¬"لقد شاهدتُ النساء، وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني رُبيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالستُ الرجال إلا وأنا في حد الشباب، وحين تبقل (١) وجهي، وهن علمنني القرآن وروَّينني كثيرا من الأشعار، ودربنني في الخط، ولم يكن وُكدي وإعمال ذهني مُذْ أول فهمي، وأنا في سن الطفولة جدا إلا تعرف أسبابهن، والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك، وأنا لا أنسى شيئا أراه منهن، وأصل ذلك غيرة شديدة طُبعتُ عليها، وسوء ظن في جهتهن فُطرت به، فأشرفت من أسبابهن على غير قليل" (٢).
ويعلم من هذا النص أسماء المواد التي تلقاها ابن حزم في مُقتبل العُمر، وهي: حفظ القرآن الكريم، ورواية الأشعار، والتمرين في الخط، وهو يقتضي تعليما سابقا تناول تهجِّي الحروف، وتلقين الكتابة للمرة الأولى. فمن هو معلم أو معلمة ابن حزم في هذه المرحلة؟ ومن القريب جدا أن يكون هو أحمد بن محمد بن عبد الوارث القرطبي المتوفى سنة ٤٠٢ هـ وهو الذي يقول عنه الحميدي: "أخبرني أبو محمد علي بن أحمد أنه كان معلمه" (٣).
وكان من عادة أهل الأندلس أن يخلطوا في ثعليمهم للقرآن رواية الشعر في الغالب، والترسل، ويأخذون الناشئة بقوانين العربية
стр. 72
¬وحفظها، وتجويد الخط والكتابة، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة، وقد شدا طرفا في العربية والشعر، والبصر بهما، وبرز في الخط والكتابة، وتعلق بأذيال العلم على الجملة (١).
ومن الراجح أن يكون ابن حزم تلقى العربية ومتعلقاتها على يد أحمد ابن محمد بن عبد الوارث القرطبي (٢).
وصار للغلام ذوقٌ في العربية، وحسن بَصَر بالأدب، فقد حدث عَنْ نفسه أنه لما كان في الثانية عشرة مِنْ عمره أَدخله والده على المظفر ابن أبي عامر قال: "وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر" (٣).
وفي مجلس المظفر سمع قصيدة أيى العلاء صاعد اللغوي (٤) التي يمدح فيها الأمير ويستهلها بقوله:
إليك حَدوت ناجية الركاب ... محُمَّلَة أَمَاني كالهضاب
فاستحسنها. فكتبها له أبو العلاء بخطه وأنفذها إليه" (٥).
стр. 73
¬وَأَثَّرَ تذوق الأدب في حِسِّ الغلام، فصار له في قول الشعر ملكة قوية، وفي قرضه طبع مرهف، وفي طوق الحمامة من شعر -الغلام- الذي لم يبلغ الحلم قصيدة واحدة، ومقطعتان، وبيتان من الشعر (١).
واعتنى الوالد الوزير بتهذيب أخلاق ولده الناشئ فجعل له من يقوم على سياسته بالتأديب، وتربيته بالتقويم والتسديد، وفي هذا يقول ابن حزم:
" ... كان السبب فيما ذكرته، أني كنت وقت تَأَجُّجِ نار الصبا، وشِرة الحداثة، وتمكُّن غرارة الفتوة، محظرا علي بين رقباء ورقائب" (٢).
وصحبت هذه التربية ابن حزم إلى ما بعد بلوغه وفي هذا يقول:
" ... فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفارسي في مجلس أيى القاسم ... وكان أبو علي المذكور عاقلا عاملا، ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح، وفي الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة علما وعملا ودينا، وورعا، فنفعني الله به كثيرا، وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي" (٣).
وكانت بداية التحصيل العلمي في حياة ابن حزم قبل الأربعمائة (٤)،
стр. 74
¬إذ سمع الحديث على أحمد بن الجسور (١)، قبل أن يبلغ السابعة عشرة "وإذا كان الحديث والفقه أخوين متلازمين، لا يمكن أن يطلب الحديث إلا مع الفقه، أو على الأقل المعارف الأولى في الفقه فلا بُدَّ إذن أن نَقُولَ إنَّ ابنَ حزم قد ابتدأ يَتَلَقَّى الفقهَ في سِنِّيهِ الأولى، وليس مِنَ المعقول أن يكون أَبُوه الذي عُني بتربيته تلك العناية، يهمله وَيتْرُكُه من غير أن يُعَلَّم المعارف الأولى في الفقه كالصلاة، فرائضها ونوافلها، هذا هو المعقول في ذاته، وهو الذي يتفق مع السياق التاريخي" (٢).
لكن قال عبد الله بن محمد بن العربي: "أخبرني ابنُ حزم أن سبب تعلمه الفقه، أنه شهد جنازة، فدخل المسجد، فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قم فصل تحية المسجد، وكان ابن ست وعشرين سنة، قال: فقمت وركعت فلما رجعنا من الجنازة جئت المسجد، فبادرت بالتحية، فقال لي: إجلس، ليس ذا وقت صلاة، يعني بعد العصر، فانصرفتُ حزينا، وقلت للأستاذ الذي رباني: دُلَّني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحون، فقصدته، وأعلمته بما جرى علي، فدلني على الموطأ، فبدأت عليه القراءة: ثم تتابعت قراءتي عليه، وعلى غيره ثلاثة أعوام، وبدأت بالمناظرة" (٣).
стр. 75
¬ويقرب من هذا الخبر ما رواه أبو محمد بن العريى أيضا عن ابن حزم أنه قال: "إني بلغت هذه السن -أي سن ستٍّ وعشرين سنة- وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات" (١).
