Полный текст (136 стр.). Показаны 106–136 · переход к 111.
стр. 106
(١) أقول: اللفائف يشملها عموم حديث ثوبان المتقدم أنه ﵇ أمرهم بالمسح على التساخين وقد أسلفنا أن التساخين لغة كل ما يسخن به القدم فتذكر. اه جمال الدين
[٧٧]
стр. 107
عليها ضيقوا تضييقا يظهر خلافه للشريعة بلا حجة معهم أصلا. اه. كلامه عليه رحمة الله ورضوانه
الخاتمة
لا يخفى أن الرخص المأثورة عن النبي ﷺ هي نعمة عظمى في كل حال وعلى أي حال وإنما يظهر تمام نعمة تشريعها في بعض الأحوال مثل رخصة المسح على الجوربين في أيام البرد وأوقات السفر وحالات المرض أو تشقق القدم أو قشف الرجلين أو تورمهما مما يعرض كما أمر النبي ﷺ السرية الذين شكوا إليه ما أصابهم من البرد أن يمسحوا على العصائب والتساخين كما قدمنا وقال من صحب عكرمة رضي الله عن هـ إلى واسط (١) : ما رأيته غسل رجليه إنما يمسح عليهما حتى خرج منها: رواه ابن جرير في تفسيره
وتقدم عن البدائع للقاساني أن أبا حنيفة رضي الله عن هـ رجع إلى قول أبي يوسف ومحمد في المسح على الجوربين في آخر عمره وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه
стр. 108
(١) أي في سفره إليها. فتأمل ترخصه هذا في سفره. والسفر محل الرخص وأعجب من فقهه وعلمه رضي الله عن هـ
[٧٨]
стр. 109
ثم قال لعواده: (فعلت ما كنت أنهى الناس عنه) فاستدلوا به على رجوعه اه. ورجوع أبي حنيفة رضي الله عن هـ من فضله وإنصافه. وللمجتهدين من تغير الاجتهاد والرجوع إلى ما فيه قوة وسداد ما عرف عنهم أجمعين وعد من مناقبهم. ومن أكبر العبر - في هذه القصة - قصة رجوع الإمام أبي حنيفة - أن يرجع إمام ويصرح برجوعه ويأبى ألد الخصوم الرجوع للحق ولو تلي عليه من البراهين ما يلين له الحديد ويصدع الجلاميد ولا غرو فالأئمة المجتهدون لهم من اللطف والكمال ومحاسن الأخلاق والإنصاف والاعتراف بالحق ما سارت به الركبان
وليعتبر أيضا بالإمام الشافعي لما رحل من العراق إلى مصر وأعاد البحث في مذهبه القديم كيف رجع عن كثير من مسائله وعد ذلك من أسمى فضائله وسبب ذلك التقوى وإيثار الأخرى فإنها تزع المتقي عن إيثار الهوى والدنيا. وهكذا فعل الإمام أبو حنيفة في رجوعه إلى القول بالمسح على الجوربين
وقد يظن قوم أن التشدد في العزائم ومجافاة الرخص من التقوى وحاشا لله كيف وقد قال النبي ﷺ :
(لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في
[٧٩]
стр. 110
الصوامع والديار ﴿رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ (١) وقال رسول الله ﷺ :
(صحيح) (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) (٢) وعنه ﷺ :
(ضعيف الإسناد) (إن الله تعالى يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه) (٣) وقال ﷺ :
(ضعيف) (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) (٤) وقال ﷺ :
(هلك المتنطعون) (٥)
نعم يوجد من خيار العباد ذوي الجد والاجتهاد من لا يأخذون إلا بالعزائم لا زهدا في المأثور ولا رغبة عن المرخص فيها المبرور بل تربية للنفس على الأفضل وأخذا بها إلى الأمثل والأكمل وهو ما يسميه الفقهاء بالاحتياط والخروج من الخلاف إيثارا لما يكون فيه إجماع وائتلاف وأصله ما صح في السنة أن النبي ﷺ كان يقوم الليل حتى ترم قدماه فقيل له: أتتكلف هذا
стр. 111
(١) رواه أبو داود عن أنس رضي الله عن هـ. جمال الدين
(٢) رواه الإمام أحمد عن ابن عمر والطبراني عن ابن عباس وابن مسعود. جمال الدين قلت: وهو حديث صحيح مخرج في (إرواء الغليل) (٥٥٧)
(٣) رواه الطبراني عن أبي الدرداء وواثلة وأبي أمامة وأنس. جمال الدين قلت: وإسناده ضعيف كما هو مبين في المصدر السابق وفي (الأحاديث الضعيفة) أيضا (٥٠٨)
