وسعيد بن المسيب، والزهري (١) وقتادة، وجاء في ذلك مرسل رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل (٢) أن رسول الله ﷺ (٣) كتب إلى المصعبيين باليمن كتابا فيه: "وفى البقر ما في الإبل" (٤).
وكلا القولين عن إبراهيم خلاف السنة، فَلا بالسنة تعلقوا، ولا القياسَ طَرَدوا.
وقاسوا النساء التغلبيَّات على رجالهم؛ في إضعاف الصدقة عليهن -قالوا- قياسا على الزكاة، ولم يقيسوهن عليهن (٥) فى إيجاب الجزية عليهن (٥)، وإنما إضعاف الصدقة على بني تغلب عوض من الجزية، لا عوض من الصدقة.
وقاسوا إسقاطهم الزكاة عن ماشية الصغار المجانين على سقوط الصلاة عنهم (٦)؛ ولم يقيسوا قولهم في جواز تقديم الزكاة قبل وجوبها؛ على المنع من تقديم الصلاة قبل وجوبها؛ ولا على المنع في
стр. 1122
قولهم من تقديم كفارة اليمين قبل وجوبها، ولا على المنع من تسليم الشفعة قبل وجوبها، ولا على المنع من تقديم الصوم الواجب قبل وقته ولم يقيسوا قولهم في إسقاط زكاة الفطر عن الشريكين في الرقيق جملة على قولهم في إيجاب زكاة التجارة على الشريكين في الرقيق للتجارة، وفي إيجاب الزكاة في المواشي من الشركاء، وأعجب شيء جوازهم (١) إسقاط الزكاة في الفطر عن الرقيق بَيْنَ الشركاء على من لم يجد إلا بعض الصاع. فاعجبوا لهذا الهوس؛ ولفساد هذا القياس! !
وقاسوا الآكل عمدا، على المجامع عمدا في نهار رمضان في وجوب الكفارة عليهما؛ ولم يقيسوا من بلع حصاةً أو عجينا على آكل الخبز في ذلك؛ وقاسوه عليه في أنه مفطر؛ ولم يقيسوا اللائط على المجامع في الفرج في إيجاب الكفارة عليهما؛ وقاسوه عليه في أنه مفطر إذا أمنى.
وقاسوا المحتفن والمُقَطِّرَ في أذنه، على الآكل في إيجاب القضاء خاصة (٢)؛ ولم يقيسوه عليه في إيجاب الكفارة.
ولم يقيسوا إيجاب الهدي عن المرأة؛ على الزوج؛ على قولهم في إيجاب الأضحية عنها عليه؛ ولا قاسوا إيجابهم الأضحية عنها عليه؛ على إسقاطهم عنه زكاة الفطر عنها. ولا قاسوا إيجابهم زكاة الفطر على الأب عن صغار ولده على إسقاطهم ذلك عنه، عن زوجته؛ ولم
стр. 1123
يقيسوا الواطئ ناسيا - وهو صائم -على الواطئ ناسيا- وهو محرم بحج أو عمرة إذ أبطلوا الحج بذلك؛ ولم يبطلوا الصوم بذلك.
وقاسوا المُحْتَقِن بالخمر؛ على شاربها في الإفطار بذلك في الصوم؛ ولم يقيسوه عليه في إيجاب الحد؛ ولم يقيسوا مَنْ أُغْمِيَ عليه الشَّهْرَ كلَّه على من جُنَّ الشهر كله، فرأوا على المغمى عليه القضاء، ولم يروه على المجنون، ولا قاسوا الموصي بالصوم عنه على الموصي بالحج عنه، وكلاهما من عمل الأبدان، وكلاهما للمال في إصلاحه مدخل (١).
ولا قاسوا أمرهم بالصلاة ركعتين عند المقام؛ على الموصي بأن يحج عنه على نهيهم عن الصلاة عن الموصي بها عنه، ولا قاسوا العبد يحضر الجمعة، فيصير من أهلها؛ وتجزئ عنه، وهو إن لم يحضرها ليس من أهلها؛ عندهم؛ على حج العبد فلا يجزئ عنه؛ ولا يصير بذلك من أهله؛ وقالوا: نقيس حج العبد على صوم الحائض وصلاتها، فقلنا: فقد تناقضتم إذ جعلتم حج العبد قُربةً وأجرًا؛ وفعلًا حَسَنًا ولم تَرَوْا ذلك في صلاة الحائض وصومها؛ وكلاهما عندكم غير مخاطب بما فعل مِنْ ذلك؛ ولم يقيسوا الوقوف بعرفة قبل وقته وفي غير عرفة، على إجازتهم تقديم الإحرام بالحج قبل أشهر الحج؛ وقبل الميقات المحدود لذلك.
وقاسوا الخنازير المحرمة والأسد والسباع، وكل ذي مخلب من الطير على الصيد الحلال، في إيجاب الجزاء في كل ذلك على المحرم، وفي
стр. 1124
الحرام، وإنما جاء النص في المحلل وحده، بعد الإحلال، وقبل الإحرام بنص القرآن.
وقاسوا المخطئ في قتل الصيد على النص في العامد، وهذا كله من باب قياس الشئ على ضده، وما لا يُشْبِهُهُ، ولم يجمعه والمقيس عليه علة.
وقاسوا الرصاص والحديد والجير (١) والقطن، على القمح والتمر والشعير والملح والذهب والفضة، ولا نص في سوى هذه الست، ثم لم يقيسوا جميع المحرمات في إباحة قتلها في الإحرام، على الحية والعقرب، والفأر والحدأة، والغراب والكلب العقور.
وقاسوا المحرم في منعهم له من تغطية وجهه بزعمهم على حكم المرأة بمنعها من ذلك.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٢): وكذبوا، ما هي ممنوعة من ذلك أعني من تَغْطِيَةِ وجهها، إنما هي ممنوعة من النقاب فقط.
وقاسوا الذئب على الكلب العقور في إباحة قلته للمحرم، وفي الحرم، ولم يقيسوا سائر السِّباع على الكلب في ذلك، ولا شكَّ أنَّ ضُرَّ الأسد والنَّمر أكثر من ضُرِّ الذئب، ولا قَاسُوا سباع الطير على الحدأة في إباحة قتلها في الحرم والإحرام، وهذا طريف جدا، ولا قاسوا من فسد حجه، على من فَسَدَتْ صلاته في أمرهم من فسد حجه
стр. 1125
بالتمادي على ما لا يجزئه من ذلك، ولم يأمروا بذلك من فَسدَتْ صلاته وجاءت النصوص بايجاب الهدي في الفدية أو الجزاء على المتمتع ممن كان ساكنا بأهله في الحرم، وحالق رأسه لأذى مرض أو قمل، وقاتل الصيد عمدا والمحصر فقط (١)، ثم عوض الله تعالى الصيام من الهدي للمتمتع ممن لم يجد هديا، وبتخيير لحالق رأسه لمرض أو قمل، ولقاتل الصيد عمدا، وعوض الله تعالى الإطعام من الهدي في حالق رأسه لأذى قمل، أو مرض، وفي قاتل الصيد عمدا، والواحد من هؤلاء الأربعة محسنٌ عمله، أفضل من عمل غيره، وهو المتمتع، واثنان من الأربعة معذوران، وهما حالق رأسه لأذى: مرضٍ أو قملٍ، والمحصر بعدوٍّ؛ أو مرضٍ؛ أو عجز، والرابع: عاصي وهو قاتل الصيد عمدا، فقاسوا في إيجابهم الهدي، أو الصدقة، أو الصوم في ذلك من يطول ذكره ممن لا شبه بينه وبين هؤلاء الأربعة أصلًا، فَمِنْ ذلك إيجابهم الهدي على القارن، ولا شبه بينه وبين المتمتع؛ ثم قاسوا القارن ممن بينه وبين مكة ميقات على المتمتع، ممن بينه وبين مكة ميقات ولم يقيسوا القارن ممن هو بين الميقات، وبين مكة على المتمتع الذي بينه وبين مكة ميقات.