والخبر الأول مَنْقُوض بأمور، منها:
أولا: لقد ثَبَتَ بالدليل الصحيح سَمَاعُ ابن حزم من أحمد بن الجسور (٢)، وَيَحْيى بن عبد الرحمن بن مسعود القرطبي (٣)، وتوفي الأول سنة ٤٠١ هـ، بينما توفي الثاني سنة ٤٠٢ هـ (٤). فيكون ابن حزم شرع في دراسة الحديث والفقه على ابن الجسور وهو ابن سبع عشرة سنة: ويكون قد شرع في دراسة الفقه على يحيى بن عبد الرحمن القرطبي، وهو ابن ثمان عشرة سنة (٤).
ثانيا: "إن الخبر في ذاته يحمل دليل بطلان أن يكون ابن حزم في هذه السن، وذلك لأنه ذكر أن مربيه وأستاذه قد صحبه، وأشار إليه بذلك، وَمَنْ كان في السادسة والعشرين، وبلغ مرتبة الوزارة لا يذكر الناس من يشير إليه على أنه مربيه، وإن المعقول، أو القريب من المعقول أن يكون ذلك وهو في السادسة عشرة من عمره، وأن يكون
стр. 76
¬في الكلام تصحيف من النساخ، وقد كتبوا بدل العشر عشرين" (١).
ثالثا: لقد ثبت أن ابن حزم خالط العلماء في المسجد وهو غلام يافع (٢) "فمستحيل أن يكون مع تلك العناية يجهل تحية المسجد، وإن طبيعة الحياة التي كان يحياها ابن حزم تكذب ذلك، فلقد كان ابن حزم ابن وزير كبير، من كبراء الدولة، وقد بلغ سن الرجولة، فلا يمكن أن يكون جاهلا تحية السجد، لأن ذلك يؤدي حتما إلى أن نقول إنه لم يدخل المسجد قبل ذلك، أو لم يدخله إلا نادرا، وذلك غير معقول بالنسبة لرجل ذي جاه بلغ السادسة والعشرين" (٣).
ولا يَسْلَمُ الخبر الثاني مما قد يقدح في صحته؛ ذلك لأن فيه أن ابن حزم ترك السياسة، وانصرف للعلم انصرافا تاما في السادسة والعشرين من عمره، مع أن الصحيح الثابت أنه وَزَرَ لعبد الرحمن الخامس المسمَّى المستظهر (٤)، الذي بويع بالخلافة في رمضان سنة
стр. 77
¬٤١٤ هـ، وكانت سِنُّهُ حينئذ نحو الثلاثين (١).
* * *
стр. 78
¬ المبحث الرابع شيوخه ومقروءاته
حمل الإمام ابن حزم عن خلق كثير، اشتمل عليهم فهرس شيوخه المفقود (١)، واكتفت كتب التراجم بذكر طائفة منهم، ويمكن الزيادة على ما ورد فيها، من كُتب ابن حزم التي أحال فيها على جملة منهم.
وهذه تسمية مَنْ وقفتُ عليه من شيوخه (٢):
١ - ابن الجسور: أحمد بن محمد بن سعيد أبو عمر الأموي مولاهم وستأتي ترجمته في قسم التحقيق. وقد تقدم أن ابن الجسور أول شيخ سمع منه ابنُ حزم، وقد روى عنه: موطأ مالك: رواية يحيى بن يحيى (٣) ومدونة سحنون (٤)، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة (٥)، وفقه أبي عبيد: القاسم بن سلام (٦)، ومسند عبد بن حميد (٧)، وتاريخ محمد بن جرير الطبري (٨).
стр. 79
¬٢ - ابن الفرضي: تقدمت ترجمته آنفا، وقد أخذ عنه ابن حزم بقرطبة (١)، "والغالب أن أخذه عن أستاذه كان دراية لا رواية، حيث لا يرد ذكره في أسانيد مرويات المترجم التي تحفل بها بعض كتبه، ولهذا لا نستطيع معرفة الكتاب، أو الكتب التي قرأها هذا على شيخه ابن الفرضي" (٢).
٣ - أبو القاسم المصري: عبد الرحمن بن محمد بن أبي يزيد خالد الأزدي العتكي: النَّسَّابة الأديب، دخل الأندلس سنة ٣٩٤ هـ، وسكن قرطبة حتى وقعت الفتنة، فعاد إلى مصر، وتوفي بها سنة ٤١٠ هـ (٣). والظاهر أن ابن حزم أخذ عنه -كما يقول- لما ملك نفسه وعقل، الحديث والكلام والجدل (٤).
٤ - أبو القاسم بن الخراز: عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني الوهراني، ينسب إلى وهران بالمغرب ورحل إلى العراق وغيرها، وسمع أبا بكر أحمد بن جعفر بن مالك بن حمدان القطيعي وطائفة من أهل الحديث توفي بالمرية سنة ٤١١ هـ (٥).
وأخذ ابن حزم عن ابن الخراز صحيح البخاري في مسجد القمري
стр. 80
¬بالجانب الغربي من قرطبة (١).
٥ - الجعفري: المفتى أبو سعيد خلف مولى الحاجب جعفر المقرئ: سكن قرطبة ثم رحل إلى المشرق فسمع بمكة، ولقي الأذفوي بمصر، وأخذ عن علماء القيروان، وكان من أهل القرآن والعلم، نبيلا من أهل الفهم، مائلا إلى الزهد والانقباض، خرج عن قرطبة في الفتنة، وقصد طرطوشة، وتوفي بها سنة ٤٢٥ هـ وقيل سنة ٤٢٩ هـ (٢).
ولقد أخذ ابن حزم عن الجعفري الأدب والحديث: حيث قرأ عليه مُعَلَّقَة طرفة بن العبد مشروحة في المسجد الجامع بقرطبة (٣)، وحمل عنه بعض الحديث (٤)، ومن مروياته عنه: سنن النسائي (٥)، ومصنف عبد الرزاق (٦).