(٤) رواه الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي عن ابن عمر. جمال الدين. قلت: وهو مخرج في المصدر السابق وفي (تخريج الطحاوية) (٢١٨)
(٥) رواه الإمام مسلم عن ابن مسعود. جمال الدين
[٨٠]
стр. 112
وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: (أفلا أكون عبدا شكورا) ؟
جعلنا الله من عباده الشاكرين وفقهنا في الدين وحشرنا مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين والحمد لله رب العالمين
قال مؤلفها (محمد جمال الدين القاسمي) : أعدت النظر إلى مسودتها ثم نقحتها إلى ما ترى وذلك في مجالس آخرها في ربيع الآخر عام ١٣٣٢ بمنزلنا بدمشق الشام (١) والحمد لله ذي الإجلال والإكرام
стр. 113
(١) وكان منزله في قصر حجاج قرب جامع حسان بطريق الميدان بين باب الجابية والسويقة
[٨١]
стр. 114
تمام النصح في أحكام المسح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد فلما فرغت من التعليق على هذه الرسالة المباركة النافعة رأيت أن من تمام النفع بها أن أحذو حذو مؤلفها رحمه الله تعالى في تحقيق القول في مسائل يكثر الابتلاء بها والسؤال عنها ولها صلة وثقى بموضوعها ألا وهي:
стр. 115
١ - المسح على النعلين
стр. 116
٢ - المسح على الخف أو الجورب المخرق
стр. 117
٣ - خلع الممسوح عليه هل ينقض الوضوء
стр. 118
٤ - متى تبدأ مدة المسح؟
стр. 119
٥ - انتهاء مدة المسح هل ينقض الوضوء
فاقول مستعينا بالله وحده متوكلا عليه:
[٨٥]
стр. 120
١ - المسح على النعلين
أما المسح على النعلين فقد اشتهر بين العلماء المتأخرين أنه لا يجوز المسح عليهما ولا نعلم لهم دليلا على ذلك إلا ما قاله البيهقي في (سننه) (١ / ٢٨٨) :
(والأصل وجوب غسل الرجلين غلا ما خصته سنة ثابتة أو إجماع لا يختلف فيه وليس على المسح على النعلين ولا على الجوربين واحد منهما. والله أعلم)
كذا قال ولا يخفى ما فيه - مع الأسف - من تجاهل للأحاديث المتقدمة في الرسالة في إثبات المسح على الجوربين والنعلين وأسانيد بعضها صحيحة كما سبق بيانه ولذلك تعقبه التركماني الحنفي في (الجوهر النقي) فقال (١ / ٢٨٨) :
(قلت: هذا ممنوع فقد تقدم أن الترمذي صحح المسح على الجوربين والنعلين وحسنه من حديث هزيل عن المغيرة وحسنه أيضا من حديث الضحاك عن أبي موسى. وصححه ابن حبان المسح على النعلين من حديث أوس وصحح ابن خزيمة (١) حديث ابن عمر في المسح على النعال
стр. 121
(١) (صحيح ابن خزيمة) ص ١٠٠ طبع المكتب الإسلامي
[٨٦]
стр. 122
السبتية وما ذكره البيهقي من حديث زيد بن الحباب عن الثوري (يعني بإسناده عن ابن عباس وقد مضى) في المسح على النعلين حديث جيد وصححه ابن القطان عن ابن عمر)
قلت: وإذا عرفت هذا فلا يجوز التردد في قبول هذه الرخصة بعد ثبوت الحديث بها لأنه كما قال المؤلف فيما سبق: (وقد صح الحديث فليس إلا السمع والطاعة) . لا سيما بعد جريان عمل الصحابة بها وفي مقدمتهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ كما تقدم وهو مما ذهب إليه بعض الأئمة من السلف الصالح رضي الله عن هم أجمعين. فقد قال ابن حزم رحمه الله تعالى في (المحلى) (٢ / ١٠٣) .:
(مسألة: فإن كان الخفان مقطوعين تحت الكعبين فالمسح جائز عليهما وهو قول الأوزاعي روي عنه أنه قال: يمسح المحرم على الخفين المقطوعين تحت الكعبين. . . وقال غيره: لا يمسح عليهما إلا أن يكونا فوق الكعبين)
[٨٧]
стр. 123
٢ - المسح على الخف أو الجورب المخرق