стр. 1126
وقاسوا قاتل الصيد ناسيا في الحرم؛ أو في الحل وهو محرم على قاتله كذلك عمدا؛ ولم يقيسوا قاتله في الحرم وهو محل عمدا، أو ناسيا على قاتله وهو محرم في الحرم، أو الحل عمدا؛ أو ناسيا، ولم يقيسوا بعض الصيد على بعضه، ففرقوا بين النعامة والحمار الوحشي، والأَيْل والظَّبْي، وبين الفيل والقرد والخنزير والأسد بعد أن قاسوا بعض ذلك على بعضه في إيجاب الجزاء في جميع ذلك؛ ولم يقيسوا المحصر بمرض، أو بعجز لحقه على المحصر بعدو، وقاسوا المحصر بعدو مَنْ لا شبه بينه وبينه، كمن تطيب يوما إلى الليل لغير عذر، أو لبس قميصا لغير عذر يوما إلى الليل أو لبس سراويل لغير عذر يوما إلى الليل، أو لبس عمامةً لغير عذر يوما إلى الليل، أو لبس بُرْنُسًا يومًا إلى الليل أو وطئ قبل عرفة، أو قرنَ، وهو بين الميقات، وبين مكة، أو لبس جبَّةً يومًا إلى الليل، أو حلق رأسه لغير عذر أو قصَّ أظفارَ يدٍ، أو رجلٍ لغير عُذر، في غير هذا، فأوجبوا في كل ذلك هديا لا يجزئه له صوم، ولا إطعام كالمحصر، فقاسوا عصاةً على معذور، ولم يقيسوهم على العاصي، هذا مع قولهم وإصفاقهم أن الكفارات لا يحل وضعها بالقياس.
وقاسوا على حالق رأسه لمرض، أو أذًى مَن تَطيَّبَ يومًا إلى الليل لعذر، أو لبس كذلك قميصا أو جبة أو بُرنسا، أو سراويل لعذر، أو قَلَّمَ أظفار يد، أو رِجلٍ لعذر؛ ولم يقيسوا عليه من تَطَيَّبَ لعذر، أو لغير عذر أقل من يوم، أو لبس أقل من يوم لعذر، أو لغير عذر، وفضائحهم ههنا تكثر جدًّا، ولعلنا نذكر منها طَرَفًا في ذكرنا
стр. 1127
لِشُبَهِهِمْ إن شاء الله تعالى، ولعلها لو تُقُصِّيَتْ لبلغت أزيد من مائة مسألة.
فإن ذكر ذاكر ما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس العذري (١)، حدثنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فراس (٢)، حدثنا علي بن أحمد المقدسي، حدثنا أحمد بن علي بن سهل بن عبد الله المروزي، حدثنا علي بن الجعد (٣)، حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب السختياني عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من ترك أو نسي شيئا من نسكه، فليهرق دما" (٤).
قلنا: علي بن أحمد المقدسي مجهول، والمروزي مثله؛ والخبر لا يصح. وأنتم أول مخالف لهذا الخبر. فلستم ترون ذلك في أكثر من
стр. 1128
نسي من نسكه أو تركه. وقاسوا وقت الأذان يوم عرفة على وقت الأذان يوم الجمعة (١). وخالفوا الإجماع في ذلك؛ والسنن الثابتة ولم يقيسوا من وَطِئ بعد عرفة؛ على مَنْ وَطئ قبل عرفة؛ والعجبُ كلُّه أنهم قالوا: إنْ وطئ قبل عرفة، فحجه باطل، وعليه هدي يجزئه فيه شاة، فإن وَطئ بعد عرفة فحجه تام؛ ولا تُجزئه إلا بدنة فَحين بطل حجُّه وعظُم جُرمه أجزأته شاة، وإذا تمَّ حجُّه ولم يَكْدَح (٢) فيه ما يبطله لم يتجزئه إلا بدنة.
فإن قالوا: إن وَطْأَهُ قَبْلَ عرفة ليس كوطئه بعدها، كما لم تخالفونا فيه قلنا لهم: فإذْ وقد فسد حجه، والدم إنما يكون جبرا، فماذا تصنع الشاة لَوْلَا التحكم في الدين؟ ! والله الموفق.
وأطرف شي إقدامهم على الكذب، وادعاؤهم الإجماع على ذلك، وما نعلم قولهم هذا في تقسيمهم ذلك عن أحد، فكيف يكون إجماعا؟
صح عن ابن عباس في ذلك هدي فقط بتخيير أيضا بين صومه ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين، روينا ذلك من طريق حجاج بن المنهال حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وروينا عن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليه (٣) قضاء الحج دون ذكر هدي (٤).
стр. 1129
وقاسوا صداق الأمة على صداق الحرة، ولم يقيسوا الأمة على الحرة، في منعها من السفر ثلاثا فصاعدًا، إلا مع زوج، أو ذي محرم، ولم يقيسوا صيام التسعة الأيام للمتمتع على صيامه الثلاثة الأيام، فأباحوا له أن يصوم الثلاثة الأيام بعد إحرامه بالعمرة، وقبل دخوله في الحج خِلَافًا للقرآن، ولم يبيحوا له صوم السبعة الأيام إلا إذا رجع من عمل الحج كما في القرآن.
وقاسوا فساد حجه بالوطء في الفرج بفساد صومه بالوطء في الفرج، ولم يقيسوا وطء المحرم ناسيا، على وطء الصائم ناسيًا، فأبطلوا الحج به، ولم يبطلوا الصوم به، ولا قاسوا اللائط في الصيام ينزل على اللائط في الحج ينزل، فأبطلوا الصوم بذلك، ولم يبطلوا الحج، فاعجبوا لهذا التلوث في الضلال، وَلَا قاسوا واطئ امرأته نهارًا وهو صائم ذاكر عامد دون الفرج، فينزل على واطئها، وهو محرم دون الفرج فيُنزل، فأبطلوا الصوم بذلك، ولم يجعلوا فيه كفارة، ولم يبطلوا الحج بذلك، وأوجبوا فيه الهَدْيَ.
وقاسوا إيجاب الكفارة على قاتل الصيد محرما ناسيا على وجوب الكفارة، على قاتل المؤمن خطأ، ثم لم يقيسوا ذلك إذ جعلوا كفارة قتل المؤمن على الترتيب، وكفارة قتل الصيد على التخيير، ولم يقيسوا وجوب الكفارة على قاتل المؤمن عمدا، على وجوبها على قاتله خطأ.
وقاسوا العبد على الحر فيما يلزمه سَتْرُهُ في الصلاة، وفيما تبطل به
стр. 1130
صلاته بانكشافه منه (١)، ولم يقيسوا الأمة في ذلك على الحرة، ولا على العبد، وهم يقولون إنهم قاسوا العبد على الأمة في الحدود، وقاسوا الأمة على العبد في عتق بعضها.