٦ - ابن وجه الجنة: يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود القرطبي أبو بكر، سمع من قاسم بن أصبغ، وابن أبي دليم، وأحمد بن سعيد بن حزم، وأحمد بن مطرف، ومحمد بن معاوية القرشي، وكان رجلا صالحًا أحد العدول وعَمَّرَ عمرا طويلا، حدث عنه جماعة من العلماء، وتوفي في ذي
стр. 81
¬الحجة سنة ٤٠٢ هـ (١). قال الذهبي: "فهو أعلى شيخ عنده" (٢) روى عنه ابن حزم مسند الإمام أحمد بن حنبل (٣)، وقطعة وكيع بن الجراح (٤)، وسنن إسماعيل بن إسحاق القاضي (٥).
٧ - أبو محمد بن بنوش: عبد الله بن محمد بن ربيع التميمي، وسترد ترجمته في قسم التحقيق، وروى ابنُ حزم عنه صحيح البخاري (٦)، وسنن أبي داود (٧)، وسنن النسائي (٨)، ومصنف حماد ابن سلمة (٩)، والمنتقى لابن الجارود (١٠)، وفقه الزهري (١١) الذي
стр. 82
¬جمع فيه محمد بن أحمد بن مفرج فتاويه في ثلاثة أسْفار ضخمة، مُرَتَّبَة على أبْواب الفِقْه (١): والنوادر لأبي علي القالي (٢).
٨ - الطلمنكي: أحمد بن محمد بن عبد الله القرطبي وستأتي ترجمته في قسم التحقيق: روى عنه ابن حزم مسند البزار (٣) ومصنف سعيد ابن منصور (٤).
٩ - ابن نبات: محمد بن سعيد بن محمد القرطبي: وستأتي ترجمته في قسم التحقيق: روى ابن حزم عنه بعض مصنفات أحمد بن حنبل (٥): والمُجْتبى لقاسم بن أصبغ (٦)، وفقه الزهري (٧)، ومصنف عبد الرزاق وقطعة وكيع بن الجراح (٨).
١٠ - ابن الصفار: يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث القرطبي: وستأتي ترجمته في قسم التحقيق: روى ابن حزم عنه سنن النسائي (٩)
стр. 83
¬ومسند أبي بكر بن أبي شيبة (١)، ومعاني الآثار للطحاوي (٢)، وغريب الحديث لقاسم بن ثابت السرقسطي (٣)، وفقه أبي عبيد القاسم بن سلام (٤).
١١ - ابن أصبغ: أحمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ البياني القرطبي: روى عن أبيه عن جده قاسم بن أصبغ، توفي سنة ٤٣٠ هـ (٥). روى عنه ابن حزم مصنف جده: قاسم بن أصبغ (٦).
١٢ - ابن نامي: عبد الله بن يوسف بن نامي الرهوني القرطبي المقرئ العالم الصالح المتوفى سنة ٤٣٥ هـ (٧): روى ابن حزم من طريقه صحيح مسلم (٨).
١٣ - البزاز: محمد بن عبد الله بن هانئ اللخمي، أبو عبد الله القرطبي الفقيه المحدِّث المؤرِّخ، سمع من أحمد بن سعيد بن حزم ومن غيره، ورحل إلى المشرق فحج، وكتب الحديث، وكان فقيها محدِّثا
стр. 84
¬كثير الحفظ لأخبار فقهاء الأندلس، توفي سنة ٤١٠ هـ (١). قال ابن بشكوال: "حدث عنه الخولاني وأبو محمد بن حزم وغيرهما" (٢).
١٤ - الكاتب: جعفر بن يوسف القرطبي: روى عن أبي العلاء صاعد بن الحسن اللغوي وغيره أخبارا وأشعارا، توفي سنة ٤٥٣ هـ (٣) قال الحميدي: "حدثنا عنه أبو محمد علي بن أحمد" (٤)، والظاهر أن ابن حزم حمل عنه من الشعر والأدب.
١٥ - ابن الغليظ: محمد بن عبد الأعلى بن هشام أبو عبد الله، من أهل العلم والأدب، ولي قضاء مالقة. قال الحميدي: "روى عنه أبو محمد علي بن أحمد" (٥).
١٦ - أبو القاسم: سلمة بن سعيد بن سلمة الأنصاري الإستجي الحدث الحافظ الرواية المتوفى بإشبيلية سنة ٤٠٦ هـ (٦).
١٧ - أبو الخيار: مسعود بن سليمان بن مُفلت القرطبي الفقيه العالم الزاهد، كان يميل إلى الإختيار، والقول بالظاهر، نابذا للتقليد توفي سنة ٤٢٦ هـ (٧). وأخذ ابن حزم عن أستاذه مسعود بن مفلت المذهب
стр. 85
¬الظاهري (١).
١٨ - ابن الكتاني: محمد بن الحسن أبو عبد الله المذحجي: له مشاركة قوية في علم الأدب والشعر، وتقدمت ترجمته (٢)، وقد أخذ ابن حزم عن ابن الكتاني المنطق (٣).
١٩ - ابن الجحاف: عبد الله بن عبد الرحمن بن جحاف المعافري أبو عبد الرحمن القاضي: يلقب بحيدرة روى بقرطبة عن أبي عيسى اللَّيثي وأبي بكر من السليم، وأبي بكر من القوطية وغيرهم، قال ابن بشكوال: "وكان من العلماء الجلة، ومن ذوي العناية القديمة، ثقة فاضلا" (٤) توفي سنة ٤١٧ هـ. وحدث ابن حزم عن ابن الجحاف (٥) وقال فيه: "هو من أفضل قاض رأيته دينا، وعقلا وتصاونا مع حظه الوافر من العلم" (٦).
٢٠ - الأطروش: حمام بن أحمد القرطبي وستأتي ترجمته في قسم
стр. 86
¬التحقيق، وقد روى عنه ابنُ حزم صحيح البخاري (١)، ومصنف عبد الرزاق (٢)، ومصنف ابن أيمن (٣)، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة (٤)، ومصنف بقي بن مخلد (٥).