وأما المسح على الخف أو الجورب المخرق فقد اختلفوا فيه اختلافا كثيرا فأكثرهم يمنع منه على خلاف طويل بينهم تراه في مبسوطات الكتب الفقهية و (الملحى) وذهب غيرهم إلى الجواز وهو الذي نختاره. وحجتنا في ذلك أن الأصل الإباحة فمن منع واشترط السلامة من الخرق أو وضع له حدا فهو مردود لقوله ﷺ :
(صحيح) (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) متفق عليه. وأيضا فقد صح عن الثوري أنه قال:
(امسح عليهما ما تعلقت به رجلك وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة مشققة مرقعة؟)
أخرجه عبد الرزاق في (المصنف) (٧٥٣) ومن طريقه البيهقي (١ / ٢٨٣)
وقال ابن حزم (٢ / ١٠٠) :
(فإن كان في الخفين أو فيما لبس على الرجلين خرق صغير أو كبير طولا أو عرضا فظهر منه شيء من القدم أقل القدم أو أكثرها أو كلاهما فكل ذلك سواء والمسح
[٨٨]
стр. 124
على كل ذلك جائز ما دام يتعلق بالرجلين منهما شيء وهو قول سفيان الثوري وداود وأبي ثور وإسحاق بن راهويه ويزيد بن هارون)
ثم حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بينها من اختلاف وتعارض ثم رد عليها وبين أنها مما لا دليل عليها سوى الرأي وختم ذلك بقوله:
(لكن الحق في ذلك ما جاءت به السنة المبينة للقرآن من أن حكم القدمين اللتين ليس عليهما شيء ملبوس يمسح عليه أن يغسلا وحكمهما إذا كان عليهما شيء ملبوس أن يمسح على ذلك الشيء. بهذا جاءت السنة ﴿وما كان ربك نسيا﴾ (١) وقد علم رسول الله ﷺ إذ أمر بالمسح على الخفين وما يلبس في الرجلين ومسح على الجوربين - أن من الخفاف والجوارب وغير ذلك مما يلبس على الرجلين المخرق خرقا فاحشا أو غير فاحش وغير المخرق والأحمر والأسود والأبيض والجديد والبالي فما خص ﵇ بعض ذلك دون بعض ولو كان حكم ذلك في الدين يختلف لما أغفله الله تعالى أن يوحى به ولا أهمله رسول الله ﷺ المفترض عليه البيان حاشا له من ذلك
стр. 125
(١) مريم / ٦٤
[٨٩]
стр. 126
فصح أن حكم ذلك المسح على كل حال والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطبنا)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (اختياراته) (ص ١٣) :
(ويجوز المسح على اللفائف في أحد الوجهين حكاه ابن تميم وغيره وعلى الخف المخرق ما دام اسمه باقيا والمشي فيه ممكنا وهو قديم قولي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء)
قلت: ونسبه الرافعي في (شرح الوجيز) (٢ / ٣٧٠) للأكثرية واحتج له بأن القول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة فوجب أن يمسح. ولقد أصاب ﵀
[٩٠]
стр. 127
٣ - خلع الممسوح عليه هل ينقض الوضوء
اختلف العلماء أيضا فيمن خلع الخف ونحوه بعد أن توضأ ومسح عليه على ثلاثة أقوال:
الأول: أن وضوءه صحيح ولا شيء عليه
الثاني: أن عليه غسل رجليه فقط
الثالث: أن عليه إعادة الوضوء
وبكل من هذه الأقوال قد قال به طائفة من السلف وقد أخرج الآثار عنهم بذلك عبد الرزاق في (المصنف) (١ / ٢١٠ / ٨٠٩ - ٨١٣) وابن أبي شيبة (١ / ١٨٧ - ١٨٨) والبيهقي (١ / ٢٨٩ - ٢٩٠)
ولا شك أن القول الأول هو الأرجح لأنه المناسب لكون المسح رخصة وتيسيرا من الله والقول بغيره ينافي ذلك كما قال الرافعي في المسألة التي قبلها كما تقدم ويترجح على القولين الآخرين بمرجح آخر بل مرجحين:
الأول: أنه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي
[٩١]
стр. 128
طالب فقد قدمنا بالسند الصحيح عنه رضي الله عن هـ أنه أحدث ثم توضأ ومسح على نعليه ثم خلعهما ثم صلى
والآخر: موافقته للنظر الصحيح فإنه لو مسح على رأسه ثم حلق لم يجب عليه أن يعيد المسح بله الوضوء وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في (اختياراته) (ص ١٥) :
(ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه وهو مذهب الحسن البصري. كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور)
وهو مذهب ابن حزم أيضا فراجع كلامه في ذلك ومناقشته لمن خالف. فإنه نفيس. (المحلى) (٢ / ١٠٥ - ١٠٩) :
وأما ما رواه ابن أبي شيبة (١ / ١٨٧) والبيهقي (١ / ٢٨٩) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ في الرجل يمسح على خفيه ثم يبدوا له أن ينزع خفيه قال: يغسل قدميه. ففيه يزيد بن عبد الرحمن الدالاني قال الحافظ: صدوق يخطئ كثيرا وكان يدلس
وروى البيهقي عن أبي بكرة نحوه
[٩٢]
стр. 129
ورجاله ثقات غير علي بن محمد القرشي فلم أعرفه
ثم روى عن المغيرة بن شعبة مرفوعا: (المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليها للمسافر ويوما وليلة للمقيم ما لم يخلع)
وقال: (تفرد به عمر بن رديح وليس بالقوي)
قلت: هذه الزيادة (ما لم يخلع) منكرة لتفرد هذا الضعيف وعدم وجود الشاهد لها
[٩٣]
стр. 130
٤ - متى تبدأ مدة المسح؟
للعلماء في هذه المسألة قولان معروفان:
الأول: أنها تبدأ من الحدث بعد اللبس
والآخر: من المسح بعد الحدث
وقد ذهب إلى الأول أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابهم ولا نعلم لهم دليلا يستح الذكر إلا مجرد الرأي ولذلك خالفهم بعض أصحابهم كما يأتي ولا علمت لهم سلفا من الصحابة بخلاف القول الثاني فإمامهم الأحاديث الصحيحة وفتوى عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ
أما السنة فالأحاديث الصحيحة التي رواها جمع من الصحابة في صحيح مسلم والسنن الأربعة والمسانيد وغيرها ففيها أن النبي ﷺ أمر بالمسح وفي بعضها رخص في المسح وفي غيرها: جعل المسح للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ومن الواضح جدا أن الحديث كالنص على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح وهو كالنص أيضا على رد القول الأول لأن مقتضاه كما نصوا عليه في الفروع
[٩٤]
стр. 131
أن من صلى الفجر قبيل طلوع الشمس ثم أحدث عند الفجر من اليوم الثاني فتوضأ ومسح لأول مرة لصلاة الفجر فليس له المسح بعدها فهل يصدق على مثل هذا أنه مسح يوما وليلة؟ أما على القول الثاني الراجح فله أن يمسح إلى قبيل الفجر من اليوم الثالث بل لقد قالوا أغرب مما ذكرنا: فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة أيام إن كان مسافرا انقضت المدة ولم يجز المسح بعد ذلك حتى يستأنف لبسا على طهارة (١)
فحرموه من الانتفاع بهذه الرخصة. بناء على هذا الرأي المخالف للسنة ولذلك لم يسع الإمام النووي إلا أن يخالف مذهبه - وهو الحريص على أن لا يخالفه ما وجد إلى ذلك سبيلا - لقوة الدليل فقال رحمه الله تعالى بعد أن حكى القول الأول ومن قال به (١ / ٤٨٧) :
(وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث وهو رواية عن أحمد وداود وهو المختار الراجح دليلا واختاره ابن المنذر وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ وحكى الماوردي والشاشي عن الحسن البصري أن ابتدائها من اللبس واحتج القائلون من حين المسح بقوله ﷺ : (يمسح المسافر ثلاثة أيام)
стр. 132
(١) ذكره النووي في المجموع (١ / ٤٨٦)
[٩٥]
стр. 133
وهي أحاديث صحاح كما سبق وهذا تصريح بأنه يمسح ثلاثة ولا يكون ذلك إلا إذا كانت المدة من المسح ولأن الشافعي رضي الله عن هـ قال: إذا أحدث في الحضر ومسح في مسافر فعلق الحكم بالمسح. واحتج أصحابنا برواية رواها الحافظ القاسم بن زكريا المطرزي في حديث صفوان: (من الحدث إلى الحدث) وهي زيادة غريبة ليست ثابتة وبالقياس. . .)