وقاسوا قاطع شجر الحرم على قاتل صيده في إيجاب الجزاء في ذلك، ولم يقيسوه عليه في تخييره بين الهدي، والإطعام، والصيام، بل خيروه في الهدي والإطعام، ولم يبيحوا له في ذلك صوما أصلا، ولا قاسوا قاتل صيد الحرم بالمدينة على قاتله بمكة، ولم يقيسوا حكم الحربي يشتري العبد المسلم، أو الأمة المسلمة، ويحملها إلى بلد الحرب على حكمها إذا غصبها من مسلم، وَحَمَلَهُمَا إلى دار الحرب، فقالوا: إن غصبهما وأدخلهما أرض الحرب، فقد ملكهما، وملكهما من وهبهما له، أو اشتراهما منه من المسلمين، ولا سبيل لسيدهما عليهما إلا بالثمن، وأما إذا اشتراهما من مسلم فساعة يدخلهما أرض الحرب سقط ملكهما عنه، وصارا حرين.
ولا قاسوا اختلاف دين الزوجين يسلم أحدهما، والآخر وثني على اختلاف دينهما بارتداد أحدهما، فقالوا إن ارتد أحدهما وقعت الفرقة للوقت أسلم بعد ذلك، أو لم يسلم، فإن أسلم أحدهما والآخر وثني أو أسلمت المرأة وزوجها كتابي، فهما في ذلك على الزوجية، حتى يعرض الإسلام على الذي لم يسلم منهما، فإن أسلم فهما على
стр. 1131
زَوْجِيَّتِهِمَا كما كانا، وإن أبى وقعت الفرقة للوقت (١)؛ ولم يقيسوا إسلام عبد الذمي على إِسْلام عَبْدِ الحربي يَخْرُجُ إلينا، وكلاهما مهاجر إلى الله تعالى عن ملك كافر.
وقاسوا إباحتهم حلق الشعر والظفر، بعد استهلال ذي الحجة، على مريد التضحية على إباحة النساء والطيب وخالفوا السنة في ذلك وهي ثابتة (٢)، ولم يقيسوا جواز الصلاة بالكلام فيها نسيانا، على جواز الصلاة مع السلام فيها نسيانا، ولا قاسوا قولهم في القهقهة في الصلاة على الكلام فيها اتباعا لخبر فاسد لم يصح (٣) قط (٤).
وقاسوا من حلف فقال أنا يهودي أو نصراني إن فعلتُ كذا، على من حلف بالله تعالى (٥) في إيجاب الكفارة في كل ذلك بالحنث (٦)، ولم يقيسوا ذلك على من حلف فقال: "عليه لعنة الله إن فعل (٧)
стр. 1132
كذا" (١) أو قال: "أنا زاني إنْ فعلت كذا" (٢)، وقد سوى طاووس بين من قال: "علي لعنة الله إن دخلت دار زيد" وبين من قال "أنا يهودي إن دخلت دار زيد" فأوجب الكفارة لكل ذلك (٣).
وقاسوا من حنث ناسيًا، على من حنث متعمدا في إيجاب الكفارة عليه (٤)، ولم يقيسوا من حلف متعمدا للحنث على ذلك، فلم يوجبوا عليه كفارة.
وقاسوا المنع من جواز إذن الورثة بالوصية بأكثر من الثلث قبل موت الموصي، على المنع من جواز كفارة الظهار (٥) قبل الظهار ولم يقيسوا على ذلك الطلاق قبل النكاح والعتق قبل الملك بل أجازوا كل ذلك إذْ قال: "كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وأي أمة اشتريتُها فهي حرة (٦)، ولم يقيسوا أيضا على ذلك جواز تقديم جزاء الصيد بعد
стр. 1133
جراحته وَقَبْلَ موته، ولا تقديم الكفَّارة في قتل الخطأ بعد جراحته وقبل موته بل أجازوا تقديم الجزاء والكفارة في ذلك.
وقالوا إن طاف أربعة أشواط من العمرة ثم وطئ، فعمرته تامة، فلو طاف منها ثلاثة أشواط، ثم وطئ فعمرته فاسدة.
وقالوا: إن قطع ثلاثة من أعضاء الذكاة، وهي الودجان والحلقوم والمريء، فهي ذكاة تامة، فإن قطع أقل فهي ميتة (١)، ولم يقولوا إن صام في كفارة اليمين من لا يقدر على رقبة، ولا على كسوة، ولا على إطعام أكثر من الثلاثة الأيام، ثم أيسر تمادى وأجزأه، ولا قالوا من توضأ أكثر وضوئه أجزأه، ولا قالوا من صلى أكثر صلاته تمت وأجزأه، ولا قالوا من صام أكثر يومه أجزأه لكن قالوا: من لم ينو الصوم نصف نهاره الأول أجزأه، ولم يقيسوا بعض ذلك ببعض، فإن قالوا: النصوص جاءت بصفة الصلاة والصوم والذكاة والطهارة قلنا: والنصوص جاءت بانقضاء العدة بوضع الحمل، وبعدد طواف العمرة، وبأنه لا يحل له إلا ما ذكينا، وبستر العورة وبسائر ما حددتم فيه تلك الحدود السخيفة.
وقالوا: من غسل عضوا كاملا في بئر بنية الوضوء أفسد البئر، فإن غسل فيها بعض العضو بنية الوضوء لم يفسد البئر (٢).
стр. 1134
وقالوا: إن حلق المحرم عضوا تاما فعليه الفدية، فإن حلق أقل فصدقة، فإن حلق ربع رأسه فالفدية، فإن حلق أقل فصدقة (١).
وقالوا من اغتسلت إلا عضوا كاملا، فلزوجها عليه الرجعة، فإن اغتسلت إلا بعض عضو سقطت رجعته عنها، ولم تحل لها الصلاة بذلك حتى تتم جميع جسدها (٢).
وقالوا: من مسح ثلاثة أصابع من رأسه أجزأه، ولا يجزئ أقل، ومن مسح أربعة أصابع من كل خف أجزأه، ولا يجزئ أقل، ومن انكشف من خفه قدر ثلاثة أصابع لم يجز المسح عليه، فإن انكشف أقل أجزأه المسح عليه (٣).
وقالوا: من قص أظفار عضو كامل، فعليه الفدية، فإن قص أقل فصدقة (٤).
وقالوا: إن التعن هو وهي خمس التعانات (٥)، ففرق الحاكم بينهما فهي فرقة صحيحة، فإن التعنا أقل فلا يكون تفريق الحاكم
стр. 1135
بينهما فرقة (١)، وقال محمد بن الحسن ولم يذكر في ذلك خلافا بين أصحابه: إن وضعت المتوفى عنها، أو المطلقة أكثر من نصف ولدها مما بين آخر عنقه إلى آخر مقاعده، لا يعد في ذلك الرأس، ولا الفخذين والساقين، فقد انقضت عدتها، وحل لها الزواج فإن وضعت أقل من ذلك لم تنقض عدتها.
وقالوا: إن انكشف من بطن الحرة أو فخذها، أو مقاعدها أو ظهرها، أو ساقها، أو عنقها، أو شعرها أو صدرها الربع فأكثر في الصلاة بطلت صلاتها، فإن انكشف أقل من الربع فصلاتها (٢) تامة، فإن انكشف منفرجها أكثر من قدر الدرهم بطلت صلاتها، فإن انكشف منه قدر الدرهم فأقل فصلاتها تامة (٣)، ولم يقيسوا بعض ذلك ببعض فاعجبوا لهذه الوساوس! ! .