٢١ - أبو عمر: أحمد بن إسماعيل بن دُليم القاضي الجزيري: سمع محمد بن أحمد بن الخلاص وغيره، تال الحميدي: "سمعنا منه، مات قبل الأربعين وأربعمائة" (٦) روى عنه ابن حزم في المحلى (٧).
٢٢ - ابن فُورْتش: محمد بن إسماعيل العذري قاضي سرقسطة الراوية توفي سنة ٤٥٣ هـ (٨). روى ابن حزم عنه مستدرك الحاكم (٩).
٢٣ - الباجي: عبد الله بن محمد بن علي أبو محمد: أصله من باجة القيروان، وسكن إشبيلية وهو فقيه محدِّث مكثر جليل، أخذ عن طائفة منهم: محمد بن عمر بن لبابة، وأحمد بن خالد، وعبد الله بن يونس المرادي وغيرهم (١٠). توفي في تاريخ غير مذكور. روى ابن
стр. 87
¬حزم عنه مصنف عبد الرزاق (١).
٢٤ - الباجي: البراء بن عبد الملك أبو عمر الوزير: قال الحميدي فيه: "من أهل الأدب والفضل، أخبرنا عنه أبو محمد علي بن أحمد" (٢).
٢٥ - يحيى بن خلف بن نصر الرعيني: كان صاحب صلاة صالحة؛ من بلاد الأندلس، قال الحميدي: "روى عنه أبو محمد علي بن أحمد" (٣).
٢٦ - ابن عبد البر: يوسف بن عبد الله القرطبي، وستأتي ترجمته في قسم التحقيق، وهو من أقران ابن حزم ومع ذلك (٤)، فقد روى عنه مصنف أبي جعفر محمد بن موسى الصيقل (٥)، ومسند البزار (٦)، وأسند عنه -مكاتبة- "بيان العلم وفضله"، وقد يصفه بصاحبنا (٧).
٢٧ - ابن الدلائي: أحمد بن محمر بن أنس العذري: وستأتي ترجمته في قسم التحقيق، روى ابن حزم من طريقه مصنف عبد الرزاق (٨)،
стр. 88
¬والكامل لابن عدي (١)، ومسند عبد بن حميد (٢)، والتاريخ الأوسط للبخاري (٣)، وموطأ ابن وهب (٤)، وسنن الدارقطني (٥)، والمستدرك للحاكم (٦)، وكتاب محمد بن أحمد بن الجهم (٧).
٢٨ - أبو المطرف: عبد الرحمن بن سلمة الكناني: روى عن أحمد بن خليل، توفي في تاريخ غير مذكور (٨)، ويحليه ابن حزم بصاحبه (٩)، ويروي عنه: مصنف بقي بن مخلد (١٠)، ومسند حديث مالك بن أنس وغيره، تأليف أحمد بن خالد الجياني القرطبي (١١).
٢٩ - أبو الوليد: هشام بن سعيد الخير بن فتحون، سمع بالأندلس طائفة، ثم رحل، فسمع بالقيروان وبمصر وبمكة من جماعة. ثم رجع إلى الأندلس فحدث بها، وكان جميل الطريقة منقطعا إلى الخير.
стр. 89
¬توفي بَعْد سنة ٤٣٠ (١). وقد روى ابن حزم عنه مسند أبي داود الطيالسي مكاتبة (٢).
٣٠ - ابن أبي صفرة: المهلب بن أحمد بن أسيد الأسدي التميمي أبو القاسم، سمع بقرطبة وصحب الأصيلي وتفقه معه وكان صهره، ثم رحل فسمع من جماعة بالقيروان، وبمصر منهم: أبو الحسن بن القابسي وأبو ذر الهروي، وتخرَّجَ به الأعلام كابن المرابط وأبي العباس الدلائي وأبي عمر ابن الحذاء، قال ابن بشكوال: "وكان من أهل العلم والمعرفة والذكاء والفهم من أهل التفنن في العلوم، والعناية الكاملة بها" (٣)، توفي سنة ٤٣٥ هـ على أرجح الأقوال (٤).
وقد روى ابنُ حزم عن المهلب موطأ ابن وهب مكاتبة (٥).
٣١ - أبو المرجي: الحسين بن عبد الله بن ذروان المصري: روى عنه ابن حزم -مكاتبة- مسند الإمام أحمد بن حنبل (٦).
٣٢ - أبو سليمان: داود بن باب شاذ بن داود المصري: روى عنه
стр. 90
¬ابن حزم -مكاتبة- معاني الآثار للطحاوي (١).
٣٣ - محمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن عبد الوارث الرازي الخرساني: سمع بمصر وبأصبهان، ثم دخل الأندلس فحدث بها قال الحميدي: "مات هنالك بعد الخمسين وأربعمائة غرقا فيما بلغني" (٢). وقد روى عنه ابن حزم في المحلى (٣).
٣٤ - إبراهيم بن قاسم الإطرابلسي: قال الحميدي: "من المغرب، دخل الأندلس، روى عنه أبو محمد علي بن أحمد" (٤).
٣٥ - أبو المجد: الفرات بن هبة الله: روى عن أبي سعيد الخليل ابن أحمد البستي الفقيه، قال الحميدي: "أنشدني أبو محمد علي بن أحمد قال: أنشدني أبو المجد الفرات بن هبة الله قال: أنشدني أبو سعيد الخليل بن أحمد البستي الشافعي" ثم ذكر شعرا (٥).
٣٦ - أبو البركات: محمد بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الله الزبيري المكي: ولد سنة ٣٥٧ هـ، ودخل بغداد والشام ومصر وسمع بها، ثم رحل إلى الأندلس وحدث بها عن جماعة، قال الحميدي: "حدثنا عنه أبو محمد علي بن أحمد الفقيه، وأبو العباس أحمد بن عمر
стр. 91
¬ابن أنس العذري" (١). وتاريخ وفاته غير مذكور.
