "بل في قرية كذا"، بطلت الشهادة، وبطل الحد عن الشهود، وعن المشهود عليهما، ولم يقيسوا هذا الاختلاف في الشهادة على الاختلاف في تلك الشهادة، ثم قالوا: لو شهد اثنان على زيد أنه قذف عمرًا وقال أحدهما: "يوم الخميس"، وقال الآخر: "يوم الجمعة" أقيم عليه حد القذف، وتمت الشهادة، ولم يقيسوا ذلك على الشهادة المذكورة في الزنا! ! وقالوا إن شهد شاهد على زيد أنه غصب عمرًا ألف دينار، أو بأنه شجه، أو بانه قذفه، وشهد آخر بإقرار زيد بذلك، بطلت الشهادة، ثم قالوا [إن] (٢)، شهد أحدهما بأنه طلق امرأته، أو بأنه أعتق أمته

стр. 1181

أو بأنه باعها من زيد، وشهد آخر بإقراره بذلك، تمت الشهادة، وقضي بكل ذلك، ولم يقيسوا بعض ذلك ببعض، فاعجبوا لظلام جهلهم بالقياس وبغثاثة قياسهم إذا قاسوا! ! وقالوا إن شهد عدول بقضية ما، ثم ماتوا قبل أن يحكم الحاكم بشهادتهم، فعلى الحاكم أن يحكم بها في القتل، وفي سائر القصاص، وفي الأموال والفروج والنكاح، والطلاق والقذف والقطع في السرقة والحرابة وحد الخمر إلا في الزنا وحده، فلا يحكم بها في الزنا فقط، فلو عموا قبل أن يحكم بشهادتهم، بطلت الشهادة جملة، ولم يجز له أن يحكم بشيء منها في شيء أصلا. قالوا: فلو حكم الحاكم بها، ثم عموا قبل أنْ ينفذ الحكم بها، لزمه أن ينفذ الحكم بها في الحقوق كلها من الدماء وغير ذلك، حاشا الحدود، فلا ينفذ الحكم بها فيها. ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، فيا للعجب لحمق هذه المقاييس، والأخذ بها، وفي تركها! ! وقالوا: إن تداعى اثنان في حائط على الحائط لأحدهما خشبتان، وعليه للآخر ثلاث خشبات، فهو كله لصاحب الثلاث خشبات، ولا شيء فيه لصاحب الخشبتين. وقالوا: فلو كان لأحدهما على الحائط ثلاث خشبات وللآخر عليه مائة خشبة، فالحائط بينهما بنصفين، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض ولا فرق بين الأمرين عند ذي حس. وقالوا: لا يحد الذمي بالزنا وإن زنى بمسلمة، ولا في الخمر، ولا

стр. 1182

في سب رسول الله ﷺ (١)، ولا يمنع من نكاحه حرائمه، ولا من الزمزمة (٢)، ثم قالوا: يقطع في السرقة من ذمي سرق، أو من مسلم، ويحد في قَذْفِةِ المسلم (٣)، وَيَمْنَعُونَ من إنفاذ أحكام دينهم في القتل والقطع وأطلقوهم على سائر أحكامهم في الكفر بالله تعالى، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض. وقالوا: إن تزوج ذمي ذمية على خمر بعينها، أو خنزير بعينه، ثم أسلما، فليس لها عليه إلا تلك الخمر، وذلك الخنزير، فلو تزوجها على خمر في ذمته، أو خنزير في ذمته موصوف، ثم أسلما قضي لها بقيمة الخمر، وقضي لها في الخنزير بمهر مثلها (٤)، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض. وحرموا الحكم بشهادة أعميين أو فاسقين، أو محدودين في قذف، وأجازوا النكاح بشهادة اثنين ممن ذكرنا، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض.

стр. 1183

ولم يجيزوا النكاح بشهادة عبدين، وإن كانا من أفضل الناس (١)، ولا أنفذوا بشهادتهما شيئا أصلا إلا في رؤية هلال رمضان فقط (٢)، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، فاعجبوا لهذه الأهواس (٣). وقالوا: من خلا بامرأته في نهار رمضان وهو صائم ثم طلقها، فليس عليه إلا نصف الصداق فلو خلا بها وهو صائم نذرا، أو في قضاء رمضان أو في صوم ظهار، أو كفارة قتل، ثم طلقها، فعليه لها الصداق كله، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض. وقالوا: من تزوج حرة فقتلت نفسها قبل الدخول بها، فعليه الصداق كله، فلو تزوج أمة فقتلت نفسها قبل الدخول، فليس عليه شيء من صداقها، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض. وقالوا إن تزوج ذمي ذمية، فمات فتزوجت مسلما في عدتها من زوجها الميت، جاز ذلك النكاح، فلو كانت حاملا فسخ النكاح، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر. وقاسوا السعوط في الأنف بلبن امرأة، في أنه يحرم على الرضاع، ولم يقيسوا على ذلك التقطير بلبن في العين، أو في الأذن، ولا قاسوا على ذلك الحقنة باللبن، ولا مداواة الجائعة به على ذلك [الحقنة باللبن