وقاسوا ما يتزوج العبد من النساء (٤)، وَبِكَمْ تحرم الأمة على زوجها من الطلاق (٥) وكم أجل المُوليِ الحر، والعبد من زوجته
стр. 1136
المملوكة (١)، وعدة الأمة التي لا تحيض في الطلاق، وعدتها من الوفاة (٢) على حدود العبد، والأمة في القذف والزنا والخمر، ولم يقيسوا على حدودهما في القذف والخمر والزنا حدهما في السرقة، ولا حد العبد في المحاربة، ولا أجل العَبْدِ بين الحرة في الإيلاء ولا أجل العبد من الأمة في العنانة (٣)، ولا صيام العبد في الظهار، ولا صيامه في الكفارة ولا عدد طلاق العبد للحرة، ولا أَجل الأمة المطلقة الحامل، أو المتوفى عنها وهي حامل من العبد والحر، بل جعلوا كل ذلك حكم العبد والحر والأمة والحرة في ذلك سواء، ولم يقيسوا أيضا على ذلك دية العبد ولا عدة الأمة التي تحيض، بل جعلوا عدتها ثلثي عدة الحرة (٤)، وجعلوا دية الأمة دون دية الحرة بخمسة دراهم فقط (٥)، ودية العبد دية الحر إلا عشرة دراهم، ولا قاسوا حكمها جملة فيما عدا الحدود والميراث، وما جاء فيه النص على استواء حكم العبد مع الحر في مقدار صداقه عندهم الطهارة والصلاة وصيام رمضان، وما يحرم عليه من المطاعم
стр. 1137
والمشارب (١)، فاعجبوا لهذا الضلال، ولضلال قياساتهم وفسادها.
وقاسوا حكم من لزمته كفارة الإفطار عمدا في رمضان أو في كفارة ظهاره، أو كفارة قتل (٢) خطأ، أو كفارة يمين فلم يجد رقبة، ولا ما يطعم في الكفارة في اليمين، ولا ما يكسو فصام، أنَّه متى وجد ما عجز عنه من ذلك قبل أن يتم الصوم بطل صومه، وعاد إلى العتق، أو الإطعام، أو الكسوة فإن وجد وأيسر بعد تمام صومه أجزأه، بعض ذلك على بعض، ولم يقيسوا على ذلك من تمتع بالعمرة إلى الحج، فلم يجد النسك فصام، فإنه وإن أتم صومه الثلاثة الأيام في الحج، إلا أنه لم يحل بعد حتى أيسر، فإن صومه يبطل ويلزمه النسك، فإن أيسر بعد أن حل إلا أنه لم يصم السبعة الأيام، أجزأه صومه وصام السبعة الأيام الباقية.
وقاسوا رقبة الكفارات من الظهار واليمين والقتل، ورمضان على الأضحية في أن لا يجوز فها عيوب ذكروها أيضا من سلامة اليدين والرجلين والعينين، ثم خالفوا في قياسهم هذا الفاسد، فأجازوا فيها ما لا يجوز في الأضاحي كالعور التام، والعرج التام، والعجف الظاهر والمرض (٣)، فاعجبوا لهذه الفضائح والجهل المظلم.
стр. 1138
ولم يقيسوا رقبة الظهار واليمين، ورمضان إذ أجازوا فيها عتق الكافر، على رقبة قتل الخطأ التي لا يجوز فيها الكافر، أليس أعجب العجب قياس عتق رقبة على أضحية، وترك قياس رقبة على رقبة.
وقاسوا صوم كفارة اليمين، فلم يجيزوه متفرقا على صوم الشهرين في كفارة رمضان، والظهار والقتل (١).
ولم يقيسوا صوم الشهرين في قتل الخطأ على صومهما في كفارة رمضان، والظهار في تعويض الإطعام منهما.
فإن قالوا: لم يأت التعويض بالإطعام منه في النص، قلنا: ولا جاء في صوم الثلاثة الأيام في كفارة اليمين التتابع في النص، فقالوا، نزل في قراءة أُبي (٢) فقلنا: فاقرؤوا بها، واكتبوها في مصاحفكم، وإلا فلا تكذبوا على أُبي، ولا على الله تعالى، فقالوا نُسخ لفظها قلنا: ومن أين لكم أن حكمها بقي، وقد أقررتم بنسخها، ولم يقيسوا إباحة إقراض زيد عمرا جارية ثُمَّ يردها هي، أو غيرها إذ حرموا ذلك على إجازتهم أن يبيعها منه، أو أن يهبها له، ثم يبتاعها منه بعد وطئه لها إذا حاضت، ولا فرق بين الأمرين في انتقال الملك، ثم رجوعه بغير اشتراط رجوعه، ولم يقيسوا حكم من له
стр. 1139
على آخر دين من قرض حال، فأجله إلى أجل مسمى وأشهد له بذلك، فلم يجيزوا هذا التأجيل أصلا على قولهم فيمن له على آخر حق حال من غير قرض فَأَجَّلَهُ إلى أجل مسمى أن التأجيل يلزمه.
ولم يقيسوا قولهم في جواز ضمان دين المريض بغير محضر صاحب الدين على منعهم من ذلك في سائر المواضع، وقاسوا ذلك في المنع منه بغير محضر صاحب الدين، على منعهم من ذلك في سائر المواضع، وقاسوا ذلك في المنع منه بغير محضر صاحب الدين على النكاح، فاعجبوا لسخف هذا القياس.
وقاسوا المخاطرة في الضمان مثل أن يقول: ما وجب لك على هذا من حق، فأنا ضامنه عنه لك (١)، ولعله يجب له عليه ما لا وفاء عند الضامن به، ولا يجب له عنده حق أصلا على المخاطرة في الولايات والوكالات مثل أن يقول الإمام: فلان أميركم فإن مات، ففلان، ولعل ذلك المستخلف يموت قبل الذي سمي قبله، ولم يقيسوا ذلك على منعهم من المخاطرة في البيوع وفي الإجارة، وفي النكاح، ولا شبه بين الإمارة وضمان المال أصلا، والمخاطرة في الوكالة لا تجوز وإنما جاز ذلك في الأوصية (٢)، لأنها عقود يرجع فيها إذا شاء، ولم يقيسوا ولد الأمة المغصوبة يستحق عند غير الغاصب، على ولد سائر الحيوان المغصوب يستحق عند غير الغاصب، ولم يقيسوا كلابا تقتل
стр. 1140
لمسلم، أو خنازير لذمي، تبلغ (١) أزيد من عشرة آلاف درهم، فيلزموا جميع قيمتها الجاني، على عبد يقتل يساوي مائة ألف درهم، فلا يزيدوا سيده على عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم شيئا، فإن قالوا: هي دية، قلنا: وفي أي الديات وجدتم دية مردودة إلى القيمة لا تستقر على حال؟ ! !
وقاسوا خراج العبد من ثمنه على خراج الحر من ديته، وديات الأحرار لا تختلف وأثمان العبيد مختلفة اختلافا متفاوتا شديد التفاوت، ثم لم يقيسوا (٢) حاجب العبد ينتف فلا ينبت أو أذنه تقطع على جناية ذلك على الحر، بِنِسْبَتِهِ من ثمن العبد كنسبة ذلك من دية الحر، بل جعلوا فيه ما نقصه فقط.