٣٧ - عبد الله بن محمد بن عثمان: ستأتي ترجمته في قسم التحقيق (٢)، قال الحميدي: "قرأنا جمع مسند حماد بن سلمة من طريقه على أبي محمد الحافظ علي بن أحمد قال: أخبرنا عبد الله بن ربيع قال: أخبرنا عبد الله ابن محمد بن عثمان ... " (٣).
٣٨ - علي بن سعيد العبدري، أبو الحسن: من أهل جزيرة ميورقة، سمع بها قديمًا من ابن حزم وأخذ عنه أيضا ابن حزم، ورحل إلى المشرق وحج ودخل بغداد، وسمع من الخطيب البغدادي، وذكره أبو نصر ابن ماكولا فقال: "صديقنا أبو الحسن الفقيه العبدري رجل من أهل الفضل والمعرفة والأدب" (٤)، توفي بعد سنة ٤٩١ هـ.
* * *
стр. 92
¬ المبحث الخامس أخلاقه وصفاته
أوتي ابن حزم من محاسن الأخلاق، وجميل الصفات حظا عظيما، أنزله منازل العلماء، وَرَقِيَ به درجات النبلاء، فمما كان عليه من الصفات النفسية والخلقية:
١ - الحفظ القوي والذاكرة القوية: رُزق ابن حزم الحافظة الواعية، والذهن السيال، وذلك شيء ظهر على لسانه وقلمه، فما هو إلا أن يتكلم أو يكتب حتى يكون كالبحر الذي لا تكف غواربه، ولقد نَوَّهَ غيرُ واحد من العلماء بهذه الصفة، فقال اليسع بن حزم الغافقي المؤرِّخ الأندلسي ثم البصري، خطيب الفاتح صلاح الدين الأيوبي المتوفى سنة ٥٧٥ هـ: "أما محفوظ أبي محمد، فبحر عجاج، وماء ثجاج، يخرج من بحره مرجان الحكم، وينبت بثجاجه ألفاف النعم في رياض الهمم، لقد حفظ علوم المسلمين، وأربى على أهل كل دين" (١). وقال الحميدي: " ... كان حافظا عالما ... " (٢)، وقال ابن بسام: " ... كان كالبحر لا تكف غواربه، ولا يروى شاربه، وكالبدر لا تجحد دلائله، ولا يمكن نائله ... " (٣).
стр. 93
¬ولذلك ذكره الذهبي فى تذكرة الحفاظ (١)، وقال في موضع آخر من كتبه: "رزق ذكاء مفرطا وذهنا سيالا ... " (٢)، واستعان ابن حزم -على الحفظ- بأكل اللبان (٣)، فبرص وأصابته زمانة (٤).
٢ - وكان ابن حزم أشد الناس اتصافا بالوفاء: وأصدقهم معاشرة لكل مَنْ يداخله ولو لساعة، وإنه ليقول في ذلك: " ... لا أقول قولي هذا ممتدحا، ولكن آخذ بأدب الله : "وأما بنعمة ربك فحدث" لقد منحني الله من الوفاء لكل من يَمُتُّ إليَّ بِلُقية واحدة، ووهبني من المحافظة لمن يتذمم مني، ولو بمحادثته ساعة- حظا أنا له شاكر وحامد، ومنه مستمد ومستزيد، وما شيءٌ أثقل عليَّ من الغدر، ولعمري ما سمحت نفسي قط في الفكرة في إضرار مَنْ بيني وبينه أقل ذمام، وإن عظمت جريرته وكثرت إليَّ ذنوبه، ولقد دهمني من هذا غير قليل فما جزيت على السوءى إلا بالحسنى، والحمد لله على ذلك كثيرا" (٥).
وكان ابن حزم يجد شدة في معالجة ما كان عليه من صفة الوفاء التي
стр. 94
¬طُبع عليها، فلا يهنأ له عيش بدونها يقول في ذلك: "وَعَنِّي أخبرك أني جُبلت على طبيعتين لا يهنأني معهما عيش أبدا، وإني لأبرم بحياتي، باجتماعهما، وأود التغيب من نفسي أحيانا لأفقد ما أنا بسببه من النكد من أجلهما وهما: وفاء لا يشوبه تلون قد استوت فيه الحضرة والمغيب، والباطن والظاهر، تولده الألفة التي لم تعزف بها نفسي عما دربته، ولا تتطلع إلى عدم من صحبته: ... وإني لَأُجْفى فاحتمل، وأستعمل الأناة الطويلة، والتلوُّم الذي لا يكاد يطيقه أحد، فإذا أفرط الأمر، وحميت نفسي تصبرت، وفي القلب ما فيه" (١).
وحكى ابن حزم في "طوق الحمامة"، أخبارا عمن تلوَّن من خلطائه، فتغيَّرَ أمره، وما كان مِنْ حاله مِنْ بقاء المودة، والمحافظة على العهد، والثبات على الخلة (٢).
٣ - رُزق ابن حزم من صحة الدين، وسلامة اليقين، وشدة الورع، حظا عظيما، صده عن مواقعة الإثم، ومقارفة المعصية، فلقد عاش في أول حياته عيشة تنعم ورفاهية، يحوطه الرزق الواسع، وتحفه مباهج الحياة، فما عُرفت له صبوة، ولا حُفظت له نبوة، وهو الذي نشأ في حجور النساء، وَكَتب في الصَّبابة كتابا، وصف فيه من أحوال الحب ومراتبه وعلله وأدوائه. يقول متحدثًا عن النِّساء: " ... فلم أزل باحثا عن أخبارهن، كاشفا عن أسرارهن، وكن قد أنسن مني بكتمان
стр. 95
¬فكن يطلعنني على غوامض أمورهن، وَلَوْلَا أن كون مُنَبِّهًا على عورات يُستعاذ بالله منها، لأوردتُ من تنبههن في الشَّرِّ، ومكرهن فيه عجائب تُذهل الألباب وإني لأعرف هذا وأتيقنه، ومع هذا - يعلم الله وكفى به عليما- أني بريء السَّاحة، سليم الأديم، صحيح البشرة نقي الحجزة، وإني أقسم بالله أجلَّ الأقسام أني ما حللت مئزري على فَرْج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مُذْ عَقِلْتُ إلى يومي هذا والله المحمود على ذلك، والمشكور فيما مضى والمستعصم فيما بقي" (١).