стр. 1184

ولا مداواة الجائفة (١) به] وتقطيره، ولا تقطيره في الإحليل ولم يروا شيئا من ذلك يحرم! ! وقاسوا تقطير الدهن أو اللبن في الأذن، وفي الأنف، والحقنة به، ومداواة الجائفة به، وتقطيره في الإحليل على الأكل في انتقاض الصوم بكل ذلك، وهكذا قاسوا كل ذلك على الأكل في الإفطار بالإكراه عليه حاشا التقطير في الإحليل فإنهم لم يقيسوه إذا أُكْرِهَ عليه على الأكل، فلم يروا الفطر به، ولم يقيسوا التقطير في العين على شيء من ذلك، بل قالوا لا يفطر أصلا، فاعجبوا لحماقة هؤلاء القوم في هذه القياسات السخيفة وتلاعبهم بالشرع والتحريم والتحليل في الدين بمثل هذه الأقوال، ونحن لو أثبتنا الفروق التي يذكرونها لطال الديوان، واشتد النكير، وامتد عنان التعقب، ومن ذا الذي يرى لهم ما أثبتوه، ولم يقل بعض ما قد قلناه، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. وقاسوا من حلف بالطلاق أو بالعتاق، أو بنذر حج، أو بنذر صدقة أو بنذر عمرة، أو بنذر صيام أن لا يقرب امرأته فهو مُولي، وعليه حكم الإيلاء، على من حلف على ذلك بالله ، ولم يقيسوا على ذلك من حلف بنذر صلاة ركعتين، أو بنذر طواف أسبوع، أو بنذر تسبيح مائة مرة، أو بنذر اتباع جنازة، أو بنذر قراءة سورة، أو بنذر سجدة تلاوة. فقالوا: ليس موليا، ولا عليه حكم الإيلاء، وأطرف شيء

стр. 1185

احتجاجهم في ذلك، بأن الصيام والعتق والصدقة من كفارة الأيمان وليس سائر ما ذكرنا من كفارة الأيمان، فقلنا لهم: أترون الحج والعمرة والطلاق، أمن كفارة الأيمان هي؟ ثم ليت شعري أين رأوا أن الصدقة من كفارة الأيمان إلا في الكسوة والإطعام فقط، فاعجبوا لهذا التخليط، واحمدوا الله تعالى على السلامة! ! وقاسوا من قال: "أنا أنحر ابني إن قربتك أربعة أشهر" على من حلف بالله تعالى أن لا يقربها، وقالوا: هو مولي، ولم يقيسوا على ذلك من قال: "وحق الله تعالى لا قربتك" فقالوا: ليس هذا موليا، فكان هذا عجبا من العجب! ! وقالوا: تقع الفرقة في الإيلاء بمضي أربعة أشهر، ولا معنى لتوقيف الحاكم ولا لتفريقه، ثم قالوا إذا التعن الزوجان، لم تقع الفرقة بينهما إلا حتى يفرق الحاكم بينهما، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض ولو عكسوا هذا الحكم لوفقوا وأصابوا! ! وقاسوا على لزوم الصلاة والصيام والطهارة للعبد، لزوم النكاح له، ولزوم الطلاق لَهُ، ولزوم الظهار له، ولزوم الإيلاء له، ولم يقيسوا ذلك على لزوم الزكاة له، ولزوم الحج له وشهادته، وقد اختلف في جواز طلاقه، وايلائه وظهاره، فأسقط عنه كل ذلك بعض التابعين، وقد ألزمه الزكاة بعض الصحابة، وأجاز حجه عن الفريضة بعض التابعين نبهنا على ذلك لئلا يسارعوا إلى مج (١) الكذب