وقاسوا خروج الدم من الفم، ومن الحجامة، ومن حيث ما خرج من الجسد على دم الاستحاضة في أنه ينقض الطهارة (٣)، ولم يقيسوه على الحيض في أنه ينقض الصوم، إلا إن خرج من الحلق إلى الفم، فإنه ينقض الصوم، ولم يقيسوا على ذلك خروج الدم من سائر الجسد، ولم يقيسوا قولهم في المرء يعتق عبده المرهون، أو تحمل منه أمته المرهونة، أو يبيع مَا رَهَنَ، أو يؤاجره، فلم يقيسوا شيئا من ذلك كله
стр. 1141
بعضه على بعض، بل قالوا في كل ذلك أقوالا متخاذلة سخيفة، ولا فرق بين شيء من ذلك، إما جواز كل ذلك، وإما رد كل ذلك، ولم يقيسوا جواز المساقاة والمزارعة على جواز المضاربة، ولم يقيسوا إجازتهم الرجوع عن الإقرار بحقوق الله تعالى على منعهم من الرجوع من الإقرار بحقوق اليهود والنصارى.
وقاسوا الإقرار بالسرقة لم يجيزوه إلا حتى يكون مرتين، على أنْ لا يقبل في ذلك إلا شاهدين (١) وعلى الإقرار بالزنا لا يكون إلا أربع مرات على عدد شهوده (٢)، ولم يقيسوا الإقرار بحقوق الناس على ذلك، وانكروا على من لم ير الظهار إلا حتى يعاد مرة أخرى أخذا بالقرآن (٣)، وقالوا به حيث لم يأت به قط نص، وذلك في عدد الإقرار بالسرقة، ثم لم يقيسوا حكم الإقرار في ذلك كله على حكم الشهود إذا قالوا لا يكون الإقرار إلا في مجالس متفرقة، ولا يكون الشهود في ذلك إلا في مجلس واحد (٤). وقالوا من ادعى مع آخر لقيطا، فأتى أحدهما بعلامات في بدن اللقيط قُضِيَ له به (٥)، ولم يروا ذلك في المتداعيين في جارة أو عبد، ولم يقيسوا
стр. 1142
أحدهما على الآخر! ! !
وقالوا: إن تداعى الزوجان في متاع البيت فما أشبه أنه للرجال فللرجال وما أشبه أنه للنساء فهو للنساء (١)، ولم يقولوا ذلك في أخ وأخت، ساكنين في بيت تداعيا في متاع فيه، ولم يقيسوا هذه على تلك! ! !
وقالوا: إن اختلف الساكن وصاحب الدار في جذوع ومصراع، فإن كانت الجذوع تشبه جذوعا أُخَرَ في الدار قضي به لصاحب الدار، وإلا فكل ذلك للساكن، ولم يقولوا ذلك في المتداعيين في مهر عند أحدهما رمكة (٢)، تشبه ذلك المهر، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض ولا فرق بين شيء من ذلك وقالوا طلاق النائم يتكلم به في نومه لا يلزمه (٣)، قالوا: فإن أكل وهو نائم في صومه لزمه القضاء، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، ولا فرق بين الأمرين.
وقاسوا فعل المريض في مرض موته في ماله على الوصية، فلم يجعلوا له أكثر من الثلث، وهذا فاسد من القياس، لأن وصية المريض والصحيح سواء لا فرق بينهما، ثم أخطأوا أيضا خطأ آخر في ذلك، فتناقضوا إذ جعلوا نفقة المريض على نفسه وأهله وبيعه وابتياعه وإقراره
стр. 1143
ونكاحه كالصحيح من رأس ماله، ولا فرق، ولم يقيسوا طلاق المريض في مرض موته، ولم يقيسوا طلاق المكره ونكاحه ورجعته وعتقه وخلعه ويمينه ونذره، فأجازوا كل ذلك على هبته وصدقته وإجازته ورهنه وبيعه وابتياعه وإقراره وردته إذ أبطلوا كل ذلك، ولا ندري قولهم في ظهاره ولعانه، ولا فرق بين شيء من ذلك إما إلزامه الكل وإما إبطال الكل عنه، وزعم أبو حنيفة أن القياس كان أن المتابعين إذا اختلفا أن يكون القول قول المشتري، لكن تركه للأثر، وأن القياس كان بيع المدبر، ولكن تركه لا ندري لماذا؟ وأن القياس أن يقضي الصائم يأكل ناسيا، لكن تركه للأثر، وأن القياس كان لا يتوضأ من القهقهة في الصلاة، لكن تركه للأثر، فواعجبا يترك القياس الذي هو عنده دين وحق لأثر فاسد لم يصح قط، حاشا جواز صوم الآكل ناسيا، ثم يترك الآثار الصحاح في المصراة والقرعة في الأعبد المعتقين في الوصية (١)، وَوَاجِد سلعته عند مفلس (٢)، ومعتق أمته ومتزوجها على أنها لا صداق لها إلا عتقها (٣)،
стр. 1144
لقياس سخيف في غاية الفساد؟ ! ! !
ولم يقيسوا قولهم في المنع من جواز بيع لحم كبش قبل ذبحه، أو بيع نوى قبل إخراجه، والجمل الشارد والعبد الآبق على قولهم في جواز بيع الغائب المجهول بغير صفة كالجزر والفجل (١) في الأرض، وليس بين شيء من ذلك فرق! ! ؟
ولم يقيسوا منعهم من جواز بيع حلية السيف دون نصله، ومن بيع ذراع معينة في مثلها من هذا الثوب من الجهة منه، أو مثل ذلك من هذه الخشبة ليقطع كل ذلك، على إجازتهم بيع ما ظهر من هذا الجدل (٢) على الأرض ليقطع، ولا فرق بين شيء من ذلك، نَعَمْ وأجازوا بيع الحب في سنبله، وعلى البائع درسه وتصفيته (٣)، فأي فرق بين هذا، وبين بيع النوى في التمر؟
ولم يقيسوا منعهم من جواز عشرة أذرع في مثلها مشاعا في هذه الأرض، التي هي مائة ذراع في مثلها، على إجازتهم بيع عشرة أسهم مشاعا في هذه الأرض التي هي مائة سهم، ولم يقيسوا قولهم في رد البيع بعيب يحط من الثمن ما لا يتغابن (٤) بمثله، على منعهم من رد البيع بغبن أضعاف ذلك في ثمنه، وهذا ذاك نفسه الذي منعوا! ! !
ولم يقيسوا قولهم في جواز تسليم الذهب والفضة في سائر الموزونات،
стр. 1145
في موزون من غير صنفه.
ولم يقيسوا منعهم من جواز بيع إناء ذهب، بعينه بدنانير بغير عينها، تُقْبَضُ الدنانير قبل التفرق ويتأخر قبض الإناء، على إجازتهم بيع قمح بعينه بقمح بكيله، بغير عينه يُقبض الذي ليس بعينه ويتأخر قبض المعين، ولا فرق بين الأمرين لا في نص ولا في قياس! ! !
ولم يقيسوا إجازتهم إناء نحاس بأوزن منه من نحاس، على منعهم من إناء فضة بِأَوْزَنَ منه من فضة، وهم معتقدون أن الربا في النحاس كما هو في الفضة، ولم يقيسوا قولهم أن الدنانير، لا يتعين على قولهم أن نقار الذهب والفضة، وسبائكها يتعين، ولم يقيسوا قولهم من باع من المسلمين سلعته من مسلم بخنزير أو خمر، أو بثمن لم يسمياه، ثم قبض السلعة بإذن البائع فأعتق العبد أو باع السلعة، جاز ذلك، على قولهم من باع من المسلمين عبده من مسلم بالكعبة (١) أو بالربح، أو لم يذكروا (٢) ثمنا أو بميتة، أو بدم، ثم قبضه بإذن البائع فأعتقه، أو كانت سلعة فباعها، بطل العتق والبيع، فيا للمسلمين، أي فرق بين الدم والميتة؟ وبين الخمر والخنزير؟ فهل لوسواس هؤلاء القوم دواء؟ ! ! !