٤ - ولقد أوتب ابن حزم -مع ما تقدم- اعتزازًا بالنفس، وترفعا بها، وَثَبتَتْ نفسه على ذلك في حال الرخاء والبأس، يقول منوها بهذه الصفة: "وَعَنِّي أخبركَ أني جُبلت على طبيعتين: ... وهما: وفاءٌ لا يشوبه تلوُّن ... وعزة نفس لا تقر على ضيم، مهتمة لأقل ما يرد عليها من تغير المعارف مؤثرة للموت عليه، فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلى نفسها ... وفي ذلك أقول قطعة منها:
لي خَلَّتان أذاقاني الأسى جُرعًا ... ونَغَّصَا عِيشتي، واستهلكا جَلَدي
كِلتاهما تُطيبني نحو جِبلتها ... كالصَّيْد ينشب بين الذئب والأسد
وَفَاءُ صِدْق فَمَا فَارقتُ ذَامِقَة ... فَزَالَ حُزني عَلَيْه آخِر الأَبَد
وعِزَّة لا يحِلُّ الضَّيْم سَاحتها ... صَرامَةً فيه بالأمْوال والولَد" (٢)
стр. 96
¬ولم تكن عزة النفس تَحمِلُ ابن حزم على العُجْب والاغترار بعلمه، وما وصل إليه من الفكر الثاقب والذكاء المفرط. ولقد كتب يقول عن آفة العجب التي تدخل على العلماء: "واعلم أن كثيرا من أهل الحرص على العلم يجِدُّون في القراءة والإكباب على الدرس والطلب، ثم لا يُرزقون منه حظا، فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالإكباب وحده، لكان غيره فوقه، فصح أنه موهبة من الله تعالى، فأي مكان للعجب هاهنا؟ ! ما هذا إلا موضع تواضع وشكر لله تعالى، واستزادة من نعمه، واستعاذة من سلبها" (١).
ولقد كان ابنُ حزم يذهب في الاعتداد بنفسه، والافتخار بما أوتيه من علم وفضل مذهب المتحدث بفضل الله عليه، الشاكر للمنة، الذاكر للنعمة (٢).
وله في هذا السبيل شعر يروى، منه قوله:
أنا الشمس في جو العلوم منيرة ... ولكنَّ عيبي، أن مَطلَعي الغرب
ولو أنَّني من جانب الشَّرق طالعٌ ... لَجَدَّ ما ضاع من ذِكْري النَّهب
ولي نحو آفاق العراق صبابة ... ولا غرو أن يَستَوْحش الكَلِفُ الصَّب
فإن يُنزل الرحمن رَحلي بينهم ... فحينئذ، يبدو التَّأسُّفُ والكَرْب
فكم قائل أغفلته وهو حاضر ... وأطلب ما عنه تجيء به الكتب
هنالك يدرى أن للبُعْد قصة ... وأن كساد العلم آفته القرب
فيا عجبا من غاب عنهم تشوقوا ... له ودنو المرء من دراهم ذنب
стр. 97
¬إن مكانا ضاق عني لضيق ... على أنه فيح مهامهه سهب
وإن رجالا ضيعوني لضيع ... وإن زمانا، لم أنل خصبه جدب (١)
وقوله أيضا:
أنا العِلْقُ الذي لا عيب فيه ... سوى بلدي، وأني غير طاري
تُقر لي العراق ما يليها ... وأهل الأرض، إلا أهل داري
طووا حسدا على أدب فهم ... وعلم ما يشق له غباري
فمهما طار في الآفاق ذكري ... فما سطع الدخان بغير ناري (٢)
٥ - أقبل ابن حزم على طلب العلم بهمة عالية: وجد منقطع النَّظير، ولم يكن الباعث له على ذلك دنيا يصيبها أو غرض يصل إليه، بل كان الحامل له على تلك الهمة وذلك الجد، طلب الآخرة الباقية، والانقطاع لنفع الناس، ولذلك، تراه يقول: " ... وليس في العالم مُذْ كان إلى أن يتناهى أحد يستحسن الهم، ولا يريد إلا طرحه عن نفسه، فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع، وانكشف لي هذا السر العجيب، وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم، بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم، الذي هو المطلوب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الإنسان: الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على السعي له، فلم أجدها إلا التوجه إلى
стр. 98
¬الله بالعمل للآخرة" (١).
ولقد كان إخلاص ابن حزم سببا في الصفة التي اشتهر بها وهي الصراحة في الحق، والصَّدعُ بالرأي وإن خالفه الناس، فما هو إلا أن يظهر له دليل المسألة، والحجة فيها حتى يتشبث بذلك، ولا يدعه رضي من رضي وسخط من سخط. ولقد كان ثبات ابن حزم على الحق، سببا في أن يصفه معاصروه بالجهل بسياسة العلم، قال ابن حيان: "وأكثر معايبه زعموا عند المُنْصِف له جهله بسياسة العلم التي هي أغوص من إيعابه ... " (٢). وإذا كان الحق يُغضب بعضَ الناس، فليس على من ندب نفسه لبيانه، والدفاع عنه، حرج في أن يدع سياسة العلم.