стр. 1186

في دعواهم الإجماع جرأة على الباطل! ! وقاسوا من وطئ ليلا في خلال صيام الظهار، ابتدأ الصيام من أوله ولا بد، فإن وطئ في خلال الإطعام لم يبتدئ الإطعام (١)، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض! ! وقاسوا الإطعام على الصيام في ذلك، في أن لا يطأها حتى يطعم الكفارة المذكورة! ! وقالوا: من عليه عتق رقبة من ظهار، وعتق رقبة من قتل خطأ، فأعتق رقبة واحدة ينوي بها عن الظهار، وقتل الخطأ معًا لم يُجْزِئْهُ عنهما ولا عن واحد منهما (٢)، قالوا: فلوا كان عليه كفارتان من ظهارين من امرأتين له فأعتق رقبة ينوي بها عن الظهارين معا، فإنها تجزئه عن أحد الظهارين أيهما شاء (٣)، قالوا: والقياس أن لا يجزئه شيء من ذلك، قالوا: ولكنا ندع القياس للاستحسان، فأقروا بتركهم الحق عندهم، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ! فإن قالوا: إنما اردنا بالاستحسان، استحسان قياس غير الذي تركناه قيل لهم: ليس هذا مرادكم، وإنما هو تمويه من متأخريكم، ولو كان ذلك لكان صواب العبارة أن يقول متقدموكم وَلَكُنَّا ندع القياس لأصح منه أو لأظهر علة، أو لغير ذلك مما يتعلق

стр. 1187

بتصحيح الأقيسه [وبالله تعالى التوفيق] (١). وقاسوا الظهار من الأمة على الإيلاء منها (٢) ولم يقيسوا الظِّهار بالأب على الظهار بالأم، ولا قاسوا الظهار بصدر الأم على الظهار بظهرها، ولا قاسوا الظهار ببطنها على الظهار بظهرها، وقاسوا الظهار بابنة الزوجة المدخول بها، وإن لم تكن في حجره على الظهار بالأم (٣) لم يقيسوا الظهار بأم امرأة زُنَيِ بها على الظهار بالأم (٤) وكلاهما عندهم حرام، كالأم، وكلاهما مختلف فيه عند الصحابة ﵃ (٥). وقاسوا مكيلة الإطعام في الظهار، وفي كفارة رمضان على مكيلة الإطعام في فدية الأذى في الحج (٦)، فانظروا رحمكم الله تعالى بعد ما بين ذلك من الشبه، ولم يقيسوا رقبة الظهار، وكفارة رمضان، واليمين على رقبة قتل (٧) الخطأ في أن تكون مؤمنة ولا بد.

стр. 1188

ولم يقيسوا على تفريقهم بالعنانة عندهم (١) في الجماع، على منعهم من التفريق بعدم النفقة، وعدم النفقة أشد في الضرر، ولم يقيسوا من عُنَّ عنها زوجها (٢) بعد أن وطئها مرة، على من عُنَّ عنها قبل أن يطأها مرة، والعلة واحدة والضرر واحد، ولم يقيسوا الواطئ للحائض على الواطئ في نهار رمضان، وكلاهما واطئ محرم، وكلاهما قد جاءت فيه آثار، وكلاهما قد أوجبه بعض الصحابة ﵃ (٣). ولم يقيسوا سائر العيوب في التفريق بها على التفريق بالعنانة، ولم يقيسوا النكاح في رده بالعيوب على البيع في رده بالعيوب، وكان أشبه به من قياسهم الصداق، على ما تقطع فيه اليد في السرقة، ولم يقيسوا تحريم الرجل امرأته على ظهاره منها، وهو أشبه من القطن بالذهب. وقاسوا الزنا بأم الزوجة وفي تحريم أم المزني بها، وببنتها على وطء الرجل امرأته حائضا فتحرم عليه ابنتها (٤)، ولم يقيسوه عليه في إلحاق الولد في الزنا، كما يلحق في وَطْءِ الحائض. وقالوا: من أقام شهود زور، أن زيدا طلق امرأته فحكم الحاكم بذلك، فهي حلال لمن تزوجها من الشهود، وكذلك لو أقام شهود زور أن فلانة تزوجته بولي رضا، فقضى القاضي بذلك، فهي له

стр. 1189

حلال، وكذلك لو شهدوا عليه، بأنه أعتق جاريته هذه، فقضى القاضي بذلك لمن تزوجها ممن لا يدري باطن الأمر. قالوا: فلو شهدوا له بأنه وهب له مملوكته هذه. فمرة قالوا: هي حلال له إذا قضى بذلك القاضي. ومرة قالوا لا تحل له. وقالوا: إن شهدوا بأنه تزوج هذه المرأة بعد تمام عدتها إلا أنها في العدة فيه (١)، فإنها لا تحل له، ولو شهدوا بأنه باع أمته منه، فقضى القاضي له بذلك فإنها لا تحل له، ولو شهدوا له بأنه قتل أباه بالسيف عمدا، فأقاده القاضي، فإنه لا يحل لَهُ قتله، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض! ! وقالوا: لا يلاعن العبد ولا المحدود في قذف، ولا الكافر لأن شهادتهم لا تقبل، ثم قالوا: ويلاعن الأعمى والفاسق وشهادتهما غير مقبولة (٢)، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، فإن قالوا قد اختلف في شهادة الأعمى قلنا: وقد اختلف في شهادة العَبْدِ والأمة، وأنتم تجيزون شهادة الكافر على الكافر، فقالوا هي مردودة عن المسلم. قلنا: والفاسق مردود بكل حال، وكل أحد عندكم ترد شهادته لأبيه وابنه، فأبطلوا اللعان عن كل أحد! ! وقاسوا عتق جميع الأمة بعتق أحد سيديها منْها شِقْصًا، على عتق الشقص من العبد، ولم