قلت: إن القياس المشار إليه لو كان مسلما بصحته في نفسه فشرط قبوله والاحتجاج به إنما هو إذا لم يخالف السنة أما وهو مخالف لها كما رأيت فلا يجوز الالتفات إليه ولذلك قيل: إذا ورد الأثر بطل النظر. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. فيكف وهو مخالف أيضا لقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وعهدي بالمقلدين أن يدعوا الأخذ بالسنة الصحيحة حين تخالف قوله رضي الله عن هـ كما فعلوا في الطلاق الثلاث فكيف لا يأخذون به حين وافق السنة؟ فقد روى عبد الرزاق في (المصنف) (١ / ٢٠٩ / ٨٠٧) عن أبي عثمان النهدي قال:
(صحيح الإسناد) (حضرت سعدا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين فقال عمر: يمسح عليهما مثل ساعته من يومه وليلته)
قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين وهو
[٩٦]
стр. 134
صريح في أن المسح يبتدئ من ساعة إجرائه على الخف إلى مثلها من اليوم والليلة وهو ظاهر كل الآثار المروية عن الصحابة في مدة المسح فيما علمنا مما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في (المصنف) وعلى سبيل المثال أذكر ما رواه ابن أبي شيبة (١ / ١٨٠) عن عمرو بن الحارث قال:
(خرجت مع عبد الله إلى المدائن فمسح على الخفين ثلاثا لا ينزعهما) . وإسناده صحيح على شرط الشيخين
فقد اتفقت الآثار السلفية مع السنة المحمدية على ما ذكرنا فتمسك بها تكن بإذن الله مهديا
[٩٧]
стр. 135
٥ - انتهاء مدة المسح هل ينقض الوضوء؟
للعلماء في ذلك أقوال أشهرها قولان في مذهب الشافعي:
الأول: يجب استئناف الوضوء
الثاني: يكفيه غسل القدمين
والثالث: لاشيء عليه بل طهارته صحيحة يصلي بها ما لم يحدث. قال النووي ﵀. قلت: وهذا القول الثالث أقواها وهو الذي اختاره النووي خلافا لمذهبه أيضا فقال ﵀ (١ / ٥٢٧) :
(وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وقتادة وسليمان بن حرب واختاره ابن المنذر وهو المختار الأقوى وحكاه أصحابنا عن داود)
قلت: وحكاه الشعراني في (الميزان) (١ / ١٥٠) عن الإمام مالك وحكى النووي عنه غيره فليحقق. وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية كما تراه في كلامه السابق في المسألة الثالثة (ص ٩٢) تبعا لابن حزم وذكر هذا في القائلين به إبراهيم النخعي وابن أبي ليلى ثم قال (ص ٢ / ٩٤) :
[٩٨]
стр. 136
(وهذا هو القول الذي لا يجوز غيره لأنه ليس في شيء من الأخبار أن الطهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء ولا عن بعضها بانقضاء وقت المسح وإنما نهى ﵇ عن أن يمسح أحد أكثر من ثلاث للمسافر أو يوم وليلة للمقيم. فمن قال غير هذا فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه وقول رسول الله ﷺ ما لم يقل فمن فعل ذلك واهما فلا شيء عليه ومن فعل ذلك عامدا بعد قيام الحجة عليه فقد أتى كبيرة من الكبائر والطهارة لا ينقضها إلا الحدث وهذا قد صحت طهارته ولم يحدث فهو طاهر والطاهر يصلي ما لم يحدث أو ما لم يأت نص جلي في أن طهارته انتقضت وإن لم يحدث. وهذا الذي انقضى وقت مسحه لم يحدث ولا جاء نص في أن طهارته انتقضت لا عن بعض أعضائه ولا عن جميعها فهو طاهر يصلي حتى يحدث فيخلع خفيه حينئذ وما على قدميه ويتوضأ ثم يستأنف المسح توقيتا آخر وهكذا أبدا. وبالله تعالى التوفيق)
بيروت ٨ / ١٢ / ١٣٧٠
محمد ناصر الدين الألباني
[٩٩]