وقاسوا وَلَدَ المكاتبة وولد المدبرة، وولد أم الولد من غير ساداتهن
стр. 1146
بمنزلتهن، وكذلك ولد المرهونة من غير سيدها، وهؤلاء كلهم عندهم إماء، وقاسوا أولادهن عليهن ولم يقيسوا ولد المعتقة إلى أجل، ولا ولد الموصى بعتقها، ولا ولد المعتقة بصفة على أمهاتهم، فأي فرق لولا الرعونة بين المدبرة والموصى بعتقها، والمعتقة إلى أجل بصفة؟ وبالله تعالى (١) التوفيق.
ولم يقيسوا منعهم من باع سلعة بثمن مسمى إلى أجل مسمى بدنانير، أو بدراهم من أن يبتاعها منه بدراهم نقدا أقل من تلك الدراهم، ولا بدنانير نقدا تكون (٢) قيمتها أقل من قيمة الدراهم المؤجلة، على إجازتهم له أن يبتاعها منه بسلعة تكون قيمتها أقل من قيمة الدراهم المؤجلة.
ولم يقيسوا إبطالهم بيع من باع دارا بفنائها، أو باع عبدا وحرا معا، لأنه باع ما يملك وما لا يملك، على إجازتهم بيع من باع دارًا، فاستحق نصفها، فأجازوا ذلك البيع في النصف الباقي وهذا أيضا باع ماله، وما ليس له.
ولم يقيسوا حكمهم (٣) في المنع من بيع سمكة قد صيدت، وألقيت في بركة من ماء (٤)، على إجازتهم بيع شاة ترعى في الصحراء،
стр. 1147
والمؤنة في أخذها أشد منها في أخذ تلك السمكة، ولم يقيسوا على حكمهم في الشفعة في العقار، وتعليلهم لذلك بدفع الضرر، منعهم من الشفعة في الصداق (١) في العقار ومنعهم من الشفعة في البيع في غير العقار، والضرر في كل ذلك كالضرر في البيع في العقار، وربما أشد بكثير.
وقاس بعضهم المدة التي يكون فيها للشفيع الأخذ بالشفعة على مدة (٢) فهل سمع بأحمق من هذا القياس إذ قاسوا شيئا على ما لا يشبهه؟ !
وقاسوا أيضا حكم باطل على حكم باطل، ولم يقيسوا قولهم بتوريث خيار الولاية في القصاص على إبطالهم توريث خيار الشفعة (٣)، ولم يقيسوا منعهم من رهن المشاع فيما لا ينقسم وفيما ينقسم، لا عند الشريك، ولا عند غيره، على إجازتهم أن يرتهن اثنان من واحد وهذا رهن مشاع ولا ينقسم، والذي لا ينقسم من الشريك وغيره (٤)، فهل سُمِعَ بأحمق من قياساتهم، أو هل في العالم أجهل بالقياس منهم؟ وعلتهم في كل ذلك تَعَذُّرُ القبض لا علة لهم غيرها، وهذه العلة بعينها موجودة فيما أجازوه من بيع المشاع، ومن هبته في بعض المواضع.
стр. 1148
وقاسوا إباحتهم السلم في المعدود والمذروع، على جواز السلم في المكيل والموزون، ولم يقيسوا السلم الحال على السلم المؤجل (١)، ولا قاسوا دخول الربا في المعدود والمذروع على دخوله عندهم في المكيل والموزون، فاعجبوا لهذه الضلالات الممزوجة بالجهالات، واحمدوا الله تعالى على السلامة مما امتحنهم به، ولم يقيسوا السلم في الحيوان على المكيل والموزون، بجواز السلم في المعدود والمذروع قياسا على ذلك عندهم.
وقاسوا [هبة الثواب على البيع، فأجازوها وهم لا يجيزون البيع بغير ثمن ولا بالقيمة هكذا دُونَ ذكر ثمن ثم يقيسون عليه] (٢)، فهل سمع قط بأحمق من هذا العمل، إذ جوزوا حكما قياسا على بطلان جواز ما يشبهه، تبارك الله رب العالمين الذي هيأ هؤلاء للتعبد بالقياس على ما لا يجمع بين المقيس، والمقيس عليه علة جامعة! ! !
وقاسوا الصدقة بالهبة في قولهم لا تتم إلا بالحوز (٣)، على العارية والقرض والوصية، وهذا قياس سخيف لأن الصدقة والهبة تمليك مال بغير عوض في الدنيا ولا تأجيل فيه.
وأما القرض فإنَّما هو تمليك مال بعوض في الدنيا إما إلى أجل، فهو
стр. 1149
أجله، وإما إلى غير أجل فهو حال يأخذه صاحبه متى أحب بعد القبض، كما يمتنع منه قبل القبض، وأما الوصية فتمليك مال لا مدخل للقبض فيه، ولا للحوز أصلا، ولا تملك إلا بعد موت الموصي، وخروج جميع المال عن ملكه، وأما العارية فللمعير الرجوع فيها قبل القبض وبعده، ولم يملكها المعار له قط.
ولو قاسوا الهبة والصدقة على النذر اللازم باللفظ، لكان أولى في القياس، ولكنهم قوم لا يفقهون! ! !
ولم يقيسوا قولهم مَنْ وهب لآخر عبدا كافرا فأسلم عنده، فلا رجوع للمواهب فيه، لأنها زيادة خير، على قولهم: لو وهب له عبدا فعلمه القرآن كان له الرجوع فيه لأنه لم يزده خيرا، وهذا والله كلام لا يقوله مسلم، وهل الخير كله إلا في القرآن والسنن؟ ! !
قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٢) والأحاديث على أن الخير كله في الكتاب قراءة وفهما أشهر من أن يتكلف إيرادها [وبالله تعالى التوفيق] (٣).
ولم يقيسوا بعض أقوالهم على بعض فيمن قال لامرأتيه: "إحدكما طالق" فوطئ إحداهما، فإن الأخرى تكون طالقا،
стр. 1150
وفيمن قال لأمتيه: "إحداكما حرة" فوطئ إحداهما لم تكن الأخرى بذلك حرة.
ولم يقيسوا قولهم فيمن قال لأمة له، وأمة لغيره: "إحداكما حرة" فقالوا لا عتق لأمته بذلك أصلا لا بسعاية ولا بغيرها.
وقالوا فيمن قال لأمته الحامل إن كان أول ولد تلدينه ذكرا، فأنت حرة فولدت توأمين: أنثى وذكر، أو اتفقوا على أنه لا يعرف أيهما ولدت قبل، فإن نصفها ونصف الإبنة حران بلا سعاية، ونصفهما حران باستسعائهما في نصف قيمتهما، وأما الإبن فمملوك، قالوا: لأنها يجب لها العتق لو كان الولد أولا، ولا يجب لها العتق إنْ كان الولد آخرا.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): والمسألة الأولى كذلك، لأنها (٢) إن كان أراد أمته فهي حرة، وإن كان لم يردها، فليست حرة، فهي تعتق في حال، ولا تعتق في حال كهذه سواء بسواء.