стр. 1190

يقيسوا ظهار المرأة من زوجها، على ظهاره منها. وقاسوا حد العبد بزعمهم على حد الأمة، فسووا بينهما (١)، ثم لم يقيسوا ما يؤخذ من قاتلها، على ما يؤخذ من قاتل العبد، وقيمتها أكثر من خمسمائة دينار. وقاسوا انفساخ النكاح بعد صحته في إيجاب العدة فيه، ونصف الصداق على الطلاق (٢)، ثم لم يقيسوه على الطلاق في إيجاب المتعة فيه! ! وقالوا: إن أبى الزوج اللعان، أو البغي وأبت المرأة، حبس الآبي ولم يحد (٣)، وكذلك من ادعي عليه قتل، فإن ادُّعِيَ عليه قطع يد عمرو، أو قطع يدين ورجلين كذلك، أو فَقْءُ عينين كذلك، فنكل قضي عليه بكل ذلك، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض. وقالوا: إن أسلم الكافر وامرأته مجوسية، أو أسلمت المرأة، أو زوجها لم يفرق بينهما حتى يعرض الإسلام على الذي لم يسلم منهما، ولو بعد سنين (٤)، ثم قالوا: فلو ارتد أحد الزوجين وقعت الفرقة للوقت، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، ولا فرق بين شيء من ذلك! !

стр. 1191

وورثوا ورثة المرتد من المسلمين منه إذ قتل (١)، أو لحق بدار الحرب (٢)، ولم يورثوه منهم ولا ورثوا منه ورثته الكفار، ولا ورثوا مسلما من كافر أصلا، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض، وليت شعري في أي الأصول وجدوا حيا يورث؟ ! ! وقاسوا دعوى الاثنين الولد، فألحقوه بهما على دعواهما في المال، فيقضى به بينهما (٣)، ولم يقيسوا على ذلك دعوى الأربعة للولد، فأبوا أن يلحقوه بهم، وكل ذلك في دعوى المال سواء! ! ! وأما تركهم قياس ألفاظ الطلاق بعضها على بعض، فكثير جدا يطول ذكره، وقد نبهنا عليه فلينظر فيه من أراد أن يعرف مقدار نعمة الله تعالى عليه، وعنده إذْ لم يجعله منهم، أو أراد نصح نفسه في تداركها بالتوبة فسيرى وَاللهِ فضائح الأبد، وتركا للقياس، وللمعقول وللقرآن والسنن، ولأقو ال السلف، وللاحتياط ظهريا (٤)! ! وقالوا من قال: "أنت طالق ثلاثا إن دخلت دار زيد"، لم يلزمه طلاق إلا بدخولها دار زيد (٥)، ولم يقولوا طلقها، ثم ندم، ثم قالوا من قال: "أنت طالق" ثم وصل كلامه بأن قال: "أردت أن أقول:

стр. 1192

أنت ظالمة، فأخطأ لساني" أن الطلاق قد لزمه، وأنه ندم منه، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، ولا فرق بينهما عند ذي عقل! ! ! (١). وقالوا من قال: كان لزيد عليّ درهم، وصرفت إليه نصفه، فإنه يغرم الدرهم كله، فلو قال له: علي درهم غير ثلث، صُدّقَ في نقصان الثلث، ولم يقيسوا على الآخر، ولا فرق بينهما! ! وقالوا الأحكام كلها لازمة للسكران، من النكاح والطلاق والعتاق والبيع والزنا، والقذف إلا الردة، فإنها لا تلزمه، ولا تبين امرأته منه ولم يقيسوها على سائر الأحكام. وقالوا من قال إن تزوجت فلانة فهي طالق، فتزوجها طلقت، قالوا: فلو قال: إن تزوجت فلانة فأنا مرتد كافر بالله تعالى فتزوجها لم تلزمه الردة، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض (٢)! ! ! وقالوا: من طلق امرأته على مائة دينار، لم يبرئه ذلك من باقي صداقها عليه، قالوا: ولو بارأها على مائة دينار، تأخذها منه، فقد سقط عنه باقي صداقها عليه، ولم يسقط عنه دين إن كان لها عليه، فتركوا قياس بعضها على بعض، مع قياسهم الخص (٣) على التمر، والكتان على الذهب! ! ! .