وَسَاءَ النَّاسَ مِن ابن حزم مع ذلك حِدَّةٌ في الطَّبع، وعنف في العبارة، ووقيعة في الأئمة الكبار، وعدم تلطف في الإعتراض، وفي ذلك يقول ابن حيان: " ... وكان يحمل علمه هذا ويجادل مَنْ خالفه فيه على استرسال في طباعه، وبذل بأسراره، واستناد إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده "ليبيننه للناس، ولا يكتمونه"، فلم يك يُلَطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يزفه بتدريج، بل يصك به معارضه صك الجندل، ويُنْشْقُهُ مُتَلَقِّيه إنْشَاقَ الخردل ... " (٣) واشتهر قول أبي العباس
стр. 99
¬ابن العريف فيه: "كان لسان ابن حزم، وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين" (١).
وسبب حِدَّة ابن حزم أمران:
الأوَّل: ما صرح به علانية: من المرض الذي وَرَّثَهُ الضَّجَرَ، وضيق الصدر، وقلة الاحتمال عندما قال: "ولقد أصابتني علة شديدة ولدت علي ربوا في الطحال شديدا، فولَّد علي ذلك من الضجر، وضيق الخلق، وقلة الصبر والنزق أمرا حاسبتُ نفسي فيه، إذ أنكرت تبدُّل خلقي، فاشتد عجبي من مفارقتي لطبعي، وصحَّ عندي أن الطحال موضع الفرح، فإذا فسد تولد ضده" (٢).
الثاني: ما أصابه من توالي المحن، وتتابع الفتن، بنفور الناس منه، وجفوتهم له وسوء معاملتهم، فَوَلَّدَ ذلك في نفسه إحساسا بإرادة السوء به، وإنزال الأذى بساحته، فكان منه ما كان (٣).
стр. 100
¬ولقد نفع اللهُ ابن حزم بهذه الحدة، فتوقَّد بها طبعه، وتنبه لها ذهنه، وجاد بها فكره، فكثرت لذلك تآليفه يقول في هذا المعنى: "وقد انتفعت بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة وهي أنه قد توقَّد طبعي، واحتدم خاطري، وحمي فكري، وتهيج نشاطي، دكان ذلك سببا إلى تواليف عظيمة النفع، ولولا استثارتهم ساكني، واقتداحهم كامني، ما انبعثت لتلك التواليف" (١).
ومن أجل هذه الحِدَّة التي جرت على لسان ابن حزم وقلمه، نفر منه الناس، وزهدوا في كتبه، وأعرضوا عن مجالسته (٢)، ولقد قارن السخاويُّ بين ابن حزم وبين ابن تيمية في هذا فقال: "وكذا ممن حصل من بعض الناس منهم نفرة، وتحامى عن الإنتفاع بعلمهم مع
стр. 101
¬جلالتهم علما وورعا وزهدا لإطلاق لسانهم، وعدم مدَارَاتهم، بحيث يتكلمون، ويجرحون بما فيه مبالغة كابن حزم وابن تيمية، وهما ممن امتحن وأوذي، وكل أحد من الأمة يؤخذ من قوله، ويترك إلا رسول الله ﷺ " (١).
* * *
стр. 102
¬ [المبحث السادس] رحلاته
لم يرحل ابن حزم إلى المشرق -على عادة أهل الأندلس في الرحلة إليه طلبا للعلم، واستزادة مِنْهُ: لأنه تهيأ له في قرطبة من أسبابه ما جعله في غُنية عن ذلك.
ولقد كان يتشوق إلى زيارة بغداد - عاصمة العلم والفكر في ذلك الوقت، ولذلك كان يقول:
ولي نحو آفَاقِ العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصَّبُّ
فإن ينزل الرحمن رحلتي بينهم ... فَحينئذ، يبدو التأسُّف والكرب (١)
ولقد خرج ابن حزم -في أول حياته- من مسقط رأسه مضطرا كارها عندما وقعت الفتنة، واضطرب أمر الناس، وَتَفَلَّتَ الأمنُ، يقول في ذلك: "ووقع انتهاب جند البربر منازلنا في الجانب الغربي بقرطبة ونزولهم فيها ... وتقلبت بي الأمور إلى الخروج من قرطبة، وسكنى مدينة ألمرية" (٢).
ويحدد ابنُ حزم تاريخَ هذا الخروج من قرطبة فيقول: " ... فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة ... " (٣).
وأقام ابنُ حزم في المرية ثلاث سنوات، اعتقله فيها "خيران" (٤)
стр. 103
¬حاكم المدينة بضعة أشهر (١). يقول في ذلك: "ثم أخرجنا على جهة التغريب، فصرنا إلى حصن القصر، ولقينا صاحبه أبو القاسم عبد الله ابن هذيل التجيبي المعروف بابن المقفل، فأقمنا عنده شهورا في خير دار إقامة، وبين خير أهل وجيران، وعند أجل الناس همة، وأكملهم معروفا، وأتمهم سيادة" (٢).
ثم هاجر ابنُ حزم إلى بلنسية (٣)، وتقلبت به أمور السياسة، إلى أن ألقى عصا التَّسيار في قرطبة. وانقطع للعلم، ونَبَذَ السياسة، وزهد في الوزارة. لكنه لم يلبث إلا قليلا حتى عاود الرحلة مضطرا كارها، إذ أخرجه قومه، وقد سَفَّهَ أحلامهم، وخالف آراءهم، ونسبهم إلى التقليد، وهو في كل ذلك مُقْذع في الِحجَاج، لاذع في الاعتراض: "حتى استُهدف إلى فقهاء وقته، فَتَمَالؤُوا على بغضه، ورد أقواله، فأجمعوا على تضليله، وَشَنَّعُوْا عليه، وحذَّروا سلاطينهم من فتنته ... وطفق الملوك يُقصونه عن قُربهم، ويُسَيِّرُونَه عن بلادهم" (٤).
فخرج إلى شاطبة، ثم تنقل بين مدن الأندلس، فزار قلعة البونب، ودخل جزيرة ميورقة، وكان واليها أحمد بن رشيق (٥) محبا للعلم وأهله
стр. 104
¬فأكرمه وأحسن مثواه.