ولم يقيسوا في قولهم: إنْ شهد عدلان على زيد أنه أعتق أمته هذه وعبده هذا والأَمَة والعبد والسيد منكرون لذلك، فإن الأمة تعتق، ولا يعتق العبد، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر فكانت حجتهم طريفة جدًا وهي: قَالوا: احتطنا للفرج، فقلنا: إن كان القياس حقا -كما تزعمون- فلا يكون الاحتياط في خلاف الحق أصلا، ولئن كان باطلا
стр. 1151
وهو في الشرع باطل كله، فلو احتطتم هذه الحياطة (١)، لأنفسكم، فلم تقولوا به في دين الله تعالى كان أسلم! !
ثم العجب في هذا الاحتياط الفاسد بالضد، فهلا احتطتم لفرجها، فلا تُبِيحُوا لها الزواج، ولعلها أمة كالعبد، فأبحتم فرجها بالباطل لغير سيدها، وهلا احتطتم في تملك العبد ولعله حر والقوم محرومون (٢)، ونسأل الله العافية.
ولم يقيسوا المدبر على الموصي لعتقه، في إباحته بيعهما وهما عندهما من الثلث وعبدان ما لم يمت السيد، فلم يكن عندهم أكثر من أن قالوا: لما اختلف اسْمَاهمُا وجب أن يختلف حكمهما.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٣): فأبطلوا بهذا القول كل قياس يمكن أن يقولوه هم أو غيرهم، إذ جعلوا الحكم على الأسماء لا على اتفاق الصفات، وهذا نص قولنا في إبطال القياس ولا مزيد.
وقاسوا كتابة العبد الصغير على الهبة للصغير، وعلى عتقه بصفةٍ، ولم يقيسوا كتابة العبد المجنون قياسا على جواز الهبة للمجنون، وعلى عتقه بصفة، ولم يقيسوا كتابة الصغير لعبده، على جواز كتابة العبد الصغير، وكلا الأمرين سواء في أن الكتابة فعل من فاعلين، فلا تجوز إلا من اثنين جائزي التصرف والفعل، ولم يقيسوا قولهم: من كان له
стр. 1152
مال غائب فأخرج زكاته وقال: إن كان سالما فهذه زكاته، وإن كان هالكا فهي تطوع، فقالوا: يجزئه من الزكاة إن كان سالما، على قولهم من شك أصلى صلاة الظهر أمس أم لا، فصلاها وقال: إن كنت لم أصلها فهذا قضاؤها، وإن كنت قد صليتها فهذه تطوع، فإنها لا تجزئه أصلا إذا صح عنده أنه لم يُصَلِّهَا ولا فرق بين الأمرين! ! !
ولم يقيسوا قولهم: من حج ينوي التطوع أجزأه من الفريضة، على قولهم: من صلى في آخر الوقتِ وقتِ الظهر أربع ركعات تطوعا لم تجزئه من الظهر، ولم يقيسوا من وضأ يده، أو وجهه أو رجله في بئر بنية الوضوء، تنجست البئر، على قولهم إن من مسح رأسه وخفيه في البئر بنية الوضوء لم تفسد البئر بذلك، ولم يقيسوا قولهم: من توضأ ثم حلق رأسه وقص أظفاره فوضوؤه تام، كما كان، فَلَوْ خلع خفيه انتقض الوضوء عن رجليه، فأي فرق بين الأمرين؟ وفي أي الأصول وجدوها طهارة تامة يصلي بها، ثم تنتقض عن بعض أعضاء الوضوء دون سائرها؟ !
ولم يقيسوا قولهم: من خاف فوت صلاة الجنازة -وهو في المصر- فليتيمم وَلْيُصَلِّيَها (١) على قولهم: من خاف فوت صلاة الجماعة في المصر أو خاف فوت وقت الصلاة في المصر لم يجز له التيمم (٢).
стр. 1153
وقاسوا من وجد ماء يقدر على تطهير بعض أعضائه، والغسل دون سائرها (١)، فقالوا: لا يجوز له ذلك، على واجد بعض الرقبة الواجبة، فلا يجزئه عتق بعض رقبة، ولم يقيسوه على نظيره حقا ممن قدر على تطهير بعض أعضائه دون بعض، إما لأنها مقطوعة، أو مقرحة قرحا لا يقدر على مسه وكان ذلك في أصبع واحدة، أو نحو ذلك، أو على قدر (٢) من قدر على بعض فروض صلاته وعجز عن بعضها كالقيام والركوع والسجود والجلوس، ولا شبه بين الطهارة والرقبة، لأن كل عضو في الطهارة حكمه حُكْمِ غير حُكْمِ سائر الأعضاء، إما من مسح عليه كالرأس أو مسح على ساتر عليه كالرجلين أو غسل كالوجه والذراعين، وليست أبعاض الرقبة كذلك لا سيما وهم يقولون: من أطعم في كفارة اليمين خمسة مساكين، وكسا خمسة أجزأه.
ولم يقيسوا قولهم: من تكلم ناسيا في الصلاة بطلت صلاته، فلو أكل ناسيا في نهار رمضان لم يبطل صومه، ومن تيمم في السفر ناسيا الماء معه أجزأته صلاته، ومن صلى ناسيا بنجاسة، لم تجزئه صلاته ومن ذبح فنسي أن يسمي الله تعالى أجزأه، وحل أكل ذبيحته، ومن حنث ناسيا فعليه الكفارة ومن وطئ في نهار رمضان ناسيا، فصومه تام، ومن وطئ في الحج ناسيا بطل حجه فهل
стр. 1154
في الحمق أشد من هذه المناقضات؟ ! !
وقاسوا إجازتهم المسح على الجبائر على المسح على الخفين (١)، ولم يقيسوا المسح على الجوربين على المسح على الخفين، ألا فاعجبوا لشدة جهلهم بالقياس! !
ولم يقيسوا منعهم غير المتوضئ والجنب من مس عود المصحف والجلد الذي عليه على (٢) إباحتهم لهما مس كتاب فيه آيات من القرآن وبعض القرآن قرآن عند كل مسلم (٣).
واحتجوا في إسقاط الترجيع في الأذان بقياس طريف جدا، وهو أن قائلهم قال: لما كان سائر الأذان لا ترجيع فيه من: "حي على الصلاة وحي على الفلاح، والصلاة خير من النوم"، وجب أن تكون شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أنَّ محمدًا رسول الله كذلك (٤)، أفترى إن عارضهم من يرى الترجيع بأن يقول: "لما كان التكبير في أول الأذان عندكم مُرَبَّعًا، وجب أن تكون الشهادتان أيضًا مُرَجَّعَتين"، فهذا أحسن من قياسكم، أو مثله على السواء، وأيضا قياس آخر، وهو أنه لما كان آخر الأذان مفردا، وهو لا إله إلا الله وكان قبله ثلاثة أذكار
стр. 1155
مثناة وهي: التكبير، وحي على الصلاة، وحي على الفلاح، وكان أول الأذان مربعا عندكم، وجب أنْ تكون الشهادتان بعده مربعتين، لتكون ثلاثة أذكار، وثلاثة أذكار مثناة، والسابع مفردا وليكون المبدأ ضعف ما بعده، كما كان الذي يلى الآخر ضعف ما بعده، فهذا قياس أدخل في الشغب من قياسهم، على أن كل ذلك ضلالة وتلاعب بالدين، وإنما نريهم تشعب جهالتهم، وأنهم منها كالقابضين بأيديهم على ظلمة الليل! !