стр. 1193

وقاسوا المطلقة ثلاثا على المتوفى عنها، في الإحداد، ولم يقيسوا الملاعنة على المتوفى عنها في ذلك. وقاسوا على خبر فاسد مكذوب: "كل شيء خطأ إلا السيف" (١) فقاسوا على السيف النار وَلِيطَةَ القصب، والخنق بعد المرتين، ولم يقيسوا على السيف التغريق حتى يموت، ولا الخنق أول مرة ولا شدخ الرأس بالحجارة عمدا (٢). وقاسوا من قتل اثنين على من قذف اثنين أو سرق من اثنين، ولم يقيسوا على ذلك من قطع يدي رجلين يمنى ويسرى، وقالوا يقص (٣) للكافر من المؤمن في النفس، فما دونها، ولا يقص للعبد من الحر إلا في النفس، لا فيما دونها ولا للمرأة من الرجل إلا في النفس فما دونها، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض! ! ! وفرقوا بين حكم رجلين قطع كل واحد منهما يد رجل، ثم قطع قاطع إبهام أحد هذين القاطعين، وذهبت إبهام الآخر بعلة من عند الله (٤) تعالى (٥) ولم يقيسوا أحد الأمرين على الأخر وهما سواء! ! ! وقالوا إن اشترك محلون في قتل صيد الحرم، فعليهم كلهم جزاء

стр. 1194

واحد، فإن اشتركوا في قتل إنسان وَاحِدٍ خطأ، فعلى كل واحد منهم كفارة، غير الذي على صاحبه، ولم يقيسوا بعغى ذلك على بعض. فإن قالوا: قسمنا الصيد على الدية. قلنا: أخطأتم القياس، لأن جزاء الصيد بنص القرآن كفارة، وقال تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (١) وقياس الكفارة أولى من قياس الكفارة على الدية، التي لا تشبهها، والدية في الخطأ تحملها العاقلة، ولا تحمل الكفارة. وقاسوا بعض الجنايات على الأعضاء [في الوجوب] وجوب الدية كاملة فيها، إذا أصيبت خطأ على النفس (٢)، ولم يقيسوها على النفس في إيجاب الكفارة في ذلك، وبالله تعالى (٣) التوفيق. قال أبو محمد رحمه الله تعالى: قد ذكرنا من تناقضهم في القياس كما وعدنا بحول الله تعالى وقوته، ما فيه كفاية لمن نصح نفسه، وتالله لو تتبعناه لكان أضعاف ما ذكرنا. وبالجملة فما يسلم لهم قياس أصلا من تركهم لمثله في تلك المسألة نفسها، أو تركهم لأقوى منه. وبالله تعالى التوفيق، وله الحمد رب العالمين.

стр. 1195

في ت: هنا تم الجزء الأول من كتاب الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس ويتلوه إن شاء الله تعالى، ذكر طرف يسير من شنع أقوالهم في الدين، لم يتعلقوا في شيء منها، لا بكتاب ولا بسنة، والحمد لله أولا وباطنا وظاهرًا. علق هذا الجزء لنفسه العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى محمد بن إبراهيم الدمشقي الأصل، الشهير بالبدر البشتكي لطف الله تعالى به، وعفا عنه في شهر رجب سنة ٧٨١ هـ وحسبنا الله ونعم الوكيل. وفي ش: هنا تم هذا الجزء المبارك، ولله تعالى الحمد وبه جل وعلا (١) وكان في آخر ما هذا نصه: تم هذا الجزء الأول، والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وحسبنا الله ونعم الوكيل يتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى طرف يسير من شنع أقوالهم في الدين، لم يتعلقوا في شيء منها لا بقرآن ولا بسنة. وفيه بلغت المقابلة بأصل المؤلف بخطه، ومنه نُسِخَ. أقول: ومنه علقت هذا الأصل إلا اليسير في أوله، وصلوات الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه [وسلم]، وتاريخ الأصل المذكور يوم السبت رابع عشر شهر شعبان من سنة ستين وخمسمائة، وانتهى تعليق هذا الأصل يوم الأحد ثامن عشر شهر جُمادى الأولى سنة ٧٦١. * * *
следующие страницы →