ثم أُجلي عن ميورقة، وذهب إلى إشبيلية، فأُخرج عنها، وانتهى به المطاف إلى لبلة موطن أسرته ومنقطع أثرته، حيث لبث هناك بقية حياته.
وكان أثر هذه الرحلات شديدا على نفس ابن حزم، فاضطرب لها فكره، وتشتت لها همه، يقول واصفا ذلك: " ... فأنت تعلم (١) أن ذهني متقلب، وبالي مهصر بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الأزمان، ونكبات السلطان، وتغير الإخوان، وفساد الأحوال، وتبدل الأيام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه، والفكر في صيانة الأهل والولد، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل، ومدافعة الدهر، وانتظار الأقدار، لا جعلنا الله من الشاكين إلا إليه، وأعادنا إلى أفضل ما عودنا، وإن الذي أبقى لأكثر مما أخذ، والذي ترك أعظم من الذي تحيف، ومواهبه المحيطة بنا ونعمه التي غمرتنا لا تحد، ولا يُؤَدَّي شكرها، والكل منحه وعطاياه، ولا حكم لنا في أنفسنا ونحن منه، وإليه منقلبنا، وكل عارية فراجعة إلى معيرها وله الحمد أولا وآخرا وعودا وبدءا" (٢).
стр. 105
¬ومع الاضطراب في الفكر، والتشتت في الذهن، كانت تسنح لابن حزم أوقات يَدِقُّ فيها فهمه، ويجود نظره، فيقف فيها على حقيقة المشكل الغامض.
اسمع إليه يذكر فرحته بوقوفه على حل مسألة عويصة.
يقول: "واعلم أنك لا تورث العلم إلا من يُكسبك الحسنات وأنت ميت، والذكر الطيب وأنت رميم، ولا يذكرك إلا بكل جميل، ولا تورثه بعدك ولا تصحب في حياتك في طريقه إلا كل فاضل بَرِّ، ولست تصحب في طَلَب المال والجاه إلا أشباه الثعالب والذئاب، وأحدثك في ذلك بما نرجو أن ينتفع به قارئه إن شاء الله تعالى، وذلك أني كنت معتقلا في يد الملقب بالمُسْتكفي ... في مطبق، وكنت لا آمن قتله لأنه كان سلطانا جائرا ظالما عاديا قليل الدين، كثير الجهل، غير مأمون ولا مُتَثَبِّت.
وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر ... وكنت مفكرا في مسألة عويصة من كليات الجُمَلِ التي تقع تحتها معان عظيمة كثر فيها الشغب قديما وحديثا في أحكام الديانة، وهي منصرفة الفروع في جميع أبواب الفقه، فطالت فكرتي فيها أياما وليالي إلى أن لَاحَ لي وجه البيان فيها، وصح لي، وَحَقَّ لي الحقُّ يقينا في حكمها وانبلج، وأنا في الحال التي وصفتُ.
فبالله الذي لا إله إلا هو الخالق الأول، مدبر الأمور كلها أقسم، الذي لا يجوز القسم بسواه، لقد كان سروري يومئذ وأنا في تلك الحال، بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به، وإشراق الصواب لي
стр. 106
¬أشد من سروري بإطلاقي مما كنت فيه، وما ألفنا هذا الكتاب وكثيرا من كتبنا إلا ونحن مُغَرَّبون مُبْعدون عن الوطن والأهل والولد، مخافون مع ذلك في أنفسنا ظلما وعدوانا" (١).
* * *
стр. 107
¬ [المبحث السابع] وفاته
انتهى بابن حزم التَّطواف إلى قريته "منت ليشم" (١) من أعمال مدينة لبلة، فلبث هناك "يبث علمه فيمن ينتابه بباديته تلك من عامة المقتبسين منه، من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، يحدثهم ويفقههم ويدارسهم، ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف، والإكثار من التصنيف حتى كمل من مُصنفاته في فنون العلم وقر بعير" (٢).
وما زال ابنُ حزم على تلك الحال إلى أن توفي في آخر نهار الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة: ونقل أبو بكر محمد بن طرخان التركي عن أبي محمد عبد الله بن العربي أن ابن حزم توفي في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة (٣)، لكن القول الأول هو الصواب الذي عليه إجماع المؤرخين (٤).
وقال ﵀ يَنْعي نفسه حينما أحسَّ بدنوِّ أجله:
стр. 108
¬"كأنك بالزوار لي قد تبادروا ... وقيل لهم: أودى علي بن أحمد
فيارب محزون هناك وضاحك ... وكم أدمع تُذْري وخدّ مخدد
عفا الله عني يوم أرحل ظاعنًا ... عن الأهل محمولا إِلَى ضيق ملحد
فوا راحتي إن كان زادي مقدما ... ويا نصبي إن كنت لم أتزود" (١)
¬ المبحث الأول تلاميذه
كان التصدي للإفادة، ونشر العلم، أمنية ابن حزم يقول في ذلك:
مُناي من الدُّنيا علومٌ أَبُثُّهَا ... وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنة التي ... تناسى رجالٌ ذِكرَهَا في المحاضر (١)
وانقطع ابن حزم -لذلك- في قريته منت ليشم، لبث علمه، ونشر مذهبه، فكان يختلف إليه أصاغر الطلبة الذين لا يخشون في ذلك ملامة، "فيحدثهم ويفقههم ويدارسهم" (٢)، ومن بين هؤلاء التلاميذ المشاهير:
١ - ولده أبو رافع: وقد تقدم التعريف به (٣).
٢ - القاضي صاعد: بن أحمد بن عبد الرحمن التغلبي أبو القاسم قاضي طليطلة، روى عن ابن حزم، والفتح بن قاسم وأبي الوليد الوقشي، قال ابن بشكوال: "وكان من أهل المعرفة والذكاء والرواية والدراية" (٤): توفي سنة ٤٦٢ هـ.
٣ - الحميدي: وقد تقدم التعريف به (٥): قال الذهبي في ذكر