والعجب أنهم بهذا القياس نفسه الذي عارضناهم به (١)، احتجوا في تربيع التكبير في أول الأذان (٢).
وقاسوا إباحتهم للجنب أن يؤذن، على إباحتهم ذكر الله تعالى (٣)، ولم يقيسوه على منعهم له قراءة القرآن وهي ذكر.
وقاسوا امتداد وقت العشاء الآخرة إلى وقت صلاة الصبح، على امتداد سائر أوقات الصلوات من الظهر إلى وقت التي بعدها، وتركوا أن يقيسوا على ذلك اتصال آخر وقت صلاة الصبح إلى أول وقت الظهر.
стр. 1156
واحتجوا لتجويزهم أن يقيم الصلاة غير الذي أَذَّنَ (١) بأن قالوا: إن الإقامة ليست مضمنة (٢) بالأذان، لأن العصر، يصلى بعرفة بإقامة دون أذان، ولم يقيسوا الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر في سائر الأزمنة، وفي سائر الأمكنة على حكم ذلك يوم عرفة.
وقالوا - محتجين لقولهم: أنَّ الشفق هو البياض لما كانت الحمرة، والبياض اللذان بعد غروب الشمس وقتا لصلاة المغرب التي يتصل أولها بغروب الشمس (٣).
وقالوا أيضا لما كان الشفق شفقينْ والفجر فَجْرَيْن، فكان الحكم لدخول صلاة الفجر، بطلوع الفجر الثاني، وجب أن يكون الحكم لصلاة العشاء الآخرة بغروب الشفق الثاني، فإن عارضهم خصومهم، فقالوا: لما كان الحكم لدخول وقت صلاة الفجر، مع وجود الفجر الثاني، وجب أن يكون الحكم لدخول وقت العشاء الآخرة مع وجود الشفق الثاني (٤).
стр. 1157
وقالوا: لما كانت الطوالع ثلاثة - وهي الفجر الأول، والفجر الثاني والشمس، وكانت الغوارب ثلاثة: الشمس والحمرة والبياض، وكان دخول وقت صلاة الصبح بطلوع الأوسط من تلك الثلاثة، وجب أن يكون دخول وقت صلاة العشاء الآخرة بغروب الأوسط من هذه الثلاثة (١)، أكان يكون بين هذه إلا هذا الفرق لمن نصح نفسه.
وقاسوا وقت اصفرار الشمس على ما قبله متصلا به، في جواز قضاء الفرائض فيه، ولم يقيسوا عليه في جواز التطوع فيه، لمن لم يكن صلى العصر، ولم يقيسوا جواز التمادي في صلاة العصر، مع أَخْذِ الشمس في الغروب، على ما منعوه من التمادي في صلاة الصبح مع أخذ الشمس في الطلوع، وقد جاء النص الثابت بالتسوية بين الأمرين، ونص آخر بالنهي عن الصلاة في كلا الوقتَيْن (٢)، والإختلاف موجود في إباحة كل ذلك، وفي المنع منه، فلم يكن عندهم غير أن قالوا: مُصَلِّى الصبح حينئذ يخرج إلى وقت، لا تجوز به فيه الصلاة فقيل لهم: ومُصَلِّي العصر كذلك سواء ولا فرق.
وقاسوا رفع اليدين في التكبيرات الأخر من العيدين على رفع اليدين في أول تكبيرة الإحرام (٣)، ولم تأت بذلك سنة قط، وَلَمْ يقيسوا ذلك
стр. 1158
في تكبير سائر الصلوات، وقد صحت السنن بذلك، ولا في تكبير الجنازة.
وقاسوا الدعاء في الصَّلاة على التكبير وعلى القراءة، وعلى التشهد فقالوا لكل ذلك موضع معروف من الصلاة، كذلك الدعاء له موضع معروف منها (١)؛ ثم نقضوا قياسهم هذا فجعلوا الركعتين الآخرتين موضعا للدعاء، ولم يقيسوهما على الركعتين الأوليين، وهما أشبه بهما منهما بالقعود وبالسجود، ثم نقضوا قياسهم هذا، فجعلوا الركعتين الأخرتين مكان القراءة ولا بد إن كان لم يقرأ في الأوليين، وإنْ شاء (٢) أيضا، وإن كان قرأ في الأوليين، ولم يقيسوا ذلك على الدعاء.
وقاسوا سجود التلاوة في منعهم منها، في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها جملة (٣)، فرضها وتطوعها، ولم يقيسوا القراءة في هذه الأوقات على الصلوات، بل أباحوا القرءة فيها ولا فرق، والسجود وحده ليس صلاة، والقراءة وحدها ليست صلاة، والوقوف أيضا من الصلاة، والجلوس أيضا من الصلاة، والقوم في خبط وتخليط! !
وقاسوا إباحة الصلاة على الجنازة، على إباحة سائر الصلوات المفروضات في الأوقات المنهي فيها عن الصلاة جملة، ولم يقيسوا ذلك على الصلاة المنذورة، وهي عندهم فرض، بل قاسوها على النوافل،
стр. 1159
ولم يقيسوا إباحتهم الصلاة من المتنفل خلف مصلي الفرض على منعهم من صلاة الفرض خلف المتنفل (١)، وكلاهما نيته (٢) مخالفة لنية الإمام.
فإن قالوا: الفرض أعظم حرمة، فأوقفناها على الإمام فقلنا فقد أجزتم صلاة المتوضئ خلف المتيمم وهي منزلة ضرورة.
ولم يقيسوا من صلى، وفي ثوبه نجاسة كثيرة فيما عدا ما يقابل فرجه من ثوبه، فأبطلوا صلاته على من صلى واضعا يديه وركبتيه ومقاعده على نجاسة، فأجازوا صلاته، واحتجوا بأن وضعه لهذه الأعضاء على ما يصلي عليه كتركه وضعها، فهلا قالوا: هنالك، إن ستره جسده كلا (٣) سترة حاشا العورة فقط.
ولم يقيسوا المغمى عليه، لا على النائم في إلزامه قضاء كل صلاة نام عنها، ولا على المجنون في سقوط كل صلاة في حال جنونه عنه، ولم يقيسوا إلزامهم صيام رمضان على المجنون على إسقاطهم عنه الصلاة، وزكاة ماشيته وناضه.
ولم يقيسوا إبطال السجدة ممن أحدث فيها مغلوبا، وإبطالهم الركعة إذا أحدث فيها مغلوبا، على إجازتهم سائر صلاته تلك التي أبطلوا عليه بعضها، وأجازوا له بعضها، فأين القياس لو عقلوا؟ !
واحتجوا لقولهم الملعون الخبيث في إسقاط الرفع من الركوع من
стр. 1160
الصلاة كلها (١)، خلافا على الله تعالى في أمره، فقال: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢) و ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) ولرسوله ﷺ (٤) في قوله: "لا تجزئ صلاة، لا يقيم صلبه فيها في الركوع والسجود" (٥) وقوله ﵇: " ..... ثم اركع حتى تعتدل راكعا، ثم ارفع حتى تطمئن رافعا". وإبطاله ﵇ صلاة من صلى كذلك (٦)، وخلافا على جميع أهل الإسلام في صفة صلاتهم، منذ كان الإسلام في كل زمان، وكل مكان إلى وقتنا هذا، فأتوا في خلاف ذلك كله بقياس سخيف، وهو أن قالوا: إن المصلي يخرج من القيام إلى الركوع، ومن السجود إلى الجلوس، ومن الجلوس إلى القيام، بلا فاصل، وكذلك